نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 485-4
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 485-4
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فصل مشتمل على إقرار العبد وإقرار السيد على العبد 3413 - فأما السيد إذا أقر على عبده، نظر فى إقراره: فإن أقر بما يوجب عقوبةً على العبد، لم يقبل إقراره لتمكن التهمة منه، غير أنه إن أقر عليه بما يوجب القصاص، والعبدُ منكر، فرددنا إقراره في العقوبة، فعفا المقَرّ له على مالٍ، ثبت المال؛ فإنّ إقرار السيد وإن رُدَّ فيما يتعلق بالعقوبة لما ذكرناه، فهو مقبول فيما يتعلق بالمال، ومتضمّن الإقرار بالقصاص ثبوتُ المال عند عفو المستحِق على مال، ولكن الأرش الذي يثبت بجناية العبد وفاقاً يتعلق -على المسلك الأصح- بذمته ورقبته، حتى إذا لم تف قيمةُ الرقبة بمبلغه، طولب الجاني إذا عَتَق بالفاضل من قدر القيمة.
وإذا أقر السيد على عبده بالجناية الموجبةِ للقصاص لو ثبتت، وأنكر العبدُ، ثم آل الأمر إلى مالٍ، فلا تعلق لهذا المال بالذمة، وإذا عَتَقَ العبدُ، لم يطالب بشيء منه؛ فإن السيد لا يملك إلزام ذمةِ العبد مالاً.
ولم يختلف الأصحاب في أنه لو أجبره على ضمان شيء، لم يصح ذلك مع الإجبار، ولو قبل الضمان عليه.
وكذلك لو أجبر السيد عبده على أن يشتري له متاعاً، فلا يصح الشراء، وإن كان محلُّ الديون التي تلتزم بالإذن الكسبَ، والكسب ملك السيد، ولكن لا استقلال للأكساب في هذا الباب ما لم يتحقق تعلق الدين بأصل الذمة، فلا احتكام للسادة على ذمم العبيد.
ولو أقرَّ السيد بمالٍ تباع الرقبة فيه، فيقبل إقراره في [التعلّق] 1 بالرقبة، ولا يقبل في تقدير [التعلّق] بالذمة.
هذا في إقرار السيد.
3414 - فأما إذا أقر العبد بشيء، فإن كان إقراره بمالٍ، فإقراره في رقِّه ورقبته مردود، وما يتعلق بالذمة منه فإقراره فيه مقبولٌ يُتبع به بعد العتق، صدّقه السيد أو كذّبه.

فأما إذا أقر بما يوجب العقوبة، فالذي ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة ومعظمُ العلماء أن إقراره مقبول، وإن كان تنفيذ المقرّ به يوجب إبطال حق المولى من ماليَّته، فإذا اعترف بما يوجب القصاصَ في النفس، أو القطع في الطرف للآدمي أو لله تعالى، نفذ إقراره، ويحكم به.
وخالف في ذلك المزني، ولم يرَ قبولَ إقرارهِ؛ لاعتراضه على ملك مولاه.
وهذا مذهب محمد وزفر وأحمد 1 وداود.
ومعتمد مذهبنا أن الإقرار حجةٌ من الحجج كالبيّنة، فالمقبول منه ما لا تهمةَ فيه، وإقرار العبد كذلك؛ فإن العاقل لا يعرّض نفسه للهلاك حتى يخسِّر غيرَه شيئاً نزراً من المال، والشاهد لذلك أن السيد على أنه المالك إذا أقر بما يوجب العقوبةَ، فإقراره مردود لما ذكرناه من التهمة، وإن كان لو أباح دمه صار هدراً.
فالإقرار إذن في الرد والقبول يعتمد ثبوتَ التهمة وانتفاءها.
ولو قدر مقدر تهمةً على بُعدٍ في إقرار العبد، فالتهمة البعيدة غيرُ معمول بها.
3415 - فإذا ثبت هذا، فلو أقر العبد بما يوجب القصاص، ونفذنا إقراره، فإن اقتص المقَرُّ له، فذاك، وإن عفا عن القصاص الثابت على مال، فالأحسن تنزيل ذلك على القولين في أن موجَبَ العمد ماذا؟ فإذا حكمنا بأن موجبه القَوَد المحضُ، فالمال يثبت إذا عفا المقَرُّ له على مالٍ؛ فإن هذا المال، لم يثبت بالإقرار نفسه، وإنما ثبت بالعفو عن العقوبة الثابتة بالإقرار.
هذا إذا قلنا: موجَبُ العمد القَودُ.
فأما إذا قلنا: موجبه القود أو المال، أحدهما لا بعينه، فإن اقتصَّ المقَرّ له، نفذ الأمر.
وإن أراد الرجوعَ إلى مالِ، فهذا يستدعي مقدمةَ: وهي أن العبد إذا أقر بسرقةِ مالٍ، وزعم أنه أتلف ما سرق، فإقراره مقبولٌ في وجوب القطع لله تعالى، لما ذكرناه.
وهل يقبل إقراره في تعلق قيمةِ ما اعترف بسرقته برقبته؛ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - لا يتعلق؛ فإن ذلك إقرار بإبطال مالية السيد من الرقبة من غير واسطة.

والقول الثاني - أن إقراره مقبول؛ فإن التهمة منتفية، ونفس العقوبة تبطل المالية، ولكن قُبل الإقرارُ بها لانتفاء التهمة.
وهذا المعنى متحقق فيما ذكرناه.
ولا استقلال للسرقة دون مال مسروق، ويستحيل ألا يثبت القول في المسروق ويثبت في السرقة المطلقة.
هذا إذا أقر بإتلاف المسروق، وتضمن إقراره تعلّقَ مبلغٍ برقبته.
فأما إذا أضاف سرقته إلى عينٍ قائمة، نظر: فإن كانت العين التي اعترف بسرقتها في يد مولاه، فإقراره مردود فيها.
اتفق الأصحاب عليه؛ والسبب فيه أن ما نصادفه في يد السيد مُقرٌّ على حكم ملكه، فيبعد الحكم على ملكه بإقرار العبد، ولو 1 قدّرنا قبول هذا الإقرار أَوْشَك أن يستغرق العبد جميع ذخائر سيده، وهذا الآن تظهرُ التهمةُ فيه؛ فإن العبد الحنِق على سيده، قد يستهين بقطع يده، في مقابلة تخسير السيد أموالاً لا تنضبط، وليس هذا كما لو ادّعى تلف المسروق؛ فإن غاية ما يتعلّق بالسيد قدرُ قيمةِ الرقبة؛ فإن أروش الإتلافات لا تعدو الرقبة إلى سائر أموال السيد.
ولو أقر العبد بسرقة مال في يد أجنبي، فإقراره مردودٌ في حق ذلك الأجنبي، إذا أضاف إقراره إلى عينٍ قائمة في يده، فإذا رُدّ في حق الأجنبي، فليرد في حق السيد.
وقيل: إنّ أبا حنيفة 2 نَفَّذَ إقراره في الأعيان القائمة في يد السيد.
وهذا خبالٌ عظيم.
ولو أقر العبد بسرقة عين وكانت العين في يد العبد، اختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من خرّج قبولَ إقراره فيها على القولين، ومنهم من قطع القولَ بردِّ إقراره في العين الكائنة في يده.
وهذا هو الظاهر؛ من جهة أن يده يدُ السيد، ولا استقلال له.
ثم ما يتصوّر احتواء يده عليه في محل الإقرار لا ينضبط، كما تقدم وليس كالإقرار بالإتلاف؛ فإن غائلته تنحصر في مقدار قيمة الرقبة، كما تقدم.
وبنى بعضُ الفقهاء القولين في قبول إقراره بالمال عند ذكر الإتلاف على قولين في الحر لو أقر بسرقة مال، وقُبل إقراره.

