كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
والخيار يثبت شرطاً، وخيار المجلس وإن كان شرعاً، فهو مترتب على عقد ثبت اختياراً، وكل ذلك خبطٌ، لست أرى الاعتداد به، والمذهب 1 أن الفداء لا يلزم باختياره.
ومما يتفرع على هذا المنتهى أنا إذا قلنا: لا يلزم الفداء بالاختيار، فلو قال: التزمت الفداء، فهل يلزم ذلك؟ إن قلنا: الأرش لا يتعلق بالذمة، ولا يفيد لفظ الالتزام شيئاًً، [فإن الأرش يبقى] 2 برقبة العبد، وللسيد الفداء إن شاء.
فإن قلنا: الأرش يتعلق بذمة العبد، فهل يصح ضمانه حتى لو قال أجنبي: ضمنت الأرش، يلزمه الوفاء به؟ هذا فيه تردد عندي، مأخوذ من كلام الأئمة، يجوز أن يقال: يصح الضمان، كما يصح الضمان عن الميت المعسر الذي لم يخلف شيئاًً، والعبد يرجو أن يعتق ويتمول [وآماله متوقعة] 3، وإن صح الضمان عن الميت المعسر، فلأن يصح عن العبد أولى.
ويجوز أن يقال: لا يصح الضمان؛ فإنا وإن أطلقنا الذمة، فهو على تقدير التوقع والترقب بتقدير العتاقة، ولو لزم ذمّةَ العبد دينٌ غيرُ متعلق برقبته، ففُرض ضمانه، فالضمان في هذا النوع أولى بالصحة من الضمان في الأرش، ولا خلاف أنه يصح ضمان ما يتعلق بكسب العبد، وهو مايلتزم بإذن السيد، كالمهر في النكاح الصحيح، والوجه تصحيح الضمان عن العبد مهما 4 حكمنا بتعلق الأرش برقبته، هذا فيه إذا كان الضامن أجنبياً.
فأما إذا كان الضامن هو السيد، وذكر لفظاً مضمونه الالتزام، فهذا عندنا مرتبٌ على ضمان الأجنبي، ولعل الأصح أنه يصح منه الضمان والالتزام لتعلق ذلك بملكه.
والله أعلم.
10705 - ومما يتعلق بتمام التفريع في ذلك أنه لو أعتق السيدُ العبدَ الجاني، وقلنا: إنه ينعقد العتق فيه، [فالأصح] 1 أنه لا يلتزم إلا الأقل، والسبب فيه أن أجنبياً لو قتله، لم يلتزم أكثر من قيمته، وإعتاق السيد بمثابة إتلافه، فيبعد أن يلتزم السيد بإعتاقه مملوك نفسه أكثر مما يلزمه الأجنبي بقتله، وفي بعض التصانيف أن من أصحابنا من أجرى في الإعتاق القولين أيضاًً، ويصير السيد بالإعتاق ملتزماً للأرش -على أحد القولين- بالغاً ما بلغ.
ولو قتل السيد العبدَ الجاني، فالوجه القطع بأنه لا يلتزم إلا الأقل في هذا الباب، [ومن أصحابنا] 2 من أجرى القولين فيه إذا قتله، وأما إذا باع العبدَ الجاني، فقد ذكرنا في كتاب البيع تفصيلَه على بيانٍ شافٍ، فليطلب في موضعه.
ولو قتل أجنبيٌ العبد الجاني، والتزم قيمته، فيتعلق حق المجني عليه بقيمة العبد حسَب تعلقه برقبته، ثم السيد على التخيير في ذلك، كما أنه متخير في الرقبة، فإن سلم البدل [بعينه] 3، فهو كتسليمه العبد، وإن أراد أن يؤدي الأرش من سائر ماله، فله ذلك، كما للوارث أن يفعل ذلك في أعيان التركة المستغرَقة، وكل ما ذكرنا في العبد القن إذا جنى.
10706 - فأما أم الولد إذا جنت، فبيعها غير ممكن، ولكن أجمع أئمتنا على أن السيد يلزمه الفداء، وهذا مما يغمض تعليله؛ من جهة أن السيد تصرّف في ملك نفسه، واستولد جاريته، فإلزامه الفداء بسبب جناية تصدر منها بعد الاستيلاد بعيدٌ عن قياس الأصول، ولكنه متفق عليه بين أصحابنا.
ثم إذا ألزمناه الفدية، فقد اختلف أصحابنا فيما يلتزمه، فذهب المحققون إلى القطع بأنه لا يلتزم إلا الأقل، ومن أئمتنا من قال: فيما يلتزمه السيد قولان كالقولين
في العبد القن؛ فإنه بالاستيلاد السابق، صار مانعَها من البيع عند الجناية.
ثم ذكر الشيخ أبوعلي أن القيمة المعتبرة في الفداء للمستولدة هي قيمة يوم الاستيلاد، واعتل بأن قال: إنما صار السيد مانعاً يوم الاستيلاد، وذلك المعنى لا يتجدد، فينبغي أن نعتبر [قيمة يوم الاستيلاد] 1، وهذا الذي ذكره غيرُ متجه عندي، والذي كان يرتضيه شيخي أن الاعتبار [بقيمتها] 2 يومَ الجناية؛ فإن اعتبار قيمةٍ متقدمة على الجناية بعيد عن التحصيل.
نعم، يجوز [أن] 3 نجعل السيد بالاستيلاد المتقدم [مانعاً حال] 4 وقوع الجناية، وهذا أقيس وأفقه [مما] 5 ذكره الشيخ أبو علي.
فقد تحصّل وجهان كما ذكرناه: على طريقة شيخي نعتبر قيمته وقت الجناية، فإن الفداء في المستولدة بالجناية، ولا حاجة إلى تقدير اختيار الفداء، فإنه لا وجه له غير الضمان 6.
10707 - ومما نفرعه على جناية المستولدة [أنه] 7 لو جنت أم الولد، ففداها، ثم جنت مرة أخرى، فهذا يستدعي تقديم حكم العبد القن في تكرر الجناية، فنقول: إذا جنى عبدٌ مراراً، فلا يخلو إما أن يجني ويفديه ثم يجني، وإما أن تصدر منه جنايات ولا يتخللها الفداء.
فإن جنى مراراً، ولم يتخلل الفداء، ثم توجهت الطلبة، فأروش الجنايات وإن كثرت بمثابة الجناية الواحدة، فيجري القولان في أنه بكم يفديه؟ أحدهما - أنه يفديه
بأقل الأمرين من الأروش والقيمة مرة واحدة.
والقول الثاني - أنه يفديه بالأروش بالغة ما بلغت، [أو يسلم] 1 العبد ليباع في الأروش.
فإن جنى العبد، ففداه السيد على القولين كما تقدم، فإذا جنى مرة أخرى، فأراد فداه على الترتيب الذي فداه في المرة الأولى، فلا أثر لما تقدم ولكل جناية حكمها، [وإن تقدم فداء] 2 الجناية المتقدمة، والسبب فيه أنه مانعٌ عند كل جناية منعاً جديداً، فيقتضي كلُّ منع فداءً مستقلاً، هذا حكم العبد إذا تكررت منه الجناية.
فأما المستولدة إذا تكررت منها الجناية، فلا يخلو إما أن يتخللها الفدية أو لا يتخللها الفداء، فإن اجتمعت جنايات ولم يتخللها الفداء، فجميع الجنايات كجنايةٍ واحدة، كما تقدم.
فإذا جنت أم الولد جناية أرشُها مثلُ قيمتها، ففداها المولى، ثم جنت جناية أخرى أرشها مثل قيمتها أيضاً، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أنه لا يلزم السيد أن يفديها مرة أخرى بعد ما [بذل] 3 قيمتها في الفداء، فإنه إنما التزم الفداء لأن [الاستيلاد] 4 في حكم الإتلاف والاستيلاد لا يتكرر، ولا يتعدد 5، [فعلى هذا
يشارك] 1 المجني عليه الثاني الأولَ فيما أخذه، يشتركان فيه، كما سنذكره في التفريع.
والقول الثاني - أن السيد يلزمه أن يفدي مرة أخرى، ولا يسترد من الأول ما أخذه وتنزل المستولدة منزلة العبد القن، وقد ذكرنا أن العبد إذا تكررت منه الجناية، وتخلل الفداء تتجدد الجناية.
توجيه القولين: من قال لا يلزم السيد أكثر من القيمة مرة واحدة، استدل بما ذكرناه من اتحاد [سبب] 2 الضمان وهو الاستيلاد، ومن نصر القول الثاني احتج بأن السيد مانعٌ عند كل جناية بحكم الاستيلاد السابق، [فيتعدّد] 3، المنع على هذا التقدير.
التفريع على القولين:
10708 - إن قلنا: إن الفداء يتعدد، فلو جنت أم الولد، ففداها بمثل قيمتها، فجنت مرة أخرى، فيفديها كما فداها أولاً، ولا يُسترد من الأول شيء [مما] 4 أخذه.
وإن قلنا بالقول الثاني [فإن] 5 كان الفداء [الأول] 6 مثلَ القيمة، فقد انتهى غُرْم المولى، فإن جنت مرة أخرى جناية توجب القيمة، فالثاني يشارك الأول ويسترد منه نصفَ ما أخذ، ولا [يتميز] 7 الأول بسبب تقدّمه، بل يقسمان الفداءَ الأول على قدر = وما زاد فيتضاربان فيه" (ر.
البسيط: 5 ورقة: 86 شمال).
أرش الجنايتين، [فإن] 1 كان الأرش الأول ألفاً والثاني ألفاً، فهو بينهما نصفان، وإن كان أرش الجناية الأولى ألفاً والأرش الثاني خمسَمائة، فالألف المبذول بينهما ثلث وثلثان، وعلى هذا البابُ وقياسُه.
ومما يليق بما نحن فيه أن الذي غَرِمه أوّلاً [إن] 2 لم يبلغ تمام قيمة المستولدة، فجنت جناية أخرى، فيجب على المولى تتمة القيمة، ثم يضم الآخر إلى الأول ويقسم بينهما على أقدار الأروش.
وبيان ذلك بالتصوير أن الجناية الأولى كان أرشها خَمسمائة وقيمتها 3 ألفٌ، وقد غرم المولى خَمسمائة، فجنت جناية أخرى أرشها ألف، فيغرم المولى خَمسمائة، ولا يزيد، ثم يأخذ المجني عليه [الثاني] 4 من الألف الذي غرمه المولى -بدفعتين- ثلثاه، وهو ستة وستون وستمائة درهم وثلثا درهم.
وقد بان الغرض بما ذكرناه، نبهنا بالمسائل التي صورناها على أمثالها.
10709 - ثم إن المزني اختار من القولين أن السيد يغرَم بكل جناية أرشَها، أو ما يقتضيه الفداء فيهما ابتداء، ولا يسترد المتأخر من المتقدم شيئاً.
وقال: إذا ملك المجني عليه الأولُ الأرشَ الذي سُلّم إليه، فيبعد أن يقال: يُنقض ملكه بسبب جناية أخرى تتفق، وأتى بلفظه المعهود منه في الإعراب عن نهاية الاستبعاد 5. وقال: "نقضُ ملك الأول ليس بشيء" 6.
[فيقال] 7 له: أما إلزام المولى أصل الفداء، فمشكل من طريق المعنى
[جدّاً] 1، كما تقدم ذكره في صدر الفصل، ثم إن لم يكن من الفداء بد، فالزيادة على قيمةٍ واحدة ولم [يوجد] 2 الاستيلاد إلا مرة واحدة بعيد.
وإذا أوجبنا ألا نزيد على قيمة المستولدة في تغريم المولى، وهذا قياس بيّن، [فالتزاحم] 3 بعد هذا القياس ليس ببعيد؛ إذ لا [يستقيم] 4 بعد ما مهدناه - غيرُه.
ورب شخص يملك شيئاً في ظاهر الأمر، وهو موقوف مراعى 5، وهذا بمثابة ما لو كان حفر رجل بئراً في محل ضمان وعدوان، ومات وخلف ألف درهم، فتردى في البئر -بعد اقتسام الورثة الألفَ-[متردٍّ] 6 قيمتُه ألف، فتُنقض [قسمة] 7 الورثة، وتُصرف الألف إلى جهة الغرامة، فهذا نقضُ ما في 8 أقل التصور، فلو [تردّى] 9 في البئر بهيمة أخرى قيمتُها ألف، فإنا نجعل الألف بين الجهة الأولى والثانية، وهكذا لو تعددت جهات الضمان وتجددت، فلا نزال ننقضُ ونعيد القسمةَ، ولا نجعل للمتقدم مزيةً، بسبب تقدمه، ولا [تحديد] 10 من المضارب في مقدار التركة.
هذا بيان مأخذ المسألة في الصور والحتم 11.
فصل 1
قال الشافعي رضي الله عنه: "إذا اصطدم الراكلبان على أي دابة كانت ... إلى آخره" 2.
10710 - إذا التقى ماشيان واصطدما وماتا، فعُلم أن كل واحد منهما مات بقوّة نفسه وقوة صاحبه؛ فإن الصدمة تقع بالقوتين جميعاً، ثم ما يقابل قوة الإنسان، فهو هدر من جانبه وما يقابل قوة صاحبه، فهو مضمون، ثم إذا تأصل ذلك، فلا وجه للنظر في تفاوت القوتين، واختلاف تأثيرهما في الصدمة، فإن ذاك أمر لا يدخل تحت الضبط، وهو بمثابة قولنا: إذا جرح رجل رجلاً مائة جراحة من غير [تذفيف] 3 وجرح المجروح نفسه جراحة واحدة، وحصل الزهوق محالاً على الجراحات، فالحكم أنه يُهدَر نصفُ الدية، ويجب نصفها.
هذا مأْخذ الباب، وموجب ما ذكرناه يتضمن أن نُهدر ما يقابل فعلَ كل واحد منهما في حق نفسه، ونوجب ما يقابل فعل الثاني، وموجَب ذلك التنصيفُ لا محالة.
10711 - فإذا تمهد أصل الباب قلنا: إذا اصطدم ماشيان على غير عمد وهلكا، فيهدر نصفُ دية كل واحد منهما بسبب فعله، ويجب دية نصف كل واحد منهما على عاقلة صاحبه؛ فإن مسائل الباب تتصور في الخطأ وشبه العمد، كذلك تتصور الوقائع في العادة المطردة.
ولو اصطدم راكبان على دابتيهما، وهلكا، وهلكت الدابتان، فيهدر من كل واحد نصفُ ديةٍ، ويهدر نصفُ قيمة دابة كل واحد منهما، ويجب نصف قيمة كل دابة في مال الآخر، ويجب نصف دية كلِّ واحد منهما على عاقلة الآخر؛ فإن الدية محمولةٌ معقولة، بخلاف قيمة الدابة.
ويجب على كل واحد منهما كفارةٌ بسبب تأثير فعله [في] 1 قتل الثاني.
ومن حيث شارك كلُّ واحد في قتل نفسه، فيجب عليه كفارةٌ أخرى بسبب سعيه في إهلاك نفسه إن قلنا: على من قتل نفسه الكفارة، ففيه اختلاف مشهور سيأتي مشروحاً -إن شاء الله عز وجل- فإذاً يجب على كل واحد منهما كفارةٌ بسبب سعيه في إهلاك صاحبه، وفي إيجاب كفارة أخرى وجهان مأخوذان [من أن] 2 من قتل نفسه هل تلزم الكفارة [في] 3 تركته أم لا؟ ثم قد يعترض في قسمة الديتين التقاصُّ إن كانتا متساويتين، وإن كانتا متفاوتتين [فإجراء] 4 التقاصّ في مقدار التساوي، والزيادة على التساوي تجب في مال الآخر.
وما ذكرناه كله من جليات الفقه وقواعده، ولا يخفى بعد تمهيدها تخريج المسائل عليها، إن شاء الله عز وجل.
10712 - ونحن نذكر ثلاثة أنواع من الكلام تجري مجرى الأصول: أحدها - أنا لا ننظر [إلى] 5 المصطدمين في القوة والضعف، حتى [لو كان في إحدى الدابتين،] 6 و [ذلك] 7 من الماشيين بمثابة صدور جنايتين من جانيين، ثم قد ذكرنا أنه إذا كثرت جناية أحد الشريكين وقلت جناية الآخر، وآل الأمر إلى المال، فالدية موزعة عليهما بالسوية، فإنا لا نجد ضبطاً في التوزيع والتقسيط، فلا وجه إلا الحكم بالمقابل [وعدم] 8 الالتفات إلى أقدار القوة والضعف.
ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه في محاولة تحقيق هذا شيئاً أجراه مثلاً، فقال: "لو كان أحدهما على فيل والآخر على كبش، فاصطدما، فالإهدار في الشطرين وإثبات
الضمان في الشطر الثاني على ما ذكرناه 1 " ولم يرد الشافعي بهذا تصويراً على التحقيق؛ فإن الكبش لا يركب، ولا يفرض تصادمه للفيل.
والذي يجب اعتباره في ذلك أن الدابة وإن كانت ضعيفة، فينبغي أن نَفْرِض لصدمتها أثراً مع قوة الدابة الصادمة، فأما إذا قطعنا بأنه لا أثر لها أصلاً، فلا يناط بحركتها حكم، وهو بمثابة ما لو جرح رجل جراحات ناجعة، ويفرض من [الثاني الإبرة يغرزها] 2 في جلدة [العقب] 3 فهذا لا أصل له، [والقتل] 4 محال على الجارح.
وإن كان لا يبعد تقدير تأثير، [فلا نظر] 5 إلى التفاوت بعد ثبوت أصل التأثير، ولا يشترط أيضاً القطع بالتأثير؛ فإن من جرح رجلاً مائة جراحة ضعيفة، فقد لا نقطع بأن هذه الجراحة لها أثر، ولكن إذا كنا نجوّز أن نثبت لها أثراً، كفى التجويز في ذلك، ورجع الحكم إلى التشطير بين الجانيين، هذا أحد الأنواع.
10713 - النوع الثاني - أن نصوّر ما يقع عمداً أو ما يقع خطأ، وهذا يفرض على ثلاثة أوجه، فإن اصطدم الفارسان، وكانا مقبلين وقصدا الصدمة، وحققا قصديهما، فالذي صدر من كل واحد عمدٌ محض، [والواجب] 6 القصاص [والتخريج] 7 على شريك النفس، وقد مضى التفصيل فيه إذا جرح رجل رجلاً، فجرح المجروح نفسه، فإن قلنا 8 [بالقصاص، فقد] 9 فات محل القصاص، فسقط القصاص، والرجوع بعد سقوطه إلى المال، ثم يهدر على ما ذكرناه نصفُ دية كل واحد منهما، ونصف دية
كل واحد منهما في مال الثاني؛ فإن فعليهما عمدان.
فأما إذا اصطدما مقبلين، ولم يعتمدا الصدمة، ولكن [اتفق الاصطدام] 1 فهذا ملتحق بشبه العمد، فأما الإهدار في النصفين، فعلى ما قدمنا، ويجب نصف دية كل واحد منهما مغلظاً على عاقلة صاحبه.
فأما إذا اصطدما مدبرَيْن ولم يشعر أحدهما بصاحبه، ولكن كانت الدابتان ترجعان القهقرى، فاتفق اصطدامهما، فهذا ملتحق بالخطأ المحض.
أما الإهدار في النصفين فعلى ما مضى، ونصف دية كل واحد منهما مخففاً على عاقلة صاحبه.
هذا بيان الأحوال.
واصطدام الأعمش كاصطدام المدبرَيْن، واصطدام البصيرين في جنح الليل يشابه اصطدامَ الأعمش إن كان لا يبصر أحدُهما صاحبه.
والغرض مما ذكرناه التنبيهُ على الفصل بين العمد، والخطأ، وشبه العمد.
10714 - والنوع الثالث [من] 2 الكلام فيه إذا غلبت الدابّةُ راكبها، وجرى الاصطدام وهما [مغلوبان] 3، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه لا حكم لفعلهما، وإذا هلكا وهلكت دابتاهما، كان بمثابة ما لو هلكا بآفة سماوية، ولا ضمان، ولا تراجع.
والقول الثاني - أن حكم فعليهما غيرُ منفي؛ فإنهما نُسبا إلى ركوب الدابتين، وهذا لا ينحط عن حفر البئر في محل العدوان، فإن قلنا: لا حكم لفعليهما، فلا ضمان عليهما، ولا على عواقلهما، وإن حكمنا بأن لفعليهما حكماً، فنجعل الاصطدام بلا اختيار بمثابة الخطأ المحض.
10715 - ثم قال الشافعي رضي الله عنه والأصحابُ: إذا فرض الاصطدام، فسقط
به من سقط، فلا فرق بين أن ينكبَّا على وجوههما، وبين أن يستلقيا، وبين أن ينكب أحدهما، ويستلقي الثاني.
وقال أبو حنيفة 1: إن انكبا، فلا يجب الضمان على واحدٍ منهما، والسبب فيه أنا نتبين [أن] 2 من ينكب سببُ انكبابه تحاملُه وفرطُ قوته وكثرةُ [اعتماده] 3 على صاحبه، فإذا كان السقوط على هيئة الانكباب، دلّ هذا على أن فعل كل واحد منهما لم يؤثر في حق صاحبه، فنجعل كلَّ واحد منهما انفرد بإهلاك نفسه.
[أما لو استلقيا] 4، فيجب دية كل واحد منهما بكمالها على عاقلة صاحبه، وذلك أن وقوع كل واحد منهما على هذه الهيئة يدل على أنه سقط بتحمل صاحبه، وذلك أن سقوط كل واحد منهما [بتأثره بالمعنى الذي يؤدي إلى الاستلقاء] 5، فلم يقع الاستلقاء لواحد منهما إلا لتحامل الثاني عليه.
ولو انكب أحدهما واستلقى الثاني، فذهب الأصحاب إلى أن الغرم في حقهما جميعاً، ويهدر النصف من دية كل واحد منهما.
ويجب النصف على عاقلة الآخر.
وحكى الشيخ أبو علي رضي الله عنه عن التلخيص أنه صار إلى مذهب أبي حنيفة وأهدر [المنكبَّيْن] 6 وأوجب كمال دية المستلقيين، وقال: إذا [انكب] 7 أحدهما واستلقى الثاني، فدية المنكب هدر، ودية المستلقي بكمالها على عاقلة المنكب 8،
ثم قال الشيخ: ذهب معظم الأصحاب إلى [تغليطه ونسبتِه] 1 إلى الوقوع في مذهب أبي حنيفة.
وأبعد بعض أصحابنا، فصار إلى موافقته، وهذا غريب جداً مخالف [للنصوص] 2 مبطل لقاعدة الباب ومتعرض للمعنى الصحيح بالإبطال.
فإن قال قائل: ما ذكره أبو حنيفة [محتمل] 3 في الانكباب والاستلقاء، [فما الذي] 4 يدفعه؟ وما هو معتمد المذهب على مناقضه؟ قلنا هذا خيال لا أصل له؛ فإنه إن كان تُصوّر الانكباب منهما جميعاً، فهو من أثر الصدمة، ولو قوي أحدهما، لاستحال أن يقوى الثاني على مصادمه [فاعترافه بأن وقوعه هذا بسبب الصدمة] 5 أصدق شاهد على أن انكبابهما من فعليهما، ولو لم يكن كذلك، وقُدّر صحةُ ما قال، لكان هذا في معنى جمع نقيضين وضربين، فاستبان أنهما إذا سقطا، فسقوطهما محال على الصدمة والصدمة بينهما، وهي حاصلة [بقوتهما] 6 ثم ما يقع في الحركات والاعتمادات لا يدخل تحت الحصر، فقد يتحامل الإنسان ويتفق له [أثناء تحامله عثرةٌ] 7، وكذلك من يصادمه، فالبحث عن كيفيات الحركات لا معنى له، وليس إلا الإحالة على الصدمة، والصدمة بينهما، وكذلك القول فيه إذا استلقيا.
= أحدهما على وجهه، والآخر على قفاه، فدية من سقط على وجهه هدر، وتجب دية من سقط على القفا على عاقلة صاحبه".
(ر.
التلخسص: 590). وواضح أن ما ذكره في دية ما إذا استلقيا يخالف المنقول عنه، فهو يقول بوجوب نصف دية كل واحد على عاقلة صاحبه، والمنقول أنه يقول بوجوب كمال الدية.
قال أئمتنا رضي الله عنهم: قياس ما حَكَى عن صاحب التلخيص أن الرجلين إذا كانا يتجاذبان حبلاً بينهما، فينقطع الحبل، فإن استلقيا، فلا غرم، وقد هَدَرَ البدلان جميعاً، فإن هذه السقطة تحال على قوة المستلقي، فإنه كان يعتمد إلى وراءٍ في جذب الحبل، وهو على مناقضة الاصطدام في الإقبال، وقياس مذهبه أنهما لو انكبَّا، فيجب كمالُ دية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه.
وكل هذا خبط.
والأصل ما قدمناه من رد هذه المذاهب بجملتها، واعتناق مذهب الشافعي في إحالة [السقطتين] 1 على الصدمة، والصدمة تقع بين المصطدمين لا محالة.
10716 - ثم علينا تفصيل [مذهبنا] 2 في جذب الحبل، فنقول: إن تجاذبا حبلاً، فانقطع وماتا، نظر: فإن كان الحبل لأحدهما، وكان الثاني [يظلمه] 3 بجذبه، فإذا ماتا، فدية المالك [يجب] 4 نصفها على عاقلة الظالم، ودية الظالم هدَرٌ.
أما إهدار دم الظالم، فبيّن؛ فإنه كان يجذب ما ليس له جذبه، فدُفع وصُدَّ، فإن أدى ذلك إلى إهلاكه، فليس هذا بأبدع من أن يقصد إلى إنسان، فيدفع عنه ويأتي الدفع عليه فيهلكه.
وأما قولنا: تهدر نصف دية مالك الحبل، فسببه أنه شارك في قتل نفسه، ففعله محسوس، فلئن كان [هدراً] 5 في حق الظالم 6، فوقوعه في حق المظلوم [لا يتخيل أن ينكر] 7، فتنخَّل منه الجواب الصحبح، وهو تشطير دية مالك الحبل، وإهدار الظالم.
ولو كان الحبل مشتركاً بينهما، وكانا غاصبين للحبل وتجاذبا، فانقطع الحبل وماتا، فهو كاصطدام الماشيين والراكبين، وقد سبق التفصيل فيه.
وإنما الذي أردنا التنبيه عليه تفصيل المذهب في الحبل وكونه مملوكاً لأحدهما على ما اقتضاه التصوير.
وقد انتجز القول في أصول الباب.
10717 - ونحن بعد هذا نذكر تفصيل القول في المصطدمِين؛ فإن الحكم يختلف، فإذا اصطدم حرَّان راكبان أو ماشيان، فالتفصيل ما قدمناه.
10718 - ولو اصطدم عبدان، فإن كانت القيمتان متساويتين يسقط أحدهما بالثاني على قول التقايض، وإن كانت القيمتان متفاوتتين، فيجري [التّقاصّ] 1 في قدر المساواة والمقدار الفاضل يسقط أيضاًً بسبب فوات المحل، وما ذكرناه من تقدير التقاصّ يجوز أيضاًً على تقدير [تعلق شطر القيمة بالرقبة] 2، وثمرة الكلام انتفاء الغرم، كيف فُرض العبدان.
10719 - ولو اصطدم حر وعبد، فماتا، فالتشطير على ما قدمناه، فيسقط لا محالة نصف الدية ونصف القيمة.
ثم إذا فرعنا على أن العاقلة تحمل [قيمة] 3 العبد، فنقول: يجب نصف قيمة العبد على عاقلة الحر في قولٍ، أو في مال الحر في القول الآخر، وتجب نصف دية الحر في نصف القيمة، وقد يُفضي الأمر على هذا الترتيب إلى تفصيلٍ نذكره.
فنقول: إن قدرنا الوجوب في المال، فيتقاصّان في القدر الذي يستويان فيه، فإن كانت القيمة أكثر، فالفضل لمالك العبد، وإن أوجبنا على العاقلة نصفَ قيمة العبد،
فنصف دية الحر تتعلق به 1، ويؤول حاصل الأمر إلى أن ورثة الحر يأخذون من عاقلته مقدار نصف الدية، وسبب ذلك وجوبُ نصف قيمة العبد أولاً من عاقلة الحر، [ثم نصف دية الحر متعلق بها، فرجع الحاصل إلى أن ورثة الحر يأخذون من تركة الحر بمقدار نصف الدية، ولكن السيد يطالب العاقلةَ أولاً بنصف قيمة العبد، ثم يؤدي إلى ورثة الحر؟ 2 نصفَ دية الحر، فإن شاء أخرجه من سائر ماله واستبقى لنفسه ما أخذه، وإن شاء، وفّر نصفَ الدية من نصف القيمة.
10720 - وقد يتعلق بهذا المنتهى [مساءلةٌ] 3 عن أصلٍ، وهو أن العبد إذا جنى، وتعلق الأرش برقبته، فجاء أجنبي، وقتل هذا العبدَ، فلسيد العبد مطالبته بالقيمة، فلو امتنع عن مطالبته، فهل يثبت للمجني عليه مطالبةُ قاتل العبد الجاني بالقيمة؛ حتى تكون [وثيقةً] 4 بحقه؟ ولمالك العبد الجاني الخِيَرة؛ وكذلك لو قتل أجنبي العبد المرهون فللمالك مطالبتُه بالقيمة بحق الملك، وهل يثبت للمرتهن مطالبة القاتل؟ الوجه عندنا في هذه المسائل إثباتُ حق المطالبة للمجني عليه والمرتهنِ، والذي يحقق ذلك أن الراهن لو قتل العبد المرهون، فالمرتهن يطالبه ببدل القيمة ليكون رهناً، فإذا كانت المطالبة تتوجه على المالك نفسِه من جهة المرتهن، فلأن تتوجه على الأجنبي أولى.
ثم هذا القياس يُثبت لورثة الحر مطالبةَ عاقلة الحر بمتعلَّقهم من قيمة العبد، فإن نصف قيمة العبد وإن كان ملكاً لمالك العبد، فيتعلق به [حق] 5 توثق ورثة الحر.
فخرج من ذلك أن ما ضرب على العاقلة، فهو ملك مالك العبد، ولكن يتعلق به نصفُ دية الحر تعلّقَ الأرش برقبة الجاني.
10721 - ولو اصدمت حرتان حاملان وماتتا، وانفصل الجنينان ميتين بسبب الاصطدام، فيهدر نصف دية كل واحدة من الحرتين، ويجب نصف دية كل واحدة منهما على عاقلة الأخرى، على القياس الممهّد في الباب.
وأما الجنينان فلا [يهدر] 1 شيء منهما، بل يجب الغرمان بكمالهما، والسبب فيه أن [تلف] 2 كل جنين حصل بسببين: أحدهما -[فعل أمه] 3 الحامل به، والآخر صدمة الأخرى، والسببان جميعاً مضمّنان.
أما تضمين الصادمة الأخرى، فبيّن، وأما تضمين [الأم] 4، فلائح أيضاً، والأم لو جنت على نفسها، [وأجهَضَتْ جنيناً، وعالجت واستبلّت] 5، فعليها الغرة، وهي لا ترث والحالة هذه من الغرة شيئاً؛ فإنها قاتلة، وليس للقاتل من الميراث شيء.
فظهر أن كل واحد من الجنينين مضمون بكماله، غيرَ أن الجناية على الجنينين شبهُ عمد أو خطأ، على ما سيأتي تفصيل كمال [أحكام] 6 الأجنة -إن شاء الله تعالى- فيجب على عاقلة كل واحدة من الحرتين نصف غرة جنين تلك الحرة التي [تلزم] 7 عاقلتها بجنايتها على جنين نفسها، ويجب عليهم أيضاً نصف غرة جنين الحرة الأخرى بجناية هذه عليه بالصدمة، فنجمع على كل عاقلة غُرةً كاملة، وهي نصفا غرتين.
هذا بيان اصطدام الحرّتين.
وأما الكفارة، فإن رأينا إيجاب الكفارة على الإنسان بسبب قتله نفسه، فعلى كل واحدة من الحرتين أربعُ كفارات: كفارتان بسبب جنايتها على نفسها وعلى جنينها،
وكفارتان بسبب الجناية على الحرة الأخرى وجنينها.
وإن قلنا: لا يجب على الإنسان الكفارة بسبب قتله، فعلى كل واحدة ثلاث كفارات: واحدة بسبب جنايتها على جنينها، واثنتان بسبب الجناية على الحرة الأخرى وجنينها، وسنمهد في الكفارات أن طائفة لو اشتركوا في قتل إنسان، وجب على كل واحد منهم كفارة كاملة.
10722 - ولو اصطدم أما ولد، فلا يخلو أن تكونا حاملين أو حائلين، فإن كانتا حائلتين وكانتا لسيدين، فيهدر نصف كل واحدة منهما، لما تقرر في الباب، فننظر: فإن كانت قيمتاهما متساويتين، والتفريع على قول التقاصّ، فيسقط حقاهما بالتقاصّ، ولا مرجع لكل واحد منهما على الآخر.
وإن كانت القيمتان متفاوتتين، مثل أن كانت قيمة واحدة مائة وقيمة الأخرى مائتان، فهذه المسألة وأمثالها هينة في مأخذ الفقه، ولكن قد [يُحْوِج] 1 النظر فيها إلى أدنى تأمل.
وليقع التفريع على ما هو المذهب، وهو أن السيد يضمن أم الولد إذا جنت بأقل الأمرين من القيمة وأرش الجناية، فسبيل الخوض في الكلام أن نقول: هَدَرَ النصفُ من كل واحدة، ثم على صاحب المستولدةِ القليلةِ القيمة مائةُ درهم، فقد استوت القيمةُ والأرش، فالواجب على السيد مائةٌ.
ومما يجب التنبه له أن المستولدة، وإن كانت مصدومة، فهي صادمة والصدمة مضافة إلى جملتها، وإن كان نصفها مضموناً، فهذا لا يمنع من إضافة الجناية إلى جملتها، فإن من جُرح، ثم إنه جَرح، فكونه مجروحاً لا يمنع تعرضه لحكم الجراحة التي صدرت منه.
ومن أسرار هذا الفصل أن العبد الذي قيمته خمسون وهو قيمته حالة جنايته، فإن خطر لناظر أن المستولدة القليلة القيمة قيمتها خمسون، لأنها قد صُدمت وأثرت الصدمة في بعضها، قيل: هذا خيال لا تحصيل له؛ فإن مسألة الصدمة تفرض في
وقوع الاصطدام بين شخصين من غير فرض تقدم وتأخر، ولما وجدت الصدمة بينهما كانت القيمة حالة الصدمة مائة، ولهذا قلنا تعتبر القيمة بالمائة.
وقد نعود إلى هذا [بكلام] 1 أبْينَ منه.
وأما سيد المستولدة الكبيرة القيمة، فإنه لا يغرم إلا خمسين؛ فإنه الأرش، فيجتمع مائة على واحد، وخمسون على الآخر، فيقع التقاص في مقدار خمسين، ويبقى لسيد المستولدة الكبيرة القيمة خمسون درهماً على سيد المستولدة القليلة القيمة.
ولو كانت قيمة إحداهما مائة وخمسين، وقيمة الأخرى مائة، فيهدر من [كل] 2 واحدة نصفها، وعلى مالك القليلة القيمة خمسة وسبعون درهماً إلى أن نذكر التقاصّ، وعلى مالك الكبيرة القيمة خمسون، وكما قدمنا، الأرشُ أقلّ في هذه المسألة من قيمة الجانية، ثم يقع خمسون بخمسين قصاصاًً، ويبقى لمالك الكبيرة القيمة على الآخر خمسة وعشرون درهماً.
هذا قياس الباب.
وإن كانت قيمة إحداهما مائة وقيمة الأخرى خمسون فهَدَرَ من كل واحدة نصفها على القاعدة المعلومة، وعلى مالك القليلة القيمة خمسون، وعلى مالك الأخرى خمسة وعشرون.
وعقْد الباب هو أنه مهما تفاوتت قيمتاهما، فإنا نوجب لسيد الكثيرة القيمة على سيد الأخرى نصفَ التفاوت، ويتقاصّان في الباقي، فإن كانت قيمة إحداهما مائة والأخرى مائتان، فالتفاوت بينهما بمائة، فحاصل الجواب أن لصاحب النفيسة نصفُ هذا المقدار الذي حصل التفاوت به.
وإن كانت قيمة إحداهما مائة وخمسين وقيمة الأخرى مائة، فالتفاوت خمسون، ولصاحب الكثيرة القيمة نصفُ هذا المقدار الذي وقع التفاوت به وهو خمسة وعشرون، ويقع التقاصّ في الباقي.
هذا كله إذا اصطدمت أما ولد، وكانتا حائلتين.
10723 - فأما إذا كانتا حاملين بولدين حرين، واصطدمتا وهلكتا وأَجْهضَتا جنيناً، فلا يخلو إما أن يكون للجنين وارث سوى المولى، أو لم يكن له وارث سوى المولى، فإن لم يكن له وارث سوى المولى، وكانت المستولدتان متفقتي القيمة، فقد هَدَرَتَا وهَدَرَ الجنينان على أصل التقاصّ؛ لأن أرش جناية كل واحدة منهما كأرش صاحبتها وقيمتها، أما التساوي في القيمة، فبئن، وأما أرش الجناية، فنعني به [الغرة، والغرتان] 1 لا محالة متساويتان؛ فإن الجنينين حران.
وإن كانتا مختلفتي القيمة، فإن كانت قيمة إحداهما مائة وقيمة الأخرى مائتان، [فالأرش لا] 2 يتفق لا محالة، فالتي قيمتها مائة جنايتها على الأخرى مائة ونصف غرة، فنفرض قيمةَ نصف غرة عشرين درهماً مثلاً، والتفريع على أن السيد لا يلتزم إلا الأقل، وقيمة المستولدة القليلة القيمة مائة، وما يتعلق بجنايتها مائة وعشرون، فيستحق سيد الكبيرة القيمة على سيد القليلة القيمة مائةَ درهم، وهي قيمتُها؛ لأنها أقل من أرش الجناية، [وسيدها] 3 يستحق على سيد الكبيرة القيمة سبعين درهماً، خمسون نصف قيمة المستولدة، وعشرون نصف الغرة، والأرش أقل من قيمة الجانية في هذا الجانب، فيقع التقاص في سبعين، وبقي لسيد الكبيرة القيمة ثلاثون.
هذا كله إذا لم يكن للجنين وارث سوى المولى، فأما إذا كان للجنين من الجانبين [وارث] 4 سوى المولى، ولا يتصور [وارث للجنين] 5 مع الأب إلا أم الأم في هذه الصورة، وإذا كان لكل جنين أم أم، فإنها تستحق سدس الغرة، ولا يضيع من حقها شيء؛ فإن الجنين من كل جانب تلف بجناية [أمه] 6 إذا صَدَمت وبجناية
الأخرى 1، ويجب على السيدين أن يضمنا [لأم الأم] 2 سدسها: هذا يضمن نصف سدس غرة، وهذا يضمن نصف سدس، فيكمل [للجدة] 3 سدسها على الترتيب الذي ذكرناه.
10724 - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه لو ركب صبيّان دابتين، واصطدما، وهلكا، وهلكت دابتهما، فلا يخلو إما أن يركبا بأنفسهما أو يُركبهما غيرُهما، فإن [ركبا بأنفسهما] 4، ثم جرى ما ذكرناه، فيهدُر من كل واحد منهما ومن دابته النصف، ويجب نصفُ قيمةِ كل دابة في مال الآخر، وأما نصف الدية، فإن اصطدما مدبرين، فالدية مخففة، فيجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه مخففاً، فإن اصطدما مقبلين، فحكم الدابة ما ذكرناه، وأما الدية فشطرها من كل واحد على القياس الذي قدمناه، والكلام في التغليظ والتخفيف.
وهذا ينبني على أن الصبي هل له عمد أم لا؟ وفيه القولان المشهوران، فإن قلنا: لا عمد للصبي، فلا يقع فعله أيضاًَ شبهَ عمد؛ فإن شبهَ العمد إنما يتصوّر ممن يتصور منه العمد المحض، فالدية مخففة تجب على كل واحد منهما نصفُ دية الآخر مخففاً، كما قدمناه.
وإن قلنا: للصبي عمدٌ، فالاصطدام الواقع منهما على صفة الإقبال شبه عمد، فيجب على عاقلة كل واحد نصفُ دية صاحبه مغلظاً.
هذا إذا ركب الصبيان بأنفسهما، فيما بينهما.
10725 - فأما إذا أركبهما مُركبٌ، لم يخل ذلك المُركب إما أن يكون وليّاً [أو أجنبياً] 5 فإن أركبهما أجنبي، فما يتلف أبداً منهما مضمون على الأجنبي، حتى لو
أركب أجنبيٌّ صبياً دابةً، فرفست إنساناً، أو [أتلفت] 1 شيئاًً، فضمانه على المُركب.
فإذا اصطدما، لم يهدر من الصبيين شيء، ونظر، فإن [كان] 2 المركب واحداً، فقيمة الدّابتين في ماله، ودية الصبيين على عاقلته.
وإن أَركب الصبيين مُركبان أجنبيان، فلا يهدُر 3 شيء من الدابتين والدّيتين، ويضمن كلُّ مُركب نصفَ الدابّة التي أركبها الصبي، وهذا هو النصف الذي يُنسب تلفه إلى صدمة الصبي؛ فإنه محال على إركاب من أركبه، والمُركب الآخر يضمن نصف هذه الدابة، [فتصير كل دابة مضمونة على المُركبين نصفاً نصفاً] 4، والديتان لا تَهدُِران أيضاًً، ويجب على عاقلة كل واحد من المُركبين نصفا ديتين، على حسب ما ذكرناه في القيمتين.
10726 - هذا إذا كان المُركب أجنبياً وأما إذا كان أركبهما وليان، فإن كان على خلاف المصلحة، وقد تعدّيا فالتعدّي يضمِّنهما كما يضمّن الأجنبي، وإن كان [إركاب] 5 [الولي] 6 محموولاً على المصلحة، فاتفق منه ما ذكرناه، فهل يتعلق الضمان بالوليين؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يتعلق الضمان بالوليين، ويصير كما لو ركب صبيان بأنفسهما، وقد مضى التفصيل فيه إذا ركبا بأنفسهما، ووجه ذلك أن ما يفعله الولي، فهو محمول على المصلحة إذا أمكن الحمل عليها، فإذا أفضى إلى تلفٍ، فهو محمول على الوفاق.
والوجه الثاني - أن الضمان يتعلق بالوليين؛ فإن إركاب الصبيين، وإن كان لمصلحة مضمونة، [فالغررُ] 7 فيه بيّن، ولا يسوّغ مثل هذا إلا على شرط ضمان السلامة في العاقبة.
وهذا غير سديد، والأصح الأول.
ثم الوجهان عندي فيه إذا ظهر ظن السلامة، فأما إذا أركب الولي الطفلَ دابة شرسة جموحة، فلا شك أنه يتعرض للضمان.
وإن مست حاجة مرهقة إلى إركاب الصبي في [نقلة] 1 لا بد منها، فهذا -وإن أفضى إلى الهلاك- لا يوجب الضمان، وهو بمثابة ما لو عالج الولي الصبي بالفصد عند إشارة الأطباء بذلك، فإذا أفضى إلى الهلاك، فلا ضمان، والوجهان فيه إذا ظن السلامة، وكان لزينةٍ 2 أو حاجة قريبة، فينتظم إذ ذاك الخلاف، وما من مسألة من مسائل اختلاف الأصحاب إلا وفيها غائلة يتعين البحث عنها.
فصل
قال: "وكذلك لو رموا بالمنجنيق ... إلى آخره" 3.
10727 - إذا رَمى رجل بحجر المنجنيق إنساناً، وقصده بعينه، وكان مما يتأتى القصد فيه على التعيين، فهذا عمدُ قودٍ، وإن رمى بالحجر طائفةً وقصدَهم، وكان لا يتأتى قصد واحد منهم بعينه، ولكن كان يعلم أن الحجر يصيب واحداً منهم، فإذا أهلك واحداً منهم على الوجوه التي ذكرناها، فلا يجب القصاص عليه؛ لأنه لم يقصد شخصاً متعيناً، وإنما يتحقق العمد إذا قصد بفعله شخصاً معيناً وأماته، وكان ذلك الفعل إنما يقصد به ذلك المعيَّنُ، وهو يُفضي إلى القتل غالباًً.
ولهذا قلنا: إن من أكره رجلاً على أن يقتل رجلاً من رجالٍ، وقال: إن لم تقتل واحداً منهم، قتلتك، فإذا قتل واحداً منهم، لم يكن مكرِهاً، ولم يجب القصاص عليه، وكما خرج المكرِه عن حقيقة الإكراه الموجِب للقصاص، كذلك يخرج الرامي عن كونه عامداً إذا كان لا يقصد شخصاً بعينه.
وقد يختلج في نفس الفقيه من هذا شيء، سيما إذا كان القوم محصورين في موضع، وقد سدد الجاني عليهم، وكان على علم بأنه لو أراد، لأتى على جميعهم واحداً واحداً، فقصد ذلك واعتمده، وأتى عليهم، وحقق قصده فيهم، فإذا تُصورت المسألة بهذه الصورة، فالذي أراه وجوبَ القصاص على الرامي.
وإنما [يستدّ] 1 ما قدمته لو قصد أن يصيب واحداً منهم لا بعينه، أو عدداً مخصوصاً منهم، فإذ ذاك يتجه ما ذكره الأصحاب.
وعلى هذا أقول: لو أكره رجل رجلاً على أن يقتل جماعة، وأخبره أنه إن بقَّى واحداً منهم، قتله، فإذا قتلهم وحقق ما استدعاه المكرِه، فالقصاص يجب على المكرِه، وإن كان المكرَه في كل قتل يُقدم عليه غيرَ محمول في عينه على القتل، من جهة أنه كان يُقدم على من يريد منهم إلى الاستيعاب والإتيان عليهم أجمعين.
10728 - ومما يتعلق بما نحن فيه أن عشرة لو اجتمعوا على حذف المنجنيق ورَمْي الحجر بالآلة العتيدة 2 للرمي، فرجع الحجر على الجانقين 3 وقَتَلهم، وقد اشتركوا في الرمي، فصار انقلاب الحجر عليهم مُحالاً على أفعالهم، فقياس الباب في ذلك أن نهدر [من] 4 دية كل واحد منهم [عُشرها] 5 [ويبقى] 6 تسعةُ أعشار دية كل واحد من الجانقين على عواقل أصحابه، ولو رجع ذلك الحجر على واحد منهم وقتله، فَهدَرَ 7 عُشرُ ديته بمشاركته إياهم في الرمي، [وبقي] 8 تسعة أعشار ديةٍ على عواقل الباقين وهذا بيّن لا غموض فيه.
10729 - قال: "وإذا كان أحدهما واقفاً، فصدمه الآخر، فدية الصادم هدر، ودية صاحبه على عاقلة الصادم" 1 هذا نصه هاهنا، ونص على أنه [إذا نام في الطريق أو قعد] 2، فتعثر به إنسان وماتا فتجب دية الصادم بكمالها على عاقلة المصدوم، وتهدُر ديةُ المصدوم، فمقتضى النصين مختلف؛ فإنه جعل الصادم هدراً [والمصدوم مضموناً بكماله] 3 في نص، و [في نصٍّ آخر] 4 جعل المصدوم هدراً والصادم مضموناًً بكماله، ولكن إحدى المسالتين مفروضة في القائم الواقف، وفيها أهدر الصادم، والمسألة الأخرى في [النائم] 5 والقاعد، وفيها أهدر المصدوم.
فمن أصحابنا من جعل في المسألتين [قولين] 6 بالنقل والتخريج: أحدهما - أن دية الصادم هدر في المسالتين؛ فإنه المتحرك الفاعل، فيجب إحالة الهدَرَ عليه، فهَدَر هو في نفسه، ويجب ضمان المصدوم على عاقلته.
والقول الثاني - أن المصدوم يهدر؛ فإن [الجادّة للطروق] 7، فمن وقف بها، فموقفه بين أن يمتنع وبين أن يكون على [شرط] 8 السلامة؛ فإن الطرق مهيأة معدّة للطارقين، وما عدا الطروق في حكم ما لا يقصد.
ومن أصحابنا من أجرى النصين على ظاهرهما، وهو الذي صحّحه القاضي، والفرق أن وقوف الواقف إنما لا يخرج عن المقصود المطلوب في الطريق، وقد يقف الواقف لانتظار واحد، أو للاسترواح بعد إعياءٍ وكلالٍ، أو لنفض غبارٍ؛ فلا ينسب الواقف في وقوفه إلى الخروج عن مقصود الطريق.
