نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 164-204

القولان و

الوجهان

: القولان للإمام الشافعي صاحب المذهب، والوجهان للأصحاب الذين عرفوا بأنهم من أصحاب الوجوه.
القولان: "قد يكون القولان قديمين، وقد يكونان قديماً وجديداً، وقد يكونان جديدين، وقد يقولهما في وقتٍ، وقد يقولهما في وقتين، وقد يرجح أحدهما، وقد لا يرجح" 1. فهذه عدة صور، فما حكم كل صورة.
إن كان القولان (قديمين) بمعنى أنه قالهما قبل الدخول إلى مصر، فإما أن يقول قولاً مخالفاً لهما في الجديد أو لا.
فإن قال قولاً يخالفهما في الجديد، فالعمل بالجديد.
وإن لم يقل بخلافهما في الجديد، يرجح بينهما بطرق الترجيح التي سنشير إليها، ويعمل بالراجح منهما.
وهذا معنى كلام النووي رحمه الله، إذ قال: " واعلم أن قولهم: القديم ليس مذهباً للشافعي، أو مرجوعاً عنه، أو لا فتوى عليه، المراد به قديم نصَّ في الجديد على خلافه.
أما قديم لم يخالفه في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة في الجديد، فهو مذهب الشافعي واعتقادُه، ويعمل به، ويفتى عليه؛ فإنه قاله ولم يرجع عنه، وهذا النوع وقع منه مسائل كثيرة " 2. فإن كانا قديماً وجديداً، فالعمل بالجديد، والقديم مرجوع عنه، وكما قال إمام الحرمين في كتابنا هذا: " المرجوع عنه ليس مذهباً للراجع ".

" واستثنى الأصحاب نحو عشرين مسألة أو أكثر، وقالوا يفتى فيها بالقديم، وقد يختلفون في كثير منها " 1. هذا نص كلام النووي، وقد عدّد نحو عشرين مسألة، مع الخلاف في بعضها، فطالعها إن شئت، ولا داعي للإطالة بذكرها.
ولكن هل تعدّ هذه المسائل من مذهب الشافعي، أم يقال: إن أصحاب الشافعي خالفوه في هذه المسائل، وعملوا فيها بخلاف مذهبه؟ الصواب الذي قاله المحققون، وجزم به المتقنون من الأصحاب: أن العمل في هذه المسائل والفتوى بالقديم فيها ليس من مذهب الشافعي 2. وخالف آخرون حكى النووي قولهم بقوله: " وقال بعض الأصحاب: إذا نص المجتهد على خلاف قوله، لا يكون رجوعاً عن الأول، بل يكون له قولان " وعقب قائلاً: " قال الجمهور: هذا غلط؛ لأنهما كنصين للشارع تعارضا، وتعذر الجمع بينهما، يعمل بالثاني، ويترك الأول، فإذا علمت حال القديم، ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم، حملنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم لظهور دليله، وهم مجتهدون، فأفتَوْا به، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل: إنها مذهب الشافعي، قال ابن الصلاح: فيكون اختيار أحدهم للقديم فيها من قبيل اختيار مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه؛ فإنه إذا كان ذا اجتهادٍ، اتبع اجتهاده " 3. وكل هذا إذا لم يعضد القديمَ حديثٌ صحيح، لا معارض له، فإنه حينئذٍ يكون مذهباً للشافعي؛ عملاً بقوله: " إذا صح الحديث، فهو مذهبي ".

بل قد رأينا بعض المتأخرين لا يسلم بأن هذه من القديم، ويقول: إنه تتبعها، فوجد أن المذهب فيها موافق للجديد 1. فإن كان القولان جديدين، وقد قالهما في وقتين مختلفين، فالعمل بالمتأخر منهما إن علمه.
فإن كان القولان جديدين، وقد رجح أحدهما، فالعمل بما رجحه.
فإن كانا جديدين، ولم يعلم السابق منهما، ولم يرجح أحدهما، وجب البحث عن أرجحهما، فيعمل به، فإن كان أهلاً للتخريج أو الترجيح، استقل به متعرفاً ذلك من نصوص الشافعي، ومأخذه وقواعده.
فإن لم يكن أهلاً، فلينقله عن أصحابنا الموصوفين بهذه الصفة، فإن كتبهم موضحة لذلك، فإن لم يحصل له ترجيح بطريقٍ، توقف حتى يحصل 2. فإن كان القولان جديدين، وقالهما في وقتٍ واحد، ولم يرجح أحدهما، فهو ترديد قولٍ، وتوقفٌ عن الفتوى والحكم، وحصرٌ له في هذين القولين.
وحكم العمل في هذه الحالة حكم الحالة السابقة تماماً، من وجوب البحث والترجيح ممن هو أهله... ويقول النووي وأئمة المذهب: إن ذلك لم يوجد إلا في ست عشرة أو سبع عشرة مسألة.
ويقول شيخنا الإمام أبو زهرة: (إن الشافعية يحاولون تقليل عدد هذه المسائل تعصباً للشافعي، ظناً منهم أن ذلك يغض من قدره، ويوحي بقصور اجتهاده، على حين العكس هو الصحيح، قال شيخنا: وإنك لترى الرازي كغيره من متعصبي الشافعية يظنون أن كثرة الآراء للشافعي لا تليق به، فيدفعونها عنه، ويقللون عدد المسائل التي

قال فيها أكثرَ من رأي، وترى بجوارهم المتعصبين على الشافعي يرون كثرة الآراء منقصة فيه، ودليلاً على عدم الوصول إلى الحق.
وذلك نقص في العلم، وقد رددنا زعمهم، وبينا أن العلم يوجب التردد في كثير من الأحيان، وأن التردد عن بينةٍ علمٌ، واليقين عن غير بينة جهل.
والحق أن الشافعي كان مخلصاً في طلب ما يعتقد أنه الحق في هذه الشريعة الغراء، والمخلص لا تستحوذ عليه فكرة، ولا يسترقُّه رأي يجمد عليه؛ فإن له مقصداً معيناً، وهو طلب العلم لله.
وذلك يجعله يفحص آراءه بميزانٍ ناقدٍ كاشف، ونظرٍ مستبين فاحص، وفوق ذلك كان الشافعي ذا فكرٍ حي متحرك يسير في طلب الغايات العلمية صعداً، لا يسكن إلى غاية حتى يطلب ما وراءها.
ومن كانت هذه حاله لا يجمد على آرائه، بل يسبرها دائماً بالميزان الذي يصل إليه في طوره العلمي الأخير" 1. وقد ذكر الشيخ أبو زهرة ثماني مسائل من فقه الشافعي له فيها أكثر من قول 2، وكأنه يريد بهذا أن يردّ القول بأن هذه المسائل محصورة في ست عشرة مسألة، ولذا عقب عليها قائلاً: " هذه أمثلة مما عثرنا عليه عند قراءتنا للمجموعة الفقهية المنسوبة للشافعي وتلاميذه، وهي كاشفة عما وراءها ومبينة، وإن لم تكن هي كل ما وجدناه من أقوال الشافعي رضي الله عنه " 3. ويبدو أن اعتبار ترديد الأقوال منقصة وقصوراً في فقه الشافعي أمر قديم، فقد وجدنا إمام الحرمين يقول في البرهان: "استبعد مستبعدون من الذين قصرت هممهم عن درك الحقائق ترديدَ الشافعي أقوالَه في المسائل؛ وتخيلوا أن ذلك حكم منه بحكمين متناقضين، وجمعٌ بين تحليل وتحريم في قضية واحدة.
وهذا جهلٌ من الظان، وعماية، وقلة دراية؛ فإن التردد الذي ذكره الشافعي نَفْيُ

المذهب، واعتراف بالاعتراض والإشكال، وتصريح منه أنه لا مذهب لي في الواقعة بعدُ.
والشافعي بعدما ردد الأقوال، استقر رأيه على قولٍ واحد في جلة المسائل، ولم يبق على التردد إلا في ثماني عشرة صورة، فهو ليس كثير التردد" 1. ولم يكن إمام الحرمين وحده الذي عُني بهذه القضية، بل وجدنا ذلك أيضاً عند الإمام أبي إسحاق الشيرازي 2. وفي كتابنا هذا (12/ 229) قال إمام الحرمين أيضاً: " وقول عثمان هذا يدل على أن ترديد القول في الشرع ليس بدعاً، وفي مساق قول عمر ما يدل على مثله.
وبالجملة لا ينكر تردد المجتهد في المظنونات إلا أخرق، لا يعرف مسالك الاجتهاد ". قال ذلك تعقيباً على قول عثمان رضي الله عنه في حكم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين، إذ قال رضي الله عنه: " أحلتهما آية، وحرمتهما آية " أي ردّد رأيه، ولم يقطع، وهو يشير إلى آية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: 30]، فعموم الآية يقتضي الإباحة، وأراد بالآية الأخرى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23].
وأما قول عمر الذي يُفهم منه التردد أيضاً، فهو قوله حينما سئل عن ذلك: " أما أنا، فلا أحب أن أفعل ذلك " فكرهه في خاصة نفسه، ولم يقطع بتحريمه.
ووضع شمس الدين محمد السلمي الشافعي الشهير بالمناوي رسالة في هذه المسألة وحدها بعنوان: (فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهدٍ واحد).
وعنوانها يكفي للدلالة على مضمونها، وهي رسالة كافية شافية، تحقق غرض الشافعية في الدفع عن إمامهم بأسلوب بعيد عن التعصب والإساءة.
وإن كانت القضية أصلاً لا تحتاج إلى اتهام ودفاع، كما قال شيخنا أبو زهرة.

