نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنائز

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1637 - ذكر الشافعي آداباً في حق المحتضَر إذا قرب موتُه، فنقول: ينبغي أن يكون في نفسه حسن الظن بالله تعالى عند قرب موته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو حَسن الظن بالله تعالى" 1. ثم ينبغي أن يلقَن الشهادة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله" 2، وروى معاذ عن النبي عليه السلام أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" 3. ثم لا ينبغي للملقّن أن يلحّ على من قرب أجله، بل يذكِّره الشهادة برفق، بحيث لا يُضجره.
ثم مما يؤثر 4 إذا فاضت نفسه، أن يُغمض عينيه رجل رفيق، ويشد لحييه بعصابة؛ حتى لا تبقى صورتُه مشوّهة في المنظر، ويكون هذا عند تحقق الموت،

من غير تأخير؛ فإنه قد لا تُطاوعُ الأعضاءُ إذا بعد الزمان، وكذلك نُؤثر تليين مفاصله عند الموت؛ حتى لا تبقى منتصبة، فيعسر التصرف فيها عند الغُسل، ومحاولة الإدراج في الكفن.
وذكر 1 جملاً من علامات الموت؛ والغرض أنا لا نُحدث شيئاً مما ذكرناه إلا ونحن على تحقق من الموت.
وينزع عنه الثياب التي تدفئه إذا مات؛ حتى لا يتسرعّ التغييرُ إليه، ويسجّى بثوبٍ خفيف، ولو وضَع سيفاً أو غيرَه على بطنه حتى لا يربو، فحسنٌ.
وقد ورد في بعض الآثار تلاوة سورة يس 2 عند قرب الأمر.
والذي كان يقطع به شيخي أن المحتضَر يُلقَى على قفاه، وأخمصاه إلى القبلة، وذكر العراقيون أنه يُلقَى على جنبه الأيمن كما يفعل في لحده، ولست أثق بهذا؛ فإن عمل الناس على خلاف هذا.
وإن كان ما ذكرناه منقاساً في رعاية استقبال القبلة.
...

باب غسل الميت

1638 - نذكر في صدر هذا الباب أموراً تتعلق بآدابٍ في مقدمةِ الغسل، وكيفية الغُسل، ثم نذكر المسائلَ الفقهية إن شاء الله عز وجل، فنقول: الأَوْلى ألا يُنزع عن الميت قميص، بل يغسَّلُ فيه، وإن مست الحاجة إلى مس بدنه باليد في الغسل، فَتق الغاسلُ القميصَ وأدخل يده في موضع الفتق، فإن نزع القميص، جاز، ولكن يجب أن يستر عورة الرجل بثوب يُلقى عليها، والعورة ما بين السرة والركبة، وهذا يُبنى على العلم بأنه يحرم النظر إلى عورته، ويكره النظر إلى سائر بدنه، إلا عند الحاجة.
ثم ذكر المزني أنه يعيد الغاسل تليين مفاصله عند الغسل، وتردد أصحابنا، والوجه فيه أن يعلم أن التليين في هذا الوقت، لم يرد فيه أثر، ولم يوجد فيه نصّ للشافعي، ولكن الوجه أن يقال: إن لم تمس حاجة إلى التليين وإعادته، فلا وجه له، وإن مست الحاجة إلى إعادة التليين، فلا معنى للتردد فيه.
ثم نقول: ينبغي أن يُغسَّل في موضعٍ خالٍ، لا يطلعُ عليه إلا غاسله، ومن لا بد منه في الإعانة، ولا ينبغي لمن يتعاطى ذلك أن يذكر شيئاً من العلامات التي تكره، فقد يسودُّ وجه الميت بثوران الدم فيه، وقد يميل وجهُه لالتواء عصبٍ، فلو ذُكر، فقد يظن به من لا يدري سوءاً.
ثم يفضى بالميت إلى مغتَسله، وهو لوح مهيأ لهذا الشأن، فلو لم يكن، فسرير، وينبغي أن يكون المغتَسل منحدراً في وضعه، حتى لا يقف الماء وينحدر، ثم يعتدّ 1 الغاسل موضعاً 2 فيه ماء كثير، وينحيه من السرير، حتى لا يترشش،

ولا يتقاطر إليه، ويكون معه ما يغترف به الماء من ذلك الإناء المنحَّى.
1639 - والأصح المنصوص عليه للشافعي أن بدن الآدمي لا ينجس بالموت؛ إذ لو كان ينجس، لما كان في تنظيفه بالغسل معنى.
وذهب أبو القاسم الأنماطي إلى أنه ينجس، واستنبط قوله من أمر الشافعي بتنحية الإناء الكبير الذي فيه الماء.
وهذا غير صحيح؛ فإن الشافعي نص على ما يفسد هذا 1؛ فإنه قال: يُنحَّى حتى تكون النفس أطيب في ألا يتقاطر الماء، ثم الماء المستعمل إذا كثر تقاطره، فقد يثبت إلى ما يتقاطر إليه حكم الاستعمال، فيخرج عن كونه طهوراً، وإن بقي طاهراً.
1640 - ثم إذا أفضى به إلى مغتسله ألقاه على قفاه أولاً، ثم يتقدم، فيجلسه برفق، ويكون ميله 2 إلى وراء، فلا يجلسه معتدلاً؛ فإن الميلَ إلى الاستلقاء أوفق، لما يحاوله مما نذكره الآن.
وينبغي إذا أجلسه على الهيئة التي ذكرناها، أن يعتني بحفظ رأسه، حتى لا يميل إلى وراء ميلاً بيناً، ثم إذا أثبته كذلك، اعتمد بيديه على بطنه ماسحاً متحاملاً بقوة -وميل الميت إلى وراء- فإن كان فيه فضلةٌ يخشى مبادرتها خرجت، ثم يأمر من معه في هذا الوقت حتى يصب الماء بقوة، ويُكثر؛ حتى إن كان من شيء خَفي في كثرة الماء.
والمجمرةُ -مع الاعتناء بفائح الطيب- تكون عنده في هذا الوقت مُتَّقِدَة.
ثم إذا تقدر الفراغُ من هذا المقصود الذي ذكرناه، فيتعهد -وقد ردّه إلى هيئة الاستلقاء- غَسْلَ سوأتيه، ولا يمس بيده واحدة منهما، ثم يلفّ على يده خرقة، ويُمعن في غسل إحداهما، ثم ينحي تلك الخرقة، ويلف أخرى، ويغسل الأخرى، فيكون ما جرى بمثابة الاستنجاء في حق الحي، ثم كل خرقة ردّها، ابتدرها بعضُ من يُعينه وغسلها.
ثم إن كان ببدنه قذر اعتنى به، ولف خرقة على يديه وغسله، ثم يتعمد خرقة نظيفة، فيبلها، ويتعهد ثغره، وأسنانه بها، ويكون ذلك كالسواك، ولا يفتح فاه في ذلك، ويتعهد منخريه كذلك، ويزيل أذىً إن كان، ثم

يوضئه وضوءاً تاماً، ثلاثاً ثلاثاً.
وذكر الشيخ أبو بكر أنه يأتي بالمضمضة والاستنشاق.
وظاهر هذا أنه يوصل الماء إلى داخل فيه وأنفه، ولا يكتفي بإيصال الماء إلى مقادم الثغر والمنخرين، وكان شيخي يقول: يكتفي بإيصال الماء إلى ثغره ومنخره، وهذا معنى المضمضة فيه، وكذلك القول في المنخرين.
والذي أرى القطعَ به أن أسنانَه إن كانت متراصة، فلا ينبغي أن يتكلف الغاسل فكّها، وفتحها، لمكان المضمضة، وإن كان فمه مفتوحاً ففي إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه تردد من الأئمة.
والسبب فيه أنه قد يبتدر الماء إلى جوفه، فيكون ذلك سبباً في تسارع الفساد والبلى إليه، ونحن مأمورون برعاية صونه جهدنا، وإن كان مصيره إلى البلى.
ثم إذا فرغ من ذلك وضَّأه، وتعهد شعره وسرّح لحيته، وشعرَ رأسه إن كان ذا لِمّة، وكانت قد تلبّدت، حتى لا يمتنع بسببها وصول الماء إلى أصول الشعر، ويستعمل مشطاً واسع الأسنان، وَيرْفُقُ جهده؛ حتى لا ينتف شعره، ثم يضجعه على شقه الأيسر ويبتدىء غسله، فيصب الماء على رأسه، وعنقه وشقه الأيمن كلِّه، إلى فخذه، وساقه، ورجله، ثم يلقيه على قفاه برفق، ويضجعه على شقه الأيمن، ويغسل شقه الأيسر، كما تقدم ذكره في الأيمن، وهذه غسلة واحدة، وهو في ذلك كلِّه يُتبع الماءَ يدَه دلكاً، وعليها خرقة.
ثم ذكر الشافعي أنه بعد كل غسلة، يُجلسه، ويمرّ يده على بطنه ويردّه، ولكنه يتحامل في المرة الأولى قبل ابتداء الغسل، ويرفُق في غيرها من الكرَّات على حسب ما تقتضيه الحال، ثم يغسله ثانية وثالثة، فإن حصل النقاء المطلوب، وإلا غسله خمساً أو سبعاً، هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اللّواتي كنّ يغسّلن ابنته زينب فقال: "اغسلنها ثلاثاً، خمساً، سبعاً" 1، والإيتار مرعي عند محاولة الزيادة على الثلاث، ولا مزيد على الثلاث من غير حاجة.

1641 - واستعمال السدر في بعض الغسلات مما ورد الشرع به 1 رعايةً للتنظيف، ولكن إذا تغير الماء بالسدر تغيراً طاهراً، لم تحتسب تلك الغسلة عن الفرض، ولا بد في إقامة الفرض من إفاضة ماءٍ طهور، وبه الاعتداد، وذكر العراقيون وجهاً بعيداً عن أبي إسحاق المروزي أنه يتأدى الفرض بالماء المتغيّر بالسدر، وإن كان لا يجوز أداءُ الوضوء والغسل به في الجنابة والحَدث؛ فإن الغرض الأظهر من غُسل الميت النظافة، وهذا بعيد غير معتدٍّ به من المذهب.
ثم استعمال مقدار يتفق من الكافور في الغسلة الأخيرة حسن، أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم 2، ورائحته على الجملة مُطردَةٌ للهوام إلى أمد.
ثم لم تختلف الأئمة في أنا ننشفه بعد الفراغ من غسله، ويبالغ في تنشيفه حتى لا تبلّ أكفانُه، ولم نر في الوضوء والغسل التنشيفَ، كما تقدم، والفرق لائح، والأوْلى استعمال الماء البارد؛ فإنه يجمع اللحم والجلد، والماءُ المسخن يُرخي ويرهِّل إلا ألاّ يحصل النقاءُ المطلوبُ إلا بالمسخن، أو يكون الهواء بارداً، وكان يعسر استعمال الماء البارد فيه.
فهذا بيان كيفية الغسل.
1642 - ثم نبتدىء بعد هذا المسائلَ الفقهية، ونصدّرُها بأن الأقل المجزي، الذي يسقط به الفرض وصولُ الماء إلى جملةِ ظاهر البدن، جرياناً، كما ذكرناه في غُسل الجنابة، وفي اشتراط النية في غسل الميت وجهان مشهوران: أحدهما - تجب؛ فإنه غُسل حُكمي، فشابه غسلَ الجنابة.
والثاني - لا تجب؛ فإنها لا تتأتى من الميت، وإيجابها على الغاسل بعيد، والغرض الأظهر من هذا الغسل النظافة أيضاً، ويخرج على هذا الخلاف أن الغريق إذا لفظه البحر، فظفرنا به، فإن لم نشترط النية، فقد تأدى الغُسل بالبحر، وإن شرطنا النية، فلا بد من إعادة الغُسل وإقامة النية، ولو غسل كافرٌ مسلماً، ففي الاعتداد به

خلاف، مبنيٌّ على ما ذكرناه من اشتراط النية؛ فإن الكافرَ ليس من أهل النية.
ثم الغاسل ينوي إذا شرطنا النية.
ومما يتعلق بهذا أن المجنونة إذا طهرت عن حيضها، فلا نبيح للزوج قربانها حتى تغتسل، ولا تتأتى النية منها، ولكن يكفي في استحلالها إيصال الماء إلى بدنها، ثم لو أفاقت، فهل تعيد الغُسل؟ فيه خلاف كالخلاف في الذمية إذا اغتسلت، ثم أسلمت، ولم يصر أحد من أئمتنا إلى أن قيّمها يُغسِّلها، وينوي عنها، كما ذكرنا أن غاسل الميت ينوي، فهذا مما لم يتعرضوا له بنفيٍ وإثبات والله أعلم.
فرع: 1643 - إذا غسلنا الميت، فخرجت منه نجاسة، فلفظ الشافعي: أنا نعيد غسله.
وقد اختلف الأئمة في المسألة، فذهب بعضهم إلى أنه يعاد غسله من أوله، والذي جرى من الأمر يوجب تجديد غسله؛ فإن الغرض الظاهر تنظيفه كما ذكرناه، ومن أئمتنا من قال: يقتصر على إزالة تلك النجاسة [ولا يعاد غسله] 1. ومنهم من قال: تغسل تلك النجاسة، ثم يجب إعادة الوضوء فيه.
فمن رأى الاقتصار على غسل النجاسة، فلا يفرق بين نجاسة ونجاسة، ومحل ومحل، ومن يرى تجديد الوضوء، فلا شك أنه يقول ذلك في نجاسة تبدُرُ من أحد السبيلين، فأما من أوجب إعادة الغُسل، فإن كانت النجاسة خارجة من السبيل، فالغسل، وإن انفجر عرق وظهرت نجاسة، ففي إيجاب إعادة الغسل احتمال عندي، من جهة أن هذا القائل يرى السبب الظاهر في الغسل التنظيف.
وهذا يستوي فيه كل نجاسة ومحل، والله أعلم.
فصل يجمع تفصيلَ القول في الغاسلِين ومن يكون أَولى 1644 - ونحن نصدّره قبل القول في الأَوْلى، بمن يجوز له أن يغسل، فنقول: أما الزوجة، فإنها تغسل زوجها وفاقاً، والأصل فيه ما روي عن عائشة رضي الله عنها

أنها "قالت: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا، لما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه" 1 وقيل: كانت تظن أنهن لو تركن حقوقهن من غسله، تولى أبو بكر الغسل، فلما تولاه علي والعباس، ندمت على ما تركت.
والزوج يغسل زوجته عند الشافعي، خلافاً لأبي حنيفة 2، وقد "صح أن علياً غسّل فاطمة رضي الله عنهما" 3، فإذا ماتت أمّ ولد الإنسان، أو جاريتُه الرقيقة، فللسيد أن يتولى غُسلها، وإذا مات السيد، فأم الولد هل تغسله؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تغسله (4 فإنها عَتَقَت بموته.
والثاني - تغسله 4)، فإنها كانت محلّ حلِّه، وعتقها بمثابة انتهاء النكاح نهايته في حق الزوجة.
والأمة المملوكة هل تغسل سيدها؟ فيه وجهان أيضاً، ولعل الأصحَّ المنعُ، فإن الملك فيها انتقل على التحقيق إلى الورثة، ولم يكن الحلّ فيها مقصوداً في الحياة.
1645 - ثم الزوجان عندنا يغسل كل واحد منهما صاحبه، وسببه أن النكاح ينتهي نهايته، فجواز الغسل يعقبه كالميراث، ولا تعويل في جانبها على العدّة؛ فإن العدّة واقعة وراء منتهى النكاح، وليست المرأة زوجة في العدة قطعاً.
ولو مات الزوج، فوضعت في الحال حملاً، وانقضت عدتُها، فإنها تغسل زوجها، وإن انقضت العدة، كما يغسل الزوج زوجته، وإن لم يكن معتداً.4

1646 - ولو ماتت المرأة ولم نُصادِف لها زوجاً، ولا حميماً 1، ولم تكن حيث ماتت امرأة أيضاً، فالذي قطع القفال به أن الرجل يغسلها في قميص، ويبذل كنهَ الجهد في غضِّ الطرف عنها.
وذكر العراقيون وجهاً أنها لا تغسل، ولكن تُيمَّم ويجعل فقدان من يغسلها، كفقد الماء.
وهذا وجه بعيد.
وكذلك لو مات الرجل ولم يشهد إلا نسوة أجنبيات، فظاهر المذهب أنهن يغسلنه، ويغضضن من أبصارهن، وذكروا وجهاً أنه ييمم.
1647 - ومما ذكره الصيدلاني كلامُ الأصحاب في الخنثى إذا مات على إشكاله، ولم يُعلم له حميم من الرجال أو النساء، قال بعض الأصحاب: يجب أن يشترى له من تركته أمة تغسله.
وقال الشيخ أبو زيد: هذا ضعيف لا أصل له؛ فإن المذهب الصحيح أن الرجل إذا خلَّف أمة، لم تغسله؛ من حيث صارت ملكاً للورثة.
فالوجه أن يقال: الخنثى يغسله الرجال، أو النساء، مع غض الطرف، وليس أحد الجنسين أولى في ذلك من الثاني.
قال القفال في توجيه ذلك: "هذا الخنثى لو فرض طفلاً صغيراً، لجاز للرجال والنساء جميعاً أن يغسّلوه حياً وميتاً، فتستصحب تلك الحالة".
ولا حاجة إلى التمسك بهذا؛ فإن مقتضاه جواز ذلك للجنسين في بلوغه استصحاباً لحكم الصغير في حالة البلوغ في الحياة، وهذا لا سبيل إلى التزامه، ولكن ذلك يوجَّه بمسيس الحاجة إلى الغسل، ثم ليس مع ضرورة الغسل جنس أولى من جنس.
ويرد في صورة الخنثى الوجه الذي ذكره العراقيون أنه ييمم ولا يغسل، وهذا بعيد غيرُ مرضي.
1648 - فإذا تمهد بما ذكرناه غسل الرجال للنساء وغسل النساء للرجال عند مسيس

الحاجة، فنحن نبتدىء الآن التفصيل فيمن هو أولى بالغُسل عند فرض اجتماع من يصلح لهذا الشأن.
فإذا ماتت امرأة، وخلّفت زوجاً وجمعاً من المحارم، من الرجال والنساء جميعاً، كان شيخي وغيره من أصحاب القفال يقولون: نساء المحارم أولى بالغسل من الزوج وغيره من الرجال، فإن لم يكن، فالنساء الأجنبيات أولى من الزوج، فإن لم نجد امرأة أصلاً، فالزوج أولى من الرجال المحارم، فإن لم يكن زوج، فالرجال المحارم، ثم ترتيب الكلام فيهم في الغسل على حسب ترتيبهم في الصلاة، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله عز وجل.
وذكر العراقيون نسقاً آخر في الترتيب، فقالوا: في الزوج ونساء المحارم وجهان: أحدهما - أن نساء المحارم أولى.
والثاني - أن الزوج أولى؛ فإنه كان ينظر من امرأته في حياتها ما لا ينظر إليه نساء المحارم.
والقائل الأول يقول: لا نكاح بعد الموت، وإنما يثبت الغُسل للزوج لحرمة تُبقيها الشريعة بعد انتهاء النكاح نهايته، والمحرمية سببها باق دائم، سيما مع الأنوثة، ثم فرعوا على هذا، فقالوا: إن قلنا: الزوج أولى من نساء المحارم، فلا شك أنه أولى من رجال المحارم أيضاً، وإن قلنا: نساء المحارم أولى من الزوج، ففي رجال المحارم مع الزوج وجهان: أحدهما - المحارم أولى لما ذكرناه من بقاء سبب المحرمية وانتهاء النكاح نهايته.
ومنهم من قال: الزوج أولى، لما سبق ذكره.
ثم من يرى تقديمَ المحارم، فإنه يقدم أبعدهم على الزوج، ومن يقدم الزوجَ، فإنه يقدمه على أقرب المحارم، ثم ترتيب الأقارب المحارم كترتيبهم في الصلاة.
فهذا بيان الطرق في ترتيب من يُغسِّل، وهو فيه إذا كان يُفرض ازدحامُهم وتنافسهم في الغُسل، فإن سَلَّم من قدمناه في الغُسل ذلك لمن نؤخره، (1 جاز لمن نؤخره 1) أن يتعاطى الغسل، [كالزوج إذا سلّم الغسل] 2 لرجال القرابة، ونحن نرى تقديم الزوج.1

1649 - وكان شيخي يقول: هذا يجري في الرجال بعضهم مع بعض، فأما النساء، فيجب تقديمهن على جنس الرجال إذا وجدت 1، وإنما يغسّل الرجال المرأة إذا فقدنا النساء.
وهذا القسم عندي فيه احتمال ظاهر، فيجوز أن يقال: من نقدِّمه عند الزحمة، فحق عليه أن يتعاطى [الغسل] 2، فإنه بحق واختصاصٍ قُدِّم، ويجوز أن يقال: له أن يسلم لغيره.
1650 - ومن دقيق الكلام في هذا الباب أنه لو اجتمع الأصناف المقَدَّمة، فامتنعوا من الغسل، فالوجه أن يقال: يختص بحكم الحَرَج من قوي تقديمه عند فرض الزحمة، ثم لا يسقط عن غيره، بل لو عطله الأدنوْن، والأقربون، تعين على الأجانب القيامُ بذلك؛ فإنه فرضٌ على الكفاية، في حق الناس عامة.
وهذا واضح لمن تأمله.
والعلم عند الله تعالى.
1651 - وكل ما ذكرناه في المرأة تموت، فأما الرجل إذا مات، فزوجته في غُسله كالزوج في غسل زوجته، وترتيب القول في تقديمها على الرجال المحارم، كما ذكرنا، فالرجال في غسل الرجل كالنساء في غسل المرأة.
وحكى شيخي والأئمة عن أبي إسحاق المروزي أنه كان يقول: ليس للزوجة رتبةُ التقدم على أحد، وإنما لها جواز الغسل فحسب، فأما أن تقدم، فلا.
وهذا ليس بشيء، فالزوجة في حق الزوج، كالزوج في حق الزوجة، وفي حديث عائشة ما يدل على أن الزوجة أولى من رجال 3 المحارم: "لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا، لما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه" 4.

فصل في تزيين الميت بالحَلْق، والقَلْم، وما يتعلق بذلك 652 - فنقول: في قَلْم أظفار الميت وحلق الشعور التي كان يؤمر ندباً بإزالتها من البدن، كشعر الإبط والعانة قولان: أحدهما - أنه يترك؛ فإنه ثبت لها حكم الموت، وهي من جملته، فتدفن عليه، وقد يكون في تعاطي بعض هذه الأمور، ما يناقض موجب التعظيم والاحترام.
والقول الثاني - أنها تُزال منه كما يُزيلها الحي من نفسه.
والشعر الذي كان يبقيه على نفسه في حياته تزيّناً بها كاللحية وغيرها، فلا شك أنها تبقى عليه، ومن هذا القسم لِمّتُه إن كان ذا لِمة، وهي بمثابة ذوائب المرأة.
فأما الشعر الذي كان يأخذه زينةً، لا أدباً شرعياً، كشعر الرأس إذا لم يكن ذا لِمة، فقد اختلف فيه الأئمة على طريقين: فمنهم من خرجه على القولين في القَلْم وحلق الشعور الباطنة، ومنهم من قطع بأن هذا الجنس لا يحلق؛ فإن حلقه زينة، ولا زبنة بعد الموت.
فصل 1653 - من مات مُحْرِماً يجب حتماً إدامةُ شعار الإحرام في بدنه، فلا يجوز أن يُقرَّب طيباَّ، ولا يخمّرَ رأسُه، إن كان رجلاً، ووجهها، إن كانت امرأة.
ولو ماتت المعتدّة التي كنا نأمرها بالإحداد، واجتناب الطيب في عِدتها، فهل نُقرِّبها طيباً؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا لا نقربها طيباً، كما لا نقرب المحرم؛ استدامةً لحكم الحياة.
والثاني - أنا نقربها طيباً بعد موتها؛ فإنا كنّا ننهاها عن استعمال الطيب، حتى لا تتزين للرجال، وتتحزَّن على زوجها المتوفى، وهذان المعنيان لا أثر لهما بعد الموت.

فصل 1654 - الكفار الحربيون لا حرمة لهم، إذا قتلوا أو ماتوا، تركناهم بالقاع، طعمةً للسباع، (1 فإن واريناهم 1)، فسببه أن يُغيَّبوا عن أبصار المسلمين، كما تُغيب الجيف.
1655 - فأما إذا مات فينا ذمِّي، على حرمة الذمّة، فإن لم يكن له ولي من أهل دينه، فلا يجب على المسلمين غُسله، وتحرم الصلاة عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] ولو غسَّله مسلم لمكان ذمته وحرمته، فلا بأس.
وكان شيخي يقول: تكفينه ودفنه من فروض الكفايات على المسلمين، وليس ذلك كغسله، حتى يجوز تركه، أو كالصلاة حتى يحرم.
وفي كلام الصيدلاني ما يدل على أنه لا يجب تكفين الكافر 2 ودفنه، كما لا يجب غُسُله، فإنا إنما التزمنا الذب عنه في حياته، ثم ذكر هذا على العموم في الكفار.
وقال إن واريناهم، فلدفع أذيتهم وجيفهم، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر حتى قُلب قتلى بدر من الكفار، في القليب.
وهذا الذي جاء به في أهل الحرب، وكلامه عام في كل كافر.
وعلى الجملة في وجوب دفن الذمي وتكفينه احتمالٌ ظاهر، كما قدمناه.
ومما يتعلق بالفصل أنه لو مات ذمي، وله قريب مسلم، وآخر كافر، فقريبه الكافر أولى بغُسله؛ فإنه أولى بموالاته وميراثه، وإن كان أبعد من القريب المسلم.
وهذا واضح لا إشكال فيه.
فرع: 1656 - قال العراقيون: لو احترق مسلم ولو أمسسناه ماء، لتهرّأ، فلا نغسله والحالة هذه، بل نيممه، كما نُقيم التيمم مقام الغسل في حق المريض الحي.
وهذا الذي ذكروه قياسُ طريقنا.1

ولو كان عليه جروح وقروح، وكنا نقدر أنه يتسرع البلى إليه، ويدخل الماء تجاويفه لو غسل، ولكن كان لا يتهرأ، فإنه يغسّل، ولا نبالي بتسارع الفساد إليه، فإن مصيره إلى البلى، والله أعلم وأحكم.


باب عدد الكفن وكيف الحنوط

1657 - تكفينُ المسلم فرضٌ، كما أن غُسلَه والصلاةَ عليه فرضٌ، ونحن نذكر الأقلَّ، الذي يُسقط فرضَ التكفين، ثم نذكر بعده الأكمل والأفضل، إن شاء الله عز وجل.
فالثوب الواحد، السابغ، الساتر لجميع بدن الميت لا بدَّ منه، فلو مات، وخلّف ديوناً مستغرقةً للتركة، فمؤنة تجهيزه مقدّمة، فلو قال الغرماء: لا نرضى أن يزاد في كفنه على ثوب واحدٍ، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يكتفى به؛ فإنه ساتر، وإبراء ذمته من الديون أولى من الزيادة.
والوجه الثاني - أنه يكفن في ثلاثة أثواب، كما أنه إذا أفلس في حياته، فيترك عليه ثيابٌ تجمّله، من قميص ودرّاعة، وعمامةٍ تليق به، فيراعى هذا المسلك في أكفانه بعد وفاته.
1658 - ولو لم يخلِّف ديوناً، ولكن تنازع الورثةُ في أكفانه، وأرادوا الاقتصارَ على ثوب واحد، فالذي قطع به الأصحاب أنه لا يجوز لهم ذلك، بخلاف الغرماء.
وذكر صاحب التقريب أن من أئمتنا من ذكر وجهين في حقوق الورثة أيضاً، كالوجهين إذا نازع الغرماء.
وهذا بعيد.
1659 - ومن لم يخلف شيئاً كُفِّن من بيت المال، ثم الذي قطع به الأئمة أنه يكتفى والحالة هذه بثوبٍ واحد سابغ، ولم يصر أحد إلى جواز الاقتصار على ما يستر العورة من الرجل، بل لا بد من ثوبٍ سابغٍ ساتر لجميع البدن.
وذكر صاحب التقريب وجهين في أنه هل يجب تكفينه من بيت المال في ثلاثة أثواب أم لا؟ وهذا حسنٌ، فإنا إذا كنا نذكر ذلك في حق الغرماء عند ضيق التركة، فليس يبعد ذلك في مال بيت المال، ثم قال صاحب التقريب: إن قلنا: لا يكفن من بيت

المال إلاّ في ثوبٍ واحد، فلا كلام.
وإن قلنا: إنه يكفن في ثلاثة أثوابٍ من بيت المال، فلو خلّف ثوباً واحداً سابغاً، فهل يُكتفى به على هذا الوجه، أم يستكمل الثلاث من بيت المال؟ فعلى وجهين ذكرهما.
أحدهما - وهو الة جاس على ذلك أنا نكمل؛ فإنا نرى الثلاث حتماً على هذا الوجه الذي عليه التفريع، فتكميلها من بيت المال كابتدائها.
والثاني - لا يُكمل؛ فإن المتوفَّى إذا خلف ثوباً، فليس هو من أصحاب الضرورات في ذلك، ولا يُتعدّى ما خلفه إلى جهة بيت المال.
1660 - ثم استكمل صاحب التقريب بيانَ هذا الفصل على أحسن سياقَة.
فقال: أطلق الأئمة في الطرق أن أقل الكفن ثوبٌ واحد سابغ، ثم رددوا أجوبتهم في الثلاثة كما ذكرناه، وتحصيل القول في ذلك: أن الثوب الواحد السابغ تظهر فيه رعايةُ حق الله تعالى، ولا يجوز الاقتصار على ما يستر العورة، وإن كان يبدو من الميت شيء، لم يجز إلا إذا لم نجد سابغاً، فنضطر إلى الاكتفاء، وعليه يحمل ما روي "أن مصعب بنَ عمير، لما استشهد بأحد وكانت عليه نمرة 1 إذا ستر بها رأسه، بدت قدماه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُدرج فيها ويوضع على قدميه شيء من الإذخر" 2. وهذا محمول على أنه لم يوجد ما يستره ستراً سابغاً في ذلك الوقت، فأما تكفين الميت في ثلاثة أثواب في حق الغرماء، والورثة، وفي حق بيت المال، فهو مما يتعلق برعاية حق المتوفى في نفسه، كما ذكرناه في ثيابه التي تُبَقَّى عليه، إذا أفلس، وأحاطت به الديون.
ثم حقق هذا بأن قال: لو أوصى الميت بألا يكفن إلا في ثوب واحد، كَفَى الثوبُ الواحد السابغ؛ فإنه بوصيته رضي بإسقاط حقه.
ولو قال: رضيت بأن تقتصروا على ما يستر عورتي، فلا أثر لوصيته في ذلك، ويجب تكفينه في ثوب سابغ ساترٍ لجميع بدنه.

وهذا الذي ذكره في نهاية الحسن، واحتج بما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "إذا مت، فكفنوني في ثوبي الخَلَق؛ فإن الحيَّ أولى بالجديد" 1 فنفذت وصيته.
فهذا منتهى القول في أقل الأكفان في تفاصيل الأحوال 1661 - فأما القول في الأكمل، فالرجل يكفن في ثلاثة أثواب، ولا ينبغي أن يزاد على هذا القدر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تغالوا في الأكفان؛ فإنها تسلب سلباً سريعاً" 2. 1662 - ثم الوجه أن نذكر ما تكفن المرأة فيه أولاً، ثم نذكر كفن الرجال.
قال الشيخ أبو علي: يجوز أن يزاد عدد أكفان المرأة على الثلاثة، عند أئمتنا، فإنها تُعنى بمزيّةٍ في الستر حيّةً وميتة، ثم يسوغ الاقتصار على الثلاثة، وإن زيد على الثلاثة، فينبغي أن تبلغ خمسة طلباً للإيتار، وليست الخمسةُ وإن أحببناها في حقها بمثابة الثلاثة في حق الرجل، حتى نقول تُجبَر الورثةُ عليه، كما تجبر على الثلاثة.
وهذا متفق عليه.
ثم إذا كانت تكفن في خمسة، فليكن أحدها إزاراً، والثاني خماراً، وهل يستحب أن تُقَمصَ؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا لا نستحب ذلك، وهو الجديد.
والثاني - أنها تُقَمَّصُ؛ فإن ذلك أستر لها، ثم ذكر الشافعي: أنه تُشد عليها أكفانها بشداد، واختلف أئمتنا في أن هذا الشداد من جملة الخمسة، أو هو سادس.
فإن قلنا: هو [سادس] 3 [فهو شدادٌ] 4 وراء الأكفان، ثُمّ يُحَلّ في القبر، وينحَّى،

ويُخرَج، ولا يُترك عليها إلا خمسة.
ومن قال هو من الخمسة تركه عليها؛ فإنه من الأكفان.
وفي بعض التصانيف وجهان في الشداد إذا كنا نتركه عليها: أحدهما - وهو مذهب أبي إسحاق أنا نشد به وسطها، دون الرَّيْطة 1 الثالثة.
والثاني - وهو اختيار ابن سُريج أنه يكون وراء اللفائف حتى يجمعها، ويعصبها، وإن كنا نزيل الشداد، فلا شك أنه يشدّ فوق اللفائف.
1663 - ولا بد الآن من نظم القول.
فإن قلنا: لا تُقمَّص، فليس الشداد من الخمسة، فإزار، وخمار، وثلاث لفائف.
وإن قلنا: الشداد من الخمسة، ولا قميص، فإزار، وخمار، ولفافتان، وشداد.
وإن قلنا: تُقمّص، والشداد من الخمسة، فإزار، وخمار، وقميص، ولفافة واحدة، وشداد.
وإن لم نعدّ الشداد، فلفافتان، ولا مزيد على الخمسة؛ فإنه سرف، ومغالاة، وقد نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.
1664 - وأما الرجل، فلم يختلف العلماء في أنه لا يستحب أن يلبَس قميصاً.
ولو كفّن في أكثرَ من ثلاثة، فبلغ عدد أكفانه خمسة، جاز.
ولم يكن منتهياً إلى حد السرف.
نقله الصيدلاني عن نص الشافعي.
والأوْلى الاقتصار على الثلاث.
وروي عن عائشة أنها قالت: "كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض، سحُولية، ليس فيها قميص عمامة" 2 ثم إن كان تبلغ أكفانه خمسة، فأحدها قميص، والثاني عمامة، وثلاث لفائف.
فانتظم مما ذكرناه استحبابُ الخمسة في المرأة، وجواز تبليغ أكفان الرجل خمسة.
ولا ينبغي أن يقمّص الرجل إذا كان عدد الأكفان ثلاثة، وهل تقمص المرأة إذا كان عدد الأكفان خمسة؟ فيه القولان المذكوران.

وإن [كانت] 1 تكفن في ثلاثة أثواب، فينبغي أن تكون رياطاً سابغةً، وإنما ذكر الشافعي القولين في استحباب القميص إذا كانت تكفن في خمسة أثواب، والسبب فيه أن الإزار والخمار -إذا كانت تكفن في خمسةٍ- أولى من القميص، وإذا كانت تكفن في ثلاثة، فإزار، وخمار، [وقميص] 2، وإذا لم تكن فوق الثياب لفافة، سابغة، فيكون ذلك خارجاً عن الوجه المختار.
ثم ما ذكرناه كلامٌ في الأوْلى، وإلا فلو ستر الميت بقميصٍ سابغٍ، فهو ستر تام، ويبقى الكلام في الثاني، والثالث.
ثم ذكر الشيخ أبو علي في الأثواب الثلاثة التي يكفن فيها الرجل خلافاً بين أصحابنا، فقال: منهم من قال: ينبغي أن تكون كلها سوابغ، ومنهم من قال: السابغة الريطةُ العليا البادية، فأما الريطتان الأخريان، فقاصرتان: الأولى - على حدِّ مئزر، يستر من السرة إلى الركبة، والثانية - من الصدر أو فويقه إلى نصف الساق، والثالثة وهي العليا، فتكون سابغة، يفضل منها شيء من جهة الرأس وشيء من جهة القدم، ويكون الفضل الأكثر من جهة الرأس.
1665 - ثم ذكر الأئمة كيفية إدراج الميت في أكفانه، فنسوق ما ذكروه على وجهه: فينبغي أن تفرش الريطةُ العالية في موضعٍ نقي، وتذرّ عليها الحنوط، وتبسط عليه الثانية، ويذر عليها الحنوط، ثم تبسط الثالثة، التي تلي بدنَ الميت ويذرّ عليها شيء صالح من الحنوط، ثم يعدّ مقدار صالح من القطن الحليج ويُعمد إلى شيءٍ، فيلفّ على قدر موزه ويعمِد بها إليتيه 3، قال الشافعي ويبالغ في ذلك، فظن المزني أنه أراد أن يجاوز بها حدَّ الظاهر، وليس الأمر كذلك، بل أراد بالمبالغة أن يدس بين الإليتين، ويُفضي بها إلى الموضع، ويُبسطُ عليها مقدار عريض من القطن، ثم يشد

وراء التُّبَّان 1 ويستوثق منه في الشد حتى إن [حرك] 2 أو زعزع، أمن خروج خارج منه، ثم يعمد إلى منافذه كالعين والأنف والفم والأذن، ويلصق بكل موضع قطنةً، عليها كافور، ليكون مدرأة للهوام.
1666 - ثم أحب الثياب البيض، وقد تواترت الأخبار في الاستحثاث عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحبُّ الثياب إلى الله البيض يلبسها أحياؤكم، ويكفن فيها موتاكم" 3 وكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثيابٍ بيض، ثم رأى الشافعي تجميرَ الأكفان بالعود، واختاره على المسك لما صح عنده من كراهية ابن عمر لاستعمال المسك في الكفن، فآثر الخروج عن خلافه.
1667 - ثم يجوز تكفين المرأة في الحرير، كما كان يجوز لها لبسه في حياتها، ويمتنع ذلك في الرجال، كما حرم عليهم لبسه في الحياة، ولا يؤثر للنساء أيضاً التكفين في غير القطن والكتان؛ فإنه سرف، وقد ذكرنا أن السرف منهي عنه في الأكفان، وإن فرض نزاع في جنس الكفن، رددنا الأمر إلى ما يتعلق بمرتبة كل شخص، كما نفعل ذلك في حالة الحياة، مع اجتناب الرجال الحرير.
1668 - ثم ذكر العراقيون وجهين في أنه هل يجب استعمال الحَنوط 4، أم هو مستحب؟ فمنهم من أجراه مجرى الثوب الثاني والثالث، كما قد تقدم شرح المذهب فيها.
ومنهم من قال: لا يجب استعماله، وهو الذي يجب القطع به.

ثم إذا هيئت الأكفان، وضع الميت على وسطها مستلقياً، ثم يعمد إلى الضِّفَّة التي تلي اليمين، وتلوى على اليسار، ويجمع الفاضل من جهة الرأس، فيثنى على وجهه، ويجمع ما انفصل من القدم ويثنى على الساق.
فرع: 1669 - إذا ماتت الزوجة، فهل يجب على الزوج مؤنة تكفينها وتجهيزها؟ فعلى وجهين مشهورين، أحدهما - لا يجب؛ فإن النكاح قد انتهى نهايته، فتزول المؤن بانتهائها.
والثاني - يجب؛ فإن النكاح وإن انتهى، فإنه يعقب تبعاتٍ كالميراث، والعدة، وجواز الغسل، وإذا مات ابن الرجل، أو أبوه فقيراً، وكان بحيث يستحق النفقةَ في حياته، على الذي بقي حياً، فيجب تكفينه، وتجهيزه وجهاً واحداً؛ فإن السبب الذي كان يستحق به النفقة في حياته القرابة المخصوصة، وهي باقية، وليست كالزوجيَّة التي انتهت بالموت.
فصل 1670 - كان الترتيب 1 يقتضي أن نذكر بعد الغُسل والتكفين، الصلاةَ، وحملَ الجنازة، ثم الدفن، وقد نقل المزني فصولاً في الدفن الآن، فنجري على ترتيبه فيها، ونستعين بالله تعالى.
1671 - فالدفن من فرائض الكفايات كالغُسل والتكفين والصلاة، ثم القبر يشق ويلحد، واللحد أولى عندنا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشق لغيرنا واللحد لنا" 2 ولما أراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن

يدفنوه "أرسلوا وراء شاقٍّ ولاحدٍ، وكانوا يقولون: اللهم اختر لنبيك، فأقبل أبو طلحة اللاحد، فلحد قبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم" 1. ثم يكون الميت في قبره على جنبه الأيمن في قبالة القبلة، وذلك حتم، فإن كان لحداً قُرّب إلى القبلة وألصق بمنتهى اللحد، وأضجع إضجاعاً لا ينكب على وجهه، واستوثق من وراء ظهره بلبنة حتى لا يستلقي، وحسن أن يترك تحت رأسه لبنة، ولو أفضى بوجهه إليها، أو إلى تراب قبره حتى يكون على صورة مستكين لربه، كان حسناً، ولا ينبغي أن يوضع على مخدة، أو مُضرَّبة 2، وتنضد اللبن على فتح اللحد، وتسد الفُرج بما يمنع [انهيار] 3 التراب فيه.
ثم في الآثار: "أن يَحثي 4 كلُّ من دنا حثيات من التراب" 5، ثم يهال التراب بالمساحي، ويرفع نعش 6 القبر بمقدار شبر، ولا يبالغ في رفعه أكثر من هذا أو قريباً منه، ولا يُجصَّص، ولا يُطيَّن ولو صب [عليه الحصباء] 7 كان حسناً، وقد فعله = الجنائز، باب اللحد والشق، ح 2011، والترمذي: في الجنائز، باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللحد لنا والشق لغيرنا" ح 1045. والتلخيص: 2/ 127 ح 781).

رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر إبراهيم عليه السلام.
1672 - ولو وضع واضع حجراً كبيراً عند رأس القبر، ليُعْلَمَ، ويقصَد للزيارة، فلا بأس به.
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه أن يأتيه بحجر أشار إليه، ليضعه على رأس قبر عثمان بن مظعون فأعياه الحجر، فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وحسر عن ذراعيه، واحتضن الحجر وشاله، ووضعه على رأس قبره، فقال: "حتى أعرف قبرَ أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" 1. 1673 - ثم الأوْلى عند الشافعي تسطيح القبور، وهو أفضل من تسنيمها، وقد صح عنده أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبرَ صاحبيه مسطحة 2، وسطح رسول الله صلى الله عليه وسلم قبرَ إبراهيم 3. ومالك 4 يرى التسنيم.
وقال ابن أبي هريرة من أصحابنا: إذا عمَّ في بعض البقاع من عادات الروافض

التسطيح، فعند ذلك التسنيم عندنا أفضل، مخالفة لعاداتهم.
1674 - وحكى العراقيون عن ابن أبي هريرة في مساق الكلام أنه إذا صار الجهر بالتسمية شعاراً لهم، رأيت الإسرار بها مخالفةً لهم.
وهذا بعيد جداً، ولا ينبغي أن يرتكب الإنسان تركَ ما صح وثبت، لهذا المعنى، ثم إن احتمل هذا في هيئة قبر، فطرده في سُنَّة من سنن الصلاة بعيد لا أصل له.
قال شيخي أبو محمد: حكى بعض الأصحاب أن الشافعي قال: إن ظهر في ناحية كون القنوت في الصلاة شعاراً ظاهراً لهم تركتُ القنوتَ مخالفةً لهم.
ثم قال: وهذا النقل مزيف، والشافعي أعلى من أن يدعو إلى ترك بعضٍ من أبعاض الصلاة بسبب إقامة المبتدعة له، والقول بذلك يرقى إلى التزام أمور لا سبيل إلى التزامها.
ومهما اطردت عصابة أهل الحق على السُّنَن، لم يَبِن 1 اختصاص آخرين بها، حتى ينتهي الأمر إلى عدها من شعارهم.
وقيل: الأصل في ذلك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم إذا بدت جنازة، فأخبر أن اليهود تفعل ذلك، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم القيامَ ولم يقم" 2، وهذا قريب؛ فإنه لم يكن القيام أمراً مقصوداً، ولا سنة في عبادة.
وأجرى بعض الأئمة التختم في اليسار هذا المجرى، واعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين، ولكن اشتهر هذا بأهل البدع، وصار شعارهم، فرأينا مخالفتهم، والأمر في هذا قريب أيضاً، ولكن أخبرني من أثق به من أئمة الحديث أن الذي ظهر وصح من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم التختُّمُ في اليسار.

1675 - ومما ذكره الأئمة أنه لا ينبغي أن يدخل اثنان في قبرٍ إلا عند موَتان 1 والعياذ بالله، فإذا كثر الموتى أو ضاق المكان، فلا بأس بذلك، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "احفروا وأوسعوا، واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر" 2، ثم ينبغي أن يقدم الأفضل إلى جدار اللحد مما يلي القبلة، ثم يليه مَنْ يليه في الفضل، وإذا جمعنا بين أم وبنت، قدمت الأم على البنت.
قال الصيدلاني: الأم والابن إذا جمعا عند حاجة قدم الإبن لمكان الذكورة، ولا وجه في هيئة الوضع غيره.
ومنع الأئمة الجمع بين النسوة والرجال ما بقي في الامتناع منه اختيار، فإن ظهرت الحاجة، فإذ ذاك.
ثم قال الشافعي: ينبغي أن يجعل بين الرجل والمرأة حاجزٌ من تراب.
1676 - والمقدار الذي يلحق بما يجب في الباب الدفن في حفرة يعسرُ على السباع في غالب الأمر نبشها، والتوصل إلى الميت فيها، وإذا كان كذلك، فلا يقتصر على أدنى احتفار.
ومما يُرعَى أن تكتم روائحُ الميت، فهذان المعنيان يجب رعايتهما.
وقد قيل: الأوْلى أن يكون عمق القبر بمقدار بسطة، وهي قامة رجل وسط.
1677 - ثم يُكره للرجل أن يجلس على قبر، أو يتخذه متكأ، وكذلك يكره أن يتوطأ 3 الماشي في مشيه شفير قبر، ولا يجوز البناء في المقابر على قبرٍ، فإن موضع البناء يشغل مواقع القبور، التي تقدر في تلك الأماكن، فإن لم يكن في مقبرة مشتركة، فلا بأس بالبناء.

