كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
لمالك الثوب، وقد غصبه مع الثوب، وإما أن يكون لأجنبي، وقد كان غصبه منه.
فأمّا إذا كان الصِّبغ ملكَ الغاصب، فيتصور الثوب والصِّبغ على صور، ونحن نأتي عليها، ونذكر في كل صورة ما يليق بها.
ونقول: قد يزداد الثوب بسبب الصبغ، وقد ينقص، وقد يبقى على القيمة الأولى: من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ.
فإن لم يزدد، ولم ينتقص، وتصويره أن قيمة الثوب لو كانت عشرة، وقيمة الصبغ عشرة، وكان الثوب بعد الصبغ يساوي عشرين، فهذا هو الذي عنيناه.
فالثوبُ على قيمته، والصبغ على قيمته.
والقول في ذلك ينقسم، فلا يخلو: إمَّا أن يكون الصبغ معقوداً لا يتأتى فصله، وإمّا أن يكون غير معقود، وكان فصله ممكناً.
فإن كان الصبغ معقوداً، فالثوب المصبوغ مشترك بين مالك الثوب والغاصب، وليس ذلك كالقِصارة وما في معناها؛ فإن الصبغ عينٌ قائمة؛ فلا سبيل إلى إحباطها، وإبطالِ ملك مالكها فيها، ولا وجه لتمييز الصبغ عن الثوب؛ فإنا فرضنا الكلام في الصبغ المعقود، الذي لا يتميز 1. ثم لا يملك صاحبُ الثوب إجبارَ الغاصب على البيع، والغاصب لا يُجبر صاحبَ الثوب على البيع، فإن اتفقا على البيع وباعا الثوب المصبوغَ بما يساوي، وهو عشرون، فالثمن مقسوم بينهما، وإن وجدا زبوناً، واشترى الثوب بثلاثين، فالمبلغ مقسوم نصفين بينهما.
وإنّما لم يُجبر أحدُهما على مساعدة صاحبه في البيع؛ تنزيلاً للثوب مع الصبغ منزلةَ ملكٍ مشترك بين شريكين، لا يقبل القسمة؛ فإن واحداً منهما لا يُجبر صاحبه على البيع، وإن كانت القسمة متعذرة، فلكل واحدٍ من الشريكين أن يبيع حصته من الملك المشترك.
وهل يملك كلُّ واحدٍ من صاحب الثوب والصبغ أن يبيع ملكه على حياله؟ القياس أنه يملك اعتباراً بالملك المشترك بين شريكين الذي لا يقبل القسمة.
ويجوز أن يقال: لا ينفذ البيع؛ فإنه لا يتأتى الانتفاع بالثوب وحده، ولا بالصبغ.
والبيعُ فيما يعسر الانتفاع به قد يفسد.
والملك المشترك يفرض التوصل إلى الانتفاع به بالمهايأة.
وهذا الذي ذكرناه يشبه بيعَ دارٍ لا ممر لها، وقد ذكرنا في صحة بيعها خلافاًً.
هذا تفصيل القول فيه إذا لم تزد قيمةُ الثوب والصبغ، ولم تنقص.
4635 - فأمّا إذا كان الثوب يساوي عشرة، وكان الصبغ يساوي عشرة، فصبغَ الغاصب الثوبَ بصبغه، وعقده، فإذا الثوبُ المغصوب يساوي عشرة، فقد سقطت إحدى القيمتين، واتفق أئمتنا على أن النقصان محسوب من الصِّبغ، فلم يبق إلا قيمةُ الثوب، فالثوب المصبوغ مسلمٌ لصاحب الثوب، لا حظَّ فيه لصاحب الصِّبغ؛ فإن الأصل الثوبُ، والصبغ وإن كان عيناً فهو في حُكم الصفة للثوب، فكأن الصِّبغ قد انمحق، وما ذكرناه في الغاصب وصبغه، ليس بدعاً، إذ قد ذكرنا في كتاب التفليس أن من اشترى ثوباً قيمتُه عشرة، وصبغه بصبغٍ من عنده قيمتُه عشرة، فإذا الثوب المصبوغ يساوي عشرة، فإذا أفلس المشتري بالثمن، وحُجر عليه، فبائع الثوب يرجع في عين الثوب المصبوغ، ويستبدّ به، وإن كان فيه عينُ الصبغ، فإذا كنا نقول ذلك، وقد حصل استعمال الصبغ (1 من المشتري المالك، فالغاصب المعتدي باستعمال الصِّبغ 1) بأن يسقط حقه أولى.
وعلى حسب هذا نقول: إذا طيرت الريح ثوباً لإنسان وألقته في إجّانةِ صباغ، فانصبغ، وما ازدادت قيمةُ الثوب، وتعلق بالثوب من الصِّبغ ما قيمته خمسة، ولم ترتفع قيمةُ الثوب، وكان الصبغُ معقوداً، فقد حبط حق مالك الصِّبغ.
وإن قال قائل: لم يَعْتدِ مالكُ الصبغ، فلِمَ يحبط حقُّه؟ قلنا: لم يظهر للصِّبغ أثر في الثوب، فصار كما لو طيرت الريح جِرمَ الصِّبغ.
ومن تعجب من ذلك، رددناه إلى مسألة المفلس؛ فإن المشتري المفلس تصرف في ملك نفسه، واستعمل في الثوب المملوكِ الصِّبغَ المملوكَ، ثم أحبطناه في الصورة التي نحن فيها.
هذا كله إذا سقط مقدار قيمةِ الصِّبغ بالكلية.
4631 - فأمّا إذا لم تسقط، [ولكن نقصت] 2 فكان الثوب يساوي عشرة، والصِّبغ يساوي عشرة، وكان الثوب المصبوغ يساوي خمسةَ عشرَ، فالنقصان محسوبٌ من1
قيمة الصِّبغ، وقيمةُ الثوب نقدرها عشرة، كما كانت.
وإذا بعنا الثوب برضاهما، فالثمن مقسوم بينهما أثلاثاً.
ولو زادت قيمة الثوب المصبوغ على قيمة الثوب وحده، وعلى قيمة الصِّبغ وحده 1، فإذا وفت القيمتان، حسبنا الزيادة منسوبة إليهما على مقدارهما.
وبيان ذلك: أنا قدَّرنا الثوب عشرة والصبغ عشرة، ثم وجدنا الثوب المصبوغ يساوي ثلاثين، فالقيمتان متساويتان، والزيادة مفضوضةٌ عليهما بالسوِيَّة.
فإذا بيع الثوب، فلمالك الثوب خمسة عشر، ولصاحب الصِّبغ خمسةَ عشرَ.
فهذا قياس الباب.
والضابطُ فيه.
من طريق الحساب أنا إذا لم نجد بعد الصِّبغ إلا مقدارَ قيمة الثوب غيرَ مصبوغ، فقد انمحق الصِّبغ، فالمصبوغ لصاحب الثوب.
[وإن] 2 وجد الثوب المصبوغ ناقصاً عن القيمتين، احتسب الثوبُ على كمال قيمته قبل الصبغ، واحتسب النقصان كله من الصِّبغ.
وإن وفت القيمتان، اعتبرناهما جميعاً.
وإن زادت قيمة المصبوغ على قيمة الثوب والصبغ مفردين، فالزيادة على القيمتين مفضوضةٌ عليهما.
ولو وجدنا المصبوغ أقلَّ قيمةً من الثوب قبل الصبغ، فقد انتقص الثوب بذلك المقدار، فعلى الغاصب ردُّ الثوب، وأرشُ ما نقص.
وهو كما لو كان الثوب وحده عشرة، والصِّبغ عشرة، والثوب المصبوغ ثمانية، فالغاصب يرد الثوب، ودرهمين.
وقد انمحق الصبغ.
وكل ما ذكرناه في الصبغ المعقود الذي لا يتأتى فصله أصلاً.
4632 - فأمّا إذا كان فصل الصبغ ممكناً، فالذي ذهب إليه المراوزة أن للغاصب أن يفصل الصبغ؛ فإنه عين ماله، ثم لم يفرقوا بين أن يكون للصِّبغ المفصول قيمةً، وبين ألا يكون لها قيمة، وبين أن تكون قيمتها 3 نَزْرةً بالإضافة إلى ما كان الصِّبغ عليه قبل الاستعمال، واعتمدوا فيه أنه عينُ مال الغاصب، (4 فهو أولى به 4) من غير التفاتٍ إلى أصل القيمة ومقدارِها.4
ثم قالوا: لو لم يطلب الغاصبُ فصلَ الصِّبغ، فلصاحب الثوب أن يجبره على الفصل، مَصيراً إلى تفريغ الثوب عنه، ثم لا نظر إلى القيمة، كما ذكرناه.
ثم قالوا: إذا فصل الغاصب الصّبغ، بإرادته واختياره، أو فصله بإجبار مالك الثوب إياه، فإن كانت قيمة الثوب بعد فصل الصبغ كقيمته قبل استعمال الصِّبغ، فلا كلام، والثوب مردود على مالكه، وإن نقصت قيمة الثوب بعد فصل الصِّبغ، عن قيمته قبل استعمال الصبغ، فعلى الغاصب أرشُ النقصان؛ لانتسابه إلى العدوان في استعمال الصبغ ابتداءً.
هذا والأمر مفروض في فصل الصبغ.
فإن تراضيا على بيع الثوب مصبوغاً، فالقول في الثمن والحالة هذه، كالقول فيه إذا كان الصبغ معقوداً.
هذا طريق المراوزة.
وقال العراقيون: إن أمكن فصلُ الصبغ من غير نقصانٍ في قيمة الصبغ، فللغاصب الفصل، ولمالك الثوب الإجبارُ عليه.
وإن كان الصبغ المنفصل لا يساوي شيئاًً، أو كان يساوي مقداراً نزراً، بالإضافة إلى قيمة الصبغ قبل الاستعمال، وكان الغاصب الذي هو صاحب الصبغ يبغي أن يُبقي الصبغ، ولا يزيله؛ حتى لا يحبطَ ملكُه، أو لا يخسر خسراناً مبيناً، وليقع التصوير فيه إذا كان الثوبُ المصبوغ يساوي عشرين، فصاعداً، والصبغ لو فصل، لما كانت له قيمة، أو كانت نزرة.
فإذا أراد الغاصب ألا يفصل، وأراد صاحب الثوب أن يُلزمه الفصلَ، وإن كان الفصل يؤدي إلى تخسيره، قال العراقيون: في المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يُجبَر الغاصبُ على إزالته، بل يُجبر مالكُ الثوب على تبقيته، ويكونان شريكين في الثوب.
قالوا: وهذا اختيار ابن سريج، ووجهه أن صاحب الثوب متعنت، في تكليف الغاصب إزالة الصبغ؛ وليس يتعلق بهذا غرض صحيح.
والوجه الثاني - أنه يُجبر على الإزالة إذا طلب مالك الثوب.
قالوا: وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي، وابنِ خَيْران، وتعليلُه ما ذكرناه في طريق المراوزة.
هذا إذا طلب مالك الثوب فصلَ الصبغ، ولم يرض به الغاصب.
فأما إذا رضي
صاحب الثوب بتبقية الصبغ، وأبى الغاصب، وطلب أن يفصل صِبغه، فإن كان لا ينتقص الثوب بفصله، فهو مجابٌ إلى ما يريد من فصل الصبغ؛ فإنه عين ماله، ولا ضرر على صاحب الثوب بفصله، ثم لا نظر إلى قيمة الصبغ، سقطت أو نقصت.