الوجهان

: الوجه أو الوجهان أو الأوجه، هي لأصحاب الشافعي المنتسبين إلى مذهبه، يخرجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، ويجتهدون في بعضها، وإن لم يأخذوه من أصله.
فتارة يخرّج من نصٍّ معين لإمامه، وتارة لا يجده، فيخرج على أصوله، بأن يجد دليلاً على شرط ما يحتج به إمامه، فيفتي بموجبه، وتارة يجد نصاً لإمامه في مسألة، ونصاً على حكم مخالف في مسألة تشبهها، فيخرّج من أحدهما إلى الآخر قولاً، فيقال: في كلا المسألتين قولان، أحدهما بالتخريج، والآخر بالنص.
وشرط هذا التخريج ألا يوجد بين النصين فرق، فإن وُجد، وجب أن يقرّهما قرارهما: وعلى ظاهرهما، ويكثر الخلاف في هذا اللون من التخريج، لاختلافهم في إِمكان الفرق 1. ومما ينبغي ذكره هنا قولُ إمام الحرمين: " ولعل الفقيه المستقلّ بمذهب إمامٍ أقدرُ على الإلحاق بأصول المذهب الذي حواه من المجتهد -أي صاحب المذهب- في محاولته الإلحاق بأصول الشريعة؛ فإن الإمام المقلَّد المقدّم بذل كُنه مجهوده في الضبط، وَوَضْع الكتاب وتبويب الأبواب، وتمهيد مسالك القياس، والأسباب.
والمجتهد الذي يبغي ردّ الأمر إلى أصل الشرع، لا يصادف فيه من التمهيد والتقعيد ما يجده ناقل المذهب في أصل المذهب المفرَّع المرتَّب " 2. والكلام على الأوجه من ناحيتين: أولاً- ماذا يعد منها من المذهب، وما لا يعد.
إذا خرّج المجتهد المنتسب إلى المذهب على غير قواعد إمامه، وغير مستنبطٍ من نصوصه، فتخريجاته لا تعد وجوهاً في المذهب، بل تعدّ مذهباً خاصاً له، كبعض

تخريجات المزني، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير وغيرهم، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك فيما سلف.
إما إذا خرّج على أصول إمامه وقواعده، أو خرّج من نصٍّ معين لإمامه، أو اكتفى في الحكم بدليل إمامه من غير أن يبحث عن معارض كفعل المجتهد المستقل في النصوص، فهذه الوجوه تعد من المذهب، قال إمام الحرمين في (نهاية المطلب) في باب ما ينقض الوضوء: " إذا انفرد المزني برأي، فهو صاحب مذهب، وإذا خرج للشافعي قولاً، فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو ملتحق بالمذهب، لا محالة ". وعقب النووي على ذلك قائلاً: " وهذا الذي قاله الإمام حسن، لا شك أنه متعين " 1 وقد ذكر إمام الحرمين هذا المعنى بألفاظ أخرى حيث قال: " إن المفتي يحل في حق المستفتي محل الإمام المجتهد...، ثم يقلد المستفتي ذلك الإمامَ المقَّلدَ المنقلبَ إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، لا الفقيهَ الناقلَ القيَّاسَ " 2. وإذا قلنا: إن هذه الوجوه المخرجة على أصول الشافعي وقواعده، والمأخوذة من نصوصه تلحق بمذهبه، ويقال فيها: هذا مذهب الشافعي، فهل يصح أن تنسب إلى الشافعي قولاً له؟ اختلف الأصحاب في ذلك، والأصح أنه لا يصح نسبته إلى الشافعي قولاً له، اختار ذلك أبو اسحاق الشيرازي، وابن الصلاح، والنووي، قال الشيرازي في (شرح اللمع): "فأما ما يخرجه أصحابنا على قوله، فلا يجوز أن ينسب إليه، ويجعل قولاً له.
ومن أصحابنا من أجاز ذلك، وقال: حكمه حكم المنصوص عليه.
والدليل عليه أن قول الإنسان ما نص عليه، أو دل عليه بما يجري مجرى النص، فأما إذا لم ينص عليه، ولم يدل عليه بما يجري مجرى النص، فلا يحل أن يضاف

إليه، ولهذا قال الشافعي: ولا ينسب إلى ساكت قول" 1. وقد ذكر الشيرازي، ذلك المعنى أيضاً في كتابه (التبصرة في أصول الفقه) 2 وبه أخذ ابن الصلاح والنووي 3. ثانياً - العمل بالوجهين: الوجهان والأوجه لها صور لا تخرج عنها، ولكل منها حكمها: إذا كان أحد الوجهين منصوصاً أي لإمام المذهب، وما عداه للأصحاب، فالعمل بالمنصوص، إلا إذا كان المخرج من مسألة يتعذر فيها الفرق، فقيل: لا يترجح عليه المنصوص، وفيه احتمال، وقل أن يتعذر الفرق.
إذا كان الوجهان أو الأوجه لواحدٍ من الأصحاب، فإن عرف المتأخر عمل به، وكان ما سبقه مرجوعاً عنه.
وإن لم يعرف المتقدم من المتأخر، وجب الترجيح لمن هو أهله على نحو ما ذكرنا في القولين.
إذا كان الوجهان أو الأوجه لأكثر من شخص واحد، فلا اعتبار بالتقدم والتأخر، وهنا أيضاً يجب الترجيح ممن هو أهلٌ لذلك.
أما من لم يكن أهلاً للترجيح، فليأخذه عن الأصحاب الموصوفين بذلك، فإن وجد خلافاً بينهم، فليعتمد في الاختيار والتقديم الضوابط الآتية:

  • يقدم الأكثر والأعلم والأورع.
  • فإن تعارض الأعلم والأورع، قدم الأعلم.
  • فإن لم يجد ترجيحاً عن أحد اعتبر صفات الناقلين للقولين والوجهين، فما رواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي مقدم عند أصحابنا على ما رواه الربيع

الجيزي وحرملة (1). (هذا في نقل القولين، وهو مثال لما يجب العمل به في نقل الوجهين).

الطريقة

: تكلمنا قبلاً عن نشأة الطريقتين، وأعلامهما، والجمع بينهما، وبيان أن ذلك مرحلة في تطور المذهب ونموه.
والآن بقي علينا تعريف الطريقة بصفتها مصطلحاً من المصطلحات التي تتردّد في مصنفات المذهب.
" الطرق: هي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلاً: في المسألة قولان أو وجهان.
ويقول الآخر: لا يجوز قولاً واحداً، أو وجهاً واحداً.
أو يقول أحدهما: في المسألة تفصيل، ويقول الآخر: فيها خلاف مطلق.
وقد يستعملون الوجهين في موضع الطريقين وعكسه " 2. الأصحاب: هم في الأصل أصحاب الشافعي، ثم توسّعوا في اللفظ فأصبح يشمل كل أعلام المذهب وفقهائه، فلم يقتصر على أصحاب الشافعي الذين جالسوه وأخذوا عنه.
ثم هم يسمَّوْن الأصحاب، ولو تباعد بينهم الزمان والمكان، ولذا يقول النووي في (تهذيبه): " وهذا مجاز مستفيض للموافقة بينهم، وشدة ارتباط بعضهم ببعض كالصاحب " يعني (كالصاحب) من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
... والأصحاب عند ابن حجر الهيتمي " هم المتقدمون من أئمة المذهب، وهم أصحاب الوجوه غالباً، وضبطوا بالزمن، وهم من الأربعمائة 3 ". المتأخرون: وهم من بعد الأربعمائة، كما يفهم من كلام ابن حجر السابق.1

النص: المراد به نص الشافعي، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، سمي بذلك لأنه مرفوع إلى الإمام، أو لأنه مرفوع القدر لتنصيص الإمام عليه (1)

من المصطلحات الخاصة برجال المذهب

الإمام: حيث يقال (الإمام) مطلقاً، فالمراد به إمام الحرمين.
(طبعاً بعد إمام الحرمين) إذا قيل (الإمام) في كتب التفسير، فالمراد به الفخر الرازي وفي كتابنا هذا إذا قيل (الإمام)، فالمراد به شيخه ووالده، أبو محمد الجويني.
الربيع: إذا أطلق (الربيع) بدون تقييد، فالمراد به الربيع المرادي الشيخان: المراد بهما الرافعي والنووي.
الشيوخ: يراد بهذا المصطلح الرافعي، والنووي، ومعهما (السبكي) تقي الدين.
القاضي: حيث يطلق (القاضي) فالمراد به القاضي حُسين بن محمد بن أحمد المرورّوزي، عند إمام الحرمين وغيره من الخراسانيين، ثم شاع وذاع عند الجميع؛ حيث بدأ الجمع بين الطريقتين منذ القرن الخامس.
والقاضي: عند أبي إسحاق الشيرازي، وشبهه من العراقيين، هو أبو الطيب الطبري، ولكن هذا توقَّف بعد القرن الخامس، وأصبح القاضي هو القاضي حسين.
والقاضي: إذا أطلق في كتب الأصول لغير المعتزلة، فالمراد به القاضي أبو بكر الباقلاني، وأما في كتب الأصول للمعتزلة، فالمراد به القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني.
القفال: إذا أطلق في النهاية وغيرها من كتب الخراسانيين كتعليق القاضي حسين،1

والإبانة للفوراني، والتتمة للمتولي، والوسيط للغزالي، والبحر للروياني - فهو القفال الصغير المروزي، أبو بكر، عبد الله بن أحمد بن عبد الله، المتوفى 417 هـ عن تسعين سنة، وهو المذكور في كتب المذهب بعامة بعد الجمع بين الطريقين، وعند المتأخرين؛ فحيثما يقال: القفال مطلقاً، فاعلم أنه القفال المروزي الصغير، وهو رأس طريقة المراوزة، كما قررنا من قبل.
القفال الكبير: وهناك قفالٌ آخر يشترك معه في الكنية، فكل منهما أبو بكر، ولكنهما يتميزان بالإسم والنسبة، فالكبير الشاشي، والصغير المروزي، والشاشي اسمه محمد بن علي بن إسماعيل، والصغير عبد الله بن أحمد بن عبد الله، والكبير أسبق وفاة، فقد توفي 365 هـ. ويتميزان أيضاً بأن الصغير المروزي أكثر ذكراً في كتب الفقه، والكبير أكثر ذكراً في كتب الحديث والتفسير، وإذا ذكر في كتب الفقه قُيِّد، كما فعل الإمام في النهاية.
وغير لائق أن نترك الكلام عن القفال الكبير الشاشي دون أن نقول إنه واحدٌ من أئمة المسلمين الذين أثر عنهم أنهم خرجوا غزاة في الجيوش الإسلامية، فقد كان فيمن غزا الروم من أهل خُراسان وما وراء النهر في الغزوة التي سميت عامَ النفير.
كما نذكر أنه كان في قلب السياسة، بقصيدته التي أجاب بها هجاء نقفور اللعين، فكان لها وقع الصواعق على الروم وملكهم وقادتهم.
وقد أحسن السبكي حين شغل بهذه القصة نحو عشر صفحات من الجزء الثالث من كتابه الطبقات.
وهناك قفالٌ ثالث، وهو ابن القفال الكبير الشاشي، واسمه القاسم، فهو القاسم بن محمد بن علي بن إسماعيل، ومع أنه أولى بلقب (الصغير)، لكنه أبداً لم يعرف به، وذاعت شهرة كتابه (التقريب)، وتخرج به فقهاء خراسان، فغلب اسمُ الكتاب اسمَ صاحبه، فيقال دائماً: صاحب التقريب، كما في النهاية، فلم يذكره إمام الحرمين مرة واحدة باسمه، بل دائماً: (صاحب التقريب) على كثرة ما ذكره.
وعندي أن هذا هو الذي أوقع الاختلاف في اسمه، فبعضهم يخطىء، فيقول:

" أبو القاسم " والصواب كما قلنا: أنه (القاسم) وكنيته أبو الحسن.
توفي رحمه الله نحو 399 هـ. المحمدون الأربعة: يراد بهم: محمد بن نصر المروزي محمد بن إبراهيم بن المنذر محمد بن جرير الطبري.
محمد بن إسحاق بن خزيمة ومما يدخل في باب المصطلحات، قول السبكي 1: ومن مستحسن الكلام: الشيخ والقاضي زينة خراسان: وهما الشيخ أبو علي السنجي، والقاضي حُسين بن محمد بن أحمد المرورّوزي.
والشيخ والقاضي زينة العراق، وهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والقاضي أبو الطيب الطبري.
ومن هذا الباب التفرقة بين القاضي أبي حامد، والشيخ أبي حامد: فالأول هو القاضي، أبو حامد، أحمد بن بشر بن عامر العامري، المرورُّذي، بميم مفتوحة، ثم راء ساكنة، ثم واو مفتوحة، ثم راء مضمومة مشدّدة (وقد تخفف) ثم ذال معجمة مكسورة نسبة إلى مرو الروذ، وقد يقال: المرُّوذي بضم الراء الأولى وتشديدها، وحذف الراء الثانية.
صنف الجامع في المذهب، واشتهر به، فيقال: صاحب الجامع، وشرح مختصر المزني.
توفي سنة 362 هـ وأما الشيخ أبو حامد، فهو شيخ طريقة العراقيين، الشيخ أبو حامد، أحمد بن محمد بن أحمد، الإسفراييني، ويعرف بابن أبي طاهر.
توفي سنة 406 هـ وكذلك التفرقة بين الأستاذ أبي إسحاق، والشيخ أبي إسحاق.
فالأول هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ويقال له غالباًْ الأستاذ أبو إسحاق، وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الأستاذ، الإسفراييني، برع في الكلام والأصول، ثم الفقه، ولذا تراه تكرر في البرهان لإمام الحرمين عشرات المرات على

حين لم يذكره بهذه الكثرة في النهاية.
قيل فيه: إنه بلغ حد الاجتهاد؛ لتبحره في العلوم، واستجماعه شروط الإمامة، توفي سنة 418 هـ. أما الشيخ أبو إسحاق، فهو الشيخ أبو إسحاق، إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله، الشيرازي الفيروزابادي، صاحب المهذب والتنبيه، بدأ تفقهه بفارس، ثم انتقل مبكراً إلى البصرة، فبغداد، وتفقه فيها على شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، وجماعة من مشايخه، فهو عراقي وذاك خراساني، توفي ببغداد سنة 472 هـ. وهناك أبو إسحاق ثالث، ولكنه لا يشتبه مع هذين، وهو أبو إسحاق المروزي، وهو إمام جماهير الأصحاب، وإليه منتهى الطريقتين، ولعلو منزلته إذا قيل (أبو إسحاق) مطلقاً عرف أنهم إياه يعنون، توفي سنة 345 هـ.

من المصطلحات التي تتردّد في كتابنا هذا (نهاية المطلب) ومنها ما هو خاص به، لم نره في غيره

وهذه المصطلحات بعضها علمية، وبعضها خاص بالرجال والكتب.
فمن

المصطلحات العلمية

: الاستناد، وقد يقال: الإسناد.
وهو مصطلح أصولي: معناه أن يثبت الحكم في الحال بوجود الشرط في الحال، ثم يستند الحكم في الماضي أي يرجع الملك القهقرى لوجود السبب في الماضي، وذلك كالحكم في المضمونات؛ تملك عند الضمان مستنداً إلى وقت وجود سبب الضمان، كما في الغصب، فإن الغاصب يملك المغصوب عند أداء القيمة مستنداً إلى وقت وجود السبب وهو الغصب، فإذا استولد الغاصب الجارية المغصوبة، فهلكت، ثم أدى الضمان، يثبت النسب من الغاصب؛ لأنها صارت ملكه من وقت الغصب وكما في الزكاة؛ فإن وجوبها عند تمام الحول يستند إلى ملك النصاب أول الحول.
التبين: وهو أن يظهر في الحال أن الحكم كان ثابتاً من قبل في الماضي بوجود علة الحكم والشرط كليهما في الماضي، مثل أن يقول في يوم الجمعة: إن كان زيد في الدار، فأنت طالق، ثم يتبين يوم السبت أنه كان في الدار يوم الجمعة، فوقع الطلاق يوم الجمعة، ويعتبر ابتداء العدة منه، لكن ظهر هذا الحكم يوم السبت.

وإتماماً للفائدة نذكر مصطلحين آخرين يتصلان بما سبق ويتم بهما الكلام، وإن لم يكن لهما ذكر في (نهاية المطلب)، فالأحكام تثبت بطرق أربعة هي: الأول - الاقتصار: وهو أن يثبت الحكم عند وجود علته، لا قبله، ولا بعده، كما في الطلاق المنجز، فإن قال: أنت طالق، فيقع الطلاق عند قوله هذا، لا قبله ولا بعده.
الثاني - الانقلاب: وهو صيرورة ما ليس بعلة علة، كما في تعليق الطلاق بالشرط، بأن قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق؛ فعند حدوث الشرط ينقلب ما ليس بعلة علة، يعني أن قوله: أنت طالق في صورة التعليق ليس بعلة قبل وجود الشرط، وهو دخول الدار، وإنما يتصف بالعلّية عند الدخول.
والثالث والرابع، هما الاستناد والتبين، وقد تقدما.
... الارتكاب: تكرر هذا اللفظ بأكثر من صيغة من صيغ الاشتقاق، في مواضع كثيرة، على طول هذا الكتاب، ومنها على سبيل المثال قوله في خطبة الكتاب: " وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته، وما ذكر فيه وجهٌ غريب منقاس ذكرت ندوره وانقياسه، وإن انضم إلى ندوره ضعف القياس نبهت عليه... وإن ذكر أئمة الخلاف وجهاً مرتكباً أنبه عليه ". وحين يعرض للاجتهاد في القبلة، يعقب على أحد الوجوه في صورة من الصور قائلاً: " وهذا إن ارتكبه مرتكب، ففيه بعدٌ ظاهر " وفي باب آخر يعقب على أحد الوجوه قائلاً: "ولم يصر إلى هذا أحد من أئمة المذهب، وإنما هو من ركوب أصحاب الخلاف" وفي كتاب النكاح يعقب على إحدى المسائل قائلاً: " ولما نظر القفال إلى ما ذكرناه، لم يجد فرقاً، وارتكب طرد القياس في المسألتين اللتين ذكرهما صاحب التقريب، وقال أولاً: إنه حكى فيهما نص الشافعي، وقد تتبعت النصوص، فلم أجد ما حكاه من المسألتين منصوصاً... ". هذه نماذج لورود هذا اللفظ، وصورٌ من اشتقاقاته، ولقد تبادر إلى الذهن أن هذا (الارتكاب) أحد مصطلحات علم الجدل والمناظرة، فبحثت واستقصيت جهدي في كل مظانه: في الكافية في الجدل لإمام الحرمين، المعونة في الجدل لأبي

إسحاق الشيرازي، واصطلاحات المتكلمين والفلاسفة للآمدي، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، وتعريفات الجرجاني، وكليات أبي البقاء، ثم غريب ألفاظ الشافعي، ثم معاجم اللغة، ثم معجم الألفاظ التي شرحها ابن خلكان في الوفيات.
ويبدو أن المراد بالارتكاب هنا التعسف وركوب الطريق غير السوي، يظهر ذلك من سياق العبارات التي أمامنا، والذي يرشح هذا التفسير أن هذا (الارتكاب) يكون عادة من أئمة الخلاف، عند نصرة كل صاحب رأي لرأيه فيعتسف أيّ طريق، انتصاراً لرأيه، وفراراً من إلزامات خصمه.
والله أعلم.

ومن المصطلحات الخاصة بالكتب والرجال

السواد: يعني به الإمام مختصر المزني، وهذا اصطلاح خاص به، فلم نره لغيره.
صاحب التلخيص: وهو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد، القاص، الطبري، توفي سنة 335 هـ. صاحب التقريب: هو الإمام، أبو الحسن، القاسم بن الإمام أبي بكر محمد بن علي القفال الشاسي، توفي نحو سنة 399 هـ وقد تقدم آنفاً بأتم من هذا.
الأستاذ أبو منصور البغدادي، وقد يطلقه، فيقول: الأستاذ بغير قيد، وذلك في كتاب الفرائض فقط، ويسميه إمام الصناعة مطلقاً، فلا يشتبه بالأستاذ أبي إسحاق.
وأبو منصور، هو الأستاذ أبو منصور، عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله، البغدادي، التميمي، الإسفراييني، كان يدرّس في سبعة عشر فناً، صاحب (الفرق بين الفرق) ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان، فاستقر في نيسابور، ثم فارقها، مات في إسفراين سنة 429 هـ. بعض المصنفين: يعني به أبا القاسم الفوراني، صاحب الإبانة، وهو الإمام، أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران، توفي سنة 461 هـ. (وقد بينا حاله مع إمام الحرمين في أكثر من موضع، وأكثر من تعليق)

الشكل الرابع: يبين اصطلاح الإمام في الألقاب والكنى التي يطلقها على رجال المذهب الذين لهم ذكر في (نهاية المطلب).
1 - إبراهيم البلدي: إبراهيم بن محمد نسبة إلى بلد.
ت قبل 300 هـ. 2 - الأستاذ أبو إسحاق: لا يأتي إلا بهذا اللقب والمقصود أبو إسحاق الإسفراييني.
ت 418 هـ. 3 - الأستاذ أبو منصور البغدادي.
ت 429 هـ. 4 - أبو إسحاق: ويقيده أحياناً فيقول أبو إسحاق المروزي.
ت 340 هـ. وأحيانا المروزي 5 - الاصطخري وأحياناً أبو سعيد الإصطخري.
ت 328 هـ. 6 - أحمد بن بنت الشافعي: يأتي هكذا دائماً.
ت 295هـ. 7 - أبو بكر الإسماعيلي: يأتي هكذا دائماً.
ت 371 هـ. 8 - أبو بكر الطوسي ت420 هـ. 9 - أبو بكر الفارسي: لايأتي إلا هكذا.
ت 305 أو 350 هـ. 10 - أبو بكر المحمودي: وقد يقول: المحمودي.
ت بعد 300 هـ. 11 - الأودني أبو بكر ت 385. 12 - بعض المصنفين: لا يأتي إلا هكذا، والراد أبو القاسم الفوراني.
ت 461 هـ 13 - البويطي: يأتي هكذا دائماً.
ت 231 هـ. 14 - أبو ثور: يأتي هكذا دئماً.
ت 240 هـ. 15 - أبو جعفر الترمذي- ت 295 هـ. 16 - أبو حامد المروروذي يأتي هكذا والمقصود القاضي أبوحامد.
ت 362 هـ. 17 - ابن الحداد: يأتي هكذا دائماً.
ت 345 هـ. 18 - حرملة: يأتي هكذا دائماً.
ت 243 هـ. 19 - الحسين الكراييسي: ومرة قال: الكرابيسي.
ت 245 هـ. 20 - أبو حفص الوكيل: ومرة ابن الوكيل.
ت 310 هـ. 21 - الحليمي أبو عبد الله.
ت 403 هـ. 22 - الخضري: يأتي هكذا دائماً.
ت 373 هـ. 23 - ابن خيران: يأتي هكذا دائماً.
ت 320 هـ. 24 - الربيع: يأتي هكذا مطلقاً: فحيث أطلق فهو ابن سليمان المرادي ت 270 هـ. 25 - الربيع بن سليمان الجيزي: يأتي هكذا دائماً.
ت 256 هـ. 26 - الزبيري: وأحياناً أبوعد الله الزبيري وقد يذكره بصاحب الكافي.
ت 317 هـ. 27 - الزعفراني، الحسن بن محمد ت260 هـ. 28 - الزيادي، أبو طاهر محمد بن محمد ت 411 هـ. 29 - أبو زيد: وقد يرد أبو زيد المروزي، وأحيا ناً الشيخ أبو زيد المروزي.
ت 371 هـ. 30 - الساجي، زكريا بن يحيى ت 307 هـ. 31 - ابن سريج: لا يأتي إلا هكذا.
ت 306 هـ. 32 - الشيخ الإمام سهل الصعلوكي ت 404 هـ. 33 - الشيخ أبوحامد الاسفراييني.
ت 406 هـ. 34 - الشيخ أبو علي: يرد هكذا غالباً، والمراد به: أبو علي السنجي.
ت 430 هـ. وقد يرد: الشيخ (مطلقاً) الشيخ في الشرح الشيخ في شرح التلخيص، الشيخ في شرح الفروع الشيخ أبو علي في شرح التلخيص، الشيخ أبو علي في شرح الفروع.
35 - شيخي: المراد به: أبو محمد الجويني الأب.
438 هـ. وأحياناً يقول: شيخنا، وأحياناً: الإمام.
ومرة قال: الشيخ الأب.
ومرة قال: الشيخ أبو محمد ومرة قال: الشيخ والدي.
36 - صاحب التقريب: لا يأتي إلا هكذا.
قبل: 400 هـ. 37 - صاحب التلخيص: يأتي هكذا ومرة قال: أبو العباس.
335 هـ. 38 - الصيدلاني: يأتي هكذا غالباً وأحياناً الشيخ أبو بكر.
427 هـ أو أبو بكر الصيدلاني أو شيخنا أبو بكر الصيدلاني.
ونادراً أبو بكر.
39 - الصيرفي أبو بكر محمد بن عبد الله 330 هـ. 40 - أبو الطيب بن سلمة.
ت 308 هـ. 41 - أبو عبيد بن حربويه 319 هـ. 42 - أبو علي الطبري: لا يأتي إلا هكذا.
ت350 هـ. 43 - أبو القاسم الأنماطي: يأتي هكذا غالباً.
ت 288 هـ. 44 - القاضي أبو الطب الطبري: ومرة القاضي أبو الطيب.
ت 450 هـ. 45 - القاضي يأتي هكذا مطلقاً، وأحياناً: القاضي حسن.
ت 462 هـ. 46 - القفال: يأتي هكذا فقط مطلقاً والمراد القفال الصير المروزي.
ت 417 هـ. 47 - القفال الشاشي: لا يأتي إلا هكذا، وهو القفال الكبير.
ت 365هـ. 48 - ابن اللبان ت 446 هـ. 49 - الماسَرْجِسِي، أبو الحسن.
ت 384 هـ. 50 - المحاملي: يأتي هكذا دائماً.
ت 415 هـ. 51 - المزني يأتي هكذا.
ت 264 هـ. 52 - أبو نصر الفشيري: الإمام عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم.
ت 514 هـ. 53 - ابن أبي هريرة: وأحيا ناً أبوعلي بن أبي هربرة.
ت 345 هـ. 54 - أبو الولد النيسابوري ت 349 هـ. 55 - أبو يحيى البلخي ت 330 هـ. 56 - أبو يعقوب الأبيوردي نحو 400 هـ. 57 - يونس بن عبد الأعلى: يأتي هكذا.
ت 264 هـ.

بعض التصانيف: ويقصد بها مصنفات الفوراني (بعض المصنفين) وأشهرها (الإبانة).
شيخي: يريد به والده الشيخ أبا محمد الجويني.
المتوفى سنة 438 هـ. الشيخ: إذا أطلقه الإمام، فهو الشيخ أبو علي الجويني، وكذلك لو قال: الشيخ أبو علي، أو الشيخ في الشرح، فالمراد بهذه كلها الشيخ أبو علي، الحسين بن شعيب بن محمد السنجي، المتوفى سنة 430 هـ ومرة واحدة -فيما أذكر- قال: (الشيخ) وأراد به القفال، وقد بيناها في الحاشية.. الشيخ أبو بكر: ويقصد به أبا بكر الصيدلاني.
ت 427 المحاملي: هذا اللقب أو النسبة حمله نحو ستة من أعلام الفقه الشافعي بعضهم أب لبعض، والذي يعنيه الإمام هنا هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الضبي، ويعرف بابن المحاملي، صاحب اللباب، والمجموع، والمقنع، وغيرها، وله تعليقة عن الشيخ أبي حامد.
والمحاملي هذا هو الأكثر ذكراً وأثراً في الفقه، توفي سنة 415 هـ. المحققون: يستخدم الإمام هذا اللفظ كثيراً، وبالتتبع والملاحظة ظهر أن المحققين عنده هم: 1 - صاحب التقريب.
توفي قبل 400 هـ. 2 - القفال الصغير المروزي، عبد الله بن أحمد ت 417 هـ. 3 - الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني.
ت 418 هـ. 4 - الشيخ أبو بكر الصيدلاني.
ت 427 هـ. 5 - الشيخ أبو علي السنجي.
ت 430 هـ. 6 - الشيخ أبو محمد الجويني.
ت 438 هـ. 7 - القاضي حسين.
ت 462 هـ. أثبات النقلة: يعني بهم الإمام:

1 - الشيخ أبا بكر الصيدلاني 2 - الشيخ أبا علي السنجي 3 - الشيخ أبا محمد الجويني 4 - القاضي حسين الأئمة المعتبرون في المذهب: وهم أثبات النقلة السابقون، وزاد عليهم: الحليمي وهو الإمام الكبير أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد الحليمي، صاحب (المنهاج) في شعب الإيمان، وهو من كبار أصحاب الوجوه.
توفي سنة 403 هـ. القفاليون = المراوزة الآخذون عن القفال = أصحاب القفال (يعبّر عنهم بواحدة من هذه العبارات الثلاث) وهم: 1 - أبو بكر الصيدلاني 2 - أبو علي السنجي 3 - أبو محمد الجويني 4 - القاضي حسين.
أئمتنا: يعبر الإمام -أحياناً- بهذا اللفظ عن شيوخ المراوزة، وذلك عندما يستحضر صفته المروزية؛ فيقول: أئمتنا ويعني بهم أئمة المراوزة.
مَنْ لا أعدل به أحداً من بني الزمان: جاء في كتاب الخلع قول الإمام: " قال من لا أعدل به أحداً من بني الزمان: سألت القاضي -وهو على التحقيق حَبْر المذهب- لم غلّبنا في بعض هذه المسائل حكم المعاوضة؟ وغلبنا في بعضها حكم التعليق؟ وأثبتنا الأحكام على الاشتراك في بعضها؟... " وقد يتبادر إلى الذهن أنه يعني بمن لا يعدل به أحدً من بني الزمان، والده الشيخ أبا محمد، ولكن يعكر على هذا أن والده أسنّ من القاضي، حيث توفي سنة 438 هـ. في حين كانت وفاة القاضي سنة 462 هـ. وقد كدنا نقول إن المقصود هو الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم القشيري.
فالإمام كان يعتز به ويكثر الثناء عليه، ونقل عنه مسائل في الدور والوصية

في كتابنا هذا، وكان يجلس بين يديه مع أنه تلميذه، ولكن يعكر على هذا أيضاً أن الإمام عبد الرحيم بين وفاته ووفاة القاضي حسين اثنان وخمسون سنة، ولم نجد من يبين لنا تاريخ الإمام عبد الرحمن فإذا فرضنا أنه مات قي نحو الستين من عمره.
فيكون عمره عند وفاة القاضي لا يسمح بنقل العلم عنه.
ولذا لا يترجح عندنا بعد من يعنيه الإمام هنا.


الفصل الثالث تعريف بإمام الحرمين، ومنزلته بين أئمة المذهب

تعريف بإمام الحرمين نتناول في هذه العجالة ترجمة موجزة لإمام الحرمين، نحاول فيها أن نُظهر بعضَ ملامح عصره والعوامل المؤثرة في حياته، وسمات شخصيته.
وسآخذ نفسي بأمرين: الأول: الإيجاز؛ ذلك لأنني كتبت عن إمام الحرمين: علمه ومنهجه، ومنزلته، في دراسات أفردتها لذلك، وفي مقدمات كتبه التي وفقني الله سبحانه لتحقيقها ونشرها، ومن أجل هذا سيكون ما اكتبه في جملته معاداً مكروراً، وهذا من أشق الأمور على نفسي، وأثقلها على قلبي، وأصعبها على قلمي، وتلك خطة التزمتها، فمذ حملت القلم، كُرِّه إلى الكتابة في موضوعات معادة مكرورة، ولعل هذا من آثار صحبة إمام الحرمين، فقد كان يقول: " حق على من تتقاضاه قريحته تأليفاً، وجمعاً وترصيفاً، أن يجعل مضمون كتابه أمراً لا يلفى في كتاب، ولا يصادف في تصنيف " أ. هـ ومن بعده قال ابن العربي تلميذُ تلميذه: " لا ينبغي لحصيف يتصدى لتصنيف أن يعدل عن غرضين: إما أن يخترع معنى، وإما أن يبتدع وضعاً ومبنى، وما سوى هذين الوجهين، فهو تسويد الورق، والتحلّي بحلية السرق " أ. هـ. الثاني: سأحاول أن أضيف جديداً من ملامح شخصية إمام الحرمين، مما رأيته في كتابه أكبر (نهاية المطلب في دراية المذهب).


إمام الحرمين في الزمان والمكان

ولد إمام الحرمين رضي الله عنه في ثامن عشر المحرم سنة 419 تسع عشرة وأربعمائة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وصلم، وتوفي ليلة الأربعاء بعد صلاة العشاء الخامس والعشرين من شهر رييع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (25 ربيع الآخر سنة 478) فكانت حياته رضي الله عته تسعاً وخمسين سنة وثلاثة أشهر وسبعة أيام.
كانت ولادته في نيسابور من أشهر مدن إقليم خراسان، ذلك الإقليم الذي كان من مدنه: هراة، ومرو، وبلخ، وطالقان، ونسا، وأبيورد، وسرخس، وغيرها.
هذا ما شغله من الزمان والمكان، مضافاً إليه أنه أُخرج أو خرج -في قصة طويلة- مع نحو أربعمائة من أئمة الإسلام، في المحنة المعروفة بمحنة أهل السنة، فخرج إلى الحرمين الشريفين، وكان الأئمة يقدمونه ليصلِّي بهم، ومن أجل ذلك جاءه هذا اللقب، الذي عرف به: إمام الحرمين هذا كل ما شغله من المكان والزمان، أما المكانة والمنزلة، فقد ملأ سمع الدنيا بمشرقها ومغربها منذ نبغ، وملأ أيامها منذ كان إلى اليوم، بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

العوامل التي ساعدت في بناء شخصيته العلمية

أ- بيته ونشأته

: ولد إمام الحرمين في حِجْر الإمامة، فوالده هو الإمام أبو محمد، عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني.
كان إمام عصره في نيسابور، تفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، وأبي بكر عبد الله بن أحمد القفال المروزي، وقرأ الأدب على والده يوسف الأديب (بجوين)، وسمع أستاذَيه أبا عبد الرحمن السلمي، وأبا محمد بن بابَوَيْه الأصبهاني، وببغداد أبا الحسن محمد بن الحسين بن الفضل بن نظيف الفراء، وغيرهم.

برع في الفقه، وصنف فيه التصانيف المفيدة، وشرح المزني شرحاً شافياً، وشرح الرسالة للشافعي.
وكان ورعاً دائم العبادة شديد الاحتياط، مبالغاً فيه.
توفي سنة 438 هـ. هذا والده الإمام الفقيه المحدث الورع العابد، شارح الرسالة والمزني.
وأما عمه، فهو أبو الحسن علي بن يوسف الجويني المعروف بشيخ الحجاز، كان -فيما حكاه ياقوت في معجمه- صوفياً لطيفاً ظريفاً فاضلاً، مشتغلاً بالعلم، والحديث، صنف كتاباً فى علوم الصوفية مرتباً مبوباً سماه كتاب السلوة، سمع شيوخ أخيه، وسمع أيضاً أبا نعيم بن عبد الملك بن الحسن الإسفراييني بنيسابور، وبمصر أبا محمد عيد الرحمن بن عمر النحاس، وروى عنه زاهر ووجيه ابنا طاهر الشحاميان، ومات بنيسابور سنة 463 هـ (1). أما جده، فكان علمه الذي نبغ فيه وعرف به علم الأدب، قال ياقوت وهو يترجم لوالد الإمام: إنه قرأ عليه الأدب في جوين.
فجده أديب مرموق، وعمه محّدث صوفي، ووالده فقيه أصولي، وقد أحسن ابن عساكر التعبير عن ذلك في التبيين، فقال: " رباه حجر الإمامة، وحرك ساعدُ السعادة مهده، وأرضعه ثديُ العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ونبغ " (2).

ب- الحياة العلمية في عصره

: كان القرن الخامس الهجري يمثل أخصب فترات الحصاد لنهضة أمتنا العلمية الرائعة، فقد نبغ فيه أعلامٌ وأئمة في كل فن، نذكر منهم على سبيل المثال: أبو عبد الرحمن محمد بن الحسن بن بن موسى الأزدي النيسابوري صاحب التصانيف التي بلغت نحو مائة مصنف ت 412 هـ. القاضي عبد الجبار بن أحمد شيخ المعتزلة، قاضي القضاة، الأصولي، المتكلّم، صاحب المغني، ت 415 هـ.12

القفال الصغير - المروزي عبد الله بن أحمد أبو بكر، وحيد زمانه، علَم الشافعية، أستاذ أبي محمد الجويني ت 417 هـ. الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الإمام في الفقه والأصول ت 418 هـ. ابن مِسكويه من أعلام علم الفلسفة والأخلاق ت 421 هـ. ابن سينا الشيخ الرئيس، صاحب الشفاء ت 428 هـ. عبد القاهر البغدادي بن طاهر بن محمد بن عبد الله، عالم متفنن، صاحب الفرق بين الفرق، كان يدرّس في سبعة عشر فناً ت 429 هـ. أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني، والد إمام الحرمين، شارح الرسالة، والمزني شيخ الشافعية ت 438 هـ. البِيروني: محمد بن أحمد أبو الريحان، الرياضي الفيلسوف، صاحب التصانيف التي تفوق العَدَّ في الهيئة والنجوم، والمنطق والفلسفة ت 440 هـ. أبو عبد الله الخبازي عالم القراءات، والتفسير ت 449 هـ. أبو عثمان الصابوني، إسماعيل بن عبد الرحمن، شيخ الإسلام، الواعظ، المفسر، المصنف، عمدة التفسير والحديث ت 449 هـ. الماوردي، أبو الحسن، أقضى القضاة، إمام الشافعية، صاحب الحاوي، والأحكام السلطانية ت 450 هـ. ابن حزم، علي بن أحمد، الفقيه الصولي الأديب، إمام أهل الظاهر، عبقرية الأندلس، صاحب المحلّى، والإحكام، والفِصَل في الملل والنحل ت 456 هـ. أبو يعلى، القاضي، محمد بن الحسين الفراء، الفقيه الحنبلي ت 458 هـ. ابن سيده، علي بن إسماعيل، صاحب المخصص، من أثمن كنوز العربية، وصاحب المحكم والمحيط الأعظم، وشارح الحماسة ت 458 هـ. البيهقي أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي، إمام الحديث والفقه، جامع نصوص الشافعي، وناشر علمه ت 458 هـ.

الفُوراني، أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران، تلميذ القفال، صاحب الإبانة ت 461 هـ. ابن عبد البر أبو عمر، يوسف بن عبد البر، النمري، القرطبي، المحدث الفقيه، صاحب الاستذكار ت 463 هـ. الخطيب البغدادي، الحافظ، أبو بكر، أحمد بن علي، صاحب تاريخ بغداد، والكفاية، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، بلغت مؤلفاته نحو ثمانين مؤلفاً، ت 463 هـ. القُشَيري، عبد الكريم بن هوازن، صاحب الرسالة ت 465 هـ. الحرة، كريمة بنت أحمد، راوية الصحيح ت 465 هـ. الباخرزي، علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب، أبو الحسن، أديب من الشعراء والكتاب، له علم بالفقه والحديث، صاحب دمية القصر وعصرة أهل العصر ت 467 هـ الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر، واضع أصول البلاغة، أحد أئمة اللغة والبيان، صاحب أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز ت 471 هـ. الباجي، سليمان بن خلف بن سعد، التُّجِيبي القرطبي، أبو الوليد، فقيه المالكية وأحد أعلامهم، أصولي محدث، صاحب إحكام الفصول في أحكام الأصول، وشرح المدونة ت 474 هـ. والأعلم الشَّنْتَمري، يوسف بن سليمان بن عيسى أبو الحجاج، عالم بالأدب والشعر، صاحب شرح ديوان زهير، وشرح الحماسة، والنكت على كتاب سيبويه، ت 476 هـ. المجاشعي، علي بن فَضّال بن علي بن غالب، أبو الحسن، صاحب شجرة الذهب في معرفة أئمة الأدب، ت 479 هـ.

فاطمة بنت الحسن، الكاتبة، وهي التي كتبت كتاب الخليفة إلى طاغية الروم، ت 480 هـ. السرخسي، محمد بن أحمد بن سهل، شمس الأئمة، إمام الأحناف، صاحب المبسوط، ت 483 هـ. الزَّوْزَني، حسين بن أحمد، القاضي العالم بالأدب، شارح المعلقات، ت 486 هـ. ابن بُندار، عبد السلام بن محمد القزويني، شيخ المعتزلة في عصره، له تفسير في 300 جزء، ت 488 هـ. الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد أبو القاسم، أديب لغوي، مفسر، من الحكماء العلماء، كان يقرن بالغزالي، صاحب الذريعة إلى مكارم الشريعة، وجامع التفاسير، والمفردات، ت 502 هـ. الروياني، عبد الواحد بن إسماعيل، فخر الإسلام، إمام الشافعية، صاحب بحر المذهب، ت 502 هـ. أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد، حجة الإسلام، تلميذ إمام الحرمين، الفقيه الأصولي، المتكلم، النظار، المتصوف، قامع الباطنية، وملاحدة الفلاسفة، ت 505 هـ. هؤلاء الأعلام نماذج لآلاف من الأئمة كانت تموج بهم الحياة حول إمام الحرمين، في كل مدن الإسلام وحواضره، كانت مدارس، ومعاهد، ومكتبات، ومجالس علم، ومناظرات، ومحاورات، وجدل وصراع، وهجوم ودفاع، كانت الحياة العلمية والفكرية تمور وتفور، تصطرع فيها تيارات، ومذاهب واتجاهات، كان هناك الفكر الوافد من الترجمات عن اليونانية (علوم الأوائل) وكان هناك بقايا من عقائد وملل بائدة، فظهرت الباطنية، والغنوصية، والقرمطية، والزندقة، إلى جانب الجدل الإسلامي المسيحي، إلى ما كان من تأثر بفلسفة اليونان، في الإلهيات، كل هذا جعل الحياة الفكرية العلمية تعيش أزهى فترات نشاطها، وتوثبها، وقوتها، وحيويتها، وفي هذا الخضم المتلاطم كان إمام الحرمين.

ج- صفاته

: وكان الأمر الثالث الذي ساعد على بلوغ الإمام هذه المكانة، وجعله يتبوأ هذه المنزلة هو ما يعبر عنه في أيامنا هذه بالاستعداد الفطري، والموهبة، فقد حباه الله سبحانه بصفات نادرة منها: أنه كان يتمتع بذاكرة نادرة، وحافظة لاقطة، روَوْا عنه أنه " كان يذكر دروساً يقع كل واحد منها في عدة أوراق، ولا يتلعثم في كلمة منها، ولا يحتاج إلى إبدال كلمة منها مكان غيرها، بل يمر فيها مراً كالبرق الخاطف، بصوت مطابقٍ كالرعد القاصف " 1. كما وهبه الله ذكاء نادراً، فقد ظهرت عليه مخايل النجابة والنبوغ من صغره، حتى " كان أبوه يُزهَى بطبعه وتحصيله، وجودة قريحته، وكياسة غريزته، لما يرى فيه من المخايل " 2. وقد هيأ له ذلك الذكاء، وهذا النبوغ، تلك المنزلة التي جعلت الأئمة يُقعدونه للتدريس مكان أبيه، وهو دون العشرين سنة 3، على حين كانت نيسابور تموج بالأئمة الأعلام.
كما تميز بصبر ودأب نادرين في طلب العلم والبحث، فمع أنه أقعد للتدريس مكان أبيه مبكراً، إلا أن ذلك لم يشغله عن البحث والدرس، " فكان يقيم الرسمَ في درسه ويخرج منه إلى مدرسة البيهقي يتتلمذ على أبي القاسم الإسكافي " 4. " وكان يبكر قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مسجد الأستاذ أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القراءات ويقتبس من كل نوع من العلوم " 5.

روى ابن عساكر بسنده أن إمام الحرمين كان يقول: "أنا لا أنام، ولا آكل عادة، وإنما أنام إذا غلبني النوم ليلاً كان أو نهاراً، وآكل إذا اشتهيت الطعام، أيَّ وقت كان" 1. كان يؤمن أن العلم لا نهاية له، ولا حدود، وما كان يترك فرصة يستزيد فيها علماً، إلا واغتنمها، وسعى إليها: في سنة 469 هـ، وهو في ذلك الحين إمام الأئمة، فخر الإسلام، وكان قد جاوز الخمسين من عمره، في ذلك الحين قدم إلى نيسابور الشيخ أبو الحسن علي بن فَضَّال بن علي المجاشعي، النحوي، الأديب، فقابله إمام الحرمين بالإكرام، وأخذ في قراءة النحو عليه والتلمذة له، وكان يحمله كل يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب (إكسير الذهب في صناعة الأدب) وكان المجاشعي يقول: " ما رأيت عاشقاً للعلم -أي نوعِ كان- مثل هذا الإمام " 2. التواضع " فما كان يستصغر شأن أحد أياً كان، حتى يسمع كلامه، شادياً كان أو متناهياً، فإن أصاب كياسةً في طبع، أو جرياً على منهاج الحقيقة، استفاد منه صغيراً أو كبيراً، ولا يستنكف أن يعزو الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: هذه الفائدة مما استفدته من فلان " 3. ولعل أوضح ما يوضح ذلك -مما لا نعرف له مثيلاً- أنه كان لا يستنكف أن يتعلم من تلاميذه بعض الفنون التي نبغوا فيها، ولا يجد في ذلك حرجاً، ولا غضاضة، جاء في ترجمة الإمام عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم أبي القاسم القشيري: " تخرج على إمام الحرمين، وواظب على درسه، وصحبه ليلاً ونهاراً، وكان الإمام يعتد به، ويستفرغ أكثر أيامه معه، مستفيداً منه بعض مسائل الحساب في الفرائض، والدَّوْر، والوصية " 4. وليس هذا فقط، بل كان ينقل عنه ما يتعلّمه منه، ويدوّنه في كتبه، قال

السبكي: " وأعظم ما عظم به الإمام عبد الرحيم أن إمام الحرمين نقل عنه في كتاب الوصية (1)، وهذه مرتبةٌ رفيعة " (2) رضي الله عن إمام الحرمين، ورضي الله عن إمامنا الشافعي، الذي كان يقول لتلميذه أحمد بن حنبل: " يا أحمد إذا صح عندك الحديث، فأعلمني به ". ومع هذا التواضع، كان حرّ الرأي والضمير، لا يقلد أحداً، ولا يلتزم إلا بالدليل، ولا يخضع إلا للبرهان، " فمنذ شبابه رفض أن يقلد والده وأصحابه، وأخذ في التحقيق " (3) وفي هذا المجال " لم يكن يحابي أحداً، ولو كان أباه، أو أحد الأئمة المشهورين، قال في اعتراض على والده: هذه زلة من الشيخ رحمه الله " (4). كان من الكرم والسخاء مضرب الأمثال، ولم يشتغل بمالٍ يثمره، أو يدّخره، بل " كان ينفق من ميراثه، ومن معلوم له على المتفقهة " (5). كذلك رزقه الله رقة القلب والخشوع، حتى إنه " كان يبكي إذا سمع بيتاً، أو تفكر في نفسه ساعة، وإذا وعظ ألبس الأنفس من الخشية ثوباً جديداً، ونادته القلوب: إننا بشر فأسجح، فلسنا بالجبال ولا الحديدا " (6). في هذه البيئة العلمية درج، وفي هذا البيت الطاهر نما، وبهذه المواهب الربانية سما ونبغ.

د- أساتذته وشيوخه

: تتلمذ أول ما تتلمذ، وسمع أول ما سمع من أبيه، الإمام أبي محمد صاحب التفسير الكبير، والتبصرة، والتذكرة، وشرح الرسالة.. وغيرها، فقد "أتى على123456

هذه المصنفات، وقلبها ظهراً لبطن، وتصرف فيها، وخرج المسائل بعضها على بعض" 1. وانكب على علوم عصره وفنونه يأخذها عن أعلامها، فخرج إلى مدرسة البيهقي يأخذ الأصول عن أبي القاسم الإسكافي الإسفراييني.
كما درس في أول أمره على الشيخ أبي القاسم الفوراني 2. أما الحديث، فقد سمع من أبي بكر أحمد بن محمد بن الحارث الأصبهاني التميمي، كما سمع من أبي سعد عبد الرحمن بن حمدان النيسابوري النَّضْروي، وأبي حسان محمد بن أحمد المزكي، ومنصور بن رامش.
كما سمع من أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى المزكي، وسمع سنن الدارقطني من أبي سعد، عبد الرحمن بن الحسن بن عَلِيَّك، وسمع من أبي عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النيلي، وأجاز له أبو نُعيم صاحب الحلية، وحدّث.
وأما القراءات، فقد كان يبكر كل يوم إلى مسجد أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القراءات، ويقتبس من كل نوع من العلوم.
وأما النحو فقد درس -مع ما درس في مطلع حياته- كتاب إكسير الذهب في صناعة الأدب، على مؤلفه الشيخ أبي الحسن علي بن فَضَّال المجاشعي، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
درس إمام الحرمين على هؤلاء الأعلام وغيرهم، ولم يكن هذا هو طريقه الوحيد طبعاً، فقد جاء في (تبيين كذب المفتري) عنه أنه قال عن دراسته لعلم أصول الفقه، على أستاذه أبي القاسم الإسكافي الإسفراييني: "كنت قد علّقت عليه في الأصول

أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلّدة".
هكذا درس مع أستاذه أجزاء معدودة، " وطالع في نفسه مائة مجلدة " وتلك لعمري هي الدراسة، فمهما اتسع وقت الشيخ لتلميذه، فلن يحيط معه بأكثر من " أجزاء معدودة ". أما المطالعة والتحصيل، فلا حدود لها، وهذا ما يعبر عنه عند علماء التربية المعاصرين، بأن الشيخ لا يعلّم التلميذ العلم، وإنما يعلّمه كيف يتعلم، أي كيف يحصّل العلم.
ونستطيع من معايشتنا لإمام الحرمين ومصاحبتنا له هذا العمر، واستماعنا إليه طول هذه السنوات أثناء تحقيقنا لآثاره أن نقول: إنه استوعب علوم عصره، وأحاط بآثار أعلام الأئمة في كل فن، واستوعب علومهم، فمن هؤلاء: الإمام أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر الباقلاني، من متكلمي أهل السنة والقاضي عبد الجبار بن أحمد، والنظّام، وأبو علي الجبائي، وابنه أبو الهاشم، والكعبي من متكلمي المعتزلة.
كما ظهر من كتابه الفذ (نهاية المطلب في دراية المذهب) أنه استوعب علم القاضي أبي حامد أحمد بن بشر المرورُّزي ثم البصري (ت 362 هـ) وعلمَ الشيخ أبي حامد الإسفراييني أحمد بن محمد بن أحمد، ويعرف أيضاً بابن أبي طاهر (ت 406 هـ) وكذلك أحاط بفقه ابن الحداد، أبو بكر محمد بن أحمد القاضي المصري، تلميذ أبي إسحاق المروزي (ت 345 هـ)، فهو كثير النقل عن كتابه الفروع، ومناقشة مسائله.
أما ابن سُرَيْج، فهو أحمد بن عمر أبو العباس المتوفى 306 هـ، أحد أعمدة المذهب، فقد تردد ذكره في (النهاية) والنقل عنه مما يوحي بتلمذة الإمام له، والإحاطة بفقهه، وربما كان أكثر من عني الإمام بالنقل عنهم هما الشيخ أبو علي، وصاحب التقريب، فأما الشيخ أبو علي، فهو أبو علي السنجي، الحسين بن شعيب بن محمد، من سِنْجه، أكبر قرى مرو، أول من جمع بين طريقتي الخراسانيين والعراقيين، له شرح الفروع، وشرح التلخيص (ت 430 هـ).

وأما صاحب التقريب، فهو القاسم بن محمد بن علي بن إسماعيل، ابن القفال الكبير محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، وكنية الكبير أبو بكر، أما صاحب التقريب، فكنيته أبو الحسن ويخطىء من يقول: أبو القاسم، بل القاسم اسمه، وقد توفي الكبير 365 هـ، وأما صاحب التقريب، فقد توفي نحو 400 هـ. كما أخذ الإمام عن القفال الأشهر، والأكثر ذكراً في كتب الخراسانيين، وهو القفال الصغير، عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي، وكنيته أبو بكر مثل الكبير، ويفرق بينهما بأن هذا مروزي، والكبير شاشي، وهذا أكثر ذكراً في كتب الفقه، والكبير أكثر ذكراً في كتب التفسير والحديث والأصول والكلام والجدل، وقد توفي القفال الصغير سنة 417 هـ. وكذلك عن القاضيين، القاضي حسين، وهو الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي المرورّوزي، وهو الذي إذا أطلق المراوزة (القاضي) فإياه يعنون (توفي 462 هـ). والقاضي الثاني هو القاضي أبو الطيب الطبري، وهو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، وحيث أطلق العراقيون لفظ (القاضي) فإياه يعنون (ت 450 هـ). وكذلك ينقل عن صاحب التلخيص، أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاصّ (ت 335 هـ). كما اعتمد في كتاب الفرائض والوصايا على فقه أبي منصور البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي الأستاذ أبي منصور البغدادي، كان يدرّس في سبعة عشر فناً، وبرع في الجبر والحساب (ت 429 هـ). هؤلاء الأعلام أهم شيوخه وأساتذته، أخذ عمن أخذ منهم مشافهة ومجالسة، وعن باقيهم بالرواية والمطالعة.


منزلته العلمية

(علومه وفنونه-كتبه ومؤلفاته-منهجه-تلاميذه-أثره)

أولاً: علومه وفنونه التي نبغ فيها:

مثل كل علماء عصره وأئمته درس كل فنون العصر وعلومه، ما كان يعرف منها بعلوم الوسائل، وما كان يعرف بعلوم الغايات، وهكذا كان علماؤنا، وأئمتنا، ما كانوا يعرفون هذا الذي نسميه (الآن) التخصص الضيق، ولذا نجد كتب التراجم والطبقات تترجم لأحدهم، فتقول -بعد أن تذكر دراسته، وشيوخه- "وعلمه الذي نبغ فيه كذا... ". نبغ إمامنا في علومٍ وفنون كثيرة، منها: 1 - علم الفقه.
2 - أصول الفقه.
3 - علم الخلاف وعلم الجدل.
4 - السياسة الشرعية.
5 - علم الكلام.

1 - علم الفقه: لقد خالفتُ الترتيب المعهود المعروف عن الإمام، حيث اشتهر بالمقام الأول أنه (متكلم) ولكن طول معايشتي للإمام، وإصغائي إليه، وقراءتي عليه، وسماعي منه ومناجاتي إياه جعل صورته تتضح لي تمام الوضوح، فرأيته فقيهاً أصولياً، قبل أن يكون متكلماً، كما شاع وعرف عنه.
رأيته فقيهاً من أعلام الفقه الإسلامي بعامة، والشافعي منه بخاصة، رأيته صاحب المدرسة النظامية، حاملة راية الفقه بنيسابور، ورأيته وقد انتهت إليه رياسة الشافعية

بخراسان، ورأيت معاصريه من الأئمة والمؤرخين، يكبرونه، ويعرفون له منزلته في الفقه، فيقولون عنه: " لولاه، لأصبح مذهب الحديث حديثاً " يعنون بمذهب الحديث، مذهب الإمام الشافعي.
ورأيته رضي الله عنه يكره (علم الكلام)، وكأني به قد اشتغل به من باب " إن لم تكن إلا الأسنة مركبا ". ذلك أني رأيته منذ بواكير حياته، وهو في غمرة الاشتغال بالكلام يسخر من المتكلمين، وينهى عن الاستغراق في علم الكلام، فمن ذلك قوله في مقدمة كتابه " الغياثي ": ومن ضَرِي بالكلام صدي جنانه ويقول في البرهان: " وهذا الذي اختلج في عقول المتكلمين وطيْش أحلامهم " (فقرة: 227). قال هذا وغيره في أكثر من كتاب من كتبه المتقدمة، أي قبل ما يقال عن رجوعه عن علم الكلام.
من هنا ومحاولةً لتصحيح هذا الفهم الشائع، قدمت (علم الفقه)، على أنه العلم الأول لإمام الحرمين رضي الله عنه.
2 - علم أصول الفقه: علم أصول الفقه هو علم إمام الحرمين الأول كعلم الفقه تماماً، فكلاهما (أول علومه)، إذ هما لا ينفصلان وبخاصة عند كبار الأئمة أصحاب المدارس والتجديد.
ويعتبر إمام الحرمين أحد أركان علم الأصول الأربعة، هكذا قال ابن خلدون في مقدمته، حيث عد كتاب (البرهان) لإمام الحرمين أحد الكتب الأربعة التي قام عليها علم أصول الققه، وإليها ترجع معظم المؤلفات في هذا العلم، حيث قال -وهو يتحدث عن علم الأصول- "ومن أحسن ما كتب فيه المتكلمون: 1 - كتاب (البرهان) لإمام الحرمين.
2 - وكتاب (المستصفى) للغزالي.
(وهما من الأشعرية).
3 - وكتاب (العمد) للقاضي عبد الجبار بن أحمد.

4 - وكتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري.
(وهما من المعتزلة).
وكانت الأربعة قواعدَ هذا الفن، وأركانه" ا. هـ. ولم يصلنا من كتب أهل السنة في الأصول مما ألف على طريقة المتكلمين قبل (البرهان) 1 إلا أصل الأصول: (الرسالة) للإمام الشافعي.
ولقد كان هذا الكتاب فتحاً جديداً في علم أصول الفقه، يؤكد ذلك السبكي في طبقاته قائلاً: " إن هذا الكتاب وضعه إمام الحرمين في أصول الفقه على أسلوب غريب، لم يقتد فيه بأحد، " وأنا أسميه (لغز الأمة) لما فيه من مصاعب الأمور وأنه لا يخلي مسألة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه، وتحقيقاتٍ يستبدّ بها " 2. ثم تحدث عن شراح البرهان ولاحظ أنهم كلهم من المالكية، وأنهم عندهم بعض تحامل على إمام الحرمين، وفسر ذلك " بانهم يستصعبون مخالفة الإمام أبي الحسن الأشعري، ويرونها هُجنة عظيمة، والإمام لا يتقيد لا بالأشعري، ولا بالشافعي، لا سيما في (البرهان) وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده، وربما خالف الأشعري، وأتى بعبارة عالية، على عادة فصاحته، فلا تحتمل المغاربة أن يقال مثلها في حق الأشعري ". وقد حكينا كثيراً من ذلك في (شرحنا على مختصر ابن الحاجب) 3. ومع دفاع السبكي وردّه لتحامل شراح البرهان، ومنهم المازري، تراه يثني على المازري قائلاً عنه: "إن هذا الرجل كان من أذكى المغاربة قريحةً، وأحدهم ذهناً؛ بحيث اجترأ على شرح (البرهان) لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة، الذي لا يحوم نحو

حماه، ولا يدندن حول مغزاه إلا غواصٌ على المعاني ثاقب الذهن مبرز في العلم" 1. كما أكد ذلك السبكي في عبارة أخرى، فقال: " لم يُرَ أجلّ، ولا أفْحل في علم الأصول من البرهان " 2. ثم إن البرهان قد حفظ لنا الآراء الأصولية لجماعة من الأئمة الأعلام ضاعت كتبهم، فيما ضاع من تراث أمتنا ومجدها، فمن ذلك مثلاً: أنه يعرض لآراء القاضي أبي بكر الباقلاني في كل مسألة تقريباً، ولا شك أن هذه الآراء كانت مدونة في كتبه (الأصول الكببر)، و (الأصول الصغير)، و (المقنع)، وغيرها، ولم يصلنا للآن أي من هذه الكتب.
كما ورد ذكرٌ في البرهان لآراء (ابن فورك) في (مجموعاته) وللأشعري في كتاب (أجوبة المسائل البصرية) وللقاضي عبد الجبار في (العمد) وفي (شرح العمد)، ولابن الجبائي في كتاب (الأبواب)، وهي كتب لم تصلنا للآن، بل ربما لم نعرف نسبة بعضها إلى أصحابها.
وغير هؤلاء كثيرون ذكرهم الإمام، مثل: الدقاق، والصيرفي، وداود، وابنه، والحليمي، والحارث بن أسد المحاسبي، والصيدلاني، و... هذا ولم يكن (البرهان) هو كتابه الأصولي الوحيد، فله أيضاً:

  • التلخيص: وهو تلخيص لكتاب الباقلاني (الإرشاد والتقريب).
  • الورقات: وهو خلاصة موجزة لعلم أصول الفقه، وقد طوّف هذا الكتاب ما طوّف، فشرق وغرب، وحظي بكثير من الشروح، والحواشي، والتعليقات، والنظم، فكان محور التدريس والتحصيل لعلم أصول الفقه زماناً طويلاً.
  • التحفة في أصول الفقه، وهي من كتب الإمام المفقودة.

3 - علم الخلاف والجدل: يعتبر علم الخلاف والجدل قمة الإحاطة بالفقه والأصول، ودليل الإمامة والتمكن من العلم.
فهو في تعريف حاجي خليفة: " علم يعرف به كيفية إيراد الحج الشرعية، ودفع الشبه، وقوادح الأدلّة الخلافية، بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق، إلا أنه خُصّ بالمقاصد الدينية " 1. ويقول ابن خلدون: " ولا بدّ لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته " 2. وربما كان أوضح دلالة على منزلة علم الخلاف، ما قاله الإمام الشاطبي، واستدلّ عليه بطائفة صالحة من أقوال السلف، قال: " جعل الناسُ العلمَ معرفةَ الاختلاف، قال قتادة: من لم يعرف الاختلاف، لم يشَمّ أنفُه الفقه، وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف القراء، فليس بقارىء، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء، فليس بفقيه، وعن عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك، ردّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه... إلى آخر الفصل " 3. وقد برع إمامنا في هذا العلم، وضرب فيه بسهم وافر، فقد عُني بجانبيه: وسائله، ومسائله.
فألف في وسائل علم الخلاف كتابه القيم.
(الكافية في الجدل) ويقع في مجلد ضخم، ويعتبر من أهم الكتب في هذا الباب 4.

وألف كذلك في مسائل علم الخلاف، فله في هذا الجانب المؤلفات الآتية: 1 - الأساليب في الخلافيات: ذكره الإمام وأحال عليه في عشرات المواضع من كتبه، وذكر حاجي خليفة أنه يقع في مجلدين 1. 2 - العُمَد: وهو من كتبه بالقطع، فقد ذكره في البرهان بصورة قاطعة، لا تدع مجالاً للشك في اسم الكتاب وموضوعه، حيث قال: " وقد أجرينا في (الأساليب) و (العمد) مسائل، ومعتمد المذهب فيها الأخبار ". (فقرة: 48).
كما ذكره أيضاً في خاتمة الدّرة المضية، عندما قال: " إنها جاءت إيفاءً بمسائل لم تكن جرت في (العمد) و (الأساليب) "، والدّرة المضية في الخلاف قطعاً، فهي بين أيدينا، فحيثما كانت تكملة وتوفية (للعمد) و (الأساليب)، فالعمد إذاً في الخلاف.
3 - الغنية: واسمه الكامل (غنية المسترشدين)، ذكره كثير ممن ترجموا للإمام كالسبكي والذهبي، ولكن الذي يدل دلالة قاطعة لا تقبل الشك، هو ما ذكره تقي الدين السبكي في أول تكملته للمجموع: 10/ 7، حيث عده من كتب الأصحاب في الخلاف التي بين يديه، ويرجع إليها، ويستمد منها تكملته للمجموع.
ولكن الأكثر وضوحاً، هو ما قاله في (نهاية المطلب) تعقيباً على إحدى المسائل: " وتوجيه القولين قد استقصيناه في (الأساليب) و (الغنية) " ا. هـ. قلت: وهذه الكتب الثلاثة: على أهميتها - لما نعثر عليها للآن.
4 - الدّرة المضية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية 2: وهو الكتاب الوحيد الذي وصلنا من أصل أربعة كتب ألفها الإمام في الخلاف، ومع أنها نسخة وحيدة إلا أنها عالية الجودة، على نقصٍ في بعض الكلمات، وتآكل في بعض الحروف، وانمحاء في بعضٍ آخر، ولكن كل ذلك -على خطورته- يمكن تداركه، بمزيد من المعاناة والصبر والدأب، وتكرار القراءة، والاستعانة بما كتب

الإمام عن المسألة في النهاية، وبما جاء في كتب الخلاف المتاحة، ومن قبل ذلك ومن بعده توفيق الله سبحانه، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
4 - علم السياسة الشرعية: كان إمام الحرمين مثل كل أئمتنا، يعيش واقعه، ولا ينفصل عنه، يظهر ذلك في علاجه لمسائل الفقه المختلفة، إن في العبادات، أو في المعاملات، وسواء في الأنكحة أو الجنايات، وليس كما قال بعض الباحثين 1: " إن المؤسسة العلمية انفصلت مبكراً عن المؤسسة السياسية، فمنذ فجر تاريخنا - بعد العصر الراشدي، بل من يوم مقتل عثمان رضي الله عنه أخذت المؤسسة العلمية في الانفصال عن المؤسسة السياسية، أو تمت العزلة بين الزعامة السياسية، والزعامة الفكرية، وعزلت الزعامة الإسلامية الملتزمة " هكذا قال بنص حروفه.
وأقول: إن هذا الكلام باطل ببديهة العقل، وباطل بحقائق التاريخ، باطل ببديهة العقل، فليس يصح في العقل السليم أن أمة هذا حالها (عَزلٌ للزعامة الفكرية وإقصاء لها) تنتج، وتصنع كلَّ هذه الحضارة التي ارتادت للبشرية طريق الحق والعدل والسلام والأمن والإيمان، والإخاء والمساواة، ودانت لها الدنيا أكثر من ألف عام.
وباطلٌ بحقائق التاريخ الذي يثبت أن كثيراً من (زعماء السياسة أنفسهم) مَنْ جمع بين الزعامة السياسية والفكرية، مثل عبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون، وغير هؤلاء ممن لا نعلمهم.
وباطل أيضا بحقائق التاريخ التي تثبت أن أئمتنا (زعماء الفكر) لم يعتزلوا ولم يُعزلوا أبداً على طول التاريخ، فأبو جعفر المنصور يطلب من الإمام مالك أن يضع له (الموطأ) وهارون الرشيد يطلب من أبي يوسف أن يضع له الخراج، والإمام

أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي، نراه في طليعة جيش الإسلام في موقعة (ملاذ كرد) التي استؤصلت فيها جموع الروم، وأخذ إمبراطورهم أسيراً، تلك المعركة التي كان لها ما بعدها في التاريخ، وأخبارها للأسف مجهلة لعامة مثقفينا وعلمائنا 1. والشيخ أبو إسحاق الشيرازي كان في قلب السياسة، يوم أصلح بين الخليفة العباسي في بغداد، والسلطان ملكشاه في (الرّي).
والإمام أبو الوليد الباجي هو الذي جيش جيوس المسلمين في معركة (الزلاقة) التي أعادت هيبة المسلمين في الأندلس، ولعدة مئات من السنين.
والإمام أسد بن الفرات يقود الجيوش في البر والبحر، ويموت شهيداً وهو من أعمدة الفقه المالكي، صاحب (الأسدية) من أمهات كتب المذهب.
وشيخ الإسلام ابن تيمية في قلب السياسة، والسجن، ويجَيِّش الجيوش لحرب التتار.
وسلطان العلماء العز بن عبد السلام صانع النصر في معركة عين جالوت.
وشيخ الإسلام محمد سعد الدين بن حسن المتوفى سنة 1008 هـ الذي كان بمعية السلطان محمد الثالث في حرب هنغاريا، فلما هم السلطان بالتراجع تحت وطأة الهجوم الصليبي، أخذ شيخُ الإسلام بزمام حصان السلطان، ووجهه ناحية العدو، وصاح زاجراً للسلطان: " إنما نعيش لمثل هذا اليوم!! نموت شهداء، ولا نرى انكسار جيش الإسلام " فكان النصر.
وعلماء الأزهر الذين كانوا يناقشون فرمانات السلطان، ويردّونها إذا خالفت الشرع (أي يناقشون دستورية القوانين) والذين انتزعوا وثيقة بحقوق الشعب مكتوبة موقعة من الأمراء المماليك قبل الحملة الفرنسية بسنوات (1794 م).

جارٍ التحميل