وأما النوم والقعود، [فليسا] 1 من مقاصد الطرق، لأنها لم تهيأ لهما؛ فانتسب النّائم والقاعد بالنوم والقعود [في] 2 الطريق إلى التفريط، ثم يخرّج القعود والنوم على قياس نصب الأحجار في الطرق الواسعة والضيقة، على ما سيأتي تفصيل هذه الأجناس، وما يوجب الضمانَ منها وما لا يوجب، عند ذكر حفر الآبار، إن شاء الله عز وجل.
فهذا مجموع ما ذكره الأصحاب.
10730 - وقد انتظم من كلام الأصحاب أن الفعل في التحقيق صادر من الصادم لا غير، ولكن تردد النظر في أن الوقوف والقعود والنوم من باب التعدِّي بنصب الأحجار واحتفار الآبار، حتى يضمن المصدومُ الصادمَ أم لا؟ فرجع التردد إلى هذا: فمن جعل المصدوم متعدّياً أو منتسباً إلى عدوان أهدره في نفسه، وأوجب ضمان [الصادم] 3.
ومن الأصحاب من لم ينسب الواقف والنائم والقاعد إلى العدوان، والفعل على هذا صادر من الصادم، فعليه الضمان، فهو يهدر في نفسه.
فمضمون الفصل خارج عن مقتضى التصادم؛ فإن التصادم فعلان صادران من المصطدمَيْن هاهنا، فترتب عليه التشطير في الإهدار والضمان، وهذا المعنى لا يتحقق في مضمون هذا الفصل، [فليتنبه] 4 الناظر له.
ومن فرق بين القائم والقاعد، فهذا أيضاً خارج عن مقصود الباب، والغرض منه راجع إلى تفصيل من يكون معتدياً في حالاته ومن لا يكون معتدياً.
10731 - ولما ذكرنا اصطدام المستولدتين لمالكين أشرنا إلى إشكال، ورمزنا إلى الجواب عنه، ثم رأينا أن نؤخر استقصاءه إلى انقضاء قواعد الاصطدام، حتى يكون
التعرض له بعد الإحاطة بأصول الاصطدام، وهذا أوان الوفاء بالموعود، فنقول: إذا اصطدم أمّا ولد لمالكين، وكانت قيمتاهما متفاوتتين، فلا شك أن النصف من كل واحدة يهدر لانتسابها إلى [الصدمة] 1، ثم بنينا تلك المسائل بأجمعها على أصل التقاصّ، وعلى أن الفداء يقع بأقل الأمرين على الأرش أو القيمة، ثم أنهينا الكلامَ إلى تضمين مالك المستولدة القليلة القيمة، وقلنا: إنه يمثل في ضمانه نصف قيمة المستولدة الكثيرة القيمة، وهو الأرش، والنصف ساقط لصدمها، فهذا هو الأرش، ثم قلنا: سيد القليلة القيمة يغرم [الأقل] 2 من الأرش أو تمام قيمة المستولدة القليلة القيمة، وعللنا ذلك بأن الصدمة جرت من جملة المستولدة لا من بعضها، فاعتبرنا في المعادلة بين الأرش وبين القيمة تمامَ قيمة المستولدة.
وهذا وضع ابتداء الإشكال، فنذكر الإشكال في صيغة سؤال، ثم نوضح الجواب عنه، فيتم الغرض في هذا الفن، إن شاء الله عز وجل.
فإن قيل: لم اعتبرتم تمام قيمة المستولدة القليلة القيمة في المعادلة بين القيمة والأرش، وهي كما 3 صدمت، فتحصل صدمتها مع النقصان فيها؟ وأصل الاصطدام يتضمن إسقاط النصف من كل صادم، وإذا كان يُسقط نصف القيمة [فكيف] 4 نعتبر تمام قيمتها غير مصدومة؟ ولا شك أن قيمة المستولدة الجانية [يهدر] 5 نصفها.
وهذا السؤال واقعٌ، والجواب عنه يوضح الغرض.
فنقول: الصدمة من طريق العقل صدرت من جملتها حساً، كما ذكرناه، وأما النقصان بالصدمة، فتجوّزٌ من جهة سيد الكثيرة القيمة، والنصف الذي يضاف تلفه إلى فعل الصادم لا يتغير الحكم بتلفه، وهو بمثابة ما لو جنت المستولدة، وماتت حتف أنفها، ولو فرض ذلك، لوجب الضمان على السيد، فإنه إنما يضمن الفداء لتقدم
الاستيلاد، والمنعُ حصل بذلك الاستيلاد المتقدم لا غير، فانتظم من هذا أن المستولدة جنت بجملتها، وضمن سيد المستولدة الكثيرة القيمة نصفها، وأهلكت المستولدة القليلة نصفَ نفسها، وإتلافها نفسها، لا يحط الضمان عن مولاها، فلم يبق إشكال؛ لأنه يجب عليه تمام قيمتها، وذلك ما أردنا أن نبين.
فصل
قال: "وإذا اصطدمت السفينتان فتكسرتا ... إلى آخره" 1.
10732 - إذا اصطدمت السفينتان، فلا يخلو إما أنهما اصطدمتا بفعل القائمين بهما المُجريَيْن لهما، أو حصل الاصطدام بدون فعليهما، فإن اصطدمتا بفعل المُجريَيْن، نُظر، فإن كانا متبرعَيْن بحمل الأمتعة والركبان، وما كانا أجيرين، فلا يخلو إما أنهما تعمدا الصدم، أو توانيا، أو اختبطا، فإن تعمدا الصدم، فلا يخلو: إما أن يتعمدا صدماً يغلب الكسر منه والغرر منه، أو يتعمدا صدماً لا يغلب الكسر منه.
فإن تعمدا صدماً يغلب الكسر منه، وكان في كل سفينة عشرة أنفس، فإذا اعتمدا، أو اصطدما قصداً اصطداماً يُفضي إلى الهلاك، فقد أهلكا عشرين نفساً إهلاكَ قصاص، وكان هذا كما لو اشترك رجلان في قتل عشرين نفساً، فيجب لأولياء [القتلى] 2 القصاص عليهما، ثم وقع الإهلاك معاً.
ونحن لا نرى القتل بالجميع، فنُقرع بين أولياء القتلى، فمن خرجت له القرعة سُلّم إليه القائمان بالسفينتين المُجريان لهما، وقُدِّرا كالقاتل الواحد، وقُتلا بشخصٍ واحد؛ فإنهما اشتركا في قتل واحدٍ من ركبان السفينة، ثم يجب عليهما [تسعةَ عشرَ] 3 دية فتؤدَّى الديات من تركتهما، فلكل واحد من القتلى سوى [القتيل] 4 الذي قُتل القائمان به نصف الدية في تركة كل واحد من القائمَين، فنجمع على تركة كل واحد
منهما [تسعَ] 1 ديات ونصف، وعلى كل واحد منهم في تركته عشرون كفارة، لأنهما اشتركا في قتل عشرين، وعلى كل واحد منهما نصفُ قيمة ما في السفينتين من الأموال، فلا يهدر من المال شيء؛ فإن المسألة مفروضة فيه إذا لم تكن الأموال للقائمَيْن [بالسفينتين] 2. وهذا بيّن.
والسفينتان مملوكتان للمجريَيْن فَهَدَرَ 3 نصفُ كلّ واحد لانتساب مالكها إلى الصدمة، ويجب على كل واحد نصف قيمة سفينة صاحبه على القياس المعلوم في باب التصادم [وأقاويل] 4 التقاصّ، فإن استوت القيمة، وفرعنا على التقاص، سقط ضمان السفينتين، وإن تفاضلتا، فعلى الذي قيمة سفينته أقلُّ [الفضلَ للّذي] 5 قيمةُ سفينته أكثرُ.
هذا إذا تعمدا الصدم، وكان ذلك الصدم مما يغلب الإهلاك منه.
10733 - فأما إذا تعمدا الصدم، وكان الغالب أنه لا يُفضي إلى الأهلاك، فالذي جرى منهما شبه عمد، فلا قود، ولا تجب الدية في مالهما، وإنما تجب مغلظة على العاقلة، ولا يَهدُُِر من الديات شيء، ولا من الأموال التي حملاها في السفينتين، وضمان المال على المُجريَيْن.
10734 - فإن جرى ما جرى خطأ، فهو كما ذكرناه، إلا أن الديات تكون مخففة، وباقي التفريعات، كإيجاب الكفارات مجراةٌ على القواعد والأقيسةِ التي مهدناها.
10735 - ولو كان [القائمان بالسفينتين أمناء أو أجراء،] 6 يعملان لمالكي
السفينتين، فحكم العاملَيْن بإذنهما حكم القائمَيْن 1 في الأقسام التي ذكرناها، من العمد المحض وشبه العمد والخطأ، ويتعلق بهما من الحكم ما يتعلق بالقائمَيْن لو كانا هما المجريين، والقصاص عليهما في حالٍ مع الديات، والديات على عواقلهما في حال، ويضمنان [شِحنة] 2 السفينتين بكمالهما، لا يضيع منها شيء، فإن شِحنة كل سفينة تلفت بإجرائها مجرى السفينة الأخرى، فلا يفوت من الضمان شيء، ويضمن [الأجراء] 3 السفينتين بكمالهما لا يضيع منهما شيء.
وفي هذا المعنى تنفصل مسألة الأجراء عن مسألة القائمَيْن المالكَيْن للسفينتين، فإن المالكَيْن يهدر نصف سفينة كل واحد منهما، فإن فعل المالك في ملكه [يهدُر] 4 على التفصيل الذي تقتضيه قاعدة الصدمة، [والأجيران] 5 ليسا مالكين للسفينتين، فإن قيل: إذا فرض من [الأجيرين] 6 خطأ، فلِمَ نُضمّنهما؟ قلنا: [الأجير] 7 يضمن العمدَ والخطأ، وإنما يختلف القول فيما يتلف تحت يد الأجير من غير فعل من جهته.
فإن قيل: أليس يختلف قول الشافعي في الأجير المشترك إذا قَصَرَ الثوب وخرقه؟
قلنا: إن تعدى، ضمن، وإن جاوز حد القِصارة المطلوبة منه، فأدى مثلُ تلك القِصارة إلى عيب، فهذا ليس إتلافاً غيرَ مأذون فيه، وما نحن فيه مفروض فيه إذا جرى الاصطدام منسوباً إلى فعليهما، وليس في استئجارهما ما يتضمن إذناً فيما جرى من الاصطدام، وهذا واضح لا خفاء به.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الاصطدام بسبب فعليهما، وكانا يُجريان السفينتين عمداً أو خطأً.
10736 - فأما إذا جرى ما جرى وهما مغلوبان: غلبهما الرياح، وسقط [اختيارهما] 1 في الإجراء من كل وجه، فنفرض الكلام فيه إذا كان يتولى أمر السفينة مالكها، وهو مجريها، فاتفق ما وصفناه، ثم نذكر لو كان المجري أجيراً: فإن كان المجريان -كما ذكرناه- القائمَيْن المالكَيْن، وكانا متبرعين من غير أجرة 2، فهل يتعلق بهما الضمان إذا غُلبا، وسقط اختيارهما، والمسألةُ في ركبان السفينة وما فيها من [شِحنة] 3 حَسَب ما مضى، لم يتغير منه شيء إلا الغلبة، ففي المسألة قولان منصوصان: أحدهما - أن الضمان لا يتعلق بهما أصلاً.
والقول الثاني -[يتعلق بهما الضمان] 4 كما لو كانا مجريَيْن [باختيار فاختبطا] 5.
ثم قال أئمتنا: قد ذكرنا قولين في اصطدام الفارسين إذا غلبهما فرساهما، فنرتّب السفينةَ على الدابة، ونجعل ما يجري [بغلبة] 6 الرياح أولى بإسقاط آثار الضمان؛ فإن البحر إذا هاج، فيغلب سقوطُ الاختيار، وليس ذلك أمراً نادراً، وهو وجه الخطر في ركوب البحر، وسقوطُ اختيار الراكب 7 بالكلية يعد من النوادر.
ثم ذكر العراقيون في تصوير الغلبة، وسقوط الاختيار وجهين: أحدهما - أن معناه أن تهيج الرياح حيث لا [يتسنّى] 8 مدفع [ولا يتأتَّى إمكان] 9 صرف ودفع الاصطدام [ولا يشترط] 10 في تصوير هذه الحالة ألا تتقدم حالة اختيار أصلاً.
[هذا وجه من الذي ذكره الأئمة] 11.
وذكروا وجهاً ثانياً في تصوير الغلبة فقالوا: إنما يثبت حكم الغلبة إذا كانت السفينتان في المرسى، [فهيَّآ قلوعهما] 1 واقتلعا [الأوتاد] 2، وهمّا بالإجراء، فهاجت ريح غالبة لا تقابَل باختيار، وجرى ما جرى، فليس في هذه الصورة [لهما جَرْيٌ] 3 وتقدم اختيار، أصلاً، فيخرّج القولان والحالة هذه.
وأما إذا عُهد منهما فيما تقدم من الوفاق اختيار، ثم سقط الاختيار، وجرى هذا طارئاً، فهذا يلتحق بالخطأ، كما تقدم تصوير الخطأ.
هذا ما ذكره العراقيون في التصوير، [وطريقه] 4 أن يقال فيما يراعى في التصوير: ألا يتجاريا على مقتضى الاختيار، بحيث يفرض الاصطدام لو هاجت الرياح [واغتلم] 5 البحر، فإنهما إذا اختارا أن يتجاريا والبحر عرضة للهَيْج، فليس ذلك نادراً منه، فهذا منهما [تسبّب] 6 إلى الصدمة ظاهر.
فأما إذا لم يجر منهما اختيار في التجاري، وجرى ما جرى من اقتراب السفينتين واصطدامهما -بعد الاقتراب- ضرورياً 7، فهذا محل القولين، فينتظم أوجه في تصوير القولين، ويترتب عليهما اختلاف الأصحاب في الأقوال: [أحد] 8 الوجوه-[أن] 9 الغلبة مهما 10 جرت، [فلا] 11 حكم للاختيار قبل جريانها، وإنما الاعتبار بالحال.
والوجه الثاني - أنا نشترط ألا يتقدم اختيار بالإجراء أصلاً، وهذا أحد
ما ذكره العراقيون، وهو سرف، والوجه الثالث - ألا يتقدم اختيار في المجاري، ولو اقتربت السفينتان اقتراباً [يغلب من حاله] 1 سقوط الاختيار في الصرف [فلا] 2 يجوز أن يكون في مثل هذا اختلاف؛ [فإن] 3 الاقتراب المفرط سببٌ إلى الاصطدام، فهذا منتهى القول في تصوير الغلبة.
التفريع:
10737 - إن قلنا: يجب الضمان وإن غلبت الرياح وسقط الاختيار، فهو 4 محمول على الخطأ المحض، فيجب.
وإن كان [المُجريان] 5 للسفينة أمينين متبرعين، فجرى ما صورناه من الغلبة، فتفصيل القول في سقوط الضمان وثبوته على المُجريَيْن كتفصيله فيه إذا كانا مالكين، ولا يخفى التفريع.
وإن [كان] 6 المجريان أجيرين، واتفق ما صورناه من سقوط الاختيار، فإن أثبتنا الضمان والمجريان مالكان للسفينتين أو أمينان، فيثبت الضمان، وهما أجيران، وإن قلنا: لا يتعلق الضمان والمجريان مالكا السفينتين، فإذا كان المجريان أجيرين -وليقع الفرض فيه إذا كانا أجيرين مشتركين- فهذا ينبني على أن الأجير المشترك يده يد ضمان أو يد أمانة، وفرّعنا على أن [الغلبة] 7 تُسقط أثر الاختيار، فلا شيء والحالة هذه على الأجير.
وإن قلنا: يد الأجير يد ضمان حتى لو [تلف] 8 تحت يده ما سلم إليه بآفة سماوية يجب عليه الضمان، فهذا الحكم يقتضي أن نوجب الضمان عليهما في
الأموال المشحونة في السفينتين.
وهذا حيث انتهى التفريع إليه ضمانُ يدٍ، لا فعل.
ثم إنا [نوجب] 1 ما ذكرناه في الأموال التي ليس مُلاَّكها معها؛ إذ لو كان معها ملاكها، فلا يجب الضمان على الأجير بحكم اليد؛ فإن المالك إذا كان حاضراً، فاليد له في ملكه، ولا يد للأجير مع يده، ونحن نفرع على سقوط اختيار الأجير بالكليّة، [وإخراجِهِ] 2 عن كونه فاعلاً أو منتسباً إلى الفعل، وإنما يبقى الضمان على قاعدة تضمين الأجير ما يتلف تحت يده من غير فعل منه، وعلى هذا لا يجب عليهما ضمان النفوس، لأن اليد لا تثبت على الأحرار.
10738 - ولو كان في السفينة عبيد، فهذا يختلف بالقصد والغرض، فإن حملهم [لنقلهم] 3، وما كانوا مستحفظين من جهة ملاك الأمتعة والأموال [، فهم تحت يد الأجير، وحكمهم حكم الأموال، وإن كان ملاك الأموال] 4 استحفظوا عليها العبيدَ في السفينة، فلا ضمان في الأموال؛ فإنها تحت أيدي العبيد، ويد العبد إذا استحفظ بمثابة يد المولى، وقد ذكرنا أن الملاك لو كانوا شهوداً، لم يجب الضمان على [الأجيرين، فكذلك عند وجود] 5 العبيد الحفظة؛ فإنهم نُصبوا مستقلين بالأيدي، ومن يثبت له يد على شيءلم يكن [تحت يد غيره] 6.
هذا بيان الأجيرين، والتفريع على سقوط الاختيار وحكمه.
10739 - فأما إذا جعلنا المغلوب في حكم الفاعل، فيتعلق الضمان بالأجيرين على حسب ما ذكرناه، فيما تقدم، ثم لا يبقى الضمان تمهيداً لعذر الأجير، ولا ينزل ما يُفرض من تلفٍ بمثابة ما لو خرق الثوبَ القصارُ، وقد قال أهل الصنعة: القِصارة
[المستدعاة] 1 في الثوب المسلَّم إليه تخرِق لا محالة [ومعنى ذلك] 2 أن التلف محالٌ على أمرٍ مأذون فيه، وهذا لا يتحقق بسببٍ فيما يتلف بالاصطدام؛ فإنه ليس في الإذن في [إجراء] 3 السفينة بما فيها ومن فيها إذن لأسباب الصدمة.
وهذا المقدار كافٍ في التفريع؛ فما لم نصرح به، فقد [نبهنا] 4 عليه بتمهيد الأصول.
10740 - ومما يتعلق [بتمام] 5 هذا الكلام، أنا إذا رأينا إسقاط الضمان عند جريان الغلبة، فلو اختلف مُجري السفينة -وهو مالكها والقائم بها- وركبانُ السفينة، فقال الركبان: الاصطدام جرى بفعليهما، وادعى القائمون الغلبةَ [وسقوطَ] 6 الاختيار، فقد قال الأصحاب: القول [قول] 7 المجريَيْن، فإن الأصل براءة الذمة عن [إطلاق الضمان] 8، وليس ما ادعاه القائمون من الغلبة أمراً بدعاً في البحر.
ولو فرّعت الدعوى على الأجيرين، فإن قلنا: يد الأجير يد ضمان، فلا معنى لهذا الاختلاف فيما يتعلق بضمان اليد، وإن قلنا: لا يجب ضمان اليد على الأجير، وإنما يجب عليه [ضمان] 9 ما يتلف، فالقول قول الأجيرين أيضاًً؛ [فإن الأصل] 10 براءة الذمة كما ذكرناه في القائمَيْن المالكَيْن للسفينة.
فصل
قال: "وإذا عرض لهم ما يخافون به التلف ... إلى آخره" 1.
10741 - مضمون الفصل في إلقاء الأمتعة في البحر: إذا التطمت الأمواجُ، [وعلت] 2 السفينةَ، فإن ألقى مالك المتاع متاعَه في البحر بنفسه من غير استدعاء آخر منه، فلا ضمان على آخر، ولا يجد مرجعاً، ولا فرق بين أن يكون ذلك في حال خوفِ الغرق، وبين أن يكون في حالة السكون، وغلبة السلامة.
ولو اضطر إنسان في شدة المخمصة، فتقدم إليه مالك طعام، وأوجره من طعام نفسه، وأنقذه [مما به] 3 من الضرورة وشدة الخوف، فهل يرجع عليه بقيمة الطعام؟ فعلى وجهين قدمنا ذكرَهما في أثناء الأبواب، وسنعيدهما في كتاب الأطعمة.
فإن قيل: إذا ألقى متاعه، وكان ذلك سبباً [لإنقاذ ركاب] 4 السفينة، فهلاّ كان هذا بمثابة إطعام المضطر في صورة الوجهين؟ قلنا: المسألة مصورة فيه إذا كان ملقي المتاع في السفينة، وكان يهلِك لو لم يُلق، كما كان يهلِك أصحابه، وحقٌّ عليه أن يخلِّص نفسه عما عرض من خوف الهلاك، فإذا ألقى المتاعَ والحالةُ هذه، فهو ساعٍ في تخليص نفسه، ومؤدٍّ أمراً واجباً عليه في نفسه لنفسه، فلا يرجع بالضمان على أحد، وهذا لا يتحقق في إطعامه المضطرَّ؛ فإن صاحب الطعام لا خوف عليه، فتمحّض الإطعامُ تنجيةً للمضطر، [وتخليصاً] 5 له، وهذا مما اتفق الأصحاب
عليه.
ولو كان صاحب [المتاع] 6 في سفينة أخرى، وكانت سفينته خفيفة،
[وثقلت] 1 سفينةٌ فيها أمتعته، فألقى منها متاعه، ونجا بسببه ركبان السفينة، فالذي دل عليه كلام الأئمة أنه لا يُضمّنهم وإن سعى في نجاتهم.
والفرق بين ما ذكرناه وبين ما لو أطعم مضطراً طعاماً من عند نفسه، وقد ظهر اختلاف الأصحاب في المضطر، وفرض الأئمة ذلك فيه إذا أوْجرَ المضطرَّ من غير إذنٍ [واستدعاءٍ] 2 من جهته، وليس يبعد من طريق القياس تنزيل مسألة [إلقاء زيادة الشِّحنة] 3 منزلة [الإيجار] 4، لكن ظاهر النقل يخالف هذا، وطريق الفرق أن الطعام وصل إلى المضطر قطعاً، ووقع منه الموقع وغذاه، وما ألقاه في البحر بخلاف ذلك.
وهذا [لا يستدّ] 5 مع انعدام الإذن في الموضعين جميعاً.
ولا خلاف أنه لو أطعم من ليس مضطراً ونفعه الطعام [لا يغرَم] 6 شيئاً.
10742 - ولو قال لراكب سفينة: ألق متاعك في البحر، ولم يكن المستدعي في تلك السفينة، فإذا ألقى متاع نفسه باستدعائه، [فلا شيء] 7 على المستدعي، ولا ضمان أصلاً.
وإن قال: ألق متاعك وأنا ضامن، فالضمان لا يلزمه؛ إذ هذه المسألة لها صورتان: إحداهما - ألا يكون ثمَّ خوفٌ، فإذا قال: ألق متاعك وأنا ضامن، فهو بمثابة ما لو قال لإنسان: اخرق ثوبك، واقتل عبدك، وأنا ضامن، فإذا فعل المالك ذلك، لم نُلزم الضامن شيئاً؛ فإن المالك أتلف ملك نفسه باختياره، ولم يرجع منه نفع إلى الضامن، وهذا مغنٍ بوضوحه عن تكلف البسط فيه، وذلك صورة.
والصورة الثانية - أن يكون راكب السفينة مشرفاً على الهلاك لو لم يُلق متاعَه، [فلو] 1 قال - والحالة هذه: ألق متاعك وأنا ضامن؛ فإنما استدعى منه أمراً هو واجب عليه؛ فإنه يجب عليه أن ينجّي نفسَه بإلقاء المتاع، فقد فعل ما هو واجب عليه نحو نفسه، فكان هذا بمثابة ما لو قال للمضطر: كل طعامك وأنا ضامن، فإذا أكله، لم يرجع على المستدعي بشيء.
ولو كان للإنسان متاع في سفينة وفيها راكب، وقد أشرفت على الغرق، فقال رجل لمالك المتاع -ولم يكن مالك [المتاع] 2 في تلك السفينة- فقال له رجل: ألق متاعك [الذي] 3 في تلك السفينة في البحر، وأنا ضامن، فإذا ألقاه، ضمن المستدعي في الصورة التي ذكرناها؛ فإن المستدعي التمس بذلك نجاة أقوام، فكان غرضاً صحيحاً، ولا يمتنع بذل المال لمثل هذا الغرض، والأجنبي [يختلع] 4 المرأة عن زوجها بمالٍ يبذله، وإن كان لا يحصل له في مقابلة ما يبذله شيء، ولكن يسوّغ الشرع ذلك الافتداءَ، وإفادةَ التخليص، فالذي يقبل التخليص من الهلاك أولى، وهذا متفق [عليه] 5.
وقد صورنا المسألة فيه إذا لم يكن صاحب المال في السفينة المشرفة على الغرق، ورجعت النجاة على الركبان الذين ليس المتاع لهم.
10743 - ولو كان صاحب المتاع في السفينة المشرفة على الهلاك، [فقال] 6 قائل ليس في السفينة: ألق متاعك في البحر، وأنا ضامن، فإن لم يكن في السفينة غيرُه، فإذا ألقى، لم يرجع بشيء على الضامن، وقد قدمنا ذكر هذا، وأوضحنا أنه فعلَ واجباً عليه، [ورفْعُ] 7 اللوم وتأديةُ الواجب عليه.
وإن كان معه في السفينة رجل آخر، وقد استدعى المستدعي الإلقاء، وضمن، فقد ذكرنا أن ما يرجع إلى نجاة غير المالك، فهو مضمون، وقد اجتمع في هذه المسألة نجاة مالك المتاع ونجاة غيره، فإذا ألقى المتاع باستدعاء الضامن ما حكمه؟ قال القاضي رضي الله عنه: لا يجب على [المستدعي] 1 إلا ضمان نصف المتاع؛ فإنه قد رجع نصف الفائدة إلى مالك المتاع، ولو كان حقاً عليه أن يُلقي المتاع [وينجو، فما] 2 يرجع إليه لا يضمنه الضامن، كما لو كان منفرداً، ولو كان في [السفينة] 3 عشرة، وصاحب المتاع عاشرهم، فإذا قال: ألق متاعك، وأنا ضامن، فألقى، فالضامن [يلتزم] 4 تسعة أعشار المتاع، ويسقُط العُشر، وهو ما يرجع إلى المُلقي.
فقيل للقاضي: إن كان المسقط [للضمان] 5 في حصة المُلقي أنه يجب عليه أن يلقي، فينجو، فإذا [كان] 6 معه راكب آخر، فحقٌّ عليه أن يخلص نفسه، وهو لا يتخلص إلا بإلقاء جميع المتاع، فوجب ألا يضمن الضامن شيئاًً؛ فإن إلقاء جميع المتاع حتمٌ عليه لنجاة نفسه، فإن جاز أن يلتزم الضامن نصفَ المتاع، لأجل الراكب الذي ليس صاحب المتاع، فينبغي أن يلتزم تمام القيمة لأجله أيضاً، فإن ذلك لا ينجو إلابإلقاء تمام المتاع.
فقال القاضي: هذا محتمل، فنجعله وجهاً، ونقول: في المسألة وجهان: أحدهما - أن الضامن يلتزم الجميع، وهذا الذي ذكره وجهاً مجرداً، هو منصوص الشافعي، وإليه صار الأصحاب.
ووجهه أن هذا الضمان يستقلّ بأدنى فائدة، وقد [تقرر] 7 في قاعدة الفصل أن الإلقاء إذا أفاد نجاة غير المُلقي يجوز ضمانه، وهذا
الإلقاء يُفيد نجاة غير مالك المتاع، ولا يحصل نجاةٌ إلا بإلقاء الجميع [، فلهذا] 1 التعلق يجب أن يصح الضمان في الجميع؛ فإنه إن كان يُنظر إلى نجاة المُلقي، فيجب سقوط الكل؛ لأن نجاته تحصل بإلقاء الكل، هذا وجه.
قال: والثاني -وهو الأصل عنده- أن الضمان يقسط على المُلقي والركبان كما ذكرناه، وسبيل جوابه عما ذكرناه [في] 2 الوجه الأول أنا [إن أضفنا] 3 الإلقاء إلى صاحب المتاع، فموجبه سقوط الضمان، [وإن] 4 أضفناه إلى غيره، فموجبه تمام الضمان، وإذا تقابل الوجهان على النفي والإثبات، [فأصدق] 5 مسلك في ذلك التنصيفُ.
هذا بيان الوجهين وتوجيههما.
10744 - ولو قال واحد من ركبان السفينة: ألق متاعك في البحر على أني ضامن، وكان مالك المتاع في السفينة، [فالضمان] 6 من المستدعي صحيح، كما أنه [صحيح] 7 ممن ليس في السفينة، بل هو بالصحة أولى، وغرض المستدعي إنقاذ نفسه، وتجويزه متجه لا يحتاج إلى تكلف.
وإذا قال من ليس في السفينة: ألق متاعك، فمأخذ تجويزه الحِسبةُ والسعيُ في إنقاذ الغير، وهو [وإن] 8 كان ظاهراً، فالسعي في إنقاذ النفس أولى وأقوى، ثم يرد في ذلك أنه يضمن الجميع [أو] 9 يضمن ما يخصه وغيرَه من الذين ليسوا ملاك المتاع؟ فيه الوجهان [المحرران] 10 الآن.