كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
خمراً على ذمي، ثم اقتضى المذهب إلحاق ما يصح على شرط الإسلام في الشرك بما يفسد على شرط الإسلام، كما تقدم شرحه.
فتبين أن الشافعي لم يبن قواعده في الباب على قياس مذهبه في الأصول، ولكن صادف أخباراً صحيحة ونصوصاً صريحة لم يعتقد تطرق التأويل إليها، فترك القياس لها.
وفي السواد 1 ذكر مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن.
وقد احتج الشافعي بالأخبار، واستاق احتجاجَه بها أحسنَ استياق، وقال: لما لم يسال النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن العقد، كان عفواً له [لفَوْته] 2، كما حكّم الله رسولَه صلى الله عليه وسلم [بعفو الربا إذا] فات بقبضه.
فقال محمد بن الحسن: ما علمتُ أحدا احتج بأحسنَ مما احتججت به، ولقد خالفتُ أصحابي فيه منذ زمان، وما ينبغي أن يدخل على حديث النبي صلى الله عليه وسلم القياسُ.
[فبان] 3 من فحوى كلامهما تَرْكُ القياس واتباعُ الخبر، وأشعر كلام الشافعي مُضاهاة هذا الباب أبوابَ العفو والصفح تحقيقاً ورخصة، فهذا ما أردت التنبيهَ عليه في عقد الباب.
8093 - ثم لا أثر عندنا في شيء مما ذكرناه لاختلاف الدار، فإذا أسلم أحد الزوجين، والدار جامعة لهما، أو اختلف بهما الدار، فالحكم لا يختلف عندنا.
والذي عليه التعويل ما قدمناه من الفرق بين ما قبل المسيس وبعده، وأبو حنيفة 4 يعتمد اختلاف الدار، ويجعله بمجرده قاطعاً للنكاح، ويقول: إذا تعلقت الكافرة بدار [الكفر] 5 مصرة على كفرها، انقطع النكاح بينها وبين زوجها بنفس اختلاف الدار.
وكذلك إذا تعلق الزوج بدار الإسلام وسكنها.
فصل
قال الشافعي: "ولو أسلم ونكح أماً وابنتها ... إلى آخره" 1.
8094 - هذا الفصل يستدعي تقديم أصول لا يستقل مقصود الفصل دونها، وهي أركان الباب؛ فالوجه أن نذكرها على نهاية البيان، ثم نعود إلى الفصل، ونُتبعه بعد نجازه مسائل الباب.
8095 - الأصل الأول في بيان القول في أنكحتهم التي يرونها أنكحة في مللهم، وبيان إطلاق الصحة فيها والفساد، والإعراض، وهذا أم الباب، وقاعدة المسائل ومرجوعها، ولو رددنا إلى مقتضى الرأي فيها -وقد انتهى الحكم إلينا- لصحّحنا ما يقتضي الشرع تصحيحه، وحكمنا بفساد ما يوجب الشرع فساده، جرياً على ما تمهد من استتباع حقنا باطلَهم إذا اتصلت الوقائع بنا، ورُفعت إلينا، ولكن صدّنا عن هذا الأخبارُ التي صدّرنا الباب بها؛ فإنه صلى الله عليه وسلم خيّر من أسلم بين أختين، وهذا إن حُمل على جواز 2 جريان الجمع بين الأختين في الشرك، فالجمع في الإسلام باطل، وإن حُمل على إيراد عقدين في أختين، فالتخيير بينهما يتضمن تصحيح اختيار الثانية لا محالة، والأخت الثانية المُدْخلَة على الأولى لا ينعقد نكاحها في الإسلام؛ فلم يمكنّا -والحالة هذه- أن نطرد استتباعهم ودعاءهم إلى ما يصح ويفسد في شرعنا؛ فينشأ من هذا تردد عظيم بين الأصحاب لا نعهد في مسائل الفقه مثلَه؛ حتى كاد كثير 3 من الأصحاب يرتبكون في عماية، ويَنفون ويُثبتون من غير دراية، ولا نجد بداً فيه من النقل والحكاية؛ فإن المجموعات مشحونة بطرق فاسدة، ولن يتبين وجهَ الصحة من لم يطلع على مسالك الفساد.
8096 - وقال قائلون: اختلف المذهب في أنا هل نحكم بصحة أنكحتهم؟ فذهب
بعض الأصحاب إلى أنا نحكم بصحتها 1، ثم إن اتصلت بالإسلام -وكانت في دوامها موافقة- فإنا نقررهم عليها، وإن جرت في الشرك على خلاف شرط الشرع، إذا لم يلحق [بها في] 2 الإسلام أسباب الفساد، كما سيأتي تفصيل هذا الفن على أثر هذا الفصل.
وإن كانت في الدوام لا توافق الشرع لأمر يؤول إلى العدد والجمع - مثل أن يسلم الكافر على عشر، أو على أختين، فنقول: قد صحت الأنكحة على العشر والأختين في الشرك، ثم الإسلام يدفع إحدى الأختين والنسوة الزائدات على الأربع؛ فيقع ارتفاع نكاح المدفوعات بالإسلام على الإبهام، وخيرة التعيين إلى الزوج، وهذا هو الذي رآه الأصحاب ظاهرَ المذهب.
ومن آثار هذا أن الزوج يلتزم مهور اللواتي يدفع الإسلامُ نكاحَهن، وهذا دالٌّ على ثبوت نكاحهن، وترتب الارتفاع على الثبوت، ولسنا نستقصي الآن المهر والقول فيه، وإنما نذكر أطرافاً من آثار الأصول إيناساً بها وتوطئة لها، هذا ما رآه الأصحاب المذهب الظاهر.
ومن أصحابنا من قال: نحكم بفساد الأنكحة في الشرك، وهذا ساقط خارج عن قاعدة المذهب.
8097 - وفرّع كثير من المعتبرين على تقدير التردد في الصحة والفساد أمرَ الطلاق، حتى قالوا: إذا نكح الكافر كافرة في الشرك، ثم طلقها، فوقوع الطلاق يخرّج 3 على الصحة والفساد: فإن حكمنا بصحة نكاحهن، نحكم بنفوذ الطلاق، حتى إذا طلق
امرأته ثلاثاً ثم أسلم، حكمنا بأنها محرمة عليه حتى تنكح زوجاً غيره، وإن حكمنا بفساد أنكحتهم؛ فطلاقهم غير نافذ؛ فلو طلق الواحد منهم امرأته، واتصل الأمر بالإسلام؛ فالطلاق المقدم لغو، لا التفات إليه.
وقد أورد هذا الخلاف بعض المصنفين، وذكره شيخي رضي الله عنه، وهذا على غاية من الفساد، لا يستريب فيه ذو عقل، والمصير إلى أن طلاق المشرك لا يقع في حكم المناكرة للحقائق.
وقد عُزي هذا المذهب إلى مالك 1 رضي الله عنه.
ومما يُفسد هذا قطعاً: أن من أسلم على امرأة كان نكحها، ولم يتصل بالإسلام مفسد، فهو مُقَر على نكاحها، والتقرير على الفاسد محال، وانقلاب الفاسد صحيحاً محال، ولا يتصور أن يجاب عن هذا مع إطلاق القول بفساد أنكحتهم.
وقد قطع الشافعي رضي الله عنه بأن المسلم إذا طلق ذمية ثلاثاً، فنكحها كافر، ودخل بها وأبانها؛ حلّت للأول؛ فله أن ينكحها إذا خلت عن العدة، والمذهب الذي عليه التعويل: أن التحليل لا يحصل إلا بالوطء في نكاح صحيح.
وقد قطع الشافعي رضي الله عنه بأن الكافر الحر العاقل البالغ إذا كان وطىء في نكاح الشرك، ثم زنى، ورضي بحكمنا؛ فإنا نرجمه، وحديث اليهوديين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم رجمهما لما اعترفا بالزنا 2، ينافي ذلك 3، فبطل المصير إلى الحكم بفساد أنكحتهم.
8098 - ومن تمام القول في هذا: أنا في قاعدة الباب لا نفرق بين عقد جرى في الشرك على شرط الشرع، وبين عقد جرى مخالفاً لشرط الشرع.
وآية ذلك أن من نكح امرأة بولي وشهود، ثم نكح بعد ذلك أختها، فالنكاح الأول صحيح على شرط الشرع، ولا مزية للنكاح الأول على النكاح الثاني إذا اتصل النكاحان بالإسلام، وإذا كان كذلك؛ فمن حكم بفساد أنكحتهم يلزمه ألا يفصل بين ما يقع منهما على شرط الشرع وبين ما يخالف الشرع، والمصير إلى أن نكاحاً يعقدونه على شرط الشرائع كلها فاسد، مذهب لا يعتقده ذو تحصيل، وما الذي يمنع من صحة نكاحهم؟ ولا خلاف في صحة بيعهم وتصرفاتهم.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وُلدت عن نكاح، لا عن سفاح" 1. وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان النكاح في الجاهلية على أنحاء، ونكاح واحد منها بولي وشهود" 2.
ولما تبين فساد هذا الوجه للمحققين؛ قال قائلون منهم: لا نطلق الفساد على أنكحتهم، ولا نحكم فيها بصحة ولا فساد.
وهذا أقرب قليلاً من إطلاق الفساد، ولكن ليس فيه شفاء وبيانٌ كاف.
8099 - وإذا أردنا أن نذكر التحقيق بعد انتجاز النقل، فالرأي عندنا أن نذكر مسألة لابن الحداد - وهي مقصودة في نفسها وبها يبين تحقيق المراد.
قال ابن الحداد: إذا نكح الرجل أختين، وطلق كل واحدة منهما في الشرك ثلاثاً ثلاثاً، ثم أسلم وأسلمتا.
قال: يخير بينهما، ويقال له: اختر إحداهما، كما كنت تختار لو لم يسبق منك طلاق أصلاً، فإذا اختار واحدة منهما، فالتي اختارها يثبت نكاحها.
ثم إذا ثبت نكاحها بَعُدَ الطلاق فيها، والأخرى قد تعينت للفراق بحق الإسلام؛ فلا ينفذ فيها الطلاق.
وفائدة ذلك أنه لو أراد أن ينكح التي لم يخترها من غير أن تنكح زوجاً غيره، صح.
قال الشيخ أبو علي: هذا الذي ذكره ابن الحداد حقه أن يفرع على أنا هل نحكم لأنكحة الشرك بالصحة أم لا؟ فإن قلنا: نحكم بصحة أنكحتهم، فنقول على موجب ذلك: صح النكاح في الشرك على الأختين، وإن كان على مخالفة الشرع في العقود التي [نقيمها] 1 في الإسلام، وإذا حكمنا بصحة النكاح؛ فإنا نحكم بوقوع الطلاق على الأختين جميعاً.
وموجب ذلك أنه إذا أسلم معهما، فهما محرمتان، فلا معنى للتخيير والاختيار.
والوجه أن نقول: من نكحت منهما وحللها زوجها، جاز للمطلِّق نكاحها.
ولو نكحتا جميعاً، فهما بمثابة أختين أجنبيتين، وهذا الذي أسلم ينكح من شاء منهما.
هذا إذا حكمنا بصحة النكاحين.
وإن لم نحكم بصحة أنكحتهم على الإطلاق، فلا سبيل إلى الحكم بفساد أنكحتهم؛ فإن ذلك يبطل بالطرق التي قدمناها.
ولكن [نقول] 2 إذا أسلم وأسلمتا في مسألة ابن الحداد: لو لم يكن طلاق، لكان يختار إحداهما، فإذا اختار، تبين أن النكاح في الشرك كان صح على هذه التي وقع الاختيار عليها، ولسنا نتعرض قبل الاتصال بالإسلام لصحة ولا فساد 3. فإذا اتصل الأمر بالإسلام، فالحكم ما ذكرناه.
ثم يصار مع [الإسلام إلى أن الجمع بين الأختين] 4 في حكم شيء فاسد لا يصح
النكاح معه في الإسلام، كالنكاح في العدة أو بشرط الخيار، كما سيأتي ذلك في المسائل.
وقد تمهد لنا أن تفاصيل تعبدات الشرع [غير] 1 مرعية في عقودهم، ولهذا لاتنقض عقود الربا إذا تبايعوا فيها، ثم أسلموا، فيبقى الإبهام بين الأختين، وإزالته محال في الشرع على اختيار الزوج، وهذا لم نقله عن رأي، وإنما اتبعنا فيه الأخبار، فانتظم من ذلك أن من نكح في الشرك امرأة ثم طلقها فطلاقه نافذ؛ فإنا لا نستجيز إطلاق القول بفساد أنكحتهم على هذا المسلك.
وإذا نكح أختين، فطلقهما -كما فرضه ابن الحداد- فالطلاق يقع على المنكوحة منهما 2. وقد تبيّنا أن المنكوحة واحدة؛ فيكون وقوع الطلاق على هذا القياس.
وينتظم جواب ابن الحداد فيما ذكره.
هذا منتهى كلام الشيخ أبي علي.
ولا خروج بجواب ابن الحداد إلا على التفصيل الذي ذكره.
وقد نقل المزني في مسألة نكاح الأم والبنت قولاً لا خروج له إلا على بُعد في المسلك.
ويخرج من مجموع ما ذكرناه مذهبان: أحدهما - الحكم بصحة عقودهم على الأخوات، ثم الإسلام يدفع ما يدفع.
وكذلك القول في النسوة الزائدات، ثم الإسلام يدفع اللواتي زدن على أربع، [و] 3 على رأي ابن الحداد نُعرض عن عقودهم، فإذا اتصلت بالإسلام، فالذي ينفيه الإسلام نقول: لم يصح أولاً، والذي يثبته الإسلام 4 نقول فيه: تبينا صحته.
فأما الحكم بفساد عقودهم 1 [ ... ] 2 وذكر، فهو على القطع باطل والمصير إلى أن طلاقهم لا يقع [عديم] 3 الوجه بالكلية؛ فإنا إذا كنا نحكم بصحة نكاحهم في الإسلام استدامة وتقريراً عليه، فالطلاق أولى بالنفوذ من النكاح.
وان لغا طلاقهم، فليلغ نكاحهم.
8100 - ثم يبقى وراء ما ذكرناه إشكالان:
أحدهما - أن ابن الحداد قال فيمن نكح أختين وأسلم معهما 4: إذا اختار واحدة منهما، فتعينت الثانية للفراق، وذلك قبل المسيس، فللتي فارقها نصف المهر، واعتل بأن الفراق فيها حصل باختيار الزوج، وكان هذا بمثابة ما لو طلّق امرأته قبل الدخول.
وهذا الذي ذكره يناقض الأصل الذي مهدناه بجوابه في مسألة الأختين وطلاقهما؛ فإنا خرّجنا ذاك على أن النكاح تتبين صحته في إحداهما، ونتبين أنه لم يصح في الأخرى، وإذا كان كذلك؛ فإذا اختار الزوج إحدى الأختين، فإيجاب نصف المهر للثانية مع الحكم بأن النكاح في حقه غير منعقد محال.
وهذا لا جواب عنه.
والأشكال الثاني - أنا إذا حكمنا بصحة النكاح في الأختين، وقضينا بأن الإسلام يدفع نكاح إحداهما بعد ثبوته على الصحة، فيستقيم على هذا إيجاب نصف المهر للتي فارقها الزوج؛ فإن الفراق يضاف إلى الزوج إذا كان السبب صادراً منه ومن الزوجة.
وهذا بمثابة الخلع إذا جرى قبل المسيس.
وسيأتي شرح القول في المهر من بعدُ، إن شاء الله عز وجل.
ومحل الإشكال أنا إذا حكمنا بصحة النكاح على الأختين؛ فلو جاء كافر وتحته أختان، وطلب منا أن نفرض لهما النفقة، فماذا نصنع ونحن نحكم بصحة النكاح عليهما! وإنما يندفع النكاح في إحداهما عند الاتصال بالإسلام؟ هذا فيه تردد ظاهر؛
من جهة أن الفرض للأختين إنشاء حكم منا يخالف حكم الإسلام.
فالذي أرى القطع به: أنه لا نفرض لهما النفقة، والدليل عليه أنا لو فرضنا لهما، للزم قاضينا أن يزوج أختين من كافر بحكم الولاية، وهذا لا يجترىء عليه من يتوفر الفقه في صدره.
فكأنا -وإن حكمنا بالصحة- نَكِلُ الأمرَ إليهم ولا ننشىء فيهم شأناً، هذا ما نراه.
ولمن ينظر في هذا الكتاب فضل الرأي بعدنا.
وقد نجز قدر غرضنا الآن من القول في عقودهم، وحُكمنا بصحتها وفسادها.
8101 - الأصل الثاني -وهو أيضاًً من أقطاب الباب- قال الأصحاب: إذا جرى نكاح في الشرك، واقترن به ما يفسد النكاح في الإسلام، ثم اتصل النكاح بالإسلام، وقد انقضى المُفسد؛ فإنا نقرر ذلك النكاح.
وبيانه: أن من نكح معتدة في الشرك، ثم انقضت العدة، وأسلم وأسلمت، فهو مُقر على النكاح، وذلك المقترن بالعقد لا حكم له.
وأبو حنيفة -وإن خالف في جمع الأختين وجمع أكثر من أربع- لم يخالف فيما ذكرناه.
وكذلك إذا جرى النكاح على شرط الخيار، ثم انقضى الخيار، وأسلم الزوجان؛ فهما مقران على النكاح.
ولو جرى النكاح من غير حضور شاهدين، وكانوا يرون صحة النكاح من غير شهود، فإذا أسلم الزوجان أُقرا على النكاح.
والجامع لغرض هذا الفصل أنا لا نؤاخذ الكفار [بتفاصيل] 1 التعبدات المرعية في عقودنا، وإذا عقدوا أنكحتهم على مفسد، ثم انقضى قبل الإسلام، فلا حكم لتيك 2 الأشياء المقترنة بالعقد.
ولو اقترن بالعقد مفسد، ثم أسلم الزوجان والمفسد قائم بعدُ، مثل أن يجري النكاح في العدة، أو بشرط الخيار، ثم يسلم الزوجان وبقية العدة ثابتة بعدُ؛ فنحكم بفساد النكاح؛ فإنا لو صححناه، لكان ذلك إنشاء حكم منا بالنكاح في العدة، فلا
سبيل إليه، فإذا انقضت في الشرك ولم يصادفها الإسلام، فلا مؤاخذة بما مضى، ولا يُتبع أصلاً.
وهذا الذي ذكرناه في العدة مستقيم.
وأما بقاء مدة الخيار؛ ففيه نظر عندنا؛ من جهة أن 1 الخيار أمر [يقدّر] 2 ثبوته، فإذا كان فاسداً شرعاً، أمكن أن يقال: إنه غير ثابت؛ فإن الفاسد هو المنتفي، والمنتفي شرعاً لا ثبات له، فلا يبقى إلا شرط الخيار.
وهذا هو الذي اقترن بالنكاح، وهو متقدم على الإسلام، فينتقض قبل حدوث الإسلام.
وهذا الفقه يرد على أبي حنيفة في مسألة اشتراط الخيار في اليوم الرابع؛ فإنهم قالوا: إن لم يحذف الخيار الزائد، أفسد العقد، وإن حذف لم يفسد.
فقيل لهم: الخيار الزائد فاسد محذوف شرعاً، فلا ينبغي أن يكون بخوفهم اعتبار.
هذا احتمال ما ذكرناه.
والذي قطع به الأئمة في الطرق: أن اتصال بقية من زمان الخيار بالإسلام بمثابة اتصال بقية من العدّة.
ووجه ما ذكره الأصحاب -ولا مذهب غيره- أن النكاح لم ينعقد على صفة اللزوم في هذه الأيام؛ فلا يثبت اللزوم فيها؛ فإن المتعاقدين لم ينشئاه.
ونحن وإن كنا لا نرعى شرائط الإسلام في ابتداء عقود أهل الشرك، فلا نثبت ما لم يثبتوه، وإذا عقدوا الإلزام وراء هذه المدة، لم يثبت قبل انقضائها.
فهذا يقتضي أن يقال: إذا اتصل زمان الخيار بالإسلام؛ فلا إلزام في تلك المدة.
وحكم الإسلام يقتضي مثل هذا، [وهذا] 3 هو الممكن عندنا في تعليل هذه الطرق.
وإذا تبين أن اتصال بقية العدة بالإسلام يتضمن الحكم بفساد النكاح، فلا يخفى أن الكافر إذا نكح واحدة من محارمه، ثم أسلما، فالنكاح مردود؛ فإن إدامة النكاح على
المحارم يستحيل استحالة ابتدائه عليهن.
وإذا كان يفسد النكاح ببقاء بقية من [المفسد] 1، فاستمرار المحرمية باقتضاء الإفساد أولى.
8102 - ثم أطلق أئمتنا عبارة، ونشأ من إطلاقها كلام، وذلك بأنهم قالوا: إذا أدرك الإسلام والمرأة 2 على حالة لا يجوز ابتداء نكاحها، [فلا] 3 يجوز استدامة النكاح عليها، وإن كانت المرأة عند إدراك الإسلام على حالة لا يمتنع ابتداء نكاحها، فلا يبعد استدامة نكاح [الشركِ] 4 عليها، وخرّجوا على مقتضى هذه العبارة استحالة إدامة النكاح على المحارم.
وخرّجوا أيضاً امتناع دوام 5 النكاح على التي هي في بقية من العدة، إذا لحق الإسلام.
واستثنى صاحب التقريب من طرد هذا الكلام مسألتين: إحداهما - أن الكافر لو أسلم، وكما 6 أسلم أحرم، ثم أسلمت المرأة قبل انقضاء العدة، والزوج محرم حالة الاجتماع في الإسلام، قال: إنه يمسك زوجته، وإن كان لا يبتدىء على هذه الحالة نكاحها، وكذلك لو أسلمت وأحرمت، ثم أسلم الزوج في العدة وصادفها محرمة؛ فإنه يقر على نكاحها.
وإن كان لا يثبت نكاح المُحرمة ابتداء.
فهذا أحد الاستثنائين.
والثاني - أن الكافر لو نكح في الشرك، ثم إن المرأة وُطئت بشبهة بعد جريان النكاح، وجرت في العدة، فلحق الإسلام النكاح والمرأة في عدة الشبهة، فالنكاح قائم، لا يدفعه ما بقي من عدة الشبهة، وإن كانت لا تنكح ابتداء.
هذا ما ذكره صاحب التقريب وقد قطع بموافقته الصيدلاني، ولم يشبّب بخلاف، ووجه ذلك بيّن؛ فإن الإحرام الطارىء عارض بعد تصرّم النكاح، وليس من
المفسدات المقترنة بالعقد.
وطريان الإحرام وعدة الشبهة لا يقدح في نكاح المسلمين، فكيف يفرض قادحاً في نكاح المشرك؟ ونحن قد نحتمل في أنكحتهم ما لا نحتمل في أنكحة الإسلام.
فإذا كان لا ينافي الإحرامُ وعدةُ الشبهة دوامَ نكاح الإسلام، فكذلك وجب ألا يقطع دوامَ نكاح المشرك، وليس ذلك كما لو نكحت المعتدة وبقيت من العدة مدة، وقد لحق الإسلام؛ فإن هذه العدة اقترنت بالعقد واقترانها يفسد نكاح الإسلام، فإذا لحق الإسلام والمفسد قائم، جعلنا هذا كما لو أنشأ العقد مقترناً بالمفسد في الإسلام.
وهذا المعنى الذي وقع به الفرق صحيح.
8103 - ولكن يعترض عليه أصلٌ في الباب، اتفق الأصحاب عليه، وهو: أن الحر إذا نكح أمة على شرط الشرع، ثم طرأ على النكاح يساره واقتدارُه على طَوْل الحرة، وأسلم وأسلمت الأمة، فيبطل نكاح الأمة، ولا سبيل للحر إلى إمساكها، واليسار طارىء بعد النكاح، ولم يقترن بالعقد اقتران المفسدات به، فكان يجب أن يجعل طريان اليسار بمثابة طريان عدة الشبهة والإحرام.
ولما نظر القفال إلى ما ذكرناه، لم يجد فصلاً 1، وارتكب طرد القياس في المسألتين اللتين ذكرهما صاحب التقريب، وقال أولاً: إنه حكى [فيهما] 2 نصَّ الشافعي وقد تتبعت النصوص، فلم أجد ما حكاه من المسألتين منصوصاً.
وأنه قال: إذا أحرم الزوج بعد ما أسلم، ثم أسلمت الزوجة الوثنية والزوج محرم، فينقطع النكاح، ونحكم بفساده، وطرد هذا في طريان عدة الشبهة على كلام ذكره بعض النقلة عنه فيها، كما سنذكره، إن شاء الله تعالى.
هذا مما حكاه أصحاب القاضي عن القفال على هذا النسق، وأورده بعض المصنفين عنه على هذا الوجه، ولم يورده الصيدلاني في طريقه المقصور على مذهب القفال ومسلكه فيه، بل أورد عنه ضد ما أوردناه، والذي أشار إليه من كلامه في العدة عريّ عن التحصيل.
ولكنا نأتي به.
قال من نقل عن القفال: ما ذكرناه من طرد القياس في عدة الشبهة في زمن العدة تلبيس؛ من جهة أن أحد الزوجين إذا أسلم، اقتضى ذلك الجريان في عدة النكاح، وعدة النكاح مقدمة على عدة الشبهة، فلا يتصور اقتران عدة الشبهة بلحوق الإسلام.
وهذا عندي كلام مضطرب؛ إذ يمكن فرض إسلامهما معاً، حتى لا يقدر جريانها في العدة بسبب اختلاف الدين.
ثم يلتزم أن تقترن عدة الشبهة بهذه الحالة أيضاًً؛ فإنه إذا أسلم أحد الزوجين، فلسنا نقطع بأن المرأة جارية في العدة؛ من قِبل أن المتخلف منهما إذا وافق وأسلم قبل زمان انقضاء العدة، فنحكم بأن النكاح قائم دائم، وأن ما كنا نقدر عدة [ليس عدة] 1؛ فإن العدة عن الشخص يستحيل ثبوتها في صلب النكاح من غير وقوع سبب لا يستدرك، وليس كعدة الرجعية؛ فإنها تعقبت الطلاق الواقع، [والرجعية] 2 وإن ارتجعها زوجها، فالطلاق الذي وقع عليها لا يزول.
وذكر بعض المصنفين على قياس القفال: أن المرأة لو وطئت بالشبهة، وعلقت بمولود من الواطىء بالشبهة، واتصل الإسلام وبقي كذلك؛ فينقطع النكاح من قِبل أن عدة الشبهة في هذه الصورة تتقدم على عدة النكاح.
فلا جرم يطرد القفالُ قياسَه.
8104 - ثم حكى القفال عن نص الشافعي مسألة توافق القانون، وهي: أن الشافعي قال: إذا أسلم أحد الزوجين، وارتدّ، فالأمر على ما ذكرناه.
وقال القفال: الردة تمنع [النكاح] 3 كما تمنعه العدة والإحرام، فإذا انقطع دوام النكاح بطريان الردة بعد الإسلام؛ فليكن الإحرام والعدة عن وطء الشبهة بهذه المثابة.
هذا تمام الحكاية عن القفال.
وكان شيخي يحكي عن القفال ما ذكرناه أيضاًً، وإنما رابني ترك الصيدلاني هذه
الحكاية، ونقلُه عن القفال نقيضَها، مع شدة [اعتنائه] 1 [بنقل] 2 خواص القفال.
ولا شك أن القياس يخالف ما نقله الناقلون عن القفال، لما تقدم ذكره من أن طارىء الإحرام وعدة الشبهة لا ينافي دوام النكاح، [وليسا] 3 مقترنين بالعقد الذي جرى في الشرك.
والذي أوردناه من طريان اليسار في نكاح الأمة مشكل جداً، واردٌ [على] 4 الفقه الذي اعتمدناه؛ من أن الإحرام وعدة الشبهة طرآ بعد انقضاء النكاح.
وهذا يوضحه أن اليسار الطارىء لا يقطع عندنا نكاح الحر المسلم على الأمة إذا كان جرى النكاح في حالة الإعسار والعجز عن طَوْل الحرة.
وسنذكر ما يمكن في الفرق بين طريان اليسار وبين طريان الإحرام وعدة الشبهة في أثناء الفصل، إن شاء الله عز وجل.
وأما ما تمسك به من الردة، ففيها إشكال -والحق أحق ما قيل- فإن الردة الطارئة على نكاح مدخول بها لا يتضمن تنجيز القطع، بل مقتضاها انتظار الإصرار عليها إلى انقضاء العدة، هذا هو القياس ولكن لاطريق إلا اتباع ما نقله هذه الإمام عن النص.
ويمكن أن نفرق بين العدة والردة والإحرام [فنقول] 5: الردة على الجملة من قواطع النكاح، وإنما التفصيل في وقت قطعها، كما سيأتي، إن شاء الله عز وجل.
والإحرام الطارىء لا يتصور أن يقطع دوام نكاح.
ومن الدليل على تحقيق الفرق: أن الرجعية لو ارتدت، فارتجعها، لم تصح الرجعة 6، وإن عادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة.
ولو أحرمت الرجعية، فارتجعها زوجها، صحت الرجعة مع الإحرام، كما سيأتي ذلك في باب الرجعة 1، إن شاء الله عز وجل.
هذا منتهى القول في هذه الحكايات.
والذي ارتبكنا فيه غمرة إشكال نكاح المشركات، ولكنا بعون الله تعالى لا نغادر جهداً في كل ما يمكن من مواقع هذا الإشكال.
والله الموفق للصواب.
8105 - ومما نلحقه بهذا المنتهى: أن الرجل إذا أسلم والمرأة في بقية من العدة التي كانت مقترنة بالنكاح المعقود في الشرك -وقد تمهد أن ذلك مفسد للنكاح- وإنما غرضنا الآن الأخذ في نوع آخر من الإشكال: وهو أن الصيدلاني قطع جوابه بأن الرجل إذا أسلم وقد بقيت بقية من العدة المقترنة، فإنا نحكم بالفساد، وإن انقضت تلك البقية، ثم أسلمت، ولم يبق من العدة شيء وقت اجتماعهما في الإسلام.
وكذلك القول في بقية مدة الخيار.
والغرض من ذلك أنا لا نعتبر 2 في بقاء العدة ومدة الخيار ليفسد النكاح حالة الاجتماع في الإسلام.
وقد صرح بذلك الصيدلاني.
وقال: إذا أسلم والمفسد قائم، كفى ذلك في إفساد النكاح، وإن كانت متخلفة، وكذلك لو أسلمت وهو متخلف، والعدة باقية ومدة الخيار، فالنكاح يفسد إذا اتصل بالإسلام منهما أو من أحدهما بقية المفسد.
8106 - ولم يختلف من يبالَى به في أن الحر إذا نكح في الشرك [أمةً] 3 ثم أسلم وهو موسر، والأمة [متخلفة] 4 ثم زال اليسار، وأسلمت، وكان على شرط نكاح الإماء حال الاجتماع في الإسلام؛ أنه يمسكها.
والنظر في هذا إلى حالة الاجتماع، لا يعتبر ما قبله ولا ما بعده.
وهذا القياس يقتضي أن نقول: إذا اتصل المفسد بإسلام أحد الزوجين، ثم زال،
فأسلم الآخر ولا مفسد حالة الاجتماع في الإسلام؛ فلا ينقطع النكاح.
هذا موجب القياس الذي ذكرناه في اعتبار شرائط نكاح الإماء، ولم يصر إلى التسوية بين البابين معتبر من أئمة المذهب.
وكان ذلك إشكالاً عظيماً.
وإن ظن أنه يتأتّى الانفصال من هذا الإشكال بأن يقال: اليسار طارىءٌ على نكاح الأمة، وطريانه لا يوجب قطع النكاح، والعدة مقترنة بالعقد، وقد لحقها الإسلام، فهذا لا يحل الإشكال من أوجه: منها - أن ذلك لو كان صحيحاً، لوجب ألا يؤثر اليسار الطارىء حالة الاجتماع في الإسلام، فإنا إذا لم نجعل الإحرام مؤثّراً في النكاح، طردنا ذلك حالة الاجتماع في الإسلام أيضاً، وقضينا بأنه لا يؤثر، وكذلك الكلام في عدة الشبهة، إذا لم نجعلها مؤثّرة.
هذا وجه.
والوجه الثاني - أنا لو قدرنا اقتران اليسار بالعقد الذي جرى في الشرك، للزم أن نقول: إذا دام اليسار حتى أسلم أحد الزوجين؛ فسد النكاح، من جهة الاقتران الذي صورناه، وكما نشترط في الإسلام خلو المنكوحة عن العدة حالة النكاح، فكذلك نشترط في نكاح الحر الأمةَ العجزَ عن طَوْل الحرة حالة العقد، فلا فرق.
وقد بطل التعويل على الاقتران والطريان.
والوجه الثالث - في الإشكال: أن الشافعي وأصحابه اتفقوا على أن الحر إذا نكح في الشرك حرة وأمة، ثم أسلم وأسلمت الحرة، وتخلفت الأمة، وماتت الحرة بعد ما أسلمت، ثم أسلمت الأمة ولا حرة، ولا قدرة على طَوْل الحرة؛ فلا سبيل إلى إمساك الأمة؛ فقد جعل الأصحاب الحرةَ دافعة لنكاح الأمة المتخلفة.
فهلا قالوا: إذا نكح أمة ثم أسلم، وتخلفت الأمة، فكان الزوج موسراً لما أسلم، فنجعل يساره دافعاً لنكاح الأمة كما [دفعته] 1 الحرة!
8107 - فهذه وجوه من الاعتراضات لا يستقل بأدناها الغواصون، ونحن نبتغي أن نجمعها، ثم نستعين بالله عز وجل في محاولة الانفصال عنها، وطردها على أبلغ وجه مع استفراغ الوسع والإمكان.
فنقول -والله المستعان-: ما ارتكبه القفال -إن صح النقل عنه- في طريان الإحرام وعدة الشبهة، لا سبيل إلى ارتكابه، فيخرج هذا من أثناء الكلام، وليردِّد الإنسان نظره إلى نكاح الأمة وما يفرض فيه من يسار طارىء أو مقارن، فنقول أولاً: لا ينبغي أن يظن الفقيه أنا نفرق به بين اليسار المقترن بنكاح الأمة وبين اليسار الطارىء بعده، مصيراً إلى أن المقترن مُخِلٌّ 1 بالعقد قادح في الشرط المرعي فيه، بخلاف الطارىء؛ فإن هذا تفصيل لم يصر إليهِ أحد من الأصحاب، ولم يتعرض له النص، فلا فرق عندنا إذاً، (2 وانحسم هذا المطمع.
ونحن نقول بعده: قد ثبت اشتراط العجز عن الطول في حق الحر المسلم، ولم يثبت عندنا 2) اشتراط في نكاح الكافر الأمة، والذي يوضح الحق في ذلك: أن العبد ينكح الأمة عند الشافعي وإن لم يكن خائفاً على نفسه من العنت؛ من جهة أنه غير مؤاخذ بالنظر لولده [وتبعيده] 3 عن الإرقاق؛ فإذا كان كذلك، فلا يتجه مؤاخذة الكافر بتبعيد ولده عن الرق، وهو وزوجته وذراريه عرضة لاسترقاق السابين.
والذي يعضد هذا أنا أثبتنا العجز عن الطَّوْل وخوف العنت بالنص، ولم نحكم بهما قياساً، وإذا كان كذلك؛ والنص مختص بالمؤمنين، فإنه عز من قائل قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: 25] وكان هذا خطاباً للمؤمنين.
فإن أنكر [منكر] 4 ذلك، وزعم أن الكفار يندرجون تحت قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ إذا قضينا بأنهم مخاطبون بخطاب الشرع، قلنا له: لا سبيل إلى تقدير ذلك وتخيّله مع قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ ولا يتصور نكاح المؤمنات إلا من مؤمن.
فيخرج مما ذكرناه أن اشتراط الإعسار غير ثابت في نكاح الكفار للإماء؛ فلا أثر للاقتران بالعقد، ومقترن اليسار بالعقد كطارئه عليه.2
وإن ألزم ملزم على هذا المنتهى نكاح الحرة؛ فإن الحرة تدرأ الأمة قبل الاجتماع في الإسلام مع الأمة، كما تقدم تصويره.
ومذهب الشافعي أن الحرة والقدرة على طَوْلها يجريان مجرىً واحداً في نكاح الأمة نفياً وإثباتاً، وشرطاً وإسقاطاً؛ فإنا لما حكمنا بصحة نكاح العبد للأمة من غير اشتراط خوف العنت، قلنا مع ذلك: له أن يُدخل [أمة] 1 على حرة، وله 2 الجمع بينهما في عقدة، فلئن كان الكافر بمثابة العبد في نكاح الأمة، فليكن بمثابته إذا كان تحته حرة، وقد فرض منه 3 نكاح الأمة.
وهذا هو المنتهى في هذا المساق.
8108 - ونحن نقول فيه بعون الله تعالى: الحرة لا تنزّل منزلة اليسار، بل الأمر فيها وفي اشتراط عدمها أعظم وأطم، والدليل عليه أن من كان في حِبالتهِ حرة غائبة، أو رتقاء لا تؤتى ولا توطأ؛ فليس له أن ينكح أمة ما لم يطلّقها، ولو وجد الرجل من المال ما ينكح به حرة غائبة، ولكنه لا يتوصل إليها إلا بعد زمان متطاول؛ فلا نجعل القدرة على نكاح غائبة بمثابة كون الغائبة في الحِبالة.
وكذلك لو وجد الرجل طَوْل حُرة رتقاء، ولم يجد طَول حرة سليمة؛ فله أن ينكح أمة، بخلاف ما لو كانت الحرة الرتقاء في زوجيته وحبالته، فاستبان أن 4 الحرة تدرأ إدخال نكاح الأمة عليها، من غير نظر إلى معنى العفاف والكفاف، والمال في [غيبته] 5 لا يمنع نكاح الأمة.
8109 - ولن 6 يحصل شفاء الغليل فيما [نحن له] (7) إلا بأمر نصرّح به تلقياً من7
كلام الأئمة، فنقول: بان لنا من مساق النصوص، وكلام الأصحاب أن العجز عن الطول ليس مرعياً في أول نكاح الكافر الأمةَ، لما قدمناه، ثم تمهد لنا اعتباره عند إمكان الإمساك في الإسلام، فكأن الشرط المشروط في نكاح الحر المسلم الأمةَ مستأخَر في نكاح الكافر إلى وقت الاجتماع في الإسلام، وليس ذلك أمراً بدعاً، ونحن قد نلقى من معاصات 1 الفقه في محالّ الاستغراق ما هو أغمض من هذا.
ثم نرى اشتراط الحرة أعلى، ونجعلها مؤثرة قبل الاجتماع في الإسلام في دفع نكاح الإماء [المتخلفات] 2، لما أشرنا إليه من أن الحرة تدفع إدخال الأمة عليها بعينها، [فغاية] 3 هذا الفصل فَرْقُنا بين الحر المسلم في نكاح الأمة، وبين الكافر في نكاح الأمة -فيما يتعلق باليسار- في أنا نعتبر في نكاح المسلم حالة العقد العجزَ 4، ولا نعتبر ذلك في نكاح المشرك، بل 5 نعتبره حالة الاجتماع في الإسلام.
وهذا متضح على حسب ما يليق بهذا الباب.
ثم وراء ذلك الفرقُ الذي ذكرناه بين اليسار وبين الحرة.
8110 - ومن لطيف المذهب ما نذكره الآن -وهو مقصود في نفسه- وبه يعتضد ما ذكرناه: أن الأصحاب أجرَوْا في أثناء المسائل اختلافاً في أن الاختيار في النكاح الذي مضى في الشرك إذا اتصل بالإسلام يجري مجرى ابتداء النكاح، أو يجري مجزى الاستدامة؟ وربما أطلقوا قولين -وليسا منصوصين عندهم، وإنما هما مستنبطان من قضايا الأحكام- أحدهما - إنه بمثابة الاستدامة، وهو قول أبي ثور، ودليل هذا القول أنه مقرر على النكاح الذي مضى في الشرك، ولا حاجة إلى إفساخ عقد، وليس بين الاستدامة والإفساخ مرتبة.
فإذا لم يكن ابتداءٌ، تعيّن الحكم بالاستدامة.
والشرائط المرعية في ابتداء النكاح ليست معتبرة في الاختيار.
والقول الثاني - إن الاختيار بمثابة ابتداء النكاح، ودليله أنا نراعي في اختياره الأَمة أن يكون عادماً لطَوْل الحرة، خائفاً على نفسه من العنت، وإنما يراعى هذان الشرطان في ابتداء العقد، وهذا القائل لا يزعم أن الاختيار ابتداء على الحقيقة؛ إذ لا يصير إلى هذا محصّل مع القطع بأن ابتداء النكاح ليس مشروطاً، وأن المرة [ممسَكَةٌ] 1 بنكاح الشرك، ولكنه يقول: الاختيار كابتداء النكاح وحالّ محله، ودليله ما ذكرناه في نكاح الإماء.
فإذا تبين هذا من كلام الأصحاب، فالتحقيق عندنا أن هذا التردد إنما ينشأ من مسألة الأمر 2، ومن اشتراط العجز عن الطَّوْل وخوف العنت عند الاجتماع في الإسلام.
ولولا هذه المسألة، لما خطر للفقيه أن الاختيار مشبه بالابتداء.
ومن أحاط بما قدمناه، تبين له أن هذا الاختلاف لا حاجة إليه، ولكن الوجه القطعُ بموجب الاستدامة، والمصيرُ إلى أنا لا نرعى في نكاح المشرك الأمةَ العجزَ وخوفَ العنت، كما قررناه، ولكن لا نرفع اعتباره من البين.
ويزدحم على هذا المقام المعنى الذي حمل المُزنيَّ على المصير إلى أن اليسار الطارىء يقطع نكاح الأمة.
فكأن الأصحاب وإن لم يرَوْا ذلك مذهباً في النكاح الذي جرى على الصحة مستجمعاً لشرطَي العجز وخوف العنت، لم يُبعدوا اعتبار مذهبه في الجريان في نكاح المشرك الأمةَ إذا اتصل بالإسلام، وانضم إليه تأخير شرط لم نعتبره في النكاح إلى حالة الاختيار، فأي حاجة إلى ترديد القول؟ وإنما شذت هذه المسألة، لا من جهة أن الاختيار ابتداء، أو نازل منزلة الابتداء؛ فلا وجه إلا القطع بأن الممسك مستديم؛ لأنه كذلك حقاً، ثم ينظر الناظر في مسألة الأَمة بطريق النظر فيها.
وإذا كان الذي يدّعي التشبيه بالابتداء لا يستمسك إلا بمسألة الأمة -وهي مسلّمة، وعليها كلام لا بأس به على ما يضيق بالمضايق- فالوجه ذِكر هذه المسألة وبيان شذوذها وذكر التفصِّي 3 عنها.
وإن تكلف متكلف وفرض طريان الحرة على الأمة، وطلب أن يلحق طريانها بطريان عدة الشبهة؛ كان جوابه أن الشرع أبطل اعتبار تواريخ عقود الشرك، وكفانا مؤونة النظر فيه، ودلت عليه الأخبار الناصّة، فجعلنا المتقدم والمتأخر بمثابة العقد الواحد الشامل، كما تمهّد.
8111 - ونحن ننظم الآن تراجم لما تقدم، حتى تكون ضابطة لها، ونقول: المفسد المقترن بعقد الشرك إذا انقطع قبل الإسلام، فلا مبالاة به.
وإن دام إلى إسلام أحد الزوجين، حكمنا بفساد النكاح.
وما يطرأ بعد النكاح -كعدة الشبهة- لا مبالاة بها، وإذا دامت إلى الإسلام -كما نقله صاحب التقريب- ففيه الكلام البعيد الذي حكاه بعض الأصحاب عن القفال.
وما يطرأ بعد الإسلام كالإحرام لا مبالاة به، ولا أثر له في منع الإمساك والاستدامة إلا على المسلك البعيد المحكيّ عن القفال.
وفي طريان الردة بعد الإسلام نص وتردد - كما قدمناه.
وأما اعتبار العجز والخوف في نكاح الأمة، فليس من قبيل الشرائط التي تدوم من النكاح إلى الإسلام، وقد أوضحنا أن لا نشترط في نكاح المشرك الأمة عجزاً ولا خوفاً، وإنما اعتبرناهما في الدوام لا على قياس الشرائط، بل هو أصل مستفتح كما مهدناه.
والحرة مع الإماء في نكاح الإماء تنزّل منزلة العدة المقترنة إذا دامت إلى الإسلام؛ فإنها تدرأ بنفسها نكاح الأمة.
وقد طرّقنا إلى كل [طريق] 1 أسئلة، وأتينا بالممكن في الجواب [عنها] 2.
وإنما اضطربت هذه الفصول بعض الاضطراب؛ لأن الأخبار - التي هي أم الباب، حسمت مسالك القياس في قواعد نبّهنا عليها، ولسنا نترك جميع القياس؛ وإذا
تركّبت المسائل من مراعاة الأقيسة والأصول المستثناة عنها، كانت كذلك، ونهاية الفقه الإحاطة بالشيء على ما هو عليه، فمن طلب من هذه المسائل ما يطلب من المسائل القياسية، فليس يبغي العلم بمسائل المشركات؛ فإنه يطلب منها ما يخالف وضعها.
وقد تم الغرض من هذا الأصل.
8112 - الأصل الثالث: في بيان ما يراه الكفار نكاحاً، وما لا يرونه نكاحاً.
قال علماؤنا: [إنا] 1 نقرهم إذا أسلموا على ما كان نكاحاً فيهم، فأما إذا كان يختص بعضهم بامرأة مسافحاً زانياً من غير عقد، فإذا أسلم، فلا حكم لما كان في الشرك.
وإن جرى في الشرك ما يعد فيهم نكاحاً، فقد يُقَرر عليه - على ما مهدنا الأصول فيه.
وستأتي تفاصيلها في مسائل الباب، إن شاء الله عز وجل.
ثم إن كانت تلك العقود فاسدة في حكم شرعنا، فقد فصّلنا القول في المفسد ودوامه وانقطاعه.
8113 - ثم قال الأئمة: لو أجبر الكافر ابنته على النكاح، حيث لا يجوز الإجبار في الإسلام، ثم إنهم كانوا يجوّزون ذلك فيما بينهم؛ فإذا فرض إسلام الزوج معها، فالنكاح لازم، ولا خيار لها، ولا نظر إلى مخالفة إجبارهم لموجب شرعنا، كما لا نظر 2 إلى اعتبار شرائط الإسلام في الوجوه التي ذكرناها.
ولو غصب كافر امرأة لتكون مفترشة له، لا ليسترقها، فقد حُكي عن القفال فيما حكاه الصيدلاني: لا نقر هذا المغتصب 3 إذا اتصل النكاح [بالإسلام] 4، وإن كانوا يرون ذلك نكاحاً؛ إذ لا بد من جريان صورة عقد، ثم النظر في تفصيله على ما تقدم.
وقال الأصحاب بأجمعهم: إذا كانوا يرون ذلك نكاحاً، فهو نكاح.
قال
الصيدلاني: القياس يخالف ما ذكره القفال.
ولم أر هذه الحكايةَ عن القفال إلا من جهته؛ فإن أصحاب القفال أجمعوا على أنهم إذا رأوا ذلك نكاحاً، فهو نكاح، واعتلّوا بأنهم إن 1 أقاموا الفعل مقام القول في عقدهم، فقد تركوا اللفظ، وهو شرط عندنا بمثابة تركهم سائر الشروط.
ومما ذكره الأئمة أن الكافر إذا نكح نكاح متعة - وهو النكاح [المتأقت] 2 ثم اتصل النكاح بالإسلام؛ فلا تقرير على ذلك؛ فإن المدة المضروبة إن كانت قد انقضت قبل الإسلام، فإنهم لم يعقدوا النكاح وراء المدة، وإن كانت المدة باقية، فالتقرير على النكاح المؤقت محال، إلا أن يروا في دينهم أن مؤقّت النكاح مؤبّد، كما نرى مؤقّت الطلاق مؤبّداً؛ فحينئذ يقر على النكاح، وإن كان الإسلام بعد انقضاء المدة.
8114 - ولو جرى نكاح في الشرك وكانوا يرونه نكاحاً، ولكنهم اعتقدوه فاسداً فيهم؛ فهذا مما كان يتردد فيه شيخي -وهو لطيف- سمعته يقول: لا يُقَر عليه؛ فإنهم لم يروه صحيحاً؛ والفاسد ليس بعقد، وسمعته يذكر في مجالس الإفادة والإلقاء أن [ما رأوه] 3 فيهم بمثابة نكاح الشبهة فينا، فإذا أسلموا عليه أقررناهم، وإنما لم نقرّهم إذا لم يجدوا ما يكون من قبيل النكاح عندهم.
والذي أراه أنهم لا يُقرّون [على] 4 ما اعترفوا بفساده فيهم، إذا كان فاسداً في ديننا أيضاًً، وأما ما اعترفوا بفساده، وهو صحيح في ديننا؛ فيتجه تقريرهم إذا أسلموا.
فإن أصل النكاح جرى، ثم انتهى [إلى] 5 الإسلام، وهو يتضمن تصحيحه.
وهذا يتطرق إليه احتمال ظاهر؛ من جهة أنا لم نفرق في العقود المشتملة على الأعداد الزائدة على مبالغ الحصر الشرعي بين العقد السابق وبين العقد المتأخر، وإن
كنا في الدين نصحح المتقدم ونبطل المتأخر، فكان التعويل في نكاحهم على اعتقادهم.
8115 - ثم قال الشافعي في هذا الأصل: لو نكح المشرك امرأة بغير صداق، فأسلم، فلا صداق لها.
وصورة المسألة: أنهم يعتقدون أن الصداق لا يثبت إذا لم يذكر، ويرون سقوط اعتباره وإن أفضى النكاح إلى الوطء.
ثم نقول على موجب ذلك: إذا أسلما، فمسّها في الإسلام، لم يلتزم مهراً، بناء على اعتقادهم في التفويض وتعرية النكاح [عن] 1 الصداق.
وإن كانوا يعتقدون مثل اعتقادنا في أن النكاح وإن عري عن التسمية؛ فالمهر يثبت الوطء، [فيثبت] 2 موجب عقدهم.
ولعلنا نعود إلى ذلك في باب مُفرد معقود في نكاح أهل الذمة.
وإذا انتهى [الناظر] 3 إلى هذا المنتهى، فليتأمل انعكاس الأمر؛ فإنا في القواعد نستتبعهم ونكلّفهم أن يتبعونا، وقد صرنا نتبعهم في عقدهم، كما نبهنا عليه.
وتمام البيان في ذلك في الباب الذي ذكرناه.
8116 - وقد نجزت الأصول الموعودة المقدمة على نكاح أم وابنتها، ولا اختصاص لهذه الأصول بهذه المسألة، ولكني رأيت تقديمها على مسائل الباب؛ فإن منشأ الغموض منها، ومن أحكم ما قدمناه، هانت عليه المسائل بعدها.
8117 - فنعود إلى مسألة الكتاب، ونقول: إذا نكح الكافر أماً وابنتها، إما في عقد واحد وإما في عقدين؛ فلا فرق، لما قدمناه من سقوط اعتبار تواريخ عقود الشرك، فإذا أسلم وأسلمتا، فلا يخلو، إما أن يكون دخل [بهما] 4، أو لم يدخل بهما، أو دخل بإحداهما.
فإن دخل بهما؛ فهما محرّمتان عليه على الأبد؛ إذ وطْءُ كل واحدة على الشبهة يحرّم الأخرى، وقد بيّنّا أن التقرير على نكاح المحارم محال.
ولو لم يدخل بهما، فقد نقل المزني عن الشافعي أنه قال: قلنا: اختر من شئت منهما، فإن اختار الأم، اندفعت البنت، وإن اختار البنت، اندفعت الأم، فهذا هو الذي نقله المزني من جواب الشافعي في صدر المسألة.
ثم قال: وقال في موضع آخر: يمسك البنت ويفارق الأم، فيتعين للبنت الإمساك وللأم التحريم، واختار المزني هذا القولَ الأخير، واعتلّ بأن النكاح على الأم لا يحرم البنت إذا لم يجر دخول، والنكاح على البنت يحرم الأم، فقد صارت الأم بنكاح البنت محرمة، فتعينت للتحريم، وتعينت البنت للإمساك.
وهذا الذي ذكره المزني على نهاية الوضوح.
واضطرب أصحابنا بعد هذا النقل والاختيار: فذهب الجماهير إلى بناء القولين على أن لنكاح الشرك حكماً أم لا؟ فإن قلنا: له حكم، لم يمسك إلا البنت، لما تقدم من أن العقد على البنت يحرم الأم.
وإن قلنا: لا حكم لنكاح الشرك، فيتخير فيهما.
هكذا نقل الصيدلاني وغيره ممن يوثق بنقله.
وهذا على هذه الصيغة فاسد؛ فإنه لم يصر محقق [إلى] 1 قوله، فلا تعويل [على] 2 أن نكاح الشرك لا حكم له، وكيف يستجيز المستجيز هذا مع التقرير عليه، والمصير إلى إيجاب الإمساك، إلا أن يُطلِّق، والكلام في التضعيف والتزييف بعد الانتظام.
ومن قال: يُقَر على نكاح الشرك، ثم قال: لا حكم له، كان كلامه متناقضاً، فلا وجه لتنزيل القولين إلا ما مهدناه في الأصل الأول من أن 3 الكافر إذا نكح أختين، فنحكم بصحة النكاحين، أو نُعرض: فلا نحكم بصحة ولا فساد قبل الاتصال بالإسلام؟
فإن حكمنا بانعقاد النكاحين، فنقول بحسبه: ينعقد النكاح على الأم والبنت 1، ثم يدرأ الإسلام نكاحَ الأم ويحرّمها بنكاح البنت.
وإن أعرضنا عن عقودهم، فحقيقة هذا القول أنا عند الاتصال بالإسلام نتبين تصحيح ما يقع الاختيار عليه، مستنداً إلى حالة النكاح في الشرك؛ فعلى هذا لا نثُبت القول بصحة النكاح على البنت، كما لا نقطع به في نكاح الأم.
فإذا أسلموا خيّرناه.
فإن اختار الأم 2، اندفعت البنت، وليست محرَماً، ولكنها تندفع اندفاع الأخت.
فإن اختار البنت، تبيّنّا صحة النكاح فيها، واندفع نكاح الأم بالمحرمية.
وهذا القول هو المذهب الذي أجاب به ابن الحداد، حيث قال: إذا نكح المشرك أختين، وطلّق كل واحدة منهما ثلاثاً، ثم أسلم وأسلمتا، وقد مضى جوابه، وبان خروجه على الأصل الذي ذكرناه، وفائدة تقديم الأصول الإحالة عليها.
8118 - ثم قال ابن الحداد في مسألة الأم والبنت: إن فرّعنا على قول التخيير، فإذا اختار إحداهما، التزم نصفَ مهر التي فارقها؛ فإنّ تعيّنها للفراق محال على اختياره؛ وكان تسبّبه إلى الفراق بمثابة الطلاق قبل المسيس.
قال القفال: هذا الذي قاله غلط، والأمر بالضد؛ لأنا إذا قلنا: يتخير، فإنما ذلك لأن نكاح الشرك لا حكم له؛ فكيف يجب الصداق 3؟ وإن قلنا: البنت تتعين للإمساك، فيجب نصف مهر الأم، لأن هذا تفريع على أن نكاح الشرك يصح.
فقد صح النكاح على الأم، ثم اندفع.
وهذا الذي ذكره القفال من الاعتراض في [صيغته] 4 خلل؛ لأنه زعم أن التخيير مبني على أن نكاح الشرك لا حكم له، وهذا كلام فاسد لما ذكرناه.
نعم، يتوجه الاعتراض على ابن الحداد على صيغةٍ أخرى - قدمناها في تمهيد الأصل الأول، وعددناها من الإشكالات على ابن الحداد.
وأما ما ذكره القفال من أنا إذا عيّنّا البنت للنكاح، فيثبت نصف المهر للأم، ففي نفسي من هذا شيء، وهو أن النكاح إذا صح على البنت، فقد صارت الأم محرماً 1. ونحن وإن صححنا أنكحتهم، فليس ينقدح تصحيح النكاح على محرم.
ويبعد عندي كل البعد أن نقول: الكافر إذا نكح أُمَّه، ثم أسلما وما كان مسها؛ أنه يجب عليه نصف مهرها، وإنما ينقدح تصحيح النكاحين على الأختين؛ فإن كل واحدة منهما قابلة للنكاح، والجمع بينهما في حكم الشرط الفاسد المفسد في الإسلام، فإن أوجبنا مهر التي يفارقها من الأختين، فهو متجه [تخريجاً] 2 على تصحيح أنكحتهم، فأما إيجاب نصف مهر المحرّمة من غير مسيس فبعيد.
8119 - والذي ينتظم لنا من مجموع ذلك في المهر: أن من نكح أختين، ثم اختار إحداهما في الإسلام، ولا مسيس؛ ففي وجوب نصف 3 المهر للمفارَقة قولان مأخوذان من تصحيح الأنكحة والإعراض عنها وردّ الأمر إلى [التبيّن] 4 آخراً.
فإن حكمنا بالصحة، أوجبنا نصف المهر للمفارَقة.
وإن أعرضنا ثم تبيّنّا، فالمفارَقة ما كان انعقد عليها نكاح، فلا مهر لها.
وهذا يطّرد في الزيادة على الأربع.
فأما إذا نكح محرَماً؛ فالذي ذكره القفال أن وجوب نصف المهر لها قبل المسيس، وقد اتصل النكاح بالإسلام، فيخرّج على قولي الصحة والفساد.
والذي أراه: القطع بأنه لا شيء لها من المهر، ولا نقول: انعقد عليها نكاح في الشرك، ثم انفسخ بالإسلام.
وذكر الصيدلاني وشيخي طريقة أخرى في [المسألة] 5، فقالوا: البناء على أن نكاح الشرك لا حكم له فاسد، فالوجه أن نأخذ اختلاف القولين من أصل آخر، وهو ما قدمنا ذكره من أن الاختيار ينزّل منزلة ابتداء النكاح أم هو على حقيقة الإمساك؟ وقد قدّمنا تردد الأصحاب في هذا.
وإنما الذي نحتاج إلى ذكره تلقّي القولين من هذا
الأصل، فنقول: إن اختار البنت، صح بكل حال قدَّرناه: مبتدئاً أو مستديماً، والعقد في الأم باطل.
وإن اختار الأم، فإن قلنا: ذلك استدامةٌ، صح.
ونقدّر كأنه نكح الأم، ثم أدخل على نكاحها نكاح البنت، فليقع التمسكُ بدوام النكاح في الأم.
وإن قلنا: الاختيار كالابتداء، فلا سبيل إلى اختيار الأم؛ وكأنه يبتدىء النكاح عليها، وقد عقد على ابنتها أولاً؛ [فإن] 1 نكاح البنت صحيح من غير اختيار، واختيار الأم بمثابة نكاح عليها بعد تقدم النكاح على بنتها.
وهذا كلام خسيس؛ فإنا أوضحنا في الأصول أن ترديد القول والرأي في أن هذا ابتداءٌ أو 2 إمساكُ، لا حاصل له.
ثم ليس ينتظم بناء هذه المسألة على ذلك إن صح ترديد القول فيه؛ فإن النكاح إذا صحّ على البنت، فأي أثر لاعتقاد الإمساك في الأم؟ وصحةُ النكاح على البنت يثبت المحرمية، وسقوط هذا الكلام منتهٍ إلى خروجه عن العقل ودرك الفهم.
ومن ظن أن هذه المسألة تؤخذ من غير صحة النكاح، أو الإعراض عنه، فليس مطّلعاً على المسألة.
ثم تبرم الصيدلاني بالطريقين، وقال: الوجه - القطع بتعيّن البنت للنكاح، وتعين الأم للمحرمية، كما اختار المزني، ونجعل القول الآخر 3 حكايةَ مذهب الغير، كأنه حكى مذهباً، ثم اختار مذهباً غيره، ولا يلزمه أن نجعل قولَه: "قد قيل كذا" مذهباً له.
هذا لفظه في كتابه.
ولست أدري على ما يُحمل هذا؟ وليس في [السواد] 4: قد قيل، وهو صدّر هذا الفصل بلفظ (المختصر) ولفظه: "إذا نكح أماً وابنتها وأسلموا، قلنا له: اختر
أيتهما شئت" 1. ثم لم ينقل المزني في هذا الموضع إلا هذا.
فلما استكمله نقل بعده نصاً آخر، فكيف يتجه هذا الذي ذكره؟
ثم إنما تبرم بما ذكره الأئمة؛ من جهة أنه اعتقد أن في الأصحاب من يقول: لا حكم لنكاح الشرك، وهذا غير 2 سديد، والأمر على ما قدره.
ولكن هذا القول ليس على هذا الوجه، وإنما هو على الإعراض والتبيّن، كما مضى.
وقد نجز هذا الغرض على وجه لا يبقى بعده غائلة على ناظر.
وكل ما ذكرناه فيه إذا وطئهما، أو لم يمسهما جميعاً.
8120 - فأما إذا كان دخل بإحداهما، فإن وطىء الأم، ثم اختار البنت، لم يجز.
وإن اختار الأم، جاز على أحد القولين، وهو إذا لم نجعل العقد على البنت محرِّماً، وإن جعلنا العقد على البنت محرّماً للأم؛ فقد حرمتا جميعاً: حرمت الأم بالعقد على البنت، وحرمت البنت بوطء الأم.
وإن كان وطىء الابنة، فلا يجوز اختيار الأم على القولين؛ فإن العقد إن حرم الأم، فذاك، وإلا فالوطء حرمها.
وإن أراد اختيار البنت، فهي معيّنة له، ولا حاجة إلى اختيار؛ فإن الأم - إذا تعينت البنت للنكاح، فلفظ الاختيار فيها مجاز.
فصل
قال: "وإذا أسلم وعنده أربع زوجات إماء ... إلى آخره" 3.
8121 - الحر إذا نكح إماءً في الشرك، ثم أسلم وأسلمن؛ فأصل الفصل أنا نعتبر حالة 4 الاجتماع معهن في الإسلام، فإن كان على شرط نكاح الإماء، بأن كان عادماً
لطَوْل الحرة خائفاً على نفسه من العنت، فله أن يختار واحدة منهن، والعبرة بحالة الاجتماع لا غير، حتى لو أسلم الزوج أولاً، وكان على شرط نكاح الإماء، ثم أسلمت وقد أيسر؛ فلا يختار الأمة؛ لأنه حالةَ الاجتماع ليس على شرط نكاح الإماء 1 بأن كان موسراً حالة الاجتماع.
ثم إنه [إن] 2 أعسر من بعد، فاجتماع شرائط جواز نكاح الإماء بعد الاجتماع في الإسلام لا يفيد 3 شيئاًً.
ولو كان على شرط نكاح الإماء حالة الاجتماع في الإسلام، ثم أيسر من بعدُ، لم يضر، وله إمساك الأمة.
فالتعويل إذاً في اعتبار الشرائط بحالة الاجتماع في الإسلام لا غير، والسبب فيه أنه لما عسر اتباع الشرائط حالة العقد، كان أولى الأوقات باعتبارها حالة إمكان الاختيار، وذلك حالة الاجتماع في الإسلام؛ فإن الأمة لو تخلفت، وأسلم الزوج، فاختيارها غير ممكن؛ فإن الأمة الكتابية لا تكون منكوحة المسلم.
وإن أسلمت الأمة، فاختيار الكافر المسلمة محال؛ فيتعين اعتبار أول حالة الاجتماع في الإسلام؛ فإنه أول الإمكان، ثم إذا لم تثبت الشرائط في هذه الحالة، اندفع نكاحها، فإذا اندفع، لم ينفع استجماع الشرائط من بعدُ.
وإذا كانت الشرائط مجتمعة، ثبت النكاح.
فطريان اليسار بعده بمثابة طريان اليسار على ناكح أمةٍ، وقد صح له نكاحها؛ فتبين أن المرعي حالةُ الاجتماع، والمعتبر أول حالة الاجتماع من الجليات التي يتعين ذكرها، فكم رأيت المنتمين إلى التحقيق يزلّون فيها في أثناء المسائل، [ويقولون] 4 - إن الاعتبار في الاجتماع في الإسلام بمدة العدة، حتى لو فُرض إصرار أحد الزوجين على الكفر حتى انقضت العدة، تبيّنا انبتات النكاح.
فلو قال قائل: إذا فرض الاجتماع في الإسلام في العدة، وشرائط نكاح الإماء غير مجتمعة، فارتقبوا اجتماعها في العدة.
قلنا: لا أثر لأمد العدّة إلا في الاجتماع في الإسلام فحسب، فهو المتعلق بالعدة، ثم ليس بعد ذلك إلا اندفاع النكاح شرعاً أو تقرره.
فإن كانت الأمة واحدة، تعينت، ولا معنى لذكر الاختيار فيها.
وإن أسلم وأسلمت معه إماء والشرائط مجتمعة، ثبت نكاح واحدة، وإنما إلى الزوج تعيينها، فلو لم يعيّنها حتى انقضت العِدة، لم يضر تأخير التعيين عن انقضاء العدة؛ فإنا 1 نحصر أثر اعتبار العدة في الاجتماع في الإسلام.
وإنما ذكرت هذا على وضوحه؛ فإن الفقيه قد يسبق فكره في [انغماره] 2 في طرق النظر أن الأمة إذا أسلمت مثلاً، ثم أسلم الزوج بعدها، وكان موسراً؛ فإن الإسلام 3 مع اليسار في عدم إفادة النكاح كالإصرار على الكفر، وهذه النادرة لا تعويل عليها.
فإذا تمهد ما ذكرناه، فليعتقد أنه الأصل والمذهب.
8122 - وحكى صاحب التقريب قاعدة المذهب -كما ذكرنا- ومهّدها أحسن تمهيد، ثم نقل عن أبي يحيى البلخي 4 أنه قال: يعتبر في الإعسار واليسار وخوف العنت حالة إسلام من تقدم بالإسلام من الزوجين، ولا يعتبر حالة اجتماعهما، حتى لو نكح أمةً واحدة مثلاً في الشرك، ثم أسلم وهي متخلفة، ولما أسلم كان معسراً خائفاً من العنت، ثم أسلمت وهو موسر - وذلك في العدة، قال: فله إمساكها 5
اعتباراً بحالة إسلامه، وكذلك لو أسلمت هي أولاً وهو معسر خائف 1 من العنت، ثم أسلم في العدة وهو موسر، فله إمساك الأمة، اعتباراً بالصفة التي كان الزوج عليها لما سبقت بالإسلام.
وهذا الذي ذكره سخف لا يساوي الذكر، ولا حاجة إلى ذكر وجه الرد عليه.
نعم، لو قال: إذا أسلم الزوج، وتخلفت الأمة وكان الزوج موسراً، فيندفع نكاح الأمة بيسار الزوج، لكان هذا متجهاً بعض الاتجاه؛ مصيراً إلى أن اليسار إذا اتصل بالإسلام، كان اتصاله بمثابة ما لو أسلم الزوج وأسلمت معه حرة وتخلفت أمة، فنكاح الأمة يندفع بإسلام الحرة مع الزوج، وإن لم يكن إسلامها معه في حالة اجتماع الزوج والأمة في الإسلام.
وقد تمهّد أن اليسار في حق الحر ينافي نكاح الأمة منافاة الحرة لنكاحها.
وكان يعتضد ذلك باتصال بقية العدة المقترنة بالنكاح بالإسلام، كما سبق إيضاحه وتمهيد الأصول.
هذا طرفٌ لو قال به واقتصر عليه، لوجد مستمسكاً.
فأما إذا ضم إلى ذلك أنه لو أسلم وهو معسر خائف من العنت، والأمة متخلفة، ثم أيسر، فأسلمت والزوج موسر، فله أن يمسكها اعتباراً بالإعسار المتقدم على الاجتماع في الاسلام، فلا يخفى اضطراب هذا المذهب.
8123 - ومما نذكره: أنه لو أسلم وتحته حرّة وأمة، فتنقسم المسألة أقساماً، ونحن نأتي على جميعها، إن شاء الله عز وجل.
فإن أسلمت الحرة وقد أسلم الزوج وتخلفت الأمة، تعيّنت الحرة واندفعت الأمة، وكذلك لو أسلمت الأمة مع الحرة، فيندفع نكاحها، وتثبت الحرة متعينة.
ولو أسلمت الحرة، وماتت، ثم أسلمت الأمة والزوج معسر خائف ولا حرة؛ فإن التي كانت ماتت قد تعينت قبل هذا، فليس له أن يمسك الأَمة.
وهذا مما مهدناه قبلُ.
والقول الوجيز فيه: أن الحرة إذا تعينت، انبتَّ نكاح الأمة؛ إذ لو كانت مسلمة،
لاندفعت، فتوقع إسلامها لا يزيد على حقيقة إسلامها، وإذا اندفع نكاحها، لم [يَعُد] 1 بموت الحرة، فلو أسلم وهو موسر والأمة متخلفة، لم يندفع نكاحها؛ فإن اليسار إنما يدفع نكاح الإماء ممكناً 2. فيقال: إذا أمكن التوصل إلى نكاح الحرّة؛ فلا يجوز التوصل إلى نكاح الأمة.
وإذا كانت متخلفة؛ فلا اعتبار بها، والمال في عينه لا يدفع نكاح الأمة، وقد تقدم في هذا ما فيه كفاية، وهذا مما يعد غمرة في الباب.
وقد انتجز الفراغ منه.
8124 - ولو أسلم الزوج وأسلمت الأمة معه، وتخلفت الحرة، لم نقطع بإمساك الأمة.
وكيف نقطع به ونحن نجوّز أن تكون تحته حرة، وذلك بأن تسلم المتخلفة.
فإن قيل: هذا ينقض اعتبار حالة الاجتماع! قلنا: حاش لله! هو طرد ذلك الأصل؛ فإن من شرط نكاح الأمة ألا يكون تحت الحر حرة، وهذا لا نتحققه ما لم تنقضِ عدة الحرة على إصرارها، فإن أصرت، تبيّنّا أن نكاح الأمة ثبت قبلُ، ولا نقول: نتبين ثبوتَه حالة الاجتماع، بل إذا اتفق الاجتماع، تبيّنّا النكاح أصلاً، وحكمنا أن النكاح لم يزل قائماً دائماً.
ولو تخلفت الحرة وأسلم الزوج والأمة، وماتت الحرة في العدة، تبينّا ثبوت نكاح الأمة 3؛ فإن الحرة لما ماتت، انتهت العدة بموتها، وأُيس من نكاحها، وكان انتهاء العدة بالموت بمثابة انقضائها وهي مصرة على الشرك.
ولو أسلمت الحرة وتخلف الزوج، فماتت الحرة، ثم أسلم الزوج، وأسلمت الأمة في العدة، أو كانت أسلمت من قبل، فيثبت نكاح الأمة؛ فإن إسلام الحرة مع تخلف الزوج لا يثبت نكاحها، وما 4 لم يثبت نكاحها، لم 5 يندفع نكاح الأمة.
وكل ذلك واضح لمن أحكم الأصول.
فصل
قال: "ولو أسلم بعضهن بعده فسواء، وينتظر إسلام البواقي ... إلى آخره" 1.
8125 - هذا الفصل يجوز أن يكون مفروضاً في نكاح الإماء؛ لأنه منعطف على الفصل المتقدم.
ولكن غرضه لا يختص بالإماء، ونحن نذكر المقصود في الحرائر، ثم نوضح جريانه في الإماء، إن شاء الله عز وجل.
فنقول: الحر إذا أسلم وتحته حرائر، فإن أسلمن في العدة، أو أسلمن معه، وكن أربعاً، ثبت نكاحُهن قطعاً، ولا حاجة إلى الاختيار؛ فإمساك العدد المتبوع واجب؛ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أمسك أربعاً" محمول على الإلزام، وطريق المعنى فيه متضح؛ فإن الشرع إذا سوّغ الإمساك، فمعناه أنه أبان دوام النكاح، فإذا كان نكح أربعاً، وأسلمن معه؛ فهن منكوحات.
وإن كان نكح عشراً، فأسلم وأسلمن، فيتعين عليه اختيار أربع منهن، وهذا واجب، والبدار إليه محتوم؛ فإن النسوة يبقين محصورات، والمنكوحات منهن بعضهن.
وسيأتي هذا الفصل، إن شاء الله تعالى بما فيه.
ولو كان نكح عشراً، فأسلم منهن أربع، وتخلفت الباقيات، لم 2 تتعين المسلمات للنكاح؛ فإنا نجوّز أن تسلم البواقي، ولا يلزم الزوج -والحالة هذه- أن يبتدر إلى تعيين المسلمات؛ فإنه ربما يبغي تعيين 3 من ستسلم من المتخلفات؛ فلو أسلمت أربع، فتوقف الزوج -كما بيناه- ثم أصرت البواقي حتى انقضت عِددهن، فالآن نتبين أن المسلمات قد تعيّنّ، ولا حاجة إلى الاختيار فيهن.
وكذلك لو أسلمت أربع، وتخلّفت البواقي، ثم مُتن على الشرك في العدة؛ تعيّنت المسلمات.
ولو أسلمت أربع وتخلفت البواقي، فقال: رددت نكاح المسلمات، وسأختار من المتخلفات إذا أسلمن؛ فنقول: لا ينفذ ردك؛ فإن المتخلفات ربما لا يسلمن؛ فلا نحكم بتنجيز الرد.
ولو أسلمت خمس، فله أن يرد نكاح واحدة منهن بعينها؛ إذ ليس في رد نكاحها ما يخرم العدد المعتبر؛ فإنه إذا رد 1 الخامسة، بقيت من المسلمات أربع، وفيهن مقنع.
ولو أسلمت أربع، فقال: فسخت نكاحهن؛ فقد ذكرنا أنا لا ننفذ الفسخ؛ فإنه ربما لا يسلم غيرهن، فإن أصررن، فالأمر على ما ذكرنا، والمسلمات متعيّنات، والفسخ فيهن لغو.
وإن أسلمت الباقيات -وهن أربع فصاعداً- فهل نقول الآن: الفسخ المتقدم في السابقات بالإسلام نتبين نفوذه الآن، ويلزمه أن يختار من البواقي اللاتي أسلمن أربعاً؟ فعلى وجهين؛ ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا نتبين نفوذه.
والثاني - أن المقدم مُلغى، فإن أراد فسخاً، فلينشئه الآن.
وهذا خارج على أصل الوقف، وفي وقف الفسخ من التردد ما في وقف العقد؛ فإن الفسخ لا يقبل التعليق بالصفة، كما أن العقد لا يقبله، وهو تلْو 2 العقد، [فكان] 3 في معناه.
وسيأتي لذلك نظائر في مسائل الباب، إن شاء الله عز وجل.
ولو أسلم من النسوة واحدة، لم يفسخ نكاحها، كما لم يفسخ نكاح الأربع.
ولو أسلمت أربع، ثم مُتن، ثم أسلمت البواقي، وقال: اخترت نكاح الميتات؛ فله ذلك؛ فإن الاختيار بيان، والمختار أن يبين أنهن لم يزلن منكوحات من وقت العقد، فيرثهن.
ولو أسلمن ومُتن ولم تسلم المتخلفات، ورث 4 الميتات من غير حاجة إلى
الاختيار؛ فإنهن تعيّنّ من غير اختيار منه للزوجية.
8126 - ولو فُرضت أحكام الاختيار في الإماء وصوّبنا اجتماع شرائط نكاح الإماء؛ فالتفريع على حسب ما ذكرناه.
غير أن المختارة من الإماء واحدة، فالقول في أمة واحدة تُسلم، كالقول في أربع من الحرائر يُسلمن؛ إذ لا مزيد للحر على أمة واحدة، إذا 1 استجمع شرائط نكاح الإماء.
فرع:
8127 - إذا نكح الرجل في الشرك جمعاً من الإماء، ثم أسلم، وأسلمت واحدة، وكان في حالة الاجتماع معها في الإسلام من أهل نكاح الإماء، فأسلمت ثانية وهو موسر عند إسلامها، وأسلمت الثالثة وهو معسر خائف 2، وأسلمت الرابعة وهو موسر، قال أئمة المذهب: يعتبر حكمه مع كل أمة على الاستقلال؛ فإن حكم كل واحدة لا يتعلق بحكم غيرها، فإذاً يتخير [بين] 3 الأولى والثالثة، ويندفع نكاح الثانية والرابعة؛ فإنه 4 كان موسراً عند إسلام الثانية والرابعة.
ورأيت في بعض التعاليق المعتمدة عن شيخي، أنه إذا حل له نكاح أمة، فأمة أخرى في معناها؛ والخِيَرة إليه فيهن، وكأنّ تجويز نكاح أمة يفتح عليه في جنس الإماء؛ إذ لا فرق بين أمة وأمة.
وهذا وإن أمكن توجيهه، فليس معتداً به.
والمذهب ما قدمناه.
فرع:
8128 - إذا نكح حرائر في الشرك، فأسلمت واحدة منهن، أو أربع، ومُتن، ثم أسلم الزوج بعدهن، وأسلمت البواقي، فأراد الزوج أن يختار الميتات، لم يكن له ذلك؛ فإن التي أسلمت وماتت قبل إسلام الزوج، قد فاتت، ولم تكن في حياتها في محل إمكان التعيين للزوجية.
واللفظ الوجيز فيه: إنها لما ماتت، انتهت عدتها؛ فوقع إسلام الزوج وراء عدتها، والأسلام وراء العدة لا يفيد النكاح، والضابط في ذلك أن الزوج في تخلفه لو
اختار المسلمة، كان اختياره باطلاً، كما سيأتي الشرح في أمثال ذلك، إن شاء الله عز وجل.
وإذا كان الأمر كذلك، فإذا ماتت قبل إسلام الزوج، فقد فات أمرها، ولم يصادف إسلامُها حالة يتصور فيها [إمساك] 1 الزوج إياها على حكم النكاح، ووقع إسلام الزوج وراء انتهاء عدتها بموتها، وإذا كانت لا تفرض منكوحة في حياتها، فاختيارها بعد موتها لا يُلحقها بالزوجات، حتى يتصور به التوريث منها بالزوجية.
ووضوح ذلك يغني عن بسطه.
فصل
قال: "ولو أسلم وأسلمت الإماء معه، وعتقن، وتخلفت حرة؛ وُقف نكاح الإماء ... إلى آخره" 2.
8129 - هذا الفصل متصوَّر 3 في حرّ نكح في الشرك حرّة وإماءً، ثم نفرض إسلامهن وإسلامه، وطريان العتق عليهن.
والقول الضابط في الأصل تخريجه على الأصل الذي تقدم تمهيده، وهو: الرجوع إلى حالة الاجتماع في الإسلام.
فإن كن عتيقات حالة الاجتماع، فقد التحقن بالحرائر في جميع الأحكام.
وإن كن حالة الاجتماع في الإسلام رقيقات، فهن ملحقاتٌ بالإماء من كل وجه.
وإن عتقن من بعدُ، فلا عبرة بعتقهن.
ثم نعتبر حالة الاجتماع في الإسلام في اليسار ونقيضه، والخوف من العنت والأمن منه.
هذا هو الضبط، وفيه كفاية.
ولكنا نصوّر صوراً، ونفرض المسائل.
8130 - فلو لم يكن فيهن حرة أصلية وكان معسراً، فأسلم، وأسلمن، ثم عتقن، فإن كان حالة الاجتماع من أهل نكاح الإماء، اختار واحدة منهن، كما لو بقين
رقيقات، ولا أثر لما طرأ عليهن من العتق.
وإن لم يكن حالة الاجتماع في الإسلام من أهل نكاح الإماء، لم يكن له أن يختار واحدة منهن، وإن كن حرائر حالة تقدير الإقدام على اختيارهن.
ولو أسلم الزوج وعتَقَن في الشرك، ثم أسلمن، أو سبقن إلى الإسلام، وعتقن، ثم أسلم الزوج، أو عتقن في الشرك، ثم أسلم وأسلمن معاً، فقد كن في الصور التي ذكرناها حرائر في أول الاجتماع في الإسلام؛ فسبيلهن سبيل الحرائر الأصليات، فيتعين على الزوج نكاح أربع منهن إن بلغن هذا العدد.
ولو أسلم وأسلمت واحدة، ثم عتقت بعد الإسلام، فلا أثر لعتقها.
فلو أسلمت البواقي على الرق يخيّر الزوج بين التي عتقت قبلُ وبين البواقي اللواتي أسلمن على الرق؛ وذلك لأن 1 الأُولى عَتَقَت بعد الاجتماع في الإسلام؛ فلم يكن لحصول الحرية بعد الاجتماع في الإسلام اعتبار أصلاً؛ طرداً للأصل الذي قدمناه.
ولو أسلم الزوج وعتَقَت واحدة في الشرك، ثم أسلمت، فقد حصل الاجتماع في الإسلام وهي حرة، فلو أسلمت الإماء بعد ذلك على الرق، اندفع نكاحهن بالتي سبقت إلى الإسلام وكانت عتقت في الشرك.
وتعينت تلك للنكاح.
8131 - ومما يجب التأنق فيه: أن الأُولى إذا عتقت في الشرك وقد أسلم الزوج، ثم أسلمت، فقد ذكرنا أنها ملتحقة بالحرائر الأصليات، ولا نطلق القول بأن نكاح الإماء المتخلفات يندفع في الحال؛ فإنا نجوّز أن يعتقن في الشرك، ويُسلمن في العدة حرائر.
ولو اتفق ذلك على هذا الترتيب، لكان يتخير فيهن، حتى إن زدن على أربع، اختار منهن أربعاً.
وما أطلقناه في الفصول المتقدمة من أن من نكح في الشرك حرة وإماء، وأسلم، وأسلمت الحرة الأصلية، وتخلفت الإماء، فقد اندفع نكاحهن بالحرة، وتعينت الحرة، فذاك مفروض فيه إذا بقين رقيقات، وأسلمن كذلك على الرق، فلو عتقن - وقد سبقت الحرة بالإسلام، ثم أسلمن بعد العتق، فهن كالحرائر الأصليات؛ فللزوج
أن يختار منهن أربعاً، ويندفع إذ ذاك نكاح الحرة السابقة بالإسلام.
وإن اختار الأولى مع ثلاث من العتيقات، واستكمل العدد بهن؛ جاز.
ولا تكاد تخفى هذه الصورة على من أحاط بالقواعد التي مهدناها.
8132 - ولو كنّ إماء لا حرة فيهن، فعتقت واحدة منهن، وأسلمت، ثم أسلم الزوج مع بقاء الأخريات رقيقات، (1 ثم أسلمن على الرق 1)، تعيّنت الأولى للإمساك.
وإذا فرضنا معهن حرة أصلية، انتظم الترتيب على ما تقدم.
فلو أسلم وأسلمت الإماء، وتخلفت الحرة، فلا يختار واحدة من الإماء، ما دامت الحرة متخلفة، ومدة العدة باقية.
فلو أسلمت قبل انقضاء عدتها من يوم إسلام الزوج، تعيّنت، وانفسخ نكاحهن.
ولو ماتت في الشرك أو أصرت على شركها، حتى انقضت عدتها، اختار واحدة من الإماء.
8133 - ولو اختار واحدة منهن قبل وقوع اليأس عن الحرة، ثم ماتت الحرة، أو أصرت على كفرها حتى انقضت عدتها، فما حكم ذلك الاختيار الذي جرى في حال تخلف الحرة؟
نقل المزني في جواب المسألة ما نذكره، قال: "يثبت".
يعني التي اختارها؛ فإنا تبيّنّا آخراً أن نكاح الحرة المتخلفة كان زائلاً في وقت اختياره الأمة.
فاختلف أصحابنا: فمنهم من غلّط المزني، وقال: إنه أجاب في المسألة على أصله؛ فإنه يجوّز وقف العقود.
وقد قال من بعدُ: إذا أسلم الزوج وتخلّفت امرأته، فنكح الزوج بعد الإسلام أختها، قال: فالنكاح بعدُ موقوف على ما يتبين من حال المتخلفة، فإن أسلمت، بان أن النكاح لم ينعقد على أختها، وإن بقيت على التخلف؛ بان أنه انعقد العقد على أختها.
ومذهب الشافعي أن النكاح الذي أورده على الأخت باطل، وإن تخلفت المشركة إلى انقضاء العدة وماتت في الشرك، كذلك مذهب الشافعي أن الاختيار السابق في الأمة في حال تخلف الحرة باطل؛ لأنه على التردد والوقف،1
والاختيار لا يقبله، كما 1 لا يقبله العقد على الأخت، فلا بد إذاً بعد تبيّن الأمر واندفاع الحرة بالإصرار والموت على الشرك - من اختيارٍ جديد.
وليس هذا معنى عندنا؛ فإن اختلاف قول الشافعي في وقف النكاح وغيره من العقود -في مثل هذه الصورة التي ذكرناها- معروف.
وقد ذكرنا صور الوقف في كتابِ البيع.
ونحن نعيد منه مقدار الحاجة.
فمن عقد عقداً من نكاح أو بيع بناه على تقديرٍ، وظاهرُ الأمر بخلافه، مثل أن يبيع مال أبيه، أو يزوج إماءه، فالظاهر أنّه متصرف في ملك غيره، فلو تبين أن أباه كان ميتاً في تلك الحالة، وأنه ورّثه ما تصرف فيه، ففي نفوذ العقود قولان، لم ينكرهما أئمة المذهب في الطرق.
والصورة الأخرى في الطرق: أن يبيع الإنسان مال غيره بغير إذنه، أو يزوّج جاريته كذلك من غير إذنه؛ فالذي قطع به العراقيون أن البيع والنكاح فاسدان، لا ينعقدان موقوفَين على إجازة المالك.
وهذا موضع خلاف أبي حنيفة.
وحكى المراوزة قولاً في وقف العقد على الإذن، مثل مذهب أبي حنيفة.
وهذا القول على الحقيقة ليس يلائمه مذهبُ الشافعي وقياسُه.
فإذا بان ذلك، فالاختيار ونكاح الأخت في الصورتين المتقدمتين يناظران التصرف الذي 2 يجري في عقده على الوقف قولان باتفاق الطرق.
8134 - والذي يتطرق إليه من السؤال أن نصوص الشافعي في الجديد تميل إلى منع الوقف.
وما ينقله المزني -إذا أطلقه- محمول على النصوص الجديدة، فإن أراد نقل شيء عن القديم صرّح به، ولا ينبغي أن يُغلَّط بتركه نسبةَ قول إلى القديم، فقد اتفق له مثل ذلك كثيراً في السواد، من غير تعرض لذكر القديم.
وقد ذكر بعض الأصحاب طريقةً حسنة فيما أشرنا إليه من ترتيب القديم والجديد،