نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 7-46
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 7-46
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قال الشافعي رحمه الله: " قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ 1 [الفرقان: 48] ... إلى آخره ". 4 - ومقصود هذا الباب تفصيلُ القول في الماء الطاهر، الذي يتغير ببعض الأشياء الطاهرة.
فأقول: اختلف طرق الأئمة في ضبط مقصود الباب، فالذي أراه المسلكَ المرضي أن اختصاص طهارات الأحداث بالماء يُتَّبع فيه موردُ الشرع، ولا يُطلب له معنى وعلّة؛ فإنّ طُهْرَ الحدث، واختصاصَه بالماء غيرُ معقول المعنى، وإذا كان كذلك، فالوجه اتباعُ لفظ الشارع، وربطُ الحكم به، وقد مَنّ الله تعالى على عباده بإنزال الماء الطهور؛ فقال عزّ من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وتكرّر ذكرُ الماء في الأخبار المأثورة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فممّا روي قوله صلى الله عليه وسلم: " خُلقَ الماءُ طهوراً " 2، وغيرُه.

فالوجه أن يقال: كل ما يسمى ماءً على الإطلاق، ويُفهم من لفظ الماء، فهو على الإطلاق صالحٌ للطهارات، (1 إذا كان طاهراً، وما يتغيرُ تغيُّراً يخرجُ بسببه عن اسم الماء مطلقاً، فهو غير صالحٍ للطهارات 1).
وإذا لم يتجه معنىً، ولزم اتباعُ اللفظ، والاقتصارُ على مقتضاه، فموجَب ذلك تحكيم معنى الاسم في النفي والإثبات.
هذا بيان ما يضبط مقصودَ الباب، وسنفصله بتخريج المسائل عليه.
5 - فإذا تغيّر الماء بوقوع طاهرٍ فيه، نُظر: فإن تغير ريحُه بمجاورة الواقع فيه، مثل أن يقع فيه كافورٌ صلب، أو ما في معناه من الأدهان ذوات الروايح الفايحة، وهي لا تخالط الماء، بل تعلوه طافيةً، فإذا تغيرّت رائحةُ الماء بهذه الأشياء؛ فالماء طهورٌ؛ فإنه يسمى ماءً مطلقاً، والمتبعُ الاسم.
6 - وإن تغير الماء بمخالطة الواقع فيه، فهو ينقسم على ما رسمه الأصحاب، إلى ما يمكن صونُ الماء عنه، وإلى ما لا يمكن صونُه عنه.
فأما ما يمكن صون الماء عنه كالزعفران والدقيق وغيرِهما، فإذا خالط شيءٌ منها الماءَ ولم يغيره، فالماء طهورٌ، مفهوم من مطلق اسم الماء.
وإن غيّره، نُظر: فإن تفاحش التغيرُ، بحيث يستجد ذلك المتغير اسماً، بأن يسمى صبغاً أو حبراً؛ فقد خرج عن كونه طهوراً؛ لسقوط اسم الماء المطلق عنه، ولا فرق بين أن يُعرَض على النار أو لا يُعرَض عليها.
وإن حصل أدنى تغيّر، ولم يَصِر الماءُ بحيث يتجدد له اسمٌ سوى الماء، فهو على موجب هذه الطريقة طهورٌ؛ فإنه يسمى ماءً على الإطلاق.
وما ذكرتُه من تفصيل القول في التغيّر ذكره شيخُنا أبو بكر الصيدلاني 2 فيما1 = "أبي سعيد"، وما قاله في إِسناد حديث " جابر " رضي الله عنهما.

جمعه من طريقة القفال 1، ولا [يستدّ] 2 في المذهب والخلاف غيره.
7 - فأما إذا كان المغيِّرُ بحيث لا يمكن صونُ الماء عنه، فمعظم ما وقع في هذا القسم يجاورُ الماءَ، كالكبريت في منبع الماء، ومجراه، وكذلك [النُّوْرة في مجرى الماء] 3 والقطران الخاثر، الذي فيه دهنيّة.
وقد تقدم أن تغتر المجاورة لا أثر له.
فأما ما يخالط كالأوراق الخريفيّة إذا انتثرت في الماء وتعفنت، وبليت فيه، فمقتضى هذه الطريقة أن الماء طهورٌ، وإن تفاحش التغيُّر؛ لأن أهل اللسان لا يسلبون عن مياه الغُدران والأنهار اسمَ الماءِ عند تغيرها بما وصفناه، وقد تقرر أن التعويلَ على بقاء الاسم المطلق، ولعل العرب فهمت تعذرَ الاحتراز، وعلمت أن آلةَ الغَسل 4 = الشافعية الكبرى: 4/ 148، 149)، وانظر أيضاً: (طبقات الإِسنوي: 2/ 129، 130)، ولم يتعرض السبكي ولا الإِسنوي لتاريخ وفاته، لكن ذكر ابن هداية في طبقاته أنه توفي في نحو سنة 427 هـ.

الماءُ، فأدامت على ما يتغير بهذه الجهة اسمَ ما هو مُعدٌّ للغسل، فالتعليل ببقاء الاسم، والمظنونُ أن سبَب بقاء الاسم تعذُّرُ التحرّز، فليفهم الفقيه مراتبَ الكلام.
8 - وأما الماء المتغير بالتراب أوانَ المدّ 1، فقد قيل: إن التراب لا يخالط الماء، بل يجاورُه باجزائه المنتثرة فيه، وآيةُ ذلك أن الماء المتغيّر به لو سكن في إناءٍ، لتميّزت أجزاءُ التراب راسبةً.
وإن اعترض متكلفٌ من أهل الكلام 2 على فصل الفقهاء بين المجاورة والمخالطة، فزعم أن الزعفران ملاقاته مجاورة أيضاًً؛ فإن تداخل الأجرام محال.
قيل له: مدارك الأحكام التكليفية لا تؤخذ من هذا المأخذ، بل تؤخذ ممّا يتناوله أفهامُ الناس، لا سيما ما يُبنَى الأمر فيه على معنى اللفظ.
ولا شك أن أرباب اللسان لغة وشرعاً قسّموا التغيُّر إلى ما يقع بسبب المجاورة، وإلى ما يقع بسبب المخالطة، وإن كان ما يسمى مخالطة في الإطلاق مجاورة في الحقيقة، فالنظر إلى تصرف اللسان.
ومنتهى هذه الطريقة النظر إلى الاسم، وهذا لا انقسام فيه، وإنما الانقسام في أسباب بقاء الاسم وزواله، فهذه هي الطريقة الصحيحة، ونصُّ الشافعي 3 في آخر

الباب موافقٌ لهذه الطريقة؛ فإنه قال في ذكر ما لا يجوز التَوضؤ به، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق: "حتى يضافَ إلى ما يُخالطه أو خرج منه" وهذا ظاهرٌ في أن أدنى تغيّر لا يُؤثر.
9 - وذكر طوائفُ من أئمتنا مسلكاً آخر في ضبط مقصود هذا الباب، ونفتتحه بالقول في المتغير بمخالطة ما يمكن صون الماء عنه.
ذهب أئمّةُ العراق إلى أن الماء إذا تغيّر بالزعفران وما في معناه أدنى تغيّرٍ، خرج عن كونه طهوراً، وهذا ما كان ينقله شيخي 1 عن القفال 2. ولست أرى لهذا المسلك وجهاً سديداً، لكنّي أذكر الممكنَ في توجيهه، فأقول: لعلّ هؤلاء يقولون: المكلّفون فهموا من ذكر الماءِ في الطهارات أنه شيء لطيفٌ عامُّ الوجود، يقلع آثار النجاسات، ولا يُكسب ما يُغسَل به صفةً في نفسه، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] يشير إلى الماء الباقي على صفاتِ فطرته، والماءُ المتغيّر -على هذا التقدير- خارجٌ عمّا فُهم من صفة الماء، والماء الكثير الذي لا يقبل النجاسة ما لم يتغيّر، إذا تغيَّر بها أدنى تغيّرٍ، صار نجساً، فتغيُّرُ الماء القليل بمخالطة الطاهرات، كتغيّر الماء الكثير بالنجاسة على موجَب هذه الطريقة.
فأمّا ما يتغيّر بالمجاورة، كالماء المتغيّر برائحة الكافور الصلب وغيرِه، فيجوز التوَضؤ به عند هؤلاء، وإن كانوا يكتفون في المخالطَة بادنى تغيّر؛ فإنّ اكتساب الماءِ رائحةَ الكافور الواقع فيه كاكتسابه رائحة الكافور بالقرب منه غيرَ واقعٍ فيه.

10 - وذكر شيخي: أن صاحب التلخيص 1 ذكر قولاً في أنّ الماءَ المتغيّر بمجاورة ما وقع فيه ليس بطهورٍ، وهذا غريب مزيفٌ.
ثم قال هذا الفريق: "لو تغيّر الماءُ بمخالطة ما لا يمكن صونُ الماءِ عنه، كالأوراق الخريفية وغيرها، فيجوز التوضؤ به؛ لمكان التعذّر، وهذا كعفونا عمّا يتعذّر الاحتراز منه من النجاسات، كدم البراغيث وغيره".
فالماء المتغير إذاً ينقسم إلى ما يتغيّر بالمجاورة، وإلى ما يتغيّر بالمخالطة، فأما ما يتغير بالمجاورة، فطهورٌ على ظاهر المذهب، وفيه القول الغريب الذي ذكره صاحب التلخيص.
وأمّا ما يتغيّر بالمخالطة، فإنه ينقسم إلى ما يمكن صونُ الماءِ عنه، وإلى ما يتعذر الاحتراز منه.
فأمّا ما لا يمكن التحرّز منه، فإذا حصل التغيّر به؛ فالماء طهورٌ.
وما يمكن التحرز منه إذا خالطه، نُظر، فإن لم يُغيّر الماءَ أصلاً، جاز التوضؤ به، وإن غيّره أدنى تغيّرٍ، لم يجز التوضؤ به.
11 - وذكر الشيخ أبو بكر الصيدلاني طريقةً ثالثةً لبعض أصحابنا، وهو النظر إلى التغير بالمخالطة، [قال هؤلاء: كل ما يتغير بالمخالطة] 2 فلا يجوز التطهر به، وإن كان مما يتعذّر الاحتراز منه في بعض المياه.
ونظر 3 أصحابُ هذه المقالة إلى أن التغيّر بالاختلاط في حكم انقلاب الجنس، فكأنّ الماء خرج عن كونه ماءً إذا غيّره ما خالطهُ، من حيث لا يُتوقَّع تميّز أحدهما عن الثاني، واتحد كل واحد من المخالطَيْن بصاحبه.

والمجاورة لا تقتضي هذا المعنى، ثم معظم ما لا يتأتى التصوّن منه [مجاورٌ] 1، والأوراق الخريفية، كالخشب تجاورُ، وليس فيها رطوبات تخالط، حتى لو انتثرت وفيها رطوبة، فخالطت وغيّرت، سلبت الماءَ طهوريَّتَه.
فهذا تحصيل طرق الأصحاب، في مقصود هذا الباب.
ونحن نرسم الآن فروعاً نذكر فيها مقالات الأئمّة، ونُخرِّجُها على الطرق، فتتهذّب بذكرها القواعد والأصول.
فرع: 12 - الماء إذا ألقي فيه ملح، صودف منعقداً عن الماء الأُجاج، فتفاحش تغيُّره به، فقد ذكر أئمّة المذاهب فيه خلافاً، وقالوا: من أصحابنا من جوّز التوضؤَ به؛ لأن الملح انعقد من ماءٍ، فإذا ذاب في ماء عذبٍ، كان [كالجَمْد] 2، يذوب في الماء، وأيضاًً فلا خلاف أن الماء الملح -الذي ينعقد منه الملح- لو انصبَّ في ماء عذبٍ وظهرَ تغيُّره [به] 3، يجوز التوضؤ به؛ فليكن الملح بنفسه 4 بمثابته.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز التوضؤ بالماء الذي ظهر تغيُّره بالملح الواقع فيه؛ فإنه مع العلم به لا يسمى ماء مطلقاً، إذا تفاحش تغيُّرُه، وليس الملح من أجزاء الماءِ وجوهره؛ فإن المياه نزلت من السماء عذبة، ثمّ سلكها الله سبحانه وتعالى ينابيعَ في الأرض، فاكتسبَ ما انسلك في السبخات صفاتِها، ثم الملح المنعقد هي أجزاء السبخة تتجمع، وليست أجزاء الماء، ولذلك لا ينماعُ الملحُ في الشمس.
وأما انصباب الماء الأُجاج على العذب، فالمتبع فيه الاسم في مجاري الكلام؛ فالناس يقولون: " ماءٌ انصب على ماء "، وكان يجوز التوضؤ بالماء الأجاج عند انفراده، وإذا 5 ذاب ملحٌ في ماءٍ يظهر تغيّره به، فيمتنع أهلُ اللسان من تسميته ماء على الإطلاق.

وما ذكرناه في الملح المنعقد من الماء، فأما الملح المنتقَر 1 المحتفر من الجبال، الذي لم يُعهد منعقداً من الماء، فإذا ظهر تغيّر الماءِ به، قطعنا بزوال طهوريته، ولم ندرجه في الخلاف أصلاً، ومن ظنّ فيه خلافاًً، فهو غالط.
فرع: 13 - إذا وقع في الماء كافورٌ صلبٌ، وغيّر رائحة الماء، فقد ذكرنا أن الماء طهورٌ عند الأئمة، والمجاورة لا أثر لها، فلو كان كافوراً رَخواً 2، فذاب في الماء، وخالطه، وظهرت رائحتُه، والكافور قليل، وسبب تغيّر الماء ظهورُ الرائحة الفائحة الغالبة، فمن لم يكتف من أئمتنا بأدنى تغيّرٍ، واتبع الاسم، حكم بأن هذا الماء طهور.
ومن صار إلى أن التغيّر اليسير بالزعفران يسلب تطهير الماء، فقد اختلفوا في الصورة التي ذكرناها، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التوضؤ به؛ فإنّه متغيّر والكافور مخالط في محل التصوير.
وذهب الأكثرون إلى جواز التوضؤ به، فإن الكافورَ وإن كان مخالطاً، فليست المخالطة سببَ التغيّر، وإنما سببُ التغيّر قوة ريح الكافور، فالماء في معنى ما يتغيّر بمجاورة الكافور.
فرع: 14 - إذا جرت رياح في الربيع 3، ونثرت الأوراقَ الرطبة، وتغيّرت المياه بها، فمن اتبع المخالطة والمجاورة، منع التوضؤ به إذا تغيّرت المياه بمخالطة الأوراق إياها.
ومن اعتبر في أصل الباب التعذّر والتيسُّر في الاحتراز، اختلفوا في هذه الصورة؛ وسبب الاختلاف أن ما تعلق بالأعذار، فكل عذر يعمّ وقوعُه أثّر، وكل

عذر يندر وقوعه، فإذا وقع، تردد الأئمة فيه، فمنهم من ينظر إلى وقوعه إذا وقع، وألحقه بما يعمّ وقوعه، ومنهم من ألحقه بما يتيسّر الاحتراز منه؛ فإن العسر الذي يتعذّر احتماله إنّما يتحقق فيما يعمّ، وما يندر في الأحايين في حكم عارضةٍ تزول.
وسيأتي ما يمهّد هذه القاعدةَ في مسائل التيمّم، إن شاء الله عز وجل.
فرع: 15 - إذا طُرح كفٌّ من التراب في كوز ماءٍ فكدّره، فمن اتبع اسمَ الماءِ في الطريقةِ المرضيّة جوّز التوضؤ به؛ فإن التغيّر بالتراب لا يسلب اسمَ الماءِ.
ومن راعى المخالطةَ، اختلفوا في أن الترابَ مخالطٌ أو مجاورٌ.
وقد أجريتُ ذكرَ هذا في أثناء تمهيد الأصل.
فإن قيل: إنَّه مجاور، لم يضرّ، وجاز التوضؤ به.
وإن قيل: إنه مخالط مغيّر، فقد اختلف هؤلاء الآن في جواز التوضؤ به، فمنعه بعضُهم للتغير والمخالطة، وتيسُّر الاحتراز عنه في هذه الصورة.
وأجازه بعضُهم ذهاباً إلى أن التراب طاهر طهورٌ؛ فهو موافق للماءِ في صفته، فلا يضر تغيّر الماء به.
وهذا من ركيك الكلام، وإن ذكره طوائف؛ فإن التراب غيرُ مطهرٍ، وإنما عُلِّقت به إباحةٌ بسبب ضرورة.
والكلام في أصله مفرعٌّ على طريقةٍ غير مرضيّة، وإذا طال التفريعُ على الضعيف، تضاعف ضعفه.
فرع: 16 - إذا صُبَّ على ماءٍ قليلٍ مقدار من الماوَرْد، ولم يكن له طعمٌ محسوس، يخالف طعمَ الماء، ولا ريحٌ، فإن كان مقدارُه بحيث لو فُرض له طعمٌ مخالف لطعم الماءِ لغيَّره، على ما ذكرنا كلامَ الأصحاب في معنى التغير المؤثّر، فإذا بلغ الذي لا طعم له في الكثرة هذا المبلغ، لم يجز التوضُؤ بذلك المختلط؛ فإن ظهور صفة المخالط إن كانت له صفة، إنما أثَّر من حيث أشعر باختلاط الماءِ بغيره، فإذا تحققنا اختلاطهما، فليس المختلط ماءً مطلقاً، ومقدار المخالط كثيرٌ بحيث لا يُعدّ مثله مغموراً.

وإن كان مقدارُ الماوَرْد الخليِّ عن الطعم قليلاً، بحيث لو فرض له طعمٌ، لم يظهر طعمُه في هذا المقدار من الماء، فالوجه أن ننُبّه على مثار الإشكال في ذلك، ثم نوضّح المذهبَ.
فنقول: إذا كان مخالطُ الماء جامداً، وكان يسيراً مغموراً، فالجاري على أعضاء الطهارة ماءٌ 1 لا شك فيه، وإذا كان المخالط مائعاً، فقد نعتقد أنه لم يجرِ على البدن الماءُ المحض، فمن هذه الجهة تردد الأئمةُ على ما أصف مسالكهم.
فأقول: إن كان مع الرجل مقدار من الماء لا يستوعب بدنَه في الغُسل، فصبّ عليه من المَاوَرْد ما كمّله، وكان مقدارُ المَاوَرْد مع ذلك قليلاً، على ما سبق طريقُ اعتبار القلة، فمقدار الماء يجوز استعماله من هذا المختلط، وهل يجوز استعمال الزائد عليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - وهو مذهب أبي علي الطبري 2 على ما ذكره العراقيون: أنه لا يجوز استعمال الزائد عليه؛ لأنّا لو جوزناه 3 -وإنّما كمل مقدار الوضوء بالمخالِط- فنعلم قطعاً أن الماء لم يعم أعضاءَ الوضوء.
قال العراقيون: هذا غلطٌ منه، والصحيح استعمال الزائد؛ فإن المخالط مغمور، فكأن المختِلطَ ماءٌ كله.
وكان شيخي يصحح الوجه الأول، ويزيّف ما صحّحه العراقيون، ويعتلّ بما وجهنا به ذلك الوجه.