فإن كان فصل الصبغ يؤدي إلى إلحاق نقصٍ بالثوب، بأن كان يرده إلى تسعةٍ، أو ثمانية، ولو ترك الصبغ، اشتري بالعشرين مثلاً، فيعود في هذه الصورة الخلاف الذي حكاه العراقيون: ففي وجهٍ لا يمكَّن الغاصبُ من فصل الصبغ؛ لأنه ليس له في فصله غرض صحيح، وفيه تنقيص الثوب في الحال، إلى أن نفرض جُبران النقصان بالضّمان، وفي وجهٍ يجاب الغاصب إلى ما يريده، ثم إن كان نقصٌ جَبَره.
وهذا قياس المراوزة.
ولا يخفى على النّاظر في قياس القواعد أن الوجه ما قطع به المراوزة، وما عداه خبط وتخليط، لا ينضبط فيه رأي، وإنما هو استصلاحٌ محض، لا معوّل عندنا على مثله.
ثم قد أَدَرْنا في تفصيل الكلام تصويرَ نقصان الصبغ إذا فُصل، وتصوير سقوط قيمته على رأي العراقيين في تخريج الوجهين، فالذي يقتضيه فحوى كلامهم أن الخلاف يختص بسقوط قيمة الصبغ، أو سقوط معظمها عند تقدير الفصل.
فالذي يقتضيه القياس مع التزام أصلهم أنه إذا كان الصبغ المفصول يسقط من قيمته ما لا يتغابن الناس في مثله بالإضافة والنسبة إلى ترك الصّبغ في الثوب، فيطّرد الخلاف، حتى لو كان الثوب المصبوغ يساوي عشرين، وحصة الصبغ منها عشرة، وكان الصبغ لو فصل يساوي تسعة، فالدرهم الناقص مما لا يتغابن الناس في مثله، فيظهر من فصل الصبغ تخسير معتبر، ويلزم منه طرد الخلاف الذي ذكروه.
4633 - ونحن الآن نُلْحِق بطريق المراوزة وهي اختيار أبي إسحاق المروزي -فيما حكاه العراقيون- تفريعَ حكم آخر، فنقول: إذا كان مالك الثوب يملك إجبار الغاصب على فصل صبغه، وكان الغاصب يتعب بفصله مثلاً، فقد ذكرنا أنه مجبر عليه، فلو قال: تركت الصبغ على مالك الثوب نِحْلة وهبةً، فلا تطالبوني بتكليف فصله، فكيف السبيل في ذلك؟ ذكر الأئمة وجهين: أحدهما - أن صاحب الصبغ يجاب إلى
ملتمسه، فيدخل الصبغ في ملك صاحب الثوب قهراً وإن لم يُرِدْه.
والوجه الثاني - أنّه لا يجاب صاحب الصبغ إلى ذلك، بل يجبر على فصل الصبغ وإن لاقاه من الكلفة ما لاقى 1.
توجيه الوجهين: من قال لا يجاب الغاصب، فهو متمسك بالقياس الكلي؛ فإن 2 إجبارَ مالك الثوب على الملك في الصِّبغ خارج عن القانون، وتكليف الغاصب ما يتعبه محمولٌ على نتيجة عدوانه.
ومن قال: يجاب الغاصب، اعتقد الصِّبغ في حكم الصفة التابعة، وقال للمالك: إذا كنت لا تخسر شيئاًً، وقد صار الصبغ صفةَ ثوبك، فاحتمله.
وظاهرُ المذهب أن من اشترى فرساً وأنعله، لما قبضه، ثم اطلع على عيبٍ قديمٍ به، ولو كلفناه قلعَ النعل، لعاب الفرس عيباً حادثاً، ولامتنع ردُّه بالعيب القديم لمكان العيب الجديد الذي يحدثه قلعُ النعل، فللمشتري رد الفرس منعلاً، ثم النعل يدخل في ملك المردود عليه.
هذا ظاهر المذهب، وقد فصلتُه في كتاب البيع، في فصول الرد بالعيب.
وهذا يفارق الخلاف الظّاهر الذي ذكرناه بين الغاصب والمغصوب منه في الصبغ، والفرق أن المشتري ليس متعدِّياً؛ فإنه أنعل الفرس الذي ملكه بالشراء، ثم فُرض الاطلاعُ على العيب، فلم يكن المشتري منتسباً إلى التقصير.
وبناءُ أمر الغاصب على العدوان، فهو بألا يجاب إلى ملتمسه أوْلى.
هذا بيان قاعدة الكلام في ذكر الخلاف.
4634 - ثم اختلف 3 أئمتنا في محل الوجهين المذكورين في الغاصب وصِبغه.
وحاصل ما فهمنا من نقل الأئمة وفحوى كلامهم ثلاثُ طرقٍ في محل الوجهين: إحداها للعراقيين، وهي: أنا لا ننظر إلى ضررٍ ينال الغاصب، ولكنّا نطلق
الوجهين، مهما 1 أراد ترك الصبغ على مالك الثوب، والمتبع عندهم اتصال الصبغ بالثوب، وقيامُه فيه مقامَ الصفة، قالوا: سواء كان ينتقص الصبغ لو فصل، أو لا ينتقص، وسواء كان ينتقص الثوب، و [يُلزم] 2 انتقاصُه الغاصبَ الضّمانَ، أو كان لا ينتقص، فمهما ترك الغاصب الصبغ على مالك الثوب، فالوجهان جاريان، ومعتمد جريانهما الاتصال، وقيام الصبغ مقام الصفة.
وطرد هؤلاء الوجهين في الصبغ المعقود الذي لا يفرض فصله، فقالوا: لو تركه الغاصب، وأراد أن يُملِّكه صاحبَ الثوب، فالوجهان يجريان.
وهذه طريقة بعيدة.
ومن 3 أصحابنا، من قال: إذا كان على الغاصب تعبٌ في فَصْل الصِّبغ، فإذ ذاك يجري الوجهان: إذا أراد تَرْكَ الصبغِ على مالك الثوب، وكذلك إذا كان لا ينتفع به لو فصله، أو كان يثبت له قيمةٌ نزرة، فيجري الوجهان في هذه الصورة.
فأمّا إذا تيسر الفصلُ وللصبغ المفصول قيمةٌ معتبرة، يطلب مثلُها، أو كان الصبغ معقوداً، فإذا سَمَح صاحب الصبغ في هذه المنازل، فأراد أن يتركه ملكاً على صاحب الثوب، فلا يجاب إلى ملتمسه، بل إذا كان معقوداً، فالشركة قائمة، وإن لم يكن معقوداً، أجبر على فصله إذا لم يكن تعبٌ ولا سقوطُ معظم القيمة.
ولعل هذا القائل يقيس التعب بما يبقى من القيمة، فإن كان ما يبقى من القيمة لا يفي بالتعب الذي يلقاه المزيل، فهو من صور الوجهين.
وإن كان يفي بالتعب ويزيد، فلا إجبار على التمليك.
وإن كان يفي بالتعب، ولا يزيد، فلا فائدة إذاً ويجري الوجهان.
هذا بيان الطريقة الثانية في محل الوجهين.
ومن 4 أصحابنا من قال: الغاصب مجبر على إزالة الصِّبغ إذا كان لا يؤثر فصلُه في تنقيص قيمة الثوب، كيف فُرض الأمر في الصبغ، ولا نظر إلى التعب، ولا إلى
سقوط قيمة الصبغ.
وإن كان فصلُ الصبغ ينقُص قيمةَ الثوب، فأراد الغاصب ترك الصبغ؛ حتى لا يحتاج إلى غرامة أرش النقص الذي يلحق الثوبَ، فإذ ذاك يخرّج الوجهان في أنه هل يجاب إلى ملتمسه.
وصاحب هذه الطريقة يقابل أرش النقص بقيمة الصِّبغ المفصول، فإن كانت قيمةُ الصبغ تفي بأرش النقص، أُجبر الغاصب على الفصل، وإن كانت قيمةُ الصبغ لا تفي بأرش النقص، فإذ ذاك نُجري الوجهين.
هذا بيان أصل الوجهين.
وذُكر الاختلاف في محلها.
ولم يصر أحد من الأصحاب إلى إجابة الغاصب في الصبغ المعقود، إلا ما ذكرناه من طريقة العراقيين.
4635 - ومما تتم به هذه التفاريع: أنا حيث لا 1 نوافق الغاصبَ، ولا نجيبه إلى ما يبغيه، فإذا أراد هبة الصبغ، فلا بد من رعاية شرائط الهبات: من فرض الهبةِ من صاحب الصِّبغ، وقبوله 2 من صاحب الثوب.
وحيث قلنا: يجاب الغاصبُ إلى ما يلتمسه، فلا حاجة إلى قبول صاحب الثوب، ولا بد من لفظ يصدر من صاحب الصِّبغ، ويجوز أن يقال: يكفي أن يقول: تركت الصبغ على صاحب الثوب، ولا حاجة إلى لفظ الهبة، وما يقوم مقامه؛ فإنا إذا كنا لا نشترط القبولَ، فمجرد لفظ الهبة لا معنى لاشتراطه، ولكن لابد من لفظة تشعر بقطع حق الغاصب، كقوله: أعرضت، أو تركت، أو أبرأت عن حقي، أو أسقطت، ولا شكّ أنه لا يقع الاكتفاء بلفظ متردد بين الإعراض وبين التَّوقف.
ويجوز أن يقالَ: لا بد من لفظ يشعر بالتمليك والتبرع، وإن كنا لا نشترط القبول، فينزل لفظ التبرع مع سقوط القبول منزلةَ لفظ الأب إذا وهبَ من طفله شيئاًً، ولم نشترط القبول.
ثم إذا جرى لفظٌ نقنعُ به، والتفريع على أنه يجاب، فلو أراد أن يرجع، فهو رجوع في هبة تامةٍ.
والكلامُ مفروض فيه إذا كان الثوب في يد مالكه.
فليتأمّل الناظر ما نلقيه من أعواص الكلام في هذه التفاصيل.
ومما يبقى علينا بعد هذا الإيضاح فروعٌ نرسمها نستدرك ما يُقَدَّر شذوذه عن ضبط الأصول.
فرع:
4636 - إذا كان الصبغ معقوداً، وأثبتنا صاحبَ الثوب والغاصبَ شريكين، فلو قال صاحب الثوب: أنا آخذ الصِّبغ بقيمته، وهو معقود، أو كان الصبغ بحيث يتصوّر أن يزال على يسر أو عسرٍ، فإذا أراد أن يأخذ الصبغ بقيمته، لم يُجب إلى ذلك.
وهكذا إذا غرس الغاصب في الأرض المغصوبة، فقال المالك: أنا آخذ الغراس بالقيمة، لم يكن له ذلك.
هكذا ذكره القاضي.
وليس كما لو أعار أرضاً، فغرسه 1 المستعير، ثم رجع المعير في العاريّة، وطلب أخذ الغراس بالقيمة، فقد يجاب إلى هذا في تفاصيلَ قدمنا ذكرها، والفرق بين القاعدتين أن المعير لا يتمكن من قلع ملك المستعير أو إجباره على القلع مجّاناً؛ فكان فيه حاجة إلى الأخذ بالقيمة في بعض مجاري الكلام.
والمغصوب منهُ متمكن من إلزام الغاصب إزالة ملكه مجاناً، وهذا واضح لا شكّ فيه.
فرع 2:
4637 - إذا كان الثوب يساوي عشرة، وكان الصبغ يساوي عشرة، والثوب المصبوغ يساوي ثلاثين.
وقد ذكرنا أنهما إذا رضيا ببيع الثوب، فالثمن مقسوم بينهما نصفين.
فلو كان الصبغ بحيث يمكن إزالته، فإن أراد الغاصبُ فصله، فله ذلك.
ولكن إن بقي الثوب بعد فصله مساوياً خمسةَ عشرَ، فذاك.
وإن نقص الثوب عن خمسةَ عشرَ، فعلى الغاصب ضمان النقصان.
والظاهر أنه ينقص إذا فصل الصبغ، إلا [أن يفرض] 3 في الثوب تغيير سوى استعمالِ الصبغ.
والغرض أن الخمسة عشر محسوبة على الغاصب إذا اختار فصلَ الصبغ.
فإن قيل: لم قلتم ذلك؟ وهلا اعتبرتم قيمةَ الثوب في الأصل وهي عشرة، فاعتبروا النقصان منها، ولا تحسبوا على الغاصب غيرها؟ قلنا: الخمسة الزائدة في قيمة الثوب زيادةٌ حصلت في الثوب في يد الغاصب -وإن كانت بفعله- فهي محسوبة عليه، ومحمولةٌ على الزيادة التي تحصل بالآثار التي ليست أعياناً، كالقِصارة وما في معناها، فشابهت الزيادةُ 1 التي ذكرناها ما لو غصب الرجل جوهرَ الزجاج، وقيمتُه درهم، ثم اتخذ منه قدحاً قيمتُه عشرة، فلو انكسر القدح، فكان الزجاج المنكسر يساوِي درهماً، فعلى الغاصب التسعةُ الناقصة بسبب الكسر.
هذا إذا أراد الغاصِب فصْل الصّبغ.
ولو لم يرده، ولكن أجبره مالك الثوب على فصله، فإن رجعت قيمةُ الثوب إلى عشرة، فلا يغرَم الغاصب بسبب نقصانِ الخمسة التي كانت زادت شيئاًً؛ فإن المالك أجبره على الإزالة.
وإن نقص من العشرة شيء، فيلزم الغاصب حينئذ ما ينقص من العشرة؛ فإن هذا محمول على عدوان الغاصب باستعمال الصبغ ابتداء.
وهذا بمثابة ما لو غصب نُقرةً قيمتها دينار، فصاغ منها حلياً قيمتُه دينار وسدس، فأجبره المغصوب منه على رد الحلي تبراً.
فإن كان التبر يساوي ديناراً، فلا شيء على الغاصب.
وإن نقص التبر عن الدينار، فعلى الغاصب ذلك النقصان المنسوب إلى الدينار.
وهذا بيّنٌ لا إشكال فيه.
فرع:
4638 - إذا كان الثوب المصبوغ يساوي ثلاثين كما صوّرناه، ثم انحط السعر، فصار ذلك الثوب يساوي عشرة، فهذه الحطيطة محمولةٌ على نقصان الثوب والصبغ جميعاً، فيقدر كأن سعر الثوب دون الصبغ خمسة، وقد كان عشرة، وسعر الصبغ دون الثوب خمسة، وقد كان عشرة، وإنما يحسن وقعُ هذا التصوير إذا وجدنا الأمر كذلك في الثوب والصبغ مفردين.
فلو رد الثوب، فهو شريكٌ فيه؛ فإن العين المغصوبة إذا لم تنتقص بآفة 2، فنقصان السوق غيرُ معتبر مع رده، وقد ردّ الثوبَ، فترتب عليه كونُ مالك الثوب
ومالك الصبغ شريكين.
[وإن] 1 كانت قيمتهما الآن مثلَ قيمة الثوب وحده لمّا غصب، فإن هذا التفاوت راجع إلى السوق، وقد أوضحنا أنَّ تفاوت السوق غيرُ معتبر مع رد العين.
فإذا تصورت المسألة على هذا الوجه، فلو نزع الغاصب الصبغ بإذن المالك 2 بعد أن عادت القيمة بالسوق إلى عشرة، فصار الثوب يساوي أربعاً، وقيمة ثوبٍ غيرِ مصبوغ الآن خمسة، فإذا انتقص خُمسُ قيمة الثوب، فلا نقول: يلزمه درهم، بل يلزمه النقصان بحساب العشرة؛ فإن ما ينتقص 3 في يد الغاصِب [يحسب] 4 عليه نقصانه من أكثر القيم، وكانت قيمة الثوب دون الصبغ عشرة، فليقع الاحتساب منها؛ فيلزمه خُمسُ العشرة وهو درهمان.
وقد انتهى غرضنا في ترتيب المذهب في قسمٍ واحدٍ من الأقسام الثلاثة التي صدّرنا بها أول فصل الصبغ، وهو إذا كان الصبغُ ملكَ الغاصب.
4639 - والآن نلحق بعد نجاز ترتيب المذهب شيئاًً حكاه صاحب التقريب أخّرناه،
ولم نر ذكره في سياق الترتيب.
وذلك أنه قال: إذا غصب ثوباً، وصبغه بصبغ من عنده، وكان الصبغ معقوداً لا يُزالُ، فللشّافعي قولان: أحدهما - وهو المنصوص عليه في الجديد أن الغاصب يكون شريكاً في الثّوب إذا كانت قيمة الثوب المصبوغ زائدة على قيمة الثوب من غير صبغ، وهذا هو الذي قطعنا به وبنينا عليه ترتيبَ الطرق.
والقول الثاني -حكاه عن القديم- أن الصبغ المعقود لصاحب الثوب، وهو بمثابة سمن العبد المغصوب في يد الغاصب، وهذا غريبٌ جداً، لم أره لغير صاحب التقريب.
وقال أيضاً: لو كان الصبغ بحيث يمكن فصله، ولكن لو فصل، لما كانت له قيمة، فالمنصوص عليه في الجديد أن ذلك الصبغ معتبر في حق الغاصب، ثم
يُفصِّله 1 ما ذكره الأصحاب، إذ رتبوا المذهب كما قد بيّناه 2.
والقول الثاني - وهو فيما زعم منصوص عليه في القديم: أن الصبغ بمثابة زيادة متصلة، كالسمن ونحوه، فهو ملك صاحب الثوب وهذا الذي ذكره في الصبغ الذي يمكن إزالته في نهاية البعد؛ فإنه إن تخيل متخيل مشابهة الصبغ المعقود السمن؛ من حيث لا يتعلق فصله بالاختيار 3، فهو فيما يمكن فصله بعيد؛ فإن صاحب العين أولى بها، وإن كانت ساقطةَ القيمة.
وكلّ هذا في قسمٍ واحدٍ.
4640 - فأمَّا إذا كان الصبغ ملكَ مالك الثوب، وكان غَصَبَ الثوبَ والصبغَ من شخصٍ واحدٍ، ثم استعمل الصبغ في الثوب.
فإن كان الثوب عشرة، والصبغ عشرة، فصار الثوب المصبوغ يساوي عشرين، فلا نقصان إذاً؛ فإن كان الصبغ معقوداً، فلا ضمان على الغاصب، وإن كان بحيث يمكن إزالته، فإن رضي المالكُ به، فلا كلام.
وإن أراد أن يكلفه إزالة الصبغ، فله ذلك، كما له أن يكلفه إبطال 4 الصَّنعة المجردة التي أثبتها في العين المغصوبة، وهي إذا طبع من النُّقرة دراهمَ، ثم كلف الغاصب ردها نُقرة، فله ذلك.
فلو أزال الصبغ، فانمحق، أو نقصت قيمته، أو نقص الثوب، فلا يلتزم الغاصب بسبب النقصان شيئاً؛ فإنّ كل نقصان يثبت بسبب فك الصنعة بإذن المالك، فلا يكون مضموناً.
وقد ذكرنا أن المغصوب منه إذا كلف الغاصبَ ردّ الدراهم نقرة، فابتنى عليه نقصانٌ لا بدّ منه، فلا ضمان على الغاصب.
4641 - ويتعين في هذا المقام التنبيه لسرٍّ لطيف في المذهب، وهو أن الصّفات إذا فاتت في يد الغاصب لصنعة أحدثها، وقد ازدادت القيمةُ بالصنعة، ولكن خرج التبر عن كونه تبراً، فالمالك يجبر الغاصبَ إن أراد على إبطال صنعته.
وليس الغرض من
ذلك اعتقاد استحقاق الصّفةِ التي كان التبرُ عليها قبل أن صِيغت 1 أو طبعت؛ إذ لو كنا نعتقد ذلك، لألزمنا الغاصبَ النقصان إذا سبك الدراهم نُقرةً بأمر المالك.
ولكنَّا نثبت هذا الحق للمالك على الغاصبِ؛ من جهة أنا نبني الأمر على غرضٍ له في النقرة، فالمرعي في ذلك الأغراضُ، لا المالية.
فليفهم الناظر ذلك.
وهذا إذا لم يفسد صنعة متقومة.
فأمَّا إذا غصب حلياً لصنعته قيمةٌ، فاتخذ منه حلياً آخرَ، قيمةُ صنعته تضاهي قيمة صنعة الحلي المغصوب، فقد نقول: لا جبران 2؛ فإنه يكسر الحلي الأوّل ثم [يصوغه] 3 مرة أخرى، [فليلتزم] 4 بالكسر أرش النقص، ثم [الصيغة الجديدة] 5 التي يحدثها لا تجبر ما تقدم من النقصان.
وقد مهدنا ذلك.
ولو غصب حلياً وكسره، واتخذ منه صنفاً آخر من الحليّ، فالمغصوب منه لا يكلفه رده إلى الصنعة الأولى؛ فإن ذلك لا يمكن الوفاء به 6. وقد ذكرت ذلك فيما تقدم.
فإذا تجدد العهد بهذا، ابتنى عليه أن المغصوب منه لو كلف الغاصبَ إزالة الصبغ، فله ذلك، ولكن لو فرض نقصانٌ، لم يلزمه أرش النقصان.
ومما لا يخفى أنه لو غصب ثوباً قيمته عشرة، وغصب من مالك الثوب أيضاً صبغاً قيمته عشرة، ثم صبغ الثوب، فصار الثوب المصبوغ يساوي عشرة.
فقد أتلف الغاصب الصبغَ، فيلزمه بدلُه: المثلُ إن كان من ذوات الأمثال، أو القيمةُ إن كان من ذوات القيم.
وإن كان الثوب يساوي خمسةَ عشرَ، يلزمه ما يقابل النقصان، ويحتسب النقصانُ من الصبغ.
هذا منتهى القول في هذا الأصل.
4642 - فأمَّا إذا غصب ثوباً من زيدٍ، وغصب صبغاً من عمرو، فإن كان الصبغ معقوداً [ولم] 1 يفرض نقصان، فلا ضمان على الغاصب الصابغ، وقد صار مالك الثوب ومالك الصبغ شريكين.
فإن فرض نقصان والصبغ معقود، نظر: فإن انمحق الصبغ، وكان الثوب يساوي عشرةً، فالغاصب يغرَم بدل الصبغ للمغصوب منه 2. وإن كان الثوب يساوي خمسة عشر، فصاحب الصبغ شريك، وحقه الثلث من الثوب المصبوغ، وملكه على الحقيقة عين الصبغ، ولكنه يقع ثلثاً مع الإضافة إلى الثوب، ويغرَم في هذه الحالة الغاصبُ نصفَ قيمة الصبغ إذا كان متقوماً.
وكل ذلك إذا كان الصبغ معقوداً.
فأمّا إذا كان يمكن إزالته، فليقع الفرْض فيه إذا لم تتفق زيادة ولا نقصان في الثوب والصبغ.
فإن رضيا، فهما شريكان، وإن أرادا أن يُكلفا الغاصِبَ استخراج الصبغ، وتمييزه عن الثوب، فلهما ذلك.
ثم إذا فصل، وحدث نقص غرِم الغاصب أرش النقص لا محالة.
وليس هذا من [باب] 3 فك الصنعة المجرّدة عند اتحاد المالك؛ فإن في هذه الصورة نوعاً من الاعتداء، وهو وصل ملك زيد بملك عمرو، فيلتزم النقصانَ.
وهذا يتضح بصورة: وهي أن الصبغ والثوبَ لو زادا، فصار الثوب يساوي ثلاثين، فإن [أزال] 4 الغاصبُ بنفسه، التزم نقصان الثوب من حساب خمسةَ عشر، والتزم نقصان الصبغ أيضاً من حساب خمسة عشر.
وفي القلب من هذا شيء؛ من جهة أن الملك لم يتحد، حتى يقال: حصلت هذه الزيادة بالصنعة في ملكٍ واحدٍ في يد الغاصب، ثم ترتب عليه نقصان، بل حصل ما حصل من الزيادة بسبب ضم ملك زيد إلى ملكِ عمروٍ، فكان لا يمتنع في القياس أن يقال: هذه الزيادة غير معتبرة ولا محسوبة على الغاصب.
وهذا دقيق لطيف.
والأصل ما قدمناه للأصحاب، وهو المذهب.
ولو كلفناه الإزالة والثوب ثلاثون ففُرض نقصان، فالنقصان محسوب عليه من حساب العشرة في كل جانب؛ فإن الزيادة حصلت بالصنعة، وقد أفسدها بإذنهما.
وفيما ذكرناه أن الصنعة إذا أفسدها الغاصبُ بإذن المغصوب منه، لم يضمن نقصانها.
وإن أمره أحدهما بالفصل دون الثاني، فالذي يقتضيه قياس الأصحاب أن النقصان في حق الآمر محسوب من العشرة، وفي حق من لم يأمر من خمسة عشر.
ويظهر من هاهنا الاحتمال الذي ذكرناه 1 قبل هذا؛ فإن الغاصب يقول للذي لم يأمره 2 بالفصل: كيف أغرَم لك من حساب الخمسة عشر، وإنما تمت الصنعة في صبغك بأن وصلته بثوب غيرك وقد أجبرني مالك الثوب على فصله، ويقتضي 3 هذا حَسْبَ النقصان في حق من لم يأمر منهما من العشرة أيضاً.
هذا نجازُ القولِ في فصل الصبغ.
ولو غصب أرضاً وغرس فيها، أو بنى، فتفصيل القول في الغراس مع الأرض والبناء [عليها] 4 كتفصيل القول في صِبغٍ يستعمله الغاصب في ثوب مغصوب، والصبغ يمكن إزالته.
وقد مضى ذلك مفصلاً مقسماً.
فصل
قال: "ولو كان زيتاً فخلطه بمثله ... إلى آخره" 5.
4643 - الرأي أن نذكر في صدر الفصل نص الشافعي رضي الله عنه على وجهه، ونبين معناه، ثم ننشىء بعده ترتيبَ المذهب.
قال رضي الله عنه: إذا خلط الزيت المغصوب بزيت له، وزيته أجود من الزيت المغصوب، فالغاصب بالخيار بين أن
يعطيه من المخلوط مثلَ مكيلته، وبين أن يعطيه من موضع آخر مثل زيته.
وإن خلط الزيتَ المغصوب بمثله، فظاهرُ النص أنه يتخير أيضاً: إن شاء أعطاه من المخلوط مثلَ مكيلته، وإن شاء أعطاه من غيره.
وإن خلطه بزيتٍ أردأَ من زيته، فالمالك بالخيار، إن لم يرض بالمخلوط، فله ذلك، فيطلب من الغاصبِ مثلَ زيته، وإن رضي بذلك المخلوط،.
فالغاصبُ بالخيارِ، إن شاء أعطاه من ذلك المخلوط مكيلة زيته، وإن شاء أعطاه من موضع آخر 1.
هذا نص الشافعي رضي الله عنه.
وهو مصرح بأن الخلط يتنزل منزلة عدم العين المغصوب؛ فإنه خيّر الغاصبَ في الأقسام الثلاثة بين أن يعطي حقَّ المغصوب منه من المخلوط، وبين أن يعطيه من موضع آخر، فإذا كان يتخيّر على هذا الوجه، فهذا يدل على أن حق المغصوب منه زائل في التعلق بعين ماله.
وعلى الغاصب أن يوفيه حقه، فإن أتاه بمثل زيته من أي موضع شاء، قبِله المغصوبُ منه، وإن أتاه بمثل مكيلته من هذا المخلوط، فلا خيار للمغصوب منه؛ فإنه أعطاه أجود من حقه، ولكن الغاصب لا يتعين عليه البذلُ من هذا المخلوط.
وإن كان الخلط بالأردأ، فإن أعطاه مثل زيته من موضعٍ آخر، قبله.
وإن أعطاه من المخلوط، فالخيار إلى المغصوب منه.
هذا معنى النص.
ونحن نبتدىء بعد هذا تفصيل المذهبِ، فنقول:
4644 - حاصل ما ذكره الأئمة في تأسيس المذهب ثلاث طرق: أشهرها، وأظهرها - إجراء القولين في الأحوال الثلاثة أحدهما - أن عين مال المالك في حكم المفقود.
وقد قال الشافعي في التعبير عن هذا: "الذائب 2: إذا اختلط بالذائب، انقلب".
والقول الثاني - أن عين المال قائمةٌ، وهذا هو الحق في مسلك القياس؛ فإنا نقطع بقيامها حِساً، فبعُد إلحاقها بالمعدومات، مع تحقق وجودها.
فإذا طردنا الطرق بتفريعاتها، نبهنا بعدها على مشكلة عظيمةٍ، وغائلةٍ صعبة الموقع، فما ذكرناه من طرد القولين طريقة واحدة.
الطريقة الثانية: قطعُ القول بموجب النص، وهو أن الزيت إذا خلط بزيتٍ، كان كالمعدوم.
[وقد] 1 أوضحنا شهادةَ النص على هذا.
والطريقة الثالثة: أن الخلط بالمثل لا يُلحق الزيت بالمعدوم، وفي الخلط بالأردأ والأجود القولان؛ فإن التسليم من المخلوط المتشابه الأجزاء ممكن، بلا مراجعة.
وفي التسليم من المخلوط المختلف رداءةً وجودة عسر، كما سنصفه في التفريع.
4645 - هذا بيان الطرق الثلاث.
والرأي بعدها أن نختار طريقة القولين، ونجريهما في الأقسام الثلاثة، ونفرعُ عليهما.
ثم في التفريع عليهما بيانُ المذهب في جميع الطرق.
فإن حكمنا بأن العين المغصوبة كالمفقود، فأصل المذهب أن يُلْحَق الخلط بإتلاف الزيت.
ولو غصب زيتاً، فأتلفه، وكان يملك مثله، وأجود منه، وأردأ منه.
فإن أعطى المالك مثل حقه، قبله لا محالة، ولا خِيَرة.
وإن أعطاه أجود من حقه، تعيّن على المالك قبوله.
ولم يكن له أن يقول أبغي مثل حقي ولا أتقلّد 2 منة البذل في مزية الجودة؛ فإن هذا محتمل في الصّفة بلا 3 خلاف، [فلا] 4 حكم للمنة فيها.
ولو أتاه بأردأ من حقّه، فله أن يمتنع من قبوله؛ فإن قبله، وقع الموقع.
فالمخلوط بالأجود ملك الغاصب، فإذا أعطى منه، كان ما جاء به أجود ممّا غصب، والمخلوط بالأردأ ملك الغاصب أيضاً، فإذا جاء به تخير المغصوب: إن شاء قبله، وإن شاء رده.
هذا بيان هذا القول.
فأما إذا فرعنا على القول الآخر: وهو أن العين المغصوبة قائمةٌ حكماً، كما لو 5 أنها قائمة حساً، فينظر: فإن كان وقع خلط الزيت المغصوب بمثله، فحق 6 المالك
مختص بهذا المخلوط، ولا يتعداه، وسبيل الوصول إليه أن يسلم إليه [مثل] 1 مكيلة زيته من هذا المخلوط.
ثم نحن نعلم أن ما رجع إليه ليس خالصَ حقه، وفيه من ملك الغاصب.
وفيما خلفناه على الغاصب ملكُ المغصوب منه.
ولكن القسمة توجب التفاصل في الحقوق.
وسنشرح هذا في آخر الفصل.
وإن وقع الخلط بالأجود، فليس للمغصوب منه أن يقول للغاصب: أعطني مثل مكيلتي من هذا المخلوط؛ فإنا لو كلفنا الغاصب ذلك، كنا مجحفين به.
والذي ذكره الأصحاب أن الغاصب والمغصوب منه شريكان في المخلوط.
والوجه أن يبيعاه ويقتسما الثمن على مقدار القيمتين.
فإذا كان الزيت المغصوبُ يساوي درهماً، وزيت الغاصب يساوي درهمين، والمخلوط يساوي ثلاثة دراهم، فنبيع المخلوط ونقسم الثمن أثلاثاً بينهما.
ولو أرادا أن يقتسما عين الزيت المخلوط على نسبة الثلث والثلثين، على أن يكون للمغصوب 2 منه ثلثُ الجملة.
والمسألة مفروضة فيه إذا كان مقدارُ المغصوب مثلَ مقدار زيت الغاصِب، فلو أراد المالك أن يأخذ ثلثي مكيلته، ويترك الباقي على الغاصب، بناء للقسمة على نسبة القيمتين، فقد قال الشافعي: لا يجوز هذا، فإنه ربا، وإجراءٌ للتفاضل، فيما تُعبدنا فيه بالتماثل.
ونقل البويطي عن الشافعي جوازَ القسمة على هذا الوجه.
وتكلف أصحابنا، فخرّجوا قوله على أن القسمة إفرازُ حق، وتفاصلٌ 3 فيه، وليس على أحكامِ البيوع، والتفاصُل في الحقوق محمول على القيم ورعاية القسط، في المالية في هذا القسم.
هذا بيان هذا القول في الخلط بالأجود.
وينقدح 4 عندنا مسلك ثالث في هذا، وفي كلام العراقيين رمز إليه، وهو أنا نكلف الغاصب أن يعطي المغصوب منه مثلَ مكيلته من هذا المخلوط؛ فإنا نقول له:
إذا اختلط المالان، صارت الجودة في حكم صفة شائعةٍ في جميع الزيت، فكأنَّ المغصوب زاد زيادة متصلة في يد الغاصب، وهذا [متجه] 1 وإن لم يثبت عندنا فيه نقل صريح.
4646 - فأمّا إذا وقع الخلط بالأردأ، فنقول للمغصوب منه: خذ مكيلتك من هذا المخلوط، وغرِّم الغاصبَ أرشَ النقص، هذا طريق وصولك إلى حقك.
وقد ذكرنا في مسائل التفليس أن المشتري إذا خلط الزيت المشترى بأردأ منه، وجعلنا البائع واجداً عين ماله، فنقول له: إمَّا أن تقنع بمقدار حقك من هذا المخلوط، وليس لك أرش النقص، وإما أن تُضارب الغرماء بالثمن، والسببُ فيه أن العيوب في أمثال هذه المسائل من البيع لا تقابل بالأروش، والنقيصةُ مقابلةٌ بالأرش في الغصوب، ومسائل العدوان.
