كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وهما جنسان مختلفان، قلنا: اللبن يُعدُّ جنساً واحداً، وليس يَبين فيه اجتماع أخلاطٍ، ولو سلكنا هذا المسلكَ، لمنَعنا بيع السمسم بمثله، لاشتماله على الثُّقل والدُّهن، ولقُلنا: لا يجوز بيع التمر بالتمر؛ لاشتماله على المطعوم والنَّوى.
واتفق الأصحاب على منع بيع الشَّهد 1 بالشهد، وعللوا بأنه شمع وعسل.
وأوقع عبارة في الفرق بين الشهدِ واللبن أن الشمع غيرُ مخامر للعسل في أصله؛ فإن النحلَ ينسِج البيوت من الشمع المحض، ثم يُلقي في خَللَهِ العسلَ المحضَ، فالعسل متميّز في الأصل، ثم من يشتارُ 2 العسلَ يخلطه بالشمع بعضَ الخلط بالتعاطي والضَّغط، وليس اللبن كذلكَ.
فإن قيل: قد ذكرتم أن اللبن في حكم جنسٍ واحد، لا اختلاطَ فيهِ، فجوّزوا بيعَ اللبن بالسمن بناء على أن اللبن جنسٌ واحد.
قلنا: هذا فيه بعض الغموض من طريق التعليل، ولكنه متفق عليه.
وفي معناه بيعُ السمسم بالشَيْرج، مع تجويز بيع السمسم بالسمسم، وأقصى الممكن فيه أن اللبن إذا قوبل بالسمن، فلا يمكن أن يُجعل مخالفاًً للسمن؛ فإنّ اللبن إذا مُخض يُجمع منه السمن، فإذا لم يكن مخالفاًً للسمن، فإنما يُجانسُه بما فيه من السمن، لا بصورته وطعمه؛ فإن صورته تُخالف صورة السمن، وإذا اعتبرنا السمنَ لما ذكرناه، انتظم منه أنه بيعُ سمنٍ بسمنٍ ومخيض، وأما بيع اللبن باللبن، فيعتمد تجانس اللبن في صفته الناجزة، ولا ضرورة تُحوِج إلى تقدير تفريق الأجزاء، فافهموا ذلك.
فإن قيل: ذكرتم أن منع بيع الشهد بالشهد معلّلٌ بأنه بيعُ شمع وعسل، ثم حققتم ذلك بتميّز العسل في الخلقة عن الشمع، والنوى في الفطرة متميز عن المطعوم في التمر؟ قلنا: الأمر كذلك، ولكن صلاح التمر في ادّخاره في بقاء النوى فيه، فاحتمل ذلك هذه الضرورةَ، وصلاح العسل في تصفيته.
ويمكن أن يقال: الشمعُ في العسل بمثابة العظم في اللحم.
فإن قيل: إذا قلنا: الألبان جنسٌ واحد، فلا يجوز بيعُ لبن البقر بلبن الإبل متفاضلاً، فلو بيع سمن البقر بلبن الإبل، فكيف حكمه؟ وليس في لبن الإبل سمنٌ يتميّز بالمخض والعلاجِ؟ قُلنا: الظاهر أنا لا نجعل لبن الإبل مشتملاً على سمن تقديراً، حتى يقال: هو بمثابة سمن البقر بلبن البقر، ثم إذا كان كذلكَ، فوَراءه احتمالٌ في أن سمن البقر هل يخالف جنسَ لبن الإبل، والتفريع على تجانس الألبان؟ فالظاهر أنه خلافه؛ فيجوز بيعه به متفاضلاً؛ والسبب فيه أنا حكمنا بتجانس الألبان، لاجتماعها في الاسم الخاص، وقد زال هذا المعنى، ولم نُقدّر في لبن الإبل سمناً.
والعلم عند الله.
فهذا تمهيد القاعدة في المختلطات.
2966 - ونحن نبني عليها الآن مسائل في بيع الخلول بعضِها ببعضٍ.
فنقول 1: بيع خل العنب بخل العنب، ولا ماء في واحدٍ منهما جائزٌ، مع رعايةِ التماثل.
وبيع خل العنبِ بخل الزبيب ممتنعٌ؛ لمكان الماء في خل الزبيب.
وعصيرُ الزبيب وخلُّه يجانس عصيرَ العنب وخلَّه.
وبيع خل الزبيب بخل الزبيب ممتنعٌ، لتجانُس الخلَّين، واشتمالِ كل واحد منهما على الماء، فهو من فروع مُد عجوة.
وكذلك يمتنع بيع خل التمر بخل التمر، فأما بيع خل التمر بخل العنب فيخرج على اختلاف القول في تجانس الخلول.
فإن جرينا على الصحيح، وقلنا: هما جنسان، فالبيع صحيح، فإن الخلَّين جنسان، وليس في خل العنبِ ماءٌ، حتى يفرض تقابل الماءين.
وإن قلنا: هما جنس واحد، فيمتنع البيع؛ لأنه بيع خل وماء بخل صرف يجانسه، فكان كبيع خل الزبيب بخل العنب.
وأما بيع خل التمر بخل الزبيب، فيخرج على قول التجانس.
فإن قلنا: هما جنس واحد، فالبيع ممتنع بما يمتنع به بيع خل التمر بخل التمر، وإن قلنا: هما جنسان، انبنى الأمر على أن الماء هل يجري فيه الربا؟ فإن قلنا: لا ربا فيه، صح العقد.
وإن قلنا: فيه الربا، منع الأصحاب البيعَ؛
لجهالة مقدار الماء أولاً، ثم للجمع بينه وبين غيره في الشقين وفي الماء وكونه غيرَ مقصودٍ إشكالٌ 1 سنشرحه في باب الألبان.
فهذا تفصيل بيع الخلول.
فصل
في بيع الألبان وما يُتخذ منها
2967 - لا خلاف في جواز بيع اللبن باللبن، وهذا حالُ كمالٍ فيه، وليس اللبن في ذلك كالرطب؛ فإن الرطب كمالُه عُرفاً في جَفافه المنتظر، واللبن يستعمل أكثره لبناً كذلك، وما يُستعمل من الرطب يُعدُّ تفكهاً بعُجَالةٍ من جنس.
والمقصودُ الأظهرُ منه اقتناؤه قوتاً، وذلك بأن يجفف ويُدَّخر في المخازن، ويقتات على طوال السنة.
ولا يجوز بيع اللبن بشيء يُتخذ منه، لما قررتُه في فصل المختلطات، فينبغي أن يُعلم أن اللبن مشتمل على مخيض وسمن، ثم يُتَّخذ من المخيض إذا مِيز الأَقِطُ والمصل 2، والجُبن يتخذ من اللبن كما هو، ثم إذا مِيز السمن، وبقي المخيض، فلا خلاف أن المخيض والسمنَ جنسان مختلفان، لتباين الصفات، واختلاف الاسم والغرض، ومن مقصود الفصل ما تقدّمَ من [أن] 3 اللبن إذا قُوبل باللبن، كان بمثابة جنسٍ واحد يقابله مثله، كالسمسم يباع بمثله، ولا ينظر إلى اشتمال اللبن على السمن وغيرِه.
وإذا قُوبل اللبن بالسمن، أو بالمخيض، لم يصح العقد، وكان كبيع السمسم بدُهنه.
2968 - وجُملة ما سنذكره من مسائل الفصلِ يخرج على هذه القواعدِ، فاللبن يباع بمثله، والرائب الذي خَثُرَ بنفسهِ من غير نارٍ يباع باللبن الحليب، ويُباع بمثله.
فإن قيلَ: إذا خَثُر الشيءُ، كان أثقلَ، والذي يحويه المكيال من الشيء الخاثر يزيد على الرقيق من جنسه بالوزن زيادةً ظاهرةَ، فما الوجه في ذلك؟
قلنا: منع بيع الدبس بالدبس غير مبني على التفاوت في الوزن مع التساوي في المكيال؛ فإنا لو اعتبرنا ذلك لجوَّزنا بيع الدبس بالدبس وزناً، إذا كان يوزن.
ولكنا اعتمدنا في ذلك خروجَ الدبس عن حال الكمال، ولا ندري كم في كل دبس من أجزاء العصير.
وأما الرائب الخاثر، فقد قطع الأصحاب بجواز بيعه باللبن، وجواز بيع بعضه بالبعض، ويتَّجهُ في بيع بعضه بالبعض أن يقال: الانعقادُ جرى في اللبن على تساوٍ، ولا يربو في الإناء إذا انعقد رائباً، ولا ينقص؛ فإنه طبيعة في نفس اللبن عقَّادة.
وليس من جهة ذهاب جزءٍ وبقاء جزءٍ.
فأما بيع الخاثر باللبن، فإن كان يوزن، فيظهر تجويزه، وإن كان يكال، فبيعُ اللبن الحليب بالرائب الخاثر كيلاً فيه احتمال ظاهر في المنع، ووجهُ التجويز تشبيهُ الخاثر بالحنطة الصلبةِ العَلِكةِ، تباع بالرخوة.
وتحقيقهُ فيه أن الرائب لبن خاثر، فكأنه لا يُعدُّ بعيداً عن اللبن الحليب، فيشبهان الحنطة الصُّلبة والرخوة.
وبيعُ المخيض بالمخيض جائز، إذا لم يكن فيهما ماء، ولا في أحدهما.
وبيعُ السمن بالسمن جائز، والمخيض والسمن مختلفان؛ فيجوز بيع أحدهما بالثاني متفاضلاً.
واتفق الأئمة على جواز بيع المخيض بالزُّبد، ولا نظرَ إلى ما في الزُّبد من رغوة، وهي إذا مِيزَتْ كانت مخيضاً، ولكن لا مبالاة بذلك القدر؛ فإن المقصود من الزبد السمن.
2969 - وقال الأئمة: لو باع حنطةً بشعير، وفي الحنطة حباتُ شعيرِ، صحَّ البيع؛ فإنّ الشعيرَ في الحِنطةِ غيرُ مقصودٍ لمن يبتغي تَملّكَ الحنطة، ولو باع حنطةً بحنطة وفي أحد المكيالين حبّاتُ شعير، فالبيعُ مردودٌ عند الأصحاب؛ من جهة أن المماثلة تزول بين الحنطتين بسبب ذلك القدر من الشعير، والمماثلة معتبرة في بيع
الحنطة بالحنطة، والذي ذكرناه في بيع الحنطة بالشعير والمماثلةُ غيرُ معتبرةٍ في مقصود العوضين، [فلنقع] 1 على ذلك.
ولهذا لم نمنع بيعَ المخيض بالزُّبد؛ فإن المخيض وما هو مقصود من الزبد مختلفان، لا تعتبر المماثلة بينهما، والرغوة إن ماثلت المخيض، فهي ليست مقصودةً.
والذي يشير إليه كلامُ الأصحاب أن المقدار اليسيرَ من الشعير، وإن كان يفرض متموّلاً، فالأمر كما وصفناه، إذا لم يكن بحيث يُقصد في نفسه.
والأصحابُ لما جوزوا بيعَ المخيض بالزبد، لم يفرقوا بين القليل والكثير، وإذا كثُر الزَّبدُ، فالرغوة قد تبلغ مبلغاً يُطلبُ مثله في جنس المخيض، ولكن المرعيَّ في الباب [أن] 2 ما يُميَّزُ من الزَّبدِ في الغالب يُبدّدُ، ولا يُعتنَى بجَمْعه.
وإن كثر الزَّبد، فهذا هو المعنيُّ بقول الأصحاب: الرغوةُ غيرُ مقصودة.
والشعيرُ إذا قل بالإضافة إلى الحنطة، فلا يقصد تمييزها 3 ليستعملَ شعيراً، فيتعيَّن التَنبه لهذا.