1678 - ثم إذا قُبر المسلم في موضع، فلا ينبش موضعه ومضجعه ما بقي منه أثر، وإذا علم أن الأرض أكلته ومحقت أثره بالكلية، فيقبر في ذلك الموضع غيره، ولا يجوز والحالة هذه أن يمنع منه مع مسيس الحاجة، والأولى 1 في حكم نزيلٍ في منزلٍ من موضع مسبَّل على السابلة، فإن غيره من النازلين يحلّون حيث حل.
1679 - ثم ذكر الأئمة صوراً فيها خلاف ووفاق في نبش القبور جوازاً ومنعاً، فالمشهور أنه إذا كان تُرك غُسل الميت، ودفن حيث كان يجب غُسله، يُنبش ويغسَّل ويعاد، وذلك واجب إذا لم يتخلل من الزمان، ما [يتخيل] 2 في مثله تغير الميت، وحكى صاحب التقريب ذلك، وحكى قولاً آخر أنه يكره نبشه لأجل تدارك الغُسل.
وهذا غير مرضي، والمذهب وجوب النبش (3 في الحالة التي ذكرناها، لإقامة الغُسل، ثم اللفظ الذي نقله في القول الغريب مقتضاه جواز النبش، مع الكراهية، وليس معناه تحريم النبش، فهذا حكم النبش لأجل الغسل، والأصل فيه وجوب تدارك الغسل.
1680 - ولو دفن، ولم يصلَّ عليه، فلا يجوز النبش لأجل الصلاة، بل يصلى على القبر؛ فإن ذلك سائغ كما سيأتي ذكره.
1681 - ولو لم يكفن ووُوري ففي وجوب النبش 3) ليكفن وجهان مشهوران: أحدهما - المنع من ذلك؛ فإن القبر قد واراه وستره، فليقع الاكتفاء به إذا وقع؛ فإن النبش هتكه، ولا شك أن النبش حرام [لغرض] 4 في نقلٍ يراه [الناس] 5. ومما يجب التنبيه له أنا وإن كنا نجوّز الصلاة على القبر، ونقول إذا قُبر من غير3

صلاة، فلا ينبش ليصلَّى عليه، ولكن يحرم أن يُفعل ذلك قصداً بل يجب أن يصلى عليه قبل الدفن -وإن كانت الصلاة لا تمتنع بالدفن- فإن في مخالفة ذلك تركَ الشعار العظيم، الظاهر في فرض الكفاية، وفيه إهانةُ الميت فحرم.
1682 - ولو قُبر الميت في أرضٍ مغصوبة، فطلب مالكها إخراجَه، تعيَّن إخراجُه.
ولو كفن في ثياب مغصوبة، ودفن، فقد اختلف أئمتنا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه يتعيّن النبشُ وردّ الثياب إلى مالكها، كما يجب ذلك بسبب تَخْلِية الأرض المغصوبة وردها، وقال قائلون: لا نفعل ذلك، ولا نجوزه، ونغرَم لمالك الثياب قيمتَها.
ثم يتطرق إلى الأرض المغصوبة والكفن المغصوب نوعان من الكلام: أحدها - أنه لو دفن في أرضٍ مغصوبة، وتغير، وكان إخراجه هتكَ حرمةٍ، فالذي أشار إليه الأئمة أنه يخرج مهما 1 طلب المالك، واحتُمل ذلك؛ فإن حرمة الحي أولى بالمراعاة.
ويجوز أن يظن ظان تَرْكَه؛ فإنا قد نقول: لو غصب غاصب خيطاً، وخاط به جرحاً، فلا يسلّ الخيط، إذا كان يؤدّي إلى إضرارٍ، وفي القواعد -على ما سنصف- تنزيلُ حرمة الميت منزلةَ حرمة الحي، فيما هذا سبيله، سيّما والأمر في ذلك قريب؛ فإنه سيبلى في زمان ينمحق أثره، والدليل عليه أن مبنى العاريّة على جواز الرجوع فيها، ثم من أعار بقعةً حتى دُفن فيها ميت، ثم أراد الرجوع في العارية، لم يكن ذلك له، وكان هذا من العواري اللازمة، فهكذا في الدفن في الأرض المغصوبة.
وذكر العراقيون وجهاً ثالثاً في الكفن المغصوب، فقالوا: إن تغير الميت، وكان يؤدي النبش إلى هتك حرمته، فلا يردُّ.
وكان شيخي لا يرى هذا التفصيل، ويقول: لو بلع لؤلؤةً، ومات، فقد يشق بطنه لردها، ولا [مزيد] 2 على هذا في الهتك، ولكنا نحتمله لرد الحق إلى مستحقه.
والله أعلم.

وأما إذا كفن في ثياب مغصوبة، فمن قال: لا نجوِّز النبش، ونغرَم له القيمة، فلو عسرت القيمة في الحال، ففي ذلك احتمال ظاهر في جواز النبش، ويتصل الكلام فيه بأنا إذا كنا لا نجد ثياباً غيرها، ولو رددناها، لعرى الميت، فكيف الكلام في ذلك؟ وسأذكر في هذا بعد ذلك بياناً شافياً، إن شاء الله تعالى.
1683 - ومما ذكره الأئمة متصلاً بهذه الفصول المنتشرة أنه ورد في الحديث: "من صلى على ميت وانصرف، فله قيراطٌ من الأجر، ومن اتبع الجنازة، وشهد المرقد، حتى دفن الميت، فله قيراطان" 1. فإن صبر على القبر حتى رُدّ التراب كله، فقد حاز القيراط الثاني من الأجر، وإن نُضد اللبن، ولم يُهل التراب بعدُ، أو لم يستكمل، فقد تردد فيه بعض أئمتنا، والوجه أَن يقال: إذا ووري حصلت الحيازة.
فصل في السقط وغسلِه، وتكفينه، والصلاة عليه 1684 - أجمع ترتيب فيه ما ذكره الشيخ أبو علي، وصاحب التقريب، فنطرد ما ذكره الشيخ، ونذكر بعد نجازه عبارةً لصاحب التقريب توهم خلافاً في قضية واحدة.
فإذا أسقطت المرأة مُضغة لا تُثبت لها حكمَ استيلاب، ووجوبَ غُرة 2، [فلا] 3 غُسلَ، ولا تكفينَ، ولا صلاة، ولا يجب الدفن، والأوْلى أن يوارى.
1685 - وإن بدا أثر التخليق فيه، لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يطرِف، أو يصرخ ويستهلَّ، أو يأتي سوى ما ذكرناه بما يدل على الحياة قطعاً، ثم يموت،

فحكمه حكم سائر الموتى، فيجب غُسلُه، وتكفينُه، ويرعى في كفنه ما يرعى في كفن غيره، ويجب الصلاةُ عليه، ودفنُه وهو كسائر الموتى قطعاً.
والحالة الثانية - أن يبدوَ عليه التخليقُ، ولا يظهر بعد الانفصال شيء من علامات الحياة، ففي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يجب غسله والصلاةُ عليه؛ رعايةً لحرمة حقه.
والثاني - لا يجب غُسلُه، ولا الصلاةُ عليه؛ لأنه لم يثبت له موت بعد الحياة.
والثالث - أنه يجب غُسلُه، ولا يجب الصلاةُ عليه.
[ثم] 1 إن أوجبنا الصلاة، فالكفن التام، واجب كما مضى.
وإن لم نوجب الصلاةَ، فيجب دفنه، وفاقاً، والخرقة التي تواريه لفافة تكفيه؛ فالدفن إذاً يجب قولاً واحداً، وكذلك يجب مواراتُه بثوب، وفي غسله والصلاة عليه الأقوال، ثم تمام الكفن يتبع وجوبَ الصلاة.
والحالة الثالثة - أن ينفصلَ، ويختلجَ، ويتحرك قليلاً ويجمد، قال 2: لا نصَّ في ذلك، ولكن من أصحابنا من ألحقه بالذي صرخ واستهل ومنهم من ألحقه بمن لا يظهر عليه شيء من علامات الحياة، حتى تجري الأقوال الثلاثة، وما 3 يتصل بها.
1686 - والذي ذكره صاحب التقريب [لم] 4 يغادر فيه من معنى ما ذكره الشيخ شيئاً، غيرَ أنه قال: إن لم يبلغ مبلغاً يُتوقع نفخ الروح فيه، فلا حكم له، وإن بلغ مبلغاً يقدّر نفخ الروح فيه، فإن تحقق عَلم، فكسائر الموتى، وإن لم يظهر عَلَم بعد الانفصال، ففيه الأقوال الثلاثة.
ويجوز أن يقال: اختلفت العبارة بين الشيخ وبين صاحب التقريب، بأنه إذا بدا

التخليق، فقد دخل أوانُ توقُّع جريان الروح [وإن] 1 لم يبد بعدُ تخليقٌ، فلم يدخل أوان توقع ذلك.
وقد يظن ظان أن أوائل التخليق قد يجري [بينه] 2 وبين جريان الروح زمانٌ [بعيدٌ] 3، فإن ظننا 4 ذلك، افترق الطريقان في هذا التفصيل.
وفيما ذكره صاحب التقريب فقهٌ، يليق بالباب؛ فإن هذا الذي نحن فيه من أحكام الموتى، وهم الذين كانوا أحياءً فماتوا، ثم تحققه 5 يوجب الأحكامَ التي ذكرناها، وفي توقعه تردُّدُ الأقوال.
1687 - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك، أنا ذكرنا في الكتب أن المرأة إذا ألقت لحمَ ولدٍ، ولم يبد فيه التخطيط، فهل يتعلق به أميّة الولد، ولزوم الغرّة، وانقضاء العدة؟ فيه طرق ونصوص، فإن قلنا: يثبت بهذا حكم أمية الأولاد، فكيف يكون حكمه فيما نحن فيه؟ فأما صاحب التقريب، فيقطع بأن هذه الأحكام لا تثبت؛ إذ لا تتوقع الحياة قطعاً، وهو المعتبر عنده.
وأما الشيخ، فيلزمه أن يخرّج ذلك على الطرق في 6 إثبات أحكام الأولاد له، وهذا إلزام.
والذي قاله رعاية التخليق، كما مضى، ولكن يبعد عندي في كل طريق أن تثبت أمية الولد، ثم لا نوجب دفنَه ولفَّه في خرقة.
هذا المقدار يجب أن يُنظَر فيه.
والله أعلم.
...

باب الشهيد

1688 - من قتل من المسلمين في معترك الشرك، فهو شهيد، وسنذكر حكمه بعد ذكر الشهداء.
فلو رجع إلى الغازي سلاحُه، فهلك، أو أصابه سلاحُ مسلم في الحرب خطأ، فهو شهيد، وفاقاً بين الأصحاب.
وكذلك لو وطئه دوابُّ المسلمين فمات، فهو كما لو أصابه سلاحُهم خطأ.
ولو قُتل صبيٌ، فهو شهيد، وكذلك المرأة.
1689 - ولو انجلى القتال، وهو في مصرع برمق، وكانت فيه حياة مستقرة، لكن كان يموت مما به لا محالة، ثم مات من الجرح الذي أصابه، فهذا هو الذي يسمى المُرْتَب 1، وفيه قولان مشهوران.
ولا بد من تفصيل محل القولين.
فإن انجلى القتال وهو حيّ، وكان لا تُرجى حياتُه ومات قريباً، ففيه قولان.
وإن انجلى الحرب وهو على حركة المذبوح، فهو شهيد بلا خلاف.
وإن كان يُقطع بهلاكه لما به، ولكن بقي أياماً يتصرف، فطريقان: إحداهما - القولان، والأخرى - القطعُ بأنه ليس بشهيد.
ولو انجلى الحرب، وكان يخاف موته، وتُرجى له الحياة، فمات، فظاهر المذهب أنه ليس بشهيد.
والشاهد فيه حديث سعد بن معاذ؛ فإنه أصابه سهم وكان ترجى حياتُه، ثم اتفق موته فيه، فغسل وصلي عليه.
1690 - والباغي إذا قتله العادل مغسول يصلى عليه، ومن يقتله البغاة من أهل العدل فهل يغسل ويصلى عليه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه شهيد؛ فإنه قتيلُ فئةٍ مُبطلة

في القتال والثاني - ليس بشهيد؛ فإنه ليسَ قتيلَ مشرك.
ومن [في] 1 الرفقة إذا قتله قاطعُ الطريق في المكاوحة والقتال، فيه طريقان أحدهما - القطع بأنه ليس بشهيد.
ومنهم من خرّجه على الخلاف في العادل إذا قتله الباغي.
وذكر الشيخ أبو علي وجهين فيه: إذا دخل الكفار بلاد الإسلام في اختفاء، وقتلوا غيلة من غير نصب قتالٍ مسلماً، فهل يكون شهيداً أم لا؟ فهذا محتملٌ.
ويجب القطع بأن من قتله ذمي لا يكون شهيداً.
وقال شيخي: لو مات غازٍ في أثناء الحرب حتف أنفه من غير [سبب] 2، ففي ثبوت الشهادة له وجهان، والوجه عندي القطع بأنه لا يكون شهيداً.
وإذا قتل مسلم مسلماً من غير فرض قتال، فلا يثبت له حكم الشهادة.
فهذا تفصيل القول فيمن يكون شهيداً.
1691 - والذين ورد فيهم لفظ الشهادة: كالغريب، والغريق، والمبطون، وغيرهم، فلا يثبت لهؤلاء أحكام الشهداء فيما نحن فيه.
1692 - فإذا ثبت من يكون شهيداً، ومن لا يكون شهيداً، فنحن نذكر الآن حكم الشهيد.
فنقول: لا يجوز غُسلُه، بل يجب تركه على دمائه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زمِّلوهم يكلومهم ودمائهم" 3 الحديث؛ فإبقاء أثر الشهادة واجب.
ولو استشهد جنب، فقد اختلف أبو حنيفة 4 وأصحابه فيه، فظاهر مذهبنا أنه

لا يغسَّل، وخرج ابن سريج وجهاً أنه يغسل.
وهذا بعيد غيرُ معتد به.
ومما يتعلّق بحكم غُسل الشهيد أنه لو أصابته نجاسة أجنبية، لا من بدنه، أو بسبب تعفره في مصرعه، فهل يجب غَسل تلك النجاسة منه؟ حاصل القول فيه أوجه، استخرجتها من كلام الأصحاب: أحدها - أن تلك النجاسة تُغسل عنه؛ فإنها ليست من آثار الشهادة، ولا يجوز تركها، وهذا القائل يقول: يجب غسلها، وإن كان يؤدي إلى إزالة دم الشهادة.
والثاني - أنها لا تغسل؛ فإنا على الجملة نُهينا عن غُسل الشهيد، فيجب ألا يُغيَّر هذا الحكمُ فيه.
والثالث - أن ننظر: فإن كان في غسل تلك النجاسة الأجنبية إزالةُ دم الشهادة، لم نغسلها، وإن كان لا تؤدي إزالتُها إلى إزالة دم الشهادة، فيجب إزالتُها حينئذ، وهذا أعدل الوجوه، والمسألة محتملة جداً.
فهذا تفصيل القول في النهي عن غُسل الشهيد.
1693 - فأما الصلاةُ عليه، فلا تجب باتفاق أئمتنا.
والذي ذهب إليه المحققون أنها غير جائزة، ولو جازت الصلاة على الشهيد، لوجبت.
ومن أصحابنا من قال: تجوز الصلاة على الشهداء [ولكنها لا تجب، وكأن هذا القائلَ يعتقد جوازَ ترك الصلاة رخصة؛ لمكان الاشتغال بالحرب] 1 وتوابعه إذا انجلى، فلو تكلف 2 متكلف وصلى، جاز.
ثم من جوّز الصلاة لم يجوّز إزالةَ أثر الشهادة، ولم يجوّز الغُسلَ.
وإن قيل: فالميت الذي يجب غُسله إذا لم يكن شهيداً، لا تصح الصلاة عليه قبل غُسله، فمن جوّز الصلاة على الشهيد، هل يغسِّله، ثم يصلي عليه؟ قلنا: لا سبيل إلى غُسله، وكأنه مغسول بصوب 3 رحمة الله تعالى.

وقد يطرأ للناظر في ذلك شيء، وهو أن الشهيد إذا كان عليه دمُ الشهادة، فلا يجوز إزالته، وتعيّن بقاؤه، وإن لم يكن عليه دم أصلاً، فلا شك أنه لا يجب غُسله، ولكن في جواز غُسله الذي لا يؤدي إلى إزالة أثر الشهادة تردد، في هذه الصورة، من طريق الاحتمال، كما في 1 جواز الصلاة عليه، فليفهم الناظر ذلك.
1694 - وأما تكفين الشهيد، فلا شك أنه ينزع عنه الدرع، والثياب الخشنة، التي تلبس لمكان 2 آلةٍ في القتال.
ولا خلاف أيضاً أن قيِّم الميت الشهيد، لو أراد نزع ثيابه وإبدالَها، فلا حجر عليه في ذلك، ولا نظر إلى ما على ثيابه من دم الشهادة، وإنما النظر إلى ما اتصل ببدنه من أثر الشهادة.
وإن أردنا أن ندفنه في الثياب التي عليه، وهي متضمخة بدمائه، جاز.
ولا بد وأن تكون سابغةً، فإن لم تكن، وجب الإتيان بثوب سابغ، وما روّيناه في حديث مصعب بن عمير في ستر قدميه بالإذخر محمول على الضرورة.
وإن كان الثوب الذي عليه سابغاً، ولكن كان ثوباً واحداً، ونحن نرى إيجاب استعمال ثلاثة أثواب، فنوجب إكمال الثياب، والسبب في ذلك أنّ تركَ غُسله لإبقاء أثر الشهادة، وسبب الامتناع من الصلاة عليه، تعظيمُ قدره، [فأما] 3 تَرْكُ تكفينِه، فليس فيه تعظيم، ولا إبقاء لأثر الشهادة، فهذا منتهى القول في ذلك.
1695 - ونحن نذكر بعد هذا قول الأصحاب في المقتولين حدَّا.
أولاً - قال الأئمة: المرجوم في الزنا، يغسّل ويصلَّى عليه، وقد روي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على ماعز؛ إذ رجمه، ولم ينه عن الصلاة عليه" 4،

وكان صلى الله عليه وسلم قد يمتنع عن الصلاة بنفسه لأسباب، فهذا محمول عليه.
1696 - فأما قاطع الطريق إذا قتل، ففي غُسله والصلاة عليه كلامٌ: قال بعض أصحابنا: لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ استهانة به، وتحقيراً لشأنه، وتغليظاً على القطَّاع.
وقال بعض أئمتنا: يفرّع أمره على كيفية قتله، فإن قلنا: إنه ينزل من الصليب ولا يترك حتى يتهرأ عليه، فإذا أنزل، غُسل [وكفن] 1 وصلي عليه.
وإن قلنا: يترك حتى يتهرأ، فلا يغسل، ولا يصلى عليه؛ فإنه إن قتل 2، وصلي عليه، ثم صلب فإبقاءُ من صُلّي عليه خارجٌ عن القياس.
وإن صُلّي عليه، وهو 3 منكّلٌ به على الصليب، كان بعيداً جداً.
فظاهر المذهب أنه يغسل ويصلى عليه.
ثم هذا يتفرع على كيفية قتله، فإن قلنا: إنه ينزل من الصليب قبل أن يتغير، فإذا أنزل، فإذ ذاك، يغسل ويصلى عليه، ويكفن، ويدفن.
وإن قلنا إنه يترك مصلوباً؛ فإنه يقتل، ويغسل، ويكفّن، ويصلى عليه، ثم يصلب، وكأنَ الهواء قبرُه.
ومن أئمتنا من يقول: إنه يُقتلُ بعد الصلب 4، فيضطر هذا الإنسان إذا قال بذلك، وضم إليه أنه يترك على الصليب، أن يصلي عليه مصلوباً، إذا هلك، ثم لا يمكن فرض الغسل أصلاً، وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوباً، وينزل، فيغسل، = ترى هو لفظ إمام الحرمين، وصححه الألباني.
ورواه البخاري ومسلم من حديث جابر، دون قوله: ولم ينه عن الصلاة عليه، وأخرجه البخاري في الحدود عن جابر، وفيه فصلى عليه .. ثم قال البخاري: ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري "فصلى عليه".
(ر.
أبو داود: الجنائز، باب من قتلته الحدود، ح 3186، والحدود، باب رجم ماعز بن مالك، ح 4430، وصحيح أبي داود: 2/ 613 ح 2728، والبخاري: الحدود، باب الرجم بالمصلى، ح 6820، ومسلم: الحدود ح 16، باب رجم الثيّب، ح 1691، والنسائي: الجنائز، باب ترك الصلاة على المرجوم، ح 1958).

ويصلى عليه، ثم يرد.
ولكن لم أر ذلك في عقوبات القطّاع، ولم يذهب أحد إلى إنزال المصلوب وردّه.
والله أعلم.
1697 - وتارك الصلاة الممتنع من قضائها إذا قتل، غسّل، وصلي عليه، عند الأئمة.
كالمرجوم في الزنا.
وقال صاحب التلخيص: لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يكفن، وتوارى جيفته، ويسوى قبره، ولا يرفع نعشه.
ثم قال: قلته تخريجاً.
قال صاحب التقريب: لست أعرف لتخريجه وجهاً، وهو متروك عليه، ولعله إنما خطر له ترك الصلاة عليه، من حيث إنه ترك الصلاة في حياته، فتُركت الصلاة عليه، وهذا تخييل، لا ثبات له، ثم إن تُخيّل ترك الصلاة عليه، وتخيل ترك غسله تبعاً لترك الصلاة عليه، فترك تكفينه هُتكة 1، وقد ذكرنا أن الكافر الذميّ يكفن، وليس تارك الصلاة بأسوأ حالاً منه.
1698 - وأما المرتد إذا قتل على ردته، فلا شك أن لا يغسل، ولا يصلّى عليه، والوجه تنزيله منزلة الحربي الذي نقتله، وقد تقدم ذكره.
فصل 1699 - إذا وجدنا بعضاً من آدمي، فإن لم نتحقق أنه ميت، فلا سبيل إلى الصلاة عليه، وإن تحققنا موته، فنقدم ما وجدنا من أعضائه، فنصلّي عليه، ونغسله، ونواريه بخرقة.
وقصد الشافعي بذلك الردَّ على أبي حنيفة 2 رضي الله عنهما؛ فإنه قال: "لا نصلي ما لم نجد نصفه، فزائداً" وحقيقة ذلك تستند إلى أن الصلاة على الغائب صحيحة عندنا، كما سيأتي، وهو لا يراها، ويربط الصلاة بما 3 شهد، وحضر.

1700 - ثم ذكر الشافعي أنه إذا اختلط مسلمٌ بمشركين، وكان لا يتميز لنا، وهو ممن يُصلّى عليه؛ [بأن لم] 1 يكن شهيداً؛ فإنه يصلى عليه بالنية، ولا يضر ألا يتميزَ لنا عينُه.
ثم إن صلّينا بالنية، والصلاةُ محتومة، فليت شعري كيف الغُسل والتكفين؟ الذي أراه أنه يغسل جميعُهم؛ حتى يتأدى الغسلُ، في المسلم منهم.
وكذلك يكفنون من عند آخرهم.
... = (مَنْ)، وهو وارد على ندورِ أو على تأويل.

باب حمل الجنازة

1701 - نذكر في الابتداء كيفيةَ حمل الجِنازة، وفيه مسلكان: نَصِفهما، ونذكرهما، ثم نذكر الأوْلى.
أحدهما - الحملُ بين العمودين، وكيفيته أن يتقدم الحاملُ، ويتوسط الخشبتين الشاخصتين، من مقدمة الجنازة، ويضع الصدر الذي بين الخشبتين على كتفه، ثم إن استقل بقوته، فيضع الخشبتين على يمينه ويساره، ويضع الصدرَ على كتفيه.
ويحمل مؤخرة الجنازة رجلان؛ فإنه لا يتصور أن يتوسطها شخص؛ فإنه لا يرى موضع قدمه، فإذا [استقلّ] 1 المتقدم بالحمل بين العمودين، فيحمل مؤخرة الجنازة رجلان، فيضع كل واحد منهما عموداً شاخصاً على عاتقه، والعاتق الآخر منه بارز، وليس بين العمودين أحد في المؤخر، فتكون الجنازة محمولة على ثلاثة نفرٍ، وقد يتوسط المتقدم بين العمودين، ويضعف عن الاستقلال، فيحمل العمودين شخصان على عاتقيهما، والمتوسط بينهما، ويحمل المؤخَّرَ رجلان، كما وصفناه، فيكون حمَلةُ الجنازة خمسةَ نفر.
فهذا تصوير الحمل بين العمودين.
1702 - وأما الحمل من الجوانب، فهو ألا يتوسط بين العمودين في صدر الجنازة أحد، ولكن يتقدم رجلان، فيضع أحدهما العمود الذي هو الشق الأيمن من الجنازة على عاتقه الأيسر، وعاتقه الأيمن بادٍ، ويضع الثاني العمود الذي يلي الشق الأيسر من الجنازة على عاتقه الأيمن، وعاتقه الأيسر بادٍ، وكذلك يحمل العمودين في مؤخرة الجنازة اثنان، فإن أراد إنسان أن يستدير في الحمل على الجوانب الأربعة في أزمنة، فيحمل كلَّ عمودٍ زماناً، فَعَل 2 ذلك.
فيتقدم أولاً، فيحمل الشق الأيسر، من صدر

الجنازة، فإنه يليه من الميت شقُّه الأيمن، فكانت البداية به أولى، وأيضاً، فإنه يحمل ياسرة السرير على كاهله الأيمن، ثم يستأخر، ويحمل ياسرة السرير من مؤخره، ثم يتقدم ويعترض السرير، فيحمل يامنته على كاهله الأيسر، ويتأخر كذلك ويحمل يامنته من مؤخّره، وقد استدار على الجوانب.
1703 - وظاهر نص الشافعي، وما اختاره المزني لمذهبه أن الحمل بين العمودين أفضل، كما سبق وصفُه من الحمل من الجوانب.
وهذا ما إليه صَغْوُ الأئمة، وفيه أخبار رواها الشافعي في المختصر، منها ما روي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ رضي الله عنه بين العمودين" 1. وذكر صاحب التقريب تردداً في ذلك، فقال: يحتمل أن يقال: الحمل بين العمودين أفضل، ويحتمل أن يقال: لا فرق بين الحمل بين العمودين، وبين الحمل من الجوانب.
والذي ذكره معظمُ الأئمة والعراقيون، تفضيل الحمل بين العمودين، وفي بعض المصنفات، أن الحمل من الجوانب أفضل.
وهذا لا أصل له.
...

باب المشي بالجنازة

1704 - أولاً الإسراع بالجنازة [مأمورٌ به] 1، وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الإسراع بالجنازة، فقال: دون الخَبَب؛ فإن كان خيراً، فإلى خير تقدمونه، وإن كان غير ذلك، فبعداً لأهل النار" 2 وروى أبو هريرة 3 رضي الله عنه قريباً من ذلك.
وفي آخره "إن كان غير ذلك [فشر تضعونه] 4 عن رقابكم".
ثم المشي أمام الجنازة أفضل عند الشافعي للمشيعين، وهذا مذهب أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، ولا فرق بين أن يشيِّع راكباً أو ماشياً، ولا شك أن المشي أفضل؛ فإنه ما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيد، ولا جنازة 5. ...

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل