نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 124-163

(من الطبقة الثانية) 1 - أحمد بن سيار بن أيوب، أبو الحسن المروزي السياري.
سمع عَبْدَان بن عثمان، وعفان بن مسلم، وسليمان بن حرب، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، وروى عنه النسائي، وابن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي.
ت 240 هـ. 2 - محمد بن نصر المروزي إمام أهل الحديث في عصره، كان أعلم الناس باختلاف الصحابة، ولد ونشأ بنيسابور.
سمع من هشام بن عمار، وهشام بن خالد، والربيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى، وتفقه على أصحاب الشافعي.
وروى عنه أبو العباس السراج، ومحمد بن المنذر ت 294 هـ 3 - أبو جعفر الترمذي، محمد بن أحمد بن نصر شيخ الشافعية بالعراق قبل ابن سريج، ت 295 أربع وتسعين سنة.
(من الطبقة الثالثة) 4 - أبو الطيب بن سلمة، محمد بن الفضل بن سلمة بن عاصم البغدادي، واشتهر بأبي الطيب بن سلمة نسبةً إلى جده.
قال الخطيب البغدادي: يقال: إنه تفقه على ابن سريج.
ت 308 هـ. 5 - أبو عبد الله الزبيري.
ويعرف بصاحب الكافي، وهو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام، الأسدي.
ت 317 هـ 6 - ابن حَرْبَوَيْه، القاضي، أبو عُبيد، علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي، قاضي مصر.
حمل العلم عن أبي ثور، وداود الظاهري.
توفي ببغداد سنة 319 هـ 7 - أبو حفص بن الوكيل، البابشامي، عمر بن عبد الله بن موسى.

فقيه جليل، من نظراء ابن سريج، وأصحاب الأنماطي، وتفقه عليه، وهو من كبار المحدثين، وكانت وفاته ببغداد سنة 320 هـ 8 - ابن خيران: أبو علي الحسين بن صالح، أحد أركان المذهب ببغداد، تفقه بالأنماطي، ت 320 هـ 9 - أبو بكر النيسابوري، عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، مولى آل عثمان رضي الله عنه.
سمع يونس بن عبد الأعلى، والربيع، والمزني، وأبا زُرعة، وروى عنه الدارقُطني وجماعة كان من أحفظ الناس للفقهيات واختلاف الصحابة.
ت 324 هـ 10 - أبو سعيد، الإصطخري، الإمام الجليل، حسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل بن بشار بن عبد الحميد، قاضي (قم).
كان هو وابن سريج شيخي الشافعية ببغداد.
ت 328 هـ 11 - أبو يحيى البلخي، زكريا بن أحمد بن المحدث يحيى بن موسى ختّ، القاضي الكبير، من كبار أئمة الشافعية.
ت 330 هـ 12 - أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبد الله البغدادي.
الإمام الجليل الأصولي، كان يقال: أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، تفقه على ابن سريج، وشرح رسالةَ الشافعي.
ت 330 هـ 13 - ابن القاص، الشيخ، الإمام، أبو العباس، أحمد بن أبي أحمد الطبري.
أخذ الفقه عن ابن سريج، صاحب المفتاح، والمواقيت، وأدب القاضي، والتلخيص، وهو أنفسها، وقد اعتنى الأصحاب بشرحه، فشرحه أبو عبد الله الختن، ثم القفال، ثم أبو علي السِّنجي، وآخرون.
توفي بطرسوس سنة 332 هـ 14 - أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد بن إسحاق.
تفقه على ابن سُريج.
وإليه تنتهي طريقة العراقيين والخراسانيين، شرح مختصر المزني، وانتقل آخر عمره إلى مصر، وجلس مجلس الشافعي، فاجتمع الناس عليه، توفي بمصر، ودفن عند الشافعي سنة 340 هـ

15 - أبو بكر الصِّبغي، أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد بن عبد الرحمن بن نوح، النيسابوري.
توفي 342 هـ وهو غير أبي بكر الصِّبغي النيسابوري الآخر الذي اسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين المتوفى سنة 344 هـ. فهما متفقان في الكنية والنسبة واللقب، ولا يختلفان إلا في الاسم وسنة الوفاة.
16 - ابن أبي هريرة: أبو علي الحسن بن الحسين، الإمام الجليل، القاضي، أحد رفعاء المذهب، تفقه بابن سريج وأبي إسحاق المروزي، ت 345 هـ. 17 - ابن الحداد، أبو بكر، محمد بن محمد بن جعفر، الكناني، المصري الإمام الجليل، صاحب (الفروع) وهو من نظار الأصحاب وكبارهم، وله كتاب (الباهر)، و (أدب القضاء) و (جامع الفقه) وقد عني بكتابه الفروع عظماء الأصحاب، فشرحه القفال، وأبو علي السنجي، والقاضي، وغيرهم.
ت 345 هـ 18 - أبو علي الطبري، صاحب الإفصاح، الحسين بن قاسم، له الوجوه المشهورة في المذهب، والإفصاح شرحٌ على المختصر، تفقه على أبي علي ابن أبي هريرة، سكن بغداد، وتوفي بها سنة 350 هـ. 19 - أبو بكر الفارسي، أحمد بن الحسن 1 بن سهل، من أئمة الأصحاب ومتقدميهم، صاحب (عيون المسائل)؛ من تلاميذ ابن سريج، وفي تاريخ وفاته اختلاف واضطراب، قيل: ت سنة 305، وقيل: سنة 350 وهو ما ذكره النووي في تهذيبه، وهو الأرجح، فقد صح أنه كان موجوداً في ذي الحجة من سنة 339 هـ، ذكر ذلك السبكي في ترجمته، واستدلّ عليه بما فيه مقنع.
20 - أبو بكر المحمودي، محمد بن محمود المروزي، المعروف بالمحمودي، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وأخذ عن عَبْدان تلميذ المزني والربيع.
توفي بعد 300 هـ

21 - ابن القطان، أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي، آخر أصحاب ابن سريج وفاة، أخذ عنه علماء بغداد.
ت 359 هـ 22 - الإمام، سهل الصعلوكي، هو محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان، العِجلي، الأصبهاني، ثم النيسابوري.
تفقه على أبي إسحاق المروزي.
ت 369 هـ 23 - أبو زيد المروزي، محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، الفاشاني، من قرية فاشان، إحدى قرى مرو (بفاء مفتوحة ثم ألف ثم شين معجمة ثم ألف ثم نون) من أصحابنا الخراسانيين، من أحفظ الناس لمذهب الشافعي، وأحسنهم نظراً، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وروى عنه الحاكم والدارقطني.
ت 371 هـ 24 - أبو أحمد الجرجاني، محمد بن إبراهيم بن الصباغ، صاحب أبي إسحاق الشيرازي، تفقه على أبي إسحاق المروزي.
ت 373 هـ 25 - الماسَرْجِسي، أبو الحسين، محمد بن علي بن سهل، النيسابوري، شيخ القاضي أبي الطيب، أخذ عن أبي إسحاق المروزي، وصحبه إلى مصر، ولازمه إلى أن توفي، فانصرف إلى بغداد، ثم إلى خراسان ومات بها.
ت 384 هـ 26 - أبو بكر الأُودني، محمد بن عبد الله بن محمد بن نصير بن ورقة، البخاري، روى عنه الحاكم وغيره، كان إمام الشافعيين بما وراء النهر، توفي ببخارى سنة 385 هـ 27 - أبو القاسم الصيمري، عبد الواحد بن الحسين بن محمد، القاضي، نزيل البصرة، ارتحل إليه الناس من البلاد، وهو ممن تفقه عليه الماوردي، وصنف كتباً كثيرةً، منها الإيضاح.
ت 386 هـ 28 - زاهر السرخسي، أبو علي، زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى، منسوب إلى سَرَخْس من نواحي خُراسان.
تفقه على أبي إسحاق المروزي 389 هـ 29 - الخِضري، أبو عبد الله محمد بن أحمد المروزي، إمام مرو، ومقدم الشافعية، أحد شيوخ القفال.
ت في عشر الثمانين والثلاثمائة.
(نحو 373 هـ)

30 - أبو الحسن الجوري 1، القاضي، علي بن الحسين.
منسوب إلى (الجور) بضم الجيم من بلاد فارس، لقي أبا بكر النيسابوري، وحدث عنه وعن جماعة، ومن تصانيفه كتاب المرشد، في شرح مختصر المزني.
ت بعد 300 هـ (من الطبقة الرابعة) 31 - الحَليمي، أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الجرجاني.
أحد أئمة الدهر وشيخ الشافعيين بما وراء النهر، روى عنه الحاكم وغيره.
ت 403 هـ 32 - أبو علي السِّنجي، الحسين بن شعيب بن محمد المروزي، والسِّنجي نسبة إلى (سِنج) قرية من قرى مرو.
إمامُ زمانه في الفقه، تفقه على الإمامين شيخي الطريقتين: أبي حامد الإسفراييني شيخ العراقيين، وأبي بكر القفال المروزي، شيخ الخراسانيين، وجمع بين طريقتيهما، وشرح المختصر شرحاً مطولاً، وشرح أيضاً تلخيص ابن القاص، وفروع ابن الحداد، وهو والقاضي حسين أنجب تلامذة القفال.
ت 430 هـ 33 - الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، إمام في الكلام والأصول والفقه وغيرها، أقام بالعراق مدةً، ثم رجع إلى وطنه إسفراين، فطلب منه أهل نيسابور الانتقال إليهم، فأجابهم، وبنَوْا له مدرسة عظيمة، فلزمها إلى أن توفي بها.
ت 418 هـ 34 - أبو عاصم العبادي، القاضي، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عباد، الهروي، صاحب المؤلفات المتعددة.
ت 458 هـ 35 - القاضي حُسين، الإمام، المحقق، أبو علي، حسين بن محمد بن أحمد، المرورّوذي.
أحد رفعاء المذهب، ومن له الصِّيت في الآفاق، وهو من أجلّ أصحاب القفال المروزي، تخرج عليه كثير من الأئمة، له شرح على فروع ابن الحداد.
ومتى

أُطلق (القاضي) في كتب متأخري الخراسانيين، كالنهاية، والتتمة، والتهذيب، وكتب الغزالي، ونحوها، فإياه يعنون.
ت 462 هـ ونكتفي بهؤلاء، وقد عُنينا بهم، لأن أسماءهم وردت موجزة في الأشكال البيانية الملحقة بهذا المبحث (شكل رقم 2، 3، 4) فأردنا أن نعرف بهم بعض التعريف.

تحديد أصحاب الوجوه

: أشرنا من قبل إلى أن الاتفاق على أصحاب الوجوه ليس ميسوراً، وقد صدّق قولَنا هذا العلامة بن سُمَيط العلوي الحضرمي (1277 هـ-1343 هـ)، فقد عدّدَ من أصحاب الوجوه قوماً، اتفق مع أحمد بك الحسيني في بعضهم، وزاد عنه بعضاً آخر، لم يعدّه الحسيني منهم.
فمن هؤلاء الذين زادهم ابنُ سُميط: 1 - أبو علي بن خَيْران.
2 - أبو علي بن أبي هريرة.
3 - ابن الحداد.
4 - القفال الشاشي.
5 - أبو عبد الرحمن القزاز.
فهؤلاء لم يعدَهم الحسيني من أصحاب الوجوه، لا سهواً، ولا اختصاراًَ، بل ترجم لهم، ولم يقل: (من أصحاب الوجوه) كما قال في الذين عدّدهم.
بل إن عبارة ابن سُميط توحي بأنه يرى أن أصحاب الوجوه موجودون في الطبقات بعد الرابعة، حيث يقول: "ثم جاء بعدهم بقية أصحاب الوجوه طبقة بعد طبقة" 1. وقد خالفه في ذلك السيد علوي بن أحمد السقاف المتوفى 1335 هـ وهو -أيضاً- من محققي المتأخرين، حيث ينقل عن ابن حجر الهيتمي المتوفَّى سنة 974 هـ ما لفظه: " وفي الاصطلاح المرادُ بالأصحاب المتقدمون، وهم أصحاب الأوجه غالباً، وضُبطوا بالزمن، وهم من الأربعمائة " 2. فأنت تراه متفقاً في ذلك مع أحمد بك الحسيني، وهذا هو المقبول والراجح، وإن كنا لا نمنع أن يوجد آحاد بعد ذلك لهم القدرة على التخريج.

من غير أصحاب الوجوه، أعمدة وأركان للمذهب

: ولم يكن أصحاب الوجوه وحدهم أصحاب الأثر في نشر المذهب وشيوعه، فإذا كان أصحاب الوجوه هؤلاء قد أفادوا المذهب بتفريعهم وتَخريجهم على نصوص الشافعي -على ما سنشرح معنى الوجهين بعدُ- فإن هناك من الأصحاب من أوتي القبول في التدريس، والقدرة على المباحثة، فكثر تلاميذُه، وحملوا المذهب، وانساحوا به في الأرض.
ومنهم من وهب القدرة على التصنيف والإملاء، فحملت كتبه إلى الآفاق، وحَفِظَتْ مادةَ الفقه، ويسَّرت التفقه على المذهب.
ومن الأصحاب من مُنح القدرة على المناظرة، ونصرة المذهب أمام المخالفين، ومنهم من جمع الله له كلَّ ذلك، ولا حرج على فضل الله.
ونذكر بعض المشهورين من هؤلاء، سرداً بدون ترجمة؛ طلباً للإيجاز، فمنهم: 1 - داود الظاهري، أبو سليمان داود بن علي بن خلف، كان من أجل أنصار الشافعي قبل أن يستقل بمذهب الظاهر.
ت 270 هـ 2 - الأنماطي، أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار توفي 288 هـ 3 - عَبْدان بن محمد بن عيسى، الإمام، أبو محمد، المروزي ت 293 هـ 4 - ابن بنت الشافعي، أحمد بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع ت 295 هـ 5 - إبراهيم بن محمد البلدي ت (نحو 299 هـ). من الطبقة الثالثة 6 - أبو زُرعة الدمشقي، القاضي، محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة، الثقفي، مولاهم، الدمشقي.
ت 302 هـ

7 - ابن سُرَيْج 1، أبو العباس، أحمد بن عمر البغدادي ت 306 هـ 8 - أبو عَوانة، الإسفراييني، الحافظ، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بن زيد النيسابوري ت 316 هـ 9 - أبو الوليد النيسابوري، حسان بن محمد بن أحمد بن هارون القرشي، الأموي ت 349 هـ 10 - القاضي أبو حامد المرورّوذي، أحمد بن بشر بن عامر العامري.
ت 362 هـ 11 - القفال الكبير، الشاشي، أبو بكر، محمد بن علي بن إسماعيل.
ت 365 هـ 12 - أبو بكر الإسماعيلي، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس، الإسماعيلي.
ت 371 هـ 13 - صاحب التقريب، الإمام أبو الحسن القاسم، ابن القفال الشاشي الكبير، القاسم بن محمد بن علي بن إسماعيل.
ت نحو 399 هـ من الطبقة الرابعة 14 - أبو الحسن المحاملي، أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي، المعروف بابن المحاملي.
ت 415 هـ 15 - القفال الصغير، المروزي، أبو بكر، عبد الله بن أحمد بن عبد الله.
ت 417 هـ 16 - الصيدلاني، أبو بكر، محمد بن داود بن محمد الدّاودي.
ت 427 هـ 17 - الجويني، أبو محمد، والد إمام الحرمين، عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيُّوية.
ت 438 هـ 18 - القاضي أبو الطيب الطبري، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر.
ت 450 هـ ...

العراقيون والخراسانيون

1 كما أشرنا من قبل انساح الفقه الشافعي في دار الإسلام، يحمله الأصحاب جيلاً عن جيل، حتى وصلنا إلى نهايات القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، فظهر مصطلح: أصحابنا الخراسانيون، وأصحابنا العراقيون.
ثم تبع ذلك ما سُمي طريقةَ العراقيين، وطريقة الخراسانيين.
ونحب أن نؤكد هنا عدة أمور: 1 - أن هذه النسبة: عراقي أو خراساني، لا علاقة لها بالِعْرق والميلاد، وإنما تأتي هذه النسبة من الشيوخ والتلقي، وموطن المدَارَسة، والتّلْمذة، فقد يكون الصاحب خُراسانيّ الأصل والعِرْق، والمولد، ولكنه عاش في العراق، وسمع شيوخ العراق، فهو حينئذٍ عراقي، وأوضح مثالٍ على ذلك الشيخ أبو حامد الإسفراييني، شيخُ طريقة العراقيين، فهو إسفراييني المولد، بل والنشأة، فقد قدم بغداد شاباً، وتفقه على شيوخه العراقيين وتخرّج بهم، فصار بهذا عراقياً، بل هو شيخُ طريقة العراقيين.
قال السبكي في ترجمته: "ولد سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وقدم بغداد شاباً، فتفقه على الشيخين: ابن المرزبان: [علي بن أحمد، أبو الحسن، البغدادي، المتوفى 366 هـ] 2 والداركي 3، [أبو القاسم، عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، والدارَكي نسبة إلى (دارَك) من أعمال أصبهان ت 375 هـ] 4.

الشكل الثالث: يبين أعلام طريقتي الفقه الشافعي ثم الجمع بين الطريقتين: أ- الخراسانيون القفال الصغير المروزي، أبو بكر عبد الله بن أحمد ت 417 هـ شيخ طريقة الخراسانيين ومن أشهرهم: 1 - أبو محمد الجويني ت 438 هـ 2 - الفوراني: أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن فوران ت 461 هـ 3 - القاضي حسين: الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروزي ت 462هـ 4 - الشيخ أبو على السنجي: الحسين بن شعيب المروزي السنجي ت 427 هـ وقيل 430 هـ 5 - المسعودي: أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن المسعود بن أحمد المروزي، توفي سنة نيف وعنرين وأربع مئة هـ 6 - إمام الحرمين: عبد الملك بن عد الله بن يوصف الجويني ت 478 هـ

ب- العراقيون الشيخ أبو حامد الاسفراييني ت 406 هـ رأس طريقة العراقيين، تبعه جماعة لا يحصون عدداً، أشهرهم: 1 - الماوردي: القاضي أبو الحسن علي بن حبيب ت 450 هـ 2 - القاضي أبو الطيِّب الطبري: طاهر بن عبد الله بن طاهر ت 450 هـ 3 - القاضي أبو علي البندنيجي: الحسن بن عبد الله ت 425 هـ 4 - المحاملي: أبو الحسن: أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، ت 415 هـ 5 - سيم الرازي: أبو الفتح: سليم بن أيوب الرازي ت 447 هـ 6 - أبو إسحاق الشيرازي ت 476 هـ 7 - القاضي أبو علي الفارقي: الحسن بن إبراهيم ت 528 هـ 8 - ابن أبي عصرون: أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي الموصلي ت 585 هـ

من جمع بين الطريقتين: أ- هؤلاء خراسانيون جمعوا بين الطريقتين 1 - الشيخ أبو علي السنجي (ت 427 هـ) 2 - أبو عبد الله الحليمي (ت 403 هـ) 3 - المتولي صاحب التتمة (ت 448 هـ) 4 - إمام الحرمين (ت 478 هـ) 5 - الكليا الهراسي (ت 504) 6 - أبو حامد الغزالي (ت 505)

ب- هؤلاء عراقيون جمعوا بين الطريقتين 1 - أبو إسحاق الشيرازي (ت 476) 2 - ابن الصباغ صاحب الشامل (ت 477) 3 - الروياني صاحب البحر (ت 502) 4 - القفال الشاشي صاحب الحلية (ت 505)

فها هو الشيخ أبو حامد يولد في إسفراين - بكسر الهمزة والياء، كما ضبطها الفيروزآبادي، وكذلك ابن خلكان، أما ياقوت في معجم البلدان، فقد ضبطها بفتح الهمزة وياءين -وهي بلدة بخراسان من نواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان- فهو خراساني المولد والنشأة، ولكنه عراقي التفقه، فصار من (أصحابنا العراقيين).
بل إن هذا ينطبق أيضاً على شيخه الدارَكي، فمع أنه دَارَكي، أصبهاني، نيسابوري، خراساني، وتفقه على الشيخ أبي إسحاق المروزي، ودرّس في نيسابور، إلا أنه انتهى بغدادياً (من أصحابنا العراقيين) وانتهى إليه الفقه في بغداد، وعنه أخذ عامة شيوخها 1. 2 - ومما ننبه إليه أيضاً أن الخراسانيين يسمّون أيضاً بالمراوزة، فتارة يقولون: " أصحابنا الخراسانيون "، وأخرى يقولون: " أصحابنا المراوزة "، وهما سواء على حد تعبير ابن الملقن في طبقاته، وقد علل لذلك بقوله: " لأن أكثر الخراسانيين من مرو وما والاها " 2 فإن أراد " بما والاها " باقي مدن خراسان: نَيْسابور، وهَراة، وبَلْخ، وما حولها، فهو صحيح إن شاء الله.
أما إذا أراد بذلك أن أكثر الخراسانيين من مدينة مرو بذاتها، فهذا خلاف الواقع، فإن مرو ليست كبرى مدن خراسان، فقد حَكَوْا في سبب الجفوة التي كانت بين أبي القاسم الفوراني وإمام الحرمين= أن الفوارني جاء من مرو إلى نيسابور للعزاء في الشيخ أبي محمد والد إمام الحرمين، وكان في تقديره أن المتفقهة في نيسابور سيُجلسونه مكان أبي محمد شيخاً لفقهاء نيسابور؛ فإنهاأكبر من مرو التي كان شيخاً لها، ولكنه فوجىء بأن أهل نيسابور أجلسوا إمام الحرمين مكان أبيه؛ فأظهر أنه جاء للعزاء لاغير.
وعلى عادة أئمتنا في ذلك العصر، بقي في نيسابور مدة، ليدرّس، ويناظر،

وكان إمام الحرمين يغشى حلقته، ويحضر مناظراته، فلم يكن يلتفت إليه، ويحلّه بالمحل اللائق به، فمن هنا كانت هذه الجفوة التي سجلها التاريخ، ورأينا آثارها في كتابنا هذا (نهاية المطلب)، حيث لم يصرح إمام الحرمين باسمه مرة واحدة، على طول هذا الكتاب، وإنما يقول عنه حيث يضطر لذكره: " بعض المصنفين " حتى تسمية كتبه لم يصرح بها إمام الحرمين، وإنما يقول: " وفي بعض التصانيف ". ويعنينا من ذلك أن نثبت أن (مرو) لم تكن أكبر مدن خراسان، على الأقل في ذلك الوقت.
فما السبب الذي من أجله ساغ إطلاق لفظ (المراوزة) على (الخراسانيين)؟ أعتقد أن السبب في ذلك هو ما وقع اتفاقاً من أن شيخ الطريقة وهو القفال كان مروزيّاً، وكان شيخه أبا زيد المروزي، وشيخ شيخه أبو إسحاق المروزي؛ فمن أجل ذلك صح وضع أحد الاسمين مكان الآخر، وأن يقال عن أي خراساني: (مروزي) وإن لم يدخل (مرو).
واعتبر هذا بما لو كان شيخ الطريقة (بلخياً) أو (هروياً).
3 - والذي ننبه إليه ثالثاً أن بإطلاق لفظ (خراسانيين) في هذا المقام لا يراد به خراسان بحدودها الجغرافية -على سعتها وامتدادها- بل المراد كل الجناح الشرقي لدار الإسلام، فيشمل كلَّ ما وراء النهر إلى حدود الهند والصين.
وقد نبه إلى ذلك ابنُ الملقن، فقال وهو يُعدِّد مواطن الخراسانيين: " وجماعة من أصحابنا من بلاد المشرق كأصبهان، وجُرجان، وسمرقند، ونَسف، وهراة، ومرو، وبخارى، وشيراز، والرَّي، وطوس، وهمدان، ودامغان، وساوة، وتبريز، وبيهق، ومَيْهَنة، وإستراباذ، وغير ذلك من المدن الداخلة في أقاليم ما وراء النهر، وخراسان وأذربيجان، وماريدان، وخُوارِزْم، وغَزْنة، وكرمان، إلى بلاد الهند، وجميع ما رواء النهر إلى أطراف الصين والعراقَيْن -يقصد العراق العربي والعراق العجمي- وغير ذلك " 1 ا. هـ

ويبدو أن (نيسابور) كانت عاصمة خراسان، أو كالعاصمة لها، ولهذا عقد ابن الملقن موازنةً بينهما حين قال: " وكل نيسابوري خراساني، ولا عكس؛ فالخراسانيون أعم منهم، وليس الخراسانيون مع نيسابور كالعراقيين مع بغداد، فثم جمعٌ من خُراسان لم يدخلوا نيسابور بخلاف العراقيين، لاتساع بلاد خراسان، وكثرة المدن بها 1 ". فواضح أنه يفرق بين بغداد بالنسبة للعراقيين، ونيسابور بالنسبة للخراسانيين؛ فكل عراقي يدخل بغداد، وليس كل خراساني يدخل نيسابور؛ ويعلل ذلك باتساع بلاد خراسان، وإنما نبهنا إلى ذلك، وقلنا: إن المراد في هذا المقام ليس خراسان بحدودها الجغرافية؛ لأننا وجدنا ياقوت في معجم البلدان ينبه على أن ما وراء النهر ليس من خراسان فيقول: " ومن الناس من يُدخل أعمال خوارِزم في خراسان، ويعدّ ما وراء النهر منها، وليس الأمر كذلك " 2 وكأني به يردّ على هذا التوسّع الذي رآه في كتب طبقات المذهب ومصطلحاته.
والله أعلم.
4 - وننبه أيضا أن لفظ أو مصطلح (العراقيين) يطلق أيضا ويراد به الأحناف، وأوضح ما يمثل ذلك الاستعمال كتاب إمامنا الشافعي بعنوان: (اختلاف العراقيَّين): يعني أبا حنيفة، وابنَ أبي ليلى، وهو ضمن كتاب الأم (الجزء السابع).
وأيضاً كتاب الكوثري بعنوان: (فقه أهل العراق وحديثهم).
فإذا قيل أو أطلق لفظ (العراقيون) في مقابلة الخراسانيين، فالمراد به الأصحاب من أهل العراق، وأما إذا أطلق في مقابلة مذهب الشافعي أو غيره، فالمراد به أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه.
5 - ومما يلفت النظر أن المصريين لم يكن لهم طريقة خاصة بهم، مع أن المذهب مصري: اكتمل بناؤه، وبلغ أشده بمصر، فلماذا لم نجد طريقة المصريين بجوار طريقة العراقيين والخراسانيين؟

وإذا قلنا: إن العراق كانت مهوى الأفئدة، ومحط رحال العلماء، حيث بغداد عاصمة دار الإسلام، بل عاصمة الدنيا في ذيّاك الزمان، فما بال خراسان وبلاد المشرق تناصي بغداد وحدها دون مصر؟ والجواب عن ذلك سهل ميسور، يظهر لمن عنده شيء من التأمل في تاريخ أمتنا، يوضح له الحقائق الآتية: 1 - لم تكن بلاد الإسلام على النحو الذي هي عليه الآن من الحدود والسدود، والقيود، وقوانين الجنسية، بل كانت كل بلاد الإسلام داراً واحدة، ينتقل فيها المسلم كيفما شاء، ويستوطن حيثما شاء؛ فلا يصح قياس الغائب على الحاضر، ولا تتصور ما كان على ما هو كائن اليوم.
ب- إن الرحلة في طلب العلم كانت ديدن علمائنا وأئمتنا، ينبغ الواحد منهم حيث نبغ، فيأخذ عن أهل بلده، وعلماء إقليمه، حتى إذا شعر أنه حاز كل ما عندهم انتقل إلى جهة أخرى، يبحث عن جديدٍ فيها، ويعرض ما عنده، ويمتحنه بالمناظرة، فيأخذ ويُعطي، ويظل هكذا يعلم ويتعلم طول حياته.
وليس من الاستطراد أن أقول: إن هذا -الرحلة في طلب العلم واعتبار كل بلاد الإسلام داراً واحدة- ظل إلى عهد قريب، فقد كان الشيخ محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر في عام 1952 م وهو تونسي الأصل، لم يقل أحدٌ يومها: كيف يتولى مشيخة الأزهر (أجنبي)؟ ومن الطريف أن وكيل الأزهر في أيامه كان الشيخ محمد نور الحسن، وهو (سوداني).
تأمل.
شيخ الأزهر تونسي، ووكيله سوداني، وأين علماء مصر؟ لم يقل أحد ذلك، بل لم يخطر على بال أحد أن ينظر إلى ذلك.
كان الشيخ محمد الخضر حسين تونسياً، تخرج في الزيتونة، وعمل بالقضاء، ثم التدريس في الزيتونة، ثم انتقل إلى دمشق واستقر بها، ولكنه عاد فشد الرحال إلى مصر، وتقدم للامتحان بالأزهر، فحصل على شهادة العالمية، وأنشأ بمصر جميعة أهلية (جمعية الهداية) ومجلة الهداية، وخاض معارك أدبية وعلمية ضد الشيخ علي عبد الرازق وكتابه: الإسلام وأصول الحكم.
وضد طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي).

وظل يصول ويجول في الساحة الفكرية والسياسية المصرية حتى توفي 1958، ودفن بناءً على وصيته في مقبرة صديقه العلامة أحمد تيمور باشا.
ونذكر في هذا الباب أيضاً العلامة الشيخ محمد رشيد رضا الذي رحل من طرابلس لبنان إلى مصر، فأنشأ بها مجلة المنار، وظل علماً من أعلام الفكر، له مدرسته الخاصة التي لها أثرها للآن.
توفي سنة 1935 م. ونذكر أيضاً الشيخ الدمشقي محب الدين الخطيب الذي أنشأ بمصر المطبعة السلفية ومكتبة ومجلة الفتح والزهراء، ورأس تحرير مجلة الأزهر.
ت 1969 م. فهؤلاء مُثل لما كان عليه الحال في هذا التاريخ القريب.
فتأمل كيف صارت أمورنا الآن! ومن يتأمل كتب التراجم والطبقات يجد في هذا الباب (الرحلة في طلب العلم) عجباً، مما يجعله جديراً بأن يكون موضوعاً لبحثٍ أو أطروحةٍ علمية، على أني أريده بحثاً إحصائياً أولاً، بمعنى تتبع الذين ارتحلوا في طلب العلم، وحصر أعدادهم، ومدة ارتحالهم، وعدد المواطن التي ارتحلوا إليها، وأكثر المَواطن اجتذاباً للعلماء في كل عصر، وعدد الذين عادوا إلى موطنهم الأصلي، وعدد الذين استجدّوا لهم موطناً... إلخ.
ثم يأتي بعد ذلك أثر الرحلة في علومهم، ومن تأثر، ومن أثر... إلخ.
جـ- إذا تأملت البندين السابقين سهل عليك أن تعلم أن تلامذة الشافعي الذين كانوا يجلسون إليه ويتلقَّون عنه لم يكونوا جميعاً مصريين، وأن من سمعه وأخذ عنه من المصريين لم يبقوا جميعاً في مصر، وهذا نقوله عن مجرد ملاحظة ويحتاج الأمر إلى إحصاء وتتبع، لسنا له الآن.
ولكن المقطوع به أن الذين حملوا المذهب عن تلاميذ الشافعي غير المصريين كانوا أضعاف أضعاف المصريين، ويكفي دليلاً على ذلك ما رواه النووي في تهذيب الأسماء واللغات عن محمد بن أحمد بن سفيان الطرائقي البغدادي أنه كان يقول: "سمعت

الربيع بن سليمان يوماً، وقد حط على باب داره تسعمائة راحلة في سماع كتب الشافعي رضي الله عنه" (1). وربما يغني عن كل ذلك أن نقول: إن الفاطميين دخلوا مصر في سنة 358 هـ واستقروا بها، وقضوا على المذهب الشافعي بها.
فإذا عرفنا أنّ ظهور الطريقتين كان في أواخر القرن الرابع وأوئل القرن الخامس، وأن أبا إسحاق المروزي الذي أخذ عنه شيوخ رأسي الطريقتين توفي سنة 340 هـ إذا عرفنا ذلك أدركنا لماذا لم تتميز مصر بطريقة خاصة بها مثل خراسان والعراق، فقد انتهى وجود المذهب في مصر قبل نشوء الطريقتين.

عودٌ إلى مسألة الطريقتين

أول ما نلاحظه أنه مع كثرة ترداد المصطلح في كتب الأئمة، فتراهم يقولون: في طريقة العراقيين كذا، وفي طريقة الخراسانيين كذا، مع كثرة هذا الترداد لم نجد عناية تذكر بهذه القضية ممن ألف في طبقات المذهب ومصطلحاته؛ فلم نجد كتابة شافيه، ولا كافية في هذا الشأن.
فكل ما وجدناه عن الطريقتين عند الإمام النووي في الفصل الذي عقده في مقدمة المجموع لبيان القولين والوجهين والطريقين، كل ما وجدناه هو قوله: " وأما الطرق، فهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلاً: في المسألة قولان أو وجهان، ويقول الآخر: لا يجوز، قولاً واحداً، أو وجهاً واحداً أو يقول أحدهما: في المسألة تفصيل، ويقول الآخر: فيها خلاف مطلق.
وقد يستعملون الوجهين، في موضع الطريقين وعكسه " 2. ومن بين مؤلفي كتب الطبقات وجدنا ابن الملقن وحده الذي يعقد فصلاً افتتحه بقوله: " وقد انقضى الكلام بحمد الله ومنِّه على الطبقة الأولى بأقسامها مستقصىً،1

ونختم الكلام فيها بقاعدة مهمة، وهي بيان انقسام أصحابنا إلى عراقيين وخراسانيين" 1. ولكنه تحت هذا العنوان لم يزد على بيان من هم العراقيون، ومن هم الخراسانيون، وشغل الفصل كلَّه ببيان مدن خراسان، ومن أَرَّخ لكل مدينةٍ منها، بعد أن قال في مفتتح الفصل: " فاعلم أن أصحابنا تفرّقوا، فالعراقيون أهل بغداد، وما والاها، وقد صنف الخطيب (تاريخ بغداد) وذيّل عليه ابنُ النجار، وابنُ السمعاني " 2. ثم أكمل -كما أشرنا- بذكر مدن خراسان ومَنْ أرّخ لها.
ولم يُشر إلى معنى الطريقة، ولا متى نشأت، وكيف نميز بين رجال هذه وتلك، بل يُفهم من صنيعه أنه لا يقصد إلى شيء من ذلك، فإنه يدعونا إلى التعرف على الأصحاب العراقيين من خلال تاريخ بغداد وذيوله، والتعرف على الخراسانيين من تاريخ نيسابور للحاكم، وتاريخ أصبهان لأبي نُعيم، وتاريخ مرو لابن السمعاني... إلخ.
ومعلوم أن كل كتاب من هذه الكتب يترجم لكل من دخل المدينة التي يؤرخها ممن لهم شأن: قادة كانوا، أو أمراء، أو شعراء، أو نحاة، أو لغويين، أو فقهاء، فلا علاقة لها بما نحن فيه من معنى الطريقة ورجالها.
وفيما عدا ذلك لم نجد إلا شذرات وإشارات تتكرر في كل كتب الطبقات تقريباً، وربما بنفس الألفاظ.
فعند الترجمة للقفال المروزي المتوفى 417 هـ يقولون: رأس طريقة أصحابنا الخراسانيين.
وعند ترجمة الشيخ أبي حامد الإسفراييني المتوفى 406 هـ يقولون: رأس طريقة العراقيين.

وعند ترجمة الشيخ أبي على السنجي المتوفى 430 هـ يقولون: أول من جمع بين الطريقين.
وعند ترجمة الشيخ أبي إسحاق المروزي المتوفى 340 هـ يقولون: وعنده تلتقي الطريقتان.
هذا كل ما وجدناه عن الطريقتين.
أما معنى الطريقة ومفهومها، فلم نجد عندهم شيئا، وأما عوامل تباين الطريقتين وسبب نشأتهما، فلم نجد شيئاً، كما لم نجد شيئاً ذا بال عن الأصحاب في كل طريقة، وعما امتازت به كتب ومؤلفات كل طريقة.
هذا ما وجدناه عند المتقدمين وفي كتبهم.
أما المتأخرون، فقد وجدنا خاتمة المحققين منهم العلامة، أحمد بك الحسيني المتوفى 1332 هـ-1914 م يقول في مقدمات كتابه (دفع الخيالات) -بعد أن لخص كلامَ النووي في معنى القولين والوجهين والطريقين- يقول: " وكل ذلك قد بسطته بسطاً وافياً، وبينته بياناً شافياً في مقدمة كتابنا: شرح الأم المسمى (مرشد الأنام لِبّر أُم الإمام) يعز على أهل عصرنا، بل ومن قبلهم بمئين من السنين أن يقفوا عليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " 1. فكان هذا القول، بهذا الأسلوب، وبهذه المباهاة دافعاً للبحث عن مقدمته تلك، فهي ما زالت مخطوطة، فوجدنا فيها ما نصه: "تتميم في بيان المراد من قولهم: (طريقة العراقيين وطريقة الخراسانيين) اعلم أن مدار كتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعة من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو في نحو خمسين مجلداً، جمع فيه من النفائس ما لم يشاركه في مجموعه غيره، من كثرة المسائل والفروع وذكر مسائل العلماء وبسط أدلتها والجواب عنها وعنه انتشر فقه أصحابنا العراقيين، وهو شيخ طريقة العراق.
وممن تفقه عليه من أئمة الأصحاب أبو الحسن الماوردي، صاحب الحاوي الكبير، والقاضي أبو الطيب الطبري، صاحب التعليقة المشهورة، وسُليم

الرازي، صاحب المجرد، وأبو الحسن المحاملي، صاحب المجموع، وأبو علي البندنيجي صاحب الذخيرة، وغير هؤلاء ممن لا يُحصى كثرة.
فإذا أطلقوا في الكتب لفظ قال أصحابنا العراقيون كذا، وطريقة أصحابنا العراقيين كذا، فمرادهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني وأتباعه هؤلاء المذكورن.
كما أنهم إذا أطلقوا لفظ قال أصحابنا الخراسانيون كذا وطريقة أصحابنا الخراسانيين كذا فمرادهم القفال المروزي، شيخ طريقة خراسان وأتباعه، وهم أبو بكر الصيدلاني، وأبو القاسم الفوراني، والقاضي حسين المرورّوزي، والشيخ أبو محمد الجويني، وأبو علي السنجي، قيل والمسعودي، فتارة يقولون: قال الخراسانيون، وتارة يقولون: قال المراوزة، وهما عبارتان عن معبَّر واحد.
فالخراسانيون، وإن كانوا أعم من المراوزة؛ لأن مدن خراسان العظيمة أربعة: مرو، ونيسابور، وبلخ، وهراة، لكنهم يعبرون تارة عن طريقة الخراسانيين بقولهم: قال المراوزة، لأن شيخ طريقة الخراسانيين ومعظم أتباعه مراوزة، فالقفال المروزي أخذ عن أبي زيد المروزي، عن أبي إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني أخذ عن أبي القاسم الداركي، عن أبي إسحاق المروزي، فأبو إسحاق المروزي إليه منتهى الطريقين.
وأما إذا قالوا: في كتب الخراسانيين كذا، فإن هذا الإطلاق يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة خراسان، كما أنهم إذا قالوا: في كتب العراقيين كذا، فإنه يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة العراقيين، فمن كتب الخراسانيين: النهاية لإمام الحرمين، والوسيط للغزالي، وتعليق القاضي حسين، والإبانة للفوراني، والتتمة للمتولي، والتهذيب للبغوي، والعدة لأبي المكارم الروياني، وبحر المذهب لأبي المحاسن الروياني وغيرها.
ومن كتب العراقيين: المجموع واللباب والمقنع للمحاملي، والذخيرة لأبي علي البندنيجي، والمجرد لسُليم، وتعليق القاضي أبي الطيب الطبري، والحاوي الكبير للماوردي، والمعتمد لأبي نصر البندنيجي، والمهذب والتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والشامل لابن الصباغ، والتهذيب لنصر المقدسي، والحلية لفخر الإسلام

الشاشي، والعدة للحسين بن علي الطبري، والذخائر لمجلي، وغيرها.
وأما إذا أطلقوا في الكتب لفظ الأصحاب فهذا الإطلاق يعم أصحاب الطريقين ومن عاصرهم ومن كان قبلهم من الأئمة العظام ومن كان بعدهم.
ثم بعد أصحاب الطريقين جماعة من الأصحاب ينقلون الطريقين كأبي عبد الله الحَليمي، والروياني صاحب البحر، ومجلي صاحب الذخائر، وإمام الحرمين، والمتولي صاحب التتمة، والغزالي، وغيرهم.
وأما أصحاب الوجوه، فهم أخص من لفظ الأصحاب لأن كل من كان من أصحاب الوجوه يدخل تحت لفظ الأصحاب ولا عكس، وأصحاب الوجوه معروفون ويدخل فيهم أصحاب الطريقين" ا. هـ 1 هذا ما كتبه الشيخ في المقدمة عن الطريقتين، فإن أراد بقوله: " بسطته، وبينته بسطاً يعز على أهل عصرنا، ومن قبلهم بمئين السنين أن يقفوا عليه " أنه جمع مفرّقه، ولمّ شعثه، ورتب مشوشه، فقد فعل، وجزاه الله خيراً، وهذا أحد الأغراض السبعة التي يصح فيها التأليف.
وأما إذا أراد أنه زاد القضيةَ إيضاحاً أو تفسيراً، أو تعليلاً، أو استنبط مما قاله السابقون شيئاً، فلم يكن شيء من ذلك، وما أظنه يقصده.
وقد عاصر الشيخَ اثنان من علماء المذهب الذين عُنوا بالكتابة عن تطوره ومصطلحاته، وهما السيد علوي بن أحمد السقاف، المتوفى 1335 هـ-1916 م، وابنُ سُميط العلوي، أحمد بن أبي بكر، المتوفى 1343 هـ-1924 م. الأول له كتاب: (الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية) وكما هو واضح من عنوانه فإنه يتناول فيما يتناول المصطلحات التي تدور ويتداولها طلاب المذهب الشافعي، وقد أفاد فعلاً في ذكر قواعد وضوابط، ومقدمات ومبادىء لا يستغني عنها طالب العلم، وعقد فصلاً خاصاً بمصطلحات الشافعية أجاد فيه وأفاد

إلا أنه مرّ مرور الكرام على مصطلح الطريقتين، فلم يتكلم فيه بِجملةٍ واحدة.
وأما ابن سُمَيْط، فله رسالة لطيفة بعنوان: (الابتهاج في بيان اصطلاحات المنهاج) تحدث في هذه الرسالة عن نشاة المذهب وتطوره، وأهم أعلامه، والمؤلفات المشهورة والمعتمدة حتى عصره، كل ذلك في إيجاني بليغ، لم يزد عن بضع ورقات.
ومع ذلك عرض لمصطلح الطريقتين والجمع بينهما كحلقة من حلقات تطوّر المذهب، فتكلم عن نشأتهما، وشيخيهما، ورجالهما، وكتبهما بنحو ما تكلم به الشيخ أحمد بك الحسيني، وربما بالألفاظ نفسها تقريباً، فكلاهما نقل كلام النووي في (تهذيب الأسماء واللغات)، وما جاء في كتب الطبقات.
أما البحوث المعاصرة بما فيها الأطروحات الجامعية 1، فلم نجد فيها من التفت إلى هذه المسألة إلا ذلك البحث الرائد 2 للعلامة الشيخ محمد إبراهيم أحمد علي من علماء أم القرى، زادها الله تعظيماً وتشريفاً، وقد عزا ما قاله إلى الشيخ أحمد بك الحسيني في مقدمة دفع الخيالات ص 5؛ ولذا جاء كلامه موجزاً عما نقلناه لك آنفاً من مقدمة (مرشد الأنام).
وأما شيخنا وشيخُ شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، فقد عقد فصلاً، في كتابه الذي كتبه (الإمام الشافعي) 3، بعنوان (المجتهدون في المذهب الشافعي) تحدث فيه عن طبقات المجتهدين في المذهب وأصحاب الوجوه، ولكنه لم يلتفت إلى مصطلح

الطريقتين، مع أنه اعتمد فيما قاله على ما ذكره النووي في مقدمة المجموع، وفيه تعريف وبيان لمعنى الطريقة، ولكن شيخنا صرف النظر عن المسألة بالكلية، وسنحاول تفسير ذلك فيما يأتي.
...

من ثمار البحث

وبعد هذا البحث والتنقير ومحاولة الاستقصاء لم نجد جديداً نزيده على ما نقلناه لك حول مصطلح (الطريقتين).
ولكن ذلك لم يخل من ثمار تستحق أن نسجلها فيما يأتي: 1 - تصحيحُ وهم وقع من شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، حين ظن أن (الأستاذ أبا إسحاق) الذي نقل عنه النووي قوله: " إن أصحاب مالك، وأحمد، وأبو داود، وأكثر الحنفية صاروا إلى مذهب أئمتهم رحمهم الله تقليداً لهم، ثم قال: والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي، لا تقليداً له، بل إنهم لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم يد من الاجتهاد، سلكوا طريقه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي".
سبق إلى ظنه أن الأستاذ أبا إسحاق هو الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فترجم له في حاشية كتابه 1، بناء على هذا الظن.
ولكن صاحب هذا القول هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران المتوفى 418 هـ. والذي جعلنا نتوقف في صنيع شيخنا هو أننا لم نجد أحداً ممن ترجم للشيخ أبي إسحاق الشيرازي لقبه (بالأستاذ)، فدائماً يلقبونه (بالشيخ)، على حين أن أبا إسحاق الإسفراييني لا يذكر إلا بهذا اللقب (الأستاذ)، والذي يتأمل هذه الكتب، كتب التراجم والطبقات، يجد أن هذه الألقاب لم تكن تلقى جزافاً، بل يجد أنها تُلتزم دائماً حتى تصير أعلاماً أو كالأعلام على أصحابها.

ولكن هذا لم يكن كافياً بالجزم بأن المقصود أبو إسحاق الإسفراييني، فأعدنا قراءة كلام النووي في مصدره الذي أخذ منه شيخنا، وهو (مقدمة المجموع)، فوجدناه ينقل هذا الكلام عن (أبي عمرو) أي (ابن الصلاح) ولما كان الكلام في الفتوى وطبقات المفتين، رجعنا لكتاب (أدب الفتوى) لابن الصلاح، فوجدناه يصرح بالاسم كاملاً، فيقول: " وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني... إلخ 1 " فانكشف الأمر، واستيقن الظن، وأغنانا عن البحث في مظان أخرى.
وهذا مجرد نموذج لمعاناة المحقق وواجبه.
2 - كما ننبه أيضاً لعبارة موهمة وردت في البحث الأصيل لأخينا النبيل الشيخ محمد إبراهيم علي (المذهب عند الشافعية)، فقد جاء عند الحديث عن الطريقتين قوله: " وبقيت طريقة العراقيين وحيدة في الميدان الفقهي الشافعي، فقولها هو المعتمد، حتى نبغ القفال الصغير المروزي، واشتهر بالتدوين في الفقه، وتبعه جماعة لا يُحْصَون عدداً... ". فهذه العبارة توحي، بل تُصّرح أن طريقة العراقيين تقدّمت في النشأة عن طريقة الخراسانيين وظلت زماناً لا يعرف الفقهُ الشافعي غيرَها، حتى ظهرت طريقة الخراسانيين متأخرة عنها بزمانٍ طويل.
هذا ما تقول به العبارة.
والواقع أن تمايز الطريقتين في رواية المذهب نشأ في وقتٍ واحد، وما قبلهما لم يكن يوصف بأنه عراقي ولا خراساني.
والذي يشهد بأنه نشوء الطريقتين كان متزامناً وفي وقت واحد، بصورة لا تقبل الشك هو النظر إلى ترجمة شَيْخي الطريقتين، الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والقفال المروزي، فهما من طبقة زمنية واحدة، بل إن ميلاد القفال شيخ طريقة المراوزة قبل ميلاد أبي حامد شيخ طريقة العراقيين، فقد ولد القفال سنة 327 هـ على حين ولد أبو حامد سنة 344 هـ، وإذا قيل لنا: إن القفال تأخر اشتغاله بالفقه إلى سن الثلاثين، فالجواب أننا لو قدرنا تأخر ميلاده سبعة عشر سنة مثلاً (وهي فترة الطفولة والصبا)

لوقع ميلاده في السنة نفسها التي ولد فيها شيخ طريقة العراق وهي سنة 344 هـ، أو نقول: إن القفال اشتغل بالفقه سنة 357 هـ بعد ما بلغ سنّ الثلاثين، وأفتى بعد نحو عشر سنوات من اشتغاله بالفقه أي في سنة 367 هـ، وقد ذكروا أن الشيخ أبا حامد كان مبكر النبوغ، فأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة، أي في سنة 361 هـ. فهذا التدقيق في تواريخ الميلاد والاشتغال بالفقه يضع أمامك الدليل القاطع بأنهما متعاصران تماماً، وإن تفاوتا بعض التفاوت ميلاداً ووفاةً (القفال 327 - 417 هـ) و (الشيخ أبو حامد 344 - 406 هـ). وواضح أن هذا الوهم بسَبْق طريقة العراقيين مبنيٌّ على ما هو أكبر منه، وهو أن العراقيين كانوا يروون المذهب القديم فقط، والخراسانيون كانوا يروون المذهب الجديد فقط، حتى مطلع القرن الخامس، حين جمع بينهما الشيخُ أبو علي السنجي المتوفى نحو سنة 430 هـ، وهذا هو نص كلامه الذي أَفْهمَ ذلك: " وبظهور هؤلاء العلماء الذين جمعوا بين الطريقتين، بدأ الرافدان الأساسيان الناقلان لفقه الشافعي: قديمه وجديده يلتقيان في قولٍ موحَّد يمثل مذهبَ الشافعي والراجحَ من قوله 1 ". وهذا لا قائل به، ولا هو بمعقول، فمنذ قرر الشافعي مذهبه الجديد، ودُوّنت كتبه الجديدة، وهي تُروى في العراق كما كانت تُروى في خراسان.
وهذا الوهم جاء الباحثَ من عبارة الشيخ أحمد بك الحسيني -التي هي مصدره-، حيث قال بعد أن ذكر طريقة العراقيين: "وحتى جاء القفال الصغير، وتبعه جماعة... " 2 فأوهم تعبيرُه بـ (حتى) وجودَ (غاية) زمنية، ومدّةٍ بين ظهور الطريقتين.
والواقع أن (حتى) في عبارة الحسيني معطوفة على مثلها بالنسبة لطريقة العراقيين، ونص كلامه وهو يتكلم عن تطور المذهب: "... ثم جاء بعدهم بقية أصحاب الوجوه طبقة بعد طبقة، حتى جاء الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وتبعه جماعة... وحتى جاء القفال المروزي وتبعه جماعة... " فعند التنبه لهذا (العطف) لا توحي العبارة بوجود سبق زمني بين الطريقتين.

وخلاصة ما نحاول إثباته هو أن الطريقتين نشأتا معاً بدون فارق زمني، ولم تختص طريقة العراقيين بالمذهب القديم وحده، بل كل واحدة منهما كانت تنقل القديم والجديد معاً.
3 - وأمرٌ ثالث ننبه إليه، وهو أن العلامة أحمد بك الحسيني شبه الطريقتين في المذهب بالمدرستين البصرية والكوفية في علم العربية، وذلك في قوله: " وانتهى فقه الشافعيه إلى الطريقتين،...، ولم يوجد بعدهما إلا من هو تابع طريقتيهما، فإما عراقي، وإما خراساني، وكان مثلهما في فقه الشافعي مثل الكوفيين والبصريين في علم العربية " (1). وهذا لا يسلّم له، وأقل ما يقال فيه: إنه توسع في العبارة؛ فالذي يتضح من كلام النووي، وهو الأَقْمن بالتعبير عن المذهب: " أن الطرق هي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب " أي أنه خلاف في الرواية، فما يروي فيه المراوزة قولاً قد يروي فيه العراقيون قولين.
أما الخلاف بين مدرسة البصرة والكوفة في اللغة، فهو أبعد من الحكاية والرواية عمن تؤخذ منه اللغة، فتراه في التعليل، والتقعيد والتخريج، والله أعلم.

حقيقة المسألة

والواقع الذي انتهينا إليه -بعد طول التأمل والبحث- أن مسألة الطريقتين أهونُ بكثير من (اسمها) وكثرة تردادها، فحقيقة الأمر تتضح بالنظر إلى الحقائق الآتية: 1 - معلوم أن العلم عندنا يؤخذ بالتلقي عن الشيوخ، وينقل بالرواية والإجازة، فلما انتشر المذهب وحمله تلامذة الإمام الشافعي بعد وفاته إلى العراق وما حولها، وإلى خراسان وما وراءها، -كان ذلك في أول القرن الثالث- وأخذ عنهم تلاميذهم، ثم تلاميذ تلاميذهم عن تلاميذهم، وهكذا...، فمع تباعد الديار وتنائي المجامع والمجالس، ومرور الأزمان، وكثرة التدوين والمراجعة، ومضي أكثر من قرن ونصف، أي في أواخر القرن الرابع، ظهر أن ما يحكيه الخراسانيون في مجالس علمهم، وحلقات دروسهم، ويدونونه في مصنفاتهم يختلف عما يحكيه العراقيون في بعض المسائل،1

سواء كانت الحكاية عن إمام المذهب، أو عن أصحاب الوجوه من الجانبين.
2 - لم يدم الأمر على ذلك طويلاً، فقد رأينا من درس على شيوخٍ من الجانبين، وجمع بين الطريقين، وكان ذلك في مطلع القرن الخامس على يد الشيخ أبي علي السِّنجي المتوفى سنة 430 هـ وقيل سنة 427 هـ ولم نصل إلى تاريخ ميلاده، فإذا فرضنا أنه توفي عن ستين عاماً، والمعهود أن يكون قد بلغ درجة الفتوى في سنّ الثلاثين، فمعنى هذا أن الجمعَ بين الطريقتين، قد بدأ في نحو سنة 400 هـ، أي بعد نشأة الطريقتين بنحو ثلاثين سنة.
ولسنا نقول: إنه بظهور الشيخ أبي علي السنجي انتهت الطريقتان، وانقطع أثرهما في التدوين والتدريس، بل ظل القرن الخامس يشهد من يجمع من المصنفين بين الطريقتين، ومن يقتصر في تصنيفه على طريقة واحدة من الطريقتين، إلى أن انتهى الأمر بالجمع بين الطريقتين.
فكأن تمايز الطريقتين في حكاية المذهب لم يدم طويلاً، بل لم يكد يظهر حتى ظهر الجمع بين الطريقتين.
3 - والحقيقة الثالثة التي نقررها أن العبارة عن الطريقتين ومصنفاتهما فيها كثير من التوسع، وآية ذلك أنهم يعدون إمام الحرمين مروزياً من أركان المراوزة، ومن تلاميذ القفال شيخ طريقة المراوزة، وفي الوقت نفسه يعدونه، ممن جمع بين الطريقتين، وهو فعلاً قد جمع بينهما.
كما يعدون كتابه (نهاية المطلب) هذا الذي بين أيدينا من كتب أصحابنا الخراسانيين، ذكر ذلك صراحة التقيُّ السبكي في أول تكملته للمجموع، وهو يعدّد المصادر التي يعتمدها في تكملة شرحه للمهذب، حيث قال: " وعندي من كتب الخراسانيين تعليقة القاضي حسين، والسلسلة، والجمع والفرق للشيخ أبي محمد الجويني، والنهاية لامام الحرمين، والبسيط للغزالي، و... إلخ" 1. وكما ترى يعدّ (النهاية) و (البسيط) من كتب الخراسانيين، وهما يجمعان بين

الطريقتين، ولكنه سوى بين المؤلفات التي تحكي طريقة الخراسانيين، والمؤلفات التي تجمع بين الطريقتين، فكأنه ينظر إلى نسبة أصحابها الجغرافية دون لون التفقه وطريقته، وهذا ما عنيناه بالتوسع في العبارة.
النتيجة: في ضوء هذه الحقائق الثلاث، وما تقدم من حديث حول مسألة أو مصطلح الطريقتين نستطيع أن نفسر عدم العناية من أئمة المذهب والمؤرخين لتطوره وأعلامه بالكتابة عن الطريقتين؛ حيث لم يكن ذلك بالحجم أو بالشأن الذي يلفتهم إليه، فلم يكن ذلك عن تقصيرٍ منهم - حاشاهم!! وبهذا نكون أيضا قد فسرنا -كما وعدنا- عدم ذكر شيخنا الإمام أبي زهرة مصطلح (الطريقتين) ولو بكلمة واحدة.
ثم نعود ونؤكد ما قلناه من قبل، وهو أن العمدة في كل ما كُتب -وقد سجلناه- هو كلام الإمام النووي، رضي الله عنه.
وأخيراً نقول: إن النظر إلى الشكل البياني رقم (3) يوضح بإيجازٍ بليغ كلَّ ما قيل عن طريقتي الخراسانيين والعراقيين، فنكتفي به، ونحيل إليه.
البصرويون والكوفيون والبغداديون: وقد حكى إمام الحرمين خلافاً بين البصريين والكوفيين في عدة مواضع في كتاب الفرائض، ولكنها كلها تقع بين فقهاء السلف، وليس خلافاً داخل المذهب.
ولكن الماوردي في كتابه (الحاوي) حكى خلافاً بين البغداديين والبصريين، نقله عنه النووي في (المجموع)، في حكم الوطء في الحيض، والتصدق بدينارٍ أو بنصف، قال الماوردي: " كان أبو حامد الإسفراييني وجمهور البغداديين يجعلونه قولاً قديماً، وكان أبو حامد المروزي وجمهور البصر لا يجعلونه قولاً قديماً، ولا يحكونه مذهباً للشافعي... " (المجموع: 3/ 360). ويلوح لي أن هذا خلاف ثانوي داخل طريقة العراقيين، ولذا لم يُشر إليه النووي وهو يتكلم عن الطرق في حكاية المذهب.

المبحث الثالث: مرحلة تحرير المذهب

يزداد كلامنا عن تحرير المذهب وضوحاً إذا تذكرنا ما قلناه من قبل عن أصحاب الوجوه، وعن المجتهدين من داخل المذهب، وعن رواة المذهب، إذا تذكرنا كل ذلك، عرفنا أن حملة فقه الشافعي من تلاميذه، والأَمَنة على نصوصه ومناهجه، لم يكونوا مجرد نقلة، بل كان فيهم مجتهدون مستقلون وإن انتسبوا إلى الشافعي كالمحمَّدِين الأربعة: محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة محمد بن إسحاق، وابن المنذر محمد بن إبراهيم، وغيرهم.
ومنهم من استقل فعلاً بمذهبٍ وعرف به، كأحمد بن حنبل، وداود الظاهري.
ومنهم من كان يُخرِّج على أصول الشافعي ونصوصه حيناً، وينفرد برأيه ومذهبه حيناً آخر كالمزني، قال إمام الحرمين في (نهاية المطلب): "إن كان لتخريج مخرّج التحاقٌ بالمذهب، فأَوْلاها تخريج المزني؛ لعلو منصبه في الفقه، وتلقِّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه، وإذا تفرد برأي، فهو صاحب مذهب".
ومنهم من التزم التخريج على نصوصه وأصوله لم يَخْرج عنها، وهؤلاء هم أصحاب الوجوه الذين ذكرنا طائفة من أشهرهم فيما سلف، وأشرنا إلى "أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني ادعى لهم الاجتهاد المستقل، وأنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليداً له، بل لما وجدوا طرقَه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم بدٌّ من الاجتهاد، سلكوا طريقَه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي".
وقد ذكر الشيخ أبو علي السِّنجي نحو هذا، فقال: اتبعنا الشافعي دون غيره؛ لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها، لا أنا قلدناه" 1.

حكى النووي هذا، وعقب قائلاً: " قلت: هذا الذي ذكراه موافق لما أمرهم به الشافعي، ثم المزني في أول مختصره " يعني نَهْيَ الشافعي أصحابه عن تقليده، وأَمْرهم أن يجتهدوا كما اجتهد هو.
استبحر الفقه الشافعي وملأ المكان والزمان، فكان له أنصاره وأتباعه في العراق، وفي بلاد الحجاز، واليمن وفارس، وخراسان، وما وراء النهر، وعاصر دولاً وأحداثاً، ونَصَره نظامُ الملك، ومكن له في دولة السلاجقة على اتساعها، وبنى لعلمائه وشيوخه المدارسَ النظامية، ببغداد، ونيسابور، وسائر مدن الدولة.
حمل ذلك التيارُ الهادرُ -مع تباعد الأقاليم وامتداد الزمان- تخريجاتٍ وآراءً، تتأثر -لا شك- بالبيئة هنا وهناك، وبالمشارب والمنازع، وأُودع كل ذلك مصنفات المذهب ومدوّناته، وكان فيها -بداهة- ما لا يتفق مع المذهب بصورةٍ أو بأخرى، من البعد والقرب.
يقول شيخنا الإمام أبو زهرة: " ولو أننا درسنا آراء فقهاء خراسان ونيسابور، وآراء فقهاء العراق، وحللَّناها، لوجدنا أثر البيئة واختلافَ النزعات يلوح وراءها، ولعل اجتهاد العراقيين، كان أقرب إلى المنقول عن الشافعي من اجتهاد الخراسانيين، والنيسابوريين 1 ". وإلى شيء من هذا الفرق بين المدرستين قال النووي: " اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه، ووجوه متقدمي أصحابنا أتقنُ وأثبتُ من نقل الخراسانيين غالباً، والخراسانيون أحسنُ تصرّفاً وبحثاً وتخريجاً وترتيباً غالباً " 2. ...

معنى تحرير المذهب، ولماذا؟

بات الآن واضحاً معنى تحرير المذهب، وهو نَخْل مصنفات أئمته وشيوخه، وبيان ما هو موافق لقول الشافعي وأصوله، حتى يصح أن ينسب إليه، ويتميز عن غيره من الوجوه والاجتهادات التي لا يصح أن تنسب إلى الشافعي، وتُعتبر مذهباً له.
أما لماذا هذا التحرير، فيجيبنا على هذا التساؤل، الشيخ محمد إبراهيم علي في مفتتح بحثه بقوله: " تُحتم الأمانة العلمية على الباحث أن يتحرى الصحة التامة في عزو الأقوال إلى قائليها، وخاصة الأقوال الفقهية، لما يترتب على الخطأ في عزوها من نسبة التحليل والتحريم إلى من لم يقل به.
ومن ثّم كان لزاماً على كل من يتعرض للبحث الفقهي -وخاصة المقارن منه- أن يعرف الاصطلاح المتفق عليه بين علماء المذهب -أيّ مذهب- والكتب التي اعتُمدت ممثلةً لرأي المذهب ودرجات اعتمادها ". إذاً كان تحرير المذهب ضرورة بمقتضى الأمانة العلمية التي تحتم نسبة الأقوال إلى قائليها، فهذه الأقوال تتعلق بدين الله، تتعلق بالتحريم والتحليل، وقائلها كما سماه ابنُ القيم -رحمه الله- موُقِّعٌ عن رب العالمين، وأي منصب أخطرُ من هذا.
وواضح أننا حينما نتكلم عن تحرير المذهب، ببيان وتحديد ما يصح أن يُنسب للإمام الشافعي، ويعتبر قولاً له، واضح أننا حينما نقول ذلك لا يخطر ببالنا أن الوجوه والاجتهادات التي لم تُعدّ من المذهب ليست فقهاً، أو ليست صحيحة، لا يخطر هذا ببال أحد، ولكن أحببنا أن ننبه إليه؛ قطعاً لأي وهم.
بل إن هذه الأقوال والاجتهادات -التي لا تُعد من المذهب- أهمُّ المصادر لاجتهادات الفقهاء المعاصرين (الآن)، منها يختارون، وعليها يتكئون، بعد أن يمتحنوا القواعد والأصول التي قامت عليها، والأدلة التي استندت إليها.

شيخا المذهب

: في مفتتح القرن السابع الهجري، وجد أئمةُ المذهب هذه الثروة الفقهية الهائلة التي نمت وترعرعت واكتملت في غضون القرون السابقة، فكان من طبيعة الأمور، وسنن التطور أن ينصرف عملهم وجهدهم إلى تحرير المذهب، لم يكن أمامهم إلا العمل في هذا المجال، فقد كان الفقه قد نَضِج، وصار بعيداً -كما قال إمام الحرمين-: " أن تقع مسألة لم يُنصّ عليها في المذهب، ولا هي في معنى المنصوص، ولا مندرجة تحت ضابط ". ومن هنا كان قَدَرُ الشيخين: الرافعي، عبد الكريم بن محمد القزويني.
ت 624 هـ، والنووي، يحيى بن شرف المُرِّي.
ت 676 هـ أن يصرفا جهدهما، ويستفرغا وُسعهما في تتقيح المذهب وتحريره: الأول في كتابه (فتح العزيز بشرح الوجيز)، المسمى بالشرح الكبير، و (المحرر)، والثاني في (روضة الطالبين)، و (منهاج الطالبين)، و (المجموع) شرح المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (لم يتمه) عُني هذان الإمامان الجليلان بتتبع كتب المتقدمين، والنظر في الأقوال والأوجه والاجتهادات والاختيارات، ووزن الأدلة وتقديرها، لتحديد ما هو المذهب منها.
ولهذا اصطلح علماء الشافعية بعدهما على تلقيبهما بشيخي المذهب، وصار القول المعتمد في المذهب ما اتفق عليه الشيخان، فإن اختلفا، فما جزم به النووي، ثم ما جزم به الرافعي.
"فَرَأْيُ الشيخين مقدم حتى لو عارضه نصُّ الشافعي، مع أن نص الشافعي في حقهم كنص الشارع في حق المجتهد.
وقد عللوا هذا التقديم بأن المتبحر في المذهب -كأصحاب الوجوه- له رتبة الاجتهاد المقيد، ومن شأن هذا أنه إذا رأى نصاً خرج عن قاعدة الإمام، ردّه إليها - أي أَوَّلَه- إن أمكن، وإلا عمل بمقتضى القاعدة، وخالف نص الإمام، فقد ترك الأصحاب إذاً نصوص الشافعي الصريحة، أو أوّلوها؛ لخروجها عن قاعدته.
فلا ينبغي الإنكار على الأصحاب في مخالفة النصوص، ولا يقال: إنهم لم يطلعوا

عليها؛ فإنها شهادة نفي، بل الظاهر أنهم اطلعوا عليها، وصرفوها عن ظاهرها بالدليل، ولا يخرجون بذلك عن متابعة الإمام الشافعي" (1). وبلغ الوثوق بعملهما، والاعتماد على أقوالهما أن منع المتأخرون من الرجوع إلى الكتب المتقدمة على الشيخين واعتمادها في الفتوى، وإن تتابعت على حكم واحد؛ لأن هذه الكثرة قد ترجع إلى الحكاية عن واحد (2). وهذا المنع من كتب المتقدمين على الشيخين لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه، بل هو بالقطع خاص بالذين ليسوا من أهل الترجيح والنظر، وبالذين يريدون الحكم المتفق عليه من أقرب طريق.

إمام الحرمين وتحرير المذهب

: استقر الرأي عند علماء الشافعية أن تحرير المذهب بدأ بجهد الإمامين الرافعي والنووي، وذلك واضح من أعمالهما مطولة ومختصرة، ومن منهجهما الذي صرحا به أو رأيناه مطبقاً ملتزماً في مصنفاتهما.
ولكن ألم يسبقهما أحدٌ من أئمة المذهب؟ أستطيع أن أقول: إن إمام الحرمين كان -فيما رأينا للآن- أولَ من عُني بتحرير المذهب، وذلك في كتابنا هذا (نهاية المطلب).
صرح بذلك في مقدمته، والتزمه على طول كتابه؛ فقد كان يحكي الأوجهَ والأقوالَ كلها، ويميز ما هو من المذهب عما عداه.
بل عندما كان ينصر وجهاً أو يبدي احتمالاً على خلاف المذهب كان يبين ذلك بوضوح تام، ويقول: لكن المذهب كذا" أي غير ما يراه.
(وسنبين ذلك، ونؤيده بالأمثلة والشواهد في فصلٍ آتٍ بعنوان: منزلة نهاية المطلب وأثره، فلا نكرر ما سنقوله هناك).12

استقرار المذهب: ظلت آراء الشيخين ومؤلفاتهما المعين الوحيد الذي يستقي منه علماء المذهب وأئمتُه، لا يعرفون غير كتبهما، ولايقولون بغير آرائهما، وانشغلوا بمؤلفاتهما -وبخاصة النووي- اختصاراً، وشرحاً، ونظماً، وتحشية، حتى يوفروا منها الزاد والري الذي يناسب مختلف الواردين: من الشُداة المبتدئين إلى الطامحين إلى الاجتهاد المنتهين.
وعلى طول القرون الثلاثة منذ وفاة الشيخين الرافعي والنووي في القرن السابع إلى القرن العاشر ظل الحال كما وصفنا؛ فقد كانت كتب الشيخين القطبَ الذي تدور حوله جميع التآليف، ومع ذلك لم يخل زمان من محقِّقٍ ينظر في كلام الشيخين، فيرجِّح بينهما إذا اختلفا، بل يخالفهما أحياناً.
وحظي القرن العاشر بعددٍ من هؤلاء المحققين، جمعوا إلى تحقيقاتهم تحقيق من سبقوهم، من هؤلاء: شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، المتوفى سنة 926 هـ والخطيب الشربيني، محمد بن أحمد، شمس الدين، صاحب (مغني المحتاج) المتوفى سنة 977 هـ. والشهاب الرملي -نسبة إلى رملة المنوفية-، أحمد بن حمزة، صاحب (فتح الجواد)، المتوفى سنة 957 هـ. وابنه شمس الدين، محمد بن أحمد بن حمزة، كان يلقب بالشافعي الصغير، صاحب (نهاية المحتاج)، المتوفى 1004 هـ. وابن حجر، الهيتمي، أحمد بن محمد، والهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم، وتسمى الآن (الهياتم)، من قُرى دلتا النيل بمصر، صاحب (تحفة المحتاج) ت 974 هـ. هؤلاء المحققون وغيرهم كان لهم من الجهد ما يمكن أن نسميه التحرير الثاني للمذهب فقد أدى اجتهادهم إلى مخالفة الشيخين في شيءٍ من ترجيحاتهما؛ وانتهى الأمر إلى اعتماد (التحفة) لابن حجر، (والنهاية) للشمس الرملي، في حق من لم

يكن من أهل الترجيح، فمن كان من أهل الترجيح، والقدرة على النظر في الأدلة ووزنها وتقديرها، له أن ينظر في كلام الرافعي والنووي، فيرجح ويختار، كما اختار الرملي وابن حجر، ولا يجوز له أن يعدو الرافعي والنووي إلى من فوقهما؛ لما استقر عليه المحققون طوال القرون الثلاثة على أنه لا يجوز العدول عن قولهما.
فإذا لم يكن من أهل الترجيح، فكما قلنا: يلزمه اعتماد (تحفة المحتاج) لابن حجر، (ونهاية المحتاج) للشمس الرملي، لا يعدوهما، فإن اتفقا، فلا كلام، وإن اختلفا يختار أيَّهما، على خلافٍ فيمن هو أولى بالتقديم منهما بين علماء الشام وحضرموت، والأكراد، وداغستان 1، وأكثر اليمن والحجاز الذين يقدمون ما في تحفة ابن حجر، وعلماء مصر الذين يقدمون ما في (النهاية) للرملي 2. على هذا استقر المذهب في مطلع القرن الحادي عشر واستمر الحال على هذا نحو ثلاثة قرون أو تزيد، أي إلى أوائل القرن الرابع عشر، في هذه القرون كان عمل علماء المذهب -بالدرجة الأولى- هو التحشية على كتب المحققين من علماء الطور السابق، وعُرف من هؤلاء: الشيخ عطية الأجهوري صاحب حاشية على شرح التحرير، وحاشية على شرح المنهج، وثالثة على شرح ابن قاسم.
توفي 1190 هـ. والشيخ محمد الكردي المدني، صاحب حاشية كبرى على شرح الحضرمية لابن حجر الهيتمي، وأخرى صغرى وحاشية ثالثة على شرح الغاية للخطيب، وهو صاحب الفوائد المدنية فيمن يُفتى بقوله من أئمة الشافعية، وله فتاوى جمعت في مجلدين.
توفي سنة 1194 هـ. والشيخ البجيرمي، العلامة، الفاضل، المحدث أحمد بن أحمد بن جمعة البجيرمي، توفي سنة 1197 هـ.

والشيخ سليمان الجمل، سليمان بن عمر بن منصور، العجيلي نسبة إلى منية عجيل إحدى قرى الغربية بمصر، المعروف بالجمل، صاحب الحاشية المشهورة على تفسير الحلالين، وله حاشية على شرح المنهج.
توفي 1204 هـ. والشيخ عبد الحميد الشرواني " الداغستاني "، نزيل مكة، صاحب الحاشية المشهورة على تحفة ابن حجر، فرغ من تأليفها 1289 هـ. الباجوري، العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري، (نسبة إلى بلدة الباجور منوفية مصر)، له الحاشية المشهورة على شرح ابن قاسم الغزي.
الشبراملسي (نسبة إلى شبراملس) قرية قريبة من قريتنا، فهو بلدُّينا من الغربية بمصر، وهو أبو الضياء، علي بن علي، صاحب حاشية على شرح ابن قاسم للورقات في أصول الفقه لإمام الحرمين، وحاشية مشهورة على نهاية المحتاج للشمس الرملي، توفي سنة 1087 هـ. القليوبي، شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي (نسبة إلى قليوب) شمال القاهرة، صاحب الحاشية المشهورة على شرح الجلال المحلي للمنهاج، طُبعت مع حاشية أخرى، واشتهرت: بقليوبي وعميرة، و (عميرة) هو شهاب الدين البرلسي المتوفى سنة 957 هـ، أما قليوبي، فقد توفي سنة 1069 هـ. ونختم بالعلامة خاتمة المحققين -بحق- أحمد بك الحسيني، شهاب الدين، أحمد بن أحمد بن يوسف، الحسيني المصري، صاحب كثير من المصنفات التي تشهد له بالمنزلة والمكانة في علمي الأصول والفقه، مع الإحاطة بفقه الواقع، ونور البصر والبصيرة، فمن ذلك: إعلام الباحث بقُبح أم الخبائث (الخمر)، ودليل المسافر في مسائل قصر الصلاة والمسافات، وأحكام النية، وتحفة الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، وغيرها من الكتب والرسائل، ولكن عمدة مؤلفاته هو (مرشد الأنام لبر أم الإمام) الذي وقع ربع العبادات منه في أربعة وعشرين مجلداً، وقدم له في مجلدين كبيرين، توفي رحمه الله سنة 1332 هـ.

الحالة الفقهية المعاصرة

صرفتُ النظر عمداً عن لفظ (النهضة) الذي يستخدمه الباحثون المعاصرون كافة في هذا المقام، حيث يقولون: (النهضة الفقهية المعاصرة)؛ وذلك أن هذا الوصف بـ (النهضة) يأتي معبراً عن ثقافة فاسدة، ومفاهيم مغلوطة، تقوم على أن عالمنا العربي والإسلامي كان في تخلف وانحطاط (كذا، بهذا اللفظ يصفون عالمنا منذ القرن السابع الهجري)، ولم نستيقظ، ولم ننهض إلا بعد أن أخذ بيدنا الغرب.
فقد كانت كتب التعليم -وأظنها ما زالت- تضع عنواناً رئيساً يقول: (عصر الضعف والانحطاط) 1 ويدرّسون تحت هذا العنوان الفترة التي تبدأ من سقوط بغداد سنة 656 هـ إلى غزو نابليون للشرق.
ثم تطالعنا هذه المناهج بعنوان آخر يقول: (عصر النهضة) 2 وتبدأ هذه النهضة بغزو نابليون للشرق 3، فقد صوروا لنا هذا الغازي المبير الذي سفك دماء العباد، وخرب البلاد، واتخذ من الأزهر اصطبلاً لخيوله، صوروا لنا هذا الغازي، الصليبي الحاقد بأنه جاءنا بالحضارة والتنوير، وأخذ بيدنا نحو الرقي.
ليس هذا استطراداً، ولا بعيداً عن الفقه -الذي هو موضوعنا- ذلك أن هذه الثقافة قادتنا في طريق التبعية للغرب، فأصبحت حياتنا كلها صورة مشوهة منقولة عن حياة الغربيين: في طراز المسكن، والأثاث، والزي، وألوان الطعام، إلى نظم التعليم ومؤسسات الاقتصاد، ومؤسسة القضاء والقوانين... إلخ فجدت حياةٌ جديدة، في كل مظاهرها، قُنِّن فيها تعاطي الربا، وصناعة الخمور، وصالات القمار، واللهو

الفاضح، ولم يعد هناك ارتباط بين مواعيد العمل ومواقيت الصلاة... نشأت لهذا المجتمع مشكلات، وجدت له قضايا، وطُلب من الفقه الإسلامي أن يضع حلولاً لمشكلات لمجتمعٍ غير ملتزمٍ بالإسلام 1. هذا هو المأزق الذي يعيشه فقهاء العصر، أعانهم الله، وأنا أتحدث عن صفوة كرام بلغوا من الفضل والفقه والورع درجة تؤهلهم للاجتهاد في نوازل هذا العصر، هؤلاء الصفوة وراء النجاحات التي تحققها المجامع الفقهية، ومراكز البحوث، والموسوعات الفقهية.
في ضوء هذا المأزق الذي صورناه تُدرس هذه الجهود إنصافا لهؤلاء الأفاضل.
وهناك زعانف كُثر حملوا ألقاباً علميةً، وإن لم تَشَم أنوفُهم رائحة الفقه، راحوا يسخرون من تراثنا الفقهي، ويردّدون ترديد الببغاء: (إنه جهد بشري نشأ لعصرٍ غير عصرنا) ويدعون لاطّراحه وإلقائه وراءنا ظهرياً، والأَخدَ مباشرة من القرآن والسنة، ولو أردت واحداً منهم على أن يقرأ صفحة واحدة من صحيح البخاري ما استطاع أن يقيم لسانه بها إعراباً، ناهيك عن معرفة المعنى اللغوي للمفردات، ولا أقول معرفة العام من الخاص، والمطلق من المقيد، والناسخ من المنسوخ.
هؤلاء لا كلام لنا معهم، ولا شأن لنا بهم، ولكنْ للأسف لهم صوتٌ عالٍ، وكثيراً ما يشغبون على الفقهاء الأصلاء المتبتَّلين للعلم والبحث.
وبعد نعود فنقول: إننا لم ننس أننا في هذه المقدمات نتكلم عن تطوّر المذهب الشافعي وحاله في هذا العصر.
وقد وضح الآن مما أشرنا إليه آنفاً أن الفقه المذهبي -مع أنه ما زال يدرس في كليات الشريعة- لم يعد له مكان في الفتوى، والتشريع، والبحوث، بل صارت كلها دراسات مقارنة، تنظر في كل الفقه الموروث بمذاهبه الأربعة، بل أحياناً الثمانية، وتزن الأدلة وتقدّرها في قضية معينة، وتختار ما تراه

أرجح من بينها، مما يجعلنا نسمي هذا بالاجتهاد الجزئي، فمن أحاط ببابٍ من أبواب العلم، وعرف أدلته يمكن أن يجتهد فيه، ويكون مفتياً في مسائله، قال النووي: "قطع بذلك الغزالي، وصاحبه ابن بَرهان، وغيرهما، ومنهم من منعه مطلقاً، وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة، والأصح جوازه مطلقاً" 1. ...

المبحث الرابع من مصطلحات المذهب وبخاصة ما جاء في نهاية المطلب

القديم والجديد

: عُرف في تاريخ المذهب الشافعي مصطلح (القديم) و (الجديد)، بل يقولون: (المذهب القديم) و (المذهب الجديد).
وعلى ذلك صار يُنظر في (القول) الذي يُروَى عن الشافعي أقديم هو أم جديد؟ القديم: هو ما أملاه الشافعي وقرره ببغداد من آراء وأقوال فقهية، ورواه عنه تلاميذه العراقيون، وأشهرهم الأربعة الذين عرّفنا بهم من قبل 1 (وانظر الشكل الأول)، وقد أُودعت هذه المجموعة من فقه الشافعي كتابه (الحجة)، ويسمى كتابه (العراقي).
الجديد: هو الفقه الذي قرره الشافعي وأملاه بمصر، ورواه عنه تلاميذه المصريون، واشتهر منهم الستة المعروفون 2. هذا القدر من اصطلاح القديم والجديد متفق عليه بين أهل المذهب، ولكنهم اختلفوا فيما قرره الشافعي أو أملاه في المدة التي كانت بين مغادرته بغدادَ ودخوله مصر واستقراره فيها -وهي نحو عامٍ- هل يُعد هذا من القديم أم يُعدّ من الجديد؟ فابن حجر الهيتمي يرى " أن القديم ما قاله قبل دخولها " 3، وذلك يشمل ما نقل عنه وهو في طريقه إلى مصر قبل دخولها.

في حين أن آخرين يرون أن القديم ما قاله الشافعي بالعراق تصنيفاً، أو أفتى به 1، وأما ما وجد بين مصر والعراق، فالمتأخر جديد، والمتقدم قديم.
والرأي الأول أقرب إلى الراجح، وقد أيده الرملي في نهاية المحتاج 2. مدى الاختلاف بين القديم والجديد: قد يتبادر إلى الذهن لدى البعض أن الشافعي أضرب عن القديم كَملاً، وأبطله كلَّه، وقد يساعد على ذلك ما روي عن الشافعي: " لا أجعل في حِلٍّ من روى القديم عني "، وما قاله الماوردي من " أن الشافعي غَيَّر جميع كتبه في الجديد إلا الصداق؛ فإنه ضرب على مواضعَ منه، وزاد في مواضعَ " 3. وهذا عند التأمل يظهر أنه غير معقولٍ، ولا مقبول، بل الواقع يقول بخلافه، فما يروى من خلافٍ بين القديم والجديد، قدرٌ محصور من فقه الشافعي، بمعنى أن ما حفظه تلامذة الشافعي ببغداد، وروَوْه من فقهه لا يخالف الجديد في كل حرفٍ ورأي.
وعلى هذا فما رواه تلاميذ الشافعي العراقيون مما أملاه وقرره بالعراق يعد مذهباً للشافعي غير مرجوعٍ عنه، ما لم يرد فيما أملاه بمصر ما يخالفه.
وأما النصوص الموهمة غير ذلك، فصرفها عن ظاهرها ميسور، وربما كان التشديد في عدم رواية القديم، وما يُفيد التغاير بين القديم والجديد خاصاً بالأصول؛ فمن المعروف أن الشافعي أعاد كتابة (الرسالة) في مصر، وغيَّرها عما كانت عليه عندما كتبها بالعراق، وأرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي.
أيّاً كان الأمر، فقد وضح ما نحاوله من بيان معنى القديم والجديد.

جارٍ التحميل