وما صححه العراقيون يتجه بشيء ظاهر، وهو أن مقدار الماء يجوز استعمالُه قطعاًً وفاقاً، مع العلم بأنه إذا استعمل، فليس ماءً محضاً، وإذا لم يكن محضاً، فليس الواصل إلى الأعضاء ماء.
ومن تمام البيان في ذلك أن مقدارَ الماء إن كان يأتي على الوجه واليدين، ويقصُر عن الرجلين، فيصحّ غسل الوجه واليدين بهذا المختلط، وفي غسل الرجلين الخلاف المذكور، وإن كان مقدار الماء كافياً لوضوءٍ، صحّ الوضوءُ به، مع الاقتصاد في استعمال الماء، وفي استعمال الفاضل في طهارةٍ أخرى الخلاف.
وإن كان مقدار الماوَرْد في القلَّة، بحيث لا يتبيّن له في الحس أثر في تكميل مقدارٍ، ولا يظهر عند عدمه في الماء قصور في مُدرَك الحس، فلا أثر لذلك المخالِط قطعاً.
فإن قيل: قد ذكرتم في أول الكلام تقديرَ طعم المخالط، فما وجه ضبط القول فيه؟ والأمر يختلف بحِدة الطعم ونقيضها، فإن [احتدّ] 1 طعمُ الشيء، غلبَ القليل منه، وإن لم [يحتدّ] 2، لم يغلب إلا مقدارٌ زائد.
قلنا: أقصدُ 3 الأمور ووسطها معتبرنا في ذلك.
وقد نجز الغرض من أصل الباب وتفريعه.
فصل قال الشافعي: "ولا أكره الماءَ المشمَّسَ إلا من جهة الطب ... إلى آخره" 4. 17 - يكره استعمالُ الماءِ المشمَّس في الجواهر المنطبعة، كالرصاص والنحاس

وغيرهما، وقد نهى عمر رضي الله عنه عن ذلك، وقال: " إنه يُورث البرص " 1، ورُوي أن عائشة، أم المؤمنين رضي الله عنها، كانت تشمّس الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص " 2. وقال الأئمة: إنما ثبتت الكراهيّة بشيئين يجتمعان، أحدهما - أن يجرى [التشمِيسُ] 3 في البلاد الحارّة، دون المعتدلة والباردة.
والثاني - أن يكون التشمِيس في الجواهر التي ذكرناها، فإنّ حَمْيَ الشمس إذا اشتدّ على الماء فيها، فقد يعلوها شىء كالهباء، وهو الضارُّ فيما قيل.
فأما التشميس في الخزف والغدران 4، فلا يضرّ أصلاً.
وإذا كان المرعيُّ أمراً يتعلق بالطبّ، فلا فرق بين أن يشمَّس الماء قصداً، وبين أن تنتهي الشمس إلى إناءٍ من غير قصدٍ.

وخصصّ الشيخ أبو بكر 1 النُّحاسَ بالاعتبار من سائر الأجناس.
وأنا أقول: يَبعُد أن ينفصل من إناء الذهب والفضّة، مع طهارتهما شيء محذورٌ، وكان شيخي يطردُ قولَه فيما ينطبع وينطرق.
وقال العراقيون: تختص الكراهة بما قُصدَ تشميسه دون ما يتفق، ولم يتعرضوا لتفصيل الجواهر، وهذا غلطٌ.
وأنا أقول: ليست الكراهية في هذا الفصل مؤثرةً في تنقيص مرتبة الطهارة؛ فإن سبب الكراهية حِذارُ الوَضَح 2، وهذا يتعلق بالاستعمال في الوجوه كلها.
وأما الماء المسخّن، فلا كراهية في استعماله أصلاً.
فصل 18 - إزالة النجاسة عند الشافعي رحمه الله تختصّ بالماء، وقد تخيّل رضي الله عنه اختصاص إزالة النجاسة بالماء تعبداً، من حيث رأى الماءَ في الشرع هو المعدّ للطهارات، وقد قررت ذلك على أقصى الإمكان في الخلاف 3 مع 4 إشكاله.
والله أعلم.
...

باب الآنية

قال الشافعي رضي الله عنه: "ويُتوضاً في جلود الميتة إذا دُبغت ... إلى آخره" 1. 19 - الأصل المرجوع إليه في الدِّباغ الحديث، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرَّ بشاةٍ ميّتةٍ لمولاةِ 2 ميمونة، وروي لميمونة، فقال: " هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فإنتفعتم به " فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة.
فقال: " أيما إهابٍ دُبغ، فقد طهر " 3. وروي أنه قال: " أليس في الشث والقرظ ما يطهّره؟ " 4.

وروي أنه قال: " إنما حرم من الميتة أكلها " 1. وعن سودة بنت زمعة، أنها قالت: "ماتت لنا شاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدبغنا إهابها، فما زلنا ننبذ فيه، حتى صار شَنّاً 2 بالاستعمال".
20 - وقد اختلف مذاهبُ الأئمّة في جلود الميتاتِ، والذي نذكره منها لتمهيد أصل الباب - مذهبُ أحمدَ بنِ حنبل 3، وقد صار إلى أنَّ الدباغ لا يطهّر جلدَ ميتةٍ، واستدلّ بما روي عن عبد الثه بن عُكَيْم الجهني: " أنه قال: ورد علينا كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل موته بشهرٍ: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصبٍ " 4. وكلُّ حديث نُسب إلى كتابٍ، ولم يُذكر حامله، فهو مرسلٌ، والشافعي لا يرى التعلّقَ بالمراسيل.
وقد قيل: أراد النهيَ عن الانتفاع قبل الدباغ، فإن اسم الإهاب = والشث: بالثاء المثلثة نبتٌ طيب الرائحة، مرّ الطعم، يُدبغ به.
ويروى بالباء الموحَّدة، الشبّ: وهو من الجواهر التي جعلها الله في الأرض، تشبه الزاج يدبغ به.
(تلخيص الحبير: 1/ 79، 80 ح 43، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي: 59).

يتناول ما لم يدبغ، فأمّا إذا دُبغ استجدّ اسماً جديداً: يسمّى أديماً أو صَرْمَاً أو سخْتِياناً 1. فإذا ثبت أصل الدِّباغ، فالكلام بعده في ثلاثة فصول: أحدها - فيما يقبل الدِّباغ.
والثاني - في كيفية الدبِّاغ.
والثالث - في حكم الجلد بعد الدِّباغ.
[الفصل الأول فيما يقبل الدباغ] 2 21 - فأمّا ما يقبل الدِّباغَ، فالمعتبر عند الشافعي النظرُ إلى طهارة الحيوان، ونجاستِه، في حال الحياة، فكل حيوان كان طاهراً في حياته، فإذا مات طهر جلدُه بالدِّباغ، سواء كان مأكولَ اللحم، أو لم يكن، وكل حيوانٍ كان نجسَ العين في حياته، فلا يَطهُر جلدُه بالدِّباغ.
ثم الحيوانات كلها طاهرةُ العيون إلا الكلبَ، والخنزيرَ، والمتولد منهما، أو من أحدهما، وحيوانٍ طاهرٍ.
وإثبات نجاسة عين الكلب -ردّاً على أبي حنيفة 3 - يتعلق بالخلاف.
والذي تَمُسّ الحاجةُ إلى ذكره في تمهيد المذهب، أن الدِّباغ جارٍ مجرى الرُّخَص الّتي لا يتبيّن للناظر فيه معنىً يستقيمُ على السَّبْر؛ فإن جلدَ الميتة نجسُ العين كسائر أجزائها، ولذلك يحرُم بيعُ جلدِ الميتة قبلَ الدباغ، فالمتبعُ في كون الدباغِ مُطَهِّراً، حديثُ شاةِ ميمونة.
22 - ثم اختلفَ نظرُ العلماء: أمّا أحمد بنُ حنبل، فرأى التعلقَ بحديث عبد الله بنِ

عُكَيْم لاشتماله على تاريخٍ مُشعِرٍ بالتأخّر، ورأى حديثَ ميمونة منسوخاً - وقد تكلمنا على الحديث.
23 - وذهب الزهري 1 إلى أن جلدَ الميتةِ طاهرٌ من غير دباغٍ، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصّة شاةِ ميمونة: " هَلاّ أخذتم إهابها، فانتفعتم به ". وليس للدِّباغ ذكرٌ في هذه الرواية.
ومعظم العلماء رأَوْا التعلق بالروايات التامّة المشتملة على ذكر الدباغ.
24 - وذهب أبو ثور 2، والأوزاعي 3 إلى أنه لا يَطهُر بالدباغ إلا جلدُ ما يُؤكل لحمُه إذا مات.
وإنما حملهما على ذلك اختصاصُ خبرِ الدباغِ بالشاةِ الميتةِ، مع ما قرّرنا من أن الدباغ في حكم الرُّخص، وسبيلها أن لا يعدّى بها مواضعها في الشرع، ثم لا شك أن كل ما يُؤكل لحمه في معنى الشاة.
25 - وأما أبو حنيفة، فإنّه صار إلى أن جلدَ الكلبِ يَطهُر بالدباغ 4. وطريقة مذهبه التعلقُ بعموم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، إذ قال: " أيّما إهاب دُبغ، فقد

طهر " 1. وقطع النظر عن اختصاص القصة بالشاةِ.
26 - والشافعي لم يسلك مسلك الأوزاعي في الأخذ بخصوص السبب، ولم ير أيضاًً إجراءَ 2 اللفظ العام على كل جلدٍ.
ولا يستدّ على السبر غيرُ مذهبه.
فأما التعلق بخصوص السبب فغيرُ صحيحٍ؛ فإن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقلٌ بالإفادة؛ فلا يُخصّص بسبب، كما لا يخصّص بمخاطَب.
وأمّا أبو حنيفة، فإنه لم يطرد مسلكه؛ إذ حكم بأن جلدَ الخنزير لا يَقبلُ الدباغ 3، ولا ينقدح فرقٌ لفظيٌّ ولا معنويٌّ بين الكلب والخنزير.
فأما الشافعي، فإنه نظر إلى ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من استعمال الأشياء الحادّةِ كالشَّثّ والقَرَظِ، وغاص على فهم معنىً، وهو أن سبب حكم الشرع بنجاسةِ الميتات، أنها بانقطاع الحياةِ عنها تتعرض للبلى والعَفن والإنتان، والمصير إلى الحالات المستكرهة، فإذا دُبغ الجلد كما سنصف الدّبْغَ، لم يتعرض للتغير، وقد بَطل حصرُ 4 اللفظِ على خصوص السبب، وامتنع التعميمُ لما ذكرنا في جلد الخنزير.
وأرشد الدِّباغ إلى معنى يضاهِي به المدبوغُ الحيوانَ في حياته؛ فإن الحياةَ مدْرأةٌ للعَفن، والموتُ [مجلبةٌ] 5 له، والدِّباغ يردّه إلى مضاهاة الحياة في الخروج عن قبول التغير المستكره؛ فانتظم له من ذلك اعتبار المدبوغ بالحي.

فقال: كلُّ ما يكون طاهراً حيّاً، فإذا مات عاد جلدهُ بالدِّباغ طاهراً، وكل ما يكون نجساً حيّاً؛ فالدِّباغ لا يطفر جلدَه، ثم ثبت عنده نجاسةُ عينِ الكلب من نجاسةِ لعابِه.
فهذا مأخذُ مذهبِ الشافعي فيما يقبل الدِّباغ وفيما لا يقبل.
فرع: 27 - جلدُ الآدمي يخرّج أولاً على طهارة جُثّة الميت من الآدميين، فظاهر النص أن جُثة الميتِ من الآدميين طاهرةُ، وفيه تخريج، وسيأتي ذلك.
فإن حكمنا بطهارةِ الجُثة، فالجلدُ طاهرٌ في نفسه، ولكن يَحرُم استعمالُه لما فيه من الامتهانِ، والإذلال.
وقد قيل: لو أُبين جزءٌ من الآدميّ؛ فهو نجس لانقطاعه عن حرمة الجملة، وإن كنّا نحكم بطهارة جُثة الميت.
وهذا غلطٌ، والوجه اعتبار الجزءِ المبان بالجثة بعد الموت.
وإن فَرّعنا على نجاسةِ جُثةِ الآدمي، وحكمنا بنجاسةِ جِلده على ذلك، فالدباغ يُطَهّرهُ على ظاهر المذهب؛ طردًا لما مهدّناه من اعتبار المدبوغ بالحي، والآدمي طاهرٌ في حياته.
وقيل: لا يطهرُ؛ لأن الدباغ محرَّم لما فيه من الامتهان، وقد تقرر أن طهارة المدبوغ مأخذها الرُّخَص، والرُّخص لا تُناط بالمعاصي.
وهذا فاسد؛ فإن الدِّباغ لا يحرُم لعينه، وإنما يحرُم وقوعُ الامتهان على أي وجهٍ فُرض.
الفصل الثاني في حقيقة 1 الدباغ 28 - لابد من الاعتناء بفهم الغرض من الدّباغ؛ فإن العلم بحقيقة هذا الفصل مترتب عليه.
فأقول: لم يختلف علماؤنا في أن الإهاب قبل الدباغ نجسُ العين، ولذلك امتنع بيعُه، وليس كالثوب المتضمخ بالدم.
ثم ألحق ملحِقون الدِّباغ في تفصيله بإزالة النجاسات عن مواردها.

وألحقه آخرون بالاستحالةِ من حيثُ إن الجلدَ يستحيلُ عن فَجاجته وتعرُّضه للعَفن بالدبغ - إلى النظافة، ولين العريكة.
وهو على الحقيقة بَيْن الإزالة، والاستحالة؛ فإن في الإهاب قبل الدبغ رطوباتٍ فِجّةً، وفضلاتٍ لزجةً [وهي] 1 مخامرةٌ [لجِرم] 2 الجلد، والفسادُ يتسرعّ إلى تلك الفضلاتِ، ثم يَفسد بفسادها الجلدُ.
والغرضُ من الدّباغ انتزاع تلك الفضلات من ظاهر الجلد، وباطنه، بالأشياء الحادة النافذة فيها، كالشثّ، وقِرْف القَرْف المقشر 3، وقُشورِ الرُّمّان، والعَفص 4، والملحِ وغيرِها.
فإذا زالت بقي جِرُم الجلدِ طيّبَ الرائحة غيرَ قابل للعَفن، ليّن العريكة، لا يعود فسادُه عند النَّقْع في الماء، فلم يكن الدِّباغ كزالة النجاسة عن شيءٍ طاهر الجوهر، ولم يكن كالاستحالة المعلومة.
فإن الاستحالة إنما هي تغيّر صفة المستحيل، لا زوالُ عينٍ عنه، كالخمر إذا زالت شدّتُها واستعقب زوالُها صفةً أخرى، قيل: استحالت؛ فالدباغ من حيثُ إنه فصلُ عينٍ من الجلد يشبه إزالةَ النجاسة، ومن حيثُ إنه يفيد انقلابَ الجلد من النجاسة إلى الطهارة يشبه الإحالة.
فلما تردّد الدباغ كذلك، جرى القول في تفصيله متردِّداً.
فنقول أولاً: لا بدّ من إزالة الفضلات، ولا يتأتّى قلعُها إلا باستعمال الأشياء الحادّة، ولا يكفي [عقدُ] 5 الفضلات، وتجميدُها.
فلو شُمّس الجلدُ، وتُرِّب، فالفضلات باقية، ولكنّها جامدة.
وآية ذلك أن الجلدْ لو نُقع في الماء بعد ذلك، عاد إلى فساده؛ لأن تلك الفضلات باقية، ولكنّها تعقّدت بالتجفيف، وقد عادت سيّالة بالنقع في الماءِ 6.

فرع: 29 - اختلف أئمتنا في أنه هل يجب استعمال الماء الطهور حالةَ الدَّباغ 1؟: فقال بعضهم: يجب؛ فإن الدَّبغ إزالةُ عينٍ نجسةٍ، كما قررنا ذلك في صورة الدِباغ، فيتعيّن الماء في تلك الإزالة؛ اعتباراً بكل إزالة.
وقال المحققون: لا يجب استعمال الماءِ حالةَ الدَّبغ؛ فإن الدَّبغ وإن كان يزيل فضلات، فالجلدُ لا يطهر بزوالها، بل طهارة الجلد بسبب أنه كان متعرّضاً للتغير، وقد خرج بسبب زوال الفضلات عن قبول التغيّر؛ فكان ذلك فيه بمثابة استحالة الخمر خلاًّ؛ إذ لو كان ذلك إزالةً، لحكمنا بطهارة جِرم الجلد قبل انفصال الفضلات عنه.
فإن حكمنا بأنه لا يجب استعمال الماء في الدَّبغ، فلا كلام.
وإن قلنا: إنه يجب، فلم يستعمله الدَّابغ؛ فالجلد نجس العين كما كان.
وكان شيخي يقول: " إنْ طلب تحصيلَ طهارته، فلا بد من ردّه إلى المدبغ، وإعادة دبغه ". والسبب فيه أن الفضلات انتزعت من داخل الجلد، وكنا على هذا الوجه نؤثر إيصال ماءٍ طَهورٍ.
إلى مَنافِذ الداخل.
فإن لم يفعل، فحكم النجاسة لا يزول عن الباطن، ثم الماء المجرد لا يصل إلى الباطن حتى يصحبه شيء حِرِّيفٌ حادٌّ يحتدّ الماء به، ويرقّ الحرّيف بالماء، فيصلان.
وإذا فرض ذلك، [كان] 2 صورة دِباغٍ [ثانٍ] 3 فهذا معنى قول شيخي: لا بد من ردّ الجلد إلى المدبغ.
30 - وأنا أقول: إذا حدث نزعُ الفضلات بالأشياء الحادّة، فلا يبعد أن يكتفي بنقع الجلد في ماء طَهور؛ فإنه إذا فَعل ذلك وصل الماء إلى الباطن، ولكن لا يتأتى قَلع الرطوبات ابتداء بمجرّد الماء، ود انقلعت الآن بما تقدم من غير ماءٍ، فلم يبق إلا تعبّدٌ في وصول الماءِ، وهذا يحصل بما ذكرناه من النقع، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

ثم من أوجب على طريقة شيخي استعمالَ الماء مع شيءٍ حِرّيف، فلا يمتنع عنده استعماله متغيّراً بحرِّيف، وينزل ذلك عنده منزلة التعفير في غسلةٍ من الغسلات السبع من ولوغ الكلب، كما سيأتي.
وإن اتجه ما ذكرته من الاكتفاء بنقعه في الماء بعد انقلاع الفضلات؛ فلا يبعد أن أقول: يتعين هذا من حيث إنه إيصال ماءٍ طَهورٍ غيرِ متغير إلى الباطن.
ولا يدرأ هذا إلا ظنّ من يظنّ أن الوصول إلى جميع أجزاء الباطن لا يحصل إلا بمصاحبة حريفٍ للماء.
والله أعلم.
31 - وكان شيخي يذكر الخلاف في استعمال الماء من وجهٍ آخر، ويقول: ما ذكرناه هو استعمال الماء حالة الدِّباغ.
فإذا دُبغ الجلد كما ذكرناه، فلا يخلو ظاهر الجلد عن أجزاء من الشّثِّ لاصقةً به، فهل يجب صب ماءٍ قَراحٍ 1 على ظاهر الجلد ليزيل ما ذكرناه؟ فعلى وجهين: أحدهما -وهو الأصح- أنه يجب؛ فإن تلك الأجزاء تنجست بملاقاة الجلد أولاً، وهي باقيةٌ، فلا بد من إزالتها، وليست تلك الأجزاء كداخل الدَّن الذي استحالت الخمر فيها خلاً؛ لأن المراد بالحكم بنجاسة داخل الدَّنّ مجاورة أجزاءِ الخمر إيّاه، وقد انقلبت تلك الأجزاء خلاً طاهراً.
وهذا لا يتحقق في الأجزاء التي تنجست بملاقاة الجلد [النجس] 2. والوجه الثاني - لا يجب استعمال الماء آخراً؛ فإن المتبع في الحكم بطهارة الجلد بالدِّباغ الخبرُ.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيْما إهابٍ دُبغ، فقد طهر".
وهذا قد دُبغ.
وليس لقائلٍ أن يقول: عادةُ الدبَّاغين غسلُ الجلود آخراً.
فإنّ ذلك ليس كذلك، ونحن نرى الأجزاء التي ذكرناها تُنتقص من الجلود وهي تستعمل، فليقع الاكتفاء بما يُسمى دِباغاً.
ثم من أوجب غسل الجلد آخراً يحكم بطهارة عين الجلد قبل الغَسل [ويراه] 3

كالثوب النجس ولا يمتنع بيعه.
ومن شرط استعمالَ الماء حالة الدبغ -إذا لم يستعمل- يرى الجلدَ نجسَ العين، كما تقدم تفريعه.
الفصل الثالث في حكم الجلد بعد الدّباغ 32 - فالمنصوص عليه للشافعي رحمه الله في الجديد، أن الجلدَ إذا دُبغ، طهر ظاهره وباطنه، وتجوز الصلاة فيه ملبوساً، كما تجوز الصلاة عليه مفروشاً، ويجوز استعماله في الرطب واليابس، ويجوز بيعه.
ومذهب مالك 1 فيما حكاه أصحابنا أنه لا يطهر بالدباغ إلا ظاهرُ الجلد.
وهذا غير صحيح من جهة أن عينَ الجلد كان نجساً قبل الدباغ، ويستحيل أن ينقلب ظاهره طاهراً دون باطنه.
ونقل عن الشافعي قولٌ في القديم يمنع بيعَ الجلد بعد الدِّباغ، وكان شيخي يحكي عن القفال: إنه لا ينقدح توجيه هذا القول إلا بتقدير قولٍ للشافعي موافقٍ لمذهب مالك في أن باطن الجلد لا يَطهر؛ إذ لو كان طاهراً، لم يتجّه لمنع البيع وجهٌ؛ إذ البيعُ تارةً يمتنع لتعظيم الحرمة، كما يمتنع بيع الحُرّ، وقد يمتنع لخسّة الشيء، كما يمتنع بيعُ النجاسات، ولو كان المدبوغ طاهراً ظاهراً وباطناً، لما كان فيه مانع عن البيع من الجهتين اللتين ذكرناهما.
وقوله عليه السلام: " هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به " عامّ في جهات الانتفاع، غير مُشعر بمنعِ البيع.
وعلى الجملة معتقدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي، حيث كانت؛ لأنه جزم القول على مخالفتها في الجديد، والمرجوع عنه لا يكون مذهباً للراجع.
فرع: 33 - اشتهر اختلاف الأئمة في أن جلد الميتة إذا دبغ، وحكمنا بطهارة باطنه وظاهره، فهل يحل أكله؟ فمنهم من حرّم.
وهو الظاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصّة

ميمونة: " إنما حرم من الميتة أكلُها "، فأباح الانتفاعَ بعد الدباغ، وحرم أكل الميتة.
ومنهم من أباح؛ لأنه طاهر غيرُ مضرٍّ، وليس في تعاطيه هتك حرمةٍ، ولا يمتنع أن يُجعلَ هذا حدّاً لما يؤكل.
ومنهم من قال: ما لا يؤكل لحمه لا يحل أكلُ جلده بعد الدباغ، وما يحل لحمه إذا ذكي، يحلّ جلدُه إذا دبغ بعد الموت؛ فإن الذكاة هو السبب الظاهر في التحليل.
فإذا كانت الذكاة لا تفيد في حيوانٍ حِلاًّ، يستحيل أن [يفيد] 1 الدبغُ في جلده بعد الموت حِلاًّ.
فصل قال الشافعي: " ولا تطهُر بالدباغ إلا الإهاب وحده ... إلى آخره " 2. 34 - مقصود هذا الفصل الكلامُ في الشعور والعظام، فنبدأ بالشعور والأصواف والأوبار والرّيش.
فنقول: ظاهر نصّ الشافعي هاهنا أنه يَثبت للشعور حكمُ الحياة في الاتصال، وحكم الموت بموت الجملة، أو بالانفصال منها، مع بقاء الحياة.
وكلام الشافعي في الجراح يدل على أنه لا يثبت للشعور حكمُ الحياة والموت في الاتصال والانفصال 3. وحكى إبراهيم البلدي 4 عن المزني: أن الشافعي رجع عن تنجيس الشعور،

فاتفق أئمتنا على أن المسألة على قولين، وعبّر الفقهاء عنها بالتردّد في أن هذه الأشياء هل تحُلُّها الروح عند الاتصال بالحيوان؟ وهل يحُلّها الموت عند الانفصال؟ فأجْرَوا القولين في ذلك، ثم جعلوا الأحكام تفريعاً على ذلك.
وهذا إن تجوزوا به على طريق الاستعارة؛ فهو محتمل، وإن أجْرَوه عن عقدٍ، فهو باطل؛ فلا شك أن الشعور بمثابة الناميات، وليس فيها الخاصّية التي تتميّز بها ذوات الأرواح من الناميات.
فالوجه أن نقول في التعبير عن القولين: يثبت لها حكم الحياة، والموت، عند الاتصال والانفصال في قول، ولا يثبت لها الحكمان في القول الثاني، وهي كالجمادات في جميع الحالات، وتوجيه القولين يُستقصى في الخلاف.
التفريع: 35 - إن حكمنا بأنها كالجمادات، فهي في أنفسها طاهرةٌ في كلِّ حالٍ: اتصلت، أو انفصلت.
وإذا مات الحيوان، لم يلحقها حكم النجاسة.
وأما شعور الكلب والخنزير، فقد قطع الصيدلاني بنجاستها، وإن كانت جامدة، تغليظاً لحكم هذين الجنسين؛ فإن الحياة دارئةٌ للنجاسة، ثم لم تدرأ نجاسةَ الكلب.
فكذلك الجمادية من مقتضيات الطهارة؛ إذ لا نرى جماداً غيرَ مستحيل في حيوانٍ إلا وهو طاهر، فليُسْتثن شعرُهما من الجمادات، كما استُثني من الحيوانات عينُهما 1. وقال شيخي: " إذا فرّعنا على هذا القول، فظاهر المذهب أن شعرهما طاهر ". وذهب أبو حامد المرْوَرُّوْذي 2 إلى طهارتهما.
= الثانية، وكذا ذكره العبّادي في الطبقة الثانية في المقلّين المنفردين بروايات، وروايته هذه عن رجوع الشافعي عن تنجيس الشعور حكاها عنه الغزالي في الوسيط، ومن قبله الماوردي وجماعات، "والرجل معروف الاسم بين المتقدمين غير أن ترجمته عزيزة".
ولم نجد من ذكر تاريخ وفاته، ولكنه على أية حال مذكور في الطبقة الثانية، وهم من توفي قبل الثلاثمائة (ر.
معجم البلدان لياقوت، والأنساب للسمعاني، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي: 1/ 105، وطبقات السبكي: 2/ 255، والوسيط للغزالي: 1/ 355).