وإذا بَاع الحنطةَ بالحنطة وفي أحد المكيالين من الشعير ما لو مُيّز، لم يَبِن على المكيال، فلا مبالاةَ بهذا أيضاًً.
فإذا اتفق جنسُ المطلوب في العوضين، وكان في أحدهما جنس آخر، لو مُيّز لم يَبِن على المكيال، فلاَ مبالاة به.
وإن كان يَبِينُ على المكيال، لم يضح البيع؛ لعدم المماثلة في الجنسِ المقصود.
وإن اختلف الجنس في العوضين، وكان 4 في أحدهما ما يُجانس العوض المقابلَ، ولكن لم يكن بحيث يُقصد على حياله، فالبيع صحيح، ولا نظر إلى التموّل تقديراً، ولا إلى التأثير في الكيل.
أما التأثير في الكيل، فلا أثر له مع اختلاف جنس العوضين.
وأما التموّل، فلم يُعتبر من جهة أنه مفردٌ غيرُ مقصودٍ، وشبّه هذا بأخذ المُحرِم الشعرَ من نفسه، فهو موجب للفدية، ولو قطع من نفسه عضواً عليها شعر، لم يلتزم الفِدية، من حيث لم يجرّد القصدَ إلى إزالة الشعر.
ولو باع حنطة بحنطةٍ، وفي أحد المكيالين تراب لو مِيزَ ظهر نقصُه في المكيال، فالبيع باطل، وكذلك إذا اشتمل المكيالان على التراب، على الحد الذي ذكرناه.
فأما إذا كان التراب في أحد المكيالين، فالمفاضلة مستَيْقنةٌ، وإن كان الترابُ فى المكيالين جميعاً، فالمماثلة مجهولة، وكِلا الأمرين يؤثر في صحَّة البيع.
ولو كان التراب منبسطاً على صُبْرةٍ انبساطاً واحداً على تناسب، فبيع صاعٌ منها بصاعٍ، فالمماثلة متحققة، ولكن هذا غيرُ موثوق به؛ فإن الترابَ لا ينبسط على تناسب واحد؛ فإنه ينسلّ من خلل الحبات يطلب التسفل، ولذلك يكثر التراب في أسفل الصُبْرة.
فخرج مما ذكرناه أنه إذا كان يؤثّر الترابُ في المكيال، فلا يجوز بيع حنطةٍ فيها تراب بحنطة فيها تراب، إذا كان بحيث لو مِيز التراب، ظهر نقصانهُ على المكيال، وإن كان لا يظهر، فهو محتمل.
2970 - ومن تمام البيان في ذلك، أن النقصان قد لا يبين في المقدار اليسير، ويبين في الكثير، فالمتبع النقصان، فإن كان ما اشتمل عليه العقدُ بحيث لو مِيز التراب منه، لم يبن النقصان - صح العقد.
[وإن اشتمل العقدُ] 1 على مقدارٍ لو جُمع ترابه [لملأ] 2 صاعاً، أو آصعاً، فالبيع باطل.
فإن استبعد من لم يُحط بأصل الباب تجويزَ البيع في القليل، ومنعَه في الكثير، لم نبُالِ [به] 3، ولزِمْنا الأصلَ المعتمدَ في النفي والإثبات.
ولو باع رجلٌ دنانيرَ هَروِيَّة بمثلها، فالبيع مردود؛ فإن كل شق من الصفقة اشتمل على ورِقٍ وذهب، وبيع الذهب الإبريز بالهروي عينُ الربا، وهو من فروع مد عجوة.
وبيع الذهب الهروي بالورِق باطل، وليس كبيع المخيض بالزبد؛ فإنّ الرغوة في الزبد لا تقصد، والنُّقْرة في الهرويّةِ مقصودة.
2971 - ومن فروع الفصل بيع الزُّبد بالزّبد، وفيه وجهان ذكرهما الصيدلاني: أحدُهما - الصحة كبيع اللبن باللبن؛ فإنّ الرغوةَ التي في الزبد مختلطة بالسمن اختلاطاً خِلقياً، وهو أثبث من اختلاط رُكني اللبن، فإن ذلك الاختلاط يميّزه المخض، والرغوة لا تتميّزُ عن الزبد إلا بالنار.
والوجه الثاني - أنه لا يصح بيع الزبد بالزبد، كما لا يصح بيع الشهد 1 بالشهد؛ فإنّ صفاتِ السمن لائحة من الزبد، كما يلوح العسل في الشهد، واللبن في مدرك الحس كالجنس الواحد المنبسط، والأَقِط من المخيض 2، وكذلك المَصْل.
وأجمع الأصحابُ على منع بيع الأقِط بالأقِط، وذلك أنه إن كان مختلطاً بملح كثيرٍ يظهر له مقدار، فيلتحق بيع بعضهِ بالبعض ببيع المختلط.
وإن لم يكن فيه ملح، فهوَ معروض على النار، وللنار فيه تأثير عظيم، فيلتحق القول فيه بالكلام في المنعقد، إذا بيع بعضه ببعض.
ولم يفصلوا بين أن يكون عقدُه بالنار، أو بالشمس الحامية، وإذا امتنع بيع الأَقِط بالأقِط، فيمتنع بَيعُه بالمصلِ؛ فإنهما من المخيض، ولا يتفاوتان في الصفات تفاوتاً يختلف الجنس به، ويمتنع بيع المخيض بالأقِط والمَصْل.
كما يمتنع بيع العصير بالدبس.
وبيعُ الجبن بالجبن باطل بالاتفاق؛ فإنه مختلط معقود، ولا شك في تفاوت العقد في الجبن، وهذا ظاهر فيه.
وبيع الجبن بالأقِط ممتنع، كما يمتنع بيع اللبن بالأقِط.
قال العراقيون: الأقِط، والمخيض، والمَصْل، والجبن، جنسٌ واحد.
أما المخيض والأقط والمصل، فكما ذكروه.
وأما الجبن ففيه ما يُجانِسُ المخيضَ، وهو كقول القائل: اللبن والأقِط جنسن واحد، [والوجه] 3 أن يقال في اللبن جنس الأقطِ.
وذكر شيخي أبو محمد في بيع اللِّبأ باللِّبأ 4 وجهين، وهو في الحقيقة لبن
معروض على النار في أول الحلْبِ من الدَّرّةِ الأولى، وسبب الاختلاف أن أثر النار قريبٌ في اللِّبَأ وهو مشبه بالسكر في المعقوداتِ، والجبن تناهى عقدُه، فاتفق الأصحاب على منع [بيع بعضه ببعض] 1.
2972 - ومما نتعرضُ له الإنْفَحة 2 والوجه القطع بطهارتها، لإجماع المسلمين على طهارة الجبن، وهو في الغالب لا يخلو عن الإنْفَحة، والذي إليه إشارةُ الأصحاب أن الإنْفَحَة جنسٌ على حيالها، مخالف للبن، وكل ما يتخذ منه، ولستُ أدري أنها من المطعومات وحدها، كالملح حتى تعتبر المماثلةُ في بيع بعضها بالبعض، أم ليست من المطعومات؟
فصل
" ولا خيرَ في شاةٍ في ضَرعها لبن ... إلى آخره " 3.
2973 - بيعُ اللبن الحليب بشاةٍ لبون في ضرعها لبن يقدر على حَلْبه باطلٌ عندنا.
فإذا كنا نُبطل بيع اللحم بالحيوان، كما سيأتي ذلك في بابٍ، فلا يخفى إبطال بيعِ اللبن بشاة في ضرعِها لبن.
وإن كانت الشاة لبوناً، ولم يكن في ضرعها لبنٌ وقتَ البيع، فالبيع صحيح.
وإن كان في الضَّرع مقدارٌ نزرٌ لا يُقصَدُ حلب مثله لقلّته، فالبيع صحيح؛ فإنّ مثله ليس مقصوداً، والحيوان مخالف لجنس اللبن، فيلتحق ببيع المخيضِ بالزبد، مع النظر إلى الرغوة.
ولو باع شاةً في ضرعها لبنٌ بشاة في ضرعها لبن، وكان اللبنُ الذي يُقصد مثله
موجوداً في كل ضرعٍ، فالبيع باطل، وهو بمثابة بيع شاةٍ ولبن [بشاةٍ] 1 ولبن.
وحكى العراقيون عن أبي الطيّب بن سَلَمة من أصحابنا أنه قال: يجوز بيع الشاة اللبون بالشاة اللبون، وإن كان في ضروعهما لبن، ووافق أنه لا يجوز بيع اللبن بشاةٍ في ضرعها لبن، وشبَّه ما جوَّزه وما منعه ببيع السمسم بالسمسم، وهو نظير بيع الشاة اللبون بالشاة اللبون، وبيع دُهن السمسم بالسمسم، وهو نظير بيع [اللبن بالشاة اللبون] 2 التي في ضرعها لبنٌ.
فصل
قال: " وكل ما لم يجز التفاضلُ فيهِ ... إلى آخره " 3.
اختلف قول الشافعي في أن القسمة بيعٌ أو إفراز حق.
وفي حقيقة القسمة وأحكامها مسائلُ ستأتي في آخر الدعاوى والبيّنات.
فلا نلتزم الخوضَ فيها، ونختصر على مقدار غرضنا.
فنقول: ما جاز بيعُ بعضِه ببعضٍ، فالقسمةُ جائزةٌ فيه إذا كان يقبل القسمة، وما امتنع بيعُ بعضِه ببعض من أموال الربا، كالرطب والدقيق ونحوهما، فإن قلنا: القسمةُ ليست بيعاً، فلا يمتنع إجراؤها في هذه الأجناس؛ وإن قلنا: القسمةُ بيعٌ، فهي ممتنعة فيما يمتنع بيع بعضه ببعض، فلا يجوز على هذا القول قسمةُ الرطب والعنب، إذا كان لهما عاقبة التجفيف، وقد ذكرنا في مسائلِ الزكاة تردُّداً في قسمة الثمار إذا قطعناها قبل أوان الجِداد، وسبب التردد أن الأبدال لا مدخل لها في الزكاة، فلو لم تجز القسمة، ولم نميز حقَّ المساكين، لاضطررنا إلى الانتقال إلى الأبدال، فاختلف الأصحابُ على طُرقٍ استقصيناها في موضعها.
وكمال البيانِ موقوفٌ على الإحاطة بباب القسّام.
وقد نجز الغرضُ من هذا القول في ربا الفضل، وشَذّ عما ذكرناه فروع قريبةٌ نرسمُها، وبنجازها ينتجز هذا الركن.
فرع:
2974 - ذكرنا أن بيع ما لا يكال ولا يوزن من المطعومات، بعضُه ببعض - باطلٌ على القَولِ الجديدِ، كالخيارِ والبطيخ ونحوهما، فلو بيع القثاء بالقثاء وزناً، فالأصح المنعُ.
ومن أصحابنا من جوَّز، كما نبهنا عليه فيما تقدم.
وهو بعيد.
واتفقت الطرق على منع بيع البيض بالبيض والجوز بالجوز وزناً بوزن؛ من جهة أن المقصود منها في أجوافها، وقشُورُها تتفاوت تفاوتاً ظاهراً، وهذا لا يتحقق في القثاءِ وما في معناه، وذكر صاحب التقريب في البيض والجوز إذا بيع البعض منها بالبعض وزناً وجهين، وهذا بعيد.
فرع:
2975 - إذا قُلنا: الماءُ يجري فيه الربا، وهو المذهب، فلو باع رجلٌ داراً فيها بئر ماء بمثلها، وقلنا: الماءُ يجري فيه الربا - قالوا: في هذه الصورة وجهان: أحدُهما - الجواز، وهو الظاهر؛ فإن الماء الكائنَ في البئر ليس مقصوداً، ولا يرتبط به قصد.
والثاني المنعُ، وهو القياسُ، ولا ينقدح للوجه الأول وجهٌ في القياس، لكن عليه العمل، ومعتمدُه سقوط القصد إلى الماء الحاصل، وقد ذكرنا في فصلِ الخلولِ أن من باع خلَّ التمر بخل الزبيب، والتفريعُ على اختلاف أجناس الخلول، فالقَولُ في منع البيع يؤول إلى الماء الذي في الخلَّين، وهو مال ربا.
فلو قال قائل: الماء ليس مقصوداً في الخلّ، كما أنه ليس مقصوداً في مسألة الدار، قلنا: قَدْرُ الماء مستعملٌ على صفة الخَلِّ حتى كأنه انقلبَ خلاً، فلم يخرج مقدار الماءِ عن كونه مقصوداً، وإن كان لا يقصد ماءً، وهذا لا يتحقق في البئر ومائِها.
وقد نجز منتهى المراد في ذلكَ.
وقد كُنَّا ذكرنا في أول الباب أن حديث عُبادةَ في أصل الربا مشتمل على ربا الفضل، والتعرضِ للتقابض، والنَّساءِ.
نعني ما يتعلق من حُكمهِ بالربا.
وبَيّنا أن أصلَ الباب ربا الفضل، والتقابضُ وتحريمُ النَّساء متفرعان عليه.
ونحن الآن نعقد المذهب فيهما.
فصل
2976 - قد ذكرنا أن علّة الرّبا في الأشياء الأربعة الطُّعم، ومحل العلة اتحادُ الجنس، وعلةُ الربا في النَّقديْنِ جوهرُ النقدية، والمحل اتحاد الجنس.
ويرجع حاصل القول في النقدين والأشياء الأربعة إلى أن العلَّةَ في تحريم ربا الفضل في الأشياء الستة ما هو مقصودٌ من كل صنف.
ثم رأينا جمعَ الأشياء الأربعةِ في مقصود الطُّعم، كما قرَّرناه في (الأساليب) وكتاب (الغُنية) 1. والنقدان مجتمعان في معنىً واحدٍ، وهو جوهر النقدية.
فإن قيل: لم ذكرتم جوهرَ النقدية؟ قلنا: لأن التبرَ ليس نقداً في عينه، وكذلك الحلي والأواني.
والرسول صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للدراهم والدنانير، بل ذكر الذهب والورِق، والمقصود منهما مقتصر عليهما، فاقتضى ذلك ذكرَ جوهر النقدية، وهذا يعم المطبوعَ من الورِق والذهب، وغير المطبوع.
فإذا ثبتت علةُ الربا في الأشياء الستة، فباب التقابُض والنَّساء يدخلان تحت ضبط واحدٍ.
فنقول:
2977 - كلّ علّتين جمعتهما علة واحدة في تحريم ربا الفَضل، فإذا بيعت إحداهما بأخرى نقداً بنقدٍ، اشترط التقابض في المجلس، فلو تفرق المتعاقدان قبل التقابض، بطل العقد.
ولا فرق بين أن يختلف الجنس أو يتحد.
وإنما يختصّ باتحادِ الجنسِ ربا الفضل.
واشتراط التقابض يعتَمد الاجتماعَ في علةِ التحريم، ولا التفات إلى [المحل] 2، وهو اتحاد الجنس.
وخصَّص أبو حنيفة 3 اشتراط التقابض بالنقدين، ولا عذر له فيها.
وقد طرد رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريمَ ربا الفضل في الأشياء الستةِ عند اتحاد الجنس،
ثم قال فيها بجملتها " إذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " وتحريم النَّساء، يُنحَى به نحو التقابض، فكل عينين جمعتهما علةٌ واحدة في ربا الفضل، فلا يجوز إسلام أحدهما في الآخر، اتحد الجنس أو اختلفَ، فلا يصح إسلام البُرّ في الشعير، ولا إسلامُ الدراهم في الدنانير.
وأما الاجتماعُ في الجنسية فلا وقعَ له عندنا؛ فيجوز إسلام الثوب في جنسه، وإسلام الخشبة في جنسها.
ومنع أبو حنيفة 1 إسلام الشيء في جنسه، وظن أن اتحاد الجنس أحدُ وصفَي العلّة، وهذا عريٌ عن التحصيل، كما قرَّرناه في مصنفات الخِلافِ.
فإذا انعقدَ الأصلان وابتنيا على تحريم ربا الفضل، فنذكرُ بعدهما أن الدراهم والدنانير تتعيّنُ بالتعيين، فإذا عيَّن الرجل دراهمَ في بيعٍ ولزم، لم يملك إبدالها، ولو تلفت قبل القَبض والتسلم، انفسخ العقدُ، ولو أراد مالكها أن يستبدِل عنها، لم يكن له ذلك، كما لو فُرض التعيين في ثوب أو غيره، وخلاف أبي حنيفة 2 في ذلك مشهور.
فإذا تمهّدَ هذا، خُضْنا بعدهُ في فصولٍ من الصرف وتحقيق التقابُض.
فصل
2978 - إذا بيعت الدراهم بالدراهم أو بالدنانير، وجرى التعيينُ من الجانبين، فيرتبط العقد بما عُين فيه، ولا بد من التقابض في المجلس.
ثم القول في مجلس التقابض، كالقول في مجلسِ الخيارِ، فلَسْنا نعني مكان العقد، وإنما نعني اجتماع المتعاقدَيْن وافتراقَهما، كما تفَصَّل في خيار المجلس بلا فرق، فإذا تفرقا قبلَ القبضِ، انفسخ العقد.
وإن تقابضا، والكلامُ مفروضٌ في التعيين، ثم وجد أحدُهما بما قبضه عيباً، فإن كان رديء الجنس، أو مشوَّشَ النقش، فإذا أراد الردَّ، فله ذلك، وحكم الردّ انفساخُ
العقدِ، ولا استبدالَ؛ فإن مورد [العقد] 1 معيّن، ولا فرقَ بين أن يجري الردُّ في المجلسِ، أو بعد التفرق.
وإن جرى التعيينُ كما ذكرناه والتقابضُ، ثم بان أن الذي قبضه أحدُهما نحاسٌ، فهذا يُثبت الردَّ، وقد بان أن العقدَ لم يكن عقدَ صرفٍ.
ثم لا يخفى حكمُ الرد والفسخ.
والمسألةُ تلتفت على أصلٍ سيأتي، وهو أن من سمَّى جنساً وعيَّنه، ثم تبين أن الذي عيَّنَ ليس من الجنس الذي سمّى، ففي انعقاد العقد خلافٌ سيأتي.
وذلك نحو أن يقول: بعتُك هذه النعجةَ، والإشارةُ إلى جحش، فإذا قال: بعتُك هذه الدراهم، فإذا هي فلوس، فالأمر يخرج على الخلاف الذي أشرنا إليه.
وإن قال: بعتُك هذا، وكان حسِب المشتري أنه دراهمُ، فأخلف ظنه، فيلتحق هذا بفصول التلبيس، وسنذكرها في باب التصْرِية إن شاء الله.
فهذا إذا جرى العقد على التعيين، وليس هو غرضَ الفصل، وإنما ذكرناه لاستيعاب الأقسام.
2979 - ولو وَرد العقدُ على الدراهمِ والدنانيرِ وصفاً بوصف، فهذا جائزٌ أولاً، اتفق عليه أئمتنا، ثم لا بد من التعيين بالقبض في المجلس، ولا يكون هذا من السلم؛ فإن وضعَ السلم على اشتراط تسليم رأس المال في المجلس فحسب، والصرفُ يجوز عقده على الوصفِ، ثم لا بد من التقابض.
فإذا وضح ذلك، فلو تواصفا، ثم تقابضا، ثم بان أن ما قبضه أحدُهما ليس على الوصف الذي ذكره، فإذا جرى هذا في كل المقبوض في مجلس العقد، فالخطبُ يسير، فليردّ ما قبضه، وليستبدل عنه ما وصفه، ولا شك أن العقد لا ينفسخ بالرّدّ، وطلب البدلِ؛ فإن العقدَ ما ارتبط بالعين التي قبضها، وإنما ارتبط بموصوف، ثم بانَ أنَّ المقبوضَ ليس ذلك الموصوفَ، فكأن القابضَ لم يقبض، والمجلس بعدُ جامعٌ.
ولو تفرقا، ثم اطلع أحدهما على رداءة فيما قبضه لا يقتضيها الوصف، والقول فيه
إذا كان المقبوض -مع ما بان فيه- من جنس الدراهم والدنانير، فإن رضي به القابض، فلا كلام.
كما سيأتي شرحُه فيه إذا قبَض المسلمُ المسلَمَ فيهِ، فوجده دون الوصف.
ولو أراد الردَّ، فله ذلك، ولكن إذا ردّ، فهل ينفسخ العقدُ بردّهِ؟ فعلى قولين: أحدهما - ينفسخ؛ فإنهما تفرّقا، ثم لما ردّ ما قبض، فكأنه لم يقبض في المجلسِ شيئاً، فيتبين انفساخُ العقد؛ من جهة التفرق قبل القبض المستحق.
والقول الثاني - لا ينفسخ العقد؛ فإنهما تقابضا ما لو قنِعا به، أمكن إجراءُ العقدِ عليهِ، فإذا رَام استبدالاً، فلا يرتفع القبض من أصله.
وعبَّر الأئمة عن حقيقة القولين، فقالوا: إذا فُرض ردٌّ على قصد الاستبدال، فنتبين أن القبضَ الذي هو ركن العقد لم يَجْرِ، أم لا [يستدّ] 1 النقض إلى ما تقدَّم من القبض 2؟ فعلى قولين.
وهذا بمثابة الاختلاف في نظيرٍ لهذا من السَّلم، فلو أسْلَم
الرجل في جارية، ثم قبض جارية، فوجدها دون الوصف؛ فإن قنِع 1 بها، فذاك.
وإن ردَّهَا، فلا شك أنه يطلب جارية على الوصف المستحق، ولكن المسلَمَ إليه، هل يجب عليه استبراء الجارية التي رُدّت عليه، فعلى قولين مأخوذين من الأصل الذي مهّدناه الآن: فإن جعلنا ردّ الموصوفِ بمثابة ما لو لم يقبض، فيتبين أن ملك المسلم إليه ما زال عن الجارية بالتسليم إلى المسلِم، فلا حاجة إلى الاستبراء، وإن لم نُسند الأمر، فنقول: زال الملك فيها.
ثم عاد وانتقض، فيجب الاستبراء.
2980 - عدنا إلى تفريع ما ذكرناه في الصرف.
فإن قلنا بالاستناد 2، فلو جرى الرد بعد التفرُقِ، بان انفساخُ العقدِ، ولم يملك الرادُّ بدلاً، وإن لم نقل بالإسنادِ، فالرّادّ يطلب من المردود عليه بدلَه على الوصف المذكور في العقد.
هذا إذا كان ما قبضه أولاً وأراد رَدّهُ من جنس ما سمّاه.
فأما إذا كان الموصوف دراهمَ والمقبوض زُيوفاً، فإذا وقع التفرق، بطل العقدُ، فإنه تفرّق قبل قبض الموصوف في الصرف.
ولو قال القابض: أقنعُ بما قبضتُه، لم يكن له ذلك، والجهةُ مختلفةٌ، فهو كما لو أسلم في جارية فسُلم إليه غلام، فليس له أن يقنع به.
وسيأتي شرح ذلك في كتاب السلَم.
وما ذكرناه في جميع المقبوض في رداءة الجنس، ومخالفة الجنس نُعيدُه في بعض المقبوض.
فنقول: إذا تفرّقا، وقد تقابضا في ظاهر الحال، ثم بان أن بعضَ ما قبضه = عملنا هذا كيف كانت المعاناة، فيغض الطرفَ عما قد يجده من هناة هنا أو هناك، ويجعل جزاءنا منه دعوة بخير، تنفعنا في مضجعنا وفي أخرانا إن شاء الله رب العالمين.
أحدُهما زيفٌ، فلا شك في انفساخ العقد في ذلك القَدرِ، ويتفرع في الباقي قولا تفريقِ الصفقةِ على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وإن تفرقا، ثم كان بعضُ ما قبضه على خلاف الوصف مع اتحاد الجنس، فيخرجُ القولان في ذلك القدرِ الذي هو دون الوصف.
فإن قلنا: لو ردّهُ، لانفسخ العقد تَبيُّناً 1، فهل ينفسخ في الباقي على قولي تفريق الصفقة؟ [أم لا] 2؟ وإن قلنا: لا ينفسخ العقدُ تَبَيُّناً، فليستبدل ذلكَ القدرَ.
ولا يتطرقُ إلى هذا تفريقُ الصفقةِ؛ فإن التفريق ينشأ من انقسام حكم العقد ابتداءً، صحةً وفساداً، أو انتهاء فسخاً وإنفاذاً.
وقد يلتحق بما ذكرناه اشتمال الصفقةِ على جنسين من العقود، كالإجارة والبيع.
وما ذكرناه من الاستبدال في البعض -حيث انتهى التفريع إليه- ليس من أصول [تفريق] 3 الصفقة في شيء.
فصل
2981 - ذكر الشافعي في آخر الباب الصورةَ التي فرضناها في مد عجوةٍ ودرهمٍ، وهي بيع الدنانير المروانيَّة والعُتُق بالدنانير الوسط، وقد قدّمنا تفصيلَ المذهب في هذا الأصل، ثم ذكر بعد ذلك إباحةَ الذريعة التي لا تُناقض أصول الشريعة.
فإذا كان عند الرجل مائةُ درهمٍ صحاح، فأراد أن يحصل له مكانها مائةٌ وعشرون درهماً مكسرةً، فالوجه أن يشتري بالمائة سلعة أو دنانيرَ، ويسعى في إلزام العقدِ بطريقه، ثم يشتري بالسلعة أو بالدنانيرِ المائةَ والعشرين المكسَّرة، ويصح ذلك.
وقصدَ الشافعي بما ذكرهُ الردَّ على مالكٍ 4، فإنه يمنع أمثال هذا، واحتج الشافعي
عليه بما روي أن عامل خيبرَ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر جَنيبٍ 1 فقال: " أكُلُّ تمر خيبرَ هكذا؟ قال: لا.
ولكن نبيع صاعين من الجَمْعِ بصاع من هذا -والجمع هو الدَّقَلُ وهو تَمر رديء- فقال النبي صلى الله عليه وسلم أَوْه عينُ الربا! لا تفعلوا، ولكن بيعوا الجَمع بالدراهم، واشتروا بالدراهم الجنيبَ " 2.
ويقال: افتتح أبو حنيفة كتاب الحيل بهذا الخبر.
ولنا في الذرائع التي تتعلق بأمثال هذا والعاداتُ مطردة أو مختلفة كلامٌ سنذكره، إن شاء الله تعالى، في أثناء كتاب البيع.
بَابُ بيع اللَّحمِ باللَّحْم
2982 - اختلف قول الشافعيّ بأن اللُّحمان جنسٌ واحدٌ أو أجناس، وذكر المزني أن الشافعي ذكر القولين، ثم زيّفَ قولَه أنها جنسٌ واحد.
توجيه القولين: من قال: إنهما أصنافٌ رجع إلى العادة؛ فإن الناس لا يعدُّون لحمَ الطائر من جنس لحم البقر، ولا يشكّون في اختلاف أجناس الحيوانات التي هي أصول اللحم، فلتكن اللحوم مختلفةً اختلافَها.
ومن قال: إنها جنس واحد، احتج بأنها مشتركةٌ في اسمٍ لا تخصَّص بعده إلا بالإضافة، فكانت جنساً واحداً.
وفيما ذكرناه احترازٌ عن اجتماع المختلفات في اسم الثمار؛ فإن كلّ جنس يَختصُّ وراء اسم الثمار باسم خاصّ من غير إضافة، فيقال: خوخ، وتفّاح، ومشمش.
واللحوم لا تتميّزُ إلا بالإضافة إلى الأصول، فيقال: لحم البقر، ولحم الغنم.
التفريع على القولين:
2983 - إن حكمنا بأنهما جنسٌ واحد، فلحوم البرِّيات كلها جنس، ولحوم البحريّاتِ بَعضُها مع بعضٍ جنسٌ، وفي لحوم البرّيَّاتِ مع لحوم البحريَّاتِ على هذا القول وجهان: أحدُهما - أنها جنسٌ واحدٌ؛ طرداً لحكم الاتحاد.
والثاني - البريُّ والبحريُّ جنسان، وإن حكمنا باتحاد الجنس في اللُّحمان؛ فإن المعتمدَ في الحُكم بالاتحاد الاجتماعُ تحت الاسم، وهذا لا يتحقق في لحوم البحريّ مع البرّيّ، بدليل أن من حلف لا يأكل اللحم، لم يحنث بلحم الحيتان.
وإن قلنا: اللحوم أجناس، فالبقر جنس ذو أنواع، كالجواميس مع غيرِها، وأنواع الإبل جنس، والضأن مع المعز جنس، والطيور أجناس: فالحمام على اختلاف أنواعها جنس منها: اليمام والقُمْرِي، والدُّبسي، والفَواخت، والقطا، وهي كل ما عَبّ وهَدَر، والبطُّ جنس، والدجاج جنس، والعصافير على اختلاف جثثها وألوانها جنسٌ.
والبحريّ مَع البريّ جنسان، والسموك جنس، والحيوانات المائيّة كبقر الماء، وغنم الماء، بالإضافة إلى ما يُسمَّى حيتاناً، على اختلافٍ بين الأصحاب: فمنهم من قال: جَميعُ البحريَّات بعضِها مع بعضٍ جنسٌ واحدٌ، ذو أنواع.
ومنهم من قال: الحيتان مع ما لا يُسَمى حوتاً جنسان.
ثم هذا القائل يحكم باختلاف ما عدا الحيتان، نظراً إلى البرّيّات، فغنمُ الماء وبقرُه جنسان.
وهذا التردُّد خارج على اختلافِ الأصحاب في أن جميع البحريات لها حكم الحوت، وإن اختلفت صُورُها حتى تحل ميتتُها، أم لا يثبت لها حكم الحوت؟ على ما سيأتي في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى.
والوحشيات -على قول الاختلافِ- تخالف الأهليَّاتِ.
ثم لا يخفى اختلاف أجناس الأهلياتِ، كذلك تختلف أجناس البرّياتِ كالبقر الوحشي؛ فإنها جنس، والظباء جنس.
وكان شيخي يتردَّد في الظباء والإبل، وقرارُ جوابه على أنها جنس، كالضأن مع المعز، ولا يتجه غَيرُه.
هذا قَولُنا في النظرِ إلى لحوم الحيوانات بعضها مع بعض.
2984 - فأمَّا القول فيما يشتمل عليه حيوان واحدٌ مما لا يعدّ من اللحم عند الإطلاق، ويخصص بأسماءَ من غير إضافةٍ، كالكرِش، والكبد، والمِعى، والطِّحال، والرئة.
فتحصيل القول في هذا يستدعي تقديم رمزٍ إلى أصلٍ في الأَيْمان.
فإذا قالَ الرجل: والله لا آكل اللحمَ، فالذي ذهب إليه جماهيرُ الأصحاب، أنه لا يحنث بأكل الكبد، والكرِش، والطَّحال، والمِعَى والرِّئة؛ فإنّ هذه الأشياء لا تسمى لحماً.
وحكى الشيخ أبو علي عن أبي زيد المروزي قولين: أحدُهما - ما ذكرناه، والثاني أنه يحنث؛ فإنّ هذه الأشياء في معنى اللحم.
وهذا بعيدٌ، لم أره لغيره، ولم يختلف الأصحابُ في أن من حلف لا يأكل اللحمَ، لم يحنث بأكل الشحم.
ولست أعني سَمْنَ 1 اللحم؛ فإنه معدود من اللحم، اتفق عليه من يوثق به.
وأما القلب، فقد
قطع الصيدلاني وغيرُه من المراوزة أنه لحم، وذكر العراقيون أنه كالكبدِ.
والذي قالوه محتمل، والكُلية عندي في معنى القلب، والأَلْيةُ 1 لم يعدُّها المحققون من اللحم، ولا من الشحم، وجعلوه مخالفاًً لهُما، وهذا فيه احتمالٌ عندي، فيشبه أن يقال: هو كاللحم السمين يجتمع للضائن 2 على موضع مخصوص.
2985 - فإذا ثبت ما ذكرناه من حكم الأَيْمان -واستقصاؤه محال على موضعه- عُدنا إلى غرضنا.
فالطريقةُ المشهورة أنا إذا حكمنا بأن اللحوم أجناس، فهذه الأشياء من الحيوان الواحد أجناسٌ؛ فإنها مختلفة الأسماء والصفات.
وإن حكمنا بأن اللحوم جنسٌ واحد، فقد ذَكرنا خلافاً على هذا القول في لحوم البرِّيّات مع البحريّاتِ، ومأخذ قول من يَقول: إنهما جنسان من حكم اليمين؛ فإن من حلف لا يأكل اللحمَ، لم يحنث بأكل الحيتان، فما ذكرناه من الكَرِش وما في معناه يخرج على موجَب اليمين الذي ذكرناه.
فكل ما يحنَثُ الحالف بأكله والمحلوف عليه اللحمُ، فهو من جنس اللحم على قولنا باتحاد جنس اللحمان، وكل ما لا يحنَث الحالفُ على اللحم بأكله، فهو خارجٌ على الوجهين، اعتباراً بلحوم الحيتان مع لحوم البرِّيَّات.
فهذه الطريقة المرضيَّة.
وحكى شيخي عن القفال عكْسَ هذا، فقال: إن حكمنا بأن اللُّحمانَ جنسٌ واحدٌ، فالمُسمَّياتُ التي ذكرناها ملحقةٌ باللحم مجانسة له، وليس الحكم بمجانستها للحم بأبعدَ من حكمنا بمجانسة لحم العصفور لحمَ الجزور.
وإن حكمنا بأن اللحمان أجناسٌ، ففي هذه المسمّيات من حيوانٍ واحدٍ وجهان: أحدُهما - أنها ملتحقة باللحوم، لاتحاد الحيوان، فكأن لحم كل حيوان يختلفُ
أجزاؤُه، والكل لحمٌ.
وهذه الطريقةُ رديئةٌ، لم أرها إلا لشيخنا؛ فلا أعدُّها من المذهب.
والعظمُ لا شك أنه ليس بلحمٍ، الصلبُ منه والمُشاشي 1، والغضرُوفي 2، وكذلك المِخَخَة 3.
وقطع أئمتُنا بأن الأكارع لحمٌ في اليمين، وهو من الشاة مجانسةٌ لسائر لحمها، ولا اعتراض على الاتفاق.
ولعل ذلك من جهة أنه يؤكل أكْلَ اللحم، وإلا فالظاهر عندي أن العصبةَ المفردةَ ليست لحماً.
والرؤوس من اللحوم لا شك فيه، وإنما أشرت إلى إشكالٍ في المعنى، من جهة أن الأكارعَ أعصابٌ تحويها الجلود، ولكنها إذا تهرَّت، أُكِلت أكلَ اللحم.
فهذا كلّه ترتيبُ القول في اتحاد الجنس واختلافِه.
2986 - فلا يخفى بعد هذا أن كل لحمين حكمنا باختلافِ جنسهما، فلا حرجَ في بيع أحدهما بالآخر، مع حقيقةِ التفاضل، ولا تعبّدَ إلا في التقابضِ وامتناع النَّساء.
وإن حكمنا باتحاد الجنس، أو فرضنا في بيع لحم الغنم يباع البعض منه بالبعضِ، فقد قطع معظمُ الأصحاب بأنهُ لا يجوز بيع اللحم الرَّطْب باللحم الرطب.
بل يجب أن يُجفَّفا حتى لا تبقى في اللحم رطوبة، فيباع القديد، ولو كان على القديدِ ملحٌ يظهر له أثرٌ في الوزنِ، لم يجُز بيع البعضِ بالبعض.
وحكى بعضُ الأئمة وجهاً أن بيع اللحم الرَّطْب باللَّحمِ الرَّطب جائزٌ، وخرّجوا هذا على بيع الخوخ الرطب بالخوخ الرطب.
وقد ذكرنا، فيه وفي أمثاله خلافاً، ووجه شبه اللحم بما ذكرناه، أن تقديدَ الخوخ قد يلتحق بما لا يعم، واستعماله رطباً أعم.
كذلك القول في اللحم.
وهذا غريبٌ، وظاهر المذهب ما قدمناه.
وبقيةُ الكلام في الباب التعرضُ للعظم.
2987 - لم يختلف أصحابنا أن بيعَ اللحم المنزوعِ العظمِ بلحمٍ يُشابهه في نزع العظم جائز، وليس كنزع النوى من التمر، وقد قدّمت هذا في الجواز مع النزع، وهل يجوز البيع مع العظم؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من لم يُجوّز، وإليه ميل الأكثرين؛ فإن العَظم يُفسد اللحمَ ولا يُصلحُه، وليس كذلك النوى في التمر.
ومن أصحابنا من لم يوجب نزعَ العظم الخِلقي 1، وهذا مشهور، ولكنهُ مزيف.
ثم إذا جوَّزنا البيعَ مع العظم، فلا يُشترطُ اتحادُ صنفِ اللحمين حتى تتقاربَ العظام، بل يجوزُ بيع الفخذ بالجنبِ، وإن كانت أقدارُ العظام تتفاوتُ، وهذا كتفاوت النوى في التمر.
وعندي: يجب أن يُرعى في هذا نظر؛ فإن العضوَ الذي فيه اللحم لو نحي منه مقدار صالح من اللحم، فالعظم الباقي في العضوِ لا يُحتمل في شراء ذلك العضوِ، فيجبُ أن يقالَ: إذا كان كذلك يمتنعُ بيعُ ذلك العضوِ بعُضو لم يُقطع من لحمه شيء.
وإن قلّ المقدار المقطوع بحيث لا يبالَى به، فلا بأس إذن على الوجه الذي نفرع عليه.
بَابُ بَيعِ اللحْمِ بالحَيوانِ
روى الشافعي بإسناده عن ابن المسيّبِ أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع اللحم بالحيوان " 1 ومراسيل ابن المسيب مقبولٌ 2 عندَ الشافعي، وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: " أن جزوراً نُحرَتْ على عهد أبي بكر رضي الله عنه فجاء رجل بعنَاقٍ، فقال: أعطوني جزءاً بهذا العَناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا المبيع " 3.
[فالمتبع] 4 في الباب الحديث، والقياسُ يقتضي تجويزَ لحم الشاة بالشاة، (5 من جهة أن الحيوان ليس مالَ رباً، فالمتّبعُ الحديثُ إذاً.
ثم اتفق الأصحابُ على منع بيع لحم الشاة بالشاةِ 5).
وخرّجوا بيعَ لحم الشاة بالبقر والبعير، على القولين في تجانس اللُّحمان واختلافهما، وقالوا: إن قضينا بتجانسِها، فالبيع يمتنع، كبيع لحم الشاة بالشاة، وإن حكمنا بأن اللُّحمان مختلفةُ الأجناس، ففي البيع قولان: أقيسُهما الصحّةُ؛ لأن بيع لحم الشاة بلحم البقر جائزٌ متفاضلاً، وإذا منعنا بيعَ لحم الشاة بالشاة، فهو على تقدير الشاة لحماً، فإذا كان لا يمتنع البيع مع مصير الحيوان المقابل للحم لحماً، فكيف يمتنع بيع اللحم بذلك الحيوان.
والقول الثاني - أن البيع ممتنع، لظاهر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع اللحم بالحيوان.5
وطرد بعض الأصحاب القولينِ في بيع لحم الشاة بالعبد من جهة أنه بيع اللحم بالحيوان.
2988 - والذي يجب التنبه له في مضمون هذا الباب، وأمثالِه أن من الأصول ما يستند إلى الخبر، أو إلى ظاهر القرآن، ولكن القياس يتطرق إليه من أصول الشريعة، فلا يمتنع التصرف في ظاهر القرآن والسنة، بالأقيسة الجليّة إذا كان التأويل منساغاً، لا ينبو نظر المصنف 1 عنه، والشرط في ذلك أن يكون صَدَرُ 2 القياس من غير الأصل الذي فيه ورُود الظاهر، فإن لم يتَّجه قياس من غير مورد الظاهر، لم يجز إزالةُ الظاهر بمعنىً يُستنبط منه، يَضمنُ تخصيصَه، وقصْرَه على بعض المسمَّياتِ، وقد ذكرت هذا على الاستقصاء في كتاب (الأساليب)، وألحقت فيما مهَّدتُه في ذلك الردَّ على القائلين بالأبدال في الزكوات.
هذا فيما يتطرق إليه المعنى.
فأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمرٌ صابرٌ على السَّبْر، فالأصل فيه التعلّقُ بالظاهر، وتنزيلُه منزلةَ النصِّ.
ولكن قد يلوح مع هذا مقصودُ الشارع بجهةٍ من الجهات فيتعيّن النظرُ إليه، وهذا له أمثلة: منها أن الله تعالى ذكر الملامسة في قوله (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [النساء: 43] وحملها الشافعي على الجسّ باليد، ثم تردّد نصُّه في لمس المحارم؛ من جهة أن التعليلَ لا جريان له في الأحداث الناقضةِ، وما لا يجري القياس في إثباته، فلا يكاد يجري في نفيه، فمال الشافعي في ذلك إلى اتباع اسم النساء، وأصح قوليه أن الطهارة لا تنتقض بمسهنَّ؛ لأن ذكْر الملامسة المضافة إلى النساء، مع سياق الأحداث، يُشعر بلمس اللواتي يُقصدن باللَّمسِ، فإن لم يتَّجه معنى صحيح، دلَّت القرينةُ على التخصيص.
ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس للقاتل من الميراث شيء " 3
فالحرمان لا يستدُّ فيه تَعليلٌ كما ذكرنا في الخلاف، وإذا انسد مسلكُ التعليل، اقتضت الحال التعلّق بلفظ الشارعِ، فردَّد الشافعي نصَّه في أن القتل قصاصاً، أو حدّاً، إذا صدرَ من الوارث، فهل يتضمن حرمانَه؟ فوجهُ تعليق الحرمان بكل قتلٍ التعلّقُ بالظاهر، مع حسمِ التعليل، ووجه إثبات الإرث التطلعُ على مقصود الشارع، وليس يخفى أن مقصودَهُ مضادّةُ غرض المستعجل، وهذا لا يتحقق في القتل الحق.
2989 - والذي نحن فيه من بيع اللحم بالحيوان خارج على هذا القانون، فمن عمم تعلّقَ بقول الشارع، ومن فصَّل تشوَّف إلى دَركِ مقصودهِ، وهو أن في الحيوان لحماً، فبيعُ الشاة به كبيع الشاة بلحمه.
وعن هذا قال مالكٌ 1: إن قصد من الحيوان اللحمَ، لم يجز بيع اللحم به، وهذا يقربُ من مذهبهِ في اشتراط قصد الشهوة في ملامسة الرجال.
ومن تمسك بظاهر اللفظ، فقد يترتبُ كلامُه، فيقرب بعضُ المراتب ويَبعُد بعضها، وهذا كما ذكرناه في قتلِ المورِّث.
فالقتل قصاصاً أقربُ قليلاً، وأما القتل حدّاً سيّما إذا ثبت بإقرارِ من عليه الحدُّ، فاعتقاد جريان الخبر فيه بعيدٌ.
ومن هذا القبيل منع بيع اللحم بالعبد، ولو ادّعى العلم في أن هذا ليس مرادَ الشارع، لم يكن بعيداً.
-
-
- = عن عمرَ، وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس (ر.
التلخيص: 3/ 185 ح 1406، 1407، 1408).
- = عن عمرَ، وفي الباب عن أبي هريرة، وابن عباس (ر.
-
بَابُ ثَمَرِ الحَائِطِ يُبَاعُ أَصلُهُ
2990 - صَدَّرَ الشافعي البابَ بما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من باع نخلاً بعد أن يُؤبر فثَمرتُه للبائع إلا أن يشترط المبتاعُ " 1 وقد ذكرَ الشافعي في هذا الباب تفصيلَ القول في بيع الأشجار وعليها الثمار، وفصّل القول في أنها متى تستتبع الثمارَ ومتى لا تستتبعُها، ثم ذكر في بابٍ آخر بعد هذا تفصيلَ القول في إفراد الثمار في البيع، وبيان تبقيتها وقطعها، وتفصيلَ الأقوال في ذلك.
2991 - والأشجار المثمرةُ أقسام، فمنها ما تبدُو ثمارها في أول الأمر كالتين، ومنها ما تطلع ثمارها وهي في سواتر، ثم تزول السواتر أو تُزال، وتبرز الثمار، ومنها ما يتردّدُ الناظر في اعتقاد ظهورها.
فأما الأشجار التي تكون ثمارُها بارزةً من أول الفِطرةِ، فإذا بيعت الأشجار وأُطلق تسميتُها من غير تعرضٍ لذكر الثمار، فالثمار تبقى للبائع، ولا تدخل تحت مطلق تسميةِ الأشجار؛ فإنها ليست جزءاً، وقد استقلت بظهورها.
وأما ما يطلعُ مستتراً بساتر كطلع النخل؛ فإنه يكون مستتراً بالكِمام، وأكِمّةُ الطلع غُلفٌ كثيفة تبدو مستطيلةً كآذان الحُمر والطلع في أوسَاطِها فإذا شُقَقت ظهر الطلعُ على العناقيد أبيضَ، وهو أشبه شيء بالرُّز، فإذا أُطلق بيعُ النخلة والطلع مستتر بالكِمام، فمذهب الشافعي أن الثمار تتبعُ مطلقَ تسميةَ الأشجار، ويملكها المشتري.
هذا تأصيل المذهب في الباب، وسيأتي التفصيل الآن.
فأما ما يتردّدُ الاعتقاد في ظهوره، فمن جملته الأشجارُ التي تُبدِي أزهارَها، وهي تنقسم، فمنها ما يحتوي مركَّبُ الأزهارِ وأصلُها على الثمارِ، على هيئةِ خَوخاتٍ
صغار، كالمشمش، والخوخ، وما في معناهما.
فإذا بيعت هذه الأشجار وعليها أزهارُها، فالثمار في مطلق البيع للمشتري؛ فإنها مستترةٌ استتار الطلع، وفيها مزيدُ معنى، وهو أنهُ لا يعد ثمراً حتى يشتدَّ ويصلبَ، وذلك بعد انتثار الأزهار، وانكشافِها عن الخوخات.
ومن الأزهار ما لا يحتوي على الثمار، ولكنها تطلع والثمرةُ تحتها، كالكمثرى والتفاح، فما كان كذلك، فقد اختلف الأصحابُ فيه: فالذي مال إليه العراقيون أن الثمار لها حكمُ الظهور؛ فلا تتبع الأشجارَ المطلقةَ في البيع.
ومن أصحابنا من قال: هي للمشتري؛ لأنها غيرُ منعقدة بعدُ، وإنما انعقادُها بعد انتثار الأزهار، وهذا هو الذي ذكره الصيدلاني.
ومما يتعلق بهذا القسم الكلام في الجَوْز، وقد قال العراقيون: القشرةُ العليا ساترةٌ للجوزِ سَتْرَ الكِمام للطلع، فإذا جَرى بيعُ الشجرة مطلقاًً، فالجوز تابعٌ.
وقطع صاحب التقريب بخلاف هذا، واحتجَّ بأن هذه القشور لا تزول في الغالب إلا عند [الأكل] 1، وحقّق بما ينبّه على المقصود؛ فقال: القشرة العليا تُعَدُّ من الثمرة، والكِمام تُعدُّ من الشجرة، وإذا برزَتْ منها العناقيد وأقطفت 2، قُطفت، وتُركت الأَكِمَّة على الأشجار، تركَ السعف والكرانيف، وقشورُ الجَوْز ليست كذلك.
والقُطن ملحقٌ بالنخيل، والمُراد ما يكون شجراً باقياً على مَمرّ السنين، فالقطن يؤخذ ويُتركُ القشرُ على الشجر، كما صوَّرناه في الكِمام.
وأما الورد؛ فإنه يتستر بجزء من الشجرِ، يتشقق ذلك الجزءُ وتَبرُز الوردة، فهو كالنخل، وقد تبرز الوردةُ في غبَنِها 3 متضامَّة الأوراقِ، ثم تَتَفتّق، فماذا برزت بجُملتِها، فهي ظاهرةٌ لها حكمُ البروز إذ ذاكَ، فلا تتبع.
فهذا بيانُ الظهورُ والكمونِ في الثمار 4.
2992 - ونرد التفصيل بعد ذلك إلى النخيل، وهي فحولٌ وإناث، والفحول لا تعنى ثمارُها للأكل، ولكنها تُعنَى لتؤخذَ، وتشقق أكِمّةُ الإناث ويُذرُّ فيها طلعُ الفحول، فتربو وتنمو.
وقد تشَّققُ الأكِمَّة بأنفُسها.
ثم التأبيرُ قد يختلف باختلافِ أنواع النخيل، فيتقدّمُ التأبيرُ في البعضِ، ويتأخر في البعض، ثم هي تتفاوتُ في أوان القطاف، ولم يجر عُرفُ القائمين بتعهد النخيلِ بتأبير جميعها، بل يكتفون بتأبير البعضِ، وقد تنبث رياح الفُحول إلى الجميع فتتأبر.
ثم إن اتحد النوعُ تلاحق التأبيرُ على قُربٍ من الزمانِ، وإن اختلفت الأنواع، فقد تختلف أوقات تأبيرها.
فإذا تُصوِّر ما ذكرناه، قلنا: إذا باع الرجل نخيلَ بستانٍ والنوعُ متّحدٌ، وقد أبَّر بعضَها، فالذي لم يؤبَّر ملحقٌ في الحكم بالمؤبَّر، حتى لا يتبعَ الأشجارَ في إطلاق التسمية، فالكامن منها على الصورة التي ذكرناهَا يتبع الظاهرَ، والسببُ فيه أن رعايةَ الظُّهور في الجميع عسرٌ مفْضٍ إلى تتبع كل عنقود.
والقولُ في ذلك يختلفُ إذا كَثُرت النخيل، فعسُرَ التزامُ التفصيل، وإتباعُ الكامنِ الظاهرَ أوجَهُ؛ من جهة أن الكامن إلى الظُهور في أوقات متلاحقة، والأصل استقلال الثمار بأنفسها، وانقطاعُها عن تبعية الأشجار، وظهرَ بذلك وجوب الميل إلى إتباع الكامنِ الظاهرَ.
2993 - ثم صور الوفاق فيما ذكرناه والخلاف، تنشأ من معنيين: أحدُهما - اشتمالُ البيع واختصاصُه.
والثاني - اختلافُ الأنواع، وتباينُ أوقات التأبير، [لأجلها] 1.
فإن اشتمل البَيعُ على نخيلٍ، وقد جَرى التأبير في بعضِها والنوعُ متحد، فقد اجتمع الاشتمالُ واتحادُ النوع، فيتبع الكامِنُ الظاهرَ وجهاً واحداً.
= الوصف لأنواع الأشجار والثمار والزهور لا يكون إلا عن رؤية حقيقية ومتابعة لطبيعة هذه البساتين.
وبعض نابتة العصر يهمزون أئمتنا ويلمزونهم، ويتشدقون بما يسمّونه فقه الواقع، وهم لا يدرون ما يقولون.
فإن أَفْرَدَ مالكُ النخيل نوعاً منها بالبيع المطلق، والبستانُ يشتمل على نوع آخر، وقد جرَى التأبيرُ فيما لم يبع، ولم يجرِ في شيء مما باع، فالمبيع مقتَطَعٌ عما لم يبع.
فإذا لم تكن ثمارُ النخيل المبيعةِ مؤبرة، وما كان جرَى التأبير في شيء منها؛ فإنها تتبع أصولَها في مطلق البيع، ولا نظرَ إلى ما جرى من التأبير في النوع الذي لم يُبع، وقد اجتمع في المبيع معنيان: أحدُهما - اختصاص البيع، والثاني - تميُّزُ النوعِ المبيع عن الذي لم يُبع بوجه، يقتضي التفاوتَ في أوقات التأبير، فاقتضى مجموعُ المعنيين تخصيصَ مورد البيع بحُكمه.
وإن اتَّحد نوعُ النخيل في البستانِ، وكان جرى التأبيرُ في بعضِها، فأَفرَدَ بالبيع نخيلاً منها، لم يؤبر شيء منها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نُتبعُ الأثمارَ الأشجارَ المطلقة في البيع، ولا ننظر إلى ما أُبّر؛ فإن المؤبَّر غيرُ مدرج في البيع؛ فلا يلحق البيع 1 منه حكم.
والثاني - أن الثمار كالمؤبّرة، فإنها ستتأبر على القرب، ودخول وقت التأبير عند هذا القائل كالتأبُّر نفسه.
وإن باع نوعين تختلف أوقات التأبّر فيهما، وقد جرى التأبيرُ في أحد النوعين، فهل يثبت للنوع الذي لم يؤبّر حكمُ التأبير، حتى لا تتبعُ الثمارُ الأشجارَ؟ فعلى وجهين: أحدهما - يثبتُ لها حكمُ التأبير؛ إتباعا لما أُبّر؛ فإن البيع مشتمل على النوعين، والجنس واحد، فلا نظر إلى اختلاف النوعين، وقد يفرض تفاوت الأوقات في النوع الواحد بصفاتٍ يختلف النخيل بها مع اتحاد النوع.
فهذا بيان صُور الوفاق والخلاف في ذلك.
وسنذكر نظائرَ لهذا في تصوير بدُوّ الزَّهو والصلاح، في الباب المعقود لبيع الثمار وحدَها.
فرع:
2994 - الفحول تُطلِع إطلاع الإناث، وتتأبّر على صورة تأبّر الإناث، فإذا لم يكن إلا الفحول، فبيعُها قبل التأبير كبيع الإناث، فتتبع الثمارُ الأشجارَ، هذا هو المذهب الظاهر.
ومن أصحابنا من قال: ثمار الفحول لا تتبع الأشجارَ إذا أُطلق بيعها، وإن لم تؤبر، فالنظر إلى وجود ثمار الفحول ظاهرة كانت، أو كامنةً؛ فإن المقصود منها طلعُها لتجفَّف وتُذر في شقوق أَكِمّة الإناث، وإذا كان كذلك، فمنتَهى ثمارِها وجودُها، بخلاف ثمارِ الإناث؛ فإنها تُعنى للإرْطاب وظهُورُها في حكم المبدأ للمقاصدِ منها.
ومما يتفرع على ذلك أن البستان إذا اشتمل على الفحول والإناث، وكان ظهر طلع الفحول، فهل يستتبع الإناثَ في حكم التأبير؟ فعلى وجهين: وهما كالوجهين في استتباعِ النوعِ النوعَ وقد مضى.
فرع:
2995 - إذا أُبّرت نخيل، فاطلعت بعد تأبيرها نخيل، فما صار إليه ابنُ أبي هُريرة أن التي أَطْلَعت بعد التأبير لا تتبع المؤبرّةَ [وإنما تتبعُ المؤبرةَ فيما] 1 كان طلعها موجوداً عند تأبير ما قد أُبرّ.
وقال غيرُه من أصحابنا: إن التي ظهر طلعُها بعد التأبير تتبع التي أُبّرت من قبل على تفصيلِ النّوع والأنواع كما تقدم.
فرع:
2996 - الثمرةُ التي لم تؤبَّر إذا أراد مالكُها أن يُفردَها بالبيع فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب جوازُ ذلك، وهذا مما تعلق به أصحاب أبي حنيفة 2 إذْ منعوا إتْباعَ الثمارِ النخيلَ، وقالوا: لما جاز إفراد الثمار بالبيع، دَلّ ذلك على استقلالها بنفسها، وحكى العراقيون عن أبي إسحاقَ المروزي أنه منع إفرادَ الثمارِ قبل التأبير في البيع، وقد ذكر صاحب التقريب في ذلك قولَين: وبناهُما على بيع الحنطةِ في سُنبُلها، وهذا منقدح حسن.
وسنذكر تفصيلَ القولِ في الزروع، واكتتام الطلع بالكِمام لا ينقص عن اكتتام الحب بالسُّنبل.
فرع:
2997 - كل شجرةٍ لا تُعنى أوراقُها، فإذا بيعت، دخلت أوراقُها تحت البيع، وإن كانت ظاهرةً؛ لأنها لا تعد مستقلةً بنفسها، فليُعتقد كونُها تابعةً، وإن كانت لا تبقَى وتنتثر، لا خلاف في ذلكَ.
ولو كانت الأوراق مقصودةً، كأوراق شجر التُوتِ، فإنها تُقطع لدُودِ القَزّ، فقد قال العراقيون: قال أبو إسحاقَ: الأورَاقُ الباديةُ كالثمار الظاهرةِ، فإذا أطلق بيعُ الأشجار، بقيت الأورَاقُ للبائع، اعتباراً بالثمار الظاهرة.
وقال غيرُه من الأصحاب: إنها تتبع الأشجارَ بمطلق التسميةِ، طرداً لما قدّمناه من الأصلِ في أوراق الأشجار، من غير نظر إلى تفاصِيلها.
ولم يختلف علماؤنا في أن شجرة الخِلاَفِ 1 إذا بيعت، دخلت أغصانُها التي تُقطع عادةً، وتُخلَفُ تحت مطلق البيع، فإن تيك الأغصان من جِرْم الشجرة.
فكأنا نتخيَّل مراتبَ مرتَبةً: منها في جرم الشجرة، وهو داخل تحت مطلق البيع؛ فإن اسم الشجرة صريح فيما هو من جرمه، وإن كان يُقطع فيُخلَف.
والمرتبةُ الأخرى الأوراق، وهي تكاد تكون كالجرم في الاعتبار، وإن لم تكن من جِرم الشجرة في الخِلقة؛ من حيث إنها تظهر وتنتثر، ظُهورَ الثمار والأزهار، فهي ملحقة بما هو من جرم الشجرة، إلا إذا كانت بحيث تُقصدُ وتنتَحى، كما تُقصد الثمار، فإن كانت كذلك، ففيها خلاف أبي إسحاق.
والجماهيرُ على إلحاقها بجنس الأوراق.
والمرتبةُ الأخرى في الثمار، وليست هي من [جِرم] 2 الأشجار، ولا تُعدُّ تابعةً كالأغصان، فالقول فيها ينقسم إلى الظهور والكُمون، كما سَبقَ تفصيلُه.
وكان شيخي أبو محمدٍ يقول: إذا أبَّر الطلعَ وحكمنا ببقائه للبائع، فجِرم الكِمام للمشتري؛ فإنه يُترك على النخلة.
فرع:
2998 - ذكرنا أن الكُرسفَ 3 الحجازيّ كالنخلة، فإن أصول الكُرسفِ في الحجاز أشجارٌ تبقى على مكرِّ السنين، ويعتقب القطنُ عليها اعتقابَ الثمار، والقُطن في بلادنا زرعٌ، فلا يجوز بيعُه مع استبقاء الكرسُف؛ فإن أصله ليس باقياً، وسنقرر هذا في الزروعِ، وإنما نبَّهتُ عليهِ الآن حتى لا يلتبس ناجزاً.
فصل
قال: "ومعقولٌ إذا كانت الثمرةُ للبائع أن على المشتري تركَها ... إلى آخره" 1
2999 - إذا باع الرجل شجرة وعليها ثمارٌ ظاهرةٌ، والبيع مطلق، فالثمرةُ للبائع، ولا يُجبَر على قطعها قبل أوانها، وحكم البيع اختصاصُ المشتري بملك الشجرة، وبقاء استحقاق التَّبْقية للبائع إلى أوان القطافِ، فبقي للبائع ما كان له من حق التبقية.
وورُود استحقاق المشتري على هذا الوجه على رقبة الشجرة.
وكذلك لو باع الرجلُ ثماراً مُزهيةً على أشجاره، على ما سنصف ذلك في بابه، فالمشتري يُبقي الثمارَ إلى أوان القطع، إذا جرى البيع في حالة الزَّهو.
3000 - فإذا تبيّنَ هذا عدنا إلى غرَضِنا من المسألة.
فإذا بقيت الثمرةُ للبائع، وجَرى ملك المشتري على رقبةِ الشجرة، فللبائع أن يسقي الشجرةَ التي باعها، إذا كان السقيُ لا يضرّ بالشجرة، وينفع الثمرةَ.
وليس للبائع أن يكلِّف المشتري السقيَ، لتنمو ثمارُه؛ فإن المشتريَ لم يلتزم تنميةَ الثمار، وإنما عليهِ تركُها إلى أوانِ جِدادها.
نعم من الوفاء بتركها أن يمكِّن البائعَ من تنميتِها؛ إذْ لو منعه منه، لفَسدت الثمارُ، وأدَّى هذا إلى اضطراره إلى القَطعِ قبل أوانه، أو إلى فساد الثمارِ، فإذن على المشتري أن يمكنه من السقي.
وإذا باع الثمارَ المزهيةَ فمؤنةُ السقي إلى الجِداد على بائع الثمار، كما سَيأتي ذلك في بابها، والقدْرُ الناجزُ الآن أن السقيَ من تمام التسليم، وكأنه التزمَ تسليمَ الثمار تامَّة، ومن هذا نشأ اختلاف القول في الجوائح ووضعِها، كما سيأتي ذلك في بابها إن شاء اللهُ تعالى.
3001 - فإذا باع الأشجارَ واستبقَى الثمارَ، ولو سقَى الأشجارَ، لتضرَّرت، وتعرَّضت لعلّةٍ تنالُ الأشجارَ من السَّقي، ولو تَركَ السقْيَ، لانتقصت الثمارُ، أو فسَدَت، فالطُرُقُ مضطربةٌ في هذا المقامِ.
ونحن نجمع حاصل أقوال الأصحاب.
فمن أئمتنا من يرعَى جانبَ المشتري، مَصيراً إلى أن بائع الشجرة التزمَ تسليم الشجرة على كمالها للمشتري، وكل ما يؤدي [إلى] 1 تنقيصِ الشجرة، فهوَ نقيضُ الوفاء بموجب العقد.
ومن أصحابنا من قال: للبائع أن يسقي إذا كان ينتفع ولا يبالي بتضرر المشتري.
وهذا حكاه العراقيون عن ابن أبي هريرة، ووجهه أنه استحق تبقيةَ الثمار، لا على الفساد.
فكأنه استحق تنميتَها، والبيعُ لم يَرِد إلا على هذا الموجَب.
وذكر العراقيون وجهاً ثالثاً عن أبي إسحاقَ المروزي، وذلكَ أنه قالَ: إذا تعارض حقاهما، نُظر، فإن رضي أحدُهما بترك حقِّه، فذاك.
وإن تدافَعا وتمانعا، فسخ القاضي العقدَ بينهما.
وحقيقةُ الأوجُه تؤول إلى أن من أصحابنا من يرعى جانبَ المشتري، ومنهم من يرعى جانبَ البائع، ومنهم من لا يقدّم أحدَ الحقَّين على الآخر.
ثم من ضرورة استواء الحقين إذا كانا متناقضَين، ولم يكن أحدهما أولى من الثاني، أن يُفسَخ العقدُ بينهما.
3002 - ولو كانت الثمار لا تحتاج إلى السقي، بل كانت تتضررُ به، وكانت الأشجار لا تتضرَّرُ بالسقي، فالخلاف يعود على النحو المتقدِّم.
فمن أصحابنا من رَاعى جانب المشتري، ومنهم من راعى جانب البائع، ومنهم من لم يُقَدِّم أحدَهُما على الآخر.
ثم موجَب ذلك الفسخ، كما ذكرناه.
ومن الصُوَر الملتحقةُ بما ذكرناهُ أن البائع لو أمكنهُ أن يسقي، ولو سقى، لانتفعتِ الشجرةُ والثمرةُ، ولو امتنع من السقي امتصَّتِ الثمارُ رطوبةَ الأشجار، وأضرَّت بها، فإذا كان السقْيُ ممكناً، فالبائع مُجبرٌ من جهة المشتري على أحد الأمرين: إما أن
يسقي، وإما أن يقطعَ الثمارَ إذا كان يضُرُّ بقاؤُها.
فلو لم يجد البائع الذي بقيت الثمارُ له ماء، ولو أبقى الثمرةَ، لانتفعت الثمرةُ وتضررت الشجرةُ، فقد ذكر العراقيون في ذلك وجهين: أحدهما - أنه يُجبر على القطع؛ فإنه إنما يملكُ التَّبْقِيَةَ على شرط دفع ضررِها عن الشجرة، فالتبقيةُ إذن مشروطةٌ بما ذكرناه، فإذا تخلف الشرطُ، لم يثبت المشروط.
والوجه الثاني - أن الثمرة تبقى؛ لأنها تنتفع بالتبقيةِ، وإنما على البائع أن لا يترك مجهوداً يقتدر عليه، فإذا انقطع الماءُ، فلا تقصيرَ من البائع، وحقّ التبقيةِ قائمٌ له.
والوجهان يشيران إلى ما قدمناه الآن من أن المراعَى جانبُ المشتري أو جانبُ البائع.
ولم يقع التعرضُ لاستواء الحقين، ولا بُدَّ من هذا الوجه، ثم موجَبُ استواءِ الحقين الفسخُ، كما ذكرناه.
[وما ذكرناه] 1 من التردد في قدر حاجةِ الثمرة، فأما ما يزيد على الحاجة، ويضر بالشجرة، فهو ممنوعٌ.
وتمام البيان في هذا أن أهل البصيرة، لو قالوا: الثمرةُ لا تفسد بترك السقيِ، بل تسْلَمُ الثمرةُ من غير سقي [غير] 2 أنها لو سُقيت، لظهرت زيادة عظيمة، والشجر يتضررُ بها، فهذا فيه احتمالٌ عندي، يجوزُ أن يقالَ: يُمنع البائعُ من هذا السَّقْي؛ فإن الزياداتِ في نهايتِها لا تنضبط، فالمرعيُّ الاقتصاد.
ويجوز أن يقال: له أن يسقيَ لمكان هذه الزيادة، على مذهب من يرعى جانبَ البائع؛ فإنّ هذه الزيادة تحصلُ بالسقي، ولو ترك السقيَ، لفاتت، ومن يراعي الاقتصادَ في الاحتمال الأول، لم يكتفِ بأن لا تفسدَ الثمرةُ، بل انتقاصُها عن القصد، والمسلك الوسط آفةٌ في القدر المنتقص.
فهذا بيان المذهب في ذلك.
فصل
قال: " وإن كانت الشجرةُ مما تكونُ فيه الثمرةُ ظاهرةً ... إلى آخره " 1.
3003 - نذكر في هذا الفصل صورتين: إحداهما - لم يذكرها المزني، وبها البدايةُ، فنقول: إذا اشترى رجلٌ ثماراً على الأشجار، ثم لم يقطعها حتى أخرجت الأشجارُ ثماراً زائدة، لم تكن حالةَ البيع، فلا شَك أنها للبائع، وسبيلُ التقسيم أن نقول: ذلك التلاحق والتجدد لا يخلو إما أن يكون في ثمرة تتلاحق غالباً، وإما أن يكون في ثمرة يَنْدُر فيها التلاحق.
فإن اتفقَ في ثمرةٍ لا تتلاحق غالباً، ولكن اتفق فيها التلاحق، فإن أمكن التمييز، فلا إشكالَ، وإن عسُرَ التمييزُ، واختلط الزائدُ المتجدّدُ بالمبيع الذي كان موجوداً، فلا يخلو إما أن يتفق ذلك قبل التخليةِ بين المشتري وبين الثمار، وإما أن يتفق بعد التخليةِ بينه وبينها.
فإن جرى الاختلاطُ قبل التخلية، وعَسُر التمييزُ فنقول: في أصل المسألة قولان: أحدهما - أن البيع ينفسخ، والثاني - لا ينفسخ.
التوجيهُ: من قال بالانفساخ، تعلق بتعذرِ اجتلافِ 2 المبيع، واليأسِ من التمكن منه على موجَب العقدِ، فأشبه ذلك تلفَ المبيع، وسنذكر في باب الخراج أن من باع دُرَّةً، فسقطت من يده في لُجّة البحرِ، وأَيِسَ من إصابتها؛ فإن ذلك ينزلُ منزلة التلف المحقق.
والقول الثاني - أن البيع لا ينفسخ؛ فإن عين المبيع قائمةٌ والتصرف فيها ممكنٌ على الجملة، وليس يتعذر رفعُ المانع، كما سنبيّن في التفريع.
فإذا قلنا: البيع ينفسخ، فلو قال البائع: أنا أسمحُ بحقي وأبذله للمشتري؛ قيل
له: لا أثر لهذا، والتفريع على قول الانفساخ، وهو حكم نافذٌ لا يستدركُ بعد نفوذِه بتقدير بذل، وهذا لا خفاء به.
وإن قلنا: البيع لا ينفسخ، فلا شك في ثبوت حق الخيار؛ فإن تعذر التَّسليم بإباق العبد المبيع وغيرِه يثبتُ الخيارَ للمشتري.
فلو قال البائع: أسمح بحقي، فلا تفسخ، فقد قال الأصحاب: على المشتري أن يقبل ذلك، ويمتنع عليه الفسخ، وشبّهوا هذا بمسألة النعل 1 وسنذكرُها في باب الخراج.
وتلك المسألةُ ليست خالية عن الخلافِ، وهذه التي نحن فيها أولى بالخلافِ من تلك؛ فإنَّ إلزامَ المشتري تطوُّقَ مِنّةِ البائع فيهِ بُعدٌ، وفي هبة المجهول غوائلُ، وستأتي مسألةٌ في كتاب الصيود يَحارُ فيها نظرُ الفقيهِ، وهي إذا اختلَطت حمامةٌ بحمام برج، فكيف الخلاصُ منها إذا عسُر التمييز؟ فالمسألة الآن مختلَفٌ فيها.
فإن أجبرنا المشتري سقط خيارُه، وإن لم نجبره، فهو على تخيره.
وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً في المسألةِ، وهو: أن العقدَ لا ينفسخ، ولا خيارَ ونجعلُ الاختلاطَ قبلَ القبض، بمثابة الاختلاط بعده.
وإذا فُرِض اختلاطُ مِلكَين مع الجهالة في المقدار، فالأمر موقوفٌ إلى البيان إن أمكن، أو المفاصَلة بمُصالحةٍ، أو مخاصمةٍ، تفصل بطريقها.
وهذا قولٌ بعيد؛ فإنّ تعذُّرَ التسليم في القدر المبيع ثابت، ولو لم يطرأ إلا تغيُّر المبيع أوّلاً، وخرُوجه عن التعيّن آخراً، لكان ذلك كافياً في إثبات الخيار.
3004 - وكل ما ذكرنا إذا جرى التلاحق والاختلاط قبل التخلية، فأما إذا خلّى البائعُ بين الثمارِ وبين المشتري، فجرى الاختلاطُ، فهذا يُبنَى على أن الثمار لو تلفت بعد التخلية بجوائحَ، فهي من ضمان البائع، أو من ضمانِ المشتري؟ وفيه اختلافُ قولي سيأتي في بيع الثمار، فإن قلنا: هي من ضمان البائع، فالاختلاط بعد التخلية لا يُوجب انفساخاً، ولا يثبت خياراً، ويكون ما جرى بمثابة ما لو اشترى رجل حنطةً
وقبضها، ثم انثالت عليها حنطةٌ للبائع، فلا وجه إلا المخاصمةُ، أو التوقفُ، أو المصالحةُ.
ولا اختصاص لهذا الفصل بما نحن فيهِ، ولا ينبغي أن يَظن الناظِرُ -إذا انتهى إلى هذا الموضع- أنا نقتصر في بيان هذا المشكل على هذا، وإذا انتهينا إلى مسائلِ الصلحِ، أتيتُ في هذا بأشفى بيان وأكملِه.
3005 - وهذا كُلّه كلام فيهِ إذا كانت الثمارُ مما تتلاحقُ على ندور، فأما إذا كانت تتلاحق لا محالة في المُدة التي يُبقي المشتري الثمرةَ فيها، كالتين وغيره، فالكلام يقع في هذا الفصل في صحة العقد.
فإذا اشترى ثماراً مزهيةً على شرط التبقية، فقد قال العلماءُ: إذا كانت تتلاحقُ، فالبيع باطلٌ؛ فإنه عقدَهُ على وجهٍ يتعذرُ فيهِ تَسليمُ المبيع، وكان بمثابة ما لو اشترى عبداً آبقاً.
وذكر العراقيون قولاً بعيداً أن البيع موقوف، فإن سمح البائعُ [ببذل حقّه] 1 تبيناً انعقادَ العقدِ، وإن لم يسمح تبينَّا أن البيع غيرُ منعقد في أصله.
وهذا قول مزيّفٌ لا أصلَ له، وهو بمثابة المصيرِ إلى وقف بيعِ العبدِ الآبقِ على تقديرِ فرضِ الاقتدارِ عليه وفاقاً 2. فإن طردوا هذا، فإنه على فسادهِ مطردٌ، وما أراهم يقولون ذلك.
فإن أراد من يشتري الثمار المتلاحقةَ أن يصحَّ العقد، فليشترط القطع، وإذا فعل ذلك، صحَّ العقدُ؛ فإنّ القطعَ ممكن قبل الاختلاط، وفاءً بالشرط، ثم إذا صح العقدُ، وتأخر القطعُ، واختلطت الثمارُ، فالقول في هذه الصورة كالقول فيه إذا كان الاختلاطُ مما يندُر، ولكنه اتفق على ندور، فالقول قبل التخلية وبعدها كما مضى حرفاً حرفاً.
وكل ذلك كلام في صورة واحدة لم يذكرها المزني.
3006 - فأما الصورة الثانية، وهي التي ذكرها المزني، فهي أن يبيع.
الرجلُ
الأشجارَ، وعليها ثمارٌ بقيت له، فلم يقطُفْها حتى أخرجت الأشجارُ ثماراً للمشتري، واختلطت بالثمار التي كانت للبائع، وقد اختلفَ أصحابُنا على طريقين: منهم من قال: لا ينفسخ العقد في هذه الصورة، ولا يثبت الخيارُ للفسخ؛ فإن [المبيع] 1 لم يختلط، وإنما الاختلاط في زائدٍ غيرِ معقودٍ عليه.
ولو اشترى رجل أشجاراً، وتجدَّدت ثمارٌ في يد البائع، وعابت، والمبيع في يد البائع، فلا خيار للمشتري بعيب الثمار، وهذا هو القياس الذي لا يسوغ غيرُه.
وهذا القائل يغلّط المزني في النقل، وينسبُه إلى الإخلال بالتصوير، ويقول: صورة مسألة الشافعي [هي] 2 التي انتجزت الآن، فنقل المزني التصويرَ إلى بيع الأشجار، وهو في بيع الثمار.
ومن أصحابنا من جعل المسألة على قولين في الصورة الأخيرة في الانفساخِ وخيارِ الفسخ، كما مضى.
ويزعم أن الثمار وإن لم تكن مبيعةً، فهي من حق الشجرة المبيعة؛ فإن المشتري إنما ملك الثمارَ بملكهِ الأشجارَ، ومِلْكُ الأشجارِ ثبت بالعقد.
وهذا القائل يفصل بين صورة الاختلاط، وبين تعيُّب الثمارِ المتجددةِ في يد البائع.
فنقول: الاختلاطُ سببُه بقاءُ ثمرةِ البائع على الأشجارِ، وعلى البائع في الجملة تخلية المبيع للمشترِي، فقد حصَل الاختلاط بسبب ما استبقاه البائع لنفسهِ، ولَعلّنا نذكر ما يُداني هذا في باب الخراج، عند ذكرنا مسيسَ الحاجَةِ إلى قلع باب الدار المبيعة، لنقل ما فيها من أمتعة البائع، وأن الخيار هل يثبت بهذا السبب؟ ويقرب منه نقلُ الأحجار المودَعةِ في الأرض.
فهذا منتهى القول في الصورتين.
3007 - وتكلم الأصحاب وراءهما في شيء لا اختصاص له بالمسألة، ولكنا نذكره على ترتيب ذكر الأصحاب.
فنقول: من اشترى حنطةً، واستوفاها، ثم اختلطت بها حنطةٌ أخرى للبائع بعد
القبض، فالقولُ في القدْر المختلِط قولُ المشتري إذا نازعه البائع، والسبب فيه أن اليدَ للمشتري، فإذا زعمَ أن المختلِط صاع والباقي لي، فالقولُ قولُه مع يمينهِ.
ولكن سبيله في الخصومة ألا يتعرضَ للبيع؛ فإنه إذا ادّعى بيعاً في الصاعين، فسينكره البائع، ثم يرجع الكلام إلى اختلافِ المتبايعين في قدْر المبيع.
وإن اتفق الاختلاطُ قبل التسليم، وقلنا: لا ينفسخ البيع، ولم يفسخ أيضاًً، فالقول قول البائع، في القدر الذي باعه؛ فإن اليدَ له، فيبقى البيعُ فيما يذكره، ويده مستمرة عليه.
وإن جرى هذا الاختلاف في الثمرة؛ فإن لم يخلِّ بين المشتري وبينها، فصاحب اليد هو البائع، فلا رجوع إليه، ولو خَلَّى بين المشتري وبين الثمار ولم يقطُف بعدُ، فقد اختلف أصحابنا في أن اليد لمن في هذه الحالة؟ وهذا الاختلاف مبنيّ على القولين في وضع الجوائح.
وذكر بعضُ أصحابنا وجهاً ثالثاً في اليد، فقال: الثمارُ في أيديهما؛ فإنه يتعلق بهما: السقيُ على البائع، والتصرف نافذ من المشتري في الثمار بعد التخلية، فاقتضى ذلك ثبوتُ أيديهما على التساوي، وإذا ثبت حكم اليد، فقد ذكرنا حكمَ ما قبل القبض وبعده، وحكمُ يد البائع، ويدِ المشتري.
ولو اعترفا -والاختلاط بعد القبض مثلاً- بالالتباس، ورضيا بألاَّ يُفسخَ العقدُ، رجع الكلام إلى الوقف، والاصطلاح.
وسنوضحه في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى.
3008 - ومما يتعلق بهذه الجملة أن من باع جِزَّةً من القُرْط 1، فينبغي أن يشترط في البيع القطعَ؛ فإنه يتزايد، فلو فعل ذلك، ثم لم يتفق القطعُ، حتى زاد القُرْط زيادةً بيّنة، فالذي حدث من جهة الأرض طولاً زيادة لا يستحقها المشتري 2، فالتفصيل
فيها كالتفصيل في الثمار إذا اختلطت، في الفسخ والانفساخ.
وذكرَ العراقيون عن بعض الأصحاب المصيرَ إلى أن البيعَ لا ينفسخ في هذه الصورة، ثم زيّفوا ذلك، واحتجوا بأن تلك الزيادة لا يجبُ على البائع تسليمُها، وإذا لم يجب تسليمُها وتعذر تمييزُها، فلا وجه إلا إلحاقُها بالثمار.
ولست أرى لما حَكَوْه وجهاً.
ولكنا في هذا الكتاب الحاوي لا نجد بُدّاً من ذكر ما ذكره الأئمةُ في التصانيف المشهورة، فالوجه أن نذكر الوجوه الفاسدة، وننبه على فسادِها، وإن أمكن توجيهٌ على بعدٍ أتينا به، ولعل الممكن فيه أن الزيادةَ بدت في القُرْط من جهة الجزّ فهي معلومة، والاختلاطُ لا يتحققُ تحقُّقَه في الثمار.
وهذا غير سديد.
وقد نجزَ الفصل بما فيه.
فصل
قال: " وكل أرضٍ بيعت فللمشتري جميع ما فيها ... إلى آخره " 1.
3009 - ظاهر نص الشافعي هاهنا أن من باع أرضاً، وذكر في البيع اسمَ الأرض، أو الساحة، أو العَرْصة أو البقعة، فيندرج تحت مطلق هذه الألفاظِ البناء والغراس.
ونصَّ الشافعي في كتاب الرهون على أن رهنَ الأرضِ باسمِها، لا يتناول ما فيها من بناءٍ وغرسٍ، ومن أصحابنا من أجرى القولين في البيع والرهنِ.
أحدهما - أن البناءَ والغراس يندرجُ؛ لأنها إذا اتصلت بالأرضِ عُدّت من أجزائها، فاستَتْبَعتها استتباعَ الدور حقوقَها، وإن لم يجر لها ذكر.
والقول الثاني - أن الأبنيةَ والغراسَ لا تدخل في البيع والرهن.
هذا هو الأصح؛ فإن البيعَ معقودٌ باسم الأرضِ، وليس البناء، ولا الغِراسُ، مما يتناوله اسمُ الأرض.
ومن أصحابنا من أوّل ما ذكره الشافعي هاهنا، وقال: أراد إذا زاد البائع على اسم