فلو قال المغصوبُ منه للغاصب: نحن مشتركان في هذا المخلوط، فنبيعه ونقسم الثمن على نسبة قيمتي الملكين، فإن رضيا بذلك، جاز، ونفذ.
وإن أرادا أن يقتسما الزيت متفاضلاً على نسبة القيمتين، فقد قال قائلون من أصحابنا: الترتيب في ذلك كالترتيب فيه إذا وقع الخلط بالأجود، حتى يخرّج فيه القولُ الذي حكاه البويطي.
وهذا رديءٌ، لا أصل له؛ فإن الرجوع إلى مقدار الحق من هذا المخلوط ممكن، مع غرامة أرش النقص.
وهذا أقرب؛ [فلا] 2 حاجة إلى التزام صورة التفاضل مع الاستغناء عنها.
ولمن يجري القولين أن يقول: إذا كان بناء قولي البويطي على أن القسمة ليست [بيعاً] 3 بل هي مفاصلة لا يلتزم فيها رعاية المماثلة، فلا نظر -والمعتبر هذا- إلى إمكان الرجوع إلى أرش النقص.
ولو كنا نلتزم ذلك، لكان الأرش ومقدار المغصوب في مقابلة مثل المغصُوب، وهذا غير سائغ فيما ترعى المماثلة فيه؛ إذ لا يجوز مقابلة صاع ودرهم بصاعٍ.
هذا حاصل التفريع.
وقد طردنا تفصيل المذهب على ما نقله الأئمة.
4647 - ونحن نذكر وراء ذلك إشكالاً عظيماً، فنقول:
ظاهر النص أن المغصوب المخلوط كالمعدوم، وهذا مشكل جداً، فإنه ليس حق المغصوب منه بأن يحكم عليه بالعدم لاختلاطه بملك الغاصب بأولى من عكس ذلك، حتى يقال: انعدم ملك الغاصب باختلاطه بملك المغصوب منه، والخلط متحقق من الجانبين جميعاً.
ولا خلاف أن رجلين لو اجتمعا وخلط أحدهما [زيتاً له] 1 بزيت الآخر، فهما مشتركان.
ومسائل الشركة مستندة إلى اختلاط مالي الشريكين.
4648 - ولو انثالت حنطة لرجلٍ على حنطة لآخر من غير فرض قصد، فهما مشتركان، ثم يقع النظر في التفاصل، فإن تماثلت الأجزاء، سهل الأمر، وإن اختلفت جودة ورداءة، ففي وصولهما إلى حقهما التفصيل الذي ذكرناه في تفريع المذهب إذا عسر الفصل.
وما ذكرناه في الحنطة لو فرض في الذائب، كان كذلك.
وممّا يعضد الإشكال وينهيه نهايته أن من غصب صبغاً، وصبغ به ثوباً لنفسه، أو ثوباً غصبه من الغيرِ، ولم ينمحق الصبغ، فصاحب الصبغ مع صاحب الثوب شريكان [إن] 2 كان الصبغ معقوداً يتعذر فصله؛ فإذاً لا يبقى على هذا التقدير لظاهر النص توجيهٌ عليه تعويل.
وأقصى الممكن فيه أن نقول: مسألة الخلط في الغصب مأخوذة من نظير لها في البيع: وهي إذا اختلط المبيع بغير المبيع قبل القبض، فإذا جرى ذلك، ففي انفساخ العقد قولان، ذكرناهما في كتاب البيع توجيهاً وتفريعاً.
وتحقيق الشبه [فيه] 3 أن من باع عيناً، التزم تسليمها مخلّصةً، فإذا عسر ذلك، ولم تكن القسمة -لو قدرت- تسليماً للعين التي اقتضى العقد تسليمها، فنقول: تعذّرُ ذلك كانعدام العين في قولٍ.
كذلك الغاصب لما غصب الزيت، التزم رد عينه، فإذا
عسر ذلك بالخلط، ولم 1 تكن القسمة تسليماً للعين المغصوبة، كان هذا التعذر بمثابة انعدام العين.
وهذا غاية ما نتكلفه، وهو ركيك؛ فإن العقد عرضةُ الفسخ، والأملاك 2 يبعد نقضُها في غير العقود.
4649 - ولنا أن نقول: إنما تعلقنا بانفساخ العقد، لا بخيار فسخه، وانفساخ العقد يتبع تلف العين.
وهذا غير مرضي؛ إذ يجوز أن يقال: إنه يحصل عند اليأس من إمكان تسليم المعقود عليه على ما اقتضاه العقد.
وأما مسألة الصبغ، فواقعة، وهي مناقضة لما ذكرناه.
غير أن الذي ذكره الأصحاب أن الصبغ متميز عن الثوب عياناً وحساً، ولكنه ملتزق به إذا كان معقوداً التزاقاً يتعذر الفصل معه، ولأجل هذا الخيال 3 جرى القول القديم في أن الصبغ المعقود يصير بمثابة الزيادة المتصلة، على ما حكاه صاحب التقريب.
ومما يشكل [في] 4 ذلك أنّا نقول: من غصب عبداً، فأبق من يد الغاصب، وغرِم الغاصب للمغصوب منه قيمةَ العبد، فإنه لا يملك الغاصب رقبةَ العبد ببذل قيمته.
وقد ملكنا الغاصب على ظاهر النص زيتَ المغصوب منه، وألزمناه البدل، فكان هذا مناقضاً لأصلنا.
وسبيل الجواب عن ذلك أن الإباق لا يتضمن للغاصب ملكاً في الآبق، بلا خلاف.
ولكنه يغرَم القيمة لمكان الحيلولة.
ثم رأى أبو حنيفةَ أن يملك الغاصب رقبة العبد، فكان هذا تمليكاً منه بعلة التضمين 5.
ونحن نقول في مسألة الخلط: (6 نفس الخلط 6) يُملِّكُ الغاصب ما غصبه، ثم6
جريان الملك للغاصب في المغصوب يُلزمه الضمان، فهذا تضمين بتمليك سابق
وما قاله أبو حنيفة تمليك بتضمين.
4650 - ثم قال الشافعي: "وإن خلطه بشَيْرَج 1، أو صبه في بانٍ 2 ... إلى آخره".
قال أصحابنا: ما قدمناه من فصول الخلط فيه إذا خلط الشيء بجنسه، فأما إذا خلطه بما لايجانسه، مثل أن يخلط زيتاً ببانٍ أو بجنسٍ آخر من الأدهانِ، فالمغصوب يلتحق بالمنعدم المفقود.
هذا ما أطلقه الأصحابُ.
[وخرّج] 3 القاضي فيه قولاً أن المغصوب 4 واجدٌ لعين ماله.
وألحق ذلك بالخلط بالأرْدأ والأجود، مع اتحاد الجنس.
وهذا تخريج منقدح لما نبهت عليه من وجوه الإمكان 5.
ومن عجيب الأمر أن الأصحاب ألحقوا ما لو غصب زيتاً ولتَّه بالسويق بخلط الزيتِ بالبان، وقطعوا بأن الغاصب لا تعلق له بعين مال.
وهذا عندي على نهاية الفساد؛ فإن الزيت لا يخالط السويق مخالطة المائع المائعَ، بل هو مع السويق كالصبغ مع الثوب قطعاً، وقد مضى القول في الصبغ.
وغاية الأمر أن يجعل الزيت مع السويق كالصبغ المعقود بالثوب.
وممّا أجراه الشافعي من صور الخلط أنه لو غصب دقيقاً وخلطه بدقيقٍ.
فإن قلنا: الدقيق يقبل القسمة، فهو كخلط الزيت بالزيت.
وإن قلنا: إنه لا يقبل القسمة، فالوجه إن جعلنا المغصوب منه واجداً لعين ماله بيعُ الدقيق، وقسمةُ الثمن على أقدار القيمة.
فرع:
4651 - إذا غصب الرجل رطلاً من الماورد وصبّه في أرطالٍ من الماء، فإن انمحق، ولم يبق له أثر، ولا قيمة، فهذا على القطع نازلٌ منزلة هلاك المغصوب، ولا نظر إلى بقاء عين الماورد بعدما تحقق سقوط القيمة، وهو كبقاء جثة العبد إذا مات.
وإن بقي للماورد أثرٌ، فهذا [من باب خلط] 1 الشيء بما لا يجانسه.
وقد مضى القول فيه مفصلاً.
فرع:
4652 - إذا خلط البر المغصوب بالشعير، فعليه أن يميزه، ولو بلقط الحبات؛ فإن التمييز ممكن على عسره وهو بمثابة ما لو غصب عبداً وأرسله إلى بلدة نائية، فعليه رده، وإن كان يحتاج في ردّه إلى بذل مؤن تزيد على قيمته.
وكذلك إذا خلط حنطةً حمراء بحنطة بيضاء.
هذا نجاز فصول الخلط.
ثم ذكر الشافعي بعد هذا حكمَ الحنطة العفنة.
وقد تقصيناه.
فصل
قال: "ولو أغلاه على النار ... إلى آخره" 2.
4653 - إذا غصب من الزيت دَوْرقين 3 ثم أغلاه، ففي المسألة أقسام: أحدها - ألا تنقص القيمة، ولا المكيلة، فيردّه، ولا حكم لما جرى.
القسم الثاني - أن تنقص القيمة، ولا تنقص المكيلة؛ فإن النار قد تعيب؛ فيرد ما أخذ، ويغرَم أرش النقص.
ومن أقسام المسألة: أن تنتقص المكيلة ولا تنقص القيمة، (4 وذلك بأن يرجع الدورقان إلى دورق واحد، وقيمة ما بقي كقيمة دَوْرقين قبل الإغلاء 4)، وذلك بأن4
تُحدث النارُ فيه صفةً مطلوبة وإن كان ينقص من عينه، قال الأصحاب: يردّ ما في يده، ويغرَم مثلَ ما نقص، فإن نقص دورق، غرِم له مثل زيته دورقاً؛ فإن نقصان العين في المثليات يقابل بالمثل، ونقصان الصفة مع بقاء العين يقابل بالقيمة.
ومن صور 1 المسألة أن تنتقص المكيلة، وتزداد القيمة وذلك بأن يغصب دورقين، فيرجع بالإغلاء إلى دورق، وكان قيمة كل دورق درهمين 2 قبل الإغلاء.
وهذا الدورق الآن يساوي أربعة دراهم 3، ففي المسألة وجهان: أحدهما - وهو الأصح - أنه يرد ما بقي، ويغرَم له دورقاً مثلَ زيته، والزيادة التي حدثت في الدورق المغلي زيادة صفةٍ متصلة بملك المغصوب منه.
والوجه الثاني - أنه يرد ما بقي، ولا غرم عليه؛ لأن ما بقي زاد بسبب النقصان، فإذا كان النقصان سببَ الزيادة، لم يكن سبباً للغرامة ومقتضى ذلك الجبران، وهذا ليس بشيء.
وقد ذكرت طرفاً من هذا من كلام صاحب التلخيص في مسائل التفليس.
4654 - ومما يتعلق بما نحن فيه أن من غصب عصيراً ورده بالإغلاء إلى نصفه، حتى خثَر 4، وصار دبساً.
وكانت قيمته مثلَ قيمة العصير التام.
فقد قال قائلون من أصحابنا: هذا بمثابة إغلاء الزيت، فيخرّج على الخلاف الذي تقدم ذكره.
وذهب ابنُ سُريج إلى القطع بأن الباقي إذا كانت قيمته مثلَ قيمة العصير ردّه، ولم يجب جبر 5 النقصان فيه، بخلاف الزيت.
والفرق أن الزيت لا يخثُر بالإغلاء، والذاهب هو الزيت، فيتحقق نقصانُ العين فيه، والذاهب من العصير مائية لا قيمةَ لها، والباقي هو الأجزاء الحلوة المطلوبة.
فصل
قال: "وإن كان لوحاً فأدخله في سفينة ... إلى آخره" 1.
4655 - إذا غصب الرجل ساجَةً وأدرجها في بنائه، فالساجة منتزعة عندنا مردودة على مالكها، وإن أدّى انتزاعُها إلى انهدام قصرٍ، أنفق الغاصب عليه ألفاً، خلافاً لأبي حنيفة 2.
وضبط المذهب أن أملاك الغاصب لا تحترم إذا انتسب 3 إلى بنائها على مغصوب.
وممّا نُجريه في هذا الفصل إدخال اللوح المغصوب في السفينة.
4656 - وهذا يستدعي ذكرَ مقدمة مقصودة في نفسها، فنقول: إذا غصب الرجل خيطاً، وخاط به جرحاً -كان به- فالتحم الجرح، وكنا نخاف من انتزاع الخيط انتقاضَ الجرح، وإفضاء الأمر إلى خوف الهلاك، أو إلى الخوف من فساد عضو، فلا يُنزع الخيط والحالة هذه، بل يحرم انتزاعُه، ويجب رعاية حرمة الروح، ولو خفنا من انتزاع الخيط طولَ الضَّنا 4، أو بقاءَ الشَّيْن، فقد ذكرت تفصيل ذلك في كتاب الطهارة.
والقول الجامع فيه أن كل ما يجوز ترك استعمال الماء به، والتحولُ إلى التيمم من الجرح والمرض، فإذا تحقق في مسألتنا امتنع منه 5 نزعُ الخيط.
وكل ما لا يجوز التحول به من الماء إلى التراب، فلا ينتصب عذراً فيما نحن فيه، وينتزع الخيط معه ويردّ على مالكه.
ومواقع الخلاف في الماء والتراب يجري فيها الخلاف هاهنا.
ولو رتب مرتب، انقدح وجهان: أحدهما - أن ترك الخيط أولى لقيام قيمته
مقامه.
والثاني - أن نزع الخيط أولى، لتعلقه بحق الآدمّي، وهو على الضيق.
والتحول من الماء إلى التراب رُخصة، والرخص لا تبنى على نهايات الضرورات.
وإذا مات المجروح، فهل ينزع الخيط بعد موته، فعلى وجهين: أحدهما - وهو الأصح أنا 1 ننزعه.
والثاني - لا ننزعه؛ فإنا نحاذر المثلةَ بالميت.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" 2.
فإن قلنا: الخيط منزوع من الميت، فلا كلام.
وإن قلنا: لا ينزع منه، فالوجه فيه اعتبار حالة الحياة، فإن كان الخيط مستحق النزع في الحياةِ، نزعناه بعد الموت.
وإن كان لا يجوز نزعُه في الحياة، وكان نزعه بعد الموت يُظهر مُثلةً 3، فإنا
لا ننزعه.
وإن لم ننزعه في الحياة لخوف هلاكٍ، أو لبقاء شين ظاهر إن اعتبرناه، ولم يكن في نزعه بعد الموت مُثْلةٌ ظاهرة، فهذا محتمل على الوجه الذي نفرع عليه.
4657 - وكل ما ذكرناه في خيط جرح الآدمي، فأما إذا خاط جرح حيوان آخر، فإن كان حيواناً محترماً، انقسم القول إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل؛ فأما ما يؤكل لحمه من الحيوانات، ففيه وجهان: أحدهما - أنه يجب ذبحه، ونزعُ الخيط منه؛ فإن الذبح مسوغ 4، فليكن طريقاً يتوصل به إلى رد المغصوب، ولا نظر إلى المالية التي تفوت بذبح بُختية 5، أو جواد الخيل.
والثاني - أنه لا يلزمه ذبح الحيوان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة" 6 وليس القصد من هذا الذبح -لو قلنا به- مأكلة.
فأما الحيوانات المحترمة التي لا تؤكل، فلا يحل نزع الخيط منها على التفصيل الذي ذكرناه في الآدمي.
وقد اعتبر بعض أصحابنا في الآدمي الشينَ، والتوقي منه، وهذا غير معتبر في البهيمة؛ فإنا لو اعتبرناه، لرجع الأمر فيه إلى المالية، وليست المالية مرعية في هذا المجال.
فأمَّا الحيوان الذي لا يحترم، فينقسم إلى ما يستحق قتله كالكلب العقور، والسبع الضاري 1، وإلى ما لا يستحق قتله: (2 فأما ما يستحق قتله، فينتزع الخيط منه، وأما ما لا يستحق قتله 2)، ولكنه ليس محترماً، فقد عد الأصحاب في هذا القسم الكلبَ والخنزير، ثم قَضَوْا بأنّ الخيط منزوع منهما.
أما الخنزير، فأراه كذلك؛ فإن الذَّكَر من جنسه أعظم ضرراً من السباع كلها.
والأنثى من المؤذيات في المزارع وغيرها.
وأما الكلبُ، فالصَّيود منه، وكلبُ الماشية، وكل ما تصح الوصيةُ به - لا يجوز نزع الخيط منه.
والكلب الذي لا منفعة فيه لا يبعد أن يلحق بالمؤذيات، [حتى] 3 لا يحرم قتله، فينزع الخيط إذن.
وقد ذكر القاضي الكلبَ مطلقاً ولم يفصله، وأطلق جواز نزع الخيط منه.
وهذا مفصل عندنا.
ولو جُرح مرتدٌ وخِيط جرحُه، والتحم، ففي نزع الخيط منه ترددٌ، والأَوْجَهُ المنع؛ لأن المثلة بالمرتد محرّمة، وليست كالمثلة بالميت؛ فإنا نتوقع للمرتدّ عوداً إلى الإسلام، [وإن أظله السيف، وإن مات، فات] 4.
هذا تفصيل القول في نزع الخيط وينبني عليه أنا مهما 5 منعنا نزع الخيط، جوزنا2
أخذ الخيط قهراً لخياطة الجرح، إذا لم نجد غيرَه؛ فالدوام معتبر بالابتداء.
وإن كان عند المجروح خيوط، فغصب خيطاً، وخاط الجرح، والتحم، فقد أساء وظلم أولاً.
ولكن لا ننزع الخيطَ لعدوانه الأول؛ فإنا لا نرعى محضَ حقّه.
وإنما نرعى ما لله من الحق في الأرواح.
4658 - ونحن نعود بعد بيان ذلك إلى تفصيل المذهب في غصب الألواح وإدراجها في السفن.
فإذا غصب لوحاً وأدرجه في سفينة، نزعناه، إن كانت السفينة على اليبس، أو كانت مرساةً على الساحل، وأمكن التوصل إلى النزع من غير إتلافِ روحٍ [أو] 1 مالٍ على ما سنفصل، إن شاء الله.
وإن كانت السفينة في اللُّجة، ولو انتزع اللوح، لغرقت بما فيها، ومن فيها، فإن كان فيها آدميون أو ذوات أرواحٍ محترمةٍ، فلا سبيل إلى نزعه، وإن لم يكن فيه إلا الغاصب، لم ينزع أيضاً، لما مهدناه في الخيط ونزعه.
ولو لم يكن في السفينة ذو روح، وكانت مربوطةً إلى سفينة، وهي تجري بجريها، فإن كان فيها أموال، قال الأصحاب: لم ينتزع اللوح إن كانت الأموال لغير الغاصب.
وإن كانت للغاصب، فوجهان: أحدهما - أنه ينتزع؛ فإنّ الأموال لا تحترم لأعيانها، والغاصب قد فرط فيها؛ إذ وضعها في مثل هذه السفينة، فصار كما لو زرع أرضاً مغصوبة، فزرعه مقلوعٌ، [وإن] 2 كان له مدى يرتقب انقضاؤه، فليكن مال الغاصب في السفينة كذلك.
هذا هو الأصح.
والوجه الثاني - أنه لا يقلع، ويتأنَّى [إلى] 3 انتهاء السفينة إلى الساحل، بخلاف الزرع؛ فإن الزرع تَنْبَثُّ عروقه، ثم يظهر منه مزيدُ إفساد للأرض، بخلاف اللوح، حتى إن كان البحر يؤثر في اللوح في غالب الظن، ولو نزع، لم يتأثر، فيرتفع الخلاف
عند بعض أصحابنا.
ومنهم من علل منع نزع اللوح بأن إجراء السفينة إلى الشط يوصّل إلى رد اللوح، فهو أمثل من النزع، والتغريق.
ولو لم يكن في السفينة مالٌ للغاصب ولكن كانت بنفسها تغرق لو انتزع اللوح، فهو بمثابة مال الغاصب.
ولم يختلف الأئمة في أن مال الغير [يمنع من نزع اللوح، وقد يخطر للفقيه أن يُضمِّن الغاصب أموال الغير] 1 ويذكرَ وجهاً في نزع اللوح.
ولكن لم يصر إليه أحد؛ فإن أصل النزع متردد في السفينة نفسها [و] 2 في مال الغاصِب، فإذا انضم إلى ذلك حرمةُ مال الغير، انتظم منه وفاق الأصحاب في وجوب الانتظار.
ولو زرع الرجل ببذر غيره أرضاً مغصوبة، فلا خلاف في قلع الزرع.
فليتأمل الناظر ما يلقى إليه في كل [معاصٍ] 3.
فصل
قال: "ولو غصب طعاماً، فأطعمه من أكله ... الفصل إلى آخره" 4.
4659 - إذا قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى إنسانٍ ليأكله، فإن كان الطاعم عالماً بكون الطعام مغصوباً، لم يخف استقرار الضمان عليه.
وإن كان جاهلاً، وحسب الطعام ملكاًً للغاصب، فإذا أكله، ففي استقرار الضمان قولان: أحدهما - وهو الأقيسُ أنه يستقر على الطاعم؛ لأنه المتلف المختار، والأسباب إذا انتهت إلى حقيقة الإتلاف، فالاعتبار بالإتلاف.
والقولُ الثاني - أن قرار الضّمان على الغاصب المقدِّم؛ فإنه متمسك بأظهر أسباب التغرير، والضمان يستقر على الغارّ، ولذلك يرجع المغرور بحرية زوجته بقيمة الولد
إذا غرِمها على الغارّ.
وقد ذكرنا توجيه القولين، ومأخذَ الكلام في (الأساليب).
ثم إن قلنا: القرار على الغاصب، فالطاعم مطالَبٌ، ثم إذا غرم، رجع.
وإن قلنا: القرار على الطاعم، فالغاصِب مطالبٌ، ثم 1 إذا غرِم رجع على من طعم.
ولو قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى المغصوب منه، فأتلفه، فإن كان على علمٍ، كان مسترداً للمغصوب.
وإن كان جاهلاً، ففي المسألة قولاًن: إن قلنا: إن قرار الضّمان على الأجنبي الطاعم، فالذي 2 جرى من المغصوب منه استرداد الطعام.
وإن قلنا: لا يستقر الضمان على الأجنبي، لم ينتقل الضمان إلى المالك.
وقد رأى الأصحاب انتقالَ الضمان إلى المالك أولى من قرار الضمان على الأجنبي؛ فإنّ تصرف المالك إذا انضم إلى إتلافه، تضمّن قطعَ عُلقة الضمان من الغاصب، وسيظهر لهذا أثر في التفريع.
4660 - وقد قدمنا قواعد للمراوزة في الأيدي التي تترتب على يد الغاصب.
وقد ذكرنا طريقةً للعراقيين تخالف طريقة المراوزة، ولا بد الآن من إعادتهما؛ فإنهما لائقان بمضمون الفصل.
قال المراوزة: كل يد ليست يدَ ضمانٍ، فإذا ترتبت على يدِ الغاصب، وفرض التلف من غير إتلافٍ، فصاحب اليد مطالبٌ، وقرار الضمان على الغاصب.
وإن كانت اليد يدَ ضمانٍ، وحصل التلف، فقرارُ الضمان على صاحب اليد الضّامنة.
وبيان ذلك في الوجهين أن المودَع من الغاصب لا يستقر الضّمان عليه، إذا تلفت الوديعة في يده.
وكذلك اليد الحاصلة عن الرهن، والاستئجار، والقِراض، وكذلك يد الوكيل، فهذه الأيدي تثبت على سبيل الأمانة.
فإذا ترتبت على يد الغاصب، لم يحصل بها قرار الضّمان.
والمطالبةُ تتوجه على أصحابها، ثم إنهم إذا غرِموا، رجعوا على الغاصب.
فأمّا الأيدي التي تقتضي الضمان إذا ترتبت على يد الغاصب، فإنها تتضمن قرار الضمان إذا ترتب التلف عليها كيد الشراء، والعاريّة، والسَّوم.
هذا مسلك المراوزة.
فأمّا العراقيون، فإنهم أثبتوا قرار الضمان بالأيدي الضّامنة، كما أثبته المراوزة، وفصلوا أيدي الأمانة، وقسموها ثلاتة أقسام.
وقد قدمت ذكرها فيما تقدم من كتب المعاملات.
وأنا أعيدها الآن، لينتظم الكلام.
قالوا: كل يد ثبتت لمحض غرض المالك من أيدي الأمانة، فإذا ترتبت على يد الغاصب، لم تقتض قرارَ الضمان عند التلف، كيد الوديعة، وكل يدٍ تتعلق بمحض غرض صاحب 1 [اليد فإذا ترتبت على يد الغاصب، تعلق بها قرارُ الضمان، كيد الراهن.
وألحقوا بيده يدَ المستأجر، والمقارض.
وقد تصرفنا من قياسهم على يد المستأجر، والمقارض، والوكيل إذا قبض.
قالوا: إن كان يتصرف من غير جُعلٍ، فيده كيد المودَع، وإن كان يتصرف بجُعلٍ، ففي المسألة وجهان.
هذا كلامهم.
وهو يجانب طريق المراوزة بالكلية.
4661 - وكان شيخي يتردد في يد واحدةٍ ليست يدَ ضمان، وهي يد المتهب، فإذا وهب الغاصبُ المغصوبَ من إنسانٍ، وأقبضه 2 إياه، فقبض على جهلٍ منه، وتلف في يده، كان يقول: هذه اليد، وإن لم تكن يدَ ضمانٍ، فهي يد تسليط على الإطلاق، فيمكن أن يقال: يخرّج قرار الضمان إذا فرض التلف من غير إتلافٍ على قولين؛ فإن حكم الهبة إذا تمت بالإقباض انقطاع علائق الواهبِ بالكلية، فإذا فرض القبض على الهبة، كان القابض عنها في حكم المبتدىء قبضاً على الكمال.
وهذه الصورة تضاهي الغصب.
وهذا الذي ذكره حسن، وكان يتردد فيه [إذا] 1 أودع الغاصب العين المغصوبة من مالكها، فلم يشعر المالك بملكه فيها، حتى تلفت في يده.
[فيحتمل] 2 أن يقال: تلفت من ضمانه؛ فإن يد المالك إذا ثبتت، لم يقطع أثرَها الجهلُ والظنُّ.
والظاهرُ أنها تتلف من ضمان الغاصب، كما لو جرى الإيداع عند أجنبي.
4662 - ولو غصب عبداً، ثم أمر إنساناً بقتله، فقتله معتقداً أن الآمرَ مالكٌ، فقد قيل: في قرار الضَّمان على القاتل قولان، كما ذكرناه في الإطعام.
والصحيح أنه يستقر عليه الضّمان؛ فإن القتل ممَّا لا يستباح الإقدام عليه بالإباحة، ولا يتحقق التغرير فيه.
ولو قال غاصب العبد لمالكه: "أعتقه"، فتلفظ المالك بإعتاقه، وهو لا يشعر أنه مملوكه، بل بنى الأمر على أنه وكيلٌ في إعتاقه من جهة المالك، فقد قال بعض الأصحاب: لا ينفذ العتق؛ لأنه قدّره ملكَ الغير.
وهذا غلطٌ غيرُ معتد به؛ فإن العتق لا يندفع بأمثال ذلك.
ولهذا كان هزله جداً.
ولو واجه الإنسان عبد نفسه بالإعتاق ظاناً أنه عبد غيره وهو هازل بإعتاقه، نفذ العتق.
وكذلك لو رآه في ظلمةٍ، فوجه العتق عليه، فإذا ثبت نفوذ العتق، فمن أصحابنا من خرّج انتقال الضمان إلى المالك، وانقطاعَه من الغاصب على قولي الإطعام.
وهذا مزيفٌ لا أصل له.
وإن اعتمده صاحب [القفال] 3 أبو سليمان.
والصحيح أن الغاصب يبرأ على الضمان، لأن وضع العتق أن لا ينفذ في ملك الغير.
والضيف يأكل طعام المقدّم إليه مستباحاً، وهو في ملك المقدِّم على ظاهر المذهب.
ولو زوج الغاصب الجارية المغصوبة من مالكها، على جهلٍ منه بها، ثم استولدها المالك، ثبت الاستيلاد لا خلاف فيه.
ويبرأ الغاصب عن الضمان بثبوت يده على مستولدته.
وشبب بعض الأصحاب بالخلاف في ذلك.
والأصح ما ذكرناه.
4663 - ولو أطعم البائع المشتري الطعام المشترَى على جهلٍ منه بأنّه يأكل [ما اشتراه] 1، فقد قال القاضي: يجب أن يخرّج على القولين المذكورين في إطعام الغاصب المغصوبَ منه الطعامَ المغصوب.
فإن حكمنا بان الغاصب يبرأ، فإذا فرض هذا من المشتري، كان أكله قبضاً للطعام المشترى.
وإن حكمنا بأن الغاصب لا يبرأ عن الضمان، فتَلفُ الطعام محسوب عليه.
فكذلك نقول: هذا محسوب من ضمان البائع.
ثم الوجه أن نجعل ذلك كما لو أتلف البائع المبيع قبل القبض.
وحكمه مفصَّل في كتاب البيع.
فصل
قال: "ولو حل دابةً، أو فتح قفصاً عن طائرٍ ... إلى آخره" 2.
4664 - إذا فتح الإنسان باب قفص، أو حل الرِّباط عن طائر، فأطلقه عن الوثاق، = وهاك ترجمة موجزة له: أبو سليمان حَمْد (بفتح الحاء وسكون الميم) بن محمد بن إبراهيم البُسْتي، المعروف بالخَطَّابي.
صاحب معالم السنن في شرح سنن أبي داود.
تفقه بأبي بكر الففال الشاشي، وأبي علي بن أبي هريرة ونظرائهما، وكان رأساً في الفقه واللغة والأدب.
ولد سنة بضعَ عشرَةَ وثلاثمائة، وتوفي ببُسْت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وهو مذكور في الشرح الكبير للرافعي في عدة مواضع.
(ر.
طبقات السبكي: 3/ 282 - 290، طبقات الإسنوي: 1/ 476، طبقات ابن الصلاح: 1/ 467، طبقات ابن قاضي شهبة: 1/ 156، سير أعلام النبلاء: 17/ 23).
إن نفّره مع الحل، فطارَ، وجب الضّمان، لا خلاف فيه.
وإن اختصر على حل الرباط وفَتْح باب القفص، فمذهبنا الظاهر أن الطيران إن اتصل بالحل، وجب الضّمان، وإن استأخر الطائر بعد الحل، وتخلل زمان يعدُّ فاصلاً بين الفتح والطيران، فلا ضمان.
وقال أبو حنيفة 1: لا يجبُ الضّمان، وإن اتصل الطيران، إذا لم يظهر مع الفتح تنفير.
وقال مالكٌ 2: يجب الضّمان سواء اتصل الطيران بالفتح، أو انفصل عنه.
وقد ذكر الأصحاب قولين مثل مذهب الإمامين مالك وأبي حنيفة رحمة الله عليهما.
فحصل على هذا التقدير ثلاثة أقوال.
والمذهب المشهور منها الفصل كما قدمناه، وعصام المذهب أَنَّ الطيران فعلُ حيوانٍ ذي اختيارٍ، وهذا لا ننكره.
وقياسه أنه إذا لم [يجرِ] 3 إرهاقٌ، وحمل على الفعل، ولم يوجد من الفاتح إتلافٌ، ولا إثباتُ يدٍ، فلا يجبُ الضمان.
وإذا اتصل الطيران، فالأمر محمولٌ على اقتضاء الفتح تنفيراً، والتنفير فيما لا يعقِل ينزل منزلة الإكراه، والإلجاء [فيمن] 4 يعقل.
ومن حكم بوجوب الضّمان مع الاتصال والانفصال، ألحق ذلك بالأسباب المضمّنة كحفر البئرِ في محل العدوان ونحوه.
ومن لم يوجب الضّمان في الاتصال والانفصال، أحال الضياع على فعل حيوانٍ [ذي] 5 اختيار، يعتمد الخلاص.
والمتردي في البئر لا يعتمد التردي فيها.
وسيكون لنا كلام ضابط في كتاب الديات في الأسباب وما يتعلق بها [من] 6 الضمان وما لا يتعلق، إن شاء الله عز وجل؛ فإن القول في ذلك منتشر على من لا يحيط بالمدارك.
4665 - ولو فتح بابَ اصطبلٍ وخرجت بهيمةٌ، فضاعت، فالأمرُ كما ذكرناه.
وكان الشيخ أبو محمدٍ يشبب بالفصل بين حيوان نافرٍ بطبعه إذا حل رباطَه، وبين حيوان آنِسٍ لا نِفار فيه، ويقول: اتصال حركة البهيمة الإنسية، كانفصال حركة النافر من الطير والوحوش.
وهذا منقاس.
ولكني لم أره إلا له.
فإذا أطلق عبداً مجنوناً عن قيده، فهو في التفصيل] 1 كالبهيمة.
وإن فتح باب دارٍ، فخرج منه عبد مميز، فأبق، فلا ضمان، اتفق الأصحاب عليه.
ولا فرق بين أن يتصل خروج العبدِ، أو ينفصل.
واضطرب الأصحابُ في العبد المعروف بالإباق إذا اعتمد مالكه تقييدَه، أو إغلاقَ بابٍ عليه، فإذا حل إنسان قيدَه، أو فتح الباب، فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا يجب الضمان إذا كان العبد مميزاً؛ فإن التعويل على إحالة الضياع على فعلِ مختارٍ، وهذا يتحقق من المميز.
وإن كان معروفاً بالإباق.
وأبعد بعض الأصحاب، فجعل حلّ القيد عنه، كحل الرباط عن طائرٍ أو بهيمة، ثم التزم تخريجه على قياس الطائر، ففصل بين أن يتصل الإباق أو ينفصل.
وهذا ساقطٌ، لا اتجاه له.
وممّا نذكره أن الطائر لو كان في بيتٍ كبير، ففتح الفاتح القفص، فابتدأ الطائر الطيران، وتخلل زمانٌ إلى اتفاق انفصاله، وربما يستدير الطائر مراراً إلى أن يصادفَ موضع الفتح، فهذا يعد من الطيران المتّصل، وإن استأخر الضياع.
4666 - ولو 2 حل الوكاءَ عن زقٍّ، وفيه مائعٌ، فإن كان الزق منبطحاً، فإن ما فيه يتدفق بحل الوكاء على هذه الهيئة؛ فلا خلاف في وجوب الضمان على من حل الوكاء.
وإن كان الزق منتصباً، وكان حل وكائه على هيئة الانتصاب، لا يدفق ما فيه لو بقي منتصباً، نُظر: فإن سقط الزق متصلاً بالحل، واندفق 3 ما فيه، فإن كان
سقوطُه بسبب تحريك الوكاء وجذبه في صوب الحل، فيجب الضّمان؛ فإنّه حلَّ وأسقطَ الزقَّ.
ولو صادف زقاً منتصباً محلولاً، فأسقطهُ، وجب الضّمان؛ فإن هذا يعد من اعتماد الصب والتدفيق.
ولو حل الوكاء، وترك الزق منتصباً، فبقي كذلك، ثم هبت ريح، فأسقطته، فقد قطع الأصحاب بأن الضمان لا يجب؛ فإن السقوط كان محالاً على الريح، ولا تعويل عليها، ولا يدرى متى تهب.
وإن هبَّت، فمتى تبلغ مبلغاً يُسقط الزق.
ولو حل الوكاء عن زق، وكان ما فيه جامداً، فشرقت الشمس، وأذابت مافيه، فاندفق، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن الضّمان لا يجب؛ لأن الشمس هي المؤثرة، وما جرى من الضياع والفوات محال عليها، كأنها على صورة من يباشر إتلافاً.
والوجه الثاني - أنه يجب؛ من قِبل أن الشمس يتيقن شروقها، وليست كالرياح التي لا يدرى متى تهب، فمن عرّض جامداً للشمس، عُدّ ساعياً في تضييعه وتدفيقه.
4667 - وذكر القاضي وجهين في صورةٍ تناظر ما ذكرناه، على تقديره -رحمه الله- وهي أن من أزال أوراق كَرْمٍ وجَرَد 1 العناقيدَ لحَمْي الشمس في الموضع الحار، فأفسدتها الشمس، فهل يجبُ الضمان، على مَنْ نجا 2 الأوراق؟ فعلى الوجهين الذين ذكرناهما في تعريض الجامد لشروق الشمس.
وهذا يعسر تصويره في البلاد المعتدلة.
ولو حل الوكاء عن زقٍّ، فاتصل بحلّه سقوطُه، ولم يظهر لنا أن سقوطَه بسبب جذب الوكاء، فقد أطلق الأئمة أن السقوطَ إذا كان على الاتصال، وجب الضّمان، إذا كان ما في الزق مائعاً، فاندفع لما سقط.
وليس هذا لأثر الاتصال، وإنما هو لعلمنا بأن الزق الذي يكون منتصباً إذا سقط متصلاً بفعلٍ، فسقوطه به؛ لأن السقوط لا يكون إلا بسببٍ.
فإذا قال المصور: إذا اتصل السقوط، ولم يبن لنا أن السقوط
بفعل الحالّ.
قيل له: هذا تلبيس؛ فإن السقوط إذا اتصل، لم يكن إلا لتأثير مؤثر.
وهذا لا خفاء به.
والغرض من هذا التنبيه ألا يؤخذ هذا من قياس الطيران وانفصاله؛ فإن ذلك يتعلّق 1 باختيار حيوان، أو بإزعاجه.
ولو حل الوكاء عن زق فيه مائع، وكان مملوءاً، والزق منتصب، فأخذ ما فيهِ يسيل قليلاً قليلاً، ويبتلّ لأجله أسفل الزق، حتى أفضى هذا إلى سقوط الزق، واندفاق ما فيه، فيجب الضمان في هذه الحالة؛ لانتسابِ الاندفاق إلى حل الوكاء.
4668 - ولو فتح 2 المُحْرِم القفص عن صيدٍ مملوك، فطار على الاتصال، على قول التفصيل، وهو المذهب، وجب عليه الجزاءُ، لو هلك الطائر قبل أن يستقر؛ فإنا نجعل هذا تنفيراً.
والمحرم إذا نفّر، واتصل التلف بالنّفار، التزم الضّمان، فيجب عليه الجزاءُ في الصورة التي ذكرناها لله تعالى، والقيمةُ للمالك.
وإذا استأخر الطيرانُ، فلا جزاء، ولا ضمان؛ فإن الأمر محالٌ على الطيران الذي اختاره الطائر، من غير تنفير.
وإذا فرعنا على قول مالكٍ، وجب الضمان للآدمي، ولم يجب الجزاء؛ فإن الضمان على قوله لا يتلقى من التنفير، والجزاء لا يثبت إلا بالتنفير.
فصل
قال: "ولو كصبه داراً، فقال الغاصبُ: هي بالكوفة ... إلى آخره" 3.
4669 - ليس في هذا الفصل أمرٌ (4 يتعلق بأحكام الغصوب، وما فيه 4) يتعلق بالدعوى والإقرار.
وحاصل القول فيه أنّ من ادعى على رجل داراً ببلدة، فلا بد وأن4
يتعرض في دعواه لتعيينها بالوصف، وذلك يحصل بذكر [المحِلّة] 1 التي فيها الدار، ثم قد لا يكفي ذلك، حتى يعين سكةً من المحلّة، ثم إن كان فيها دور، ميّز 2 الدار التي يدّعيها، بذكر الحدود المشتملة عليها.
ولو ادعى داراً مطلقة، كانت الدعوى مجهولةً، غيرَ مقبولة.
وهذا [يُفَصَّل] 3 في كتابِ الدعاوى.
ثم صور المزني دعوى دارٍ بالمدينة، وصوّر إقرار المدعى عليه بدارٍ بالكوفة، فالذي جاء به ليس جواباً عن الدعوى، وإنما هو إقرار بغير 4 المدعى.
فإن قال المدعي [هذه] 5 الدار التي أقررتَ بها فهي لي، [ثبتت] 6 تلك الدار، ويبقى المدعى عليه مطالَباً بجواب الدعوى.
وتفصيل أجوبة الدعاوى لا يمكن ذكره على التبعية.
وما يتعلق بتفصيل الإقرار استقصيناه في [كتاب] 7 الأقارير.
فصل
قال: "ولو غصبه دابة، فضاعت من يده ... إلى آخره" 8.
4670 - إذا غصب عبداً، فأبق، أو دابةً فشردت، فحكم ضمان الغصب مستدام، وإن زالت يد الغاصب، ثم للمغصوب منه مطالبة الغاصب بقيمة الآبق والشارد، فإذا غرَّمه القيمة، لم يصر الغاصب مالكاً للآبق بسبب بذل القيمة، وموجِب القيمةِ عندنا
الحيلولةُ الواقعة بين المالك وملكه، بسبب الغصب، ثم المالك يتصرف في القيمة تصرفه في أملاكه، وإذا استمكن الغاصب من العبد؛ فإنه يرده ويسترد القيمةَ.
وكان شيخي يتردد في أن تلك القيمة لو كانت قائمةً في يد المغصوب منه، فإذا رد الغاصب العبدَ، فهل له أن يسترد أعيان تلك الدراهم ولا يرضى بغيرها؟ أم للمغصوب منه الخيار بين أن يردّها، وبين أن يرد أمثالها؟ وهذا التردد لا يوجب توقفاً في [تسلّط] 1 المغصوب منه على التصرف.
ولكن القيمة في يدِه بمثابة القرض (2 في يد المستقرض، وقد ذكرنا اختلافَ قولٍ في أن ملك المستقرض متى يحصل 2).
ثم قال القاضي: إذا غرِم الغاصب القيمة، ثم رجع العبد، فللغاصب أن يستمسك بالعبد، ولا يرده حتى تُردَّ القيمةُ عليه، وهذا نقله عن نص الشافعي رضي الله عنه في غير مسائل المختصر، ونص أيضاً على أن من اشترى شيئاًً شراءً فاسداً، وأدّى ثمنه، ثم تبين له الفساد، فإنه يتمسك بما قبضه على حكم الفساد، حتى يُرَدَّ الثمنُ عليه.
وهذا فيه فضل نظر؛ فإنا ذكرنا أقوالاً في أن المبيع هل يحبس في مقابلة الثمن، حتى يقال: البداية بالتسليم على المشتري؟ ولا ينبغي أن [يزيد] 3 العبد الآبق إذا آب على المبيع في مقابلة الثمن، فليخرّج الأمر على الاختلاف.
ويتجه جدّاً إيجابُ البداية بالتسليم على الغاصب؛ تغليظاً عليه؛ فإن يده هذه بقيةُ يد العدوان.
والذي غرِمه لأجل الحيلولة، [بحقٍّ غرمه،] 4 والحيلولة قائمة إلى أن يرد، فيظهر إيجاب البداية عليه، لما نبهنا عليه.
هذا في العبد الآبق.
فأمّا إذا اشترى شيئاً شراءً فاسداً، ووفّر الثمن، وقبض المشترى، فالاستمساك به2
أبعد من استمساك الغاصب بالعبد الآيب عن الإباق؛ من جهة أن للقيمة المبذولة في مقابلة العبد الآبق [بدلٌ] 1 مستحقٌّ شرعاً، والمشترى على الفساد لا يقابله عوض مستحق، فالأوجه فيه أن يطلب 2 ماله، ويرد ما في يده، من غير ترتيب أحدهما على الثاني.
4671 - وممّا يتعلق بمضمون الفصل أن العبد إذا أبق، فعلى الغاصب أن يضمن للمغصوب أجرة مثل المنافع للأيام التي تمر، وهذا مقطوع به قبل اتفاق غرامة القيمة.
فإذا غرِم للمغصوب [منه] 3 القيمةَ، فهل يجب عليه أجرُ المثلِ بعد ذلك إلى اتفاق الإياب والرد؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يلتزم الأجر؛ فإن القيمة التي بذلها، ومكن المالكَ من التصرف فيها في الحال، تنزل منزلة ردّ 4 المغصوب، فضمان أجر المنفعة مع ما ذكرناه يبعد.
والوجه الثاني: وهو الأصح أنه يلتزم الأجرَ، كما كان يلتزمه قبلُ؛ فإن حكم [الغصب] 5 قائم.
وإنما وجبت القيمة على مقابلة الحيلولة الواقعة، فليجب الأجر على مقابلة ضياع المنفعة، والقيمة على مقابلة وقوع الحيلولة.
ولو ازداد العبد الآبق زيادة متصلة، أو ولدت الجارية الآبقة، ففي وجوب ضمان الزيادة وجهان، مأخوذان مما ذكرناه.
فإن قلنا: لا يجب الأجر تنزيلاً لبذل القيمة منزلةَ ردّ المغصوب، فلا يجب ضمان الزوائد، وكأَنَّ المغصوب خارج عن عهدة الغاصب.
وإن قلنا: يلتزم الأجرَ استدامةً لحكم الغصب [فيثبت] 6 الضمان في الزوائد.
وهذا الخلاف الذي ذكرناه في الزوائد أبعد من الخلاف في الأجرة.
والوجه القطع