فلو رجع عن الإقرار، قُبل رجوعُه، فيما يتعلق بالعقوبة، ولم تقطع يده.
وفي قبول رجوعه عن ضمان المال قولان.
وزعم هؤلاء أن وجه البناء أنا إذا قلنا: لا رجوع في المال، فكأنّا لم نبعّض حكمَ الرجوع.
فنقول: على هذا لا نبعّض حكمَ إقرار العبد.
فإذا قبلناه في وجوب القطع، قبلناه في تعلّق قيمة ما أقر بسرقته، ثم بإتلافه برقبته.
وإن قلنا: لا يقبل رجوعُ المقِرّ الحرِّ فيما يتعلق بالضمان، فقد بعّضنا حكمَ الرجوع آخراً، فلا يمتنع أن نبعّض حكمَ إقرار العبد أوّلاً، ونقولُ إقراره في العقوبة 1 [مقبول] 2، وفيما يتعلق بحق المولى مردود.
وعندي أن هذا البناءَ فاسد، وقد عول الباني فيه على اتباع العبارة.
أما القول الذي يُقبل فيه الرجوع عن المال وغَرَمه في حق الحر المقِرُّ، فلست أدري له وجهاً أولاً.
ثم لا مشابهة في المعنى بين المسألتين؛ فإن الذي حملنا على قبول إقرار العبد في المسروق انتفاءُ التهمة، لا ينقدح في توجيه القبول غيره.
(3 وهذا المعنى أنَّى يتحقق في الرجوع عن الإقرار؟ 3).
3416 - هذا تفصيل المذهب في إقرار العبد بالسرقة أتينا به مقدمةً لإقراره بما يوجب القصاصَ على قولنا: إن موجَبَ العمد القودُ أو المالُ أحدُهما لا بعينه.
ثم يعفو المقَر له، وقد عاد بنا الكلام إلى بيان هذا: وقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في ثبوت المال في هذه الصورة تفريعاً على هذا القول قولان مرتبان على القولين في قبول إقرار العبد في إتلاف المسروق، فإن حكمنا بقبول إقراره ثَمَّ، فلأن نحكم بقبوله في المال في مسألتنا أولى.
وإن حكمنا بأن المال لا يثبت متعلِّقاً بالرقبة في الإقرار بالسرقة، ففي ثبوت المال حيث انتهينا إليه قولان.
والفارق أن المقَرَّ به في مسألتنا شيءٌ واحد، وهو القتل، ثم3

ينقسم القول في بدله.
والمقَرُّ به في السرقة على حكم المتميز؛ فإنه اعترف بحق مالي وكبيرةٍ موجبةٍ للعقوبة.
هذا مسلك.
ورأى بعضُ الأصحاب أن يرتب على العكس، ويجعلَ المال في مسألة السرقة أوْلى بالثبوت؛ من جهة أن المواطأة ممكنة في صورة القصاص مع المقَرّ له.
ثم إذا فرض العفوُ، فلا عقوبةَ والسرقة إذا ثبتت موجبةً للقطع، تعين استيفاء القطع لله تعالى.
فكأنَّ صورةَ السرقة أبعدُ عن التهمة، وإذا كنا نُدير [قبولَ] 1 الإقرار على انتفاء التهمة، فليقع الترجيح في منازِل 2 الترتيب بما هو معتمد الباب.
هذا تمام البيان في ذلك.
3417 - وكان شيخي أبو محمد لا يُعرِي قولَنا موجَبُه القود المحضُ عن تصرّف، ويقول: إن قلنا: العفو المطلق على هذا القول لا يوجب المال، فلا يتجه إلا القطعُ بثبوت المال، وإن قلنا: العفو المطلق يثبت المال، فكأناْ لا نمحّض القودَ على هذا القول موجَباً، ونجعل للمال مدخلاً.
وإذا كان كذلك، تطرق الاحتمال.
والعلم عند الله تعالى.
هذا منتهى الكلام في إقرار العبد بالعقوبة.
3418 - فأما إقراره بالمال، ففيما لو ثبت لتعلق بالرقبة، فمردود، لا شك فيه لاعتراضه على ملك المولى، واشتماله على التهمة.
ولو أقر بما لو ثبت، لأوجب مالاً في ذمته، نفذ الإقرار، ولا أثر له في الحال ما اطّرد الرق ولكن إذا عَتَق اتُّبِع، وليس إقراره في هذا كإقرار المبذّر؛ فإنه لو أقر في اطراد الحجر عليه، ورددنا إقراره، فلو انطلق الحجر عنه، لم يؤاخذ بإقراره السابق.
والسبب فيه أن العبد محجور عليه لحق مولاه، فإذا أقرّ بممكنٍ، فإن لم ينفذه في الحال، طالبناه به إذا زال حقُّ الموْلى.
والمبذّرُ رُدَّ إقراره رعاية لحقه،

وحقّه مرعيٌّ بعد انطلاق الحجر عنه.
نعم، لو جدّد إقراراً بعد انطلاق الحجر، كان مؤاخذاً به.
وإنما يظهر أثر الفرقِ إذا أنكر العبدُ بعد إعتاقه ما أقرّ به، وأنكر المبذر بعد الرشد ما كان أقرّ به، فإذ ذاك يفرَّق بينهما، فيؤاخذُ العتيق، ولا يؤاخذ الرشيد بعد السفه.
وإن قيل: بينوا ما يلزم ذمةَ العبد.
قلنا: كل ما يعترف به من ديون المعاملات ويدّعي فيه إذْنَ المولى، فهو متعلِّق بذمته.
فإن رددنا إقرار العبد في كسبه، فهو مقبول في التعلّق بالذمّة، وقد يقرّ بشيءٍ لا تعلّق له بالكسب أصلاً، وذلك إذا قال: اشتريت شيئاً بغير إذْن السيد، والتفريع على أنه لا يصح شراؤه، فالثمن لا يلزمه مع الحكم بفساد العقد.
ولكنه لو قال: أتلفتُ ما اشتريته، فالقيمةُ المعترف بها لا تتعلق برقبته لو ثبت ما قال؛ فإن مالك المال سلّطه على إتلافه، وإنما يتعلق برقبة العبد ما يُتلفه من غير إذن المولى.
وهذا من البيّنات التي لا تشكل على الفقيه.


بَابُ بيع الكِلاب وغيرها

3419 - صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحُلوَان الكاهن " 1. أما مهر البغي، فأجرة الزانية، وحلوان الكاهن ما يأخذه الكاهن على تغريرهِ بالكَهانةِ؛ فمذهبنا أن الكلب ليسَ بمالٍ، ولا يجوز بيعه وليس على متلفه قيمة لصاحبه، ولا يُنكر اختصاص صاحبه به، كما سنفصله الآن.
والوصية بالكلاب جَائزة ومعناهَا تنزيل الموصَى لهُ في الاختصاصِ بالكلب منزلةَ الموصي، وعلى هذه القاعدة يخلُف الورثة [في الكلاب] 2 موروثَهم.
وإذا لم يخلف إلا الكلابَ، ففي اعتبار خروج الوصيةِ والنظر إلى الثلث كلامٌ يأتي في كتابِ الوصايا إن شاء الله عز وجل.
وأما هبةُ الكلابِ، فقد ذَكر العراقيون والشيخ أبو علي وجهين فيها أحدهما - أنها تصح صحةَ الوصية.
والثاني - لا تصح؛ فإن الهبة مقتضاها التمليك والكلبُ ليس ملكاً؛ وتصح الوصيةُ بالحمل وما سيكون، ولا تصح الهبة على هذا الوجه، واختار الأئمة فسادَ الهبة، وقضى القاضي بصحتها.
وهذا زلل.
وإذا أبطلنا الهبة ألغيناها، والواهب على اختصاصه بالكلب.
3420 - واختلف الأصحابُ في إجارة الكلبِ، فصححها بعضهم؛ تعويلاً على منافعها، ومنعها بعضهم؛ تحقيقاً للبعد من التعامل عليها، ولا يتجه عندنا بناء الوجهين على الخلاف في أن المعقود عليه المنفعةُ أم الأعيانُ، حتى نقول: إذا جعلنا المعقود عليه العينَ، منعنا الإجارة.
وإن جعلنا المعقود عليه المنفعةَ، أجزناها؛ فإن

هذا يبطل بإجارة 1 الحر.
والمعنى فيه أن الممتنع تقدير الملك في عين الكلب.
ومن يعتقد أن المعقود عليه في الإجارة العينُ لا يرى أن الملك ينتقل فيها.
ومن غصب كلباً يجوز اقتناؤه، استُرِد منه، ثم إن كان انتفع به، [فهل يلزمه أجرةُ المثل] 2؟ ذَكر الأصحاب وجهين في ذلك، وهذا ينطبق على الخلاف في إجارة الكلبِ.
والذي أراه تصحيحُ الإجارة.
وإن لم نصححها، فالأوجه عندي إثبات أجرة المثل؛ فإنها منافع مقصودة تطلب بأموالٍ.
فإن امتنعت الإجارة لتغليظٍ سببه المنع من التعامل على الكلاب، فلا وجه لتعطيلِ منفعته.
3421 - ولو اصطاد الغاصب بالكلب المغصوب، ففي ذلك الصيد وجهان: أحدهما - أنه للغاصبِ الصائد، وهو الأَصح، كما لو غصب شبكة واصطاد بها.
والثاني - أنه لصاحب الكلب؛ فإنَّ الكلبَ له اختيارٌ، وهو كالعبدِ المغصوبِ يحتش أو يحتطب في يد الغاصبِ.
وهذا ضعيف؛ فإنَّ التعويل في تحليلِ الصَّيد على اختيارِ المرسل، وإذا ظهر اختيارُ الكلب، حرم الصيد الذي يقتله.
ثم فرع الأئمة على الوجه الضعيف وقصدوا التنبيه على أصول.
فقالوا: إذا قلنا: الصّيد للمغصوب منه، فالغاصب يرد الصيد عليه، ويغرم له أجرةَ مثل الكلب على وجهٍ؛ فإن المنفعةَ وإن صرفها إلى تحصيل فائدة وهي للمغصوب منه، فالغاصب في المنفعة متصرفٌ بعُدوان.
وضربوا لذلك مثالين: أحدهما - أن من غصب بذْراً وأرضاً، فزرع الأرض المغصوبة بالبذر المغصوب من صاحب الأرض، فالزرع للمالك؛ لأنه تولّد من عين ماله، وعلى الغاصب مثل ذلك البذر؛ فإن ما تعفن في الأرض كان في حكم الفاسد، وما نبت خلق جديد.
ويجب عليه أيضاً أجر مثل الأرض؛ وإن صَرَف منفعتها إلى فائدة مالكها.
والثاني - أن من غصب بيضة فأحضنها دجاجةً وخرج الفرخُ، فالفرخ للمالك.
وعلى الغاصب قيمة البيضةِ؛ فإنها تفسد

وتصير مذرة، والفرخ نشوء جديد.
وسنستقصي ذلك في كتاب الغصب، إن شاء الله تعالى.
فصل 3422 - قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من اقتنى كلباً إلا كلبَ مَاشِية أو ضَارياً، نقص من أجره كل يوم قيراطان " 1 وفي بعض الألفاظ " أو كلب زرع " فنهى الرسول عليه السلام عن الاقتناء، وأجمع الأصحاب على أنه نهي تحريم 2، واستثنى من النهي الكلبَ الضّاريَ وهو الصيود، وكلب الماشية وهي التي تحرس النَّعم، وكلبَ الزرع وهي التي تحرس المزارع في أيام الحصدِ والدياسة والتنقية؛ فمن اقتنى كلباً إعجابا بصورته، فهو مرتكبُ محرّمٍ، وإذا اقتناه وهو منتفع به بالجهات الثلاثة التي استثناها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بأس.
ولو اقتنى كلب الحراسة للدروب والدور، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه لا يجوز ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن إلا ما تقدم ذكره، فيجب الاقتصارُ عليه، وطَرْدُ الحظر فيما سواه.
والثاني - يجوز؛ فإن الحراسة في معنى الحراسة، وهذا قريب ممّا يقال فيه: إنه في معنى الأصل.
ومن اقتنى جَرْوَ كلبٍ صَيُودٍ حتى إذا استقل صاد، ففي تحريم اقتنائه جرواً وجهان ذكرهما العراقيون أحدهما - يجوز؛ فإنه كلب صيدٍ، وإذا أبحنا اقتناء كلب الصيد، لم نشترط في الإباحةِ إدامةَ الاصطياد به.
ومن أصحابنا من قال: لا يحل اقتناء الجرو؛ فإنه ليس ضارياً في الحال، والاقتناء في فحوى الحديث مسوغ لحاجةٍ حاقَّةٍ، تقرب من الضرورة، فأما الاقتناء لتوقع منفعة، فبعيد.

ومن اقتنى كلب صيدٍ، وكان لا يعتاد الاصطياد، ففي تحريم الاقتناء وجهان أيضاً ذكروهما.
والتوجيه بين.
فإن قيل: الاختلاف في هذه الصورة مستند إلى احتمال، إلا ما ذكرتموه في الاقتناء لحراسة الدروب، والحراسة كالحراسة، فما وجه المنع؛ قلنا: وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الكلاب، ولو جاز الاقتناء لحراسة الدروب، لعمّ جوازُ الاقتناء؛ فإن كل كلب نباح في موضعه، وهو معنى حراسة الدروب، وكلبُ الصيد والماشية والزرع يحرس في مضايع، ولا يستقل بهذا إلا كلبٌ له اختصاصٌ عن الكلاب.
ويمكن أن يقال: لو اقتنيت في الدروب وكثرت أجراؤها، وأنست، خالطت وانبثت نجاساتُها، وليس كذلك كلاب الصحارى.
3423 - فإن قيل: فما قولكم في قتل الكلاب؟ قلنا: أما ما ينتفع به منها، ولا ضرار من جهتها، فلا يجوز قتلها.
وأما العقور؛ فإنه يقتل دفعاً لضراوته، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتل الكلب العقور، وعدّه من الفواسق اللاتي يقتلن في الحل والحرم.
وكل كلبٍ عقورٌ إذا اضطر إليه دفعاً عن نفسه.
والذي عنيناه الذي يضرى بالشر طبعاً.
وأما الكَلِب 1، فلا يتمهل في قتله؛ فإن شره عظيم.
والكلب الذي لا منفعة له، ولا ضرار منه لا يجوز قتله.
وقد ذكرنا طرفاً من ذلك مقنعاً في باب الصيود من المناسِك عند ذكرنا الفواسق، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب مرة، ثم صح أنه نهى عن قتلها، واستقر عليه على التفصيل الذي ذكرناه.
وأمر بقتل الكلب الأسود البهيم.
وهذا كان في الابتداء، وهو الآن منسوخ.

فصل يَجْمع تفصيْل القَوْلِ فيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنَ الحَيَوانَاتِ 3424 - أما الآدمي، فلا يخفى تقسيمه إلى الحر والرقيق.
وما عداه ينقسم إلى ما لا ينتفع به حياً وميتاً، وإلى ما ينتفع به حياً، وإلى ما لا ينتفع به حياً وينتفع ببعض أجزائه إذا مات أو قتل.
وينبغي أن يستثنى منها الحيوان النجس العين، وهو الكلب والخنزير والمتولد منهما ومن أحدهما.
فكل ما كان نجساً لا يجوز بيعه.
والتقسيم وراء ذلك.
فما ينتفع به حيّاً كالفهد والهرّ، فيجوز بيعه وفاقاً، ومنها الطيور الضارية.
وأما ما لا ينتفع به حياً وميتاً، فلا يجوز بيعه.
وأخذ المال في بيع شيء منها من أكل المال بالباطل.
ومن هذه الجملة حشرات الأرض.
ودودُ القز منتفع به، وكذلك نحل العسل، وتردد القاضي في العَلَق، فألحقها في جوابٍ بالديدان، ومال في جواب إلى جواز بيعها، لما فيها من منفعة مص الدم عند مسيس الحاجة إليه في بعض الأطراف.
وتردد الأئمة في مثل حمار زمِنٍ لا حراك به ولا منفعة له، فحرم بعضهم البيع لسقوط المنفعة، وأجاز آخرون البيعَ نظراً إلى الجنس.
وقيل أيضاً: يجوز بيعه لمكان جلده بعد الموت، وهذا المعنى فيه بعض الضعف؛ فإن المنفعة النّاجزة أولى بالاعتبار من توقع أمرٍ سيكون ولو بني [البيع] 1 على التوقع، لصح بيع جلد الميتة قبل الدباغ.
فأما الأسد والذئب والنمر، فلا انتفاع بها وهي حية، ولا نظر إلى اقتناء الملوك إياها لإقامة السياسة والهيبة، فليس ذاك منفعةً معتبرة، ولا تتأتى المقابلة بها، بخلاف الفِيَلة؛ فإنَّ ذلك ممكن، وهي مراكب، فالتحقت بما يُنتفع به.
أما الأُسد والنمور والذئاب، فالمذهب أنه لا يجوز بيعُها.
وذكر القاضي وجهاً آخر أنه يجوز بيعها، بناء

على إمكان الانتفاع بجلودها، فهي طاهرة في [الحال] 1، والانتفاع متوقع ببعض الأجزاء.
ولا يجوز بيع الرَّخَمة، والحدأة، والغراب؛ فإنه لا منفعة فيها، فإن كان في أجنحة بعضها منفعة، التحقت بالأُسد والذئاب.
والأصح منع البيع.
3425 - ثم ألحق الأئمة مسائلَ بما ذكرناه في الحيوان: منها بيع المعازف وآلات الملاهي، فإن كانت بحيث لو كسرت الكسْر المأمور به، لم يكن رُضاضها متمولاً، فلا يصح بيعها.
وإن كانت بحيث لو كسرت الكسرَ الواجبَ، لكان رُضاضها متمولاً، ففي إيراد البيع عليها قبل الرض وجهان: أحدهما - يبطل البيع؛ نظراً إلى صفاتها في تركبها، ويعتضد هذا بإطباق الناس على استنكار بيع البرابط والطنابير.
والثاني - يصح بيعها؛ لأن جِرم الرضاض كائن فيها.
وهذا وإن كان قياساً، فالعمل على الأول.
فأمّا إذا باع صوراً وأشباحاً كالأصنام وغيرها، وكانت متخذة من جواهر ذوات قيم، كالصُّفر 2 والنحاس وغيرها، فهي مكسّرة على أربابها، والأصح جواز بيعها قبل التكسير؛ فإن جواهرها مقصودة بخلاف رُضاض المعازف.
وذكر القاضي وجهاً آخر في منع بيعها.
فصل 3426 - الأعيان النجسة يمتنع بيعها، وإن كانت منتفعاً بها كالسِّرقين 3 والأخثاء 4، وأجاز أبو حنيفة 5 بيعها ومنع بيع العَذِرَة.
وطرد الشافعي إفساد البيع في كل عين نجسة.
والثوبُ المضمخ بالنجاسة يجوز بيعه، والبيع يرد على جوهرِه الطاهر.

والدهن إذا أصابته نجاسة، ففي جواز بيعه قولان مبنيان على إمكان غسله، وفي إمكان غسل الدهن قولان، سبق ذكرهما في كتاب الصلاة.
فإن قلنا غسله ممكن، فبيعه جائز.
وإن قلنا غسله غيرُ ممكن، ففي بيعه قولان مبنيان على جواز الاستصباح بالدهن النجس.
والقولان في الاستصباح يجريان في ودَك الميتة، وإن كان لا يجوز بيعه.
وإنما استعملنا الخلاف في الاستصباح في دهن طاهر الجوهر 1 لَحِقَتْه نجاسة، فإن ما كان نجس العين، فبيعه ممتنعٌ، وإن كان منتفعاً به.
والبيع فيما هو طاهر الجوهر قد يتلقى من الانتفاع.
هذا تنزيل هذه المسائل على قواعدها.
3427 - ثم أطلق الأئمة الخلاف في جواز الاستصباح.
وهو مفصل عندي: فلو كان السراج الذي فيه الدهن النجس بعيداً، بحيث لا يَلقى دخانُه المستضيءَ بهِ؛ فلست أرى لتحريم هذا وجهاً؛ فإن الانتفاع بالنجاسات لا ينسدّ، وكيف يمتنع منه مع تجويز تزبيلِ الأرض وتَدْميلها 2 بالعَذِرة، ولعل الخلاف في جواز الاستصباح ناشىء من لحوق الدخان الثائر من ذلك الدهن، وفيه تفصيل نذكره.
[أمّا رماد الأعيان النجسة، فالمذهب أنه نجس، وفيه شيء قدمته في كتاب الصّلاة.
و] 3 أمّا دخان الأعيان النجسة إذا احترقت -على قولنا بنجاسة الرماد- فما كان يقطع به شيخي أن الدخان رماد، وهو يتجمع بعد الانبثاث.
وذكر القاضي وجهاً أنه طاهر وإن حكمنا بنجاسة الرماد؛ فإنه يُعد بخارَ النار.
وهذا ركيك.
ومما يعتنى به أن الدهن النجس في عينه في دخانه ما ذكرناه.
وأمّا الدهن الذي وقعت فيه نجاسة، فدخانه أجزاء الدهن.
وما وقع فيه ونجسه، قد لا 4 يكون مختلطاً، ويظهر في هذا الدخان الحكمُ بالطهارة؛ فإن الذي خالط الدهن يتخلف قطعاً، والذي ثار محضُ

أجزاء الدهن، والتردد في الاستصباح يجوز أن يكون مأخوذاً من نجاسة الدخان؛ فإنه يثبت في البيوت ويلحق الثياب، وقد لا يحسّ بأوائل لحوقه حتى يحترزَ منه.
ولا يمتنع على بعدٍ أن يطرد الخلاف في الاستصباح وإن بعد السراج، فإن هذا ممارسةُ نجاسة مع الاستغناء عنها، وليس كذلك التزبيل؛ فإنه لا يسد مسده شيء، فكان ذلك في حكم الضرورة، ويقرب من هذا جواز اقتناء الكلب الضّاري؛ فإن الحاجة ماسّة ولا يسد مسد الكلب في ظهور منفعته 1 وخفة مؤنته شيء.
فصل 3428 - أكثر أئمتنا ذِكْرَ المالية وأجرَوْا في أثناء الكلام ما يتموّل وما لا يتمول، ورأَوْا ذلك قاعدةً متبعة في تصحيح البيع ونفيه.
ونحن نفصل القول في هذا على إيجاز وبيانٍ، إن شاء الله تعالى.
فممّا يسميه الفقيه غيرَ متمول ما لا يقبل البيع في جنسهِ، وهو ينقسم إلى نجسٍ وإلى محترم: أما الأعيان النجسة قد 2 سبق القول فيها، وأمّا المحترم الذي لا يتمول كالحرّ وما يحرز بالشرع كبقعة الكعبة، أو حرز كالبقاع التي اتخذت مساجد.
ثم ما لا يتمول لجنسه، وهو الأعيان النجسة لا قيمة لها، ولا تضمن بالإتلافِ، وما لا يتمول لحرمته، فلها أبدال عند الإتلاف.
ومقصودنا من هذا الفصل شيء آخر.
فإذا قلنا: هذا لا يتمول لقدره، فليقع الاعتناء به، وإن كان جنسه مالاً.
والضّابط فيه أن كل ما ليس للانتفاع به على حياله وقع محسوس، فهو الذي يقال: إنه لا يتمول، كالحبة والحبتين فصاعداً.
وليعتبر وقعه منسوباً إلى كل جهة؛ فإن حبات معدودة قد لا يكون لها وقع في الإنسان، وهي تقيم عصفورة، أو تسد منها مسداً.
فكل ما فيه نفع محسوس، فهو مال، وكل ما ليس فيه نفع محسوس، فهو غير

متمولٍ.
وكل منتفع به طاهرٌ غير محترم إذا تحقق الاحتواء عليهِ، فهو مال.
وإن كان الناس لا يتمولونه لكثرته ورخاءِ السّعر.
فليكن التعويل في الفرق بين ما يتمول وما لا يتموّل على المنفعة في الأجناس الطاهرة غير المحترمة.
فلو أجدَّ 1 الرجل صخرة، وكان فيها منفعة ظاهرة، فيجوز أن يبيعها بآلاف ممن يشتريها: وهم في شعاب جبال مفعمة بالصخور.
وعليه يخرج تجويز بيع [هذِه] 2 في أمثال هذه البلاد.
فأما الحبة من الحنطة فلا، ولا يختلف هذا بسِنِي الأَزْم والمَجاعة ورخاء الأسعار.
ولكن ما يقال فيه: إنّه لا يتمول لقلته فيه حق لصاحبهِ، فلا يجوز أخذ حبة من مال إنسان بناء على أنها لا تتمول.
ومن أخذها لزمه ردُّها.
قال شيخي: كان القفال يقول: إن تلفت لم يبعد أن أوجب مثلَها.
وإنْ منعتُ بيعها.
نعم لو كان كذلك القليل من جنس متقوم، فلا قيمة.
فهذا حَاصل القول في ضبط ما يتمول.
وما لا يتمول.
فصل مشْتمل عَلى بَيعْ المَاءِ وحُكمِهِ نظمه الشيخ أبو علي في الشرح ونحن نأتي به على وجهه فلا مزيد عليه.
3429 - فنقول: من ينزح ماء من موضع مباع، فالمذهب المشهور أنه يملك ما أحرزه، كما يملك الحطب إذا احتطب، والصيدَ إذا اصطاد.
وفي المسألة وجه بعيد أنه لا يملك قط.
ولكن محرزه أولى به، وهذا بعيد لا تفريع عليه.
وإنما التفريع على أن الماء يملكه محرزه.

فمن أحرز ماء في إداوة وسقايةٍ، فقد ملكه، ويجوز بيعه على شط الدجلة، بما يقع من التراضي عليه.
فأما إذا حفر بئراً أو قناةً، فاجتمع فيها ماء، فهل يملك ذلك الماء؟ هذا يستدعي أولاً تفصيلَ المذهب في أن الآبار كيف تملك، وهذا مما يأتي استقصاؤه في إحياء الموات، والقدر الذي تمس الحاجة إليه الآن أن من حفر بئراً في مواتٍ وقصد باحتفارها تملّكَها، فإذا ظهر مقصودُه، مَلَكَها، ومقصودهُ ظهور الماء، فكما 1 ظهر، مَلَك، ولا يتوقف الملك على أن يطويَ 2 البئر ويعمرَها.
هذا ظاهرُ المذهب.
وقيل: ظهور الماء يجعل حافرَ البئر كالمتحجر، وهذا يأتي في الإحياء.
ولو كان يحتفر نهراً إلى نهر عظيم كالفرات، وقصده أخذ شيءٍ من ماء الفرات في نهرهِ، فإذا قصد باحتفار النهر تملكها، وانتهت فوهة النهر إلى النهر الكبير، وجرى فيه الماء، فهذا في ملك النهر نظير إنباط الماء في البئر.
هذا إذا قصد التملك.
فأما إذا قصد احتفار البئر ليستقي ماءها لا أن يتملكها.
فيكون أولى بماء البئر، فإذا تعداها وجاوزها، فالبئر بمائها مباح.
فإذا بان ذلك، فلو لم [يملك] 3 البئر، ولم يقصد تملكها، فالماء المجتمع فيها لا يكون مملوكاً باتفاق الأصحاب.
هكذا قال الشيخ.
فأمّا إذا ملك البئر، أو كان في ملكهِ الخالص بئرٌ كَدَارِه، فالماء المجتمع في تلك البئر هل يكون ملكاً على الحقيقة لمالك البئر؛ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - وهو اختيار أبي إسحاق أنه لا يملكه، وينزل الماء الحاصِل في ملكه منزلةَ ما لو عشش طائر في ملكه؛ فإنه لا يملكه.
وقال ابن أبي هريرة: الماء ملك لصاحب البئر على

الحقيقة، وهو نازل منزلة الثمرة التي تخرج من أشجاره من غير قصده.
3430 - فإذا ثبت ذلك، فالكلام وراء ذلك في فصلين: أحدهما - إفراد الماء بالبيع.
والثاني - بيعه مع قرارِه.
فأما إفراد الماء بالبيع، فالماء الذي جمعه في إداوة أو حوض، أو أحرزه، فيجوز بيعه؛ فإنه غير متزايد.
فأمّا الماء المجتمع في البئر المملوكة، أو الماء الجاري في النهر المملوك، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فإذا أفرده بالبيع، لم يصح؛ لأنه باع ما لم يملكه، فأشبه ما لو باع فرخَ طائر على عش في ملكه.
ولم يأخذه بعدُ.
وإن قلنا: إنه مملوك، قال رضي الله عنه 1: لا يصح إفراده بالبيع إذا قال: بعتك ماء هذا البئر؛ لأنه ممّا يتزايد تزايداً كثيراً، وليس كذلك بيع الجِزة من قُرطٍ، فإنه إذا ابتدرَ الجزَّ، لم يتزايد تزايداً محتفلاً به، والماء الجاري أولى بالفساد، فلا يصح إذا بيع الماء على الوجهين لعلّتين 2. ولو قال: بعتك مائة مَن من ماء هذه البئر، فإن قلنا: إنه مملوك، ففي المسألة وجهان: أحدهما - يصح.
والثاني - لا يصح.
وهما مبنيان على ما إذا أراه نموذجاً من لبن الضرع، فينبغي أن يكون المقدار المذكور من ماء البئر، ومن لبن الضرع بحيث يعتقد قلةُ التزايد فيه، كما قدمناه في لبن الضرع.
قال الشيخ: لو باع مقداراً من ماء نهرٍ جارٍ، فهو ممنوع؛ فإنه غير واقفٍ ولا يستمكن من تنزيل العقد على معاين فيه تَسلُّم.
وكل ما ذكرناه فيه إذا باع الماء وحده.
3431 - فأما إذا باع ماء البئر مع البئر، فنذكر التفصيل في البئر أولاً، ثم نذكره في النهر.

فإذا باع البئرَ، فلا يخلو إما أن يشترط معه الماءَ الذي فيه أو لا يشترط: فإن شرط معه الماء الذي فيه، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فلا يصح البيع فيه.
وهل يصح في البئر؟ فهو على قولي تفريق الصفقة.
وهو كما لو باع ظبية مملوكة، وأخرى في الصحراء لم يصطدها.
فأما إذا قلنا: الماء في البئر مملوك، فإذا باع البئر مع مائه الذي فيهِ، صح؛ فإنه مشاهد.
[وليس] 1 كما لو أفرد ماء البئر بالبيع؛ فإن الأصل في تلك الصورة مُبْقَى للبائع.
وما نَبَع بعد تقدير البيع، فهو لمالكِ الأصل، فيؤدي إلى اختلاط المبيع، وأما هاهنا مَلَك 2 المشتري [المنابع] 3، فلا أثر للازدياد، ولا يضر أن يختلط ملكُ المشتري بملكه.
هذا إذا شرط مع البئر ماءها.
فأفا إذا باع البئر ولم يتعرض للماء الذي فيه، فإن قلنا: إن الماء ليس بمملوك، فقد ملك المشتري البئر، وصار أحق بالماء، كما كان البائع أحقَّ به.
وإن قلنا: إنه مملوك، فالبئر صارت مملوكة للمشتري، والأصح أنه لا يتبعها الماء؛ فإنه [نماءٌ] 4 ظاهر، فأشبه الثمار الظاهرة المؤبرة لا تدخل في مطلق بيع الشجرة.
ومن أصحابنا من أتبع الماءَ البئرَ وجعله كالثمار التي لم تؤبَّر، ونزل الأمر في هذا على العرف.
وهذا قدمته في أثناء مسائل البيع فيما أظنه.
فهذا في البئر.
3432 - فأمّا في النهر، فإن باعه من غير تعرض للماء الذي فيه، فالبيع في النهر صحيح، والقول في إتباع الماء الموجود في النهر على ما تفضل.
فأما إذا باع النهرَ مع الماء الجاري، فإن قلنا: إنه غير مملوك، فقد جمع بين مملوك وغيرِ مملوك

مجهولٍ، لا سبيل إلى ضبطه.
والأصح في مثل ذلك بطلان البيع في الجميع، ما قدمناه في تفريق الصفقة.
وإن قلنا: الماء مملوك وقد ذكره مع النهر، فهو مجهول لا يفرد بالبيع ضُمَّ إلى معلوم، فيخرج على التفريق.
ولو اجتمع في ملك الرجل شيء سوى الماء كالموميا 1 والملح، وكان يتزايد تزايد الماء، فقد قال الشيخ: حكمه مع قراره حكم الماء في كل تفصيل، إلا أنا ذكرنا في صدر الفصل وجهاً بعيداً أن الماء لا يملك أصلاً، وذلك لا يجري هاهنا.
ولماء الأودية والقنوات وموارد البيع منها تفاصيل كثيرة في إحياء الموات، إن شاء الله تعالى.
فصل في الإقالة 3433 - لا خلاف في جوازها، وارتداد عوضي العقد بها، وأنها تختص بالثمن الأول، ولا حاجة إلى ذكر الثمن والمثمن على التفصيل، بل الإطلاق ينصرف إليه، ولا تختص الإقالة بالمتعاقدين، بل لو ماتا، جرت الإقالة بين الورثة.
3434 - ثم هي فسخ، أو ابتداء عقد؟ فعلى قولين: أحدهما - أنها عقد، وهو المنصوص عليه في القديم، لتضمنها تمليكَ مال بمالٍ على التراضي، وصيغةِ الإيجاب والقبول.
والمنصوص عليه في الجديد أنها فسخٌ، لاختصاصها بالثمن الأول، ولأن الغرض منها رفع ما كان، ورد الأمر إلى ما كان عليه قبل العقد.
ولفظ الإقالة مشعر بهذا.
ومنه إقالة العثرات.

ولم أر أحداً من الأصحاب يخرجُ الإقالةَ قبل قبض المبيع على أن الإقالة فسخ أو بيع.
حتى إن قلنا: إنها فسخ، نفذت.
وإن قلنا: إنها بيع خرجت على الخلاف في أن بيع المبيع من البائع قبل القبض هل يجوز.
وكذلك لم يردد أحد من أصحابنا القولَ في الإقالة في السلم، بل أطلقوا جوازها.
وإن كان يمتنع بيع المسلم فيه قبل القبض.
وكان شيخي يقول: الإقالة بعد القبض على القولين، والإقالة قبل القبض تنفذ.
فإن جوزنا بيع المبيع من البائع قبل القبض، [خرجت المسألة على قولين في أن الاقالة فسخ أو بيع، وإن قلنا: لا يصح بيع المبيع من البائع قبل القبض] 1، فالإقالة نافذة، وهي فسخ قولاً واحداً.
وذكر شيخي في كتاب الخلع في أثناء كلامه فصلاً به تظهر حقيقةُ الإقالة، وهو أنه قال: اختلف أصحابنا في أن البيع هل يقبل الفسخ بالتراضي؟ فمنهم من قال بقطع القول بقبوله الفسخ بالتراضي.
والقولان في لفظ الإقالة.
ومنهم من قال: كل ما فرض على التراخي سواء كان بلفظ الفسخ، أو بلفظ الإقالة، فهو خارج على القولين، ولا نظر إلى الألفاظ، فالفسخ لفظٌ ألفه الفقهاء، ومعناه ردَّ شيء واسترداد مقابله.
فإن تعلّق متعلّق بلفظ الفسخ، فالإقالة من طريق اللسان صريحة في رفع ما تقدَّم، ورد الأمر إلى ما كان عليه قبل العقد.
فرجع حاصل القول إلى أن من أصحابنا من جعل الخلاف في تصور الفسخ بالتراضي من غير سبب يوجبه.
ثم هؤلاء يقولون: يتصور الفسخ بالتراضي قبل القبض؛ لأن العقد لم يُفض إلى نقل الضمان، فإذاً هو متصور قبل القبض.
وفي تصويره بعد القبض الخلاف.
ومن أصحابنا من قطع بتصوّر الفسخ، ورد الخلاف إلى الإقالة ومعناها، ثم هؤلاء قالوا: هي محمولة قبل القبض على الفسخ، والخلافُ في عملها بعد القبض.

3435 - ثم يتفرع على القولين في أن الإقالة فسخ أو عقدٌ أمور: منها - تجدد حق الشفعة للشفيع إذا كان قد عفا عنها في البيع: إن جعلناها فسخاً، لم يتجدد حق الشفعة بالإقالة.
ضمان جعلناها عقداً، تجدد له حق الشفعة.
وإذا تلف المبيع في يد المشتري بعد الإقالة، فإن قلنا: هي عقد، انفسخت كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل القبض، وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الإقالة.
وإن قلنا: هي فسخ، لم ترتفع الإقالة، وضمن المشتري قيمة التالفِ في يده.
ومما يتفرع على ذلك أنهما إذا تقايلا، فإن قلنا: الإقالة بيع؛ فلا يتصرف البائع في ملك العين مادامت في يد المشتري.
وإن قلنا: هي فسخ، نفذت تصرفاته كالمفسوخ بالعيب.
3436 - وإذا تلف المبيع، ثم تقايلا، فإن جعلنا الإقالة عقداً، لم يصح؛ فإن البيع لا يرِدُ على تالفٍ.
وإن جعلناه فسخاً، فوجهان: أحدهما - أنه ينفذ كالفسخ بالتحالفِ.
والثاني - لا ينفذ؛ فإن الفسخ بالتحالف ليس مقصوداً في نفسه، وإذا أنشأ المتحالفان دعوتيهما، فليس غرضهما الفسخ.
لكن كل واحدٍ يبغي أن ينكُل صاحبه ويحلف هو فإذا تحالفا، كان الفسخ ضروريّاً، والفسخُ بالإقالة معمودٌ مقصود، فلا ينفذ في التالف، كالفسخ بالعيب بتقدير ردَّ قيمة المعيب التالف واسترداد عوضه.
فإذا اشترى عبدين، فتلف أحدهما، فأراد الإقالة في الآخر، إن جوزنا الإقالة، والمبيع تالفٌ بجملته.
فهذا أولى بالجواز، فإن منعنا الإقالة عند تلف المبيع، وهو واحد، فهاهنا وجهان؛ إذ القائم يلاقيه الإقالة، ثم يستتبع التالفَ.
3437 - ولو اشترى عبدين فتقايلا في أحدهما مع بقاء العبدين.
فإن قلنا: الإقالة بيع، لم تصح الإقالة؛ فإنها لو صحت، لقابل العبدَ قسط من الثمن يبيّنه التقسيط.
وهذا مجهول.
فلا يصح تقدير العقد، مع جهالة العوض.
وإن قلنا: الإقالة فسخ، جاز ذلك.
ولو كان مكان العبدين قفيزان من الحنطة، فخُصت الإقالة بأحدهما، جاز على القولين.
أما قول الفسخ، فلا يخفى.
وأمّا قول العقد، فلا جهالة.
والثمن يتقسط بالأجزاء.

ولو اشترى عبداً وتقايلا على نصفه، فالإقالة صحيحة على القولين؛ إذ لا جهالة.
والفسخ لا شك في نفوذه على قول الفسخ.
فإن قيل: هلا خرّجتم على تفريق الصفقة؛ قلنا: سبب منع التفريق على قولٍ في هذا المقام تنزيلُ العقد على جملةٍ مع تخلفه عن بعضها، فتارة يقول: ارتفع العقد، وتارة يقول: يتخير من تبعض الأمر عليه.
وأما الإقالة فَصَدَرُها عن التراضي.
والحق لا يعد وهماً.
وإنما يمتنع رد أحد العبدين على أحد القولين قهراً.
فلو فرض التراضي به، كان إقالة مسوغة.
ومن جوز فسخاًً بعد لزوم العقد بلا سبب التراضي، [لم] 1 يغادر متعلقاً في التبعيض.
وذكر بعض المصنفين أنهما إذا تقايلا على أحد العبدين، وجعلنا الإقالة فسخاً، نفذت.
وهل ينفسخ العقد في العبد الآخر؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
وهذا خبال.
والأصل اتباع الرضا في الفسخ والإبقاء.
ولو سلكنا هذا المسلك، لخرَّجنا قولاً في منع الإقالة في أحد العبدين.
فإذا اجتمع الأصحابُ على خلافه، بطل هذا المسلك، وانتسب صاحبه إلى عدم الإحاطة بحقيقة الإقالة.
3438 - ومما يتفرع على ذلك أنا إذا جعلنا الإقالة عقداً، فلو قالا: تفاسخنا، اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هو عقد؛ تعويلاً على اشتراط التراضي، ومنهم من قال: هو فسخ.
وهذا يستند إلى ما ذكرته من حقيقة الإقالة في صدر الفصل.
وقد نجز الغرض من الإقالة وتفريعها، وانتهت مسائل الأصول من كتاب البيع.
ونحن نذكر فروعاً انسلت عن ضبطنا، فليلحقها الناظر بأصولها، وليرتبها على قواعدها.
فرع: 3439 - إذا اشترى الرجل جارية ثم تبين أنها أخته من رضاع أو نسب، فلا خيار للمشتري.
وإذا اشترى جارية فإذا هي معتدة من وطء شبهةٍ، فله الخيار.
أمّا نفي الخيار إذا بانت أخته، فسببه أن الأخوّة لم تقدح في المالية.
وهي مقصود البيع، ولا التفات إلى ما يتخلف من الأعراض بعد وفور المالية.

ولو اشترى رجل جارية وسعى في تحريمها على البائع بسبب طارىء في يده، ثم اطلع على عيب قديم بها، ردّها، ولم يكن للبائع أن يقول: بعتُها وهي محلٌّ لحلي، ورددتَها وهي محرّمة، فلا أقبلها؛ فإن التحريم والتحليل لا تعويل عليهما في عقد البيع.
وأمّا ما ذكرناه في المعتدة، فالسبب فيه أنها محرمة على الناس كافة، وهذا يرِّغب الطالبين عنها، وما كان كذلك أثر في المالية.
وهو بمثابة ما لو اشترى داراً، ثم تبين أنها مستأجرة، والتفريع على صحة البيع يثبت الخيار.
وعلى هذا القياس لو اشترى جارية وقبضها، فوطئها واطىء بالشبهةِ، ثم اطلع على عيبٍ قديمٍ، كانت العدة بمثابة عيبٍ حادث طرأ في يد المشتري.
وقد سبق التفصيل فيه.
ثم ذكرنا في مسائلِ العيوب أن العيب الحادث إذا زال وقد كان تعذر الردُّ بسببه، فهل يملك المشتري الردَّ؟ فيه خلاف وتفصيل.
والعدة وإن كانت في حكم عيب، فهي مرجوة الزوال.
فلو قال المشتري: أصبر حتى تنقضي العدة ثم أرد.
فقال البائع: ضُمّ الأرشَ أو اقبل العيب القديم، وإلا فتأخيرك يبطل حقك من الرد، فكيف الحكم فيه؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يملك التأخير؛ فإن [العُذر] 1 لائح، ورجاء زوال العيب ظاهِر، وإنما يبطل حق الرد بالتأخير إذا لم يكن عذرٌ.
ومن أصحابنا من قال: إذا أخر يبطل حقه؛ فإنه يجد سبيلاً إلى التخلّص من الظلامة دون الرد، فليرض به.
فرع: 3440 - إذا اشترى عبداً معيباً وقبضه، ثم جاء بعبد وقال: هذا العبد المبيع، وهو معيب، وهو الذي قبضتُه.
وقال البائع: ليس هذا الذي قبضتَه مني واشتريتَه، وإنما هو عبد آخر، ولا بينة.
قال الأصحاب: القول قول البائع مع يمينه؛ فإنه يستبقي العقدَ، والأصل بقاؤه.
ولهذا صدقناه إذا ادعى حدوثَ العيب، وأنكر قدمه.
فأما إذا أسلم في عبدٍ أو غيره من الموصوفات، وقبض ثم جاء وقال: هذا الذي قبضتُه ليس على الوصف الذي طلبتُه وذكرته في السَّلم، فقال المسلم إليه:

ليس هذا ذاك الذي قبضتَه مني، فالقول قول من؛ فعلى وجهين: أحدهما - القولُ قولُ المسلَم إليه؛ فإنه قد سبق قبض وفاقاً، والمسلِم يدَّعي بعد ذلك مرجعاً.
والوجه الثاني أن القول قول المسلِم؛ فإنهما اتفقا على اشتغال ذمة المسْلم إليه، والمسلَم إليه يدعي براءة ذمته، والأصل اشتغالها.
وليس كذلك العبد المعيّن؛ فإنهما اتفقا على أن المشتري قبض ما اشتراه، ثم اختلفا في أن العقد هل يفسخ بعد ذلك أم لا.
والأصل بقاء العقد.
وما ذكرناه من الوجهين في المسلم إليه يجريان في الثمن الواقع في الذمة.
وذكر ابن سريج في كل عوضٍ ثابت في الذمة ثمناً كان أو مثمناً ما ذكرناه من الوجهين في الحُكم الذي أردناه، وزاد وجهاً ثالثاً ذكره في الثمن.
وهو أنه قال: لو قال البائع: الدراهم التي سلمتها أيّها المشتري مبهرجةٌ زيوفٌ، وليست وَرِقاً، فالقول قوله؛ فانه ينكر أصلَ القبض.
وإن قال: هي معيبةٌ، فالقول قول المشتري حينئذٍ؛ فإن أصل القبض ثابت؛ بدليل أنه لو رضي القابض به [لعد] 1 ثمناً، وجرى عوضاً.
فرع: 3441 - إذا أوصى إلى رجل أن يبيع عبداً معيباً من تركته، ويشتري بثمنه جاريةً، ويعتقها عنه، فباع الوصي العبد بألف، واشترى بالألف جارية، وأعتقها عن الموصي، ثم وجد مشتري العبد به عيباً ورده، فللوصي أن يبيع ذلك العبد المردود ويؤدي من ثمنه الألفَ الذي كان ثمناً، فإن وفَّى ثمنُ العبد لمَّا باعه بعد الرد، فلا كلام.
وإن كان ثمنه تسع مائة، لمكان العيب الذي بدا، فذلك النقصان لا بد من جبره لرد جملة الثمن على المشتري.
فذلك النقصان على من؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هو على الوصي؛ فإنَّ الموصي إنما أمره أن يشتري بثمنه جارية، وقد بان أخيراً أن ثمنه تسع مائة؛ فكان من حقه ألا يشتري الجارية إلا بهذا المبلغ؛ فهو بترك البحث مفرّط.
ثم هو ضامن بسبب تفريطه.
ومن أصحابنا من قال: لا ضمان على الوصي في تلك الزيادة، ولكنها في ذمة الميت الموصي تؤدَّى من تركته؛ وذلك أن [الوصيّ] 2 بالحاكم والعدل [في

الرهن] 1 أشبه.
وقد قال الشافعي: إذا باع الحاكم شيئاً، فلزمت فيه عُهدة، فلا تتعلق الغرامة بالحاكم، وكذلك من عُدّل الرهن على يده.
ولو باع الوصيُّ العبدَ المردودَ عليه، فزاد ثمنُه على الألف، فقد بان لنا فيه أنه فرط في بيعه لما باعه بالألف وكانت قيمته ألفان.
والمسألة فيه إذا لم تكن الزيادة عن ارتفاع سِعرٍ، ولا عن قبول زبون، فقد جرى بيعه بغبن وكان باطلاً، ولا حاجة إلى الرد.
وشراءُ الجاريةِ إن كان واقعاً في الذمة، فينصرف إليه، والعتق واقعٌ عنه، وعليه الآن بتمام ثمن العبد جارية، فيعتقها عن الموصي.
وإن كان قد اشترى الجارية بعين ما قبضه في ثمن العبدِ، فلا يصح العقد؛ فإن المشار إليه كان مستحقاً ولم ينفذ العتق.
ومما يليق ببقية المسألة أنا قطعنا القول بأن الوصي إذا رُدَّ العبدُ عليه، فله بيعه، لم يحك الشيخُ فيه خلافاً.
3442 - فإن قيل: لو باع الوكيل عبداً فرُدَّ عليه بالعيبِ، فهل له أن يبيعه مرة أخرى؟ قلنا: اختلف أصحابنا في المسألة: فذهب بعضهم إلى أنه يبيعه؛ فإن الموكل قد أذن له في بيعٍ يلزم وينفذ، فإذا نُقض عليه، فله البيع ثانياً (2 والمذهب الصحيح الذي اختاره القفال أنه لا يصح منه البيع ثانياً 2)؛ لأن المبيع رجع إلى ملك الموكَل رجوعاً جديداً، فلا يستفيد الوكيل التصرف في هذا الملك الجديد.
ولو أذن للوكيل في بيع عبده بشرط الخيار للمشتري، فباعه وشرط الخيارَ، ففسخ المشتري البيع، فهل يجوز للوكيل أن يبيعه ثانياً؛ فعلى وجهين مشهورين قرَّبهما القفال من القولين في أن البيع بشرط الخيار هل يوجب نقلَ الملك.
فإن قلنا: انتقل الملك إلى المشتري، فالأشبه أن لا يبيع الوكيل مرة أخرى.
وإن قلنا: الملك للموكل، فيجوز أن يبيعه الوكيل ثانياً؛ فإن هذا ذلك الملك بعينه، فلا يبعد أن يدوم الإذن إلى أن يتفق نقل الملك.
والمسألة محتملة على القولينِ.2

فرع: 3443 - إذا اشترى الرجل عبداً، ثم بان له أنه ابنه، صح العقد، ونفذ العتقُ، ولا مردّ له.
وإذا عسر ردُّ العتق، فلو اطلع على عيب قديم به رجع بالأرش.
ولو قال ولا عيب به للبائع: أغرمك شيئاً إذْ خسَّرتني، لم يغرمه؛ فإن العبد لا نقصان به.
فرع: 3444 - إذا باع سمسماً على أن يكون الدهن مبيعاً والكسب للبائع، أو باع قطناً على أن الحليج هو المبيع والحب للبائع، فالبيع باطل؛ فإن المبيع ليس متعيناً على التحقيق ولا جزءاً شائعاً.
فرع: 3445 - إذا قال: بعتك هذا على أن لا ثمن لي عليك، فقال: اشتريتُ وقبضه، فالذي قطع به الأئمة فسادُ البيع.
ثم قالوا: لو تلف المقبوض في يد المشتري، ففي وجوب الضمان وجهان: أحدهما - الوجوب؛ لأنه مقبوض على حكم بيع فاسد.
والثاني - لا يجب الضمان؛ لأن البائع رضي بحطِّه، وبنى الأمر عليه، فصار القبض قبض وديعة.
وذكر القاضي قولين في أن ما جرى هل يكون هبة صحيحة مملكة: أحدهما - أنه هبة؛ نظراً إلى القصد، ولا اعتبار بالخطأ في اللفظ.
والثاني - أن هذا ليس بهبة؛ فإن البيع ينافي في وضعه معنى الهبة، و [العقود] 1 لا تنعقد بالمقاصد، وإنما تنعقد بالألفاظ.
ولو قال: بعتك هذا، ولم يتعرض لنفي الثمن وإثباتِه، فقال المخاطب: قبلتُه، فلا يكون هذا تمليكاً وفاقاً.
والأصح أن القبض المترتب عليهِ قبض ضمان؛ فإنه ليس مشتملاً على نفي الضمان.
ومن أصحابنا من خرّج الضمان في هذه الصورة على الخلاف المقدم، وسنذكر أمثلة لهذا في كتابِ الخلع، إن شاء الله عز وجل.


نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله تعالى (419 - 478هـ) حققه وصنع فهارسه أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب الجزء السادس السلم - الرهن - التفليس الحجر - الصلح - الحوالة دار المنهاج

بسم الله الرحمن الرحيم الطبعة الأولى 1428 هـ-2007م جميع الحقوق محفوظة للناشر

تنبيهان أولاً: هذا الكتاب بينك وبينه ألف عام تقريباً، فإذا رأيت من ظواهر اللغة والأساليب غير مالوفك ومعهودك، فلا تحاول أن تحمل لغته على لغتك، ولا تسارع بحمل ذلك على الخطأ وسهو المحقق وتقصيره، فهذه هي لغة عصرهم، وهذا أسلوبهم، وهو صحيح سليم، وإن لم يعد مألوفاً لدينا ومستعملاً عندنا ولا جارياً على ألسنتنا.
ثانياً: إبراءً للذمة، وخروجاً عن العهدة ننبه: أن برنامج الصف استحال عليه كتابة الهمزة المتطرفة المكسور ما قبلها على الياء، مثل: قارئ، تجزئ، فتنبه لذلك.

والموقف الأعظم على العلماء استعمال ما يجمعونه في آحاد الوقائع إذا بلوا بها، وكان شيخي يشبه هذا بجمع الجامع العلوم المخصوصة بفن الطب، وهو هيِّنٌ على صاحب القريحة والجد، وإذا أراد استعمال ما جمعه في معالجة الأشخاص عظم الأمر عليه فيها.
الإمام في نهاية المطلب

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل