نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 343-382
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التفليس

صفحات 343-382
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فعلى قولين: فقال قائلون: ها هنا يخرّج هذان القولان أيضاًً، ففي قولٍ، نقول للبائع: خذ العين القائمة 1 بجميع الثمن، أو دَعْها، وضارب بجميع الثمن.
وفي قولٍ، نقول: يأخذ ما وجد بحصته ويضارب الغرماء بحصته من الثمن.
والقول المذكور في أن العقد يجاز في العبد الباقي بعد تلف العبد الآخر بتمام الثمن، في نهاية الضعف، والمصير إلى ذلك القياس في هذا المقام خرقٌ لنظم المذهب بالكلية.
3881 - وطرد هذا القائل هذا المسلك في الشفعة، فقال: من باع سيفاً قيمته مائة، وشقصا قيمته عشرة، بمائة وعشرة، فجاء الشفيع يطلب الشقص؛ فنقول في قول: خذ الشقص بجميع الثمن، أو دع الشفعة، وفي قول نقول: خذ الشقصَ بنسبته.
وهذا الآن عندي قريب من خرق الإجماع، فالوجه القطع بأن البائع يرجع فيما بقي ويأخذه بقسطه، ويضارب بقسط من الثمن.
فإن قيل: كيف نعتبر قيمة الفائت 2 والباقي؟ قلنا: نحن على قرب عهدٍ بهذا، فالفائت بمنزلة الثمار في المسألة العويصة في صدر الكتاب إذا 3 صوَّرنا فواتها، والعبد الباقي بمثابة الشجرة الباقية.
وقد ذكرنا تفصيل المسألة على أحسن مساق.
فصل قال: " ولو كانت داراً، فبنيت، أو أرضاً، فغرست ... إلى آخره " 4. هذا من فصول الكتاب، فليخصِّصْه الناظر بتثبُّت في الفكر.
3882 - إذا باع الرجل أرضاً من إنسان، وسلّمها، فغرسها المشتري، أو بنى فيها، ثم أفلس.
وما كان أدّى الثمن، والأرض مبنية و 5 مغروسة، فالوجه التنبيه

لمثار الإشكال في المسألة أولاً، ثم نخوض فيها بعون الله وتوفيقه.
3883 - فنقول: المشتري بغرسه وبنائه متصرف في ملك نفسه، وليس أيضاًً على رتبة مستعير؛ فإن العاريّة عرضة الاسترداد، [و] 1 لما أفلس وقد تمهد في الشرع أن البائع يرجع إلى عين ماله، وعين ماله عتيدة، ولكنها مُغيَّرة.
والجمع بين تفريغ الأرض له وبين رعاية حق المشتري والغرماء عَسِر، فكيف السبيل؟ فنقول أولاً: إن طمع البائع في أن يقلع البناء والغراس مجاناً وتحبَطَ 2 قيمة البناء والغراس، ويرد إلى النقض والحطب 3، فهذا طمع محال؛ فإن المشتري لم يكن غاصباً، وإنما يُنقض على هذا الوجه بناء الغاصب وغراسه.
فلو قال البائع: لست أرجع في عين الأرض إلا على هذا الوجه، قلنا: فلا مرجع لك إذاً، فضارب الغرماء بالثمن، واقنع بما يخصك.
وإن كان لا يبغي البائع هذا المحال 4، ولكن أراد أن يرجع إلى عين حقه، ومعلوم أن الأرض البيضاءَ أكثرُ قيمة من الأرض المبنية والمغروسة، إذا كانت تباع دون الغراس والبناء، فلا بد وأن يتداخله نقص.
فإذا تنبه الفقيه لهذا، ولما ذكرناه، فعبارات الأصحاب فيها بعض الإيهام والخبط.
وأنا بعون الله تعالى آتي بمقصود الطرق على أقرب صيغةٍ إن شاء الله تعالى.
فأقول: 3884 - حاصل ما ذكره الأئمة في ذلك أقوال: أحدها - أنا نجعل البائع واجداً عين ماله، فليرجع فيها من غير أن يعتقد جواز القلع مجاناً، وله أحكامٌ 5 على هذا القول سأصفه في التفريع.

والقول الثاني - أنا نجعل بائع الأرض فاقداً عين ماله.
فإن قيل: لم ذلك؟ وهو يقول: أنا أقنع بالأرض ناقصةً، ولا أقلع الغراس والبناء؟ قلنا: قد جرى البناء بحق، وقيمته على مبلغ لو كانت الأرض معه، ولو رجع البائع بعين ماله، لنقص البناء وإن لم يقلع، فتضمن ذلك غضاً من قيمة البناء.
وقد أُنشىء 1 بحق، وليس كما لو كان المبيع مجرداً، لا يؤدي الرجوعُ فيه إلى تنقيص حق المشتري.
ويتم وجه هذا القول بأن الباني يغرَم في البناء أموالاً يجبرها قيمة البناء، فإذا قطعنا الأرض عن البناء، تضمن ذلك تخسيراً للمشتري ظاهراً، وهذا يضاهي الردَّ بالعيب القديم مع عيب حادث؛ فإنه لو تسامح 2، كان استدراك ظلامة في ضمن إلحاق ظلامة.
هذا بيان هذا القول.
3885 - وذكر بعض أصحابنا قولاً ثالثاً، وهو أن البائع يرجع في عين الأرض، ولكن لا يمكن بيعها، فتباع الأرض مع البناء؛ حتى لا يؤدي إلى التخسير، ويجعل البائع الراجع شريكاً، بمثابة صاحب الثوب غير المصبوغ إذا صبغ المشتري ثوبَه، على تفاصيلَ ستأتي، إن شاء الله عزّ وجلّ، ثم الثوب المصبوغ يباع ويوزع الثمن على قيمة الثوب والصبغ، وهذا عدلٌ في رعاية الحقين؛ فلا صاحب البناء يبيع بناءه وحده، ولا صاحب الأرض، بل تباعان.
ومن سلك المسلك المقدم، استبعد الحجر على صاحب الأرض في بيعه أرضَه، وقال: ليس ذلك كالثوب والصبغ؛ فإن إفراد أحدهما بالبيع غير ممكن، فاضطررنا إلى بيع الثوب في الحقين.
3886 - وحكى العراقيون قولاً آخر بعيداً، وقالوا: إن كانت قيمة البناء أكثر، فليس بائعُ الأرض واجداً عينَ ماله.
وإن كانت قيمة الأرض أكثر، فصاحبُ الأرض واجدٌ لعين ماله.
ولعل هذا القائل يذهب مذهب اتباع الأقل [و] 3 الأكثر، ولم

يتعرضوا لاستواء القيمتين، وهذا يقل قدره عن إتعاب الفكر في تفريعه.
3887 - والآن نفرع على الأقوال، فنقول: من قال: إنه فاقدٌ لعين ماله، فنجعل حقه في المضاربة بالثمن، ومن قال: إنه واجد وليس وجدانه على مذهب الشركة التي ثبتت في الثوب المصبوغ، فظاهرُ التفريع على هذا القول أنه إذا رجع في عين الأرض، ثبتت له سلطنة، وهي خِيَرةٌ بين ثلاث خلالٍ.
فإن أراد بذَلَ قيمة البناء والغراس ثابتين، وإن أراد قلَعَهما، وضمن ما ينقصه القلع.
وإن أراد بَقَّاهُما وألزم من يبقى البناء له أجر المثل له 1 في المستقبل.
والتعيين في كل خصلة من هذه الخصال إلى البائع الراجع، وكأنا أحبَبْنا 2 ردَّ الأرْض عليه كما خرجت عن ملكه، فصدّنا عنه امتناعُ إبطال البناء والغراس، فأثبتنا له رتبةَ سلطان المالكين، حتى كأن البناء صدر عن إذنه، وكأنه المعير.
ومن أعار أرضاً حتى نبتت وغرست، فمآل الأمر يؤول إلى ما ذكرناه.
3888 - ومن تمام البيان في ذلك أن الغرماء لو امتنعوا عن قبول هذه الأشياء، واختلفوا: فعيّن البائع خصلة وطلبَ الغرماءُ والمشتري خصلة، فكيف السبيل والحال هذه؟ اختلف أصحابنا في هذه المسألة: فمنهم من قال: إذا [استيقن] 3 منهم النكد 4، وظهرت المخالفة، قُلع الغراس والبناء مجاناً، كما يفعل ذلك بين المعير والمستعير؛ فإن المستعير إذا أبى قبول خصلة من الخصال التي ذكرناها، قُلع غراسه مجّاناً.
وقد نزّلنا البائع على التقدير الذي ذكرناه منزلة المعير.
هذا وجه.
والوجه الثاني - أنهم وإن خالفوا ولم يقبلوا، لم يُقلع بناؤهم مجاناً، ولكنا نقول للبائع: ماذا تريد؟ فإن أراد القلع، قلعنا، ولهم ما ينقصه القلع.
وإن أراد تملك البناء والغراس بالقيمة، ملّكناه تلك الأعيان، وألزمناه قيمتها.
وإن أراد أن يلزمهم الأجرة ما أبقَوْا البناء والشجر، ألزمناهم؛ فلا حاجة إلى تعطيل حقوقهم، وقلع بنائهم

وغراسهم مجاناً، ونحن نتمكن من تحصيل ما يريده البائع في 1 الخِيَرَات الثلاث.
نعم، إذا عاند المستعير، ارتفع عذرُ المعير، وجاز له استرداد الأرض كما كانت من غير غرم، وسنستقصي ذلك في كتاب العاريّة.
والمشتري لا يعتمد بناءه وغراسه إذنا متعرضاً للرجوع، ولكنه اعتمد ملكه الثابت، فلا حاجة لتعطيل تصرفه وتخسيره ماله.
3889 - وإن فرعنا على أن بائع الأرض يرجع فيها رجوع بائع الثوب بعد صبغه، فمعنى ذلك أن الأرض والغراس أو البناء يباعان معاً، ويوزّع الثمن عليهما، فما خص الأرض كما سنصف التوزيع ينفرد البائع به، وما خص البناء، فهو للمشتري وغرمائه.
ومن امتنع من بيع ما أضفناه إليه، أُجبر على البيع؛ فإنا لو كلفنا واحداً أن ينفرد ببيع ملكه، لكان ذلك مضراً به مُخسراً إياه، وسبيل الأرض والبناء في هذه القاعدة -وهي الحَمْل على بيعهما- كسبيل الثوب والصبغ، على ما سنذكره.
هذا بيان هذا القول على الجملة.
وتمام بيانه موقوف على بيان كيفية التوزيع.
3890 - وقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تقوَّم الأرض دون النخيل، والبناء، ثم مع النخيل، والبناء، فنقول: قيمتهما دونها مائة، ومعها مائة وخمسون، فيقسم الثمن أثلاثا بالغاً ما بلغ، ثلثاه لمالك الأرض.
ومنهم من قال: تقوّم الأرض دون النخيل والبناء، فإذا قيمتها مائة، ثم يقوّم البناء والنخيل دون الأرض، فإذا قيمتهما مائة، فيقسم الثمن بينهما نصفين، وقد تقدّم نظير هذا الاختلاف في الأصول السابقة.
3891 - ولو وهب رجل أرضاً بيضاء وسلمها، وكان يثبت له حق الرجوع في الهبة، فلو بنى المتَّهب وغرس فيها فرَجْع 2 الواهب في الأرض بعد بناء المتهب وغراسه، كرجوع البائع في كل تفصيلٍ، بلا فرق في الأقوال، والتفريع عليها.

3892 - فرع: إذا باع الرجل جاريةً، فولدت في يد المشتري وأفلس المشتري، وكان الولد بحيث لا يرجع فيه بائع الجارية، ومنعنا التفريق بين الأم وولدها، فكيف يرجع البائع، وليس الولد له؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه يقال له: إما أن تبذل قيمة الولد فتأخذه مع الجارية، وإما أن يباعا معاً، فتأخذ حصتك من الجارية، وتدفع إلى الغرماء ما يقابل الولد.
والوجه الثاني - أنه يقال: إما أن تبذل بدلَ الولد، وإما ألافجعلك واجداً لعين مالك، فتضارب الغرماء بثمن الجارية، ويبطل حقك من الرجوع، فإذا كان يرجع البائع في الجارية الحامل، ولا يرجع في حملها على قولٍ في صورةٍ، فلا وجه إلا المكث إلى انفصال الولد، وعند ذلك يتفرع ما ذكرناه في الجارية، وولدها من اختلاف الجوابين عن طريقة العراق 1، ولا يمكننا أن نقوّمها حاملاً، ونقوّمها حائلاً؛ فإن الحمل غير موثوق به قبل الانفصال، فلا ينتظم توزيع يُهتدى إليه.
والأصحُّ، وظاهر النص أنه يرجع في الحمل كما تقدم.
فصل قال: " ولو كانا عبدين بمائةٍ ... إلى آخره " 2. 3893 - صورة المسألة باع عبدين متفقي القيمة بمائةٍ، وقبض خمسين، فتلف أحدهما في يد المشتري وفُلِّس، فقد اجتمع في المسألة تبعيضٌ في الثمن، وتبعيض في المثمن، فإن البائع قبض نصف الثمن، وبقي في يد المشتري عبدٌ، وهو على نصف قيمة المثمن.
فالذي نص عليه الشافعي أن البائع يرجع في العبد الباقي ببقيّة الثمن، فجميع المقبوض من الثمن في الهالك، والباقي في القائم، وصار في هذا إلى أن إحالة البائع على المفلس بشيء من الثمن مع أن الباقي من المثمن وافٍ بالباقي

من الثمن لا وجه له، وكأن هذا القائل يجعل تعلق البائع بالمبيع في الثمن بمثابة تعلق المرتهن بالرّهنِ في مقابلة الدين.
وفي المسألة قول آخر، خرّجه الأصحاب من أجوبة الشافعي في الصداق والزكاة.
وهو أن المقبوض من الثمن يتوزع على التالف والباقي؛ والباقي من الثمن يقابل التالف والباقي، وهذا يتضمن أن يرجع في نصف العبد القائم الذي في يد المشتري، ويضارب الغرماء بما يقابل نصف التالف، فيقع الرجوع في ربع الجملة، وهو نصف العبد القائم، وتقع المضاربة في ربع الثمن.
وهذا القول المترجم بالشيوع اختيار المزني.
وهو القياس.
والقول الأول يُشهر بقول الحصر 1. وسنذكر حقيقة الشيوع في كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى.
فصل قال: " ولو أكراه أرضاً، ففُلِّس، والزرع بقلٌ في أرضه ... إلى آخره " 2. 3894 - إذا اكراه أرضاً مدة، ولم يقبض الأجرة، وسلّم الأرض، ثم أفلس المكتري، فالمكري في بقية المدة بمثابة البائع الواجد لبعض المبيع بعينه، والمنافع في المدة الماضية مستوفاة فائتة، فلا يتوقع الرجوع فيها، والمنفعة الباقية بمثابة بعض المبيع؛ فللمكري أن يفسخ الإجارة في بقية المدة، ويرجع إلى قسطٍ من الأجرة، في مقابلة المنافع المستوفاة.
هذا هو المنصوص عليه، وهو الذي قطع به جماهير الأئمة.
3895 - وحكى صاحب التقريب قولاً 3 غريباً أنه لا يثبت الرجوع بالمنافع، وليست كالأعيان؛ فإن الوجود لا يتحقق فيها، وإنما الرجوع في الأعيان القائمة، فلا

مرجع 1 للمكري إلا إلى المضاربة بالأجرة المسماة، ثم تلك المنافع في بقية المدة ينبغي ألا تضيع، ولكن تكرى الأرض في بقية المدة، وتصرف أجرتها إلى ديون المفلس.
وهذا القول وإن كان يتجه بعض الاتجاه، فليس معدوداً من متن المذهب.
فنعود إلى التفريع على النص ونقول: 3896 - إذا أراد الرجوع إلى المنفعة في بقية المدة، فالوجه تقويمها فيما يبقى من الزمان، حتى إذا ثبت مقدار أجرتها، قيس بمقدار أجرة المثل للمنفعة الماضية، ثم يقع التوزيع على المبلغين، فيأخذ المنفعة الباقية بما يساويها من الأجرة المسماة، المنسوبة إلى أجرة المثل، ويضارب بما يقابل أجرة المنفعة الماضية من الأجرة المسمّاة.
ولا تعويل على زمانٍ؛ فإن الأوقات ليست معقوداً عليها، وإنما المعقود عليه المنافع الواقعة فيها، فهي لها ظروف مقدرةٌ، كالآصع والمكاييل للمكيلات، ومبَالغ الأجر تتفاوت بكثرة الراغبين وقلتهم، فيعتبر ذلك، لا الزمانُ نفسه، وقد تقع المنافع في الزمان الماضي وفي المستقبل في مواسم الرغبات، فالمسكن في موسم الحج قد يكترى بالمائة، وأيام الموسم شهرٌ أو أقل، وذلك المسكن يكترى في طول السنة بعشرة، فلا بد من اعتبار هذا.
وسنصفه إن شاء الله تعالى.
3897 - ولو كان أكرى [أرضا] 2 وسلَّمها، فزرعها المكتري، وفُلِّس، واختار المكري الرجوعَ إلى المنفعة في بقية المدة، فليفعل ذلك، وليفسخ الإجارة، ولا سبيل إلى [قلع] 3 الزرع؛ فإنه زرع بحق الملك.
ولا يجوز للمكري القلع بشرط ضمان النقصان، بخلاف ما ذكرناه في الغراس والبنيان.
والسبب فيه أن الغراس والبنيان لا ينتهيان إلى أمدٍ في الزمان، فلم يبعد التسليط فيهما على القلع بشرط الضمان، والزرعُ له أمد معلوم.

وأقرب المسالك في استدارك الحقوق جُمَع تبقيةُ الزرع.
ثم فائدة فرعه الإجارةَ أنه يرجع إلى أجرة المثل للمدة الباقية، لا يضارب بها، بل يُقدَّم بها، كما نُقدِّم مَنْ تعامل بعد الإفلاس معاملة تليق باستصلاح أموال المفلس، فيرجع بأجرة المثل فيما بقي من المدة مقدَّماً بها، ويضارب بأجرة مثل ما سبق من المنافع الغرماءَ.
3898 - وقد كنا ذكرنا أن من باع أرضاً وسلمها؛ فزرعها المشتري ثم أفلس، ورجع البائع إلى عين الأرض، فالزرع يبقى إلى الحصاد، كما ذكرناه، ثم لا يرجع البائع بأجرة مثل الأرض في تلك المدة، وفرقنا بين الشراء والاكتراء، بأن المكتري خاض في العقد على ضمان المنافع، والمشتري لم يخض على ضمان المنفعة.
هذا ما ذهب إليه جميع الأصحاب.
3899 - وحكى صاحب التقريب قولاً مخرجاً عن ابن سريج في أن البائع إذا فسخ البيعَ، ورجع في المبيع 1، استحق أجرة المثل لبقية المدة؛ فإن الأرض انقلبت إلى ملكه، والمنافع المحتسبة بسبب إبقاء الزرع تالفة من حقه وملكه، فلتُضمن له.
وأقرب نظير في هذا أن المشتري لو بنى وغرس، فأراد البائع الراجع في المبيع أن يُبقي البناءَ والغراسَ، ويُلزم المفلسَ أجرة المثلِ مدة بقاء البناء، فله ذلك، وهذا أجرة منفعة في عاقبة بيعٍ فُسخ بالإفلاس، فلا فرق بين منافع الأرض في مدة الزرع وبين منافعها في آمادٍ من البناء، إلا أنَّ لإحدى المنفعتين أمداً محدداً.
وهذا منقاسٌ بالغ.
ولكن المذهب المشهور ما ذهب إليه الجمهور، من أن منفعة الأرض في مدة الزرع في صورة البيع لا تقابل بأجرة، وتعتقد كأنها تابعةٌ، ومدةُ مهلة في تفريغ المبيع.
3900 - ثم ما ذكرناه من أن الزرع لا يقلع عَنَيْنا به أن المكري لا يملك القلع بحق الفسخ، فلو طلب الغرماء القلع ليتعجلوا ميسور حقوقهم، أجيبوا.
ولو كان المكري

من الغرماء بسبب المنفعة المستوفاة في الزمان الماضي، فله المطالبة بالقلع لحق تعجيل الدين، لا لحق الفسخ.
وهذا مما سبق تقريره.
ولو اتفق الغرماء على التبقية، واحتيج إلى السقي، والتعهدِ إلى الإدراك؛ فإنْ تطوَّع الغرماءُ بهذا، فلا كلام، وإن أرادوا بذلَ المؤنةِ على أن يُقدَّموا بها، ورضي المفلس، واقتضت المصلحة ذلك، أجيبوا إلى هذا.
فلو فرضنا غريمين لا غيرَ، ثم قَدَّما المؤنة على نسبة حقَّيهما، فإن لم يَبْدُ غريمٌ غيرُهما وحقوقهما تزيد على مبلغ المال، فلا يظهرُ أثرُ تقديمنا للغريمين ما عجلاه من المؤنة؛ فإن المال كلَّه مصروف إلى حقوقهما.
وإن فرض بُدُوُّ غريمٍ ثالث، فإذ ذاك يتبين أثر تقديمنا للغريمين بما عجلاه لمؤنة تبقية الزرع.
وهذا واضحٌ لا خفاء به.
فصل قال: " وإن باعه زيتاً فخلطه بمثله ... إلى آخره " 1. 3901 - إذا اشترى زيتاً وخلطه بما عنده، لم يخل: إما أن يخلطه بجنسه، وإما أن يخلطه بما ليس جنساً له، فإن خلطه بجنسه: إما أن يخلطه بمثله، أو أردأ منه، أو أجود منه، فإن خلطه بزيتٍ مثله، أو أردأ منه، فظاهر النص أن بائع الزيت واجدٌ عينَ ماله، وسبيل رجوعه إلى عين ماله القسمةُ فإن كان الخلط بالمثل، وكان خلطه مكيلةً بمكيلةٍ، فالقسمة على السّوية.
وإن خلطه بأردَأ منه، فالقسمة على السوية أيضاًً.
ثم إذا رَدَدْنا من هذا المختلط مقدار المبيع إلى البائع، فلا شك أن حقه ناقص، ولكن ما لحقه من النقص ملحقٌ بعيب يفرض طريانه.
وإذا عاب المبيع، ثم أفلس المشتري وأراد البائع الرجوع إلى عين المبيع، فيلزمه أن يقنع بالمبيع معيباً.
ولا يرجع بأرش.

وهذا كلامٌ منّا مُبْهمٌ في صدر الفصل، ولا ينتجز الفصل إلا بعد انكشاف الغطاء، إن شاء الله تعالى.
هذا إذا كان الخلط بالمثل أو الأردأ.
3902 - فأما إذا خلط المشتري الزيتَ بزيت -عنده- أجود 1، فهل يكون البائع واجداً عين ماله؟ تردد قولُ الشافعي فيه، فقال في أحد القولين: إنه واجد كما إذا وقع الخلط بالمثل أو الأردأ، وكما لو باع ثوباً فصبغه المشتري فبائع الثوب واجد 2 عينَ ماله، وإن اتصل به عينُ مال المشتري اتصالاً لا يقبل التمييز، على ما سنذكر هذا على الاتصال بهذا الفصل.
وقال في القول الثاني: البائع فاقدٌ -في الحكم- عينَ المبيع.
قال الشافعي: لأن الذائب إِذا اختلط بالذائب، انقلب.
وأشار إِلى أن عين المبيع لا يمتاز أصلاً، ولا يتأتى امتيازه حساً ودَرْكاً.
وليس كالثوب يُصبغ، والسَّوِيقُ يُلتُّ بالسّمن؛ فإِنّ أحد الجوهرين ممتازٌ في الدرك.
ثم إِن أصحابنا لما رأَوْا الشافعي يتعلق بانقلاب الذائب، انعكسوا على الخلط بالمثل والأردأ، فرأى بعضهم أن يخرّج فيما مضى قولاً أن البائع فاقدٌ عين ماله؛ فإن المبيع لا يأتي تميُّزه فصلاً، ولا دَركُه على التعيين.
وقد ذكرنا أن من اشترى حنطة، فانثالت عليها حنطة أخرى للبائع قبل التسليم إِلى المشتري، فهل يُقضى بأنفساخ العقد؟ فعلى قولين.
وإِذا كنا نجعل الاختلاط في قولٍ بمثابة تلفِ المبيع، فلا يبعد أن يجعل الاختلاط بالمثل في يد المشتري بمثابة التلف.
ومن أصحابنا من أجرى الخلط بالمثل والأردأ على القطع، وخصص القولين بما إِذا كان الخلط بالأجود.
وهذا ظاهر النص، ومقتضى نظم كلام الشافعي.
ويبعد عن موافقة مراده أن نقول: ما فصَّله، ثم قطع جوابه في بعض التفاصيل، وردده في البعضِ لا فرق فيه.
وهذا إِن قيل به ردٌّ لكلام الشافعي، وإِبطالٌ لتقسيمه وتفصيله.

3903 - ونحن نذكر تنبيهاً على قواعدَ في الخلط، فنقول: أما فرض الاختلاط في البيع قبل القبض، فإِنه جارٍ في ملكٍ غيرِ مُفضٍ إِلى القرار، وهو عرضةٌ للانقلاب إِلى البائع، فإِن تردد القول، وتمثل في انفساخ العقد عند اختلاط المبيع بمثله، [فسببه] 1 ما ذكرناه.
ولو كان للرجل ملكٌ مستقر في شيء دون شيء من ذوات الأمثال، [فاختلط] 2 به ملكٌ لغيره مثلٌ له، وليس بينهما عقد يُفسخ، فالوجه قسمة ذلك المختلط بينهما، لا طريق غيره.
وليس في هذه الواقعة عقد يتوقع رفعه، بل الاختلاط في المثليات يصير بمثابة الشيوع في الملك، فلا فرق بين أن يرث رجلان صاعين من الحنطة في أن طريق التفاصل القسمة، وبين أن يختلط صاعٌ لأحدهما بصَاعٍ لآخر؛ ولهذا صحت الخلطة في المثليات عمدةً للشركة، كما سنصف ذلك في قاعدة الكتاب، إِن شاء الله تعالى.
وإِذا باع شيئاًً من ذوات الأمثال، فخلطه المشتري بجنسه، فهذا خلط في معقودٍ عليه، جرى بعد قرار الملك، ولكن طريان الإِفلاس يسلط البائعَ على الرجوع في المبيع، فكان على مخالفة المبيع قبل القبض، ولم يكن أيضاًً كاختلاط ملك بملكٍ من غير فرض عقد؛ فإِن البائع إِنما يرجع في المبيع لمكان البيع الذي جرى.
وهذا يقتضي أن يرجع فيما كان مورداً للعقد.
فألحق بعضُ الأئمة الخلطَ كيف فرض بالخلط قبل القبض، حتى يتردد القول في الخلط بالمثل والأجود والأرْدأ.
والوجه في المذهب ألا يُقضى بأن الخلط في عينه يؤثر، من قِبَل أنه جرى في ملكٍ مستقر، ولكن إِن أمكن فرض الرجوع من غير تعذر، لزم إِثباته، وتنزيلُ الأمر على التفاصل الذي يجري بين الملكين إِذَا اختلطا.
وإِن فرض تعذرٌ في طريق الرجوع كما سنصفه في الخلطِ بالأجود، فينشأ منه تردُّدٌ في أن البائع هل يكون واجداً عين ماله؟ وسبب التردد تعذر تصوير الرجوع إِلى المقدار المبيع.
وهذا إِنما يتبين بالتفريع.
فهذا بيان قاعدة الفصل، في الفرق بين الخلط بالمثل، والأردأ، والأجود.

3904 - عُدنا إِلى التفريع على القولين في الخلط بالأجود، فنقول: لو كان الزيت المشترى يساوي درهماً، وقد خلطه بمقدارٍ من الزيت الجيد مثلِ مقدار المبيع، ولكن كان قيمةُ الجيد درهمين.
فإِن قلنا: لا يكون البائع واجداً عين ماله، ضارَب بالثمن، وكان أُسوة الغرماء.
وإِن جعلناه واجداً عين ماله، ففي طريق إِيصالِه إِلى حقه من عين المبيع إِذا اختار فسخَ البيع قولان: أحدهما - أن الزيتين يباعان، ويوزع الثمن بالغاً ما بلغ على الثلث والثلثين.
وهذه النسبة مأخوذة من تفاوت القيمتين.
هذا قول.
والقول الثاني - أن الزيت المختلط يقسم بين البائع والمشتري على نسبة القيمة ثلثاً وثلثين، فإِن كان المقدار المختلط مكيلتين، قسمناها ثلثاً وثلثين، فرددنا إِلى البائع ثلثي مكيلةٍ، وبقَّينا على المشتري مكيلةً وثلثاً، يضطرب فيها غرماؤُه.
3905 - فإِن قيل: هذا صورة الربا؛ فإِنه سلّم مكيلةً، وألزمتموه الاكتفاء بثلثي مكيلةٍ، قلنا: هذا القول يخرّج على أصلين: أحدهما - أن القسمة إِفراز حق؛ فإِنا لو قدرناها بيعاً، فلا مجاز لهذا؛ إِذ حقيقته مقابلة مكيلة ببعضها، ثم لا تخرج القسمة مع التفريع على أنها إِفراز حق إِلا على أصلٍ آخر، وهو أن القسمة التي تبنى على تعديل القيمة، لا على تسوية الأجزاء، هل يقع الإِجبار عليها؟ وهي كفرض قسمةٍ بين عبيدٍ ودورٍ وغيرها.
بأن تُفصّلَ أقساماً معدَّلة القيم، فتُوقع العبيدَ مثلاً في قسم، والثيابَ في آخر، والدور في آخر، على ما يتفق من ضم بعض الأصناف إِلى البعض، فهذا الضرب من القسمة هل يجري الإِجبار فيها؟ فعلى قولين، سنذكرهما في كتاب القسمة.
فإِن رأينا الإِجبار على مثل هذه القسمة، واعتقدنا أن القسمة إِفرازٌ، انتظم منه قسمة الزيتين على تعديل القيمة، من غير نظر إِلى الجزئية.
أما الربا، فلا يلزم القول به، لمصيرنا إِلى أن القسمة ليست بيعاً، وأما الإِجبار من غير جزئية تعويلاً على التعديل بالقيمة؛ فإِنه خارج على الأصل الآخر الذي ذكرناه.
3906 - فإِن قيل: هلا قسمتم الزيت بين البائع والمشتري نصفين، وألحقتم ما ثبت من المزية بسبب الخلط بالأجود بالزيادات المتصلة، ولو باع الرجل عبداً صغيراً، فشبَّ ويَفَع في يد المشتري، وتضعَّفت قيمتُه، فالبائع يرجع في عينه؟ قلنا:

لا سبيل إِلى ذلك؛ فإِن عين ملك المشتري اتصل بالمبيع، فإلحاقه بالزيادات المتصلة لا وجه له.
وما كان المشتري معتدياً فيما فعل، فتخسيره وضم ماله إِلى مال الراجع محال.
فلا وجه مع القول بكون البائع واجداً عينَ ماله إلا ما ذكرناه من القولين في كيفية الرجوع.
والأصح أنه يباع الزيتان، ويقسط الثمن على القيمتين؛ فإِن القسمة على مخالفة الجزئية تقع على صورة الربا، وإِن تكلفنا له تخريجاً على الأصلين، والشرع حرم مقابلة المطعوم بمثله، وبأكثر من مثله، لا لاسم البيع، فلتحرم المقابلة على نعت المفاضلة كيف فرضت.
3907 - وذكر صاحب التقريب تصرفاً عن ابن سريج في خلط الزيتِ بالأردأ، وذلك أنه قال: إِذا كنا نرعى مقدارَ قيمتي الزيتين عند التفاضل في العين، أو عند البيع، وقد اتفق الخلط بالأجود، فيجب سلوك هذه الطريقة في الخلط بالأردأ، حتى يقال: إِذا كان [قيمة] 1 الزيت المبيع درهمين والزيت الذي خلطه المشتري به درهماً، فيتجه قولان: أحدهما - أنه يباع المختلط، ويصرف ثلثا الثمن إلى البائع.
والثاني - أنه يقسم الزيتان على هذه النسبة، فيصرف ثلثاه إلى البائع، ويبقى ثُلُثُه للمشتري؛ فإنه إذا قسمنا الزيتين نصفين، واعتقدنا الرداءة التي لحقت الزيت المبيع عيباً سماوياً، لزمنا أن نعتقد الجودة التي لحقت في الخلط بالأجود زيادةً متصلة.
هذا ما يقتضيه الإنصاف والنظر للجانبين.
3908 - ومن صار إلى طريقة الجماهير، فصل بين الجانبين بأن المشتري تصرف بحق، ورجوع البائع إلى عين المبيع ليس ضربة لازب، فلا يجوز أن نعتبر جانبَ الرّاجع بجانب المشتري، بل لا يبعد أن يقال للبائع: إما أن تقنع، وإما ألا ترجع أصلاً، فأما أخذ عين من مال المشتري ليستمر للبائع رجوعه، وهو نقضٌ لبيعٍ لزم، فهذا لا سبيل إليه.
هذا منتهى القول في المسألة.
3909 - وكل ما ذكرناه فيه إذا وقع الخلط بجنس المبيع، فأما إذا وقع المزجُ بما

لا يجانس المبيعَ، فلا يخلو: إما أن يختلط اختلاطاً لا يبين [معه] 1 في الحس لمدرِكٍ، وإمّا أن يتميز المبيع في الحس للمدرِك، وإن عسر تمييزهُ فعلاً.
فأما إذا تحقق الاختلاط، وعسر المَيْز والدرك، مثل أن يختلط الزيت بدهن البان، أو الشَّيْرج، فهذا اختلاط مع اختلاف الجنس وتعذُّر التمييز بالفعل والدرك.
فقد ذهب جماهير الأصحابِ إلى القطع بأن البائع فاقدٌ لعين ماله، بخلاف ما إذا اتحد الجنس؛ فإن القسمة يمكن فرضُها مع اتحادِ الجنس، ولا يمكن تقديرها، والجنس مختلف.
وهذا ينقدح فيه احتمال ظاهر، مع تحقق وجود المبيع، وإمكان بيع المختلط، فالوجه أن نقول: إذا جعلنا سبيل إيصال البائع إلى حقه في الخلط بالأجود بيعَ المختلط، وفَضَّ الثمن، فهذا ممكن و 2 الخلطُ بغير الجنس.
3910 - وإن قلنا الطريق في إيصال البائع إلى عين حقه القسمةُ، فالقسمة عسرة مع اختلاف الجنس، وقد ينقدح للفطن تخريجاً على قسمة التعديل؛ فإن هذا المنهج إذا احتمل مع التفاوت في المقدار نظراً إلى التعديل، لم يبعد ذلك مع اختلاف الجنس.
وهذا لعمري محل النظر؛ فإن قسمة التعديل في الأجناس المختلفة إنما تجري بسبب ثبوت الشيوع في كل جنس، فيقع التفاصل بالتعديل من جهة القيمة.
ولم يكن للمشتري قبل الشراء في الزيت شِرْك 3، ولم يكن للبائع في البان شرْك، وهذا يعارضه زيادة المقدار، أمّا تخريجه على قول البيع وفضّ الثمن، فظاهرٌ لإدراكه.
والذي يعضد ذلك القسمُ الثاني، وهو إذا خلط المبيعَ بجنسٍ يخالفه، وكان متميزاً في الدَّرْك والإحساس.
مثل أن يشتري صِبغاً ويصبغ به ثوباً عنده، أو يشتري ثوباً ويصبغه بصبغ عنده، فقد تحقق الاشتباك بين المبيع وغيره، وأجمع الأصحاب على أن البائع واجدٌ عين ماله.
هذا متفق عليه.
ولا فقه في إمكان الرؤية 4 بعدما تحقق تعذر التمييز بين الثوب والصبغ المعقود.

ثم سبيل إيصال البائع إلى حقه بيعُ الثوب المصبوغ، وقسمةُ الثمن على قيمة الثوب والصبغ، كما سنذكره بعد هذا في مسائل الكتاب، إن شاء الله تعالى.
ولو اشترى سويقاً ولتَّه بسمن عنده أو على العكس، والسمن بادٍ على السويق حسَّاً، فهو ملتحق بصبغ الثوب.
وسيأتي إن شاء الله متصلاً بهذا.
وقد نجزت أطراف المسألة، ولم يبق فيها للناظر مضطرَب إلا فيما أصفه: فأقول: 3911 - لو اشترى مائةَ منٍّ من الزيت، وخلطه بربع رطل عنده، أو أقل على شرط أن يكون متمولاً، والغرض بالتصوير أن يُفرض كونُ الأكبر غامراً للأقل، وكونُ الأقل مستهلكاً فيه حساً.
وهذا يحسن تصويره على قولنا: إن الاختلاط يُلحق المبيع بالمفقود والمعدوم.
فإذا كان المبيع كما وصفناه، كيف السبيل؟ قلنا: إن كان ذلك المقدار النزر بحيث لا يبين له أثر من طريق القدر، وذلك بأن يفرض وقوعُ مثله بين الكيلين والوزنين.
فإن كان كذلك، فالوجه عندي القطع بكون البائع واجداً عين ماله، ولا يحبَط حق المشتري مع ذلك، فنرد عليه مقدار ما خلطه.
3912 - فإن كان هذا المقدار النزرُ مبيعاً، وكان الأكثر للمشتري، فالظاهر عندي القطعُ بكون البائع فاقداً، ولا يبعد خلافُ ذلك.
أما وجه الظهور، فلأن مثلَ هذا المقدار لا يشيع في المقدار الكثير، ولا يثبت على الانبساط في الجميع، وليس كذلك إذا كان المبيع مقداراً بيِّناً يظهر اختلاطه؛ فإنه إذا رجع لا بد وأن يرجع إلى شيء من عين ماله.
فلا يبعد أن يقال: هو واجد، ثم يسلم إليه مقدار المبيع من المختلط.
3913 - فإن كان الخلط بالأجود، فعلى ما يقتضيه القولان، والتفريع عليهما.
وإن كان المقدار النزر بحيث يبين من الكيلين والوزنين، ولكنه مغمورٌ بالمقدار الكبير، فيجوز أن يخرّج على التفاصيل المقدمة، حيث لا غمر، ويجوز أن يرتب على ما تقدم.
وتجعل هذه الصورة أولى بأن يكون البائع واجداً إذا كان نصيبه كثيراً غامراً، ويجعل أولى بالفقدان إذا كان نصيبه مغموراً.
هذا منتهى الفصل، والله أعلم.

فصل قال: " وإن كان حنطة، فطحنها، ففيها قولان ... إلى آخره " 1. 3914 - هذا من الفصول المنعوتة في الكتاب فلْيخُض الناظر فيه على أناةٍ مستعيناً بالله تعالى.
وسبيل بيان مضمونه أن نطرد ما ذكره الأصحاب مرتباً على أحسن مساق، ثم ننعطف عليه، ونتدارك مواقع الإشكال، فنكون جامعين بين النقل، وبين حلّ المُعْوصات، فليقع في ابتداء الفصل [طرفٌ] 2 من حكم الصبغ، ثم نبني عليه ما عداه، ثم نختم الفصل باستقصاء القول في الصبغ، فنسأل الله تعالى التأييد والتوفيق.
3915 - فإذا اشترى الرجل ثوباًً وصبغه بصِبغ من عنده، فالصِّبغ عين مال المشتري ألحقه بالثوب المشترَى، فإن لم يبن مزيدٌ في قيمة الثوب، وانعقد الصبغ عليه، وعسر التمييز، فالصبغ ضائع.
وذلك 3 إذا اشترى ثوباً بعشرة، وصبغه بصبغ يساوي درهماً، فإذا [كان] 4 الثوب مصبوغاً يساوي عشرة، فنقول: ضاع الصبغ للمشتري، ويرجع البائع إلى الثوب المصبوغ.
اتفق الطرق عليه.
والسبب [فيه] 5 أنه لو صبغ بشيء لا قيمة له، وليس مما يتمول، فلا يخفى أنه لا وقع، ولا أثر لما استعمله في الثوب، فكذلك إذا لم [يبق] 6 للصبغ قيمة؛ فإنه كان مالاً قبل الاستعمال، والآن صار في حكم الصفة للثوب، ولم يظهر له في الثوب قيمة؛ ولأنه صار بالاستعمال غيرَ متمول.
وإن ظهر مزيدٌ في قيمة الثوب، فصاحبُ الصِّبغ شريك في الثوب.
وإذا بيع الثوب، قُسِّط الثمن كما سنوضح تفصيلَه.
وليس الكلام في الصبغ من غرضنا الآن.

وإنّما ذكرنا هذا المقدار ليبين للناظر كون الصبغ عيناً.
3916 - ونحن نبني الآن عليه القِصارةَ 1 في الثوب وما في معناها.
فإذا اشترى رجل ثوباًً على البت 2، وقصره، ثم أراد البائع الرجوع في الثوب، فالذي.
أطلقه الأئمة في صدر الفصل أن قالوا: القِصارة في الثوب، والطحن في الحنطة، وما في معنى هذين أثرٌ في الثوب أم عين؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه أثر.
والثاني - أنه عين، هكذا عبر الأئمة عن القولين.
وقد ذكرنا أنا نسوق ترتيب الأصحاب، ثم ننعطف على مواقع الإشكال.
3917 - والقدر الذي يلوح به القولان ويعلقان بالفهم إلى تمام البيان: أنا إن قلنا: هذه الصفات آثار، فلا حكم لها، ولا تعلق بها، ومن له الاستحقاق في العين على استحقاقه، لا يزاحم فيها.
وإذا قلنا: هذه الصفات أعيانٌ، أردنا أنها كالأعيان المشابكة للموصوفات بها، كالصبغ في الثوب، والسَّمن في السويق، وما في معناهما.
ومن حُكم هذا القول أن يصير محصِّل هذه الصفة شريك في الثوب، كمالك الصبغ.
فإذا ظهرَ المراد من رسم القولين، فهذان القولان لا يجريان في جملة الصفات المتجددة؛ فإن السِّمن، وكبر الغلام وإرقال 3 الشجر زوائدُ متصلة، لا حكم لها؛ فقال الأئمة: القولان يجريان في كل صفةٍ تحدث في العين، يتسبب إلى تحصيلها بفعلٍ يجوز الاستئجار عليه، وتعدّ 4 الصفةُ من آثار الفعل، ثم لا بد من ظهور الصفة.
فلو استأجر المشتري من يحفظ الدابة المشتراةَ، ويسوسها، فهذا فعل يجوز الاستئجار عليه، ولكن لا تظهر منه صفة في الدابة، فإن هي كبرت، فللترقي في السن، وإن سمنت، فمن العلف.
والقصارة أثر يوقعه فعل القصّار في الثوب، وكذلك الطحن في الدّقيق.

ويتصل بذلك ما يتعلق بالأخلاق كارتياض الدابة، وتعلّم العبد الحرف، فلتلتحق الأخلاق بالصفات التي تحسن.
هذا بيان محل القولين.
3918 - ثم فرع الأصحاب في غير المفلس على القولين، ثم اندفعوا في تفريع أحكام المفلس.
فمما فرعوه في غير المفلس أن القصارَ المستأجَر على القصارة، إذا قصر الثوبَ، أو طحن الطحان البُّرّ، فهل يثبت للصّابغ حبسُ محل صُنعه، حتى يحبس القصار الثوب، والطحان الدقيق إلى أن يتوفر عليه الأجرة، حَبْسَ البائع المبيع -إن رأينا له الحبس- إلى توفية الثمن؟ هذا يُخرّج على القولين في الأثر والعين.
فإن جعلنا هذه الصفات آثاراً، فلا يجوز للعَمَلة حبسُ محالّ العمل بسبب الأجرة.
وإن جعلناها أعياناً، فالعمَلةُ في حبس محال العمل كالبائع في حبس المبيع.
3919 - ومما فرعوه أن العامل إذا وفَّى عملَه، وأثبت الصفةَ المطلوبةَ في محلّها، فلو تلف محلُّ العمل في يده قبل تسليمه إلى المالك، فهذا [يتفرعّ] 1 على الأثر والعين.
فإن جعلنا القصارة أثراً، فللعملة أجورُهم، وهي 2 لا تسقط بسبب تلف المحالّ في أيديهِم.
وإن قلنا: إنها أعيان، سقطت أجورهم، كما تسقط الأثمان بتلف الأشياء المبيعة في أيدي البائعين.
هذا ما فرعه الأصحاب على القولين في حق غير المفلس.
3920 - ثم اندفعوا في تفريع حكم المفلس، فصوروا فيه صورتين: إحداهما - ألا يتعاطى القِصارةَ بنفسه، ويحصلها بعمل أجيرٍ، ويوفِّي أجرته قبل التفليس، ثم يُفلس، فهذه صورة.
وسنذكر الأخرى إذا نجز الكلام في الأولى.
فإذا جاء بائع الثوب، فصادفه مقصوراً، فهذا يفسخّ على الأثر والعين.
فإن جعلنا القِصارة أثراً، فإن البائعَ [أحق] 3 بالثوب، ولا حكم للقصارة، وهي نازلة منزلة

الزوائد المتصلة.
هذا اختيار المزني.
والتمسك بالزوائد المتصلة احتجاجُه.
3921 - وإن حكمنا بأن القِصارة عين، فهي في معنى الصبغ، فنقول: إن كانت قيمة الثوب بعد القِصارة كقيمتها 1 وهي على البت، فلا شركة للمفلس في الثوب والقصارة مُنمحقة 2. وقد ذكرنا ذلك في الصبغ المنعقد، وهو جِرمٌ على التحقيق.
فأما إذا زادت قيمة الثوب بسبب القصارة التي حصلها المفلس، فهو شريك بمقدار الزيادة: يُباع الثوب ويقسم الثمن على قيمة المِلْكين: الثوب والقِصارة، فلو كان الثوب يساوي على البت عشرة، وهو يساوي مقصوراً خمسة عشر، فالقِصارة قيمتها خمسة، فإذا بيع الثوب بخمسة عشر، فالعشرة مدفوعة إلى البائع، والخمسة إلى المشتري، يقتسمها الغرماء.
فلو لم يتفق بيعُ الثوب حتى ارتفعت القيمة إلى ثلاثين، فيضعّف حق البائع والمفلس، والقسمة على نسبة الثلث والثلثين: للبائع عشرون، وللمفلس عشرة بين غرمائه.
3922 - ولو عهدنا الثوب بخمسة عشر على الترتيب الذي ذكرناه، الثوب عشرة، والقِصارة خمسة.
ثم انحطت قيمةُ الثوب بالسوق إلى عشرة، فهي مقسومة بين البائع والمفلس ثلُثاً وثلثين.
فينقص 3 حقُّ كل واحدٍ بانحطاط السوق.
وإنما يظهر التصوير بما نذكره، فنقول؛ كان الثوب على البت عشرة، والنقصان خمسة.
والآن يوجد ثوبٌ على البت بستة دراهم وثلثي درهم، والقصارة في مثله لا يساوي إلا ثلاثة وثلثاً.
فهذا معنى الانحطاط.
ولْيميز الناظر هذا عما قدمناه من أن القِصارة قد تنمحق في الثوب بألاّ يزيد في قيمته شيئاًً، وذلك بأن يكون الثوب على البت والثوب المقصور متساويين في القيمة.
والذي ذكرناه أخيراً فرضُ نقصانٍ في [قيمة] 4 جوهر الثوب، وصفة القصارة.

3923 - ولو ارتفعت قيمة الثوب دون القصارة، فالزيادة للبائع، ليس لصاحب القصارة فيها شيء.
وبيان ذلك أن الثوب على البت كان عشرة ومع القصارة خمسة عشر.
والآن صار الثوب على البت يشترى، بخمسة عشرَ، وهذا المقصور يشترَى بعشرين، فالقصارة ما ازدادت قيمتُها، وإنما الازدياد في جوهر الثوب.
لا جرم نقول: يصرف إلى البائع من العشرين خمسةَ عشرَ، ويصرف إلى صاحب القِصارة خمسةٌ، بلا مزيد.
3924 - ولو فرض الارتفاع في القِصارة، فالزيادة الحاصلة من أجلها مصروفة إلى صاحب القِصارة.
وتصوير ذلك أن الثوب [المقصور] 1 كان يساوي خمسة عشر على الترتيب الذي ذكرناه، عشرة للثوب وخمسة للقِصارة، ثم صار هذا الثوب المقصور يساوي عشرين، ونحن نجد ثوباًً على البت مساوياً لهذا الثوب بعشرة، فنستبين أن الزيادة منحصرة في قيمة القصارة، لا جرم نصرفها إلى مستحق القصارة، ونبيع الثوب بالعشرين، فنصرف نصف الثمن إلى البائع، ونصفه إلى المفلس يتضارب فيه غرماؤه.
ثم إذا تمهدت عندنا نسبة في قيمتي الثوب والقِصارة، فلو وجدنا زبوناً يشتري الثوب رغبةً 2 بأكثر من قيمته [بالقصارة] 3، فالمأخوذ منه مقسّط على النسبة التي تمهدت عندنا في القيمتين، فالثوب الذي جعلناه نصفين، وهو يساوي عشرين، لو اشتراه راغب بثلاثين، فللبائع من الثلاثين خمسةَ عشرَ، وللمشتري خمسةَ عشرَ، في الصورة الأخيرة.
ولا يخفى قياس الباب.
فلو قال قائل: إذا ارتفعت قيمة القِصارة، كما صورتم في الصورة الأخيرة، فهلاّ قلتم: يرجع من الزيادة شيء إلى بائع الثوب؛ فإن القصارة ما قامت إلا بثوبه، وهو حاملها؟ فهلاّ كانت القصارة كالبناء يَسْتَجِدُّه المشتري في الأرض المشتراة؟ قلنا: حقيقة هذه الصورة تحل هذا الإشكال، وتدفع هذا السؤال؛ فإنا في الأرض المبنية

لا نزيد لمالك الأرض على قيمتها بيضاء، وقد تنقص، على اختلافٍ ذكرناه للأصحاب في كيفية التوزيع.
وإذا نحن وفينا مالكَ الثوب قيمةَ ثوبه على ما باعه من غير قِصارة، فطمعه في الزيادة والمشتري قصر بحقٍّ طمعٌ في غير مطمع.
هذا الذي ذكرناه كلامٌ في إحدى الصورتين في المفلس.
3925 - الصورة الأخرى: أن يشتري ثوباًً، ويستأجر من يقصره، فيقصره الأجير، ولا يتوفر عليه الأجرة، ويُفلس المشتري، فللأجير تعلُّقٌ بالقِصارة على قول العين، فيزدحم على الثوب القصارُ للقِصارة التي حصَّلها، وبائع الثوب.
فنقول: إن حكمنا بأن القِصارةَ أثر، فلا أثر لها، ولا حكم، وبائع الثوب يرجع إلى الثوب المقصور، ولا يُزاحَم فيه، والأجير أُسوة الغرماء؛ يضاربهم بالأجرة، من غير تعلّق بالعين 1. وإن قلنا: القصارة عينٌ، فللأجير على الجملة تعلق، فإن لم [يزدد] 2 بالقصارة 3 أولاً شيء في قيمة الثوب، وكان الثوب مقصوراً يساوي عشرة، ولو فرض على البت، لكان يساوي عشرة، فالثوب مسلّم إلى البائع بلا زحمة، وقد انمحقت القِصارة، وصارت مستهلكة.
فأما إذا زاد بالقصارة شيءٌ، فنقول: أجرة القِصارة درهم وقيمة القصارة خمسةٌ، فالثوب على البت عشرة، وهو مع القصارة خمسة عشر، فإذَا بيع بخمسةَ عشرَ، فالعشرة لبائع الثوب، والدرهم للقصّار، يقدم به على الغرماء، لتعلقه بعين القصارة، وأربعة دراهم للمشتري يتضارب فيها غرماؤه.
هكذا نص الشافعي.
ولو استأجر الأجيرَ بخمسة، والثوبُ على البت عشرة، وهو بعد القصارة أحدَ عشرَ، فإذا بعنا الثوب بأحدَ عشرَ، سلمنا عشرة إلى مالك الثوب، ودرهماً إلى القصّار -على قول العين- يقدم بها، ويضارب الغرماء ببقية أجرته، وهو أربعة.
هذا تفريع الشافعي، والأصحابِ على قولي الأثر والعين.
وقد تخطينا مواقع الإشكال لإنهاء الترتيب نهايته.

[و] 1 الآن ننعطف عليها بعد وقوع الإيناس، وتتبُّع مظنة كل إلباس 2. ونبدأ بخاتمة الكتاب.
3926 - فإن قيل: فرّع الشافعي على قول العين، فاقتضى ذلك أن يقال: ليس للقصّار إلا القصارة، إذا أراد التعلق بها، ويلزم من مساق هذا أن نقول: إذا كانت قيمة القصارة خمسة، وأجرة القصارة درهماً 3، فأراد الرجوعَ في القِصارة، فينبغي أن يفوز بقيمة القِصارة، وهي الخمسة بتمامها، ولا نظر إلى أجرته، نقصت، أو زادت؛ فإن الأجرة كالثمن، والقصارة كالعين المبيعة.
وقد قال الشافعي: إذا كانت الأجرة درهماً، فليس للقصّار إلا درهم، وهذا يناقض التفريع على قول العين.
ثم تمام السؤال أن الأجرة لو كانت خمسة، وقيمة القصارة درهم، فإذا آثر القصّار التعلق بالقصارة، وجب ألا تثبت له إلا القصارة، كالمبيع إذا قلت قيمته، وزاد مبلغُ الثمن عليها، فإذا أراد البائع الرجوعَ، لزمه الاكتفاء بالمبيع.
وقد قال الشافعي: إذا كانت القصارة درهماً، والأجرة خمسة، أخذ القصار الدرهم، وضارب بالأربعة الباقية.
وهذا أيضاً يخالف قياس قول العين.
3927 - وقد اعتاص 4 على كثير من الأصحاب الخروج عن عهدة هذا السؤال، ولا يبيّن الغرضَ فيه إلا التصريحُ بحقيقة هذا القول، وكنا لا نقدر على البوح به قبل الإحاطة بمجامع المسألة، وتقاسيمها 5. فالآن نقول: ليست القصارة على قول العين عيناً على الحقيقة، مملوكة، تباع وتشترى، ويتصرف فيها بالرجوع والاسترداد حسب ما يتصرف في الأعيان.
هذا محال تخيُّلُه مع العلم بأن القصارة صفةٌ.
والدليل عليه أن المشارك في الثوب بالقصارة ليس مالكَ عين، ولو كانت القصارة عيناً، للزم

أن يقال: من غصب ثوباً وقصره، وزادت قيمة الثوب بسبب القصارة؛ فيصير شريكاً في الثوب، كما لو صبغ الثوبَ بصِبغٍ من عنده.
وقد اتفق العلماء على أنّ الغاصب يصير شريكاً في الثوب إذا صبغه بصِبغٍ من عنده، ولا يصير شريكاً إذا قصره.
فحاصل قولنا: "القصارة عين" أنها صفة مقصودة، يتعلق بها العامل المُوقعُ لها تعلق اختصاص كما يتعلق المرتهن بالرهن.
هذا قولنا في الأجير.
أمَّا إذا أضفناها إلى المشتري، فله فيها حقيقة الاستحقاق؛ لأنها وقعت في ملكه.
وإذا تبين أن تعلق الأجير على النحو الذي ذكرناه، فإن كانت الأجرة درهماً، وقيمة القصارة خمسة، فلا يزاد الدين بزيادة قيمة الرهن.
وإن كانت الأجرة خمسة ووالقصارة درهماً، فإذا صرفت القصارة إلى الأجرة، كان ذلك كصرف الرهن إلى الدين.
وإذا نقص ثمنُ الرهن عن مبلغ الدين، فالفاضل من الدين يبقى لا محالة.
فتمهد مما ذكرناه أن القصارة ليست في حكم المملوكة للأجير، وإنما تكون في حكم المملوكة للمشتري.
3928 - وههنا الآن غلطتان نذكرهما، لا ليلتحقا بالمذهب، ولكن ليتبين وجه الغلط: إحداهما - أن الأجرة إذا كانت درهماً، والقصارة خمسة، والثوب عشرة، فقد ذكرنا من نص الشافعي أن الثوب إذا بيع بخمسةَ عشرَ، فللبائع الراجع عشرةٌ، وللأجير درهم، وللمشتري أربعة.
فلو زادت قيمة الثوب؛ فاشتري بثلاثين، قال شيخي في دروسٍ 1: يتضاعف حق كل ذي حق، فلصاحب الثوب عشرون، وللأجير درهمان، وللغرماء ثمانية.
أما تضعيف حق صاحب الثوب، وتضعيفُ حق الغرماء فبيّن؛ فإن الثوب ملكُ البائع الراجع، والقصارة مستحقة للمشتري، فارتفاع قيمة المستحق ليس بدعاً، فأما تضعيف الأجرة، فلا وجه له؛ فإنا ذكرنا أنّه ليس مستحقاً للقصارة؛ إذ لو كان مستحقاً، لفاز بجميعها فَوْزَ البائع بجميع المبيع، وإن ارتفعت قيمته.
فالوجهُ القطع بأنه على [درهمه] 2 ولكنه مقدم به لتعلّقه بالعين كما يقدم

المرتهن بالدين الموثق بالرهن، فذلك الدرهم إذاً للمشتري؛ فإنه من قيمة القصارة، وليس للبائع إلا ثلثاً الثمن، وما سلّم إلى القصّار من حساب القصارة.
فهذه غلطة.
3929 - الغلطة الأخرى 1، وهي شائعةٌ في ألفاظ الأصحاب، ولا يتجه فيها احتمال، وذلك أنهم قالوا في التفريع على قول العين: يفسخ القصّارُ العقدَ، ويرجع إلى القِصارة، ثم فصلوا المذهب.
وهذا بعينه مصير إلى أن القصارة هلكت 2 من القصّار، وهي ترجع بالفسخ إليه.
ولو كان كذلك، لاستحق القصارة بكمالها [بالغة] 3 ما بلغت قيمتها، وليس الأمر كذلك؛ فليس للقصار من القصارة إلا التوثّق المحض، ولا معنى مع هذا الذكر للفسخ.
نعم لو أراد المضاربة، كان كالمرتهن يُبطل حق توثقه ويجعل نفسَه مع الغرماء مضارباً، ويسلم لهم محل تعلقه.
هذا تفصيل القول في ذلك، والتنبيه على محل الإشكال والانفصال، وإيضاح عثراتِ العاثرين.
3930 - فإن قيل: أليس ذكر الأصحابُ قبل الخوض في أحكام التفليس من هذا الفصل أن العامل يحبس الثوبَ المقصورَ حبس البائع المبيع؟ قلنا: ليس ذلك بدعاً، والمرتهن يحبس المرهون إلى توفير الدين عليه، وحبسُه آكد من حبس البائع.
فإن قيل: إن كان كذلك، فلا وجه لدفع قولهم: لو تلف الثوب في يد القصار، سقط حقُّه من الأجرة، كما يسقط الثمن بتلف المبيع قبل القبض، ولو كان تعلقُ حقه على قياس تعلق حق المرتهن، لما سقط حقه بتلف متعلَّقه، كما لا يسقط [الدين] 4 بتلف الرهن في يد المرتهن.
قلنا: هذا الآن يُحْوِجُنا إلى فن آخر من الكلام، فنقول: سبب سقوط أجرته أننا نقدر القصارة كأنها جزء من عمله، فإذا لم ينته إلى يد المستأجر، وكان عمله بعدُ في ضمانه، فإذا تلف الثوب، سقطت الأجرة لذلك، ولا تكون القصارة مملوكةً مبيعةً.

هذا واضح.
ولم يبق بعد هذا إشكال على ذي نظر.
3931 - وحان أن نخوض في فصل الصِّبغ مشمرين مستعينين بالله تعالى، فنقول أولاً: إنما أخرنا طرف الصِّبغ، لأنّه يتعلق بما هو عين وفاقاً، وهو جِرمُ الصِّبغ، وإنما اختلف القول في أنه أثر أو عين فيما هو صنعة الصباغ المسمى الصَّبغ.
فإذا تمهد القول في محل الأثر والعين، ينتظم بعد ذلك ما نحاول في هذا الفصل، إن شاء الله تعالى.
فنقول: 3932 - من اشترى ثوباًً وصبغه بصبغ من عنده، فالصِّبغ القائم في الثوب عينٌ حسّاً، فلو ارتفعت قيمة الثوب والصّبغ أيضاً، مثل أن يكون الثوب غيرَ مصبوغ عشرةً 1، والصِّبغ درهم، والثوب المصبوغ خمسةَ عشرَ، فالزيادة على قيمة الثوب وجِرم الصِّبغ إنما حصلت بالصَّبغ وحسنِ الصنعة، وما يحصل من الصنعة، فهو على قولين في أنه أثر أو عين، كالقِصارة.
فنبيّن غرضَنا بالصور نرسلها، ونأتي في كل واحدة بما يليق بها.
3933 - فإذا ابتاع الثوب بعشرة، وقيمته عشرة، فصبغه بصبغ من عنده، يساوي خمسة، نُظر: فإن كان الثوب يساوي مصبوغاً عشرة، فقد ضاع الصِّبغ، والثوب المصبوغ للبائع الراجع، لا حق للمشتري والغرماءِ فيه، فصار الصبغ مستهلكاً.
وقد قررنا ذلك مراراً.
ولو كان الثوب مصبوغاً يساوي ثلاثة عشر، فالنقص محسوبٌ على الصِّبغ دون الثوب؛ فنقول: يسلم إلى صاحب الثوب عشرة كاملة، وإلى المشتري والغرماء ثلاثة.
ولو لم تزد قيمة الثوب والصبغ، ولم تنقص، وكان الثوب مصبوغاً يساوي خمسةَ عشرَ، والثوب وحده عشرة، والصبغ خمسة.
فليس في هذه المسألة للصنعة أثر.
فإن كان من نعتٍ، فضائعٌ غائصٌ في عين الثوب والصبغ.
فإذا بعنا الثوب بخمسةَ عشرَ، فالثلث من الثوب مصروف إلى المشتري وغرمائه، والثلثان للبائع.

ولو كانت قيمة الثوب كما وصفنا عشرة، وقيمة الصّبغ خمسة، والثوب المصبوغ يساوي عشرين، فالزائد على خمسةَ عشرَ من آثار الصنعة، فتخرج المسألة على قولين، في أنها هل تكون في حكم الأثر، أم في حكم العين؟ فإن قلنا: هي أثر، فلا حكم لها، وكل زيادة حصلت أثراً 1 للصنعة، فهي مصروفة إلى بائع الثوب، يستبدّ بها، بلا مزاحمة.
هكذا أورده الشيخ أبو علي في الشرح.
3934 - وكنت أودّ أَنْ يُفَضَّ 2 أثرُ الصنعة على الثوب وجرم الصَّبغ، فيصرف إلى صاحب الثوب ثلثاه وإلى المشتري الذي هو مالكُ جِرم الصَّبغ ثلثه؛ فإن الصنعة اتصلت بالصَّبغ والثوب جميعاً، وهذا بيّن.
ولكن لعله قال ما قال من حيث إن الموصوف هو 3 الثوب وإليه يرجع أثر الصنعة.
فليقف المتأمّل إذا انتهى 4 إلى ذلك، ولينعم النّظر.
وإن قلنا: سبيله سبيل العين، فقد حدثت العين للمشتري، وقد فرضنا فيه إذا كان الصّبغ مملوكاً للمشتري، فالصَّبغ له، وأثر العمل له، فإذا بعنا الثوب بعشرين، صرفنا عشرة إلى صاحب الثوب، وعشرة إلى المشتري وغرمائه، خمسة في مقابلة الصِّبغ وخمسة في مقابلة أثر الصنعة.
وإذا كان كذلك، فلو وجدنا راغباً يشتري الثوب بثلاثين، فقاعدة الحساب بيننا التنصيف في الثوب كما ذكرناه.
3935 - صورة أخرى: إذا كان الثوب يساوي عشرة، والصِّبغ يساوي درهماً، فلما صبغ المفلسُ الثوبَ، صار يساوي خمسةَ عشرَ، فقد زادت أربعة دراهم بالصنعة.
قال الشيخُ: إن قلنا: ما يحصل بالصنعة أثرٌ، لا حكم له، فالأربعة لبائع الثوب مع العشرة، وليس للمشتري إلا قيمة صِبغه، وهذا جوابه الأول.
وعليه من السؤال ما تقدّم.
فأما إذا قلنا: أثرُ الصنعة عينٌ، فهي للمشتري، فله إذاً خمسة، وللبائع عشرة.
فلو كانت المسألة بحالها، ووجدنا راغباً اشترى الثوب بثلاثين، فإن جعلنا الزيادة

للمشتري، فثلث الثمن يصرف إليه، والثلثان للبائع.
وإن قلنا: الزيادة للبائع، فثمن الأصل خمسةَ عشرَ.
وإنما اتفق البيع بالثلاثين رغبة، فيوزع الثمن على خمسةَ عشرَ، فللبائع من أصل القيمة أربعةَ عشرَ، فنضعِّفها له، وللمشتري درهم، فنضعِّفه له.
فنقول للبائع ثمانية وعشرون، وللمشتري درهمان.
فإن قيل: هلاّ جعلتم هذه الزيادة للبائع؟ قلنا: ليست هذه زيادةَ صنعة، وإنما هي اتفاق ربح، فيقسط الربح عليهما على مقدار استحقاقهما في الأصل، وتضعّفُ قيمةِ الصبغ منقاسٌ، وإنما الغلط تضعيفُ أجرة الأجير في القصارة كما بيّنته من غلط بعض الأئمة.
3936 - ثم ذكر الشيخ أبو علي قولي الشافعي في أن القِصارة أثر أم عين، وحكى عن صاحب التلخيص شيئاًً ممّا لا بد من ذكره، فقال: إذا باع ثوباًً قيمته عشرة، واستأجر المشتري مَنْ قَصره بدرهم، فإذا الثوب المقصور يساوي خمسةَ عشرَ، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن القِصارة عينٌ.
والثاني - أثرٌ.
فإن قلنا: إنها أثر، فهي للبائع.
لكنا نقول للبائع: لك الثوب المقصور لا تُشارَك فيه، وعليك أجرة القصارة حتى كأنك استأجرته.
وهذا غلط منه باتفاق أصحابنا.
فإنّا إذا قلنا: إن القصارة أثر، فللبائع الثوبُ، ولا شيء عليه من الأجرة.
والأجير يضاربُ الغرماء بأجرته.
وذلك أنّا لم نجعل القِصارة عيناً، فيتعلق بها الأجير، وبائع الثوب لم يستأجره.
فهذا غلط ظاهر لا شك فيه.
وقد نجز الفصل بأطرافه.
فصل ذكره صاحب التلخيص، وغلط فيه من أوله إلى آخره.
3937 - ونحن ننقل أجوبته، ونذكر وجه الصواب فيها.
قال: إذا اشترى رجل من العصير عشرة أرطالٍ بعشرة دراهم، ثم أغلاه بالنار حتى

رجع إلى ثمانية أرطال، وصار رُبّاً 1. ذكر ثلاثة [أحوالٍ] 2 في المسألة، فقال: إذا كان العصير يساوي عشرة، ولما عاد إلى ثمانية أرطال، صار يساوي سبعة؛ فللبائع الرجوع في عين الرُّب، ومضاربة الغرماء بقدر نقصان القيمة.
وقدرُ النقصان ثلاثةُ دراهم، فيضارب بها.
وعلل بأن قال: ليس ما حدثَ مجرد نقصان صفة، بل انضم إليه نقصان العين.
هذا جوابه وتعليله.
وهو خطأ.
والصواب أن نقول: قد نقص بالنار خُمس المبيع، فهو كما لو نقص بانصبابٍ أو غيرهِ من أسباب الضياع، فيرجع في الرب إن شاء، ولا حظَّ له في مقابلة الدرهم الناقص من القيمة؛ فإن العين باقية في أربعة الأخماس وزناً وقدراً، فليرجع إن أراد في الأربعة الأخماس كما هي، ويضارب بخمس الثمن، وهو درهمان.
وإن لم يُرد الرجوع في المبيع ضرب مع الغرماء في جميع الثمن.
والجملة في هذا أنا نجعل النقصان بسبب الغليان بمثابة التلف في ذلك القدر، ويجري في الباقي على قياس الأصول.
فهذه حالة من الأحوال الثلاثة.
3938 - أما الحالة الثانية - فهي أن تكون قيمةُ العصير عشرة، كما صورناه، فلما صار رُبّاً، رجع إلى ثمانية، ولكن كان يساوي عشرة مع نقصان وزنه.
قال صاحب التلخيص: إن أراد الرجوع، فيرجع في الرُّب، ولا يضارب الغرماء بشيء؛ فإنه قد وصل إليه قدرُ المبيع قيمةً.
وقد ساعده بعض الأصحاب في هذه الصورة.
وهو خطأ.
والسديد أن نقول: أما القدر الذي هو نقص، وهو خُمس المبيع، فله أن يضارب الغرماء في مقابلته بخمس الثمن، ويَبْقى الكلام في أربعة أخماس المبيع، وقد زَادت قيمته بالصّنعة.
فإن قلنا: زيادة الصنعة للبائع، وهي أثر، فيرجع في الرُّب، ويفوز بالزيادة، ويضارب الغرماء بخمس الثمن، كما ذكرنا.

وإن قلنا: زيادة الصنعة بمنزلة العين، وهي للمشتري، فقد قال القفال في هذه الصورة: إن هذه الزيادة على هذا القول للبائع أيضاً؛ فإنها بمنزلة السِّمَن وكِبر الغلام؛ فإن الغليان مما لا يجوز الاستئجار عليه، فلا يصح أن يُستأجر رجل ليرد عشرةَ أرطالٍ بالإغلاء إلى ثمانية؛ فإن هذا مما لا ينضبط.
هذا طريق القفال.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن الاستئجار عليه جائز، فالزيادة إذاً للمشتري، وقد ضارب البائع بخمس الثمن، وبقي أربعة أخماس المبيع، للبائع فيه ثمانية وللمشتري درهمان.
وقد سبق القول في مثله.
والجملة في ذلك أن هذه المسألة تنزل منزلة ما لو باع ثوبين، أحدهما يساوي درهمين، والثاني يساوي ثمانيةً، فتلف في يد المشتري الذي يساوي درهمين، وقَصَر المشتري الآخر 1، فصار يساوي عشرة.
3939 - والحالة الثالثة - هي أن يكون العصير مساوياً عشرة، كما قدمنا، ورجع وزن الرُّب إلى ثمانية، ولكنه يساوي اثني عشر درهماً.
قال صاحب التلخيص: البائع بالخيار إن شاء لم يرجع في العين، وضارب الغرماء بالعشرة التي جعلت ثمناً ابتداءً.
وإن أراد الرجوعَ إلى الرُّب، فله ذلك، ولكنه يغرَم الزيادة على القيمة الأولى، [فيرجع إلى الرّب ويغرَم للمشتري والغرماء درهمين] 2 وطرد قياسه الفاسد في الأحوال الثلاثة.
والصحيح أن نقول: أما خمس المبيع، فقد فات، فيضارب الغرماء بخمس الثمن، وأمّا أربعة الأخماس، فقد زادت.
فإن قلنا: زيادة الصنعة أثر، فهي للبائع، فيرجع في الرُّب بكماله، ويستبدّ بالزيادة، ويضارب الغرماء بخمس الثمن.
وإن قلنا: الزيادة الحاصلة بالصنعة للمشتري، فعلى طريقة القفال هي للبائع في هذه الصورة.
وعلى طريقة غيره هي للمشتري، وقد رجع البائع في خمس الثمن

بجهة المضاربة، وله في الأخماس الباقية ثمانية دراهم، وللمشتري أربعة دراهم.
وقد سبق التفصيل في مثله 1. 3940 - هذا بيان جوابه في الأحوال الثلاثة، ووجهُ الصواب في هذا.
وقولُه في هذا الفصل غير [معدود] 2 من المذهب؛ فإنه هفوة.
وقد ذكرنا أن هفوات الأئمة إذا لم يكن للظن فيها مضطرب لا يعتد بها.
3941 - ومما ذكره صاحب التلخيص في أثناء كلامه أن من اشترى عبداً وعلمه حرفة، أو علمه القرآن، فهذا بمثابة القصارة في الثوب.
وهذا الذي ذكره صحيح.
وقد ذكرناه في فصل القصارة، وإنما أعدناه لأن الشيخ أبا علي حكى عن بعض الأصحاب وجهاًً أنّ الزيادة الحاصلة من هذه الجهة أثرٌ، قولاً واحداً، وإن جاز الاستئجارُ على تحصيله، لأنه لا يظهر على المبيع ظهوراً محسوساً، وإنما القولان في أثر يُحسّ كالقصارة في الثوب، والطحن في الحنطة، والحِرفُ ليست كذلك.
وهذا مزيّفٌ مردود.
والصحيحُ طرد القولين في كل صفةٍ يتوصل إلى تحصيلها بالاستئجار، سواء كانت مدركة بالحس أو لم تكن مدركة.
فصل قال: "ولو تبايعا بالخيار ثلاثاً، فَفُلّسا أو أحدهما، فلكل واحد منهما إجازةُ البيع وردُّه دون الغرماء؛ لأنّهُ ليس ببيع مستحدث ... إلى آخره" 3. 3942 - من اشترى شيئاًً على شرط الخيار أو باع شيئاًً كذلك، فَفُلِّس، وجرى الحجر عليه، ففي إجازته وفرعه بحكم الخيار طريقان لأصحابنا: أحدهما - أن تصرفه ينفذ بالفسخ والإجازة من غير رعاية مصلحةٍ وغبطة، كما كان ينفذ وهو مطلق.
وما صدّرنا به الفصلَ من لفظ الشافعي دليل ظاهر على هذا.
ووجه ذلك أن التصرف

بحكم الخيار مستفاد بعقدٍ مضى في حالة الإطلاق، فهو مستند إليه، وما يجري منه لا يحمل على تصرف مبتدأ.
والذي يوضح ذلك أن الحجر يطَّرد على الأملاك الثابتة؛ فإنها مهيأة للتصرف إلى ديون الغرماء، والمعقود عليه على حكم الخيار ليس كذلك؛ فإنه لا يؤثر الحجرُ فيه، ومساق ذلك يقتضي استثناءَه [عن] 1 حكم الحجر، وبقاءه على موجب الإطلاق.
وليس المفلس منظوراً له بخروجه عن الاستقلال، وإنما سبب الحجر عليه قَصْرُ تصرفه عما يجب صرفه إلى الدَّين، وهذا إنما يتحقق في الأملاك اللاّزمة؛ فإذاً لا يفصل هذا القائل في تنفيذ الفسخ والإجازة بين البائع والمشتري، ولا يخصص ما ينفذه بقولنا: لا يحصل الملك في زمان الخيارِ للمشتري؛ بل يطرده على كل قول، في كل حالٍ.
هذا بيان هذه الطريقة.
ولو جن المشتري في زمن الخيار، وانتصب قوّامٌ عليه، فلا بدّ من رعاية مصلحته في الفسخ والإجازة؛ لأنه منظور له، ولا وجه لتصرف وليه إلا طلب مصلحته.
3943 - والطريق الثاني - يُبيّنُه تفصيلٌ، فنقول: من اشترى على شرط الخيار، ثم فُلّس- في مدة الخيار، فرعنا ذلك على القولين في حصول الملك.
فإن قلنا: لا يحصل الملك في المبيع للمشتري، فإن فرع المشتري أو أجاز على وفق 2 الغبطة، فلا شكّ في نفوذ ذلك.
ولم يختلف 3 أصحابنا في تنفيذ الفسخ والإجازة منه.
وإن كان لا ينفذ بيعه في أمواله التي شملها الحجر، وإن وافق الغبطة.
وفي شرائه كلام سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وهذا يوضح أن التصرف بالفسخ والإجازة مستثنى على الجملة عن التصرفات.
فأمّا إن فرع أو أجاز على خلاف الغبطة، قلنا: أمَّا الفسخ على خلاف الغبطة، فنافذ؛ فإنه ليس يُخرِجُ به عن ملكه شيئاًً، وإنما يمنع به عن جلب ملك، والتفريع على أنه لا ملك له في زمان الخيار في المبيع والثمن قارٌّ على ملكه؛ فقد بقي بالفسخ

على ملكه الثمن، ولم يحصل له الملك في المبيع.
ورجع ترك نظره إلى عدم الكسب والجلب، وليس على المفلس أن يكسب وإن قدر عليه.
هذا إذا فسخ.
وأمَّا إن أجاز العقد على خلاف الغبطة -والتفريع على أن لا ملك له في المبيع في زمان الخيار- فإجازته على خلاف الغبطة مردودة؛ من جهة أنه يُخرج بها الثمنَ عن ملكه، على خلاف المصلحة، وليس له أن يُخرج عن ملكه شيئاًً على خلاف الغبطة.
وإن قلنا: إن الملك في المبيع للمشتري في زمان الخيار، فإن فسخ أو أجاز، ولم يخالف الغبطة، نفذ ذلك.
والذي دل عليه كلام المشايخ في هذه الطريقة - أنه ينفذ الفسخُ والإجازةُ إذا استوى وجه الغبطة، ولم يترجح وجهٌ على وجهٍ.
فأمَّا إذا فسخ والغبطة في الإجازة، ففسخه مردود؛ من جهة أنه بفسخه يُخرج المبيع عن ملكه، والغبطة في خلافه.
وإن أجاز على هذا القول على خلاف الغبطة، نفذت إجازته؛ لأنه بالإجازة تاركٌ ردّ الثمن إلى ملكه، وإذا ملكناه المبيع في زمان الخيار، ملكنا البائع الثمن لا محالة؛ فهو بالإجازة تاركٌ جلبَ الملك في الثمن، وليس على المفلس الجلبُ والكسبُ، كما قدمناه.
فحاصل الطريقة إذاً راجع إلى أنا لا ننفذ منه على خلاف الغبطة إخراجَ شيء عن ملكه، ولا نكلّفه ردَّ شيء إلى ملكه.
هذا بيان الطريقتين.
3944 - ونقل الأصحاب نصاً عن الشافعي متعلقاً بالرد بالعيب، قال رضي الله عنه: "إذا اشترى في الصحة عبداً، ثم مرض، واطلع على عيبٍ به في مرضه، لزمه الرد، وإن لم يَرُد، حُسب من ثُلثه؛ لأن العيب كفقد جزء".
كلامه المطلق يحتاج إلى التفصيل، فنقول: إن اشترى في الصحة عبداً بمائةٍ، وقيمته خمسون، لو كان سليماً، فالمحاباة محتملة 1 بسبب جريان العقد في الصحة.
فلو اطلع على عيب في مرض الموت ينقص عُشرَ قيمة 2 العبد، فإن رده، فذاك.
وإن

أجاز العقدَ، كان متبرعاً بعشر الثمن، وهو عشرة، ولا نجعله متبرعاً بعشر قيمة العبد؛ لأنّ المسترد في مقابلته 1 الثمن، والأرش المقابل للعيب عشر الثمن لا عشر القيمة، فإجازته تتضمن ترك عشر الثمن، والمحاباة وراء ذلك جارية في الصحة، وليس على المريض أن يكسب للورثة باسترداد جميع الثمن.
3945 - وفي الفصل غائلة ننبه عليها، وندرؤها بسؤالٍ وجواب.
فإن قيل: قد ذكرتم أن المريض ليس عليه الاكتساب، فليس عليه أن يقبل الهبة والوصية، ولا أن يكتسب بجهة أخرى، والملك حاصل للبائع في جميع الثمن، واستردادُ الأرش نقصٌ للملك في حق البائع، وجلبٌ من جهة المشتري، فلم كان تركه تبرعاً؟ قلنا: هذا العقد يتضمن الاستحقاقَ، فإسقاطه إسقاط [حق] 2 مستحق تضمنه العقد، وقد ثبت هذا في مرض الموت، وكان إسقاطه بمثابة إسقاط دين، والدين وإن سميناه ملكاً، فليس شيئاً محصلاً، ولكنه استحقاق التوصل إلى تحصيل الملك في عين، ولذلك يحط الأرش عن الشفيع، وإن كان مقتضى الشرع أن يأخذ الشّقصَ بثمن العقد، وليس هذا كما ردَّدْناه في خيار الشرط؛ فإن ذلك [تروٍّ] 3 محض، وليس الفسخ به والإجازة متضمنين إسقاط حق مستحق.
فليفهم الناظر ذلك، فبه تمامُ الغرض.
3946 - فإن قيل: الرد مستحق أيضاًً بالعيب، فأوجبوه.
قلنا: لو أوجبناه، لألزمنا نقضَ المحاباة التي أمضيناها في صحته، وهذا لا سبيل إليه.
فإن قيل: لو كان الثمن جارية، وقد فرض الاطلاع على العيب، فهل تجوزون لقابض الجارية وطأها؟ قلنا: نعم؛ فإن الجارية في يده وإن تعرضت للاسترداد بمثابة الجارية في يد المتهب، مع استمكان الواهب من الرجوع في الهبة.
3947 - فإن قيل: لو كانت المسألة مفروضة حيث نقلتم نص الشافعي في الصحة

والمرض، فإذا ترَوْن؟ قلنا: إن كان الثلث وافياً، فمجوز الوطء إلى أن يتفق ما يجري من بائع الجارية، وإن لم يكن الثلث وافياً، فالمحذور الرجوع إلى قسط من الجارية، ولو فرض ترك ذلك القسط على قابض الجارية؛ فهو في الحال تبرع.
ولكن لو تبرع المريض بجارية لا يملك غيرها، وأقبضها، تسلط المتهب على وطئها، بناءً على استمرار الحياة.
ثم إذا مات المتبرع، نقضنا تبرّعه في ثلثيها تبيُّناً، وقد نلزمه ثلثي مهرها، كما سيأتي في الوصايا.
فخرج من مجموع ذلك أنا لا نحرم الوطءَ كيف فرض الأمر، وهذا تصريح بحقيق الملك.
ومع ذلك نجعل ترك مقدار الأرش تبرعاً.
3948 - وتمام القول فيه أنه لو مات هذا التارك للأرش المريض ولم يَفِ الثلث، فالزائد على الثلث -على قولنا: التبرعُ الزائد مردود- يُثبت للورثة ملكاً لهم، أم هم يثبتوه 1؟ الظاهر عندنا أنه يثبت لهم.
ولا حاجة إلى إثباتهم لأنفسهم.
وما قدمناه من التسليط على الوطء محمول على مذهب التبيّن بالأَخَرة والإسناد 2. فانتظم من هذا أنّه إذا مرض مرضَ موته، وفرض الاطلاعُ على العيب، وتَرْكُ الأرش، فقد تبيّن بالأَخرة رجوعُ شيء من الثمن إسناداً.
فليفهم الناظر ذلك.
ويحتمل أن يقال: للورثة حق الرجوع في الأرش بعد الموت، وإذ ذاك يثبت ملكهم، والأظهر الأول.
3949 - ونحن نذكر صورة أخرى في ذلك، فنقول: لو اشترى عبداً قيمته [مائة] 3 بخمسين، واطلع على عيب به ينقص عشرَ القيمة، فلو رد، كان الرد على خلاف الغبطة؛ فإن العبد مع العيب يساوي تسعين، فلو رده واسترد خمسين، كان متبرعاً بأربعين، فالرد إذاً تبرع -كما ذكرناه- لأن الغبطة في إمساكه، وهو ملكه الحاصل، ورده إخراجٌ له عن الملك، فإذا كان على خلاف الغبطة، كان متبرعاً.
فلو قال:

أرجع بالأرش، فقال بائع العبد: بل ردّه، فليس له مطالبة بالأرش؛ فإنا نبني الأمر على حياته.
وإذا كان الرد ممكناً في الحياة، لم يجز التحكم بإلزام الأرش.
ولو مات فأراد الورثة المطالبة بالأرش، لم يكن لهم ذلك أيضاًً؛ فإن المريض تبرّعُه 1 في الرد، فإذا لى يرد، فإنما راعى الغبطة في ترك الرد، ويستحيل أن يقع ترك الرد غبطة، وينضمُّ إليه الرجوعُ إلى الأرش.
ونظير هذا ما لو اشترى الولي للطفل عبداَّ بَخمسين، وقيمته مائة لو كان سليماً، فلو اطلع على عيب به ينقص عشرَ قيمته، فليس له الرد، وليس له أن يُطالبَ بائع العبد برد شيء من الثمن.
هذا ما نراه، واللهُ أعلم.
وقد يخطر لمن لا يغوص أن الرد إذا امتنع، فالأرش جزءٌ مستحق الاسترداد.
وليس الأمر كذلك.
فصل قال: "ولو أسلفه فضة بعينها في طعام، ثم فُلّس، كان أحقَّ بفضته ... إلى آخره" 2. 3950 - قد ذكرنا في غير المفلس أن من أسلم في جنس وانقطع جنسُ المسلَم فيه عند المَحِلِّ، ولا إفلاس، ولا حجر، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن العقد ينفسخ.
والثاني - أن المسلم يتخير: إن شاء فسخ، وإن شاء أنظر المسلَم إليه إلى وجود الجنس، ونحن نذكر في السلم بعد تجديد العهد بهذا الأصل صورتين في المفلس: إحداهما - أن يفلس المسلم إليهِ، والمسلَمُ 3 فيه عامّ الوجود.
فإن كان رأس المال قائماً، فللمسلم فرع العقد، والرجوعُ إلى رأس المال.
ولا فرق بين أن يعيّن رأس المال حالة العقد، وبين أن يطلق ذكر الدراهم حالة العقد، ثم يعينها في

المجلس بالإقباض.
فإذا كان ما عين أولاً بالتسمية، أو عين بالإقباض في المجلس قائماً، فرع العقد، ورجع في تيك العين.
وإن أراد المضاربة، فسنذكر في آخر الفصل كيفية المضاربة بالمسلَم فيه.
ولو كان رأس المال تالفاً، فهل للمسلم أن يفسخ العقد؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه لا يفسخ؛ لأنه لو فسخ، لضارب ببدل رأس المال؛ إذْ عيْنُه تالفة، وإنما يثبت الفسخ بعذر الفلس إذا كان الفاسخ يتخلص عن المضاربة.
والوجه الثاني - أنه يثبت له الفسخ بتعذر الوصولِ إلى تمامِ المسلم فيه.
وإذا كان التعذر بانقطاع الجنس يثبت حق الفسخ، فالتعذر بالفلس ينبغي أن يُثبت حق الفسخ.
وهذا القائل لا يخرّج قول الانفساخ بسبب الفلس، بخلاف ما إذا انقطع الجنس.
هذا بيان صورة واحدة.
3951 - الصورة الثانية: مفروضة فيه إذا أفلس المسلم إليه، وانقطع المسلم فيه، فاجتمع الفلس والانقطاع؛ فإن كان رأس المال قائماً، فسخ العقد، ورجع فيه.
وإن كان تالفاً، فهل يثبت للمسلم حق الفسخ؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يثبت؛ لأنه لا يتخلص عن مضاربة الغرماء.
والثاني - وهو الأصح- أنه يثبت له حق الفسخ؛ لأنه بالفسخ يصل إلى بعض حقه في الحال.
ولو لم يفسخ، وصبر إلى عود جنس المسلم فيه فربما لا يجد في يده شيئاًً يأخذه بحقه؛ فترك الفسخ يلحق به ضرراً بيِّناً.
وأيضاًً، فإن حق الفسخ إذا كان يثبت في حالة الإطلاق، فيستحيل أن لا يثبت في حالة الحجر، وكل سبب أثبت الفسخ في الإطلاق، لم يُبْن الأمرُ فيه على الغرض، فإن من اطلع على عيب المبيع الذي قبضه، فله رده على مفلس لا يجد ما بقي بالثمن.
وقد نعود في آخر الفصل إلى تحقيق هذا الوجه من هذه الصورة إن شاء الله تعالى.
3952 - ونحن نذكر الآن كيفية المضاربة في المسلم فيه، فنقول: إذا كان المسلم فيه جنساً من الأجناس، فالمضاربة [به] 1 غير ممكنةٍ؛ لأن التضارب إنما ينتظم في النقود، فإذا لم يكن المسلم فيه نقداً، فلا وجه لتقدير المضاربة به.
ولكنا نرده إلى

القيمة تقديراً، ونُثبت المضاربة بها، ثم ننظر إلى مقدار ما يخصه في المضاربة، فإن كانت القيمة مائة، وقد خصه بالمضاربة عشرة، لم نترك 1 العشرة عليه؛ فإنا لو فعلنا ذلك، كنا معتاضين عن المسلم فيه، وأخذ البدل عن المسلم فيه باطل، غيرُ مباح، فالوجه أن يصرف ما يخصه من الدراهم والدنانير إلى جنس المسلم فيه وتسلمه إليه، فتكون المضاربة واقعةً في أحد النقدين، وملكُ المسلِم مستقرٌ آخراً في مقدارٍ من جنس المسلَم فيه.
والذي قطع به الأئمة أن ملك المسلم لا يثبت في الحصة التي تميزت له من الدراهم، وإنما يثبت ملكه في القدر الحاصل من المسلَم فيه.
فلو ميزنا له باعتبار القيمة عشرة، وقدرناها عُشْرَ حقه مثلاً، فهاج رخصٌ وانخفض السعرُ قبل اتفاق صرف الدراهم إلى جنس المسلم فيه، ووجدنا بذلك القدر الذي أقررناه له قدرَ حقه من جنس المسلم فيه بكماله، قال الأصحاب: صرفنا الكلَّ إليه وأوصلنا إليه حقه كَمَلاً، وبرئت ذمة المسلم إليه.
وان وجدنا [به] 2 أكثر من حقه، فالزيادة مردودة على الغرماء.
3953 - قال القاضي: هذا مشكل.
والقياسُ أن نقول: إذا هاج الرِّخص، وصار ما كنّا نقدره بمائة يوجد 3 بعشرة، فنغير اعتبار القيمة، ونقول: إنه يضرب بعشرة، وننظر ما يخصه مع مزدحم الديون، ونبتدىء بتبيّن 4 مقدار حقه.
وإنما كان كذلك، لأن الحصة المقررة له على حساب المائة لم تدخل في ملكه لما قدمناه من استحالة ملك عوض المسلم فيه، فإذا لم يثبت ملكه فيما ميزنا، بان أن الأمر موقوف على ما يتبين آخراً، وقد بان برخاء السعر، وظهور الرخص أن قيمة المسلم فيه عشرة، فدينه إذاً يقدر بهذا.
هذا ما قاله.

3954 - والذي ذهب إليه الجماهير ما قدمناه أولاً.
فانتظم مما قالوه، وقاله القاضي وجهان: أحدهما - ما ذكره القاضي، ووجهه القياس البيّن الذي ذكره.
والثاني - ما ذكره الأصحاب، ووجهه أنا وإن كنا لا نملِّك المسلِم العشرةَ الدراهم، فنجعله أولى بها؛ حتى كأنها مرتهنة بحقه، وكأنه مرتهن فيها.
ولو كان كذلك، لكنا نقدمه بتمام حقه فيما هو مرهون عنده، فيجري إذاً قياس الرهن.
ونقول: إن وفّى ما ميزناه بحقه أدينا منه حقه كاملاً.
وإن زاد على مقدار حقه، أدينا منه قدرَ حقه، وصرفنا الفاضل إلى الغرماء، كدأبنا في المرهون إذا بعناه.
فإن قيل: لم فعلتم ذلك؟ قلنا: [إفراز] 1 الحاكم للحصص 2 تخصيصٌ منه لكل ذي حق بمقدار، فما 3 يتصور فيه التمليك حُمل تخصيصه على حقيقة الملك، وما امتنع التمليك فيهِ حُمل على ما يتصوَّر، وهو التخصيص بطريق الاستيثاق، فكأن حقوق الغرماء انقطعت عن العشرة بالقسمة التي جرت على التقدير الصحيح ابتداءً.
فهذا هو الممكن في توجيه ما قاله الأصحاب.
وليس يخفى ظهور ما قاله القاضي في القياس.
3955 - ثم إن كان المسلم فيه شيئاًً من ذوات الأمثال، وقد خص المسلِم عشرُ قيمته، فإنا نصرفه إلى عشر المسلم فيه.
وإن كان المسلم فيه ثوباًً واحداً، أو حيواناً، فالوجه صرف ما يخص المسلِم إلى جزء شائع من ثوب، أو حيوانٍ مستجمعٍ للصفات المذكورة لا 4 وجه غيره.
هكذا ذكره صاحب التقريب وغيرُه.
فإذا ضارب بمائة، فخصه من زحمة الديون عشرة، وصرفناها إلى جنس المسلَم فيه، فلو انطلق الحجر، وحدث له مال جديد وعاد الغرماء يضاربون، فللمسلم حق المضاربة في بقية حقه في المال الجديد، فتقوَّم السلعة مرة أخرى، فإن كانت مثل القيمة الأولى، فلا كلام.
وإن كانت القيمة أعلى من هذا الوقت، فإنه يضارب بالقيمة العالية؛ فإنَّ المقصود

إيصالُه إلى جنس المسلم فيه، والقيمة في البين واسطةٌ، اضطررنا إلى اعتبارها، فنعتبر إذاً قيمة المسلم فيه بالغة ما بلغت.
وهذا سديد.
3956 - فأمَّا إذا قومنا المسلم فيه آخراً في الصورة التي انتهينا إليها، فكانت قيمته أنقص في الكرّة الثانية، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين في ذلك: أحدهما - أنه يضارب باعتبار القيمة الثانية، وهي قيمة الوقت.
ووجهه بيّن.
والوجه الثاني - أنه يضارب بالقيمة الأولى المعتبرة في الحجر الأول.
وهذا لا أدري له وجهاًً، مع قطعنا بأن القيمة ليست عينَ حقه.
ولو لم يتفق الحجر الثاني، ووفى ما في يد المسلم إليه بتمام حق المسلِم، وهاج الرخص، فليس على المسلم إليه إلا توفيةُ حقه.
وإذا رخص السعر، فإذا فرض حجرٌ ثانٍ وجب أن يضارب بالقيمة الناجزة، فإن القيم تقديرات، والغرض الوصول إلى المقوّم.
ولولا أن صاحب التقريب كرّر هذا الوجه الثاني، وإلا كنت لا أذكره لضعفه.
فصل قال: " ولو أكرى داراً منه سنة، ثم أفلس المكري ... إلى آخره " 1. 3957 - هذا الفصل يشتمل على بيان إفلاس المكري، وإفلاس المكتري والبداية بإفلاس المكري.
ولا تخلو الإجارة إما أن تكون واردة على العين، وإما أن تكون واردة على ذمة المكري، فإن كان الكراء [على] 2 العين بأن أكرى داره أو دابته، وعقد إجارةً على شرط الصحة، فإذا أفلس المكري قبل انقضاء الإجارة، وحصول الوفاء بها، فالإجارة لا تفسخ لمصلحة المفلس، حتى لو فرعنا على منع بيع المكرى؛ فإنا نمتنع عن بيع العين المكراة إلى انقضاء مدة الإجارة، وفاءً بما اقتضاه العقد.
وإن قلنا: يجوز بيع

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل