كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
العقدُ فيها في العبد الباقي.
والسبب فيه أن العقدَ تأكَّد في العبد المقبوض (1 بانتقال الضمانِ فيه إلى المشتري.
فأما إذا قبض المشتري أحدَهما، وتلف في يدهِ، ثم تلف العبدُ الآخرُ في يد البائع، وانفسخ العقد عليه، فهل ينفسخُ فيما قبَضَ المشتري وتلف في يده؟ فعلى قولين مبنيين على القولينِ فيه إذا كان العبد المقبوض 1) قائماً بعدُ في يد المشتري.
والفرق أن الفواتَ إذا لم يقتض انفساخاً، فإنه يبعد فيه تقديرُ الانفساخ بعده، فقد تأكَّد العقدُ بالقبض، والتلفُ في المقبوض.
فاقتضى ذلكَ فيها ترتيباً.
وقالَ الأصحاب تخريجاً على هذه الصورة الأخيرة إذا اكترَى رجل داراً، وقبضها وانتفع بها ستة أشهر، ثم انهدمت الدار، فلا شك في انفساخ الإجارة في بقية المُدَّة، وهل تنفسخ في المدة الماضية؟ هذا يُخرّجُ على ما ذَكرناه في العبد المقبوض التالف في يدِ المشتري.
فإن قلنا: ينفسخ العقدُ فيه، فتنفسخ الإجارةُ في المدة الماضية، وإن تلفت المنافع فيها في يد المستأجر.
وإن منعنا الانفساخَ في المقبوض التالف فيمتنع الانفساخُ في المدةِ الماضية في الإجارة.
هذا تمامُ القول في التبعيض الواقع انتهاءً بطريق الانفساخ.
3244 - فأما القول في التبعيضِ المتعلق بالفسخ الاختياري فإذا اشترى رجل عبدين وقبضهما، ثم وجد بأحدهما عيباً، فهل له أن يُفرد العبدَ المعيب بالرد ويستردَّ 2 قسطه من الثمن؟ فعلى قولين مشهورين: أحدهما - له ذلك.
والثاني - لا سبيل له إلى التفريق.
وهذا يقرب مما تقدم الآن.
فإن قُلنا: له ردُّ المعيب: فإذا ردَّ، استردَّ قسطاً من الثمن على ما يقتضيهِ التوزيع، لا خلاف فيه؛ إذ لو قُلنا: يسترد جميع الثمن والعبد الآخر باقٍ في يده، لكان ذلك محالاً، خارجاً عن الضبط، مفضياً إلى إثبات شيءٍ من المبيع في يد المشتري من غير أن يكون له مقابل.1
وإن قلنا: لا يرد العبدَ المعيبَ، فله ردُّهما جميعاً، لم يختلف العُلماءُ فيه؛ وذلكَ لاتحاد الصفقة.
3245 - ومن تمام التفريع: أنا إذا جوزنا له ردَّ المعيب وحدَه، فلو قال: أردّهما: المعيبَ والسليمَ، فالمذهبُ أن له ذلك.
ومن أصحابنا من قال: ليس له أن يرد إلا المعيبَ منهُما على هذا القول.
وفرَّع الشيخ أبو علي، فقال: إذا قلنا: لا سبيل إلى التبعيض، فلَو قالَ المشتري: رددتُ المعيبَ، هل يكون هذا رداً لهُما؟ ذكر وجهين: أحدُهما - أنه ردٌّ لهما جميعاً.
وهذا في نهايةِ الضعفِ.
والثاني - وهو الذي لا يصح غيره أنه لا يكون ما جاء به رداً فيهما، ولكنه يلغو، فكأنه لم يردّ.
ومما فرَّعه حيث انتهى الكلامُ: أنا إذا منعنا التفريقَ، فلو رضي البائع بردِّ العبد وحده، وردّ قسطٍ من الثمن، فهل يصح ذلك مع رضاه؟ فعلى وجهين.
وفيهما احتمالٌ على حال؛ فإن الرد على الجملةِ متعلقٌ بالاختيار (1 وليس كالانفساخ وكالحكم بفسادِ العقد ابتداءً؛ فإنه غير متعلق بالاختيار 1)، فينفذ الحكم [المنعقد] 2 ولا يؤثر الرضى بعده.
ولو اشترى الرجل عبدين وقبضهما، وعَثَر منهما جميعاً على عيب، فأراد ردَّ أحدهما دون الثاني، ففي المسألة قولان.
ومنْعُ التفريق هاهنا أولى؛ بسبب ثبوت العيب الموجب للخيار في كل واحدٍ منهما.
وكل ما ذكرناه فيهِ إذا قبض العبدين، فأراد ردَّ أحدهما مع قيام الثاني.
3246 - فلو قبضهما، وتلف أحدُهما في يده، ووجد بالثاني عيباً، فهل له رده مفرداً؟ فعلى قولين مُرتَّبَيْن على القولين فيه إذا كان العبدان باقيين.
وهذه الصورةُ الأخيرةُ أوْلى بجواز ردَّ أحد العبدين؛ فإن العبدين إذا كانا باقيين، أمكن ردُّهما وفسخُ1
العقد من [غير] 1 تفريق، وإذا تلفَ أحدهما فيعسُر الرد في التالف ويعذَر المشتري بأفراد العبدِ الباقي بالرد.
فإن قلنا بردِّه، فلا كلام.
وإن قلنا: لا يردُّه، فلو قال: أُخرج قيمةَ العبد التالفِ، وأضمُّها إلى العبد القائم وأردُّهما وأسترد جملةَ الثمن، فهل له ذلك؟ فعلى قولين: أحدُهما - له ذلك؛ فإن فيه استدراكُه للظُّلامةِ التي لحقته، وإقامةُ القيمةِ مقام الفائت في حق المردود عليه، مع ترك تفريق الصفقة.
والقول الثاني - ليس له ذلك؛ فإن القيمة ليست موردَ العقد، وسبيل الفسخ أن يَرِدَ على ما وردَ عليهِ العقد.
ولا خلاف أن من اشترى عبداً، وقبضه وتلف في يدهِ، ثم اطلع على عيب بهِ، فأراد بذلَ قيمتِه وإيرادَ الفسخ عليها، لم يكن له ذلك، فليكن الأمر كذلك في أحد العبدين.
وقد تقدم في تفصيلِ المذهب في العيب الحادث في يد المشتري مع الاطلاع على العيب القديم أنه لو أراد ضمَّ أرش العيب الحادث إلى المبيع وردَّهما، فهل يجبر البائع على قبول ذلك وردِّ الثمن.
وقد قال [الأئمة] 2 ردُّ قيمةِ أحدِ العبدين مع العبد القائم أبعدُ عن الجَوازِ؛ من جهة أن العبدَ التالفَ مبيعٌ مقصودٌ، وينفسخ العقد بتلفهِ في يد البائع، فردُّ قيمةِ 3 مقصود أبعدُ من ردَّ أرش نقصانٍ لا يتأصل.
ولا خلاف أن العبدَ إذا عابَ في يد البائع، لم يُقضَ بانفساخ العقد في شيء، وليس للمشتري إلا الخيارُ في الفسخ والإجازة، كما تقدَّم.
فإن قُلنا: للمشتري ردُّ العبدِ والقيمةِ، فلا كلام.
وإن قلنا: ليس له ذلك، فيرجع بأرش العيب القديمِ.
ومن تمام تفريع هذا أنه لو طلب أرشَ العيب القديم، فقال البائع: اغرم لي قيمةَ العبد التالف وارددها مع العبد القائم، فهل يجبر المشتري على هذا الحكم إن أراد استدراك الظُّلامة؟ فعلى قولين.
وقد أجرينا مثل هذا في أرش العيب الحادث، وذكرنا الخلاف في مُطالبة البائع المشتري، ومطالبةِ المشتري البائعَ.
وهذا آخر القول في أصول تفريق الصفقة، أتينا به على أكمل وجه وأشمله.
ونحن نرسم وراءها فروعاً.
فرع:
3247 - إذا قال: بعتُك هذين الصاعين بدرهمٍ، فقال المخاطب: اشتريت أحدهما بنصف درهم، فالبيع مردود؛ فإن الصفقة متحدة؛ فلا سبيل إلى تبعيضِها في الجوابِ.
وهذا متَّفَقٌ عليهِ، وإن حكمنا بأن الفسادَ في بعض مضمون العقد لا يتَداعَى إلى فساد باقيه وإن 1 كان يصح إفرادُه بالعقدِ.
ولو زوج الرجل أمتيه من عبدٍ، فقال العبد: قبلت نكاح إحداهما، فقد قطع الشيخ أبو علي بصحة النكاح، وفرق بين النكاح والبيع، وهذا محتمل.
ولو قيل: يجب تخريج ذلك على ما قدمناه في أحكام التفريق من أن الرجل إذا نكح مسلمةً ومجوسيةً في عقد واحدٍ، فهل يخرج فسادُ نكاح المسلمة على تفريق الصفقة أم يقطع بصحة النكاح فيها؟ لكان حسناً.
فإن أفسدنا النكاحَ في المسلمةِ بسبب التفريق، وجب القطع بأن تفريقَ القبولِ يمنع صحةَ النكاح.
وإن صححنا النكاح في المسلمة، وفرقنا بين النكاح 2 وبين البيع في الترتيبات المقدمة، لم يبعد على ذلك الحكمُ بصحة النكاح في الصورة التي ذكرناها.
فرع:
3248 - إذا اشترى عشرين درهماً بدينارٍ، وأقبض الدينارَ، وقبض من الدراهم تِسعةَ عشرَ، وتفرقا قبل قبض الدرهم، انفسخ العقد في الدرهم، وما يقابله من الدينار.
وهل ينفسخ في الباقي؟ فعَلى قولين، كما تمهَّد في أصول التفريق.
فإن قلنا: لا ينفسخ في الباقي، فهل يثبت الخيارُ للمشتري الذي 3 لم يقبض تمام حقه؟ فعلى أوجهٍ: أحدُها - له الخيار؛ طرداً لقاعدة الخيار عند تبغض مقصودِ [العقد] 4.
والثاني - لا خيار له؛ فإنه هو الذي سعى في هذا التبعيضِ.
والمسألةُ مفروضة فيه إذا تفرقا عن اختيارٍ.
والوجه الثالث - أنهما إن علما أن العقد ينفسخ في الباقي، وتفرقا على قصدٍ، فلا خيار فيما [جرى] 1 التقابض فيه.
وإن لم يعلما ذلكَ، ثبت الخيار للمشتري.
فرع:
3249 - إذا نكح امرأتين وأصدقهما عبداً، وقُلنا يصح الصداقُ مُوزَّعاً على مهريهما، على ما سيأتي تمهيدُ هذا الأصل في الصداق.
فلو بان فساد نكاحِ إحداهما، وارتد ما ثبت في العبد صداقاً [لها، وثبت قسط] 2 من العبد صداقاً للتي صحّ نكاحُها، قال الشيخُ 3: للزوج الخيارُ في حق هذه التي صح نكاحُها في رَدّ المسمى صداقاً لها، والرجوعُ إلى مهر المثل.
والسبب فيه أن العقدَ تبعّض عليه لمَّا بان فسادُ نكاح إحداهما.
والتبعيض عيبٌ، فليتخير لذلك.
هكذا.
قال: وقد عرضتُ 4 هذا على الشيخ يعني القفالَ، فرآه صواباً ورضيه.
وهذا مشكِل عندي، فإن التبعيض لم يأت من قِبل هذه التي صح نكاحها، فاسترجاع ما صح صداقاً لها بعيدٌ، ولا يبعد أن ينتسب الزوج في هذا إلى قلّة التحفظ، وتركِ البحث عن حال التي فسدَ نكاحها.
فرع:
3250 - ذكرنا اختلافَ القول فيه إذا اشترى الرجل عبدين فأرادَ رَدّ أحدِهما بالعيب، فلو اشترى عبداً فوجد به عيباً، فأرادَ رَدَّ نصفه، فالذي قطع به الأصحاب امتناعُ ذلك؛ من جهة أن التبعيضَ عيبٌ، فلو أثبتنا له ردَّ نصفِه، لكان قابضاً بعيبٍ رادّاً بعيبين.
وقال الشيخُ رأيت لبعض أصحابنا أن المسألة تخرج على قولين فيها.
وقد رأيتُ هذا لصاحب التقريب.
وهو خطأ عندي غيرُ معتد به.
والذي ذكره الأئمّةُ أنه لو اشترى عبداً، وباع نصفه، ثم اطلع على عيبٍ قديمٍ به، فأراد ردَّ النصفِ الثاني مع ضمه أرشَ عيب التبعيض، فهو يندرج تحت التفاصيل المقدَّمةِ في العيب القديم والعيب الحادث.
فرع:
3251 - إذا باع عبداً وحُرّاً 1 من إنسانٍ، وكان المشتري جاهلاً بحقيقة الحال، فالمسألةُ على قولي تفريق الصفقة، ولا يتغيّر الأمر بعلم البائع.
ولو كانا عالمين بحقيقة الحَالِ، فقد كان شيخي الإمام يقول: الوجه: القطع بالبطلان، وتنزل المسألة 2 منزلة ما لو قال الرجل لمن يخاطبه: بعتُك عبدي هذا بما يخُصّه من ألفٍ لو وزع عليه وعلى قيمة فلان.
وهذا عندي غيرُ سديدٍ.
والوجه طردُ القولين في الأصلِ.
نعم، يجوز أن يتخيل في صورة العِلم اتجاه قولنا في [وقوع] 3 كل الثمن في مقابلة العبدِ، على أنه خيالٌ أيضاًً؛ فإن تيك المسائل بتفريعاتها مدار على مقتضى الألفاظ.
نعم، إن كنا نقول: العقد يُجاز في العبدِ بقسطٍ من الثمن، فلا وجه لاثبات الخيارِ للمشتري؛ فإن العلم بحقيقة الحال ينافي ثبوتَ الخيار.
فرع:
3252 - إذا قبض المشتري العبدين، وتلف أحدُهما، وجعلنا له أن يردَّ العبد القائم وقيمةَ التالف، فلو اختلف البائع والمشتري في مقدار قيمة العبد التالف، فالقولُ قولُ المشتري باتفاق الأصحاب؛ فإنه الغارم، وإذا تنازع الغارم والمغروم له، فالرجوعُ إلى [قول] 4 الغارم؛ لأن الأصل براءةُ ذمَّتهِ.
وكذلك لو باع رجل ثوباً بعبد وجرى التقابضُ، ثم تلف العبدُ في يد قابضهِ، ووجد قابضُ الثوب عيباً بما قبضَه، فإنه يردُّه، وإن كان عِوضه تالفاً؛ فإن الاعتبارَ بوجود المردود، ولو تلف أحدُ العوضين في يد قابضه ومقابلُه باقٍ، فأراد من تلف في
يده ما قبضه أن يغرَم قيمتَه ويردها بناء على وجود المقابل، لم يكن له ذلك، فالتعويل في ثبوت الرد ونفيه على وجود المردود وعدمه.
فإذا كان موجوداً فيردّه.
وإن كان مقابله تالفاً، فإنه يسترد قيمتَه.
ولو اختلفا في مقدار القيمة، فالقول قولُ غارمِ القيمة؛ بناء على الأصل الذي قدمناه.
ولو مات أحد العبدين في يدِ المشتري، وقلنا: له أن يردَّ العبدَ القائم من [غيرِ] 1 قيمة التالف ويستردَّ قسطاً من الثمن، وكان لا يتأتى الرجوعُ إلى قسطِ الثمنِ إلا بتوزيعهِ على قيمةِ القائم، وقيمةِ التالف، فاختلفا في قيمة التالف، فالقول قول من؟
فعلى قولين: أحدُهما - أن القول قولُ البائع؛ فإنه يسترد منه شيء من الثمن قد تقدَّم استحقاقه فيه، فعلى المشتري أن يبيّن استحقاقَ الاسترداد.
والقول الثاني - أن القول قولُ المشتري؛ فإن البائع يدَّعي استقرارَ ملكه على مقدار، فلا يقبل قولُه مع بدوّ العيب القديمِ.
وهذا فيه احتمالٌ على حال.
ولعل الأصح الرجوعُ إلى قول البائع ويمينه.
فإن قيل: أطلقتم القيمةَ ولم تذكرُوا تفصيلَها، وأنها تُعتبر بأي وقتٍ؛ قُلنا: هذا سَيُذكَر في باب التحالف.
ولعلنا نذكر فيه ما يتعلق بأطراف هذا الفَصل إن شاء الله عز وجل.
بَابُ اخْتلاَفِ المُتَبايِعَيْنِ
قواعد الباب يجمعُها فصول، ونحن نذكرُها على ترتيبها، ثم نتعرض لما يشذُّ منها
الفصل الأول
في الاختلاف ومعناه
3253 - فليعتقد المنتهي إلى الباب أن المتبايعين إذا اختلفا في صفةِ العقدِ على ما سنصف اختلافَهما، فإنهما يتحالفانِ، ثم يفسخ العقد بينهما أو ينفسخ.
والذي يقتضيه الترتيبُ وصفُ اختلافِهما، ثم وصفُ أيمانهما، ثم بيان الحكم إذا تحالفَا.
3254 - فأمَّا الاختلاف؛ فإن اتفقا على المبيع، واختلفا في مقدار الثمن، فقالَ البائع: بعتُه بألف.
وقال المشتري بل بخمسمائةٍ، أو اختلفا في جنس الثمن، فذكر أحدُهما الدراهم، وذكر الآخر الدنانير، فالاختلاف على هذه الوجوه يتضمن التحالف.
وكذلك لو اتفقا على المبيع، كما ذكرناه، واختلفا في عين الثمن، فقال البائع: بعتك داري هذه بهذا الثوب، وقال المشتري: بل بعتنيها بهذا العبد، فهذا يتضمن التحالف.
ولو قال البائع: بعتك داري هذه بعبدك هذا.
و 1 قال صاحبه: بعتَني بستانَك هذا بثوبي [هذا] 2، فما اجتمعَا على ثمنٍ ولا مُثمّنٍ، فليسَ [هذا] 3 من مقصود
الباب؛ فإن غرض الباب يستدعي اتحادَ العقد واختلافَهما في الصفة، حتى إذا فرض التحالف ابتنى عليهِ التفاسخ في العقد الواحد بينهما، وإذا ذَكر أحدُهما ثمناً ومثمناً مُعيَّنين، وذكر الآخر ثمناً ومثمناً آخرين، فقولاهما راجعان إلى عقدين، فالوجه فيهِ أن يدعي كل واحدٍ العقدَ الذي يذكرُه وصاحبُه إذا استمرَّ على نفيه، فالبينةُ على المدعي، واليمين على من أنكر.
وكذلك لو ادّعَى مالك الدار أنه باعها بألفٍ من زيد، فقال زيد: بل وهبتنيها، فليس هذا من الباب؛ فإنهما تَدَاعَيا عقدين، فكل واحد منهما منكر لما يدعي صاحبُه.
ولو اختلفا في عين المبيع واتفقا في عَين الثمن، وكان الثمن مُعَيّناً، فهذا موضع التخالف المقصود في الباب؛ فإنهما اتفقَا على أحد العوضين وارتبط العقد به، ورجع الاختلاف بعده إلى تفصيل العقد.
وبمثله لو اختلفا في عين المبيع، وذكرا ثمناً في الذمة لم يختلفا فيه مقداراً وجنساً.
مثل أن يقول أحدُهما: بعتُك عبدي هذا بألفٍ، ويقول المشتري: بل بعتني جاريتكَ هذه بألف.
فكيف السبيل والاختلاف كذلك؟ ذكر العراقيون أن هذا من باب التَّداعِي في عقدين، فإن المبيع مختلَفٌ فيه، والثمن ليس بمتعيَّن حتى يعتقد مرتَبطاً للعقد.
فالطريق على مذهبهم فصلُ الخصومةِ عن الخصومةِ، فبينهما عقدان يتداعيانهما كما تقدَّم نظائر هذا.
وفي طُرق المراوزة ما يدل أن التحالف يجري في هذا؛ فإنَّ الألْفَ متفقٌ عليه.
والكلام في جهة ثبوته والعِوضُ الثابت ديناً مملوك، كالعوض المسمى عيناً.
وللعراقيين أن يقولوا: الألف الذي يدَّعيه أحدُهما غيرُ الألف الذي يعترف به الثاني، ويتصور التزام ألفين من جهتين، [فالتعيين] 1 لا يتحقق في الألف، وليس كالعين يتعين ملكاً.
وهذا الذي ذكَرُوه مع ما ذكرهُ المراوزة بلتفت على أصلٍ سيأتي في الدعاوى، وهو
أن رجلاً لو اعترفَ بألف لإنسان عن جهةِ ضمان، وأنكر المقَرُّ لهُ الضمانَ، وادَّعى عليه ألفاً عن جهةٍ أخرى أنكرها 1 المقِر، ففي وجوب الألف على المقر خلافٌ مشهورٌ.
ولو اعترف رجل بالملكِ في عَينٍ لإنسانِ عن جهةِ، فأنكر المقَرّ له تلكَ الجهة، وادَّعى الملكَ بجهةٍ أخرى، فلا خلاف في وجوب تسليم العين إلى المقرّ له.
فهذا مضطرب للفريقين.
والمسألةُ محتملةٌ، ويظهر فائدةُ ما ذكرناه في الفسخ.
فإن اعتقدنا الألف في حكم العين المتَّحدة، فإذا جرى التحالف، فسخنا العقدَ، وقد نقول ينفذ الفسخُ باطناً، كما سيأتي شرحه، إن شاء اللهُ.
فيثبت ما بينهما.
وإن لم نر هذا تَحالُفاً في مقصود الباب، فتُفصلُ الخصومتان بطريق فَصلِهما، ولا فسخ ولا انفساخَ، والمبطل منهما في علم الله مطالبٌ بما عليهِ، طرداً لقياس الخصومات.
3255 - وممَّا يتعلق بصفة الاختلافِ أن الزوائد التي تثبت بالشرط 2 إذا فرض النزاع فيها، فالحكمُ التحالف عندنا، مثل أن يدعي البائع شرطَ الرَّهن أو الكفيل، أو شرط البراءة إذا رأينا صحتَه، أو يدعي المشتري شرطَ الأجل في الثمن، أو شرطَ الكتابة وغيرِها في العبد المشترى، فإذا جرى الدعوى والإنكار، فحكم الحال التحالف عندنا، ثم الفسخُ أو الانفساخ بمثابةِ الاختلاف في الثمن والمثمن.
وأبو حنيفة 3 لا يثبت التحالف إلا عند فرضِ الاختلاف في الثمن أو المثمن.
فإذا صار إلى أن الأصل عدمُ الشرائط المدّعاة، فليكن القولُ قولَ نافيها مع يمينهِ.
قلنا: لا ننكر أن هذا قياس جَليٌّ في وضعه، ولكن هذه الشرائط بمثابة مزيد الثمن إذا ادّعاه البائع على المشتري؛ فإن الأصل عدمُ التزامه وبَراءةُ ذمّةِ المشتري عنه، ثم جرى التحالفُ فيه مع قيام السلعة وفاقاً.
فإن كان التعويل على الخبر، فذكر الاختلاف في الخبر مطلقٌ لا تعرض فيه للثمن والمثمن.
وإن كنا نتكلف تقريب القول من جهةِ
المعنى، فنقول: العقد متفق عليه، والمتعاقدان مختلفان في صفته، فكل واحدٍ منهما يدّعي صفةً وينكر صفةً، وهذا متحقق [والتداعي في الشرائط يحققه] 1 والتداعي في زيادةِ الثمن والمثمن.
3256 - ومما خالف أبو حنيفة رحمه الله فيه الأجلُ، مع العلم بأن التداعي فيه تداعٍ في المالية؛ فإن الألف المؤجل دون الألف الحالّ.
ولو اختلف المتعاقدان، فادعى أحدُهما جريانَ شرطٍ مفسدٍ للعقد، وأنكر الثاني، فاختلف أصحابنا: فمنهم من قالَ: القول قول من ينفي الشرطَ؛ لأن الأصل عدمه، ومنهم من قال: القول قول من يثبته؛ فإن [في] 2 إثباته نفيَ العقدِ.
وبالجملة ليست هذه الصورة من صور التحالف لما ذكرنا الآن من أن التحالف يترتب على الاختلاف في صفةِ العقدِ، مع الاعتراف بأصلهِ، والنزاع في الصورة 3 التي نحن فيها راجع إلى أصل العقد؛ فإن أحدهما يدَّعيه، والثاني ينفيه.
وهذا الاختلاف قريبُ المأخذ من مسألة في الأقارير: وهي أن الرجل إذا أقرَّ بألفٍ من ثمن خمرٍ، فهل نلزمهُ الألف تعلُّقاً بصَدَرِ 4 الإقرار، أم نقول: الكلام بآخرِه، وليس في منتهاه ما يوجب ثبوتَ الألف.
3257 - وذكر القاضي مسألةً، ونحن ننقل جوابَه فيها أولاً، ونذكر وجهَ الرأي: وهو أن البائع لو قال: بعتُك هذا العبدَ بهذَا الثوبِ، وثوبٍ آخر تلف في يدك.
وقال المشتري بل اشتريتُه بهذا الثوب لا غير.
قال القاضي: هذا يبتني على تفريق الصفقة في الانتهاء، وما يقابل القائمَ من الثمن.
فإن قلنا: ينفسخ العقد في القائم أيضاً، فليس يدّعي البائع عقداً في الحال.
وإن قلنا: جميع العِوَض يقف في مقابلةِ القائم، فلا معنى للتحالف أيضاً؛ لأن البائع يلزمُه تسليم العبد على هذا القول، فلا يستفيد
بما ذكره شيئاً.
وإن قلنا: القائم الباقي يقابله قسطٌ من الثمن، فهذا يُفضي إلى الخلاف في القدر المستحق من العبد، فيترتب عليه التحالف حينئذٍ؛ [فإنه] 1 تنازع في مقدار الثمن أوّلاً، مقتضاه دوام النزاع في مقدار البدل آخراً.
وهذا الذي ذكرهُ حسنٌ سديد في أطرافه.
ولكن يتطرق الكلام إلى شيء منه: وهو أنا إذا قلنا: البدل في مقابلة الباقي القائم، فهذه الحالةُ لو جرت، تضمّنت خيار البائع، والمشتري ينكره، فقد أدَّى التنازعُ إلى تناكُرٍ في الخيار، وهو مستند إلى نزاع في المعقود عليه.
وإذا ظهرت فائدة وقد استند النزاع إلى صفة العقد في الأصل، اتَّجه التحالفُ؛ فإنهما لو تنازعا في شرط الخيار، [تحالفا مع كون الخيار] 2 زائداً مائلاً عن مقصود العقد، فما الظن بخيار يقتضيه النزاع في أصل المقصودِ.
هذا منتهى نظرِنا الآن.
والرأي بعد ذلك مشتركٌ بين الفقهاء.
وقد نجز بما ذكرناه القولُ في صفة الاختلاف الذي يبتني عليه التحالف.
ونحن نقول بعد ذلك:
3258 - الاختلاف في العقود المشتملة على الأعواض يتضمن التحالف، فلا اختصاصَ لما ذكرنا بالبيع، فإذا تنازعَ المتكاريان تحالفا، وكذلك المتصالحان والمتكاتبان، وكذلك إذا اختلف الزوج والزوجة في الصداق، تحالفا، ثم يتأثر بتحالفهما الصداق، كما سيأتي في كتابه - إن شاء اللهُ.
وكذلك التحالف جارٍ في [المساقاة] 3، ومعاملة القراض.
والجامع له أن التحالف يجري في كل عقد يشتمل على عوض.
ثم العقود تنقسم: فمنها ما يؤثِّر الفسخ في رفعها، ومنها ما لا يرتفع مقصودُها، ويرجع التأثر إلى العوض، [كالصداق] 4، والخلع، والمصالحة عن الدم، وعقد
العتاقة.
وليست الكتابة كذلك؛ فإن العتق لا يتأكد فيها إلا بعد وقوع العتق.
فإن قيل: أي معنىً للتحالف 1 في القِراض، وهو عقد جائز في 2 الجانبين يتمكن كل واحدٍ من المتعاقدَيْن من فسخه؟ قلنا: هذا غفلةٌ عن مقصود الباب؛ فإن التحالف لم يوضع في الباب للفسخ، ولكن الأَيْمان تُعرض على رجاء أن ينكفّ عنها الكاذب، ويستقل العقد بيمين الصادق.
والتفاسخ أمرٌ ضروري رآه الشرع بعد جريان التحالف.
ولا شك في جريان التحالف في الكتابة، وإن كانت جائزة من جهةِ المكاتَب.
3259 - ونقل بعض من يوثق به عن القاضِي أن التحالف في البيع لا يجري في زمان الخيارِ ومكانه؛ لأن كل واحدٍ منهما في الفسخ بالخيار، فلا حاجة بهما إلى التحالف في ثبوت الفسخ.
وهذا غير سديدٍ؛ [لما] 3 ذكرته من أن التحالف ليس موضوعاً للتفاسخ.
وقد صرح القاضي بثبوت التحالف في القراض مع جوازه، ونصَّ الشافعي في الكتابة على التحالف، مع جواز العقد في جانب المكاتَب.
والذي يتأتى به توجيه كلام القاضي أن توجيه الطلب مع الجواز بعيدٌ، فلو طولب باليمين، وما فيه اليمينُ في أصله ليس [بلازمٍ] 4، لكان بعيداً.
ولو جاز هذا، لجاز أن يقال: يطالب المشتري بالثمن في زمان الخيارِ، ويُحبس فيه، ويقال له: إن أردت الخلاص، فافسخ، وهذا لا قائل به.
ويلزم على مساق كلام القاضي أن يقال: من ادعى على إنسانٍ بيعاً بشرط الخيارِ له، فلا يتوجه اليمينُ على المدعَى عليه توجُّهاً محققاً.
ولا يلزم على هذا مطالبةُ السيّد مكاتَبَه بالنجم؛ فإنه يستفيد به فسخَ عقدِ الكتابة إذا امتنع المكاتَب، فعاقبةُ مطالبته رفعُ حقٌ واجبٍ.
والوجه عندي في زمان الخيار أن القاضي لا يلزمهما أن يتحالفا، لو ادَّعَيا ورأيا أن يتحالفا، عَرَض الأيمانَ عليهما، ونظرنا إلى ما يكون من أمرهما.
وهذا مشكل أيضاًً؛ فلا عهد لنا بيمين يتخيَّر المرءُ فيها.
فهذا منتهى الأمر.
وقصاراهُ موافقةُ القاضي.
ولستُ أخلي هذا الكتابَ عن طريق المباحثة -مع التمكن من الاقتصار على نتيجة- حتى يتدرَّب الناظر في مسالك البحث.
ثم الذي يقتضيه مساق هذا الأمر أن تحالف [المتعاملَيْن] 1 في القِراض قبل الخوض في شيءٍ من العمل لا معنى له.
ويعن فيه شيء آخر، هو أن نجعل نفس التناكر تفاسخاً.
وستأتي نظائر ذلك؛ فإن الشافعي نص على أن دعوى الرجعة من الزوج في مدَّة الرجعة رجعة، وهذا كلام يطول.
وسيأتي في موضعه، إن شاء الله.
نعم إذا عمل المقارض، فيعود النزاع إلى مقصود [الأخير في دفعه من أجرِ] 2 مثل أو ربح.
فهذا غايةُ القول في ذلك.
ثم نختتم الفصلَ ونقولُ: جريانُ التحالف في البيع لا يتوقف على قيام المبيع، بل يجري بعد تلفه، فإن معتمدَهُ العقد، والعقد لا يزول بتلف المبيع في يد المشتري، والخلاف مشهور مع أبي حنيفة 3 رحمه الله.
وكما لا يتوقف التحالف على بقاء المبيع، لا يتوقف على بقاء المتعاقدَيْن، فلو ماتا، أو مات أحدُهما، خلف الوارثُ المورُوثَ، وجرى التحالفُ.
والتعويل على ما ذكرناه من بقاء العقد؛ فإنه باقي في حقوق الورثة.
الفصل الآخر
في كيفية التحالف
3260 - والذي نرى تقديمَه أن تحالفَ المتعاقدَيْن لا يهتدي إليه القياسُ الجلي على الاستقلال في بعض الصور، وقد يجري بعضَ الجريان في بعضِها.
فإن كان المبيع متفقاً عليه، ومقدار الثمن متنازعاً فيه، فقد يظهر أن ملك المبيع لا نزاع فيه، وكذلك المُتَّفقُ من قدر الثمن، والزائد على ذلك يدّعيه البائع وينفيه المشتري، والأصل براءةُ ذمّته عنه.
هذا وجه.
ومعتمد 1 الباب إما الخبر على ما قررناه في الخلافِ، وإما مصلحة ناجزة حاقَّة خصيصَةٌ بالباب، هي أولى بالاعتبارِ من الأمر الكلِّي، وهي أن المتعاقدَيْن يعم اختلافُهما، وكل واحدٍ منهما جالبٌ باذلٌ، فلو خصَصنا بالتصديق أحدهما، جرَّ ذلك عُسراً عظيماً، فرعاية مصلحة العقد أولى من النظر إلى عموم القول في براءة الذمَّة.
فإن فرضت بيّنة، فهي متبعة، وإن تعارضت بيّنتان، لم يخفَ حكمُ التَّهاتر 2 والاستعمال.
وإن لم تكن بيّنةٌ، فلا وجه إلا التسوية بين المتعاقدَيْن فيما يعم وقوعه.
فهذا أصل الباب.
3261 - ثم الكلام يتعلق بأمرين: أحدهما - فيمن يُبدأ به من المتعاقدين، والآخرُ في عدد اليمين وصيغتِها.
فأما الكلام في البداية، فظاهر نصوص الشافعي أن البدايةَ بالبائع، ومن ينزل منزلتَه في العقود، ونص في البيع نفسِه أن البداية بالبائع.
وقالَ في السلم: البدايةُ بالمسلم إليه.
وهو في مقام البائع.
ونص في الكتابة أن البداية بالسيِّد، وهو في التقدير في رتبة البائع.
ونصُّه في النكاح يخالف هذه النصوص؛ فإنه قال 3: البدايةُ بالزوج.
وهو في
التقدير في منزلة المشتري إذا أُضيف إلى المقصود بالعقد، وهو استحقاق حِل البُضعِ، فنظر الأصحاب في النصوص، فرأوها مخالفة لما نص عليه في النكاح، واختلفوا على طرقٍ، فذهب بعضهم إلى إجراء القولين، وضربَ النصوصَ بعضَها ببعض.
فينتظم في كل مسألةٍ ذكرناها قولان: أحدُهما - أن البداية بالبائع؛ فإن قولَه يدور على مقصود العقد، وهو المبيع، والشرع يَعتَني بإثباتِ العقدِ إذا ثبت أصلُه، فهذا يقتضي تقديمَ من يتلقَّى مقصودَ العقد من جهتِه.
والقول الثاني - أن البداية بالمشتري وبمن يحل محلَّه؛ فإن القياس الكلي يقتضي تصديقَ المشتري؛ من جهة أن البائعَ معترفٌ له بالملك في المبيع، لكنَّه يدعي عليهِ مزيداً، وهو يُنكره، فالقياس أن القولَ قولُ المشتري؛ فإن الأصل بَراءةُ ذمّتِه عن المزيد الذي ادُّعي عليه، فلئن لم نكتف بقوله، فلا أقل من البداية به.
ثم ما طرَدْناه في البائع يجري في كل من يحل محلَّهُ وهو المسلَمُ إليه في السلم، والمكري في الإجارة، والسيد في الكتابة، والزوجة في النكاحِ.
وما أطلقنَاهُ في المشتري يجري في كل من يحل محله في العقود التي ذكرناها.
3262 - ومن أصحابنا من أجرى النصوص على حقائقها في محالّها؛ فقال: البدايةُ بالبائع والمسلَمِ إليه والمكري والسيّد في الكتابة، والبداية بالزوج، وإن كان في مقام المشتري إذا أضيف إلى مقصود النكاح.
والسبب في ذلك كُلِّه تقديمُ من يقوى جنبتُه في المسائل.
والزوجُ في مقام الاختلاف أقوى؛ من جهة أن مقصودَ العقد يبقى عليه، وإن بلغ التحالف منتهاه؛ فإن النكاح لا ينفسخ، ولا يُفسخ، وهو مقصودُه، فكان جانبه أقوى لذلك.
وجانب البائع ومن يحل محله (1 في المسائل أقوى؛ من جهة أن مقصود العقد ينقلب إليه في نهاية التحالف 1) [فكان جانبه أقوى، والمستحق على الزوجة لا ينقلب إليها في نهاية التحالف] 2.1
والوجه عندي في تقرير هذه الطريقَةِ أن النكاح في وضع الشرع في حكم المستثنى عن مضطرب الاختلاف، حتى كأنّ الصداقَ ليس في حكم الأعواض المقابلة، وإنما هو مُتعة معجلة للمرأة من جانب الزوج.
وهذا المعنَى هو الذي أوجب للزوج [الحكمَ] 1 ببقاء النكاح في نهاية التحالف، فكأنَّ الاختلافَ منحصرٌ 2 في الصداق، فالزوج إذاً هو الذي يُتلقى ملكُ عين الصداق منه، كما أن البائعَ يتلقى ملك المبيع منه، فهذا هو الذي اقتضى البدايةَ بالزوج في الصداق.
3263 - وذكر صاحبُ التقريب طريقين سوى ما ذكرناهما: إحداهما - أن القاضي يبدأ بمن شاء، فلا احتكام عليهِ، والأمر في ذلك مفوّض إليه.
وهذا القائل يحمل نصوصَ الشافعيّ على حكم الوفاق في إجراء الكلام، فإنه إذا لم يكن من البداية بأحدِهما بُدُّ، فقد يتفق للخائضِ في الكلام أن يستفتحَ تقديرَ البداية بأحدهما، ثم لا ضَبط للوِفاقِ، فتارةً يَتّّفقُ ذكرُ جانبٍ، وتارة يتفق ذكر جانبٍ آخر.
والطريقة الثانيةُ - وهي تداني هذه في مأخذها، أن القاضي يُقرع بينهما إذا تنازعا البداية، كما يُقرع بين متساوقين إلى مجلسهِ، وكل يبغي أن يقدّم خصومَته.
والطريقتان صادرتان على قياس؛ فإن المتبايعين إذا كانا يتحالفان، ولا يقدم أحدهما بالتصديق مع اليمين، فلا فرقَ.
وما يتكلّفه الفقهاء من تقوية جانبٍ على جانبٍ إذا كان لا يفيد التصديقَ، فلا معنى له.
وإذا كان كذلك، فلا ينقدح إلا مسلكان: أحدهما - ردُّ الأَمْر إلى خِيَرةِ القاضي، والآخر - الإقراع.
فإن قيل: قطعتم بالإقراع بين المتساوقين إلى مجلس القاضي، ولم تردُّوا الأمرَ إلى اختيار القاضي، فما الفرق؟ قلنا: ذاك مفروض في خصومتين، وللمتقدّم غرضٌ ظاهر في تنجُّزِ مقصوده وانقلابه، والخصومةُ واحدةٌ في مسألتنا لا تنفصل بأحدِ الجانبين، فَذَكَرْنا الخِيَرَة في الاختلاف لهذا.
ونقل بعضُ من يوثقُ به طريقةً أخرى معزيّةً إلى طريقة القاضي، وهي أن القاضي يقدّم منهما من يؤدي اجتهادُهُ إلى تقديمه.
وهذا كلام في ظاهرهِ ركيك، من جهة أن القُضاة في الوقائع كلِّها يقضون باجتهادِهم وإنما الكلام كلّه في ذكر وجوه الاجتهادِ.
فإذا تعدّينا تقديمَ جانب، فذكر اجتهاد القاضي لا معنى له.
والظن أن المراد بهذا تخيّر القاضي، ولكن المعلِّق عنه لم يرَ التّخيُّرَ 1 في الوقائع، فحمل هذا على الاعتقاد في ردَّ الأمر إلى الاجتهادِ.
فهذا استقصاءُ أقوال الأصحاب في البداية.
3264 - ووراء ذلك نظر وبحثٌ عندنا.
فنقول: إذا تبايع رجلان عبداً بجاريةٍ، واشتمل العقدُ على عوضين من الجانبين، فلا ينبغي أن يظن ظانٌّ أن جانباً يقدَّم على جانبٍ، وقد تبادل المتبايعان عوضين، وآلَ النزاعُ إلى زيادةٍ يدَّعِيها كلُّ واحدٍ على صاحبه، والمدعَى عليه ينفيها، ويدعي زيادةً.
وإنما الكلام في البداية.
وموقعُ النصوص فيه إذا كان الثمنُ في الذمّة، وكان المبيع عيناً أو جنساً مقصوداً، كالمسلَم فيه؛ فإنّ منشأَ الكلامِ في البدايةِ ما 2 قدَّمناه في توجيهِ القولين على طريقةِ من يُجري النصوصَ على قولين.
وإذا فرض الكلام في مبيع مقابَلٍ بثمنٍ في الذمَّة، فميل النص إلى البدايةِ بالبائع.
والتسويةُ بين الجانبين - وإن كان منقاساً، فهو إضرابٌ عن النص بالكليّة، والتخريج على خلاف النص يبعد إلحاقُه بالمذهب، فما الظنُّ 3 بالإعراض عن النص بالكلية.
والذي أراه في ذلك أن التحكم بالتقديم بعيدٌ.
وإذا كنا نقرعُ عند التَّساويَ، فالاستمساكُ بمتعلَّقٍ أولى من تحكيم القُرعة.
ثم نص الشافعي يشير إلى تثبيت مقصود العقد، كما قدمناه وهذا النص، ينطبق على ما سنَذكرُه في الفصل الثاني، وهو الاكتفاءُ بيمين واحدة تشتمل على النفي
والإثبات.
هذا نصُّ الشافعي على ما سنذكرُه.
ثم من نفى وأثبت ونَكل صاحبُه، قضينا للحالف.
[فإن] 1 سبق إثباتُه في يمينهِ، تبيَّن نكولُ خصمِه عن يمين النفي.
وهذا يخالف قياسَ الخصومات، ولكنْ وَضعُ الشرعِ على الميل إلى إثبات العقدِ.
ثم رأى الشافعي صدَرَ العقدِ من البائع، فبنى عليه البدايةَ.
هذا منتَهى النظر في ذلك.
والذي نجز، فهو أهون الفصلين الموعودين.
ونحن الآن نتكلم في صفة اليمين واتحادها وتعَدُّدِها، وهو غمرة 2 الباب، وفيه [اختباطُ] 3 الأصحاب على ما سننبّه عليه، ونوضح الحقَّ، إن شاء الله عز وجل.
[فصل في صفة اليمين] 4
3265 - فنقول: كل واحدٍ من المتعاقدين مُثبتاً نافٍ، وهو متصوّر بصُورة مدّعٍ ومدعىً عليه، فالبائع يقول: بعتُ العبد بألفٍ، وما بعتُه بخمس مائةٍ.
والمشتري يقول: اشتريتُه بخمس مائة وما اشتريتُه بألفٍ.
وكل واحد في جهة الإثبات مدّعٍ، وفي جهة النفي مدَّعىً عليه.
وإذا كان كذلك، فلتقع البدايةُ بالقولِ في عدد اليمين واتحادِها.
ظاهر نص الشافعي رحمه الله: الاقتصارُ على يمينٍ واحدةٍ تشتمل على النفي
والإثبات، كما سنصفها في التفريع.
وخرج الأئمة قولاً آخر أن اليمينَ تتعدَّدُ، وزعمُوا أنّهم أخذوا هذا من اختلاف الرجلين في دارٍ تحت أيديهما، كل واحدٍ يدعي أن جميعها له، فالمنصوصُ أنه يتعرَّض كل واحدٍ ليمينين في محالهما؛ إذ يد كل واحدٍ منهما ثابتة على نصف الدارِ، وهو فيه مدعىً عليه، فالقول قولهُ فيه مع يمينه، على نفي دعوى المدَّعي، ولو فُرض نكول من أحدِهما عن اليمين على ما هو مدعىً عليه فيه، رُدّت اليمينُ على صاحبه، فيأتي بيمين الردِّ على صيغة الإثبات، فيدور في الخصومة إمكان يمينين؛ فقال المخرجون: اختلاف المتبايعين بمثابة اختلاف المختلفين في الدار الكائنةِ تحت اليدَينِ؛ من جهة اشتمال الخصومتين في الموضعين على التعرض لمقام المدعي والمدعَى عليهِ.
وهذا مُخرجٌ والنص ما قدَّمناه من الاكتفاء بيمين.
ومسألة الدار لا خلاف فيها، وليس هذا مما ينقل فيه الجوابُ من كل جانب إلى الجانب الآخر، حتى نفرضَ جَريان القولين في الجانبين نقلاً وتخريجاً.
لكنْ مسألةُ الدار متفق عليها.
وخرَّج المخرجون منها قولاً في اختلاف المتعاقدَيْن.
3266 - توجيه القولين: من قال بالقول المخرَّج اعتمد قياس الخصومات، ولا يكاد يخفى أن منصبَ المدعي يخالف منصبَ المدَّعَى عليه مخالفةً بينةً، والجمعُ بين مقامين مختلفين بعيدٌ ناءٍ عن القياس.
والذي نحققه أن الجمع بين الإثبات والنفي يتضمن تحليفَ المدعي ابتداءً في جهةِ دعواه من غير تقدّم نكولٍ من الخصم عن اليمين فيما هو مدعىً عليه.
وهذا بعيدٌ جداً.
وبيانه أن البائع إذا قال: ما بعتُ العبدَ بألفٍ، ولقد بعتُه بألفين، فقوله: بعتُ بألفَينِ إثباتُ ما يَدَّعيه، ونحن اعترفنا بخروج البداية بالمدعي في أيمان القسامة عن قياس الخصومات، مع ظهور اللوث والتأكّد بالعدد، ومسيس الحاجة إلى رفع غوائل المغتالين في خلواتٍ وأحيانٍ يَبعُد الإشهاد فيها.
ولا ضرورة إلى الاقتصار على يمين واحدة هاهنا.
هذا وجهُ هذا القول.
وأمَّا وجه القول المنصوص عليه أن البيع بين المتعاقدين في النفي والإثبات في حكم الخَصْلةِ الواحدة.
هذا وضعُ الباب، وهو مضمون الأخبار، وهو اللائق بمصلحة هذا العقد، كما سبق تقريره في صدرِ الفصول؛ فإنَّ الاختلافَ بيْن المتبايعين عامُّ الوقوع، ولا حاجةَ لتخصيص جَانب عن جانبٍ، ولو فصلنا النفيَ عن الإثبات، وأقمنا خصومتين تنفصل إحداهما عن الأخرى، لما انتظمت حكمةُ الشريعة في التسوية بين المتعاقدين، ولما أفضى الأمرُ إلى الفسخ والانفساخ.
ولكنّا نقول: القول قولُ المشتري في نفي المزيد الذي يُدعى عليهِ في الثمن، والقول قول البائع في أنه لا يجب عليهِ تسليمُ المبيع لو كنا نؤاخذه بمطلق إقراره للمشتري بالمِلك في المبيع، ونراه مدَّعياً في الجهة التي نذكرُها؛ فإذاً وضعُ الباب على الاستواء، حتى كأنهما يتنازعان نفياً واحداً، وإثباتاً واحداً، ولكن لما اشتملت الخصومةُ على النفي والإثبات، اشتملَت اليمين الواحدةُ عليهما كما سنصفها، ولا يطلع الناظر على حقيقة التوجيه إلا بالتفريع عليهما.
التفريع على القولين:
3267 - إن رأينا الاقتصارَ على يمين واحدةٍ، فاتفقت البدايةُ بالبائع مثلاً؛ فإنا نقول له: احلف بالله ما بعتُ العبد بألفٍ ولقد بعتُه بألفين.
فإن حلف، عرضنا اليمينَ على المشتري، وقلنا له: احلف بالله ما اشتريت بالفين، ولقد اشتريت بألفٍ.
فإن حلف كذلك، فقد تحالفَا.
ويقع الكلام وراء ذلك في الفسخ والانفساخ، كما سنصف القولَ فيه، إن شاء الله عز وجل - بعد نجاز صفة التحالف.
ولو حلف البائع وكنا بدأنا به، ونكل المشتري، قضَينا للبائع.
وهذا خروج بيِّنٌ عن القياس الكُلِّي، وإن كان لائقاً بمصلحةِ الباب؛ فإنا قضينا له بالإثبات سابقاً على النكول من خصمه.
ولو عرضنا اليمين على البائع أولاً، فنكل، نعرضُ اليمينَ على المشتري، فإن حلف، قضينا له بالعقد على موجب قوله.
وهذا منقاسٌ فإن القضاء جرى بعد تقدّم النكول.
ولو حلف البائع على النفي والإثبات، فحلف المشتري على النفي، ولم يتعرض للإثبات، فالذي ذكرهُ الأئمة أنه يُقضى عليه، ويمضي العقدُ على موجب قول البائع.
وهذا في نهاية الإشكال؛ فإنا كنا نُبعد القضاء بالإثبات قبل النكول، وهذا قضاء بالإثبات مع تقدير اليمين على النفي.
وسبيلُ الجواب عنه أن صيغة اليمين على هذا القول التعرض للنفي والإثبات، واليمين تُعرض كذلك، فإذا لم يأت المشتري باليمين المعروضة عليه لا نحلّفُه على النفي، وإنما يتحقق النكول عن يمينِ تُعرض، فيأباها المعروض عليه.
3268 - ومما يتعلق ببيان التفريع على هذا القول أن الأئمةَ قالوا: حق من نحلّفه من المتعاقدَيْن أن يذكر صيغة الإقسام باللهِ ويبتدىء بعد ذكر المقسم به بالنفي، ثم يُعْقِب النفيَ بالإثبات؛ فيقول: باللهِ ما بعتُه بألفٍ، ولقد بعتُه بألفين.
والغرضُ من ذلك تأصيل اليمين على النفي وإتباع الإثبات إياه؟ من جهة أن القائل قائلان، فيقع الإثبات تابعاً، والتبعية تقتضي تأخير ذكر التابع، وتقديمَ المتبوع.
والذي رأيتُ طُرقَ الأصحاب متفقةً عليهِ أن هذا الترتيب مستحقٌّ، وليس ترتيباً مستحبّاً.
ولو فُرض قلب ذلك، لم يُعتدّ باليمين.
وحكى العراقيون عن الإصطخري أنه قال: ينبغي أن يُقدَّمَ الإثباتُ، ورأى ذلك فيما نُقلَ عنه حتماً.
واعتمدَ أن الإثبات هو المقصود وفيهِ يقعُ التناقض المحقق.
وهذا متروك عليه؛ فإنه خالفَ الفقهَ الذي ذكرناه من استتباع النفي الإثباتَ.
ثم غلا فرأى استحقاقَ تقديم الأثبات.
ولو قال: لا يُستحقُّ ترتيبٌ في المقصودين 1 إذا كنا نقضي بالنكول عند ترك أحدِهما، لكان هذا منسلكاً في الاحتمال بعضَ الانسلاك.
هذا كُلّه تفريع على الحكم باتحاد اليمين.
3269 - فأما إذا فرَّعنا على القول الآخر، وهو أنا لا نجمع بين النفي والإثبات في يمينٍ واحدةٍ، فالتفريع على هذا القول مزِلّةٌ، وفيه الخبطُ الذي وعدناه، ونحن نأتي على ما يفصّل الأمر، إن شاء الله عز وجل.
فنقول أولاً: إذا بدأنا بتحليف أحدهما، فلا نجمع في حقّهِ بين يمينين في العرض الأول، ولكنا نعرض على المبدوء به يمينَ النفي، ثم ننظر إلى ما يُفضي إليه الحال، فنقول للبائع: احلف بالله ما بعت بالألف، فإن حلف، عدنا إلى المشتري.
والسبب فيهِ أن المحذورَ في هذا القول التحليفُ على الإثبات، قبل تبيّن النكول من الخصم عن يمين النفي.
فإذا حلفَ من بدأنا به [أولاً] 1 على النفي، عرضنا اليمينَ على صاحبهِ.
وكانت اليمينُ المعروضةُ على النفي أيضاً.
ثم ننظر فإن حلف المشتري على النفي أيضاً، فهذا [مبتدأ اختباط] 2 الطرق.
ونحن نبدأ بما كان يذكرُه شيخنا في دروسهِ، ونستتمّها، ثم نذكر ما ذكره بعضُ الأصحاب، ثم نحكم بما يحضرنا في التصحيح والتزييف.
قالَ شيخي: إذا حلف الأولُ على النفي، وحلف الثاني على النفي أيضاً، فقد تحالفا؛ فإنَّ يمينيهما تناقضا في المقصود، وليس أحدُهما أولى بالتصديق، فنكتفي بما جرى، ونقضي بالانفساخ، أو يَنْشَأُ الفسخ.
وإن حلف الأول يمين النفي، فعرضنا اليمينَ على الثاني، فنكل، ردَدنا اليمين إلى الأول الحالف، فإن حلف على الإثبات، قضَيْنا له بمُوجَب يمينهِ، وقطعنا الخصومةَ على هذا المقتضى.
وقد حلفَ هذا البادىء أولاً وآخراً يمينين، أولاهما على النفي، والثانيةُ على الإثبات.
وإن عرضنا اليمين على الأول، فنكل، نعرض اليمين على الثاني، ونكتفي بيمينٍ واحدةٍ تجمع النفي والإثباتَ، ونقضي له بموجَب يمينه.
فخرج مما ذكرناه أنهما لو حلفا على النفي، كان ذلك كافياً، ولا نعرِض بعده يمين الإثبات.
وإن حلف الأول ونكل الثاني، رددنا اليمين على الحالِف أولاً، فيحلف على الإثبات المجرد؛ فإنه قد حلف على النفي من قبل، ولا يجتمع يمينانِ في حق أحدهما
إلا في هذه الصورة في طريقة شيخي؛ فإنهما لو حلفا على النفي ترادَّا، ولو نكل الثاني، حلف الأول، فيجتمع اليمينان.
ولو نكل الأول، حلف الثاني يميناً واحدة على النفي والإثبات.
فهذا حاصِلُ الطريقةِ التي تلقيناها من شيخنا، ولم أجد لنكولهما عن اليمينين ذكراً.
وإني سأذكره بعد نجاز الطرق، إن شاء الله تعالى.
3270 - وذهبت طائفةٌ من أصحابنا إلى سلوك مسلكٍ آخر في التفريع على قول اليمينين، فنأتي به على وجههِ.
قالُوا: يحلف أحدُهما على النفي، ونعرض اليمينَ على الثاني، فإن حلف على النفي، لم يتم التحالف بهذا؛ فإنهما لم يتعرضا للإثبات بعدُ، وإنما يتمّ التحالفُ إذا تناقضا في يمينيهما في النفي والإثبات جميعاً، فيحلف بعدَ يميني النفي على الإثبات.
ونبدأ بمن بدأنا به أول مرة، فإن حلف على الإثبات، حلّفنا صاحبه، فإن حلف هو أيضاً على الإثبات، فقد تم التحالُف، وحان الحكم بانفساخه أو إنشاء الفسخ، وإن نكل الثاني عن يمين الإثبات، قضينا لمن بدأنا به بموجب يمين الإثبات، وقررنا العقد بينهما على ذلك الموجَب.
ومن تمام هذه الطريقة أن الأولَ إذا حلف على النفي، فلما عرضنا اليمينَ على الثاني نكل، فيحلف الأول على الإثبات، ونكتفي، ونقضي له بموجَب اليمينين.
ولو نكل الأول عن يمين النفي، عرضنا اليمين على الثاني، واكتفينا منه بيميني واحدةٍ، تجمع النفيَ والإثباتَ، ونزَّلنا العقدَ على موجَبها.
[وإنما] 1 اكتفينا بيمين واحدة، لأن المستحلَف في ترتيب الخصومات في مقام يمين الرد، فوقع الاكتفاءُ بيمين واحدة.
ولا ينبغي أن يعتقد الناظر في هذا الفصل الاطلاع على كل ما [انتهينا] 2 إليه؛ فإن تمام البيان في آخِره.
وهذه الطريقةُ تُباين طريقةَ شيخنا مباينةً ظاهرةً في قاعدة التفريع؛ فإن شيخنا كان يحكم بالتحالف إذا حلَفَا يميني النفي، وهؤلاء لم يحكموا بالتحالف بجريان يميني النفي، بل عرضوا يمينَ الإثبات على الجانبين، فلا تحالف عندهم، إلا بيمينين من كل جانبٍ: إحداهما - على النفي، والأخرى على الإثبات.
ولكنهما لا يُجمَعانِ في دفعةٍ بشخصٍ، بل يعرَضانِ في دفعتين، فإذا تَمّ يمينا النفي، أعيد يميناً الإثبات.
هذا وإن كان فيه بعضُ البعدِ فلا يَبعُد احتماله على حالٍ.
3271 - وأما إشكال هذا الفصل في 1 شيء: وهو أن هؤلاء يقولون: إذا حلفا يميني النفي، وحلف الأول يمينَ الإثبات، ونكل الثاني عن يمين الإثبات، فقُضي للحالف على الإثبات بمُوجَب إثباته.
وهذا مشكل، فإنَّ الذي حلف على الإثبات يمينه معارِضة يمينَ الأول على النفي على المضادّة المحققة، فالقضاءُ بيمين الإثبات مع جَريان يمينٍ على نفي هذا الإثبات مشكل.
ووضعُ الخصومة على أنا إنما نحكم باليمين المثبتة للمدعي إذا نكل خصمُه عن يمين النفي.
ومثلُ هذا التفريع لا يجري في طريقة شيخنا؛ فإنه يجعل التحالفَ على النفي تاماً في اقتضاء الفسخ، أو الانفساخ، فلا يتفرع بعد التحالف على النفي عرضُ يمينِ الإثبات.
فإن قيل: قد ذكرتم الطريقتين، فما الذي يصح على السَّبرِ منهما؟ قُلنا: الأصح طريقةُ شيخنا؛ فإنه لما فزَعَ على اليمينين، ردَّ الأمرَ إلى قياس الخصومات، واكتفى في إثبات التحالف بالتناقضِ والتحالفِ في النفي، فاستدَّ التفريع جارياً على القياس.
ولا يتطرق إلى طريقته إلا شيءٌ واحدٌ، وهو أنهُ قال: إذا نكل البادىء، حلف الثاني يميناً واحدة.
وهذا حسنٌ منقاس؛ فإن الثاني واقفٌ في مقام من يحلف يمين الرد.
ولكني كنتُ أحب أن يقول: يقتصر هذا الثاني على الإثبات، ولا يتعرضُ للنفي
جَرياً على قياس الخصومات؛ فإن من ادّعى شيئاً على إنسان، فأنكره، ثم انتهت الخصومةُ إلى ردَّ اليمين إلى المدّعي.
فإنه لا يزيد على إثبات دعواه.
ولكن كان شيخُنا يقول: نجمع في يمين واحدة بين النفي والإثبات.
وأما أصحاب الطريقة الأخرى، فإنهم بنَوْا ما رتَّبوه على أن النفي والإثباتَ لا بدّ منهما، ولا يتتم الأمر دونهما، وزعموا أنا وإن قلنا بتردد اليمين، فلسنا نعدد الخصومةَ، ولكن نقول: التَنازعُ في قضيّةٍ واحدة مشتملةٍ على النفي والإثبات، فاليمين متعددةٌ، والخصومة [متّحدةٌ] 1، وقالوا على حسب ذلك: إذا حلفا على النفي، ثم عرضنا يمين الإثبات على البادىء، فحلف، فعرضناها على الثاني، فنكل، فنكوله عن يمين الإثبات آخراً رجوعٌ منه عن اليمين على النفي أولاً؛ فإن الخصومة متَّحدة، فيقع القضاءُ للحالف على الإثبات، بعد بطلان يمين الثاني في النفي والإثبات.
ومساقُ كلامهم أن تعدد اليمين كاتحاد اليمين على القول الأول، فلو نكل أحدُهما عن الإثبات، وحلف على النفي، كان نكولُه عن معنى الإثبات نكولاً عن معنى النفي.
كذلك القولُ في النفي والإثبات المدرجين في اليمينين.
وهذا الذي ذكرناه لهؤلاء تكلّفٌ؛ فإن اليمينين مشعرتان بمقصودين.
فهؤلاء المفرعون على قول اليمينين طَمِعُوا أن يستصحبوا سرَّ قولِ اتّحادِ [اليمين] 2، فإن ذلك القولَ في اتحاد اليمين مأخوذ من اتحاد الخصومة.
فإذا فرضنا غرضينِ ويمينين ونكولاً عن النفي، ويميناً ممحَّضَةً للإثبات، فلا يستدُّ عليه إلا طريقةُ شيخنا.
وقد نجز القولان وتفريعهما، واختلافُ الطرق في مأخذ الكلام.
3272 - فإن قيل: ذكرتم التفصيل فيه إذا تحالفا، وبينتم حلف أحدهما ونكولَ الثاني، فبيّنوا الحكم فيه إذا ارتفعا إلى مجلس القاضِي وتداعَيا على التناقض، وآل الأمرُ إلى اليمين، فنكلا جميعاً.
كيف السبيل فيه؟ قلنا: لم يتعرض أئمة المذهب في
مصنَّفاتهم للتنصيص على هذا.
والقول في ذلك بَيْن احتمالين: يجوز أن يقال: نكولهما عن اليمينين بمثابة تحالفهما؛ فإنا نجعل نكولَ كل واحد منهما عن اليمين التي ترتد إليه بمثابة حَلِف صاحبه، وينتظم منه تنزيلُ الأمر منزلة ما لو حلفا.
وهذا يعتضد بمعنى فقهي يختص بما نحن فيه، وهو أن سبب إنشاء الفسخ أو الانفساخ تعذُّرُ إمضاءِ العقد في استواء المتداعيين على التناقض.
وظُهورُ ذلك في مجلس الحكم، وهذا يتحقق بنكولهما كما يتحقق بتحالفهما.
وكان [لا] 1 يبعد أن يقال: إذا تحالفَا، وقفت الخصومةُ، وحُمِلا على الوقف إلى أن يتقارَّا، فإذْ 2 لم نقل هذا، دَلَّ على أنّا [لا] 3 نتركُ الخصومةَ ناشبة، ولا ندعهما على التخاصم.
وقد ذكر شيخي في طريقه صورةً تعضد ما ذكرناه، وهي أنه قال: لو حلف أحدُهما على النفي تفريعاً على قول تعدد اليمين، وعرضنا اليمين على الثاني، فنكل، فرددنا اليمينَ على البادىء ليحلف على الإثبات يمينَ الردّ، فنكل.
قال: نجعل هذا بمثابةِ التحالف، فإن نكولَ البادىء عن اليمين بمثابة حَلِف صاحبه.
وهذا أصل ممهَّد في الدعاوي عندنا، وهو أن نكول المردود عليه عن يمين الردّ بمثابة حَلِف الناكل أولاً.
فإذا كان ما ذكرنا في طريق شيخنا كالتحالف، فلا يبعد أن نجعل نكولهما كتحالفهما، ولا نعدَم أمثلةَ هذا على بُعدٍ.
فالنكاح على قولٍ يرفعه الحكمان إذا أعضل فصلُ الخصومة.
وإذا تداعى رجلان مولوداً يحتمل أن يكون من أحدهما أريناه القائف، ولو تناكراه، أريناه القائف كما لو تداعياه.
هذا وجه.
ويجوز أن يُقال: لا فسخ، ولا انفساخ إذا لم تجرِ يمينٌ فإن التعويل في الباب على ألفاظ الرسول عليه السلام، وجُملة ما نقله الرواة مقيَّدٌ بالتحالف، فإذا لم تجر يمين أصلاً، فكأنَّهما تركا الخصومةَ (4 ولم يُنهياها نهايتَها والفسخ منوط بنهايةِ الخصومة 4).
وقد رأيتُ ذلك في بعض تصانيف المتقدمين.
والعلم عند الله.4
فصل
كتاب البيع باب اختلاف المتبايعين
3273 - إذا جرى التحالف على الوصف الذي ذكرناه، فالقول بعده فيما يصير العقد إليه.
فظاهر نص الشافعي أن العقد لا ينفسخ، ولكن يُنشأ فسخه، ووجه ذلك بيّن؛ فإنه لا يتحقق بالتحالف إلا تعَدُّرُ إمضاءِ العقد، لو أصرّا على اختلافهما.
ولا بأس من أن يصدّق أحدُهما الثاني، فلا معنى للحكم بالانفساخ.
ولكنا نقول لكل واحد منهما: إما أن توافق صاحبك وتصدُقَ إن كنتَ الكاذب.
وإما أن تفسخ العقد.
وذكر بعض أصحابنا قولاً اَخر مخرّجاً: أن العقدَ ينفسخ.
وهذا القول منسوبٌ إلى أبي بكرٍ الفارسي، وفقهُه عندي أن العقد إذا انتهى إلى التنازع في المعقود عليه، فنجعل كأن العقدَ فُرض إنشاؤه مع الاختلاف في المعقود عليه، ولو كان الأمر كذلك لما انعقد العقد.
فإن أفضى الأمر إلى هذا وتأكد بالأيمان، قدَّرنا كأن صيغةَ العقد كانت على الاختلافِ، وصيغةُ هذا المذهب المنسوب إلى الفارسي تُشعر بأنّا نتبيّن أن لا عقد استناداً.
وهذا ضعيفٌ.
ولا خِلافَ أن الزوائد التي حدثت بعد العقدِ وقبل التحالف مقررةٌ على المشتري، وكذلك لا خلاف أن المشتري لو كان تصرف تصرفاً مزيلاً للملك، ثم فرض الاختلاف من بعدُ، فلا نتبيَّن فساد العقد وارتفاعَه.
وذكر الشيخ أبو علي في تفريع مذهب الفارسيّ أنا نتبين فسادَ التصرّفات التي جَرت قبل التحالف.
وهذا وفاءٌ بحق التبيُّن والإسناد، ومَصيرٌ إلى أن نجعل كأَنَّ العقد لم يَجْرِ، وهذا يتضمن ارتدادَ الزوائد إلى البائع لا محالةَ.
هكذا ذكر الشيخ أبو علي.
ولو قيل: التحالف يوجب الانفساخَ، لأمكن تقريرُ وجهٍ فيه، من غير ردَّ الأمر إلى تقدير وقوع العقد كذلك؛ فإنَّ استحقاق إنشاء الفسخ إن نيط بالتحالُفِ، فغيرُ بدع أن تناط به عين الانفساخ.
وهذا على بعده أمثل مما ذكرناه.
التفريع:
3274 - إن حكمنا بأن الفسخَ يُنشأ، فقد اختلف أصحابنا فيمن يتولاه: فمنهم من قال: يتولاه الحاكم أو من يفوِّض الحاكمُ إليه.
ومنهم من قال: يتولاه المتعاقدان.
وهذا الوجه الأخيرُ أفقهُ؛ فإن التحالف تحقق جريانه، وهو المعتبر في إثبات حق الفسخ، ولا يبقى بعد جَريانه مضطرَبٌ لنظر الحاكم، فتعليق الفسخ [بإنشائه] 1 بعيدٌ في المعنى، وإن كان مشهوراً في الحكاية.
ثم حكى أئمتُنا أن البائع إذا كان يفسخ البيعَ بسبب إفلاس المشتري بالثمن ووجود 2 عين المبيع، فهو الذي يفسخ.
قطعوا بهذا.
وهذا حسن.
وإفلاس المشتري إن كان مجتهداً فيه، فالحجر مطَّرِد عليه والتعذر متحقق.
وإن لم نتحقق في علم الله الفَلَس.
وقال بعض الأصحاب: القاضي هو الذي يفسخ النكاح عند تحقق العُنَّة وجهاً واحداً، والزوجة تتعاطى الفسخ بالإعسارِ بالنفقة.
ولستُ أرى بين العُنَّةِ والإعسار فرقاً؛ فإن الأمرين جميعاً متعلقان بالاجتهادِ، فليخرَّج الأمرُ فيهما على التردد الذي ذكرناه في التحالُفِ، والقياس في الجميع أن الفسخ لا يتوقف على إنشاءِ القاضي.
نعم، لا بد من حكمه بثبوت العُنّة والإعسار.
ولا حاجةَ إلى حكمه بعد التحالف.
وأما فسخ البائع بسبب الفلسِ، ففيهِ مزيدُ 3 نظَرٍ، سنذكرهُ في كتاب الحجر، إن شاء الله عز وجل.
3275 - ثم إذا ثبت ما ذكرناه في الفسخ والانفساخ، فالقول بعده في الظاهرِ والباطنِ.
فإن حكمنا بالانفساخ، نفذ ذلك ظاهراً وباطناً عُقيبَ التحالف، ولا حاجةَ في هذا القولِ إلى عرض الأمر على المتعاقدَيْن بعد التحالُف.
وإن قُلنا بفسخ العقد، وهو المذهب، فالفسخ ينفذ ظاهراً وباطناً أم ينفذ ظاهراً
والكاذب مؤاخذٌ بعُهدة العقد بينه وبين الله تعالى؟ قال الأئمة: إن كان المشتري كاذباً، وكان الثمن ألفين، وهو منكرٌ لألفٍ واحدٍ، فإن جرى الفسخُ، انفسخ العقد ظاهراً وباطناً، ونزل التعذُر المترتب [على التحالف، منزلةَ التعذّرِ المترتب] 1 على الفَلَس؛ فإنّ البائع يقدر على بعض من الثمن، لو رضي بالمضاربة والمخاصَمة، فجعل تخلّفَ بعضِ الثمن عنه مُسلِّطاً على الفسخ والرجوع إلى المبيع ظاهراً وباطناً.
وإن كان البائع كاذباً والتفريع على إنشاء الفسخ، فهل ينفسخ العقد باطناً؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أنه ينفسخ باطِناً؛ لأن صورة التحالف تقتضي رفعَ العقد إذا أصرَّ المتعاقِدان المتحالفان.
والوجه الثاني - أن الفسخ لا يقع باطناً؛ فإن البائع هو الكاذب، والتعذُّر راجع إلى جهة المشتري، وليس لهذا النوع من التعذّر نظيرٌ يثبت حقَّ الفسخ، كما ذكرنا نظير الفلسِ في جانب المشتري.
وحق الناظر أن يحوي 2 هذه الفصول ويَعيها.
وتمامُ البيان في نجازها.
وذكر شيخي أبو محمد رحمه الله طريقةً أخرى فقال: إذا كان البائع كاذباً، فلا ينفسخ البيعُ باطناً وجهاً واحداً.
وإن كان البائع صادقاً والمشتري كاذباً، ففي الانفساخ باطناً وجهَانِ.
والطريقةُ المشهورةُ ما قدَّمناها، والبيان بين أيدينا بعدُ.
3276 - فنقولُ: في هذا الفصلِ مباحثةٌ جليَّةٌ أغفلها الأصحاب.
ونحن نأتي عليها بعون الله تعالى فنقول:
أولاً - ذهب ذاهبون إلى أن القاضي هو الذي يتولى الفسخَ، كما تقدّمَ، وسببُه أنه مادام يرجو تصديقَ أحدهما الآخر، فإنه لا يفسخ، فدرْكُ ذلك الوقت إلى نظرهِ، فكان 3 هو المتعاطي للفسخ.
فلو قالَ المتعاقدان: لا نريد أن نفسخ، ونحن على خصامِنا نتنازع، فالقاضي يفسخ.
وإن قالا: أعرضنا عن الخصومة، ولم يصدّق أحدُهما صاحبَه.
ولكن زعم المشتري أنه تَركَ المبيع في يدِ البائع، وقالَ البائع لستُ أطالبُ المشتري بالمزيد الذي ادّعيته، فاتركنا ولا تفسخ العقدَ بيننا.
فللأصحاب في هذا لفظٌ ننقله، ثم ننظر.
قالوا: "إذا جَرى التحالفُ، فإن رغب أحدُهما في الأخذ بقول صاحبهِ، فذاك، وإلاَّ فسخ بينهما للتعذر".
وظاهر هذا يدل على أن أحدهما إن صدَّق الآخر، اندفع الفسخ.
وإن لم يجرِ من أحدهما تصديقُ الآخر، فالقاضي يفسخ.
ولكن في كلام الأصحاب ذكرُ التعذر، فإنهم قالوا: "فسخ للتعذر" والمسألةُ على الجملة محتملةٌ إذا أعرضا وقطعَا الطَّلِبة، فيجوز أن يقال: يقطع القاضي مادَّة الخصومة بالفسخ؛ فإنّه لا يأمن أن يعودا في مستقبل الزمان.
وإنما تنقطع مادةُ الخصام بالتصادق على قولٍ أو بالفسخ.
ويجوز أن يقال: إذا أعرضا، فلا تعذُّرَ، وإنما التعذُّر إذا كانا على التآخذ والمطالبة، وقالا للقاضي: وفِّ حَقَّ كُلِّ واحدٍ منَّا على ما يليق بالحال، أو التَمسا الفسخَ، فيبعدُ 1 أن نحكم بوجوب الفسخ.
فهذا تردد واقع.
ثم نقول: إن كان الفاسخ هو القاضي، فالذي ذكرهُ الأصحابُ في الظاهرِ والباطنِ مفهوم.
وإن قلنا: الفسخ إلى المتعاقدَيْنِ، فإن توافقَا على الفسخ، فلا شك في انفساخ العقد باطناً، ولا يجوز أن نقدِّر في هذا خلافاً؛ فإنهما إذا تفاسخا، فقد جَرى الفسخُ من صَادقٍ محق، فيجب القضاءُ بتنفيذ فسخه، سواء كان ذلك المحق البائع أو المشتري.
فإن كان المحق هو البائع، فهو مشبهُ بمسألة الفلس.
وإن كان المحق هو
المشتري، فالمبيع لم يسلم له بالثمن الواقع في علمِ الله تعالى.
وإذا تعذَّر استيفاءُ المبيع على الجهة المستحقَّة في العقد، فثبوت الخيار للمشتري أَوْجَه؛ فإنّ من لم يُثبت الخيارَ للبائع بعذر الفلس، أثبت الخيار للمشتري بتعذّراتٍ تطرأ على المبيع.
3277 - وتمام البيان في هذا أنا إذا قلنا: يثبت حق الفسخ لهما لا نشترط أن يتوافقا؛ فإنهما قد لا يتوافقان.
وتبقى الخصومة ناشبة بينهما.
ولكن من ابتدرَ إلى الفسخ منهما يحكم به [أولاً] 1 في ظاهرِ الأمرِ.
ولكن إن كان الفاسخ مُحقّاً فالوَجه تنفيذ الفسخ باطناً.
وإن كان مبطلاً، فالوجه: القطع بأنه لا ينفذ الفسخ باطِناً.
والوجهانِ يختصان بفسخ القاضي؛ فإنّ فسخه يرجع إلى مصلحة، فإن تخيلنا نفاذه باطناً، فمن هذه الجهة.
وهذا لا يتحقق فيهِ إذا كان 2 أنشأ المبطِل الفسخ.
وتمام البيان أنا إذا قلنا: لا ينفذ الفسخ باطناً على وجه فيهِ إذا تولَّى القاضي الفسخَ، فهل يثبت للمحق من المتعاقدين أن يفسخ ويوافقَ القاضي؟
هذا فيه احتمال؛ من جهة أنا إذا فوَّضنا إلى القاضي، فلا يمتنع أن لا يثبت للمتعاقدَيْن فيه سلطنة.
ولكن الظاهر أنه ينفذ فسخ المحق باطناً، وإن كان لا يستقلّ به في الظاهر.
هكذا ذكره شيخي.
والدليل البات فيه أنا إذا لم نثبت هذا المسلكَ، لما كان في الحكم بالفسخ ظاهراً فائدة.
ولكن يُعنَى من الفسخ زجرُ القاضي إياهما عن التآخذ.
هذا منتهى [البيان] 3 ولم نخالف الأئمَّةَ، ولكنهُم لم يبحثوا، ونحن بنينا البحث على ما تلقيناه منهم.
فصل
3278 - إذا اختلف المتبايعان والسلعةُ قائمة، لم يلحقها عيب، تحالفَا وتَرادَّا، على ما سَبق تفصيل الفسخ والانفساخ.
وإن لحق السلعةَ عيب نقصَ من القيمة وفُسِخ [العقدُ] 1، استردَّ البائعُ السلعةَ، وغرِم المشتري أرشَ العيب.
والأصل المعتبرُ في هذا وأمثالِه أن السلعةَ لو كانت تالفة، فالفسخ يجري بسبب التحالُف بعد تلفها عندنا؛ فإن معتمدَ الفَسخ التنازُعُ في العقد، والتنازُع واقع والعقد دائم، فيترادّانِ، ويستردُّ البائعُ قيمةَ المبيع ويردُّ الثمنَ.
فإذا [كان] 2 يغرم القيمةَ عند تقدير التلف، يغرم أرش العيب عند ثبوت العيب، وكل يدٍ تضمن القيمةَ عند الفوات، تضمن أرشَ النقصان عند النقصان.
وهذا مطَّرد، ولا يجوز أن يُعتقدَ خلافُه.
وهو منعكس؛ فإن المبيع إذا عابَ في يد البائع، لم يلتزم البائعُ للمشتري أرشَ العَيبِ؛ لأن المبيع لو تلف في يَده، لم يلتزم قيمتَه، بل الحكم بالانفساخ.
ولا يُمكننا أن نُثبتَ في العَيب الانفساخَ؛ فإن الفائت بسبب العيب جزءٌ ليس مقصوداً مفرداً على حيالهِ، فكان أقربُ الأمور تخييرَ المشتري في الفسخ.
3279 - وذكر الشيخ أبو علي بعد تمهيد ما ذكرناه في الطرد والعكس مسألة، ظاهرها يخالف ما مفَدناه.
وهي أن من عَجَّل شاةً عن الزكاة قبل وجوبها، ثم تلف مال المعجِّل قبل حلول الحول؛ فإنه يسترد على تفصيلٍ، سبق ذكره، فيسترد الشاةَ من المسكين، إن كانت قائمة، وإن كانت تالفة، رجع عليه بقيمتها، وإن كانت باقيةً ولكنها عابت في يد المسكين، قال الشافعي: يُخرج الإمامُ من المال العام أرشَ النقص، ويضمُّه إلى الشاة، ولا يكلف المسكين غُرمَ العيب.
وهذا بظاهِرِه يخالف ما مهَّدناه من إتباع الأرش القيمةَ.
وذهب بعض أصحابنا إلى القول بظاهر النّص.
وهذا خيالٌ لا أصل له.
والوجْهُ
حملُ نصِّ الشافعي على الاستحباب عند اتساع المالِ.
ثم هذا يجري في القيمة لو تلفت الشاة.
فلو كانت الجارية المبيعةُ خليةً عن الزوج حالة العقدِ، فزَوّجها المشتري، ثم فرض التحالف والفسخُ، فالتزويج عيبٌ.
قال الشيخ أبو علي: لو اشترى عبداً، ثم أذن له فزَوَّجه 1، فتزويجُه عيبٌ؛ فإنه يشغل كسبَه وتنقص الرغبةُ فيه، وهذا بيّن.
ثم إن جرى التفاسُخُ والسلعةُ تالفةٌ، فالرجوع إلى القيمة.
3280 - ثم اضطربَ الأصحاب في الوقت الذي يعتبر فيه قيمة السلعة، فذكر العراقيون قولين: أحدهما - أنا نعتبر قيمة التالف؛ فإن القيمة تخلُفُ العينَ ومورد الفسخ العينُ لو بقيت، فإذا فاتت، فنعتبر القيمةَ من وقت فواتِها.
والقول الثاني - أنا نعتبر أقصى قيمةٍ من يوم القبض إلى يوم التلف؛ فإن البائع يبغي العينَ، وكان تقدير الفسخ ممكناً في كل وقتٍ من القبض إلى التلف، فتعتبر أرفع قيمةٍ.
وذكر شيخي قولاً ثالثاً، وهو أنا نعتبر قيمةَ يوم القبض؛ فإنها أولُ دخول المبيع في ضمان المشتري، فلا ننظر إلى زيادةٍ بعد ذلك أو نقصان؛ فإن الزيادة إن كانت، فهي على ملك المشتري.
والنقصان إن كان، فهو من ضمانه.
وذكر بعض الأثْباتِ 2 قولاً رابعاً: وهو أنا نعتبرُ أقل قيمةٍ من يومِ العقدِ إلى يوم القبض.
فإن كانت قيمته يوم العقد أقل، فالزيادةُ على ملك المشتري، وإن كانت يوم القبض [أقلَّ] 3، فهي المعتبرة، فإنها قيمةُ يوم الضمان.
وأما ما يكون بعد ذلك من زيادة ونقصان فهما غير مُعتبَرين كما قدَّمناه.
وهذا أضعف الطرق؛ فإن إدخالَ يوم العقد في الاعتبار بعيدٌ في هذا المقام.
وقد قدمنا في باب الخراج بالضمان اختلافاً في قيمته، وذلك الاختلافُ يباين ما نحن فيه.
ولا نجد بداً من إعادة تصوير ما مضى، ليتبين الفرقُ بين المقامَيْن للناظر.
ذكرنا أن من اشترى عبدين، وتلف أحدُهما في يدهِ ووجد بالثاني عيباً، وفرَّعنا على أنه يُفرِد العبدَ الموجود بالردّ، ويستردّ قسطاً من الثمن، وسبيلُ التقسيط توزيعُ الثمن على قيمة التالف والباقي، ثم قيمةُ التالف في غرض التوزيع بأيّ يوم تعتبر؟ فيه أقوال: أحدها - أنا ننظر إلى قيمةِ يوم البيع؛ فإنا نحتاج إلى التوزيع ومعناه بيان ما وقع من المقابلةِ (1 والتقسيط ابتداء 1).
والقول الثاني - أنا نعتبر حالة قبض المشتري؛ فإن المبيع عندها يدخل في ضمانهِ.
والقول الثالث - أنا نعتبر الأقلَّ من يوم البيع إلى القبض.
وقد وجَّهنا هذه الأقوالَ.
وليست القيمةُ فيها على نسق القيمة التي يغرمها المشتري عند التحالف؛ فإن تلك القيمةَ لم نثبتها ليغرم، وإنما قدرناها ليطلع 2 بها على حقيقةِ التوزيع.
وهذا يستدعي لا محالة نظراً إلى يوم العقد.
وقد يَظُن ظان أن الاعتبار بأول حالِ الضمانِ، فعنده قرار 3 الضمان.
فأما اعتبار التلفِ، فلا يقتضيه هذا الأصل.
والقيمة في مسألَتِنا مغرومة، فاعتبار العقد فيها بعيدٌ، واعتبار التلف قريب.
فليفصِل الناظر بين البابين.
وإذا قلنا: لا يرد العبدَ القائمَ إلا مع قيمةِ التالف، فيضم القيمةَ إلى العبدِ القائم 4، ويسترد جملةَ الثمن، فقيمة العبد التالف مغرومة مبذولة، والتفصيل فيها كالتفصيل في السلعة التالفة، إذا كان المشتري يغرَم قيمتها بعد التحالف.
فهذا تمام ما أردناه في ذلك.1
3281 - ولو اختلفَ المشتري الغارم في مسألة التحالف والبائعُ المغروم له في مقدار القيمة، فالقولُ قولُ الغارم.
وهذا أصلٌ تمهّد، نبهنا عليه فيما تقدَّم.
ولو اشترى عبداً وقبضه وأَبِق من يده، ثم اختلفا وتحالفا، فالفسخ جارٍ؛ فإنه إذا كان لا يمتنع الفسخ بتلف المعقود عليه، فلا يمتنع بإباقه والعجزِ عن تسليمه.
ثم إذا نفذ الفسخ، غرِم المشتري قيمةَ العبدِ؛ فإن كل من يغرِم عيناً لو تلفت بقيمتها، يغرِم قيمتَها عند وقوع الحيلولة فيها.
ثم العبد في إباقه ملك من؟ المذهب الأصح أنه ملك البائع، والفسخ نقضَ الملكَ فيه إلى البائع، والقيمةُ التي أوجبناها سببها الحيلولةُ.
فعلى هذا إذا عادَ العبد تعين رَدُّه، ثم القيمةُ مسترَدَّةٌ وينْزل 1 إباق العبدِ فيما نحن فيه منزلةَ إباق العبد المغصوب؛ فإن الملك فيه للمغصوب منه، ولكن القيمةَ تلزم الغاصبَ؛ لمكان الحيلولة.
وإذا عاد العبدُ ردّه الغاصبُ واستردّ القيمةَ.
هذا وجه.
ومن أصحابنا من قال: الملك في العبد الآبق لا يرتد إلى البائع، والفسخ لا يَرِد على الآبق وإنما يرِد على القيمة كما يَرِد عليها إذا كان المبيع تالفاً؛ وذلك لأن الفسخ يستدعي مورداً ناجزاً، والذي تنجز فيه لا يغيّر، ولا يحال.
والأصح الوجه الأول.
ونحن نقول في الوجه الثاني إن الفسخ إذا ألزم المشتري القيمةَ، أبقى عليه ملك العبدِ الآبق.
ولو أعتق المشتري العبد المشترَى، أو كان اشترى جارية واستولدها، فالعتق والاستيلاد بمثابة التلف، وقد تقدم تلف المبيع.
ولو كان اشترى عبداً، فرهنه وأقبضه أو كاتبه كتابةً صحيحة، ثم جرى التحالُف فالفسخ، فالمشتري مطالبٌ بالقيمة لا محالة، كما لو أبق العبد.
3282 - ثم اختلفَ الأصحاب في أن الملك هل ينقلب في رقبةِ المرهون والمكاتب إلى البائعِ؟ فمنهم من قال: ينقلب إليه، ولكن على المشتري القيمةُ لمكانِ
الحيلولة.
والتفريع عليه كما تقدَّم في العبدِ الآبق.
ومنهم من قال: يَرِدُ الفسخُ على القيمة، ولا معدل عنها، ولا ينقلب الملك في الرقبة إلى البائع.
وكان شيخي يردد جوابه في الآبق على نحو ما سبق، ويقطع بأن الفسخ يَرِد على القيمةِ في المكاتب والمرهون؛ فإن المرهون خارجٌ عن قبول التصرف بجهة الردِّ، والمكاتَب كذلك.
ونحن إنما نمنع بيعَ الآبق للعجز عن تسليمه لا لنقصٍ في ملكِ الرقبة.
وكان يعضد ذلك، ويقول: إذا باع رجل عبداً وسلمه، ثم أفلسَ المشتري بالثمن والعبدُ آبقٌ، فللبائع الفسخُ، ويرجع إليهِ الملكُ في رقبةِ الآبق.
ولو كان رهنه المشتري، أو كاتَبه، فليس للبائع ردُّ الملكِ في المكاتب والمرهون إلى نفسه.
وهذا عندنا حسن بالغ؛ فإن الرهن إذا كان لا ينفك، فيتعين أن يبقى مملوكاً للراهنِ، وكذلك القولُ في الكتابة.
وإذا بقي مملوكاً له حالةَ نفوذ الفسخ، فيستحيل أن يتغير هذا بعد الفسخ.
3283 - ولو اشترى عبداً وأجّره، ثم جرى التحالف.
فإن قلنا: الإجارةُ لا تمنعُ صحَّة البيع، وَرَدَ الفسخُ على رقبة العبدِ.
وإن قلنا: الإجارةُ تمنع صحةَ البيع، فهذا فيه احتمال عندي يجوز أن يقال: يُنْحى بالعبد المستأجَر نحو الآبق؛ فإن البيعَ يمتنع فيه، لا لحقِّ المستأجر في رقبته -[وموردُ] 1 البيعِ الرقبةُ- وإنما امتنعَ البيعُ ليد المستأجر، ومَنع الشرع من إزالتها، وليس كذلك المرهون؛ فإن للمرتهن حقّاً في مَاليَّه الرقبة، وكذلك 2 َ القول في المُكاتَب.
هذا وجهٌ من الاحتمال، وهو الأظهرُ.
ويجوز أن يقال: العبد المستأجَر كالمرهون والمُكاتب.
هذا بيان هذا الفن.
وعَبَّر الشيخ أبو علي عن هذا الغرض بعبارةٍ أُخرى، فقال: لو اختار البائع الفسخَ
والرجوعَ إلى القيمةِ، فله ذلك، ولو قال: أصبرُ حتى يفك الرهن، فله ذلك.
وهذا عندنا يخرّج على ما ذكرناه، فإن عجَّل الفسخ وأَرادَ القيمة، أُجيب إليها، ثم القول في أن المرهون عند انفكاكِ الرهن هل يعود إليه؟ على ما مضى.
وإن لم يُرِد القيمةَ، وقال: أؤخر حقّي إلى انفكاكِ الرهن، فهذا نخرّجه على الخلافِ المقدَّم.
فإن قلنا: الملك في المرهون ينقلب إليه، فله أن يؤخر طلبَ القيمة.
وهذا يبنيه أصل، وهو أن كلَّ ما يجب بدلُه لمكان الحيلولة وكان زَوالُها ممكناً، فإن طلبه ذو الحق، لزم إسعافُه، وإن لم يطلبه، فأراد الضامن أن يجبره على قبوله، لم يكن له ذلك.
وليس كما لو أراد من عليه دين مستقر أن يجبر مُستحِقّه على قبولهِ، فإن الأصح أنه يُجبرُ على القبول.
فنقول في مسألتنا: إن قلنا: أصلُ حق البائع القيمةُ، ولا مَعْدِل عنها، فيظهر إجباره على قبولها، على قولٍ؛ قياساً على الديون كلها.
وإن قلنا: القيمة تثبت للحيلولة، فلا يُجبر البائع على قبولها.
3284 - فرع لابن الحدَّاد بناه على صورة التحَالف، ولا اختصاص له بمقصود الباب.
ونحن نذكر غرضه على الإيجاز [والاختصار] 1 ونتعدَّاه.
فإذا تحالف المتعاقدان، وفرَّعنا على أن العقدَ يُفسخ ولا ينفسخ، فلو قال البائع قبل إنشاء الفسخ: هذا العبد حرٌّ إن صدق المشتري.
وقال المشتري: هذا العبد حرٌّ إن صدق البائع.
فإذا جرَى هذا [منهما] 2 بعد التحالف، ثم أنشأ القاضي الفسخ، نفذ الفسخُ، وحكمنا بأن العبد حر على البائع في الظاهر.
وسبب ذلك أن المشتري قال قولاً لو كان كاذباً فيه، لعتق العبد، والبائع ادّعى كذبه وحلف عليه، فيجتمع من تكذيب البائع إياه، ومن قول المشتري: هو حُرّ إن صدق البائع كونُ الحرّيةِ حاصلةً على موجَب قول البائع، وهو مؤاخذ بإقراره.
فهذا إذن عتقٌ محكومٌ به، ونفوذه في الباطن موقوف على موجَب علم الله.
فإن كان المشتري كاذباً، فالعتق واقعٌ لا محالةَ، وإن كان صادقاً، لم يقع باطناً، ولكن حُكم به ظاهِراً، من قِبَل أن العبد ارتد إلى البائع، فكان مؤاخذاً بموجَب أقوالهِ السابقة فيه.
وهذا بمثابة لو قال رجل: أعتقَ فلان عبده، فلو اشتراه هذا القائل، نفَّذنا العقدَ، وحكمنا بنفوذ العتق عليه ظاهراً؛ فإنه لم يقبل قولُه في حق البائع؛ فهو مؤاخذ بحكم قول نفسه، وهذا واضح لا يُحتاج فيه إلى تكلّف بيان.
ثم ولاءُ هذا العبدِ مشكل، ليس يدَّعيه البائع لنفسه من قِبَل أنه يقول: عَتَقَ هذا العبدُ على المشتري، فالولاءُ له، والمشتري يأباه؛ فكان الولاءُ موقوفاً.
ولهذا نظائر ستأتي في كتاب الولاءِ، إن شاء الله.
ولو لم يفسخ العقد، وقال المشتري بعد جريان التفاوض الذي ذكرناه بينه وبين البائع: قد صدق البائع.
فنقول: العقد يقرَّر بينهما، والعتق ينفذ على المشتري تحقيقاً إن صدق في تصديق البائع، والولاء له في ظاهِر الحكم.
ولو قالَ البائع قبل إنشاءِ الفسخ: صدق المشتري فيما ادَّعاه، فالعقد يقرَّر على موجب قول المشتري ولا ينفذ العتق على المشتري، وقول البائع لا يوجب العتقَ في العبد المبيع، فإنه ملكُ المشتري.
نعم لو عادَ هذا العبد يوماً إلى البائع، فنحكم إذ ذاك بأنه يعتِق عليه، كما تمهَّد.
ولو قال المشتري بعد ما جرى منهما من تعليق العَتاقة: قد صدق البائع، فينفذ العتقُ على موجَب قوله، وتلزمُه القيمةُ للبائع عند التفاسخ؛ فإنه أعتق العبدَ بتعليقه السابق، وتصديقه اللاحق.
وبالجملة لا إشكال في أطراف المسألة كيف رُدّدت.
فرع:
3285 - إذا اشترى الرجل جارية وقبضها، واختلف المتبايعان، وترافَعا إلى مجلس الحكم، فهل يحل للمشتري وطؤُها بعد التنازع قبل التحالف؟ فعلى وجهين: أحدهما - يحل؛ فإن ملكه قائم بعدُ فيها.
والوجه الثاني - لا يحل له وطؤُها؛ فإن جهةَ الملكِ مختلفٌ فيها وإن كان أصل
الملكِ متفقاً عليه؛ فالمشتري يزعم أنه استفاد ملكها بسبب عقدٍ ثمنُه مائة، والبائع يزعم أنه استفاد الملك بعقد ثمنه مائتان.
والقولان معتبران.
وقد قال الشافعي: إذا اشترى الرجل زوجتَه على شرط الخيارِ، لم يملِك وطأها في زمان الخيارِ؛ فإنه لا يدري أيطأ زوجتَه أو مملوكتَه، والأصح تحليل الوطء.
ولو جَرى التحالفُ، فأراد الوطءَ قبل إنشاءِ الفسخ، فوجهانِ مرتَّبان على الأول.
وهذه الصورةُ أولى بالتحريم.
أما نصُّ الشافعي فيه إذا اشترى زوجتَه بشرط الخيار، فمشكلٌ جداً؛ فإنها مستحلة في كل حساب، فلا معنى للتحريم بسبب إشكال الجهةِ، إذا كان الحل يعم الجهتين.
ولو ملك الرجل جارية، وقطع بالملك فيها، وأشكل عليه، فلم يدرِ أنه اتهبها أو ورثها أو اشتراها، فالوطء حلالٌ بلا خلاف.
وسأذكر تأويل النص في كتاب الرهن إن شاء الله عز وجل.
والذي أراه في هذا الموضع أن أوجّه الوجهين بمسلكٍ آخر، فأقول: من أباح الوطءَ فوجهُ قوله بين، ومن حرَّمه فلا ينبغي أن يعتلّ بالاختلافِ في الجهة، ولكن ينبغي أن يقول: صارت الجارية مشرفةً على استحقاق الرد على البائع، فينبغي أن يمتنع على المشتري وطؤُها.
وهذا بعدَ التحالف أظهر؛ من قِبلَ أنّه لم يبق إلا إنشاءُ الفسخ.
فهذا سبيل الكلام عندنا.
وسيأتي شرحُ النصّ، إن شاء الله عز وجل.
فصل
3286 - إذا اختلف رجلان في عقدين مضافين إلى عينٍ واحدة، وذلك مثل أن يقول من في يده الجاريةُ: قد وهبتَها منّي وأقبضتنيها.
وقال الآخرُ: بل بعتكها بكذا، فاختلافهما يتعلّق بعقدين: صاحب اليد يدّعي الهبةَ على صاحبه، وهو يُنكرها، فالقول قولُه مع يمينه في نفيها.
وهو يدعي على صاحب اليد الشراءَ، وعهدتُه وثمنُه،