ووجه ما ذكرته أن الشعور على هذا القول من الجمادات، ولا حكم لاتصالها بالحيوانات، فكأنها جمادٌ منفصل عن الحيوان، وليس له حكم الجُزئيةِ؛ فلا يلحقها حكم تغليظ الكلب.
وإن فرّعنا على القول الثاني، فلا شك في نجاسة شعر الكلب والخنزير.
36 - فأما ما عداهما من الحيوانات، فنذكرها في قسمين: أحدهما - فيما سوى الآدميّين.
والثاني - في الآدميين.
أما القسم الأول - فالشعور المتصلة بالحيوانات الطاهرةِ العيون طاهرةٌ.
وإذا ماتت، فإنها تنجس بنجاشة الجُثّة؛ إذ هي من أجزائها على هذا القول.
ثم إذا دُبغت الجلودُ وطَهرت، فهل تَطهر الشعورُ تبعاً لها، كما كانت طاهرة في الحياة؟ فعلى قولين: أحدهما - لا تَطهر؛ فإن المعتمد في طهارة جلود الميتات بالدِّباغ؛ الخبرُ؛ وقد اقتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذكر الإهاب في أخبار الدِّباغ؛ وأيضاً لا أثر للدِّباغ في الشعور؛ فإنه لا يغيّر صفتها.
والقول الثاني - حكاه الربيع بن سليمان الجيزي 1 عن الشافعي: أنها تطهر تبعاً؛ فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا بأس بمَسْك الميتة إذا دُبغ، = واو مفتوحة، ثم راء مضمومة مشدّدة، ثم واو ساكنة، ثم ذال معجمة، نسبة إلى مرو الروذ.
وقد يقال له المرُّوذي تخفيفاً، صدرٌ من صدور الفقه كبير، وبحرٌ من بحار العلم غزير، ويعرف في كتب المذهب بالقاضي أبي حامد، بخلاف الشيخ أبي حامد الإِسفراييني.
صحب أبا إِسحاق المروزي، وكتابه (الجامع) أمدح له من كل لسان ناطق، وعنه أخذ فقهاء البصرة.
توفي سنة 362 هـ (ر.
تهذيب الأسماء واللغات: 2/ 211، طبقات السبكي: 3/ 12، 13، وطبقات الفقهاء: 114).

ولا بصوفه، وشعره إذا غُسل " 1. وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان مطلقاً في الإهاب في أخبار الدباغ؛ فهو محمول على جريان العرف بتبقية الشعور على كثير من الأهب.
وأما عدم تأثير الدّباغ فيها، فنقول: أليس حكمنا بنجاستها وإن لم تتعرض للعَفن والبلى تعرضَ الجلود، ولكنها تنجست تبعاً فليكن أمر الطهارة على التبعيّة ثابتاً فيها، وإن لم تتأثّر بالدِّباغ.
ثم لقائل أن يقول: لو تُرك الجلد، لتمرّط الشعر منه باسترخاء المنابت وعُفونتها، فإذا تماسكت المنابت بالدّباغ، أثر ذلك في تطاول أمر بقاء الشُعور.
فهذا حكم الشعور إذا مات الحيوان.
37 - فأما إذا جُزّت الشعور في الحياة؛ فالقياس الحكم بنجاستها؛ قياساً على سائر أجزاء الحيوانات إذا فصلت في الحياة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أُبينَ عن الحيّ، فهو مَيّت " 2. وهذا القياس مجرى مُطّرد في الحيوانات التي لا يُؤكل لحمها.
فأمّا الحيوانات المأكولة إذا جُرّ منها شُعورها، فهي طاهرة باتفاق الأمم، والقياس يقتضي النجاسة؛ وسبب طهارتها مسيسُ الحاجة إليها في ملابس الخلق، ومفارشهم.

ولا تسدّ الشُعور التي تمرط من المُذكَّيات -بالإضافة إلى الحاجات- مسدّاً، فجرى حكمُ الشرع بتطهيرها مجرى الحكم بطهارة الألبان.
والقياس أن تنجس؛ فإنها مستحيلات في باطن الحيوانات كالدماء، وسائر الفضلات، ولكن امتن الله تعالى على عباده بإباحتها وطهارتها؛ حتى يتقوّت أرباب المواشي بها، ويستبْقوا أصول المواشي.
وأما شعور الحيوانات التي لا تؤكل لحومها، فمقرّةٌ على القياس؛ لأنه ليس يظهر احتياجٌ إليها، بخلاف الأصواف والأوبار.
ثم ما يُنتف من الشعر كالمجزوز، وما يَنسلّ بنفسه كذلك، ولا فرق، وليس الجز ذبحاً للشعر، حتى تُعتبر فيه شرائط الذبح 1، وإنما المتّبع الحاجةُ كما تقدم.
هذا بيان أحد القسمين.
38 - فأما الثاني - فالغرض منه شعر الآدمي.
والوجه بناؤه على القول في نجاسة الآدمي إذا مات.
فإن حكمنا بطهارته، فالشعر طاهرٌ إذا فصل منه، وإن حكمنا بنجاسة الآدميّ إذا مات -وهو خلاف ظاهر النص- فإذا انفصل منه الشعر، حُكم بنجاسته.
ثم إن حكمنا بنجاسة شعور الآدميين، ففي شُعور رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهان: ذكرهما الصيدلاني: أحدهما - إجراؤُها على القياس.
والثاني - الحكم بطهارتها تخصيصاً له بهذه الكرامة؛ لأنه صح أنه أمر بتفرقة شعره على أصحابه 2، ولم ينههم عن استصحابها في صلواتهم.
فإن حكمنا بطهارة شعره بخلاف شعر غيره، ففي فضلات بدنه كبَوْله، ودمه،

وغيرهما وجهان: أحدهما - الجريان على القياس، وقد تقرر أنه عليه السلام كان يتنزه عن فضلاته تنزّهَ غيره.
وكان لا يتخصّص عن البشر فيما يتعلق بطهارتي الحدث، والخبث.
والثاني - أنها طاهرة؛ لما روي أن أبا طيبةَ الحاجم شَرِب دم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلم يُنكر عليه.
وقال: " إذاً لا يبجع بطنك " 1، وشربت أم أيمن بولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إذاً لا تلج النار بطنك " 2. وقد يتجه في الخبرين أن يقال: إنما لم يُنكر عليهما، لعلمه بأنهما تداويا بما شرباه، وقد يجوز التداوي بالأشياء النجسة، كما نذكر ذلك في الأطعمة.
فرع: 39 - إذا حكمنا بنجاسة شُعور الآدميين، فما ينتف من اللحية واللِّمّة على العرف الغالب معفوٌّ عنه، وإن كان نجساً كدم البراغيث والبثرات؛ إذ لا يمكن التحرز من انتتافهما.
ثم القول في الفصل بين القليل والكثير فيهما كالقول في دم البراغيث، على ما سيأتي ذكره، ولعلّ القليل من الشعر مما يغلب انتتافه مع اعتدال الحال.
فهذا كافٍ في التنبيه الآن.

40 - فأمّا العظام، فقد قطع الصيدلاني القولَ بأنه يثبت لها حكمُ الحياة، والممات، بخلاف الشُعور، والقُرون، والأسنان، وما أشبهها من العظام.
وكان شيخي يُجري فيها القولين المذكورين في الشعور.
وأبو حنيفة ألحقها بالشعور؛ فنفى حكم الحياة عنها 1. وسبب هذا التردد في العظام، أن الناس يعتقدون أن العظام تألم كسائر أجزاء الحيّ بخلاف الشُعور.
والشرع يُبنى في أمثال ذلك على معتقد الناس.
وهي أيضاً تتعرض للبلى والعفن والإنتان بالموت.
وهذا سبب اقتضاء الموت للنجاسة.
والذي يحقق ذلك أن الأصحاب أجمعوا على أن وَدَك عظم الميتة نجس، وقد كان طاهراً في حياة الحيوان المأكول، فلو لم ينجس العظم بالموت، لما تنجس الوَدَك الذي فيه؛ فإن الوَدَك لا يتصف بموتِ ولا حياة.
وهذا من لطيف الكلام.
وقد بَقَّيتُ فيه مضطرَباً لفكر الفقيه، واقتصرت على التنبيه.
ثم من حكم بطهارة عظم الميتة، فيمنع صب شيء رَطب فيه؛ لما فيه من الدسم، فإن أمكن استخراجه بحيلةِ، فيجوز إذ ذاك.
فصل 41 - الحيوان المأكول اللحم إذا ذكي، فلا شك في طهارة لحمه وعظمه؛ إذ لا خلاف في تحليلهما، وكذلك لا خلاف في طهارة جلده بالذكاة، قال أئمتنا: المُذكَّى في الحِسّ مَيتةٌ، وهو معرض للتغيّر على ما تقدّم، ولكن أباح الله اللحوم من الحيوانات الطيبة؛ ليتقوّى بأكلها الناس.
وكان لا يبعد عن القياس إبقاء جُلودها على قياس جُلود الميتاتِ، ولكنّها مأكولةٌ

على الرُّؤوس، والأكارع، والمسموط؛ فهي من أجزاء اللحم، وإن كانت تتجافى عنه بالسلخ.
ثم تتبعُ الشعورُ الجلودَ في الطهارة وفاقاً للتبعيَّة المرعيَّة، وإن كان ما ذكرناه من مشابهة الجلود اللحومَ لا يتحقق فيها، وقد ينقدح فيها كلامٌ لطيفٌ: وهو أنه إذا أُوجبَ 1 الحكمُ بطهارة الجلد كما سبق تقريره، وللشعر أصول مستترة بالمنابت لا يتأتى استئصالها إلا بالاعتناء بنتف آحادها؛ اقتضى ذلك الحكمَ بطهارتها؛ ثم لا يتبعّض حكم الشَّعر 2 في الطهارة، والنجاسة.
فأما الحيوان الذي لا يُؤكل لحمُه إذا ذُكِّي، فذكاته كموته عندنا، وحكم الجِلد والشَّعر على ما عُلم في جلد الميتة وشعرها.
فرع: 42 - إذا ماتت الدجاجة وفي بطنها بيضة، فإن كانت سيالة بحيث تخالطها الرُّطُوبات، فهي نجسة، وإن اكتست بالقَيْض 3 الحائل، فوجهان: أصحهما - الطهارة؛ فإنها ليست متصلةً اتصال خِلقَةٍ بل هي مُودَعة.
فصل قال الشافعي: " ولا أكرَهُ من الآنِيةِ إلا الذَّهَبَ والفِضَّةَ ... إلى آخره " 4 43 - استعمال أواني الذهب والفضة محرّم؛ لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الذي يشربُ في آنية الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نارَ جهنم " 5.

وقد ذكر الشافعي الكراهيةَ، وأراد به التحريمَ، [وهو يعتاد ذلك كثيراً، والدليل على التحريم] 1 الوعيد المنقول عن النبي عليه السلام.
وحكى العراقيون قولاً للشافعي في أن استعمالَها مكروه غيرُ محرم، ولم يعرِف المراوزة ذلك، ونقلوا نصاً للشافعي في نفي التحريم مجملاً 2، ثم أوّلُوه، وحملوه على أن المشروب في نفسه ليس بمحرّمٍ، فليقع التعويل على التحريم.
ثم سلك الصيدلاني، وشيخي، وغيرُهما مسلكاً أسرُده على وجهه، ثم أذكر المختار عندي.
قد قالوا: للأئمة طريقان: منهم من خصّص التحريم بالنقدين من غير رعاية معنىً، وزعم أن اختصاص التحريم بهما كاختصاص أحكامٍ بهما من القراض والنقدية وغيرهما.
ومنهم من تخيل معنىً محرماً: وهو إفراط الخيلاء والتزيّي بزي الأعاجم، ثم بنَوا على هذا مسائلَ الفصل، كما سيأتي.
والذي أراه أن معنى الخيلاء لا بد من اعتباره؛ فإنه مما يَبتدر إلى الفهم، وإذا أمكن اعتبارُ المعنى، فحسمه مع القول بالمعاني بعيد.
وسأخرّج على ذلك تفريعَ المسائل في الفصل.
44 - قال الأولون: إذا اتَّخَذَ إناء نفيساً من غير التبرين، فإن كان سببُ نفاسته حسنَ الصيغة، لم يَحرُم استعمالُه كَالزُّجاج؛ فإن مستعمله لا يُنسب إلى السَّرف والخُيلاء.
وإن كانت سبب النفاسة عزة الجوهر كالفيروزج، وما في معناه، فجواز استعماله مخرج على اختلاف الأئمة في اعتبار المعنى.
فمن خَصّص التحريمَ بالتبرين، لم يُحرِّم غيرَهما.
ومن اعتبر الفَخر والسَّرف، حرّم ما علت قيمتُه بجوهره، لتحقق المعنى المعتبر.
45 - وأنا أقول: يَبعد حَسمُ باب النظر مع إمكانه، وقد أجمع القيَّاسون على

استنباط المعنى من الأشياء الستة في الربا، ومسلك المعنى أضيق فيها، فأقول: من خصص التحريمَ بالتبرين، قال: هما يظهران لكافة الناس، فيتبين السّرف من استعمالهما، والجواهر النفيسة يختصّ بمعرفتها ذوو البصائر؛ فجرى الخلاف فيها لذلك.
وألحق شيخي البلّور بالزجاج، وألحقه الصيدلاني، والعراقيون بالجواهر النفيسة.
46 - وَيحرم على الرجل التحلّي بالتبرين، كما سأشرحه في كتاب الزكاة.
وفي تحريم التحلي بسائر الجواهر احتمالٌ عندي، ولست أحفظ فيه شيئاً.
47 - ومن اتخذ إناءً من نحاسٍ أو غيره، وموّهه بأحد التبرين، فإن كانت المموِّهة تجتمع بالنار، حرم استعمال الإناء، وإن كانت مستهلكةً؛ ففي تحريم الاستعمال على رأي الأئمة وجهان: من اعتبر الفخر حرّم، ومن خصص التحريم بالعين المنصوص عليها، لم يُحرَّم؛ فإن العين مستهلكة.
والخلاف عندي [يخرج] 1 على ترديد الرأي في الخيلاء، فمن لم يُحرِّم، قال: لا يكاد يخفى المموَّه، ولا يلتبس بالتبرين؛ فلا يظهر معنى الخيلاء.
وإن اتخذ إناءً من فضةٍ أو ذهبٍ غشاه بالنحاس؛ فاستعماله على الخلاف: فمن اعتبر العين حرَّم، ومن اعتبر الخيلاء، لم يُحرِّم، ولا يخفى تخريج الخلاف على ما ارتضيته.
ولو اتخذ إناءً من ذهب، ثم غشاه بالنحاس من داخله، وخارجه.
فالذي أراه القطعُ بجواز استعماله؛ فإن الإناء من النحاس، قد أُدرج فيه ذهبٌ مستتر والله أعلم.
48 - ثم اتفق علماؤنا على أنه لا يختصّ تحريمُ الاستعمال بجهة الأكل والشرب، بل يحرم التوضؤ والتجمير والتبخير وغيرها.
وهذا يحقق أن معنى السرف معتبر.
وخصص أصحابُ الظاهر التحريمَ بالأكل والشرب.
ولم يختلفوا في أن التحريم يَعُمّ الرجال والنساء.

49 - واشتهر اختلاف أئمتنا في أن استصناع هذه الأواني هل يحل؟ وهل للصنعة فيها قيمة، وحرمة؛ حتى يغرَم الكاسر ما ينقُصُه الكسرُ من القيمة؟ فمنهم من ألحقها بآلات الملاهي في إسقاط الحرمة، ومنع الاستصناع.
ومنهم من أثبت للصنعة فيها قيمة وحرمة.
وكان شيخي يقول: في جواز تزيين البيوت والمجالس بها - من غير أن تستعمل في جهةٍ - وجهان مأخوذان من جواز الاستصناع، فإن منعنا ذلك، لم يبق للصنعة حرمة، ولا [لجواز] 1 الاستصناع وجه.
والوجه عندي تحريمُ التزيين بها للسرف، مع الخلاف في حرمة الصنعة.
فإن قيل: فجوّزوا اقتناء المعازف وآلات الملاهي مع تحريم استعمالها.
قلنا: النفوس متشوفة إلى استعمالها.
ووجودُها داع إليه، وليس كذلك الأواني؛ فإن النفوس لا تلتذ باستعمالها.
50 - ومن تمام القول في هذا الفصل: الأواني المضببة بالذهب والفضة، فالطريقة المشهورة أن الضبة إن صغرت ومست الحاجة إليها؛ فاجتمع الصغر والحاجة، حلّ الاستعمال.
وإن كبرت ولا حاجة، حرم الاستعمال؛ لظهور قصد التزين؛ ووجود العين.
وإن صغرت ولا حاجة، أو كبرت ومست الحاجة، فوجهان: فاجتماع الكبر، وانتفاء الحاجة يقتضي التحريم، والصغر مع الحاجة يتضمنان التحليلَ.
وإذا وجد صغرٌ ولا حاجة، أو حاجة وكبر، فوجهان 2. ومن أصحابنا من قال: لو كانت الضبة تلقى فمَ الشارب، لم يجز وإن صغرت، وتحققت الحاجة.
وفي كلام الشافعي دليل على ذلك.
وقد رأى الصيدلاني تحريم ذلك مقطوعاً به.

والعراقيون وطوائف من الأئمة لم يعتبروا هذا؛ فإن معنى التزيين إذا زال، وظهرت الحاجة، فالتحليل ظاهر 1. وكان شيخي يحكي وجهاً في تحريم استعمال المضَيّب كيف فُرض الأمر، تخريجاً على اعتبار عين التبر، وهى موجودة.
5 - وتمام البيان في هذا الفصل يستدعي [بيان] 2 أمرين أبهمناهما: أحدهما - الحاجة، والثاني - الكبر والصغر.
أما الحاجة فلفظة مبهمة، لم أرَ لها تفصيلاً مقنعاً.
وأنا أذكر ما يجري في فكري فأقول: لا شك أنهم ما عَنَوْا بالحاجة الضرورةَ الحاقّة، حتى يُظن أن من اضطر إلى استعمال إناء، ولم يجد غير إناءٍ منكسرٍ وضبّهٍ من فِضَّة، ومست الضرورة إلى شَعْبها 3؛ فإذ ذاك يَشْعَبُه بها، ويستعمله؛ فإن الأمر لو انتهى إلى ذلك، حلّ استعمالُ إناءٍ من ذهب، فليُخرج الفقيهُ هذا التخيّلَ في معنى الحاجة من فكره.
ونحن نقول وراء ذلك: الحاجةُ تحتمل معنيين: أحدهما - أن من انكسر إناؤه فَشَعَب موضعَ الكسر بالفِضّة، ولم يزد على مقدار الحاجة في الشَّعب، فهذا التضبيب ليس للزينة، وإنما تضبيب الزينة أن يضيِّب [موضعاً لا كسر] 4 فيه، أو يتعدى بالضبّة موضعَ الكسر.
فإذا كانت الضبّةُ صغيرةً على قدر حاجة الشَّعب، فليس فيها خيلاء - وإن كان موضع الكسر متسعاً، وكانت الضبة كبيرة على قدر الكسر، فهي على مقدار الحاجة، ولكن كبرها قد يجرّ فخراً.
وهذا القائل لا يشترط في الحاجة أن يعدِم شَاعِب الإناء ضَبَّةً من غير التبرين؛ فإن

المحذورَ ما يظهر منه الفخر للناظرين، فإذا صغرت [الضبّهُ] 1 وانطبعت 2 في موضع الكسر؛ فليس في صورتها خيلاء.
فهذا وجهٌ في معنى الحاجة.
والوجه الثاني - أن يقتصر على مقدار الكسر، ويعدِم ما يُضبّب به من غير التبرين، فإذا ضبب بالفضة على التفصيل المذكور، فهذا تضبيبٌ للحاجة.
وتوجيه ذلك أنه في نفسه لو كان يستعمل إناء من فضة إذا استخلى، فما يفعله حرام، وإن كان لا يطلع عليه أحد إلا الله، فكما يحرم الإظهار في ذلك، يحرم الإقدام عليه في الخلوات، فإذا علم الله من رجلٍ تمكنه من شَعْب الإناء بغير التبرين، ثم إنه اعتمد الشَّعْبَ بالفضة، فليس يتحقق مع ذلك الحاجة بوجهٍ بين العبد وربه.
فهذان وجهان في الاحتمال، وقد يخطر للناظر أنه إنما يستعمل المضبّبَ على قدر الحاجة، إذا لم يجد إناءً غيره، فأما إذا كان له أوانٍ، فاعتماد استعمال المضبّب لا يجوز، وهذا بعيد.
والوجه الاقتصار في التردد على الوجهين المقدّمين في معنى الحاجة.
52 - فأما معنى الصغر والكبر، فقد تردد فيه بعضُ الأصحاب: فذكر بعضُ من صنّف في المذهب أن الكبير ما يستوعب جزءاً من الإناء، مثل أن يستر أسفله، أو جانباً من جوانبه.
وهذا غلط؛ فإن الإناء إذا كان كبيراً، وكان أسفله ذراعاً في ذراع مثلاً، فما يأتي على ثلثي الأسفل أو نصفِه كبير متفاحش؛ فلا معتبر بما قال هذا القائل.
ولعل الوجه أن يقال: ما يلمع على البعد 3 للناظر؛ فهو كبير، وما لا يكون كذلك؛ فهو صغير؛ فيكون مأخذ ذلك مدانياً لمأخذ القليل والكثير، مما يُعفى عنه

من طين الشوارع إذا قلّ، ولا يُعفى عنه إذا كثُر.
وقد يَختلط بذلك طَرفٌ من القول في المموّه، والقولِ في إناء من فضة مغشىً بنحاس، إذا قيل: ما ترون في ضبّةٍ خفيفةِ الوزن بالغَ الصانعُ في ترقيقها وبسطها، فهي تلوح لذلك؟ أو ما ترون في ضبةٍ ثقيلةٍ ضيقة الحجم لا تلوح؟ فيكون مأخذ الإفراط في البسط مع خفّة الوزن من التمويه.
ومأخذ الصغَر في مرأى العين مع الثقل من التغشية بالنحاس.
53 - وكان شيخي يقول: لا ينبغي أن يسوّى بين الذهب والفضة في الصِّغَر والكِبَر؛ فإنّ القليل من الذهب في إظهار الخيلاء بمثابة الكثير من الفضة، وأقرب معتبر فيه أن ينظر إلى قيمة ضبة الذهب 1 إذا قُوّمت بالفضة.
فهذا مبلغٌ كافٍ فيما نبغيه.
وقد سمعت شيخي يتردّد في صغار الظروف من الفضة، كظروف الغوالي 2 والمَكاحل الصغيرة من الفضة.
والوجه عندي تحريم استعمالها.
فصل قال الشافعي: " لا بأس بالوضوء من ماء مُشرِك ... إلى آخره " 3. 54 - التوضؤ من آنية المشركين جائز، والصلاة في ثيابهم كذلك، إذا لم يغلب على الظن مخامرتهم النجاسات.
وقد شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوضأ من ماء في مَزَادَة مُشرِكة 4،

وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جَرّ 1 نصرانية.
والقول الضابط في ذلك، أن ما تحققنا نجاستَه، أو طهارته لا يخفى حكمه.
فأما ما يُتردّد فيه؛ فإنه ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها - ما يغلب على الظن طهارته؛ فالوجه الأخذ بطهارته.
ولو أراد الإنسان أن يطلب يقين الطهارة؛ فلا حرج عليه، بشرط ألاّ ينتهي إلى الوساوس التي تُنكد عيشَه، وتُكَدر عليه وظائف العبادات؛ فإن المنتهي إلى ذلك خارجٌ عن مسالك السلف الصالحين، والوسوسة مصدرها الجهل بمسالك الشريعة، أو نقصانٌ في غريزة العقل.
والقسم الثاني - ما يستوي في نجاسته وطهارته التقديران؛ فيجوز الأخذ (2 بطهارته ولو انكفَّ المرءُ عنه، كان محتاطاً.
والقسم الثالث - ما يغلب على الظنّ نجاستُه، فللشافعي 2) فيه قولان: أحدهما -2 = أن نقل هذا عن المجد ابن تيمية وابن حجر-: لم أجده.
ثم يذكر بعد ذلك حديث عمران بن حصين نفسه، الذي ذكره ابن حجر في (بلوغ المرام) - بطوله، ثم يعقب عليه قائلاً: "فأنت ترى أنه ليس في الحديث توضؤه صلى الله عليه وسلم من مَزَادة المشركة، ولكن فيه استعماله صلى الله عليه وسلم لمزادة المشركة " اهـ قلت: لا أدري ماذا يقصد شيخنا الألباني بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ من مزادة المشركة، ولكنه استعملها؟.
ففيم استعملها صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وفي الحديث ما نصه: " ... دعا النبي صلى الله عليه وسلم بإِناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين ... ونودي في الناس: اسقوا واستقوا ... وأعطى الذي اصابته الجنابة إِناءً من ماء، وقال: اذهب فأفرغه عليك" ففيم استعمل المسافرون في الصحراء هذا الماء؟ أفي غير الشرب والطهارة؟ إِلا إِذا أراد أنه لم يجده بهذا اللفظ.
والله أعلم.
(ر.
سبل السلام: 1/ 71، نيل الأوطار: 1/ 87، وإرواء الغليل للألباني: 1/ 72 - 74). هذا، والمزادة بفتح الميم والزاي، بعدها ألف مدّ، ثم دال مهملة مفتوحة، وهي الراوية، ولا تكون إلا من جلدتين، تقام بثالث بينهما لتتّسع، كما في القاموس.

أنه يجب الأخذ بنجاسته.
والثاني - يجوز الأخذ بطهارته.
فوجه جواز الأخذ بطهارته بناء الأمر على ظاهر الطهارة، والمصير إلى أنها مستصحبة إلى أن يطرأ نقيض الطهارة، والاستشهادُ بطهارة الحدث؛ فإن من استيقن طهارةَ الحدث، وغلب على ظنّه الحدثُ بعدها؛ فيجوز الأخذ بما سبق من الطهارة.
ووجه من أوجب الأخذَ بالنجاسة أن الطهارة والنجاسة يتطرق إلى [دركهما] 1 الاجتهاد، وتنتصب عليهما العلامات، وما كان كذلك، وجب الاستمساك فيه بغالب الظن، كسائر المجتَهدات، وبها ينفصل أمر النجاسة عن أمر الحدث؛ فإن الاجتهاد لا يتطرق إلى دَرْكِ الحدث؛ إذ ليس عليه علامةٌ لائحة بها اعتبارٌ.
وتحقيق ذلك أن ما ذكرناه من غلبة الظن لم نعنِ به هاجساً لا مستند له من علامة ظاهرة.
ولو كان مع الرجل إناءان: أحدهما طاهر، والآخر نجس، والْتبس عليه الطاهر منهما، فالأخذ بالاجتهاد، وغالب الظن في هذا محتوم؛ فإن معه ماء مستيقنَ [الطهارة، وماء مستيقن] 2 النجاسة، وإذا لم يكن معه إلاّ إناء واحد، ففي الأخذ بغلبة الظن في النجاسة القولان.
55 - ونحن نذكر صوراً يتهذب بها القولان: فإذا ظهر اختلاطُ الرجل بالنَّجاسات وعدمُ تصوّنه منها، مسلماً كان أو كافرا، ففي ثيابه وأوانيه القولان.
وإذا عَتُقت المقبرة وجرى النبشُ في أطرافها؛ فالغالب على الظن انتشارُ النجاسة فيها.
وإذا لم يستيقن نجاسة موضع منها، وغلب على الظن ذلك، ففيه القولان.
ففي هذه الصورة نص الشافعي على القولين.

وكذلك القولان في طين الشوارع - إذا غلب على الظن اختلاطُه بالنجاسة.
قال شيخي: لو استيقنا نجاسة طين الشوارع، فلا خلاف في العفو عن القليل الذي يلحق ثياب الطارقين؛ فإن الناس لا بدّ لهم من الانتشار في حوائجهم؛ وقد لا يملك كثير منهم إلا ما يكتسبون به، فلو كلفوا الغسل، لغلبت المشقة، وكذلك عفَوْنا عن دم البَراغيث والبَثَرات.
ثم كان شيخي يقول: القليلُ المعفوّ عنه ما لا ينسب صاحبه إلى نكبةٍ، أو عثرةٍ، أو قلّةِ تحفظ عن الطين.
وسيأتي هذا الفن في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.


فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل