كِتَابُ النَّفَقَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ويؤول الكلام إلى الرجوع والاسترداد عند تبيُّن الأمر.
ولسنا ننكر -مع هذا التكلّف- أن الأصح تعجيلُ النفقة.
وفيه دقيقةٌ سيأتي التفريع عليها -إن شاء الله- وإذا انتهينا إليها، نبّهنا على بديعةٍ هي سر المذهب.
التفريع على القولين:
10166 - إن قلنا: يجب تعجيلُ الإنفاق، فإن أنفق، لم يخل: إما أن يَبِينَ أنها حامل، وإما أن يَبِين أن ما بها ريحٌ [قد نَفَشت] 1.
فإن بان أنها حامل: فقد وقعت النفقة موقعها، ويجب على الناظر أن يعلم أنا لا نوجب استفتاح الإنفاق ما لم تشهد نسوةٌ من ذوات الخبرة على كونها حاملاً، وإنما خصصناهن بالذكر لمسيس الحاجة إلى الاطلاع على ما لا يظهر إلا في وقت الحاجة من النساء، ولا ننكر إحاطة الرجال بذلك.
فلو جئن وقلن: إنها حامل، وهن أثبات، فذاك، وإن قلن: لا سبيل إلى القطع بذلك، ولكن توافت علاماتُه، فهل يثبت الحمل بهذا أم لا؟ هذا فيه تردد عندي: يجوز أن يقال: لا بد وأن يَجْزِمْن إقامةً لمراسم الشهادات المقامة في مفاصل الخصومات، وهذا كما أن الشهود يجزمون شهاداتهم بالملك، وإن كانوا على القطع لا يستندون إلى ما يقتضي العلمَ، ولو أبدَوْا ترددَهم، بطلت شهادتهم، فلتكن شهادات النسوة على الحمل بهذه المثابة.
ويجوز أن يقال: إذا أخبرن بحقيقة الحال، كفى ذلك، وهذا يمكن تقريبه مما ذكر من أن الحمل هل يعلم؟ حتى تكون فائدة هذا أنا هل نكلّف الشهود [الألفاظ] 2 المشعرة بالعلم أم يكتفى بما يدل على الظنون الغالبة، ومن يكتفي بما يدل على الظنون الغالبة يستشهد بشهادة العدل الرضا الذي هو من أهل مخالطة الرجل على الإعسار، فإنه لو قال: خبرت ظاهره وباطنه، فظهر لي إعساره، ولا أعلم له مالاً، فقد يُكتفى
بهذه الصيغة في إثبات الإعسار.
وكذلك إذا شهد الشاهد حَصْرَ الورثة، فيكفي أن يقول: لا أعلم له ورثة سوى هؤلاء.
وأما الشهادة على الملك، فيعسر الانفصال عنها، ولكن حقيقة الملك ترجع إلى ملك التصرف، ومن تحقق عنده تسلط إنسان على تمادي الزمان من غير ظهور منازع، فيمكن أن يحكم له بملك التصرف، ولا معنى للملك -وإن جزم- إلا الاقتدار على التصرف.
فهذا ما أردنا أن نذكره.
وحقائق القول في مراتب الشهادات وخواصها ستأتي في موضعها، إن شاء الله.
هذا إذا أوجبنا عليه تعجيل النفقة.
10167 - فلو أخذ في الإنفاق فأَجْهَضَت المرأةُ جنينَها بعد بُدوّ التخليق والتخطيط، فالنفقة واقعةٌ [موقعها] 1 وإن لم ينفصل الحمل حياً، وذلك أنا نوجب كفاية الحمل، ولا ننظر إلى خروجه حياً، فإن اتفق إجهاضٌ لعارضٍ عرض، فتلك المؤنة مصادفةٌ حقها.
فأما إذا بأن أنها لم تكن حاملاً، وقد أنفق الزوج على تقدير الحمل، فهذا موضعٌ يتعين صرف الاهتمام إليه، والغرض منه تفصيل القول في أن الزوج هل يرجع فيما أخرجه قائلاً: قد أنفقت على ظن الحمل، فإذا بأن أن لا حمل، ولا نفقة للبائنة الحائل، فأسترد ما أنفقته: سبيل الكلام في ذلك أن الزوج إذا كان يرى تعجيلَ النفقة قبل وضع الحمل مستحَقاً؛ فإنه يرجع إذا بان عدمُ الحمل، وكذلك إذا كان لا يرى التعجيل مستحقاً، ولكن ارتفعت الواقعة إلى مجلس حاكم يعتقد إيجابَ التعجيل، فإذا ألزمه التعجيل، فاتّبع إلزامَه وارتسم أمره، ثم تبين انتفاء الحمل، فيثبت الرجوع.
هذا إذا فرعنا على قول إيجاب التعجيل.
10168 - وأما إذا فرعنا على القول الآخر، وقلنا: لا يجب الإنفاق ما لم تضع
المرأة الحملَ، فيتفرع على هذا القول أمران: أحدهما - تتمة فصلٍ ابتدأناه والأوْلى تقديمُه، وهو أن الزوج إذا عجل النفقة على قولنا لا يلزمه التعجيل - وكان لا يعتقد هو في نفسه وجوب التعجيل، ولم يحمله قاضٍ عليه، ولكنه تبرع، فعجّل، فإن بان أنها حامل، وقع ما عجله موقعه، وإن بأن أنَّهَا حائل، ففي هذا اختباط الأصحاب، ونحن نجمعه مع ما قدمناه في ضبط حاوٍ، إن شاء الله.
فنقول: كل من أخرج مالاً على اعتقاد أنه واجب عليه في الحال، ثم تبين أنه لم يكن واجباًً عليه، فله الرجوع فيه، بلا خلاف، سواءٌ ذكر الجهةَ التي أخرج المال فيها أو لم يذكرها وأطلق الإخراج، فلو أدى إلى إنسان مالاً على ظن أنه يَستَحِقُّ عليه دَيْناً، ثم بأن أنه لا يَستحِق عليه شيئاًً، فيسترد ما دفعه إليه، وإذا كان للرجل مال غائب، فحسب بقاءه، وأخرج زكاتَه بعد حولان الحول، ثم تبين أن ذلك المالَ هالكٌ، فالذي أخرجه يسترده، فإنه أخرجه على قصد الوجوب، ثم تبين أن الزكاة ليست واجبةً عليه.
ولو كان يتوقع وجوباً، فعجل قبل تحقق الوجوب، ثم لم يثبت الوجوب المنتظر، فهل يرجع فيما أخرجه؟
هذا ينقسم قسمين: أحدهما - أن يكون وقوع الوجوب متأخراً لا يستند إذا ثبت إلى الحالة الراهنة، وقد لا يقع الوجوب في الاستقبال، وهذه كالزكاة تعجل قبل حلول الحول، فالزكاة تجب عند انقضاء الحول إن توافت الشرائط، فإذا فرض التعجيل، ثم امتنع وجوب الزكاة، فهل يملك الرجوع فيما قدمه؟ [ذكرنا] 1 تفاصيلَ موضحةً في باب التعجيل من كتاب الزكاة، لا نجد بدّاً من رمزٍ إليها، وإلى تراجمها: فإن قال عند الإخراج: هذه زكاتي المعجلة فإن لم تجب، رجعتُ فيها، فله الرجوع.
وإن قال: هذه زكاة مالي المعجلة، ثم لم تجب الزكاة، ففي الرجوع كلام، والظاهر الرجوع.
وإن قال: هذا صدقة مالي أو زكاة مالي، ولم يقيّد بالتعجيل، ثم تبين الأمر، ولم تجب الزكاة، ففي ثبوت الرجوع خلاف مرتب، وهاهنا أولى بأن لا يثبت الرجوع.
ولو أطلق الإخراج، ولم يتعرض لذكر شيء، فالظاهر هاهنا أنه لا يرجع، وفيه خلاف.
فإذا تبينت هذه المراتب في هذا القسم، ابتدأنا بعده القسم الثاني، وهو مقصودنا، فإذا عجل النفقةَ، فلو تبين الحملُ، لترتب عليه أن النفقة أُخرجت في وقت وجوبها، فإن الوجوب يستند 1، وإنما لا نوجب التعجيل على هذا القول الذي نفرع عليه، لأنا لسنا نتبين الحمل، ولا نرى الإخراج من غير ثبت.
10169 - فإذا تُصوِّر هذا القسم وتميز عن القسم المذكور قبله، فنذكر ما أرسله الأصحاب فيه، ثم نوضّح الأصل الذي عليه التعويل.
قال الأصحاب: إن عجل النفقة، وشرط الرجوع، ثم بان انتفاءُ الحمل، رجع.
وإن لم يشترط الرجوع، ثم بان انتفاء الحمل فهل يرجع؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يرجع؛ لأنه أخرجه على تقدير الوجوب، فإذا بان أن لا وجوب، ثبت له حق الرجوع، كما لو دفع مالاً إلى إنسان، وهو يعتقد أنه يستحق عليه دَيْناً، ثم بان أنه لا حقّ له، فالباذل يرجع.
والوجه الثاني - أنه لا يرجع؛ لأنه متبرع بالإخراج في الحال، فإن لم يثبت الوجوب، حمل ما أخرجه على التبرع، وما قدمناه من المراتب في الزكاة المعجلة لا حاجة إلى ذكرها هاهنا؛ فإنها تَعلم أن النفقة تأتيها من قِبل ظن الحمل، والعلم 2 في هذا بمثابة الزكاة، والمسكين إذا جاءه مال عن ذي ثروة، فيجوز أن يكون متصدقاً عليه على سبيل التطوع، فالتفصيل الذي لا بد منه هاهنا ما ذكرناه من شرط الرجوع والسكوتِ عنه.
هذا ما تمسّ الحاجة إليه في هذا القسم.
10170 - والسر الموعود الذي به بيان التفاصيل أن من أعطى على اعتقاد الوجوب وظنِّ توجّه الطَّلِبة، ليس يخطر له التبرع بوجهٍ، فلا جرم إذا لم يقع عن الجهة المعيّنة، فلا وجه إلا الاسترداد؛ فإن الرجوع إلى قصد المعطي، فإذا جرّد قصده وحملَه على عقدٍ لا تردد فيه عنده، ثم بان بطلانُ القَصْد، والعَقْدِ، فيبقى مجرد البذل، ومجرد البذل لا يملّك القابض؛ إذ تسليم المال يقع على وجوهٍ، والمملّك منها بعضُها، فإذا بطل ما قصد، ولم يثبت مملِّك، وصورةُ الإقباض لا تملّك، فلا يخفى ثبوت الاسترداد.
واستدل الأصحاب على هذا مع وضوحه بحديث أُبي بنِ كعب، قال رضي الله عنه: كنت آتي بعضَ الأنصار، فأقرئه وأعلِّمه القرآن، فأعطاني قوساً، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه، وقصصت عليه القصة، فقال عليه السلام: " أتحب أن يقوّسك الله بقوس من نار؛ فقلت: لا، قال: فارددها " 1
وقد يستدل أصحاب أبي حنيفة بهذه القصة إذا قالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على
تعليم القرآن، وهذا لعدم إحاطتهم بمعنى الحديث؛ فإن أُبيّاً رضي الله عنه، ما كان
يعلّم الأنصاري بأجرة، وإنما كان يتقرب إلى الله بتعليمه، فظن الأنصاري المتعلم أنه
يستحق عليه أجراً، فأعطاه القوسَ ظاناً أنه باذلٌ حقاً عليه، فلما اطلع رسول الله على
حقيقة الحال أمره بردّ القوس؛ فإنه لم يقع حقاً مستحَقّاً على ما ظنه الأنصاري، ولو
كان الأنصاري متبرعاً، فالتبرع [غيرُ] 2 مردود باتفاق المذاهب.
هذا إذا اتحد القصد
والعَقْدُ، ثم بأن خلافه.
10171 - فأما إذا علم الباذل أنه لا حق عليه في الحال، وكان لا يتوقع وجوباً في
المآل، وهو فيما بذله على قصد تعجيله، فبذْلُه تبرع، فإن كان هبة، فقد نقول:
لا حاجة إلى اللفظ فيه إذا لم يكن معتاداً، وقد نُحْوَج إلى اللفظ فيه على [ما] 1 تمهد في كتاب الهبات.
وإن قصد الصدقة [فالرأي] 2 الظاهر أنه لا حاجة إلى اللفظ، ثم لا رجوع [في] 3 الصدقة.
وإذا كان لا يجب إخراج شيء في الحال، فأخرجه على قصد أن يكون عما سيجب، فللأصحاب تردُّدٌ وتفصيل في أن الزكاة إذا لم تجب في المآل، فهل يملك هو الرجوع؟ وسبب هذا التردد أنه يملِّك ذلك القابض، ويبعد تنجيز الملك عن واجبٍ، ولا واجبَ، وإذا ثبت للقابض تصرفُ الملاك ناجزاً، فليتنجز له مملّكٌ، وإنما يتحقق هذا بأن يقال: إن وقع عن الواجب فذاك، وإلا وقع عن جهة أخرى مملّكة؛ فإن القابض ليس مستقرضاً، فإذا أعطى المعجّل عن خِيَرة وتسلط [القابض] 4 على التصرف في الحال، أثبت هذا منعَ الرجوع على تفاصيلَ عند بعض الأصحاب.
فهذا هو الذي أوجب تردد الأصحاب، وإذا قيّد بالرجوع، رجع، وهو يوهي التعليل الذي ذكرناه من تنجيز التسليط على التصرف، ولكن إذا قيَّدَ، لم يُبق إمكاناً، وحمل جوازُ تصرف المسكين على الحاجة الحاقّة الناجزة، وعليها بناءُ الاستحثاث على التعجيل.
وأما تعجيل النفقة في مسألتنا، فالرجوع فيه أولى وأقرب؛ لأن الوجوب يستند إلى حال الإخراج إذا بان الحمل، وكلما كان الوجوب أظهر وأوقع، كان الرجوع إذا لم يتحقق الوجوب أوْلى.
ثم إذا كنا نثبت الرجوع، فجواز تصرّف المرأة محمول على حاجتها الناجزة، كما ذكرناه في تعجيل الزكاة، ولا حاصل لقول من يقول: قد تكون موسرة بمال نفسها؛
فإنّ قبضها ما يُستَحَق وتصرفها فيه وإن كانت مستغنية عنه بمثابة قبض المسكين حقَّ نفسه.
فهذا بيان هذه المنازل.
10172 - وقد يعترض على الترتيب الذي نظمناه شيء، وهو أن من أخرج زكاةَ ماله الغائب بعد انقضاء الحول، على ظن بقاء المال، فالقاعدة التي استثنيناها تقتضي القطعَ بثبوت الرجوع في هذه الحالة؛ فإن مُخرج الزكاة مُجَرِّدٌ قصدَه إلى جهة الوجوب ظانٌّ أن الزكاة واجبة منتجزةٌ في الحالة الراهنة، ولكن ذهب طوائف من الأصحاب إلى ترديد القول في أنه هل يملك الرجوع، وهذا يكاد يخرِم ما ذكرناه، ووجه ما ذكره هؤلاء أنا لا نوجب عليه إخراج الزكاة عن ماله الغائب ما لم يكن على تحقُّقٍ من بقائه، فلعل الترددَ في الرجوع محمولٌ على هذا، ووجه القياس إثباتُ الرجوع بخلاف تعجيل الزكاة، وبخلاف تعجيل النفقة فيما نحن فيه.
هذا تمام المراد في أحد المقصودين، وهو أنه هل يملك الرجوعَ إذا عجل وقلنا: لا يلزمه التعجيل، ثم بأن أنْ لا حمل.
10173 - فأما المقصود الآخر فنقول: مبنى نفقة القرابة على السقوط بمرور الأيام، كما سيأتي شرح ذلك في نفقة القرابة -إن شاء الله- فإن قلنا: النفقة للحامل، ظهر إلحاقها بنفقة الزوجية، وهي لا تسقط بمرور الزمن، وكذلك نفقة الرجعية، وإن قلنا: النفقة بحال وجوبها على الحمل، ثم قلنا: لا يجب التعجيل، فإذا وضعت حملَها، لم يختلف الأصحاب -حيث انتهى التفريع إليه- أنه لا تسقط النفقة بمرور زمان الحمل، وإن كان الوجوب تبيّن مستنداً إلى ما تقدم، وذلك أنا لو أسقطنا النفقة بمضي الزمان، وقلنا لا يجب تعجيل الإنفاق إلى الوضع، فهذا إسقاط النفقة قصداً،
فيتعين القطع بأن النفقة لا تسقط بمضي زمان الحمل، وإن قلنا: النفقة للحمل.
وأما إذا أوجبنا تعجيلَ الإنفاق كما 1 بدا الحمل ووضحَ بطريق وضوحه، فإن
قلنا: النفقةُ للحامل، لم تسقط بمرور الزمان، حتى لو أخرها، ولم يخرجها حتى وضعت المرأة الحملَ- استقرت النفقة في ذمته دَيْناً.
وإن قلنا: النفقة للحمل، وأوجبنا تعجيلَها، فلو أخرها حتى وضعت المرأة، ففي سقوط النفقة وجهان في هذا المنتهى، سنعيد ذكرهما من بعدُ، إن شاء الله.
10174 - ومما يتعلق بتمام البيان في هذا الفصل أنا إذا قلنا: النفقةُ للحمل، فلو كانت المرأة لا تكتفي بالمُدّ أو بالمدّيْن -والغرض تصوير حاجتها إلى مزيدٍ على نفقة الزوجية- فهل نزيد ترقّياً إلى الكفاية؟ اضطرب الأصحاب في ترتيب هذا الفصل: فقال قائلون: إن قلنا: النفقة للحمل، فالواجب الكفاية، زادت على حقيقة النكاح أو نقصت، وإن قلنا: النفقة للحامل، فوجهان: أحدهما - الكفايةُ مرعية، فإنا لو لم نكفها، لأضررنا بالحمل.
والثاني - أنه لا مزيد على نفقة النكاح، وإن فرضنا إضراراً، كما أن الاقتصار على المُدّ قد يضرّ بها، ثم لا مبالاة بذلك.
ثم إن كانت تكتفي بدون المدّ، فلا نقصان من نفقة النكاح، وإنما هذا التردّد على هذا القول في الزيادة.
ومن أصحابنا من قلب الترتيب، وقال: إذا قلنا: النفقة للحامل، فلا مزيد على مقدار النكاح، وإذا قلنا: النفقة للحمل، فهل تعتبر الكفاية أم يلزم التقدير؟ فعلى وجهين، وسبب هذا التردد أنا إذا قلنا: النفقة للحمل.، فلسنا نُخلي قولَنا عن رعاية حق الحامل، وإذا قلنا: النفقة للحامل، فلسنا نخلي قولَنا عن الالتفات على الحمل، وكأن الحمل في المطلّقة يُبقيها في عُلقةٍ تضاهي علقةَ الرّجعة في استحقاق النفقة.
والعلم عند الله.
ولم يختلف أصحابنا في أن المرأة إذا حملت في صلب النكاح، لم نزدها على مقدّر النكاح شيئاً، والتردد الذي ذكرناه في حالة البينونة، فإنَّ عصام النكاح قد زال، فعظم النظر في الولد، فهو المتعلَّق.
وإذا كان النكاح قائماً، فلا مزيد على حق النكاح، وإن خطر لناظرٍ أنها ازدادت بالحمل إقلالاً له واستقلالاً به، فكأنها منكوحةٌ حاضنة، فهذا فقهٌ على حال.
ولكن
لم [يعتبره] 1 أحدٌ من الأصحاب؛ فإن الحمل لا يمكن اعتباره على حياله، ومنه التفّ أحد القولين بالثاني في أن النفقة للحمل أو للحامل.
وهذا نجاز الكلام في هذا الفن الذي رأيناه قاعدةً في الباب، ولم يبق بعد نجازه إلا فصلٌ منصوصٌ عليه للشافعي تخبط المزني في فهمه، ثم في الاعتراض عليه، ونحن نذكره، ونبيّن وجهَ الصواب فيه، ثم نذكر بعده فروعاً متفرقة.
فصل
قال: " ولو كان يملك الرجعةَ، فلم تقر بثلاث حِيضٍ ... إلى آخره " 2.
10175 - والوجه أن نذكر مراد الشافعي ووجه الصواب حتى إذا انتهى الحظّ الفقهي، رجعنا إلى ظن المزني واعتراضه، وبيان خطئه.
فلتقع البداية بتصوير المسألة: إذا طلق الرجل امرأته طلقةً رجعية، ومرّت عليها ثلاثةُ أقراء، ثم بدا بها حمل، ولو وضعت دون أربع سنين لَلَحِقَ الحملُ، ولاعتقدنا أن ما رأته من الدماء كانت في زمان الحمل، ثم التردد في أنها حيضٌ أو دمُ فساد، فلو لم تضع الحملَ حتى مضت أربعُ سنين على وجهٍ يقتضي الشرعُ نفيَه عن الزوج، فيقدّر العلوق به وراء الأقراء، ويُقضَى بانقضاء العدة بمضيها.
هذا هو الأصل.
فإن زعمت المرأة أن أقراءها انقضت في أربعة أشهر مثلاً، وما قالته محتمل، فتستحق النفقة لهذه المدة على زوجها، وإن اتهمها الزوج، حلَّفها، فإنهن مؤتمنات في أرحامهن، والرجوع في آماد العِدد إليهن.
ولو قالت المرأة: لست أدري في كم انقضت أقرائي، فهي لا تخلو إما إن كانت على عادة معلومة في أدوارها، وكانت تعلم عادتَها، ثم جوزنا لما سألناها ازدياداً أو نقصاناً، فإن كان كذلك، فقد قال الأصحاب: لها النفقة أيام عادتها.
وإن زعمت أن عاداتها مضطربة، وكانت لا تعرف أقل عاداتها، فهي محمولة على أقل ما يتصور انقضاء الأقراء فيه، ولا تستحق النفقة إلا لأقلِّ زمنٍ يُتصور انقضاء عدتها فيه؛ فإن هذا القدرَ هو المستيقن، ولا متعلّق معنا من عادتها، حتى نتخذه أصلاً مرجوعاً إليه.
ولو كانت تعرف أقل عاداتها، وكان ذلك أكثرَ من الأقل الذي وصفناه، فقد قال الأصحاب: ليس لها إلا نفقةُ أقلِّ عاداتها، ويحتمل أن يقال: إذا كانت عاداتها مستقيمة، ولم تدّع أن الأقراء جرت على حسب العادة التي ألفتها قديماً، بل ادعت الجهالة، فليس لها إلا نفقة أقل الأزمان؛ فإن هذا هو المستيقن، وهي ما ادعت مزيداً، فتُصَدَّق، وليست الأدوار وإن تكررت بعيدة عن الزيادة والنقصان، وهذا الوجه يجري إذا كانت عاداتها مختلفة، وكانت تعرف أقلّها، فيتجه أن لا نوجب لها إلا الأقلَّ الذي لا أقل منه؛ لأنها لم تدع، بل ردّدت قولها، وليس النقصان ولا الزيادة مستنكَرَيْن في أدوار الحيض والطهر.
هذا فقه الفصل وبيانُ مراد الشافعي، وتفصيل الأصحاب على سَنَن الصواب.
10176 - وأما المزني، فإنه ظن أن الشافعي صور المسألة فيه إذا ادعت المرأة أن أقراءها [انقضت] 1 في زمان ذكرته، ثم قال: لا تُصَدّقُ فيه.
فأخذ يعترض قائلاً: إنهن مؤتمنات في أرحامهن، فكيف لم نصدقها، واستشهد بالرجعة عند فرض التنازع في انقضاء العدة في كلامٍ يطول 2، ولا حاصل لما جاء به؛ فإن اعتراضه غير واقع على تصوير الشافعي، فإنه رضي الله عنه صوّر الكلام فيه إذا لم تدع المرأة مدةً، وأبهمت قولَها، ثم تفصيل المذهب في اضطراب عاداتها واستقامتها كما ذكرناه.
فأما إذا ادعت المرأة وقوع أقرائها في زمن ذكرته، فهي مصدّقة مع يمينها، لا خلاف فيه.
هذا بيان مقصود الفصل.
فرع:
10177 - إذا طلق الرجل امرأته الحامل طلاقاً مبيناً، فنفقتها واجبة، كما ذكرناه، فلو مات الزوج في أثناء العدة، استكملت المرأة عدة الطلاق، ولم تنتقل إلى عدة الوفاة.
قال ابن الحداد: إذا مات الزوج كما صوّرنا، سقطت النفقة في بقية العدة، لأنا إن قلنا: النفقة للحمل، فلا تجب نفقة القرابة في تركة الميت، وإن قلنا: النفقة للحامل، فهي في محل الحاضنة، ولا يجب مؤونة الحاضنة في تركة المتوفَّى.
قال الشيخ أبو علي: الصّواب غيرُ ما ذكره ابنُ الحداد، فإن نفقة العدة وجبت لمكان الحمل دُفعة واحدة، والتحقت بالديون؛ فطريان الموت لا يُسقطها، واحتج على ذلك من جهة النص، بأن قال: نص الشافعي على أن [مؤنة] 1 سكناها في بقية العدة مأخوذة من التركة، وقطع قوله به، ثم ردد قوله في أن المتوفى عنها زوجها في غير هذه الصورة هل تستحق السكنى؟ فقَطْعُه القولَ بإثبات السكنى للمطلقة الحامل دليلٌ على أن ما يجب لها لا يسقط بطريان الموت.
وهذا الذي ذكره الشيخ أبو علي من تغليط ابن الحداد إن كان من كلامه، فهو بعيد عن الصواب، والصواب ما ذكره ابنُ الحداد، وإن نقله عن الأحاب، فالأوجه ما ذكره ابن الحداد؛ وذلك لأن نفقة الحامل في العدة لا تجب دفعة واحدة، وإنما تجب يوماًً يوماً، كنفقة الزوجية، فإذا فرض الموت، فإيجاب النفقة ابتداءً على ميتٍ لحاملٍ بعيدٌ عن قياس المذهب، [وإنما] 2 وقع لهؤلاء ما وقع؛ من جهة أن النكاح ينقطع بالموت، فلو مات الرجل عن زوجته الحامل، فلا نفقة لها، لأن النكاح قد زال، ونفقة القرابة لا تجب في تركة ميت، وعِدة المطلقة لا تنقطع بالموت إذا كانت
بائنة.
فقال من خالف ابنَ الحداد: المعنى الذي أوجب النفقة قائم، لم ينقطع؛ لأن المرأة مستبرأة بها، والنفقة لا تجب لصورة العِدة، وإنما تجب للحمل أو لحضانة
الحمل، بدليل أن الحائل البائنة لا تستحق شيئاًً، [ولا] 1 وجه عندنا إلا ما ذكره ابن الحداد.
فرع:
10178 - إذا وضعت المرأة حملها، وكان الزوج طلقها طلاقاً رجعياً، فاختلف الزوجان في تاريخ الطلاق، فللمسألة صورتان متعارضتان: إحداهما - أن الزوج لو قال: طلقتك بعد الوضع، فاستقبلتِ عدة الطلاق الرجعي، فلي الرجعة، وقالت المرأة: بل طلقتني قبل الوضع، فانقضت عدتي بوضع الحمل.
قال الأصحاب: القول قول الزوج في أنه يلزمها استقبال العدة، وتثبت الرجعة في أمد العدة بعد الوضع؛ فإن الزوج هو المطلق، والمرأة تدعي عليه تطليقاً قبل الوضع، والقول قوله في نفيه، ولكن لا نفقة للمرأة، فإنها مؤاخذة في حق نفسها بقولها، وهي زاعمة أنها بائنةٌ حائل.
الصورة الثانية - أن يقول الزوج: طلقتك قبل الوضع، فإذا وضعتِ، انقضت عدتك، فلا نفقة لك ولا رجعة لي، وقالت المرأة: بل طلقتني بعد الوضع، فنفقتي ثابتة، قال ابن الحداد: النفقة لا تسقط، فإن الزوج يدّعي سقوطها بوضع الولد، والأصل بقاؤها، ولكن لا رجعة له؛ لأنه مؤاخذ بقوله، وهذا ظاهر.
ويتطرق إليه احتمال؛ من جهة أن الزوج يقول: أنا المطلق، وأنا أعرف بتاريخ الطلاق، فليكن الرجوع إليّ، وهذا ظاهر.
ومن أحاط بالفصول التي ذكرناها في اختلاف الزوجين في كتاب الرجعة، لم يَخْفَ عليه ظهور هذا.
فرع:
10179 - إذا نكح الرجل امرأة نكاحاً فاسداً، على ظن الصحة، وكان ينفق عليها، ثم تبين له [فساد] 2 النكاح، ومعلوم أن النكاح الفاسد لا يوجب النفقة للمرأة، فالذي رأيته للأصحاب أنه لا يرجع فيما أخرجه في نفقتها، وهذا يكاد يعترض على بعض أطراف الكلام في الفصل الجامع القريب منا؛ حيث [ذكرنا ما يَثبت
الرجوعُ به، وما لا يَثبت الرجوعُ به] 1 وذلك أن من قواعد ذلك الفصل أن من أخرج شيئاً على اعتقاد الوجوب، ثم بان عدم الوجوب، فإنه يملك الرجوع، والأمر كان كذلك في النكاح الفاسد.
والذي اعتمده الأصحاب فيما قطعوا به أن قالوا: كان الزوج متسلطاً عليها في ظاهر الحال بناء على ظن الصحة، فوقعت النفقة على مقابلة سلطانه عليها ظاهراً.
وهذا فيه إشكال؛ فإن ذلك السلطان كان منوطاً بظن وبحسبان، فإن [بان] 2 الأمر على خلاف ما حسبه، فليس يبعد عن الاحتمال أن يثبت له حق استرداد ما أخرجه، ولكن لم أر للأصحاب إلا القطعَ بأنه لا يملك الرجوع.
وكان شيخي يقول: لو قال الناكح: [هذا الذي أقدمه أقدمه] 3 وأنا على اعتقاد صحة النكاح، فإن بان فساده، رجعت به، فلا يملك الرجوع إذا بأن الفساد.
هذا ضمُّ إشكالٍ إلى إشكال، والاحتمال جارٍ، وجريانه في الصورة الأخيرة أظهر.
والممكن في توجيه ما ذكره الأصحاب ضمّاً إلى السلطان الذي اعتمدوه أن العادات مطردة أن من ينكح، ويتسلط وينفق لا يضمر الرجوع، هذا ما عليه دأب الخلق، سواء بان الفساد أو الصحة، فهذا إذاً بذلٌ يقع متجدِّداً على وجهٍ لا يضمن الرجوعَ معه، وهذا إنما يجري إذا لم يقيَّد بالرجوع، والعلم عند الله.
فصل
10180 - كان يليق بالفصل الذي جمعنا فيه القول فيمن يرجع بما ينفق وفيمن لا يرجع، وليس بعيداً عن هذا المنتهى، قال الصيدلاني: كان القفال يقول: من دفع
إلى دلاّل [عَرْضاً] 1 حتى يبيعه، فباعه، فأجرته على الذي أمره، إن ذكر الأجر، وإن أطلق فعلى تفصيلٍ معروف مذكور في موضعه، ولا شيء على المشتري؛ فإنه لم يأمر الدَّلاَّل بشيء.
والمسألة مفروضة هاهنا، فلو وهب المشتري شيئاً من الدلال على اعتقاد أنه يستحق عليه شيئاً، فله الرجوع فيما وهبه؛ [لأنه] 2 اعتقده واجباًً، فإذا بأن خلافُ [ما] 3 يعتقده، رجع.
وهذا فيه نظر على حالٍ، لأن المسألة مفروضة فيه إذا وهب من الدلال، والهبة عقد تمليك، والظنون لا تغيّر مقتضيات العقود، ويمكن تخريج هذا على أن النظر إلى المقصود أو إلى [مقتضيات] 4 الألفاظ في العقود، فإن نظرنا إلى المقصود، فالكلام على ما ذكره القفال، وإن نظرنا إلى صيغة العقد، فالهبة مملّكة، فإذا اتصل القبض بها، فلا رجوع؛ إذ لا يرجع واهب فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده.
...
باب النفقة على الأقارب
قال الشافعي: " في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ... إلى آخره " 1.
10181 - نفقة القرابة ثابتة، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وروى أبو هريرة: " أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: معي دينار، فقال: أنفقه على نفسك، فقال: معي آخر.
فقال: أنفقه على ولدك، فقال معي آخر، فقال: أنفقه على أهلك، فقال: معي آخر، فقال: أنفقه على خادمك، فقال: معي آخر، فقال: افعل ما شئت " 2 قال أبو هريرة: " ولدك يقول: أنفق عليّ، إلى من تكلني؟ وزوجتك تقول: أنفق عليّ أو طلقني، ويقول خادمك: أنفق
عليّ أو بعني " ثم كان يقول: هذا من كَيْس أبي هريرة، وقال رسول الله صلى الله عليه لهندٍ: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ".
وأجمع المسلمون على ثبوت نفقة القرابة.
ثم القرابة المقتضية للنفقة عند توافي الشرائط المرعية في وجوب النفقة هي البعضية عندنا على القُرب والبعد، فتستوجب [على] 3 الموسر -على ما سنصفه إن شاء الله - نفقةَ بعضه: دنا أو بَعُدَ، وتستوجب نفقةَ أهله: دنا أو بعد، ولا نظر مع قيام البعضية إلى اختلاف الدِّين، فيجب على الإنسان نفقة قريبه إذا كانت قرابتهما بعضية سواء كانا على دين واحد أو اختلف الدِّين بينهما، ولا يعتبر في استحقاق أصل القرابة الإرث، وإن كنا قد نرعاه في التفصيل وفي التقديم، على خلافٍ للأصحاب مشهور
سيأتي، إن شاء الله: فتثبت نفقة أبي الأم، وبنت البنت مع انتفاء الإرث.
[وأبو حنيفة جعل الاستحقاق باجتماع الرحم والمحرمية] 1 ولم يخصصه بالبعضية 2، ثم شرط في ثبوت النفقة بالقرابة التي ليست بعضية الاتفاق في الدين، ولم يشترط الاتفاق في الدين بين شخصين بينهما بعضية.
فهذا هو الأصل.
10182 - ثم إذا أوجبنا نفقةَ الابن الصغير على الأب، فيشترط كونُ الابن معسراً، حتى لو كان في ملكه ما ينفق عليه، لم تجب نفقتُه على أبيه، ولا يشترط أن يكون عاجزاً عن الكسب، بل اتفق الأصحاب على أن استكسابه وإن كان يَرُدّ مقدارَ نفقته، فعلى [الأب] 3 الإنفاقُ عليه.
وينشأ من هذا أصلٌ قد ينسلّ عن فكر الفقيه القيّاس، وبانسلال أمثالها تُظلِمُ أرجاء مسالك الفقه، وذلك أن الأب إليه استصلاحُ ولده، فلو رأى أن يحمله على الكسب، لم يبعد في النظر أن يجوز له، ولو جُوّز له ذلك، ففيه إسقاط النفقة معه، ولا ينتظم مع هذا إطلاقُ القول بأن النفقةَ تجب على الأب وإن كان الصبي المراهق كسوباً [فكيف التصرف في هذا؟] 4.
أولاً - لا خلاف أن الأب لو أراد أن يعلّمه بعض الحرف لاستصلاح معاشه والنظرِ في عاقبة أمره، فله ذلك، وإذا علّمه حرفة، فكيف ينتظم في النظر له تعطيلها؟ وقد ينساها إذا تركها؟ وإذا كان يتجه هذا الرأي [وإعمالُه] 5، فأيُّ معنى لإحباط منفعته؟ وإذا تجمع مما ذكرناه أنه يحمله على الاكتساب، فكيف يتسق مع هذا إيجاب النفقة على الأب للابن المحترف؟ ولو عمل، لرَدَّ بيومٍ قوت أيام.
هذا وجه التنبيه على غامضة يجب إنعام الفكر فيها، وقد رأيت لبعض الأصحاب
[أنه] 1 ليس للأب أن يجشم ولده الكسب، وهذا غفلة عظيمة.
نعم، لا يمتنع في
هذا تفصيلٌ فيقال: إن كان يليق بذلك الولد حفظ المروءة ولو استكسبه الأب لغضَّ ذلك من قدره، وصارت عبرة لا تنسى على طول عمره، فليس من النظر له الاستكسابُ، ويجوز أن يقال: ليس من النظر لمثله أن يعلّمَ الحرفَ.
وأما إذا كان يليق به [وببنيته] 2 الاستكسابُ، فلا وجه لمنع الأب من استكسابه، وعلى الجملة لا يَخْرجُ الاستكساب في بعض الأشخاص والأحوال عن كونه وجهاً من وجوه النظر، ولكن يبقى ما اتفق الأصحاب عليه من وجوب نفقته على الأب مع كونه كسوباً.
وأثره يظهر فيما نصفه، وهو أن الصغير إذا عطّل الكسب يوماًً وغيب وجهه عن أبيه، أو لم يُطعه جمع تكليفه، ولما جاع، عاد طالباً للنفقة، فعلى الأب الموسر الإنفاقُ عليه، والابن [البالغ] 3 قد يشترط في استحقاقه النففة ألا يكون كسوباً، حتى لو اقتدر على الكسب وعطله لم يستحق النفقة.
هذا طرف من الكلام في نفقة الصغير.
10183 - وأما الابن البالغ، فيشترط في استحقاقه النفقة على أبيه كونُه فاقداً لما ينفقه، وهل يشترط ألا يكون كسوباً؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يشترط ذلك، ويستحق النفقة على أبيه الموسر، وإن كان كسوباً، كما ذكرناه في المراهق، وجه هذا القول أن الغرض في إيجاب النفقة كفُّ الضرار، وتكلفُ الكسب وتحصيلُ القوت بالكدّ مضرٌّ مع اتساع مال [الوالد] 4، ومبنى الإنفاق على الإرفاق.
والقول الثاني - أنه لا يستحق النفقة إذا كان قادراً على كسبٍ يردّ قوتَه؛ [فإنّ استحقاق النفقة يتعلق بالحاجة] 5، كاستحقاق سهم المساكين في الزكاة، ثم كون
الشخص كسوباً يخرجه عن استحقاق سهم المسكنة، فليخرجه عن استحقاق النفقة، وهذا القائل ينفصل عن المراهق، ويقول: [إلزامه] 1 شرعاً ولا تعلق للتكليف به بعيد، ومعاقبتُه بقطع الإنفاق إذا لم يكتسب بعيدٌ، والبالغ العاقل معرض لتوجيه الأمر عليه أولاً، ومعاقبتُه بقطع النفقة عنه إذا لم يمتثل الأمر آخراً.
وللقائل الأول أن ينفصل عن سهم المسكنة، ويقول: ذلك مخصوص بذوي الحاجات الحاقة، ولو شاركهم في ذلك المكتسبون، لتقاعد سداد الحاجة عمن اشتدت حاجته.
التفريع:
10184 - إن حكمنا بأن الكسوب يستحق النفقة على الموسر، فلا كلام.
وإن حكمنا بأن الكسوب لا يستحق، فهل يشترط أن يكون امتناع الكسب بزمانَةٍ أم لا يشترط ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نشترط الزمانة، وفي معناها المرض اللازم المعجز مع صحة الأعضاء، فإن الصحيح السليم لا يخلو عن التمكن من نوعٍ من الكسب.
ومن أصحابنا من لم يشرط الزمانة، واكتفى بألاّ يكون مستقلاً بتحصيل قوته، وقد ذكرنا مثلَ هذا التردد في استحقاقه سهمَ الفقراء، ثم انتهينا في التفريع على أحد الوجهين إلى اشتراط العمى، ولم ينته إلى اشتراطه أحد من الأصحاب في النفقة.
ومما يتعلق بتمام ذلك أنه لو كان يقدر على تحصيل مقدار من القوت، فذاك القدر لا يستحقه، ويستحق ما يعجز عنه، إذا اشترطنا ألا يكون كسوباً، فهذا مما يجب التنبه له، وكل ما ذكرناه في نفقة الولد على الوالد الموسر.
10185 - فأما إذا كان الولد موسراً والأب معسراً، فهل يشترط ألا يكون كسوباً؟ اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قطع بأنا لا نشترط ذلك في حق الأب قولاً واحداً؛ فإن إحالة الابن الموسر أباه الطاعن في السن على العمل في الطين 2،
لا يليق بما أوجبه الله تعالى من احترام الآباء والإحسانِ إليهم، ولا يبعد عن الأب إحالة ابنه على الكسب، كما لا يبعد منه استخدامُه.
ومن أصحابنا من أجرى القولين في جانب الأب المعسر، كما ذكرناه في الابن المعسر، وهذا وإن أمكن توجيه القياس فيه، فالمذهب المعتدُّ به القطعُ بأن ذلك ليس شرطاً في الأب.
وقد يتصل بهذا الفصل النظر في تفاصيل الكسب؛ فإن الرجل ذا المروءة لو تكلف نقل القاذورات وشَيْل الكناسات، فقد يجتمع له ما يقوته، ولكن ذلك [يحطّ] 1 من مروءته [فكيف] 2 الطريق فيه؟ هذا عندنا يخرج على اشتراط الزمانة: فمَن شَرَطَها، فموجب مذهبه أن لا فرق بين كسب وكسب، إذا فُرض الاقتدارُ عليه، ومن لم يشترط الزمانة، فالرأي على التردد في رعاية ما أشرنا إليه من اعتبار المروءة والنظر إلى أقدار المناصب.
ولا خلاف أن عبد الرجل مبيعٌ في نفقته، وإن كان ذلك يلجئه إلى التبذل والتبسط بنفسه في الحاجات الدنيّة كاستقاء الماء وما يشبهه.
وقد تنجز أصلٌ من أصول القول في ذلك.
10186 - ونحن نأخذ من هذا المنتهى في أصلٍ آخر، ونقول: لا خلاف أن نفقة القريب مبناها على الكفاية، وليست متقدَّرة، بخلاف نفقة الزوجية، فإن اكتفى في يومٍ ولم يحتج لعارضٍ، فلا نفقة له، وإن كان رغيباً، لزمت كفايته، وإن كان زهيداً، فعلى قدر حاجته.
ولا يضرّ أن نصرف الاهتمامَ إلى بيان الكفاية، فنقول: لا ينتهي الإنفاق إلى رد النهم والقَرَم 3 وحَسْم الشهوة، ولكن الكفاية المطلقة ما [يقي] 4 البدنَ ويدرأ عنه الضرار في الحال والمآل.
وبيان ذلك أنه إذا كان [يغضُّ] 1 المقدارَ النزرَ من كفايته، فقد لا يظهر أثر هذا في يوم، ولكن لو فرض التمادي عليه، لظهر إضراره.
فالذي أراه أنه لو كان يسد جوعته ويستأصل نَهْمتَه، ثم أراد في بعض الأيام أن يقتصر على ما يقع به الإقلالُ في اليوم، ثم يتداركه في غده - أن هذا غيرُ سائغ؛ فإن هذا جزء من الضرر، والغدُ غيب.
ثم يجب أن يُطعَم ما يأتدم به؛ فإن الخبز القفار يحُلّ القوى، والمرعي في الأُدم الأصل الممهّد في نفقة الزوجات، غير أن المرعي في القوت الكفاية [فالأُدْم] 2 على قدرها.
والكُسوة واجبة، وقد وَضَحَتْ في مؤن الزوجات، والمطلوب إزالة الضرر، والقيام بالكفاية.
ثم ما يبتني على الكفاية، فلا يشترط التمليك فيه، بل يكفيه أن يقول لقريبه الذي يستحق الإنفاق عليه: كُلْ معي.
10187 - وإذا مضت أيام لم يتفق الإنفاق فيها، سقطت نفقتها، ولم تثبت ديناً بخلاف نفقات الزوجات، فإن ما لا يجب التمليك فيه، وابتنَى على الكفاية، استحال مصيره دَيْناً في الذمة.
هذا أصل المذهب وقاعدته.
ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص وجهين في أن نفقة الولد الصغير هل تسقط بمرور الزمان، أم تصير ديناً في ذمة الأب الموسر؟ أحدهما - أنها تسقط، وهذا القياس الحق، وتوجيهه ما أوضحناه من اعتبار الكفاية وسقوط التمليك.
والثاني - أنها تثبت في الذمة، وهذا الوجه على ضعفه موجّه عند الصائر إليه بأن نفقة المولود محمولةٌ على نفقة الزوجية، فإنها من أتباع النكاح، وإن كان المطلوب منها الكفاية، حتى يكون احتباسها مقابلاً بكفاية الزوج إياها لا يسقط بمرور الزمان،
فلتكن نفقة المولود بهذه المثابة؛ إذ الولد المضاف إلى النكاح من آثار الاستمتاع، وأيضاً اهتمام المرأة بولدها من زوجها يقرب من اهتمامها بنفسها، فلو كانت نفقة المولود تسقط بتعطيل الزوج إياها، وهي لا تعطّل ولدَها، فيقرب تضررها بسقوط نفق مولودها من تضررها بسقوط نفقتها في نفسها.
وهذا الوجه ضعيف لا أصل له، ولا ينبغي أن يعتدّ به، ولولا علوّ قدر الحاكي، لما استجزت حكايته؛ لما حققته من أن نفي التمليك وإثباتَ الكفاية مع المصير إلى أنه يجب تداركُ ما مضى أمسِ كلامٌ متناقض؛ فإنه يستحيل أن يكْفى الإنسانُ أمرَ أمسه، والماضي لا مستدرك له.
نعم، إذا أثبتنا النفقة للحامل البائنة، وقضينا بأن النفقة للحمل، فيترتب عليه أنا إن لم نوجب تعجيل النفقة، وقضينا بأن الزوج يُخرج نفقة زمان الحمل يومَ الوضع، فهذه نفقة منسوبة إلى القرابة، وليست ساقطةً بمضي الزمن.
وإن قلنا: يجب تعجيل النفقة، فلو لم يتفق تعجيلُها حتى وضعت المرأة الحملَ، فهل نقضي بسقوط نفقة أيام الحمل -والتفريع على أن النفقة للحمل-؟ فعلى وجهين معدودين من أصل المذهب، وإنما اتجه عدمُ سقوط النفقة بمضي الزمان لاتصالها باستحقاق الحامل؛ فإن انتفاعها بها سبق انتفاعَ الحمل، وإن أضيفت إلى الحمل، فالمرأة مستحقتُها، فكان انتظام الوجهين لهذا، وفيه يتجه ما أطلقناه من التبعية، ثم هذا في الحمل، أو في الولد الصغير على ما حكاه الشيخ.
فأما نفقةُ الولد البالغِ، ونفقةُ كل قريب يستحق النفقةَ سوى الولد الصغير تسقط 1 بمرّ الزمان ولا تصير ديناً قط.
10188 - وهذا نجاز هذا الأصل، ونأخذ بعده في أصل آخر، فنقول: الزوجة إذا كان لا يتوصل إليها نفق مولودها، وكان الأب حاضراً ممتنعاً، أو غائباً، والطفل فقير لا مال له، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن لها أن تأخذ نفقة ولدها من مال زوجها إذا كانت يدها تمتد إليه، واحتجوا في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم
لهند: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " وقال عليه السلام ذلك، لما شكت إليه شُحَّ أبي سفيان وامتناعَه عن الإنفاق عليها وعلى ولدها.
وهذا خارج عن قياس الأصول؛ من جهة أن الأم لا تلي على الرأي الظاهر، ومن ولاّها من الأصحاب فذاك إذا لم يكن للمولود والد، وإثبات الولاية لها مع الأب ليس على قاعدة القياس، ولكن رأى الأصحابُ الاستمساك بالحديث [وتقديمَه] 1 على القياس، وفيه مصلحة لائقة بالحال؛ فإنها لو كانت تحتاج إلى مراجعة القاضي في نفقة الولد، لعسر ذلك عليها، وإذا كانت تنفق من مال زوجها بالمعروف على ولدها، فقد تتزجّى الأيام وتنطوي عريةً عن نزاع وضرار.
وأبعد بعض الأصحاب، فلم يثبت لها ذلك، إلا أن [يفوض] 2 القاضي إليها، ورأى هؤلاء قولَ الرسول صلى الله عليه وسلم تسليطاً منه إياها على الأخذ بمثابة [تسليط] 3 القاضي، ولم يَروْا ذلك حكماً ثابتاً شرعاً على وجه الفتوى، وهذا بعيدٌ.
ثم إذا جوزنا للأم أن تأخذ من مال الزوج من غير إذنه، فلو لم تجد لزوجها مالاً واستقرضت عليه، فإن قلنا: ليس لها أن تأخذ مالَ الزوج إذا وجدته، فليس لها أن تستقرض عليه، وإذا قلنا: لها أخذُ مال الزوج، فهل لها الاستقراض عليه من غير تفويض القاضي إليها؟ فعلى وجهين: أحدهما - لها الاستقراض؛ لأن الشرع أثبت لها ولاية الاستقلال في نفقة المولود، ومن نتائج [الولاية] 4 الاستقراضُ.
والثاني - ليس لها ذلك؛ فإن الأخذ من مال الزوج مأخوذ من فحوى الحديث، على خلاف أصول القياس، فالوجه الاقتصار على مورد الخبر من غير مزيد، وهذا مسلك الكلام في كل حكم تضمن الخبرُ إثباتَه على خلاف أصول القياس.
10189 - ولو نفى الرجل نسب مولوده باللعان، واضطرت المرأة للإنفاق عليه،
ثم إن الزوج أَكْذبَ نفسَه [واستلحق] 1 النسبَ الذي نفاه، فهل ترجع المرأة على الزوج بما أنفقته من مال نفسها؟
هذا يستدعي تقديمَ مسألة أخرى ملتحقةٍ بما تقدم، وهي أن الزوجة لو لم تصادف مالَ الزوج، ولم تجد من يقرضُها على الزوج، فأنفقت من مال نفسها، فهل ترجع على الزوج؟ هذا يترتب على الاستقراض، فإن منعناه، فامتناع الرجوع على الزوج إذا أنفقت من مال نفسها أوْلى؛ فإنها تكون في مقام المقرضة لزوجها من غير استقراض منه، فكأنها المقترضة والمستقرضة، وهذا بعيد.
وانتظمت ثلاثُ مراتبَ: إحداها - أخذ مال الزوج من غير رضاه، والظاهر الجواز للخبر.
والثانية - في الاستقراض على الزوج من غير تفويض من القاضي، وفيها الخلاف، والثالثة - في إنفاقها من مال نفسها، وطلبها الرجوعَ على الزوج.
ونقول بعد ذلك: إذا أنفقت المرأة على الولد المنفي باللعان، ثم اكذب الزوج نفسَه، ففي رجوعها وجهان مرتبان على الوجهين فيه، إذا [أنفقت] 2 المرأة على الولد النسيب من مال نفسها، والصورة الأخيرة أولى بألاّ يثبت الرجوع فيها؛ لأنها فعلت ما فعلت بانيةً على ظاهر النفي، وهي موطّنةٌ نفسَها على الانفراد بالإنفاق من غير تقدير مرجع.
ومما يتم به البيان في هذه المسائل أنا إذا أثبتنا للمرأة الرجوعَ على زوجها إذا أنفقت من مال نفسها، فذاك فيه إذا لم تقصد التبرعَ، وأما إذا قصدت التبرعَ، فلا مرجع، ويجب أن يقال: إنما ترجع على أحد الوجهين إذا قصدت الرجوع.
10190 - وممّا يتعلق بتتمة ذلك أنه أولاً إذا كان للمولود مال، وكانت نفقته من ماله، وله أب من أهل الولاية، فلا شك أن الأب هو الذي يلي مال الطفل، ولو أرادت الأم أن تنفق على الولد من مال الولد، فالوجه عندي أن يكون هذا أولى
بالجواز من إنفاقها عليه من مال الزوج، فإذا تسلطت على إنفاق مال الزوج عليه، فلأن تتسلط على إنفاق مال الطفل عليه أولى.
ثم إذا كانت متمكنةً من طلب نفقة الولد من الزوج وتحصيلها من جهةٍ، فأرادت الاستبداد بالأخذ 1، فالوجه أن ذلك لا يجوز، وإنما يسوغ الأخذ من مال الزوج عند ظهور تعذر الاستيداء منه، ويشهد لذلك الحديث؛ فإن هنداً قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إخبارها هذا ما قال.
وقد استدل الشافعي في كتاب الدعاوى على أن لمن تعذر حقُّه أن يأخذ من مال مَنْ عليه الدين قدرَ حقه، بحديث هند، ثم ينتظم في هذا أنها تملك مطالبةَ الزوج بنفقة الولد، وكل هذا والولد طفل.
10191 - ونحن نذكر بعد هذا تفصيلَ القول في الذين يستحقون النفقة بالبعضية في هذا الغرض الذي نحن فيه، ونقول: كل من يستحق النفقة على قريبه؛ فإنه يطالبه بها مطالبة الدُّيون، فإن امتنع ووجد مستحقُّ النفقة من جنس النفقة، أَخَذَ الكفايةَ مما وجده، وإن وجد من غير جنس النفقة، فعلى القولين في الظفر بغير جنس المال عند تعذر استيفاء الديون.
ولو أراد الابن البالغُ المعسر أن يستقرض على أبيه الموسر مقدارَ نفقة نفسه، فليس له أن يستبد بهذا، وكذلك القول في الأب الفقير مع الابن الموسر، ولكن يرفع مستحقُّ النفقة أمرَه إلى الحاكم، وللحاكم أن يستقرض على من عليه النفقة، فإن فعل، فذاك، وإن أذن لمستحق النفقة أن يستقرض عليه، جاز.
وإن استقرض عليه بنفسه من غير مراجعة القاضي -مع القدرة عليها- لم يلزم ذلك القرضُ ذلك الإنسانَ، ولو عدِم مستحق النفقةِ الحاكمَ، ومست الحاجةُ، فاستقرض على من عليه النفقةُ، ففي المسألة وجهان مأخوذان من مسألة الجمّال، وقد سبقت مستقصاة.
10192 - ومما يتعلق بهذا أن أبَ الطفل إذا غابَ وحضر الجدُّ، فقد ذكر الشيخ
أبو علي وجهين في أنه هل يستبد الجدُّ بالاستقراض على الغائب من غير مراجعة القاضي مع القدرة عليها، ولست أرى لجواز الاستقراض عليه من غير مراجعة القاضي وجهاً أصلاً؛ فإن الجد لا يلي في غيبة الأب، وما أثبتناه في الأم، فمعتمدنا فيه الخبر، فلعل الشيخَ نزَّل الجد في الغيبة منزلة الأم، وليس هذا من مواضع القياس، بل القاضي يلي الطفل في غيبة الأب.
وقد انتهى هذا الغرض.
10193 - ونحن نبتدىء مقصوداً آخر منعطفاً على ما تقدم، فنقول: من ملك عقاراً، فهو مبيع على قدر الحاجة في نفقة من يجب نفقته، وكل ما يباع في الديون، فهو مبيع في النفقات، وسنوضح في أثناء الكلام أن النفقة مقدمةٌ على الدين.
10194 - فإذا لم يملك الرجل شيئاًً يباع في دين، ولكنه كان كسوباً قادراً على أن يحصّل قوتَ نفسه وقوتَ قريبه، فهل يجب عليه أن يكتسب، وكيف السبيل فيه؟ قال الأئمة: إذا قدر على الكسب، فهل له أن يتكفف ويسال الناس إلحافاً؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجب عليه أن يكتسب، ويتركَ التعرّض [للناس] 1، وهذا يعتضد بقول المصطفى صلى الله عليه، إذ قال: " المسألة حرام إلا على ثلاثة الحديث " 2 ولولا الحديث، لما كان ينقاس تحريم المسألة والتعرض للناس بالسؤال.
ومن أصحابنا من لم يحرّم السؤالَ -مع القدرة على الكسب، وحمل قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم على الكراهية، والحرام هو المحظور، والمحظور الممنوع، والمنع ينقسم إلى الكراهية وإلى التحريم المحقق، وكما ترد الكراهيةُ على إرادة التحريم، يرد التحريم على إرادة الكراهية.
هذا قولنا في حقه 1.
فأما إذا قدر على الكسب، فلم يكتسب، وعطل قريبَه، فهل له ذلك؟ [هذا مما يجب الاهتمام به] 2، فنقول أولاً: لا يجب على الإنسان أن يكتسب لأداء الديون المستقرة في ذمته، وهل يجب أن يكتسب لينفق على قريبه، فعلى وجهين: أحدهما - لا يجب ذلك، كما لا يجب لأداء الدّين.
والثاني - يجب؛ لأن النفقاتِ من الحاجات المتواصلة، والاكتساب على قدرها، ولعل السببَ في منع إيجاب الكسب للدين كونُه مستغرَقاً بالحاجات المتواصلة في غالب الأمر.
وفي وجوب الاكتساب للإنفاق على الزوجة وجهان مرتبان على الوجهين في نفقة القريب، ولأَنْ لا يجب الاكتساب لنفقة الزوجة أولى؛ لأنها مشابهة للديون، ومذهبنا الصحيح أنها تجد مخلصاً إذا أعسر الزوج بالنفقة وهذا لا يتحقق في القريب.
فإذا تحقق ما نعتبره في حق من يُنفق، فكل ما يباع في نفقة القريب فإذا ملكه القريب بنفسه، لم يستحق النفقةَ معه، وينتظم بحسب هذا أنا إذا أوجبنا الاكتساب بنفقة القريب لا نوجب النفقة للقريب الكسوب، وإنما يجري ما قدمناه من الخلاف فيه إذا كان من له النفقة غيرَ كسوب، ومن فيه الكلام كسوباً.
هذا منتهى الغرض من ذلك.
10195 - ومن الأحوال المنعطفة على ما تقدم أنا لا نوجب النفقةَ على البعيد مع القريب الموسر، وسيأتي فصلٌ في ترتيب من يستحق عليه النفقة، وهو غمرة هذه الأصول.
ومقدار غرضنا الآن أنه إذا كان للولد أبٌ موسر وجدٌّ: أبُ أبٍ موسرٌ، فلا شك أن النفقة على الأب، فلو فرضت غيبة الأب، ولم نجد مُضطرَباً، ولم نستمكن من الاستقراض على الغائب، [فالطفل] 1 لا يُلحق بمحاويج المسلمين؛ حتى ينفق عليه من بيت المال مع حضور الجدّ الموسر، بل على الجدّ أن ينفق، فإن راجع القاضي حتى أذن له بالإنفاق على شرط الرجوع، أنفق ورجع، وإن لم يراجع القاضي مع القدرة، وأنفق، فهذا ما تقدم ذكره، والمذهب أنه لا يرجع.
وإن لم يجد قاضياً، فأنفق على قصد الرجوع، فهل يرجع على الغائب؟ فعلى الوجهين.
والمقصود مما ذكرناه أن الجد يلزمه القيام بهذا المهم، ثم الكلامُ في الرجوع على ما قدمناه، فإذا تمكن القاضي من التصرف والاستقراض على الغائب، فهو ولي الطفل في غيبة الأب، فليس له تركُ النظر مع القدرة عليه.
فإن لم يجد مُقرضاً، كان كما لو لم يكن 2 قاضٍ، وكذلك إن لم يتفرغ إليه، وحاصل الكلام في هذا أن التصرف إلى القاضي، وليس له أن يلزم الجدَّ، كما ليس له أن يلزم آحاد الناس، فإن لم يكن قاضٍ، فالجد لا يعطِّل الطفلَ، ثم الكلام في كيفية الرجوع على ما قدمناه.
وقد انتجزت القواعد التي أردنا تقديمها في نفقة القريب.
فرع:
10196 - إذا كان الأب كسوباًً وقلنا: يجب على الابن الموسر أن ينفق عليه -على وجهٍ لبعض الأصحاب- فهل يجب عليه أن يعفّه إذا كان لا يستمكن من التعفف بنفسه؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أصحهما - أنه يجب على الابن ذلك، فإن الإعفاف من الحقوق الواجبة، وقد تحقق احتياج الأب إليه، وكسبه غير وافٍ به.
والوجه الثاني - أنه لا يجب عليه أن يعفه؛ فإن الإعفاف إنما يجب لمن تجب له النفقة، فإذا سقطت النققة، سقط الإعفاف.
وهذا ركيك لا اتجاه له.
فرع:
10197 - [كما يجب] 1 على الابن الإنفاقُ على أبيه يجب عليه الإنفاق على زوجة أبيه، فلو كان له زوجتان، لم يجب الإنفاق عليهما، وذكر العراقيون وجهين في هذا المنتهى: أحدهما - أنه يسلم نفقةَ زوجةٍ إلى أبيه، ثم إنه يفضّ عليهما، وليس للابن أن يحتكم بتعيين واحدةٍ منهما.
والوجه الثاني - أنه لا يجب عليه الإنفاق أصلاً على واحدة من الزوجتين؛ لأن التعيين لا وجه له؛ إذ ليست إحداهما أولى من الأخرى، والإنفاق عليهما غيرُ واجب، فإذا عسر تفصيل المذهب، انتفى الأصل.
ْوهذا لا أصل له، والعراقيون يتولّعون بأمثال هذا في كثير من المسائل.
فصل
يشتمل على اجتماع الأقارب أصحابِ البعضية، وهم موسرون، ولهم قريب معسر على شرائطِ استحقاق النفقة، فمن الذي يقدّم بالتزام النفقة؟ وكيف طريق التقديم لمن يلتزم؟
10198 - وهذا الفصل من الفصول المنعوتة 2، وقد تقطّع مهرةُ الفقهاء في إيضاح المقصود منه، ونحن نرى أن نذكر اجتماع الأولاد الموسرين، ثم نذكر اجتماعَ الأصول الموسرين، ثم نذكر اجتماع الأصول والأولاد الموسرين، ونذكر في كل فصلٍ ما يليق به، ونوضحه إيضاحاً لا يغادر إشكالاً وتعقيداً، إن شاء الله عز وجل.
10199 - فأما الكلام في الأولاد، فالرأي ذكر طرق الأصحاب على الجملة، ثم فضُّ المسائل عليها: اختلف أئمتنا في المعنى المعتبر في التقديم، فقال المحققون: الاعتبار بالقرب، فمن كان أقرب من الأولاد أولى بالتزام النفقة، حتى إذا وجد شخصان أحدهما أقرب وليس وارثاً، والثاني أبعد، وهو وارث، فالنفقة على
الأقرب، وذلك مثل: بنت بنت، وبنت ابن ابن، النفقة على بنت البنت، ولا نذكر مسلكاً آخر ما لم نسْتقص القول في هذا.
فإذا لاح تقديم الأقرب فلو وجد من الأحفاد شخصان مستويان في القرب، وأحدهما وارث دون الثاني، فهل يقدم الوارث مع الاستواء في القرب؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نقدم الوارث لا للإرث في صورته، ولكن لدلالة الإرث على القرابة.
والوجه الثاني - أنا لا نعتبر الإرث أصلاً، ولكنا نقول: إذا استويا في القرب، فالنفقة عليهما جميعاً وإن كان أحدهما وارثاً والثاني غير وارث، وذلك بمثابة بنت بنت وبنت ابن، أو ابن ابن.
وينشأ من هذا التردد أصل آخر على هذه الطريقة، وهو أنهما لو استويا في القرب، وكانا جميعاً وارثين، [ولكن] 1 حصة أحدهما من الميراث أكثر، فالنفقة عليهما للاستواء في القرب وأصل الميراث، ولكن نفض النفقةَ عليهما بالسوية، أو نفضها عليهما على أقدار استحقاقهما للميراث؟ فعلى وجهين مشهورين، وذلك مثل: ابن، وبنت، فهما مستويان في القرب وأصل الإرث، ولكنهما متفاوتان في مقدار الإرث، ففي وجهٍ نقول: النفقة عليهما بالسوية، وفي وجه نقول النفقة عليهما أثلاثاًً، على حسب قسمة الميراث.
هذا بيان طريقة واحدة للأصحاب تعرف باعتبار القرب.
10200 - طريقة أخرى لبعض الأصحاب في اجتماع المولودين، وهي أن الاعتبار في التقديم بالإرث، لا بالقرب، فإذا اجتمع اثنان بعيد وارث، والآخر قريب غير وارث، فالنفقة على البعيد الوارث، مثل ابن ابن ابن وبنت بنت، فالنفقة على ابن ابن الابن.
ولو كانا جميعاً وارثين، ولكن أحدهما أقربُ، فهؤلاء لا يقطعون بأن النفقة
على الإرث، وذلك مثل بنت وبنت ابن، فالميراث ثابت لهما، وبنت الصلب مختصة بالقرب، فالنفقة عليها.
وينتظم من هذا أنا على الطريقة الأولى نقدم بالقرب، وهل نرجّح بالإرث مع الاستواء في القرب؟ فعلى وجهين.
وعلى الطريقة الثانية نقدم بالإرث، فإذا استويا في الإرث واختصاص واحد بالقرب، رجّحنا بالقرب وجهاً واحداً.
والطريقة المرضيّة هي الأولى؛ فإن الأصل القرابة في هذا الباب، ولم يعلّق الشافعي استحقاقَ النفقة بالقرابة المورّثة؛ إذ لو علق بها، لأوجب النفقة بالأخوّة وغيرها من القرابات المورِّثة.
وأوجب 1 النفقةَ على القريب الذي لا يرث وهو أب الأم، وتجب النفقة مع اختلاف الدين، وإن كان الإرث منقطعاًً، وأبو حنيفة [مع] 2 مجاوزته قرابةَ البعضية لا يعتبر الإرثَ أيضاً، فإن ابن العم يرث، ولا يلتزم النفقة.
والفقه بعد هذا الاستشهاد أن عماد الأمر البعضية الدائرة بين الأصل والفرع، والإرث مبني على قاعدة أخرى، فلما كان كذلك، اتجهت الطريقة الأولى، ولأجل ما ذكرناه اتفق الأصحاب على اعتبار القرابة، فاعتبرها الأولون في التقديم، واعتبرها الآخرون في الترجيح، فهذا نراه قاعدة المذهب.
10201 - وذكر الشيخ أبو علي وجهاً عن بعض الأصحاب، أَخَّرته، ولم أمزجه بقواعد المذهب، وأنا أذكر ما ذكره، [وأوضح ما فيه: قال:] 3 إذا اجتمع الابن والبنت، فالمذهب اشتراكهما في الالتزام، كما قدمته، والخلاف في التسوية والتفاضل على قدر الإرث، قال: ومن أصحابنا من قدم الابن للذكورة، والعصوبة، وقال: الرجال أقدر على الاكتساب ولهذا أقامهم الله قوامين على النساء.
وهذا الوجه الغريبُ سيأتي له نظير في اجتماع الأصول في القسم الثاني مما ذكره
الأصحاب، فليس هذا الوجه إذاً عديمَ النظير، ثم الذي تحصّل لي منه ما يجب الثقة به، فالقرب مقدم على الذكورة، والوراثة مقدمة على الذكورة، وإذا وُجد الاستواء في القرب، وتحقق الاستواء في الوراثة ثبوتاً أو سقوطاً، وكان واحد ذكراً، فهل يكون أولى بالالتزام للذكورة؟ المذهب أنه لا أثر للذكورة، وفيه الوجه البعيد الذي حكاه الشيخ.
فهذا تمهيد طرق الأصحاب [في] 1 اجتماع الأولاد.
10202 - ولو اكتفينا بذلك، لم يَخْفَ تخريجُ المسائل عليه، ولكني أرى أن أفضّ المسائلَ على الطرق؛ حتى تزداد إيضاحاً: ابن وبنت: المذهب أنهما يشتركان في الالتزام، ثم يستويان أم يتفاوتان على حسب التفاوت في الإرث؟ فعلى وجهين، وفي المسألة الوجه الغريب، وهو أن الابن يختص بالالتزام.
صورة أخرى - بنت بنت، وابن ابن: من اعتبر الميراث أو رأى الترجيح بالذكورة، قال: ابن الابن أولى بالالتزام، ومن رأى التعويل على القرب ذكر وجهين: أحدهما - أنهما يستويان في الالتزام للاستواء في القرب.
والثاني - أن ابن الابن أولى بالالتزام للاختصاص بالإرث.
صورة أخرى - ابن ابن ابن، وبنت بنت: من راعى القرب ضرب النفقة على بنت البنت، ومن راعى الإرث ضربها على ابن ابن الابن.
صورة أخرى - بنت وبنت ابن: النفقة على البنت على [الاتفاق] 2؛ فإن من راعى القرب قدّمها، ومن راعى الإرث رجحها بالاختصاص بالقرب.
صورة أخرى - بنت بنت، وابن بنت: هما مستويان في القرب، ولا ميراث لهما، المذهب استواؤهما في الالتزام، وصاحب الوجه الغريب يقدم ابن البنت للذكورة.
وهذا القدر كافٍ، وبه نجز الكلام في اجتماع المولودين، ومن يُقدَّم منهم.
10203 - فأما الأصول الموسرون إذا اجتمعوا، ومستحِق النفقة فرعهم، فالوجه أن نبدأ باجتماع الأبوين أولاً، فإذا كان للابن الفقير أب وأم موسران، فالابن لا يخلو: إما أن يكون صغيراً وإما أن يكون بالغاً، فإن كان صغيراً، لم يختلف الأصحاب في أن الأب يختص بالالتزام للإنفاق عليه، وهذا من الأصول المتفق عليها بين الأصحاب، وفيه عضد لما أجريناه في أثناء الكلام من أن نفقة الطفل من أتباع مؤن الزوجية.
وإن كان الابن بالغاً، فللأصحاب أوجه: منهم من قال: الأب أولى استدامةً لما مهدنا في حالة الصغر، ومنهم من قال: النفقة مضروبة على الأب والأم؛ فإن الأب كان مختصاً بالولاية على الصغير، وقد استقل المولود، وهما أبوان لو انفرد كل واحد منهما لالتزم النفقة عند انفراده.
ثم إن قلنا: النفقةُ عليهما، فهي مقسومة بالسويّة بينهما أم هي مفضوضة عليهما ثلثاً وثلثين على قدر اشتراكهما في الميراث إذا انفردا باستحقاق التركة؟ فعلى وجهين، كما تقدم ذكرهما في اجتماع المولودين، ونصُّ الشافعي دال على أن الأب أولى بالتزام النفقة.
هذا منتهى الكلام في اجتماع الأبوين لا غير.
10204 - وأما اجتماع الأجداد والجدات من يرث ومن لا يرث، فكيف السبيل فيهم؟ ومن المقدّم بالالتزام منهم؟ فنقول: مما لا يخفى -ونقدمه حتى لا يختلط بمزدحم الخلاف- أنه إذا اجتمع قريب وبعيد من جهةٍ واحدة، فالنفقة مضروبة على القريب لا يُتخيل [فيه] 1 تردد، وذلك مثل أب وأب أب.
وأم، وأم أم، وهذا واضح مستبين عما نريد الخوض فيه.
وأما إذا فرض اجتماع جماعة من الأصول، فنذكر طرق الأصحاب على الجملة فيهم، كما ذكرناه في الأولاد ثم نأتي بالمسائل أمثلةً وصوراً، ونخرجها على الطرق.
فنقول: من أصحابنا من اعتبر القرب، فقدم به وسوّى به، ثم هؤلاء قالوا: لو فرض من الأصول مستوِيان في القرب، واختص أحدهما بالإرث، فهل يقدّم المختص بالإرث أم لا أثر للإرث مع الاستواء في القرب؟ فعلى وجهين، وقد تقدم ذكرهما في الأولاد.
هذه طريقة، وهي غير الطريقة الأولى المحكية في الأولاد، ولو اجتمع على هذه الطريقة قريبان مستوِيان في القرب، وكانا وارثين، فالنفقة عليهما بالسوية أم هي على مقدار الإرث؟ فعلى الوجهين المذكورين.
طريقة أخرى - من أصحابنا من قال: الأصل المعتبر في التقديم الإرثُ، فلو اجتمع بعيدٌ وارثٌ وقريب ساقط، فالنفقة على البعيد الوارث، وإن استويا في الميراث وأحدهما أقرب، قُدم الأقرب، وإن استويا في سقوط الميراث والقرب، استويا في الالتزام للاستواء في القرب، وهذا بعينه مذكور في اجتماع الأولاد.
طريقة أخرى - من أصحابنا من قال: التقديم بالولاية، فإذا اجتمع من الأصول اثنان أو طائفة، وكان الولي واحداً منهم، فهو المختص بالنفقة؛ لأن الولي يسوس المَوْليَّ عليه، ويقدَّمُ بالنظر له، فهو من هذا الوجه قائم بتربيته، فيليق بمنصبه أن [يختص] 1 بالإنفاق عليه، وهذا القائل يقول: الولي وإن كان بعيداً يلتزم النفقة.
فإن لم يكن في الأصول المجتمعين وليٌّ، تصدّى لهذا القائل الطريقان المتقدمان: اعتبار القرب أو اعتبار الوراثة، فكأنه زاد الولاية وجعلها مقدمة على كل معتبر، فإن لم تكن ولاية اعترض طريقان للأصحاب فأيهما رآه قال به.
10205 - وحكى الأصحاب عن الشيخ أبي حامد مسلكاً رابعاً ننقله على وجهه، ثم ننقّح الطرق على ما ينبغي.
قال رضي الله عنه: تعتبر الذكورة والإرث في اجتماع الأصول، وعبر عن الذكورة بالكسب، هكذا توجد المنقولات عنه، ثم قال: إذا وجد شخصان مثلاً في أحدهما ذكورة ووراثة، وفي الثاني ذكورة ولا وراثة، أو وراثة ولا ذكورة، فمن اجتمع فيه
المعنيان مقدم في الالتزام، ولا يتصور أن يجتمع في كل واحد الذكورة والوراثة معاً؛ فإن الذكورة والوراثة إنما تثبتان للأب أو الجد أب الأب، ولا يتصور اجتماع الاثنين على هذا الوصف، ولو اجتمع ذكر غير وارث، وأنثى وارثة، [فهما] 1 مستويان، فالنظر وراء ذلك إلى القرب، فمن كان أقرب، كان أولى.
وحاصل هذا المسلك يرجع إلى اعتبار معنيين، والحكم بتعادلهما: إذا وجد أحد المعنيين في شخص ووجد المعنى الآخر في شخص، ثم إذا فرض التساوي إما بانتفاء المعنيين عن الجانبين، وإما بوجود المعنيين في كل واحد من الجانبين، وإما بوجود أحد المعنيين في أحد الجانبين، ووجود المعنى الآخر في جانب الآخر.
وإذا فرض الاستواء على جهة من الجهات التي عددناها، فالنظر في القرب، فإذا فرض الاستواء في القرب، مع الاستواء الذي صورناه، فهذا يقتضي الاشتراك في الالتزام.
ولو فرض من جانب ذكورةٌ وإرثٌ، ومن جانبٍ قربٌ، فالمعنيان مقدمان على القرب، ولو فرض من جانب ذكورةٌ محضة، ومن جانب قربٌ، فالذكورة مقدمة، ولو فرضت وراثة من جانب ومن جانب مزيدُ قرب، فالوراثة مقدمة.
هذا حاصل هذه الطريقة.
10206 - ومما ننبه عليه في هذا المنتهى أنا ذكرنا في اجتماع المولودين أن من أصحابنا من اعتبر القرب، وقدم به، ومنهم من اعتبر الإرث وقدم به، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أن القرب إذا وجد في جانب والإرث مع البعد إذا وجد في جانب آخر أوجب ذلك اعتدالاً، كما ذكر الشيخ أبو حامد أن الذكورة في جانب والإرث في جانب يُوجب اعتدالاً.
والسببُ فيه أن من رأى التمسك بالقرب لم يقدم عليه الوراثة؛ فإن القرب هو الأصل، وأما الذكورة والإرث، فلا يبعد اعتقاد تعادلهما.
10207 - طريقة أخرى - لبعض الأصحاب- ذهب طائفة إلى اعتبار الذكورة المحضة من غير ضم الإرث إليها، وقدمها على الوراثة، قائلاً: لو كان في جانب ذكورة،
وفي جانب إرث ولا ذكورة مع الإرث، ولا إرث مع الذكورة،.
فالذكر مقدم، وقال: الذكورة مقدمة على القرب، والذكر البعيد مقدم على الأنثى القريبة، وهذا أبعد الطرق؛ فإن الذكورة المحضة يبعد تقديمها على الإرث.
فهذا بيان ذكر الطرق في اجتماع الأصول في معرض عقد التراجم وتمهيد القواعد.
10208 - ونحن نتتبع أولاً مآخذ هذه الطرق على ما ينبغي، ثم نذكر ما انفصلت به تصرفات الأصحاب في اجتماع الأصول عن تصرفاتهم في اجتماع المولودين، ثم نختتم الكلام بذكر المسائل في الأصول وتخريجها على الطرق.
10209 - فأما تتبع الطرق [فالقرب] 1 لا حاجة إلى تكلّفٍ في اعتباره، ولو قلنا: هو أوْلى الطرق، لم نكن مُبعدين؛ فإن مدار النفقة على البعضية، وهي من طريق القرابة أقربُ من التفرّعِ والتشعّب، والوقوعِ على الجوانب من عمود النسب، ثم يُثبت وجوبَ النفقة من غير إرث، كما تقدم تقريره.
وسرّ التقديم يؤول إلى الترجيح، وأَحْرى وجوه الترجيح ما ينشأ من مأخذ الأصل، ثم إن ذكر ذاكر مع الاستواء في القرب الترجيحَ بالإرث، لم يُبعِد، فيقع الإرث في المرتبة الثانية من القرب؛ فإن القرب هو الأصل، والإرث متلقَّى من صفة القرب.
وأما من اعتبر [الإرثَ] 2، فقد أوضحنا أنه حائد، وقررنا ذلك في اجتماع المولودين.
والولايةُ فيها على حالٍ تعلقٌ بقيام الولي بتربية المَوْليِّ عليه.
والذكورة التي ذكرناها آخراً اعتمادُها أضعف الطرق؛ فإنه ليس في الذكورة إلا القدرة على الكسب، وأين يقع هذا من القرب، ثم أين وقوعها عن قوة القرب التي تفيد الوراثة.
والشيخ أبو حامد جمع بين الذكورة والوراثة، فاشتمل كلامُه فيما نقله الناقلون على الأمر [المنكر] 1 الغث الذي قدمناه؛ فإن مساق التفريع يؤدي إلى تقديم الذكورة على القرب، وهذا هو الغاية المحذورة عندنا؛ فإن القرب أولى [معتبر] 2 والذكورة أبعد معتبر، فمن باح بتقديم الأبعد على الأقرب، لم يغادر من الرّداءة شيئاًً.
نعم، لو قال: الوراثة لا تقدم على القرب، والذكورة لا تقدم على القرب، ولو اجتمعا في شخص قدمتا على القرب، لكان هذا قريبَ المأخذ، ولكن ما صح عندنا في النقل عنه ما ذكرناه.
ولا سبيل إلى أن نطوّقه ما لم يعتقده، ونتقوّل عليه.
ولا أرغب أيضاًً في تقديم الوراثة مع الذكورة على القرب، حتى أرى هذا وجهاً من وجوه الاحتمال.
وإذا أردنا الاطلاع على منازل الكلام، فالقرب يقع أولاً، والمتمسِّك [به] 3 معتصِمٌ بأفضل الطرق، ثم يليه الوراثةُ، ويلي الوراثةَ الولايةُ.
والذكورة، [واعتمادها في التقديم- على ما قدمناه من الأسباب باطل.
وجَمْعُ الشيخ أبي حامد بين الوراثة والذكورة كلامٌ مختبط] 4 وليصرف الناظر فهمه إلى أول الكلام، فإن اعتبرنا القربَ، لم يبعد حينئذ مع الاستواء فيه التردد في الوراثة، فإذا فرض الاستواء في القرب والوراثة، لم يبعد بَعْد الاستواء فيهما التردد في الترجيح بالوراثة، والتردد في الوراثةِ والترجيحِ بها أقرب من التردد في الترجيح بالولاية.
وإذا فرض الاجتماع في القرب والوراثة ولا يتصور الاجتماع في الولاية 5، فلو
انتفت الولاية، فالترجيح بالذكورة [محتمل على حالٍ] 1 وهو أبعد ما يرجّح به، وإنما يحتمل الترجيح به بعد ما قدمنا من التقديم بالأسباب التي اختلف الأصحاب فيها.
هذا تنقيح الطرق وتنزيل القول في تعاليها، وبيان سقوط بعضها، وبيان وضوح بعضها، وبيان الاحتمال على البُعد في بعضها.
10210 - وما ذكرناه يُغني عن ذكر ما التزمناه من بَعدُ، ولكن لا يضرّ الوفاء بالموعود، وتقريب المآخذ على الشادي الفطن، فنقول: استعملنا في المولودين القربَ والوراثةَ، والذكورة على وجهٍ بعيد، ولم نصادف منها ولاية فنذكر بحسبها طريقة.
وأما الجمعُ بين الذكورة والوراثة، فلست أراه طريقةً يُحتَفل بها، وحق الشيخ أبي حامد أن يطرد طريقته في المولودين.
10211 - وأما المسائل، فقد قدمنا الكلام في الأب والأم، ونحن نأتي بصورٍ في الأجداد والجدات: أب أب، وأم أم: من اعتبر القرب أوجب النفقة عليهما، وفي كيفية الفض وجهان: أحدهما - التسوية، والثاني - اعتبار مقدار الإرث.
ومن اعتبر الإرثَ فَضَّه عليهما على حسب الإرث، فإنه إذا اعتبر الإرثَ في أصل التقديم اعتبره في التفصيل.
ومن اعتبر الولايةَ أو الذكورةَ أوجب على الجد، ولم يوجب على أم الأم شيئاً.
صورة -أب أب، وأم- من اعتبر القرب أوجب النفقة على الأم، ومن اعتبر الوراثة فضّ النفقةَ على أب الأب والأم على حسب الميراث بينهما، ومن اعتبر الولاية أو الذكورةَ أوجب النفقة على الجد.
وقيل: للشافعي نصٌّ في أن النفقة على الجد دون الأم، وهذا لم يصححه أئمة المذهب نقلاً، فإن صح، فلا خروج له إلا على اعتبار الولاية، وإن أحببنا عبّرنا عنه، وقلنا خروج النص على تنزيل الجد عند عدم الأب منزلة الأب.
صورة - أب أب وأب أم: من اعتبر القرب، ولم يرجح بالإرث سوى بينهما، ومن اعتبر القرب، ورجح بالإرث أوجب النفقة على أب الأب، ومن اعتبر الإرث أو الولاية قدم أب الأب.
صورة - أم أب الأب، وأب أم الأم: من اعتبر القرب، ورجح بالوراثة أوجب النفقة على أم أب الأب، ومن لم يرجح بالوراثة سوى بينهما، ومن اعتبر الذكورة قدم أب أم الأم.
وهذا أخس الطرق، وهو مما يجب القطع ببطلانه؛ فإن تقديم الذكورة على الوراثة لا اتجاه له.
وما 1 عندي أن من وفق للإحاطة بما قدمناه، لم يحتج إلى مزيد في التصوير، والازديادُ على الكفاية في البيان يَجُرّ المللَ، ويورث الخللَ.
10212 - ونحن نختتم هذا المنتهى بشيء حقه أن يخرج عن الضوابط، قال من اعتبر الولاية: إذا فرض شخصان ليسا وليَّيْن، ولكن أحدهما مُدْلٍ بولي، فهو مقدم، وهذا إذا استعمل في التقديم بالغٌ في الخسة، وإن استعمل في الترجيح، كان بعيداً في مسالك الظنون، وقد ذكر من اعتبر الذكورة الإدلاء بالذكر أيضاً، وهذا مبلغٌ يكلّ عنه لسان الموبِّخ 2. وقد انتجز القول في اجتماع المولودين، ثم في اجتماع الأصول.
10213 - ونحن نذكر الآن اجتماع الأصول والمولودين، فنقول: إذا اجتمع الأب والابن الموسران، فللأصحاب أوجه، والاحتمالات فيها.
متعارضة: منهم من قال: الأب أولى استصحاباً [لوجوب] 3 الإنفاق عليه في صغر المولود.
وقد يتأكد هذا بتربية الأصل فرعه.
ومنهم من قال: النفقة على الابن؛ فإن حق الإنسان على ولده آكد من حقه على
والده، وحقوقه في مال الولد أثبت، ولذلك اختص استحقاقَ الإعفاف من مال ولده، وقال المصطفى صلى الله عليه: " أنت ومالك لأبيك " 1.
والوجه الثالث - أن النفقة مضروبة عليهما لاستوائهما في القرب واتصاف كل واحد منهما بالالتزام عند الانفراد، ثم إذا ضربنا النفقة عليهما، ففي كيفية الضرب وجهان: أحدهما - أنا نسوي بينهما، والثاني - أنا نضرب النفقة عليهما على مقدار استحقاقهما للإرث، وقد تقدم هذا فيما سبق.
[فلو] 2 كان في المسألة أمٌ، وابنٌ، فلأصحابنا طريقان: منهم من قطع بأن الابن أولى بالالتزام.
ومنهم من أجرى الابن مع الأم مجرى الابن مع الأب، ثم يعترض في هذا القسم الذي انتهينا إليه صورٌ في القرب والبعد، فيستخرج الفطن مما مهّدناه قبلُ اختلافَ الطرق فيه.
فلو اجتمع الأب وابن الابن، فيعترض في ذلك ما نشير إليه: مَنْ نظر إلى الاستصحاب، وقدم الأب، فلا شك أنه يقدمه هاهنا ومن نظر إلى تأكد الحق على الولد، اعترض له هاهنا اعتبار هذا التأكد في مقابلة اعتبار القرب، فمن راعى التأكد قدّمه على القرب، ومن راعى القرب أو الاستصحاب قدَّم الأب.
ولو فرضنا جداً عالياً وابنَ دِنْية 3، فمن اعتبر القربَ أو تأكُّد الحق على الولد، قدم الابن.
ومن اعتبر الإرث في الطرق المقدمة، أثبت النفقةَ على الجد والابن على حسب قسمة الميراث بينهما.
ومن أثبت الولاية فالجد أولى بالولاية.
10214 - والجملة المغنية عن التفصيل أنه ازداد في اجتماع الأصول والفروع رعايةُ تأكد الحق على الولد، وباقي وجوه الاعتبار على ما تقدم، حرفاً حرفاً، ومن لم يعتبر ما مهدناه لا يزداد بتكثير التصوير إلا عَمايَةً [وتدوّخاً] 1.
وقد لاح أن تلك المعاني لا تختلف في هذا القسم، بل زاد معنى آخر، وقد نبهنا عليه، وكل ما ذكرناه بيان ازدحام من يلتزم النفقة، وذِكْرُ من يُقدَّم ويؤخر، والذي يسوّى بينهم.
ونحن الآن نعقد فصلاً يحوي كلاماً وجيزاً في اجتماع من يستحق النفقة مع ضيق النفقة عن جميعهم.
فصل
10215 - إذا فضل عن قوت الرجل في يومه كفايةُ شخصٍ مثلاً، وازدحم عليه الأهل، والمولودون، والأصول، فإلى من يصرف ذلك المُدّ الفاضل؟ ما رأيته أن الزوجة مقدّمةٌ، ولم أر ما يخالف هذا، ورأيت كثيراً من الطرق عريّةً عن التعرض لهذا، واعتل الذين قدّموا نفقة الزوجية بأن قالوا: في نفقة الزوجة رعاية معنى الكفاية على الجملة؛ على مقابلة احتباسها في رِبقة الزوجية، وهي أثبت النفقات؛ من جهة أنها لا تسقط بمرور الزمن، ولا تسقط باستغناء الزوجة، فاقتضى ما ذكرناه من التأكد تقديمَها على سائر الجهات، وهذا فيه احتمال معترضٌ، لا نقل عندي فيه.
والاحتمال يتضح بتجديد العهد بأصلٍ قدمناه في كتاب التفليس، وهو أن النفقات التي حقَّت وحلّت مقدمةٌ على الديون، وما دام القاضي يمهد بيعَ عروض المفلس، فنفقة المفلس، ونفقةُ أهله وأقاربه مؤداةٌ من تلك الأموال، وإذا فرض بيعها، فيجب