نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 87-126
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 87-126
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الغُسل، فرعاية الهيئة محال مع هذا، والوقوف والرمي والمبيت مناسك مقصودة، والعمرة تندرج تحت الحج، والحج لا يندرج تحت العمرة.
والذي يحقق ذلك أن العمرة لو انفردت، لم تفت، فإذا اندرجت تحت الحج، فاتت بفوات الحج؛ فاعتبار الترتيب بمقتضى الفوات أولى من اعتباره بمناسك مقصودة.
105 - ومما يتصل بما نحن فيه أن من أحدث، ثم انغمس في ماء فغمره، ونوى رفع الحدث، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يرتفع الحدث؛ فإنه لم يأت بهيئة الترتيب المأمور به في الوضوء.
والثاني - يرتفع حدثُه؛ لمعنيين: أحدهما - أنه صيّر وضوءه غُسلاً، والغُسل أكمل من الوضوء، فكأن الشرع خفف عن المحدث أمر الطهارة، فاقتصر منه على غَسلِ أطرافٍ ومَسْح بعضها، فإذا آثر الغُسلَ، فقد رقى إلى الأعلى، فأجزأه، والغسل لا ترتيب فيه.
والمعنى الثاني - أنه إذا غمرهُ الماء؛ فإنه يترتب على أعضاء الوضوء في لحظاتٍ لطيفة؛ فيقع الترتيب، وإن كان لم يُعتمد.
106 - وإذا انتهى [الكلام] إلى هذا المنتهى، فلا بد من التنبيه لأصلٍ مهم، يوُضَّحُ بالسؤال والانفصال عنه.
فإن قيل: فلم شرطتم النية في طهارة الحدث؟ والنيةُ قصدٌ، ولا بد في تقدير القصد من فرض فعلٍ مقصودٍ، وليس في طهارة الحدث فعلٌ مقصودٌ؛ فإن الجُنب إذا برز لموقع القَطْر، حتى استوعب [بدنَه غسلاً] 1، كفاه ذلك، فإذا لم يوجد منه فعل فما متعلّق قصده؟ قلنا: وقوفه حالّ محلّ غُسلٍ ينشئه.
فإن قيل: لو ألقي رجلٌ في غمرة، ونوى رفع الحدث فما مقصوده؟ قلنا: إيثارُه المقامَ في تلك الغمرة مقصودُه.
فإن قيل: فإن كان لا يُؤْثر المقام فيها، وهو يُغَط وُيغمس قهرآ - قلنا: من

ضرورة نية رفع الحدث ربطُها بأمرٍ، وهو الكَوْنُ في الماء، ولو في لحظة، ويستحيل أن ينوي رفعَ الحدث لا بشيء.
وإِن تناهى المصوّر في التصوير، ولم نُقدِّر للملقَى في الماء مقصوداً هو كونٌ أو مكثٌ، فقد رأيت للشيخ أبي علي أنه قال: لا يصح الوضوء؛ فإن النية لا تتحقق من غير تعليقٍ بأمر، فإن جمع بين قصد رفع الحدث وبين قطع النية عما هو فيه، فالنية لا تتحقق.
فإن قيل: أليس الصائم ينوي ولا يصدر منه فعلٌ؟ قلت: الانكفافُ عن المفطرات مما يتأتى ربطُ القصد والاختيار به، وهذا فيه احتمالٌ وإِشكال ظاهر، والذي يُشعر به كلام معظم الأئمة إِطلاق القول بأن النية تصحّ في حق الملقى في الماء من غير تفصيل؛ فإن الملقى إذا كان كارهاً لما هو فيه، فلا يمتنع أن ينوي رفع الحدث بما هو كاره له، والسر فيه أنه إِذا نوى رفع الحدث بما هو فيه، فيكون ما يلابسه مراداً له من وجه، ومكروهاً له من وجه.
وهذا مقامٌ يتعين إِنعامُ الفكر فيه.
107 - وقد عُدنا إِلى ما كنا فيه من أمر الترتيب، فلو انتهى محدث إلى شَط نهر، واغتسل، فأوصل الماء إلى أسافله، ثم انتكس، فأوصل الماء إِلى أعاليه، ففي ارتفاع حدثه وجهان مرتبان على ما إِذا انغمس في ماء: فإِن حكمنا بأن الحدث لا يرتفع إِذا انغمس، فلأن لا يرتفع إِذا انتكس أولى، وإِن حكمنا بأنه يرتفع ثَمَّ، فهاهنا وجهان مبنيان على المعنيين المقدم ذكرهما.
فإِن قلنا: يرتفع حدث المنغمس لترتب الماء في أوقاتٍ لطيفة، فهاهنا لا يرتفع؛ لأنه نكس الغسل قصداً.
وإِن قلنا: يرتفع حدث المنغمس؛ لأنه جعل الوضوء غسلاً، فهذا المعنى متحقق في هذه الصورة.
فرعٌ لابن الحداد 1: 108 - قال تفريعاً على أن من أحدث وأجنب، لم تجب عليه رعاية الترتيب في

أعضاء الوضوء: ولو أوصل المغتسلُ الماء إِلى جميع بدنه إِلا رجليه، ثم أحدث يلزمه أن يتوضأ، ثم يراعي الترتيب في الوجه، واليدين، والرأس، ولا يجب رعاية الترتيب في الرجلين لبقاء حكم الجنابة فيهما؛ ولا يجب الترتيب في طهر الجنابة؛ فإِن شاء قدم غسلَ الرِّجل على غسل الوجه، وإِن شاء أوقعه وسطاً؛ فإِن حكم الترتيب ساقط عنه.
فإن قيل: الأصغر يندرج تحت الأكبر، وإِذا بقي من غُسل الجنابة غَسْلُ الرجلين، ثم طرأ الحدث، فالوضوء الآن أكُمل ممّا بقي من الغُسل.
قلنا: ذكر الشيخ أبو محمد 1 أن الترتيب يُراعَى في الرجل لهذا السؤال، ويتبع حكمُ الجنابة حكمَ الوضوء.
وهذا وإِن كان فيه إِخالة في وجوه الاحتمال، فالذي ذكره الأصحاب هو المذهب المعتدّ به.
وحكم طهر الجنابة على الجملة أغلب، وهو بأن يُستتبع أوْلى.
ثم الذي ذكره الشيخ أبو علي في الشرح 2 أن المتوضىء في الصورة التي ذكرناها، إِن نسي حكمَ الجنابة في رجليه، ونوى رَفع الحدث [فالجنابة] 3 ترفع عن رجليه في ظاهر المذهب، وإِن لم يتعرض لها؛ فإنّ أعيان الأحداث لا أثر لها، ولا يضرّ الغلط فيها.
وحكى وجهاً ثانياً، أن الجنابة لا ترتفع؛ لأن حكمها أغلظ من حكم الحدث الموجب للوضوء، والأعلى لا يرتفع بقصد الأدنى.
وهذا ضعيف مزيف، ثم بنى على ذلك أن الجنب لو انغمس في ماء مثلاً، ونوى = إمامة مصر في عصره، اعتنى الأئمة بشرح كتابه الفروع، فشرحه جمعٌ، منهم: القفال المروزي، والقاضي أبو الطيب، وأبو علي السنجي، توفي سنة 345 هـ (تهذيب الأسماء واللغات: 1/ 192، وطبقات السبكي: 3/ 79، طبقات الشيرازي: 114، طبقات ابن هداية: 204، طبقات ابن قاضي شهبة: 1/ 104).

رفع الحدث الأصغر، لا شك أن الجنابة لا ترتفع عما خلا أعضاء الوضوء؛ فإِن نيّته لم تشتمل عليه.
وفي ارتفاع الجنابة عن أعضاء الوضوء وجهان: أحدهما - لا ترتفع لما سبق من أن الأعلى لا يرتفع بالأدنى.
والثاني - ترتفع الجنابة عن الوجه واليدين والرجلين.
109 - وأما الرأس، ففرض الوضوء فيه المسحُ، وفرض الغُسل فيه الغَسل، [فهل] 1 يسقط فرض الجنابة عن الرأس؟ ذكر على هذا الوجه وجهين: أحدهما - لا يرتفع؛ لأن نيته لم تتناول غسلَ الرأس.
والثاني - يرتفع؛ فإِن غسل الرأس في الوضوء يقوم مقام المسح، وهما جميعاً إيصال الماء.
وإِذا جُمع ما ذكره الشيخ الآن إِلى ما قدّمناه في باب [نية] 2 الوضوء، من أن الغلط في النية من حدث إلى حدث هل يؤثر؟ انتظم منه أوجه: أحدها - أن الغلط لا يضر أصلاً.
والثانٍ- أنه يؤثر ويُفسد النية.
والثالث - أن الأدنى يرتفع بالأعلى، إِذا فرض الغلط كذلك.
والأعلى لا يرتفع بالأدنى، وهذا ما ذكره الشيخ الأب.
فرع: 110 - إِذا خرج من الرجل خارجٌ، فلم يدرِ أمَنيٌّ هو، أم مَذْي، فلا يلزمه الغُسل؛ فإِن الطهر لا يلزم إِلا بيقين، كما سيأتي في بابه.
والمقدار المستيقن إِيصال الماء إِلى أعضاء الوضوء، ثم ظهر اختلاف الأئمة في أنه هل يجب رعايةُ الترتيب في هذا الوضوء؟ فقال قائلون: لا يجب؛ فإِن وجوب الترتيب غير مستيقن.
وهذا عندي غلط؛ فإِن من أتى بوضوءٍ منكس، فليس هو بمتطهر قطعاًً؛ فإِنه

إِن كان جُنباً، فلم يغتسل، وإِن كان محدثاً، فلم يتوضأ وضوءاً مرتباً، فالوجه أن يغتسل، أو يأتي بوضوء مرتب.
ثم مما يُبنى على ذلك، أن المني طاهرٌ، وخروجه يوجب الغُسل، والمذي نجس، يوجب خروجُه الوضوء، فإِن أصاب الخارج المشكلُ الثوب أو البدن، فإِن اغتسل، ولم يغسل موْرِده، وصلى، جاز؛ أخذاً باحتمال كونه منيّاً، ولو توضأ وغسله، وصلى، جاز؛ لاحتمال كونه مذياً.
وإِن توضأ، ولم يغسل الخارج وصلى، فعلى الوجهين المذكورين في الوضوء المنكس، فمن أصحابنا من قال: يُجزئه، ويُحط الغَسل 1 عنه؛ أخذاً بأنه منيٌّ.
ويحط عنه استيعاب البدن؛ أخذاً بأنه مذيٌ.
والوجه عندي القطع ببطلان الصلاة؛ لأنه لم يخرج عن موجَبِ واحدٍ من التقديرين، إِذا توضأ ولم يغسل بدنه [وثوبه] 2. فصل قال الشافعي: " لو فرّق وضوءَه وغُسلَه أجزأه ... إلى آخره " 3. 111 - التفريق اليسير لا يبطل الوضوءَ والغُسل، والتفريق الكثير لا يؤثر أيضاًً في القول الجديد.
وقال الشافعي في القول القديم: " التفريق الكثير يُبطل الغسلَ والوضوء ". وهو مذهب مالك 4. وذكر الأئمة أن الموالاة مشروطة في الصلاة، ولا يتبين ذلك إِلا بما نشُير إليه.
فالصلاة تشتمل على أركانٍ طويلةٍ وأركانٍ قصيرة، أما الطويلة، فالقيام، والركوع،

والسجود، والقعود للتشهد، فمن تناهى في تطويلها، لم يضرّه؛ إِذ لا نهاية لآخرها.
وأما القصيرة منها، فالاعتدال عن الركوع، والاعتدال عن السجود، وكأنهما [موضوعان] 1 للفصل، فالاعتدال على هيئة القيام يفصل الركوع عن السجود، والقعود بين السجدتين يفصل إِحداهما عن الأخرى، وترك الموالاة في الصلاة معناه تطويل الفواصل قصداً، وذلك مبطلٌ للصلاة على ما سنذكره.
إِن شاء الله عز وجل.
112 - توجيه القولين في تفريق الطهارة.
من قال: إن التفريق يبطل الطُّهرَ شبهه بالصلاة، ووجه الشبه أن الحدث يَنقُضهما.
ومن قال بالقول الجديد، احتج بأن أركان الوضوء لا رابط لها، والركن [ينفصل عما بعده] 2، والزمن القريب المتخلل بين الركنين ليس فيه اشتغال بالطهارة، فالأركان المقصودة فيها كأنها أفرادٌ منبترةٌ، لا ناظم لها، فهي كاقدار الزكاة، يفرّقها [مستوعبها] 3، فيتخلل بين المقدار والمقدار زمان، لا اشتغال فيه بالزكاة، ثم لا فرق بين أن يطول ذلك الزمان المتخلل، أو يقصُر، فلتكن أركان الطهارة كذلك.
فإن قيل: إِلى ماذا الرجوع في الفرق بين التفريق اليسير والكثير؟ قلنا: إِذا غسل المتوضىء عضواً، ثم أضرب حتى زال الماء، مع اعتدال الهواء والحال، فهذا كثير.
ولا يُفرض ذلك مع برد الهواء، ولا مع الحرّ المفرط، فالوسط هو المعتبر بين الطرفين.
ثم ما ذكرناه في تفريقٍ يقع من غير عذرِ، فإن كان سببُ التفريق عذراً من خوفٍ أو نفادِ ماءٍ، فالأصح القطع بأن التفريق لا يُبطل الطهارة.
ومن أصحابنا من سوّى بين المعذور وغيره في تخريج المسألة على قولين.

وكان شيخي يتردد في وقوع التفريق بسبب النسيان، فتارة كان يُلحقه بالأعذار، وتارة كان لا يَعُد النسيان عذراً.
ومما يتعين الاعتناء بفهمه أن التفريق في الصلاة إِنما هو تطويلُ ركنٍ قصيرٍ كما سبق، ثم لو فرض تطويله بنسيان وذهولٍ، لم يُقضَ ببطلان الصلاة قولاً واحداً.
وبهذا يتبين اتجاه القطع بأن تفريق المعذور لا يؤثر في طهارته.
113 - فإن قيل: لا يبقى مع ما ذكرتموه من كون الناسي المطوِّل معذوراً في الصلاة وجهٌ لتخريج تفريق المعذور على قولين.
قلنا: من طول ركناً قصيراً في الصلاة؛ فهو في الصلاة، وإِن طوّل ما حقه ألا يطول.
وقد ذكرنا أن المتوضىء في الزمان الذي يتخلل بين الركنين ليس مشتغلاً بالطهارة، ومع هذا يُعد الوضوء قربةً واحدةً.
فاِذا تخللت أزمنةٌ متطاولةٌ، ينبتر 1 النظام فيها، بسبب أنه يتخللها ما ليس منها، وهذا يستوي فيه المعذور وغيره، وتخلل الأزمنة -على منع التفريق عندي- يتنزل منزلة الأعمال إِذا طرأت على الصلاة، فالقليل معفوٌ عنها، والكثير المتوالي على عمدٍ يُبطل الصلاةَ، وإِذا صدر الكثير مع النسيان، ففي المسألة وجهان، سياتي ذكرهما في الصلاة - إن شاء الله تعالى.
فهذا حقيقة القول في تفريق الطهارة.
ثم يستوي الغسل والوضوء في أمر التفريق.
والوضوء يختصّ بالترتيب من جهة أن الترتيب إِنما يُصوّر فيما يشتمل على أركانٍ متغايرةٍ، وجميع البدن في الغسل كالعضو الواحد في الوضوء.
التفريع على قولي التفريق: 114 - إن حكمنا بأن التفريق الكثير يبطل الوضوء، فإذا تخلّل، فسد الوضوء، ولزمه استئنافه.
وإِن حكمنا بأن التفريق الكثير لا يبطل الوضوء، فإِذا فرق المتوضىء وضوءه، لم يبطل ما مضى، وله البناء على بقية وضوئه.
ثم اختلف أئمتنا في أنه هل يجب تجديد النية في بقية الطهارة؟ فمنهم من قال:

لا يجب 1، والنية الأولى كافية.
ومنهم من قال: لا بدَّ من تجديد النيّة؛ فإِن الطهارة إِذا تفرقت، وعزبت النيّة، فلا يكون ما يأتي به على هيئة القربات، وإِذا عزبت النيّة وتواصلت الأعمال، انبسطت النيةُ عليها حكماً، وانتظمت القُربَة حسّاً.
وقد ذكرنا في باب النية أن من نوى رفع الحدث، وعَزَبَتْ نيتُه ونسيها، ثم قصد ببقية الطهارة تبرّداً وتنظّفاً، ففيه خلاف قَدّمتُه، وليس ما ذكرناه الآن في تفريق الطهارة على هذه الصورة، بل إِذا مضى صدرٌ من الطهارة، وتخلّل زمنٌ متطاول، فأتى ببقية الطهارة، والنيّة منسيّة، ولم ينو بالبقية تبرّداً، ولا غرضاً آخر يخالف الطهارة، ولكن انضم إِليه التفريق، ففيه الخلاف.
فرع: 115 - إِذا فرق المتوضىء النيةَ على أعضاء وضوئه، فنوى عند غَسل الوجه رفعَ الحدث عن وجهه، وهكذا فعل في باقي أعضائه، ففي صحة الوضوء وارتفاع الحدث وجهان.
وكان شيخي يبنيهما على القولين في تفريق الوضوء [فعلاً، ووجه] 2 البناء أنا إِذا منعنا التفريق، فالطهر قربة واحدة؛ فينبغي أن يشتمل عليها نية واحدة.
وإِن قلنا: يجوز التفريق، فقد قدّرنا كلَّ فرض قربةً بنفسه، كالأقدار التي يفرقها من [يستوعب] 3 الزكاة، فلا يمتنع تقسيط النية عليها.
والوجه عندي أن يقال: إِن منعنا التفريق فعلاً، لم يجز تفريق النية وتقسيطها.
وإِن جوزنا التفريق فعلاً، ففي تجويز تقسيط النية وجهان: أحدهما - الجواز، والثاني - لا يجوز؛ فإِن الوضوء -وإن جُوّز تفريق أركانه- قُربةٌ واحدة يرتبط حكم أوله بحكم آخره؛ فإِن من غسل وجهه، لم يقض بارتفاع الحدث عن وجهه، ما لم يتمم الوضوء؛ إِذ لو أراد مسَّ المصحف بوجهه المغسول، لم يجد إِلى ذلك سبيلاً.

فصل 116 - قال الأئمة: " الأولى ألا ينشِّف المتوضىء أعضاء وضوئه ". قالت ميمونة 1: " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنديل ينشّف به أعضاء طهارته، فأشار بيده، ولم [يمسه] " 2. ولو نشف، لم ينته الأمر في ذلك إلى الكراهية، ولكن يقال: تركَ الأوْلى.
وقد روي " أنه عليه السلام نشَّف أعضاء وضوئه مرة " 3، وكان عليه السلام يواظب على الأوْلى، ويأتي بما هو جائز في الأحايين، فيتبين الأفضل بمواظبته، والجائز [بنوادر] 4 أفعاله.
قال العراقيون: لم يصر أحد إِلى أن التنشيف مستحب، والظاهر من مذهب الشافعي أن الأولى تركُ التنشيف.
وهذا من كلامهم إِشارة إلى خلافٍ في ذلك، فكأن طائفةً قالوا: لا يترجح التنشيف على تركه.
وقد روى الصيدلاني: "أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرقةٌ ينشِّف بها" 5.

وليس هذا بعيداً عن مسالك الإِمكان؛ فإن الذي لا ينشف إِن كان مُبقياً لأثر العبادة، فالمنشِّف متوقٍّ عن التصاق الغبرات بأعضاء وضوئه.
117 - فأما الاستعانة، فالأولى تركها، والأجر على قدر [النصب] 1، وقد روي " أن النبى صلى الله عليه وسلم استعان في وضوئه مرة واحدة بالمغيرة " 2، والسبب فيه أنه كان لهٌ جُبة ضيقة الكُمّين؛ فعسر عليه الانفراد بإِسباغ الوضوء معها، فاستعان.
118 - وكان شيخي يَعُدّ عند نجاز كيفية الوضوء فرائضَ الوضوء وسننَه.
فأما الفرائض، فستٌّ في قولٍ، وسبعٌ في آخر: النيةُ، وغَسلُ الوجهِ، وغَسلُ اليدين كذلك، وما ينطلق عليه اسمُ المسحِ في الرأس، وغَسلُ الرجلين مرة واحدة، والترتيب، والموالاةُ على أحد القولين.
وأما السنن إِذا جمعت، فهي أربعَ عشرةَ في قولٍ، وخمسَ عشرةَ في قولٍ: التسمية، وغسل اليدين قبل غمسهما، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق: والمبالغة فيهما، إِلا أن يكون صائماً، والتثليثُ في المغسول والممسوح، وتقديم الميامن على المياسر، وتخليل اللحية، وتطويل الغرة، واستيعاب الرأس بالمسح، ومسح الأذنين، ومسح الرقبة، وتخليل أصابع الرجلين، والموالاة على أحد القولين.
= الشيخ شاكر، محدث العصر -رحمه الله- وانتهى إلى القول بأن إِسناده صحيح (ر.
الترمذي: أبواب الطهارة، باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء 1/ 74 ح 53، الحاكم: 1/ 154، التلخيص، ح 113).

فصل قال: " ولا يحمل المصحفَ ولا يمسه إلا طاهراً ... إلى آخره " 1. 119 - يحرم على المحدث مسُّ المصحف، ويستوي في التحريم الأسطر، والحواشي، والدفَّتان.
ولو كان في غلاف هُيىّء له، أو صندوق مستصنعٍ له، ففي مس الصندوق المخصوص به، وفي الغلاف، وفيهما المصحف وجهان: َ أحدهما - المنع كالدفَّتين.
والثاني - التجويز؛ لأنهما ليسا من أجزاء المصحف.
ولا يحرم على المحدث قراءة القرآن عن ظهر القلب، والأولى أن يكون متطهراًً.
فإِن قيل: هل تطلقون لفظَ الكراهية على قراءة المحدث؟ قلنا: لا، وكيف ينساغ ذلك وقراءة المحدث عن ظهر القلب من أفضل القربات؟ ولكن الوجه أن يقال: القراءةُ في حال التطهر أوْلى، فلو كان يقرأ القرآن ناظر إِلى المصحف [وكان متطهرٌ] 2 يقلّب له الأوراق، فلا بأس.
وكان سعد بنُ أبي وقاص رضي الله عنه يقرأ ناظراً، وابنه يقلب له، فأدخل يده تحت ثيابه، فقال له: " قم فتوضأ؛ ما أراك إلا وقد مسست ذكرَك " 3. ولو كان المحدث يقلب الأوراقَ بقضيب، فيه وجهان: والأظهر المنع؛ فإِنه وإِن كان لا يمسّ، فهو إِذا قلّب ورقة، كان في حكم الحامل لها، وحرام على المحدث

حملُ ورقةٍ من المصحف، سواء مسها في الحمل، أو حملها في غلاف.
ولو ستر يدَه بطرف كمّه، وأخذ يُقلب، فالوجه القطع بالتحريم؛ فإن التقليب يقع باليد، لا بالكم.
ومن ذكر في ذلك خلافاً، كالخلاف في التقليب بالقضيب، [فهو] 1 غالط.
هذا في مسّ المحدث.
120 - فأما القول في الحمل، فيحرم على المحدث حملُ المصحف في غلافٍ، ومجرّداً عنه؛ فمهما حمله مقصوداً، عَصى، سواء فُرض حائل من غلاف أو عِلاقةٍ، أو لم يُفرض.
ولو حمل صندوقاً، فيه أمتعةٌ، وفي جملتها مصحفٌ، وهو عالم به، ففيه وجهان: أحدهما - لا يعصي؛ فإنه لم يحمل المصحف مقصوداً.
والثاني - يعصي؛ فإنّ المصحف من جملة المقاصد، فإن 2 كان تبعاً، لم يخرج عن كونه مقصوداً.
121 - واختلف أئمتنا في أنه هل يجب على القُوَّام أن يُراعوا حفظَ الطهارة على الصبيان في مسِّهم المصاحفَ، والألواحَ؟ قال الصيدلاني: هذا الخلاف يقرب من حمل الصندوق وفيه أمتعة سوى المصحف؛ فإِن الصبي ليس له قصد صحيح في الشرع، فكان ضعفُ قصده في الشرع كتوزعّ القصد من الحامل على ما في الصندوق.
وهذا غير صحيح؛ فإِن قصدَ الصبي في العبادات التي هو من أهلها كقصد البالغ؛ إِذ لو تكلم في صلاته عامداً، بطلت صلاتُه، وألزمه قيّمُه إِعادةَ الصلاة، فالوجه أخذ المساهلة في باب الطهارة عند المس من تعذّر رعاية ذلك؛ فإِن الطهارة إِن روعيت عند الصلاة، لم تعسر، ومراعاتها في معظم [ساعات النهار عسرٌ، والصبي قد يمس المصحف في معظم] 3 النهار.

122 - فلو لمس المحدث 1، أو حمل درهماً على نقشه آية، أو ثوباً على طرازه آية، أو كتاباً فيه آيٌ، أثبتت للاحتجاج، أو للتيمن، لا لدراسة القرآن، لم يعصِ، ولو مسّ، أو حمل لوحاً عليه آية، أو بعض آية للدراسة والتلاوة، عصى ربّه؛ فإِنه يصير مجرِّداً قصده إِلى حمل شيء من القرآن مكتوبٍ عليه، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى هرقل، وضمنه قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] وعلم أنْ الكتاب تتداوله أيدي الكفار، وهم على أحداثهم وجنابتهم.
فصل قال: " ولا يُمنعُ من قراءة القرآن الا جنبٌ ... إلى آخره " 2. 23 - يحرمُ على الجنب من المسِّ والحمل ما يحرم على المحدث.
ويحرم عليه قراءة القرآن عن ظهر القلب، ولا فرق بين الآية وبين بعضٍ منها، ولو قال: الحمد لله أو بسم الله، فإِن قصد قراءة القرآن عَصى، وإِن قصد ذكر الله والتيمن به، لم يَعصِ.
وإِن أجراه على لسانه، ولم يقصد ذكراً، ولا قراءةً؛ فقد كان شيخي يقول: لا يعصي، ويخص تعصيتَه فيه بما إِذا قصد قراءة القرآن.
وهذا مقطوعٌ به؛ فإِن القصدَ مرعي في هذه الأبواب.
وما ذكرناه في الفصل بين أن يقصد وبين ألا يقصد فيما 3 يوجد في الأذكار، ويجري في القرآن.
124 - فأما الحائض، فإنها كالجنب في المنع من قراءة القرآن.
وحكى أبو ثور عن أبي عبد الله أنه كان لا يُحرّم قراءة القرآن على الحائض.
والظاهر أنه عنى بأبي عبد الله مالكاً 4. وحمل بعضُ الأصحاب ذلك على قول

الشافعى.
فإِنه يُكنَى بأبي عبد الله.
وهذا بعيد.
ثم فرَّع هؤلاء على هذا القول الضعيف تردداً في أنَ تحليل القراءة يختص بالمعلِّمة المحترفة بتعليم القرآن، أو يَعُمّ النسوة؟ فقال قائلون: يختص بالمعلّمة؛ لضرورة الاكتساب؛ وقد يستوعب الحيض شطرَ عمرها، فهو إِذاً يقتصر على ما يتعلق بحاجة التعليم في زمان الحيض.
وقال آخرون: يعمّ التحليلُ كافّةَ النسوة على هذا القول؛ فإن المعلمة إِن تحققت فيها حاجةُ التعليم، فغيرها قد ينسى القرآن، فإِذاً على هذا هي كالطاهرة، فلتقرأ ما تشاء؛ إِذ ليس لما يطرأ في حق النسوان من النسيان ضابط، وتقدير.
... = الحائض، إِلا إِذا انقطع الدم عنها (ر.
بلغة السالك: 1/ 76، جواهر الإكليل: 1/ 32).

باب الاستطابة

125 - روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: " إنما أنا لكم مثلُ الوالد، فإذا ذهب أحدُكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها لغائطٍ ولا بولٍ، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمّة " 1. وكان رضي الله عنه يذكر في صدر الباب آداباً تتعلق بمضمون الباب.
فإذا كان الرجل بارزاً في قومٍ، آثرنا له أن يُبعد، وَيبعد عن أعين الناظرين، ويستترَ بشيءٍ إن وجَدَ، ويُعِدّ الأحجارَ قبل قضاء الحاجة، وَيتَّقي الجلوس في موضعٍ هو مُتحدَّث الناس ومجلسُهم؛ قال النبي عليه السلام: " اتقوا الملاعن وأعدوا النُّبلَ.
قيل: ما الملاعن يا رسول الله؟ قال: الجلوس في مجلس الناس ومُتحدثهم " 2،

والنُّبْل جمع نُبلة وهي الحصاة الصغيرة.
ولا ينبغي أن يتدانى مجلسُ اثنين يقضيان الحاجة، ويتحدثان، وينبغي ألا يكشف المرء عورتَه قبل الانتهاء إلى مَوضع الجلوس.
قال العراقيون: لا ينبغي أن يبول في الماء الراكد، وتحت الشجرة المثمرة، ولا يستقبل الشمسَ والقمر.
ويروون في هذه الأشياء أخباراً.
ومن الجوامع الاستنزاه عن البول، قال النبي عليه السلام: " استنزهوا من البول؛ فإن عامةَ عذاب القبر منه " 1 ثم من الاستنزاه أن يتوقَّى البولَ في العَزَاز 2، ويرتادَ موضعاً دَمِثًا 3، ولا يستقبلَ مَهابّ الرياح، ويهتمَّ بالاستبراء، فيمكثَ بعد انقطاع القطر، ويتنحنح، وكلٌّ أعرَف بطبعه.
والنتر 4 مما ورد الخبر فيه، وهو أن يمرّ إصبعاً من أصابعه أسفل القضيب، ليُخرج بقتةً، إن كانت.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول في الجُحر، وقال: "إنها مساكن إخوانكم من الجن" 5.

وإذا كان في بنيانٍ، فإنا نؤثر له إذا أراد دخولَ ذلك البيت أن يقدّم رجله اليسرى، وفي الخروج يقدّم رجله اليُمنى، على الضدِّ من دخول المساجد، والخروج منها.
ويقول عند الدخول: بسم الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول عند الخروج: الحمد لله الذي أذهب عنّي ما يؤذيني، وأبقى عليّ ما ينفعني.
ولا يستصحب شيئاًً عليه اسمٌ معظم، ولا يدخل ذلك البيتَ حاسِرَ الرأس، ويتكىء إذا جلس على رجله اليُسرى، ولا يستنجي في موضع قضاء الحاجة.
وقد وردت أخبار فيما عدَّدْناه.
126 - ثم يتصل بما ذكرناه القول في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة.
والكلام في ذلك قسمان: يتعلق أحدهما بما يحرم، ويتعلق الثاني بالآداب.
فإذا كان الرجل في مكانِ بارزٍ حرُم عليه استقبالُها، واستدبارُها عند قضاء الحاجة.
ولو كان في عَرْصَةِ دارٍ، فهو بارزٌ يحرم عليه الاستقبال والاستدبار للقبلة، وإن كان في بيت يُعدّ ساتراً، لم يحرُم عليه الأمران، ولكن الأدب أن يتوقاهما، ويُهيىءَ مجلسه مائلاً عن الاستقبال والاستدبار 1. ولو كان بينه وبين صوب القبلة ما يستره، كفى ذلك، وزال التحريم فيما ذكرناه.
وينبغي أن يكون مجلسه قريباً من الساتر.
وذكر بعضُ المصنفين أنه ينبغي أن يكون بينه وبين الساتر ما يكون بين الصفّين، وهو قريب من ثلاثة أذرعٍ، وإن كان أقرب، كان الستر أبلغ.
وهذا تقريب لا بأس به.
ولو تستّر في الصحراء بوَهْدَةِ، أو شيء آخر، زال عنه التحريم، ولو أناخ راحلتَه وتَستَّر بها، فهو مستترٌ، وقد رُوي ذلك عن ابن عمر.

ولو أرخى ذيله في قُبالة القبلة، فقد ذكر رضي الله عنه (1) فيه: وجهين في أن ذلك هل يكون تستراً؟ والوجه عندي القطع بأنه تستر؛ فإن المحذور ألا يستقبلَ القبلةَ ولا يستدبرها بإحدى سوأتيه، وهذا المعنى يزول بإرخاء الذيل.
والقدر المعتبر في الساتر أن يستر من الجالس لقضاء الحاجة ما بين سُرَّتِه إلى موضع قدميه، وهو قريب من مقدار مُؤخَّرة الرَّحْل.
[باب] (2) 127 - إذا خرج خارجٌ من أحد السبيلين ملوِّث، وجب فيه الاستنجاء.
والقول في مضمون الباب يتعلق بفصولٍ: أحدها - فيما يوجب خروجه الاستنجاء.
والثاني - فيما يستنجى به.
والثالث - في كيفية الاستنجاء.
والرابع- في انتشار النجاسة في خروجها.

باب في الاستنجاء

فصل [فيما يوجب الاستنجاء] 3 128 - فأما ما يوجب الاستنجاء، فكل عينٍ ملوِّثةٍ.
والريح لا يوجب خروجُها الاستنجاءَ، ولا فرق في العين الملوثة بين أن تكون نجاسةَ البلوى، وبين أن تكون نجاسةً نادرة، كالدم والقيح.12

ولو خرجت حصاةٌ أو دُودةٌ، فلم يقع لوث محسوس، ففي المسألة وجهان: أصحهما - وجوب الاستنجاء؛ فإنها لا تخلو عن لوثةٍ، وإن كانت [خفية] 1. [فصل] [فيما يُستنجى به] 2 129 - وأما القول فيما يستنجى به، فإن آثرَ القاضي حاجتَه استعمالَ الماء، فليكن طهوراً، [كما] 3 سبق وصفه.
وإن آثر الاقتصار على استعمال جامدٍ، فالخبر واردٌ في الأحجار، ولكن كلّ ما يقوم مقامها في المقصود، فهو بمثابتها، ولم يُعيّن الأحجارَ إلا أصحابُ الظاهر، وسنذكر السرَّ المعنوي في ذلك، في الفصل الذي بعد هذا.
فليكن ما يستنجى به عيناً طاهرة، منشِّفةً، غيرَ محترمَةٍ.
فلو استنجى برَوثة، لم يجز، ولا يُعتدُّ به؛ فإن استعمالها يُثبت في محل النجو نجاسةً زائدةً غيرَ نجاسةِ البلوى.
والاقتصارُ على المسحات يختص بنجاسة البلوى، وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الروث 4 فهذا اشتراط [طهارة] 5 المستعمَل.
وأما قولنا: "منشِّفة"، فالمعنيُّ به أن الجامدات ينبغي أن تكون بحيث يتأتى بها قلعُ النجاسة، فلو كان ما استعمله أملسَ، لم يعتد به؛ فإنه لا يقلع النجاسةَ، ويبسُطها، ويُعدِّيها عن محلّها، إلى غير محلّها.

وأما قولنا: "غير محترمةٍ"، فالمراد تحريمُ استعمال المطعومات، والأشياء التي عليها كتابة محترمة معظَّمة، مما يُحفظ، فالمحترَم هو الذي يحرم استعمالُه في النجاسة، فإذا فرض استعمالُ محترمٍ، انتسب المستعمِلُ إلى المأثم، وفي سقوط الفرض وجهان: أحدهما - أنه يسقط؛ لحصول ارتفاع النجاسة.
والثاني - لا يسقط؛ لأن الاقتصارَ على الأحجار من الرُّخص، والرُّخص لا تناط بالمعاصي.
وهذا الاختلاف يُضاهي الاختلافَ في المسح على الخُف المغصوب، كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وحكى الأئمّة اختلافَ نصّ الشافعى في الاستنجاء بالتراب، والذي يجب القطع به أنه أراد بالتراب المدَرَ 1 المتماسكَ لمَّا نصّ [على] 2 الاستنجاء به.
ومن شبّب من المصنفين بترديد الجواز في التراب المنتثر، فهو غالط؛ فإنَّ التراب يلتصق بالنجاسة، ولو قُدّر تحامل، انتشرت النجاسة، ونُقلت عن محلها.
ونقل البُويطي جوازَ الاستنجاء بالحُممَةِ 3، ونقل غيرُه منعَ ذلك، وقطع المحصّلون بتنزيل النصين على حالين، فإن كانت الحممةُ صُلبةً، لا تنتثر، وتقلع النجاسة، جاز الاستنجاءُ بها، وإن كانت رخوةً تنتثر، لم يجز، وتَخيّلُ التردد في ذلك غلط.
ولو استنجى بعصفورةٍ حيّةٍ، عصى ربَّه، وإذا انقلعت النجاسة، ففي سقوط الفرض الوجهان المقدمان في استعمال الأشياءِ المحترمة.
ولو استنجى بيد غيره، فهو كالاستنجاء بالعصفورة، ولو استنجى بيد نفسه، فالوجه القطع بالإجزاء؛ لحصول القلع، وانتفاءِ المأثم؛ فإنه لا حرج على المرء في تعاطي النجاسة باليد، ومن خرّج الصورة الأخيرة على الخلاف، فغالط.

أما الاستنجاء بالجلد الطاهر الجافّ، فقد نقل حرملةُ 1 امتناعَه، ونقل البويطي أنه يجوز الاستنجاء به، ونقل الربيع أنه إن كان قبل الدباغ، لم يُجْزه، وإن كان بعده يجوز، فمن أصحابنا من يجعل ذلك أقوالاً.
ووجّه المنعَ بأنه من المأكولات، ووجّه التحليلَ بكونه طاهراً منشِّفاً غيرَ محترمٍ؛ فإن استعمالَ الجلد في النجاسة غيرُ محرم.
ومن فصّل، قال: الجلد قبل الدباغ دسم غير نشاف، وإذا دُبغ، فهو نشاف.
ومن أصحابنا من قال: المذهب ما نقله الربيع، والقولان المطلقان في النفي والإثبات محمولان على ما قبل الدباغ وبعده.
وكان شيخي يقول: العظم الطاهر إذا جفّ، وصار بحيث لا يؤكل لجفافه، فلا يجوز الاستنجاء به؛ لأنه على الجملة من المطعومات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه طعام إخوانكم من الجنّ" 2.

[فصل] [في كيفية الاستنجاء] 1 130 - فأما القول في كيفية الاستنجاء، فهاهنا ينبغي أن يتثبّت الناظر.
فإن أراد القاضي حاجتَه أن يستعمل الماء، فالمرعيُّ فيه إزالة العين والأثر، كما يُعتبر ذلك في إزالة النجاسات كلِّها عن مواردها.
فأمّا إذا أراد الاقتصارَ على الأحجار، فمما يجب الاعتناءُ به أن الاقتصار خارج عن قاعدة إزالة النجاسة؛ فإن إزالة أثر نجاسة البلوى ممكن، لا تعذُّر فيه، وقد يكون استعمالُ الأحجار أعسر من استعمال الماء، وليس ذلك على قياس الأبدال، التي يتوقف الأمر فيها على إعواز المبدلات، كالتراب في التيمم مع الماء، وإلا لم يجز الاقتصار على الأحجار عند وجود الماء، وليس ذلك معفوّاً عنه أيضاً، إلحاقاً بما يعفى عنه من دم البراغيث والبثرات وغيرها، وليست نجاسة البلوى متواصلةً كدم الاستحاضة.
131 - وقد ذهب أبو حنيفة 2 إلى أن النجاسة معفوٌّ عنها، واعتقد الاستنجاء أدباً، ثم تعدّى من بعد ذلك إلى تقدير المعفوّ عنه من النجاسة بقدر درهم، أخذاً من نجاسة البلوى، وإنما حمله على ذلك خروج الأمر في هذه النجاسة عن قواعد الإزالات والرخص كلها، [بدليل جواز الاقتصار على الأحجار] 3، وهذا غلطٌ ظاهر؛ فإنا على اضطرارٍ نعلم أن الذين كانوا يقتصرون على الأحجار، كانوا يستنزهون عن مثاقيل الذرّ من النجاسة على أبدانهم وثيابهم، ولا يشكّ ذُو فهمٍ أنهم لم يُجروا سائر

النجاسات مجرى نجاسة البلوى، وأنهم كانوا يروْن الاقتصار مختصّاً بهذه النجاسة المخصوصة.
ثم ثارت مذاهبُ متناقضةٌ، فيما نَبّهنا عليه من الإشكال والخروج عن القواعد.
أما أصحاب الظاهر، فإنهم عينوا الأحجار، ولم يقيموا غيرها 1 مقامها، وليس ذلك بدعاً من مذهبهم [في] 2 اتباع موارد النصوص.
وأما مالك 3، فإنه فَهِمَ التعبدَ بزالة عين النجاسة، والعفو عن أثرها، فأقام غيرَ الحجر مقامه، ولم يوجب رعايةَ العدد، وقال: إذا حصل الإنقاء بحجر أو حجرين، كفى، ولا يشتَرِط رعاية العدد.
132 - وأما الشافعي، فإنه رأى العددَ مرعيّاً، وقال: لو حصل الإنقاء بحجر واحدٍ، تعيّن استعمالُ الثاني والثالث، والإنقاء والعدد جميعاًً مرعيان عنده.
وهذا المذهب متردّدٌ بين التعبّد واعتبار المعنى؛ فإنه من حيث أقام غيرَ الأحجار مقام الأحجار، فقد قال: الغرضُ آلةٌ تُنقي، ولا تنقل، فهذا مصيرٌ منه إلى اعتبار الإنقاء، ولما أوجب مراعاةَ العدد، كان هذا خروجاً عن اعتبار الإنقاء.
وإنما ذكرت مسالك العلماء تنبيهاً على محلّ الإشكال.
ثم ما ذكره الشافعي هو المسلك المقتصد، والمنهج الوسط، ووجهه أنا فهمنا أن الغرض رفعُ عين النجاسة، ومن أنكر هذا الأصل، فهو جاحدٌ؛ فليس استعمالُ الأحجار في الاستنجاء بمثابة رمي الجمار؛ فإن الرميَ لا يعقل منه غرض، ولا محمل له إلا التعبّدُ المحض، والتزام الأمر؛ فتعيّنت الأحجار فيها، وأمّا الاستنجاء، فالغرض منه معقول، لا يُتمارى فيه؛ فاقتضى ذلك إقامةَ غير الأحجار مقام الأحجار.

وأما العدد، فلا ننكر فيه تعبداً وراء حصول الإنقاء، كالعدد المرعيّ في غسل الإناء من ولوغ الكلب.
على أنه لا يمتنع أن يقال: قد يبعُد تقديرُ حصول الإنقاء بحجر واحدٍ، وموقع النجاسة ليس منظوراً إليه، ولا تستمكن اليد من التصّرف التامّ فيه؛ فاقتضى مجموع ذلك استظهاراً باعتبار العدد، ثم إن فرض استيقان الإنقاء على ندور، طُرد التعبّد بالعدد فيه.
فهذا وجه معقولٌ، وأصل هذا التخفيف خارج عن قياس الأصول، وإذا اتجّه وجه في أمر الشارع، تعيّن اتباعُه، وقد قال النبي عليه السلام: "وليستنج بثلاثة أحجارٍ" 1. وأتاه ابنُ مسعود بحجرين وروثة، فرمى الروثة، وقال: " ابغ لي ثالثاً " 2. فأما اعتقاد التخصيص بالحجر، مع فهم كون الإنقاء مقصوداً، فلا وجه له، وإن ورد الأمر مختصاً بالحجر، فهو محمول على الموجود الغالب في حرّة المدينة.
فهذا تمهيد مذهب الشافعي.
ثم الذي راعاه الشافعيُ عددُ المسحات، فلو استنجى الرجل بحجر له ثلاثة أحرفٍ، واستعمل الأحرف، فقد راعى العدَد.
ولو استنجى بحجر، ثم غسله واستنجى به بعد الجفاف ثانيةً، ثم بعد ذلك ثالثةً، كفاه.
133 - وإن أطلتُ الكلامَ فيه، فليُحتمل؛ فإن غرضي الأظهر في وضع هذا الكتاب التنبيهُ على قواعد الأحكام ومثاراتها؛ فإن صُورَ الأحكام، والمسائلَ فيه غيرُ معدومةٍ

في المصنفات، فهذا أصل الباب، ومنه تتشعّبُ المسائل.
34 - ثم ينبغي ألا يُحدث نجاسةً سوى نجاسة البلوى، فلو استعمل الرجل روثةً، فقد ذكرنا أن الفرض لا يسقط به، ثم لو أراد بعد ذلك الاقتصار على الأحجار، لم يجز؛ فإنه باستعمال الروث أحدَثَ نجاسةً أجنبيّة، وقد تقرّر أن الاقتصار على الأحجار يختصّ بنجاسة البلوى، فيتعيّن إذاً استعمالُ الماءِ.
ولو استعمل حجراً أملسَ، فإنْ نقل النجاسة، تعيّن استعمالُ الماء؛ فإنه كما يختصّ [ما ذكرناه] 1 بنجاسةِ البلوى، كذلك يختصّ بالمحلِّ المخصوص.
وإن وضع الحجرَ الأملس، ورفعه، ولم ينقل النجاسة، ثم أراد استعمالَ الأحجار المنشِّفة بعد هذا، جاز.
ولو استعمل حجراً مُبتلاًّ، لم يجز؛ فإنه لا ينشّف، فإن انبسطت النجاسة بهذا السبب، وتعدّت محلَّها، تعيّن استعمالُ الماء.
وإن لم تنبسط النجاسةُ، وأراد أن يستعمل بعد ذلك الحجر المبتلِّ أحجاراً ناشفةً منشفة، فقد كان شيخي يمنع ذلك ويقول: ذلك البلل يتنجّس بملاقاة النجاسة، فيصير في حكم نجاسة أجنبيّة؛ فيتعيّن استعمال الماء.
وَلي في هذا نظرٌ؛ فإن عين الماء لا تنقلب نجساً، وإنما تجاوره النجاسة أو تخالطه.
135 - وفي هذا الفصل بقية فقهٍ، تتعلق بكلامٍ بعد هذا.
ولو خرجت نجاسةٌ نادرةٌ كالدّم والمذيّ، ففي جواز الاقتصار على الأحجار قولان: أحدهما - يجوز؛ فإنّا لم نتعبّد بالإحاطة بأصناف النجاسات الخارجة.
والثاني - لا يجوز؛ فإنه تخفيفٌ غيرُ منقاسٍ، ورد في نجاسة البلوى.
وقال العراقيون: القولان في نجاسة نادرةٍ يتعلق بخروجها الوضوء، فأمّا ما يتعلق به الغُسل، وهو دمُ الحيض، فيتعيّن في إزالته الماء قولاً واحداً، وهذا ليس بعيداً عن الاحتمال.

136 - ومما يتعلّق بالاستنجاء كيفيّة استعمال الأحجار.
وفيه فصلان.
أحدهما - في كيفية إعمال الحجر، فينبغي أن يوضع الحجر بالقرب من النجاسة، ثم يجري ملصقاً بالجلد حتى ينتهي إلى النجاسة، ولو وضع على النجاسة، فإنه يخلّف شيئاًً وينقله، ثم إذا انتهى الحجر إلى النجاسة، فلو أجراه على هيئة الإدارة، وكان يبغي أن يلقى كل جزءٍ طاهرٍ من الحجر أجزاء من النجاسة، فهذا إن فعله غيرُ ممتنعٍ.
واختلف أصحابنا في أنّه هل يجب ذلك؟ فقال بعضهم: يجب، لما ذكرناه؛ فإنه لو أمرّ الحجرَ من غير إدارةٍ؛ فإنه يلقى الجزءَ الثاني من النجاسة، بما قد تنجّس من الحجر.
وهذا غيرُ سديدٍ؛ فإنّا إنّما منعنا استعمال الروث؛ لأنه يُلحق بالمحل نجاسة أجنبيّة، والحجر في الصورة التي فيها الكلام إن تنجس، [فإنما تنجس بنجاسة البلوى، فلا تثبت] 1 نجاسة أجنبية، فلئن كان يوجه هذا الوجه، فالسبيل فيه أن من أمرّ الحجر من غير إدارة، فإنه ينقل النجاسة لا محالة، وإن كان يديره، فيخطف النجاسة، ولا ينقلها.
وقال بعض الأئمة: لا يجب ذلك؛ فإن هذا تخفيفٌ لا يُوازنه في المساهلة رخصةٌ كما تقدّم، فلا يليق بوضعه تكليف الإدارة، وربط الأمر بكيفيةٍ لا يستقل بها إلاّ رجل صَنَاعُ اليد.
وسرّ هذا الفصل يتضح بأمرٍ، وهو أن المقتصر على الأحجار لو كُلّف ألاّ ينقل النجاسةَ في محاولة رفعها أصلاً، لكان ذلك تكليفَ أمرٍ يتعذّر الوفاء به، وذلك لا يليق بالفرائض التي ليست برُخص، فكيف يليق بما مبناه على نهاية التخفيف؟ فالقدر الذي يعسر -مع رعاية الاحتياط- التَصوّنُ منه في النقل، يجب أن يُعفى عنه، وهو بمثابة إلقاءِ الجَبيرة على محل الخلع؛ فإنه لا بدّ من أخذ أطرافٍ من المواضع الصحيحة، حتى تستمسك الجبيرة؛ فإذاً ما ذكره الأصحاب من النقل ومنعه عَنَوْا به ما لا ضرورة إليه، وهذا الذي ذكرته في النقل لم أره منصوصاً عليه للأصحاب، ولكن لا بدّ منه.
فهذا أحد الفصلين.

[فصل] [في العدد] 1 137 - فأما الثاني - فقد تقرّرَ أن العدد مرعيٌ في الأحجار، وقد ذكر الأصحاب وجهين في طريق رعايةِ العدد، فقال قائلون: لا بد من إيصال كلِّ واحدٍ من الأحجار إلى جميع المحَلّ، إلى استيعاب النجاسة.
وقال آخرون: يستعمل حجراً في الصفحةِ اليمنى، وحجراً في الصفحة اليسرى، ويستعمل الثالث في ملتقى الحجرين الأولين، وهو المسرُبَة.
138 - توجيه الوجهين من طريق المعنى: من قال بالمسلك الأول، احتجّ بأن فائدة العدد توارُدُ الأحجار على محلٍ واحدٍ، وهذا إنما يتحقّق إذا استعمل كُلَّ حجرٍ في جميع المحل، والمسلك الذي ذكره صاحب الوجه [الثاني] 2 لا يتحقق معه فائدة العدد؛ فإنه لا ينتهي في كل موضعٍ إلا حجرٌ واحدٌ، فهو في التحقيق إيصال مسحةٍ بدفعاتٍ إلى جميع المحل.
وقد يقال لناصر الوجه الأول: إذا عم الجزء الأولُ جميعَ المحل، فقد رفع طبقةً من النجاسة، ولا ينتهي إلى البشرة إلا الحجر الأخير، فالعدد راجعٌ إلى ترديد الأحجار على النجاسة.
وكان شيخي يقول: الوجهان موضوعان على التنافي، فصاحب الوجه الأول لا يُجيز المسلك الثاني، وصاحب الثاني لا يجيز الأوّل.
وقال العراقيون: الخلاف راجع إلى الأوْلى، والمسلكان جميعاً جائزان.
وهذا الذي ذكروه بعيد في المعنى، ولكن نقل الصيدلاني خبرين نذكرهما.

أحدهما - أنه عليه السلام قال: " حجرٌ للصفحة اليُمنى، وحجر للصفحة اليُسرى، وحجر على الوسط " 1 وهذا بظاهره يشهد للوجه الثاني.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وليستنج بثلاثة أحجارٍ، يُقبل بواحدٍ، ويُدبر بواحدٍ، ويحلّق بالثالث " 2. ومعنى الخبر عند من يرى الوجه الأول أنه يأخذ حجراً، فيمرُّه من مقدم الصفحة اليمنى، فيديره منها إلى الصفحة الأخرى، ثم يأخذ حجراً آخر، ويبدأ من الصفحة اليسرى، وينهيها إلى منتهى الصفحة اليمنى، ثم يدير الحجر الثالث على جميع المحلّ، وهذا القائل يحمل الخبر الذي رويناه أولا على ذلك؛ فيقول: يبدأ بحجر من الصفحة اليمنى إلى منتهى اليسرى، كما تقدّم، فيحمل ما ذكرناه من قوله: حجر للصفحة اليمنى على البداية بتلك الجهة، لا على التخصيص، وقوله: حجر للوسط محمول على الإدارة على جميع المحل، وهذا الأخير بعيد؛ فإنّ حملَ الوسط على الجميع لا يستقيم، فإن قيل: معناه يبدأ بالوسط، فلستُ أرى فيه معنى.
والذي ذكره العراقيون من تجويز الأمرين يقوى بهذا الخبر.
والعلم عند الله.
139 - ومّما يتعلقّ بكيفيّة الاستنجاء، أنَّ الاستنجاء باليمنى منهي عنه، وهو مكروه غير محرّمٍ، وقد حرّمَه أصحاب الظاهر، ثم إذا كان يستنجي من الغائط، فيستعمل

يُسراه في محل النجاسة، ويصب الماء بيُمناه، وإن كان يستنجي من البول، فلو أخذ الحجر بيمينه وأخذ العضو بيساره، فإنْ كان يحرك يسراه ويمينُه قارّة، فهو مستنجٍ باليَسار، وإن كانت يده اليُسرى مع العُضو قارّة، وكان يحرك الحجر في يده اليمنى، فهو مستنجٍ باليمنى، وإن كان يُعمل يديه ويحرّكهما، فقد ارتكب النهي بتحريكه يمناه.
ولا شك بعد هذا كلّه أن الجمع بين الأحجار والماء هو المحبوب، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: 108] الآية.
[فصل] [في انتشار النجاسة] 1 140 - فأما القول في انتشار النجاسة، فقد نقل المزني: " ويقتصر على الأحجار، ما لم تعْدُ النجاسةُ المخرج " 2، ونقل عن القديم أنه قال: " ويقتصر على الأحجار، وإن انتشر، إذا لم يجاوز العادة في الانتشار ". فأوهم المزني أن المسألة فيها قولان.
وكان شيخي ينقل عن الربيع أنه قال: " يقتصر ما دامت النجاسة بين الإليتين، فإن ظهرت على ظاهر الإليتين، فقد تعيّن الماءُ ". وقد ساعد بعضُ الأصحاب المزنيَّ في تخريج المسألة على أقوال، وهذا غلط، لا يعدّ من المذهب، والأصل اعتبار العادة في الانتشار، وما نقل عن الربيع قريبٌ مما ذكره عن الشافعيّ، وإن لم يكن ما ذكره حدّاً يوقف عنده، بل الوجه إحالة الأمر على العادة.
وأمّا ما ذكره المزني، فمأخوذ عليه، فإن الشافعيّ قال: " ما لم تعْدُ النجاسةُ المخرجَ، وما حوله "، فأغفل المزني: " وما حوله ". والدليل على ما ذكرناه من رد الأمر إلى العادة أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الاقتصار على الأحجار رخصةً في

حق عامّة الخلق، على عموم الأحوال، مع العلم باختلاف الخلق والأحوال، والظاهر الانتشار في غالب الأمر، فلا ينبغي أن نستريب في أن التعدّي المعتاد لا يمنع الاقتصار على الأحجار.
141 - ولكن يتطرّق إلى ذلك إشكال معنوي، فإن النجاسة إذا كانت متبعّرة أو قريبةً من التبعّر، فقد تنفصل من غير تلويثٍ يتعدَّى إلى [ملتقى الشرج] 1 إطارِ المنفذ، فإن فُرضتْ لوثَةٌ على الملتقى، فتيكَ تخطفها الأحجار، ويعفى عن الأَثر الباقي، وإن رقَّت النجاسة بَعض الرقّة، وانتشرت إلى معاطف الشرج المطبقة بالمنفذ، فإن النجاسة تغوص في أثناء تلك المعاطف، والأحجار تلاقي ظاهرها، وتبقى الأعيان على تلك المعاطف مندفنةً، وإزالة عين النجاسة لا بدّ منها.
وقد بلغني أن بعض الناس سأَلَ عليّاً عن الاقتصار، فلعله رضي الله عنه تفرّس فيه خروجاً عن الاعتدال، فقال: " كنا نبعر بعرات وأنتم تثلطون ثَلطاً " 2، فهذا وجهٌ في الإشكال من جهة المعنى، ولم أذكره لأدعوَ إلى التردّد في أن عين النجاسة إذا انتشرت انتشاراً معتاداً، فهل يجوز الاقتصار على الأحجار فيها؛ فإنّ إطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة الاقتصار قاطعٌ، كما سبق ذكره وتقريره.
ولكن ينبغي أن يتنبّه الفقيه للعفو عن أعيان النجاسة في الصورة التي ذكرناها.
وهذا الإشكال لا [يجري] 3 في حق من يستعمل الماء؛ فإنه بلطافته ينفذ إلى

حيث تنتهي النجاسة إليه من معاطف الشرج، وإذا استعين بالدّلك مع صب الماءِ وانحصرت بسببه تلك المعاطف، زالت النجاسة.
ولو انتشرت النجاسة انتشاراً معتاداً، ولكن ترشّش منها شيء إلى محلٍّ منفصل، فيتعين غسلُ ذلك المحل، وإن كان قريباً من محل النجوِ، وكان بحيث لو فرض اتصال نجاسة البلوى به، لما كان مجاوزاً حدّ الاعتياد، والسبب فيه أنه منفصلٌ عن محلّ النجو بالفاصل الذي لم تبلُغْه النجاسة.
هكذا ذكره الصيدلاني، والأمر على ما ذكره.
ولو قضى الرجل حاجتَه، ثم قام وخطا، واحتكت إحدى إليتيه بالأخرى، وتعدّت النجاسة بهذا السبب أدنى تعدّ، تعيّن استعمالُ الماء، فإنه المتسبّب إلى التعدّي من غير حاجةٍ وضرورة.
فرع: 142 - نصّ الشافعي على أن من توضأ، ثمّ استنجى، ولم يَمسّ فرجَه أنه متطهر، ونصّ أن من قضى حاجته، وتيمّم، ثم استنجى، لم يصح تيمّمه.
فمِن أصحابنا من قال: في [المسألتين] 1 قولان، وتقدير القولين في الوضوء بعيدٌ جدّاً، ولولا أن المزني نقل في (المنثور) 2 قولاً عن الشافعي أن الوضوء لا يصح، لما عددت هذه الطريقةَ من المذهب.
وصار الأكثرون إلى القطع بالصحّة في الوضوء، وخرّجوا القولين في التيمّم.
والفرق أن التيمّم طهارةٌ ضعيفةٌ، لا تقدم على دخول وقت الصلاة؛ فإنّها طهارة ضرورة، فإذا لم يَستعقب جوازَ الصلاة.
لم يصح.
وإذا تيمم، ثم استنجى، فالتيمم لم يستعقب جواز الصلاة، وهذا غيرُ سديدٍ 3 عندي.
ولو كان على بدن المتيمّم نجاسةٌ، ومعه من الماء ما يكفي لإزالتها من غير مزيد،

فقد ذكر بعضُ أصحابنا أن تقديم التيمّم على إزالتها مخرج على الخلاف، وهذا بعيدٌ جدّاً، وإن كان الفرق يعسر بينها وبين نجاسة البلوى.
ولا نعرف خلافاً في أنّ من تيمّم وهو عارٍ، ثم اكتسىَ، جاز، وإن كان التيمم لا يستعقب جواز الصلاة إلى أن يكتسي.


باب الأحداث

143 - الأحداث يكنى بها عن نواقض الوضوء والغُسل.
ومقصود هذا الباب ذكر ما يوجب الوضوءَ.
فنواقض الوضوء أربعةٌ: خروج الخارج عن أحد السبيلين، والغلبةُ على العقل، ولمسُ الرجل المرأة، والمرأة الرجلَ، ومس الفرج.
فأما القسم الأول - فكل خارج خرج من أحد السبيلين، أوجب خروجُه الوضوءَ، سواء كان عيناً، أو ريحاً، ولا فرق بين أن يخرج من القبل، أو من الدُبر، وإنما يخرج الريح من قُبل صاحب أُدْرة 1، أو استرخاء أُسْرٍ 2، ولا فرقَ بين أن تكون العينُ الخارجةُ نجاسةً مُعتادة أو نادرةً، فالوضوء ينتقض بجميع ذلك.
ولا ينتَقضُ الوضوءُ بالقيء والرُّعاف، والحجامة، والفصد، وخروج شيءٍ من الخارجات من غير المخرج المعتاد عند الشافعي.
ومعتمد الشافعي في هذا الباب أن وجوب الوضوء بالأحداث غيرُ معقول المعنى، ثم ما لا يجول القياسُ في إثباته، لا ينتظم القياسُ في نفيه، وإذا كان كذلك، فتصير الظواهر نصوصاً، من جهة أن التحكم بتركها محالٌ، ولا يستدّ 3 في معارضتها قياسٌ محقق.
44 - ثم يتّصل بهذا القسم من الأحداث أنه لو انفتح سبيل، وكان يخرج منه

الخارجات، فإن انسدّ السبيل [المعتاد] 1، نُظر، فإن كان السبيل المنفتح أسفلَ من المعدة، وكان الخارج غائطاً أو بَوْلاً، فهو حدث ناقض؛ فإنه [قائم] 2 مقام السبيل المعتاد.
وإن كان ذلك السبيل على المعدة أو فوقها، وكان الخارج النجاسةَ المعتادةَ، ففي انتقاض الطهارة قولان.
وإن كان السبيل المعتاد منفتحاً، وانفتح معه سبيل آخر، فإن كان على المعدة أو فوقها، فما يخرج منه ليس بحدثٍ.
وإن كان السبيل أسفل من المعد، ففي المسألة قولان، فالتعويل على انسداد المعتاد وانفتاحه، وعلى [محلّ] 3 المخرج الجديد.
ثم مهما حكمنا بانتقاض الطهارة بخروج الحدث المعتاد من المخرج المنفتح، فلو كان الخارج منه شيئاً نادراً، كالدم وغيره، ففي انتقاض الوضوء قولان: أصحهما - الانتقاض؛ لأن السبيل سبيلُ الحدث، فلا فرق بين أن يكون الخارج منه نادراً، أو معتاداً، كالسبيل المعتاد.
والثاني - لا ينتقض الوضوء؛ لأنا إنما نحكم بانتقاض الوضوء بخروج الخارج المعتاد، من حيث نعتقد أن هذا السبيل بدلٌ عن المعتاد، وإنما يتجه هذا في النجاسة المعتادة.
وكان شيخي يقول: " إنما نحكم بانتقاض الطهارة بخروج النجاسة النادرة من السبيل المعتاد؛ لأنه لا يخلو خروجها عن خروج شيء من المعتاد، وإن خفي وقلّ ". ثم مهما لم نحكم بانتقاض الطهارة لخروج الخارج من السبيل الجديد، فيتعين إزالة تلك النجاسة باستعمال الماء.

145 - وإذا حكمنا بانتقاض الطهارة، ففي جواز الاقتصار على الأحجار في إزالة تيك النجاسة ثلاثة أقوال: أحدها - الجواز، كالسبيل المعتاد.
والثاني - أنه يتعين استعمال الماء لندُور المحل، مع أن الاقتصار على الأحجار خارج عن كل قياس.
والثالث - أنه إن كان الخارج نجاسةً معتادةً، جاز الاقتصار في إزالتها على الأحجار، وإن كانت نجاسةً نادرةً، لم يجز؛ لأنه يجتمع ندورُ المحلّ والخارج.
ثم إذا حكمنا بانتقاض الطهارة، فهل يثبت لذلك المخرج حكمُ السبيل المعتاد، حتى تنتقض الطهارة بمسّه، ويجب الغسلُ بالإيلاج فيه؟ فعلى وجهين.
والمذهب أن ذلك لا يثبتُ.
ثم هذا التردد على بعده لا يتعدّى أحكامَ الأحداث، فلا يثبت من الإيلاج فيه شيء من أحكام الوطء، سوى ما ذكرناه من التردّد في وجوب الغسل، وكان شيخي يتردّد في تحريم النظر إليه إذا كان فوق السُّرة، وهذا قريب أيضاًً.
146 - القسم الثاني - من نواقض الطهارة الغلبة على العقل، وذلك ينقسم إلى النوم وغيره.
فأما غير النوم، فمهما زال العقل بجنونٍ، أو صرعةٍ، أو غَشْيةٍ، أو سكرٍ، ينتقض الوضوء، ولا فرق في هذه الأقسام بين حالةٍ وحالة، فلو جرى شيء منها والمرء قاعدٌ متمكّنٌ، نقض الوضوء، كما لو اضطجع.
والدُّوار لا ينقض الوضوءَ مع بقاء التمييز، وقد ظهر اختلافُ قول الشافعي في أن السكران هل يكون كالصاحي في أقواله وأفعاله؟ ولكن السُّكر على القولين حدثٌ في ظاهر المذهب.
وذكر بعض المصنفين أنّا إذا جعلنا السكران كالصاحي، لم نجعل السكر حدثاً، ونزّلناه منزلةَ الصاحي، وهذا بعيدٌ.
147 - فأما النوم، فنقول: الغفوة حديث النفس ليس بحَدث، كيف فرض، وإنما التفصيل في النوم إذا تحقق.
فلو قيل: صِفوا لنا النومَ، وميّزوه عن الغفوة.
قلنا: النومُ يُغَشِّي الرأسَ فتسكن به القوى الدّماغيّة، وهو مجمع الحواسّ، ومنبت الأعصاب، وإذا فترت، فترت

الحركاتُ الإرادية، ثم مبتدؤه من أبخرةٍ تتصعّد، فتوافي إعياءً من قوى الدماغ، فيبدو فتورٌ في الحواس، فهذا نعاسٌ وسِنةٌ، فإذا تم انغمارُ القوة الباصرة، فهذا أوّل النوم، ثم يترتب عليه فتورُ الأعضاء واسترخاؤها، وذلك غمرة النوم، فإذاً لا ينتقض الوضوء بالغفوة، وإذا تحقق النوم، لم يُشترط غايتُه؛ فإن الشافعي صار إلى انتقاض وضوء القائم النائم، ولو تناهى النوم، لخرَّ ساقطاً.
ومعظم الإشكال يثور من التهاون بالجليات.
148 - فالآن نتكلم في حالات النائم، ونذكر سرَّ مذهب الشافعيّ، وقد يحتاج إلى الإشارة إلى مذاهب العلماء، ليتخلص من بينها مذهبُ الشافعي.
فنقول: ذهب أبو موسى الأشعري في طائفةٍ إلى أن النوم في عينه ليس بحدث كيف فرض، وذهب المزني إلى أن النوم في عينه حدثٌ ناقض للوضوء كيف قُدّر، وطَرَدَ مذهبَه في القاعد المتمكّن من الأرض، وألحق النومَ بسائر جهات الغلبة على العقل، وخرَّج ذلك قولاً للشافعي، وإذا انفرد المزني برأي، فهو صاحب مذهب، فإذا خرَّج للشافعي قولاً، فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو يلتحق بالمذهب لا محالة.
وأما المشهور من مذهب الشافعي، فمسلكه ما نذكره، فنقول: لو لم يثبت عند الشافعي أخبار صحيحة في أن نوم القاعد لا ينقض الوضوء، لكُنَّا ننتحي ما اختاره المزني على قطعٍ، ونجعل النومَ في عينه حدثاً كيف فرض، ولكن روي في نوم القاعد نصوصٌ، فمنها: " ما روي أن النبي عليه السلام خرج للصلاة، فصادف طلحةَ نائماً قاعداً، فاحتوى عليه من ورائه، قال طلحة لما انتبه: يا رسول الله أفي هذا وضوءٌ؟ فقال: لا، أو تضع جنبك " 1، فاستثنى نومَ القاعد، فقال قائلون من حَملةِ المذهب في ضبط المذهب: النوم الناقض هو الذي ينتهي النائمُ فيه إلى حالةٍ يتيسَّر خروج

الحدث منه، ولو خرج لم يشعر به، فإذا نام القاعد ممكِّناً مقعدته من الأرض، فيبعد خروجُ الحدث، وإن خرج يشعر به غالباً.
وهذا الضبط لا أرضاه؛ فإن من نام مستلقياً، فإليتاه ملتصقتان بالأرض، ولو استثفر بتُبانٍ 1 ونام مستلقياً، فطهارته تنتقض، مع بُعد خروج الحدث، وينتقض الوضوء بأول حدِّ النوم، كما تقدم معناه.
149 - ومالك يصير إلى أن الطهر لا ينتقض ما لم يثقُل النوم 2. فإذاً مأخذ المذهب الظاهر للشافعي، أنه وردت أخبارٌ مطلقة في إلحاق النوم بالحدث، كما روي أنه عليه السلام قال: " من استجمع نوماً، توضأ " 3، وقال صفوان: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كنّا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليَهُنّ إلا من جنابةٍ، ولكن من غائطٍ وبولٍ ونوم " 4، فأجرى 5 النومَ بحكم هذه الظواهر حدَثاً، واستثنى نومَ القاعد للأخبار الصحيحة فيه.
150 - وأما أبو حنيفة، فإنه قال: من نام على هيئة من هيئات المصلّين قائماً، أو راكعاً، أو ساجداًً، لم يبطل وضوؤه 6. وظاهر مذهب الشافعي أن الوضوء ينتقض بالنوم على هذه الحالات.
وحكى البُويطي قولاً للشافعي مثلَ مذهب أبي حنيفة، وغلّطه معظمُ الأئمة فيه.
ثم أبو حنيفة لا يفْصل بين أن ينام في الصلاة، وبين أن ينام وهو غير مصلٍّ، فلا

يقضي بانتقاض الوضوء إذا جرى النوم على هيئةٍ من هيئات المصلّين: من القيام، والركوع، والسجود، والقعود.
ونصّ الشافعي في القديم على أن من نام على هذه الهيئات في الصلاة، لم ينتقض وضوؤه، وإن نام في غير الصلاة قائماً، أو راكعاً، أو ساجداًً، انتقض وضوؤه، واعتمد في هذا القول ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "إذا نام العبدُ في سجوده باهى الله عزّ وجلّ به ملائكته، وقال انظروا إلى عبدي روحُه عندي، وجسده بين يديّ ساجد" 1. وعندي أن كلَّ قولٍ قديمٍ مرجوع عنه، ومنقول البويطي غلطٌ، فلا يبقى في عقد المذهب إلا مصير الشافعي إلى أن النوم ناقض إلا في حق القاعد، والذي خرّجه المزني أن النوم في عينه حدث كيف فرض، وفي كلام الشافعي تمثيلٌ 2 يشير إلى ذلك؛ فإنه قال: "ولا يبين إليّ أن أُوجب الطهارة على النائم القاعد" 3. فهذا ضبط قاعدة المذهب.
151 - ثم نتكلّم الآن في نوم القاعد على الرأي الظاهر، فنقول: من نام ومقعدته متمكنة من الأرض، غير متجافيةٍ، لم ينتقض وضوؤه، ولو كانت متجافية، أعني سبيل الحدث، انتقض وضوؤه، ولو مكّن المقعدة من مجلسه، ولكنّه كان مستنداً أو متّكئاً، لم ينتقض وضوؤه، وإن كان بحيث لو سلّ السناد والمتّكاً، لخرّ؛ فإن النظر إلى تمكّن المقعدة.
وقد نقل المعلِّقون عن شيخي أنه كان يقول: إذا ظهر اعتماده على السناد بحيث

يخرّ لو سُلَّ من ورائه، بطل وضوؤه.
وهذا غلط من المعلّقين، والذي ذكروه عنه مذهبُ أبي حنيفة 1. فإن قيل: ألستم رأيتم في تمهيد المذهب أن الشافعي اعتمد الخبر؟ فهلاّ قلتم: لا ينتقض وضوء من يُسمَّى قاعداً، وإن كانت مقعدته غيرَ متمكنة؛ استمساكاً بظاهر الخبر؟ قلنا: المتبع وإن كان خبراً، والقياس لا مجال له أصلاً، فلا ينبغي أن نحسم مُدرَك الفهم في مورد الخبر بالكلية؛ فإن هذا سبيلُ مذهب أصحاب الظاهر.
فإذاً فهم الشافعي من حال القاعد تمكين المقعدة.
فلو نام القاعد متمكّناً، ثم تمايل في نومه -والمعنيُّ بالتمايل التجافي كما يكون- فإن تمايل، ثم انتبه، بطل وضوؤه؛ فإنه ثبت النوم في حال التجافي، ولو في لحظة.
وإن انتبه، ثم تمايل، لم ينتقض وضوؤه.
وإن لم يدر كيف كان الأمر، فالأصل بقاء الطهارة، فلا يُقضى بانتقاضها مع الشك في طرآن الحدث.
152 - القسم الثالث من الأحداث: اللمسُ: فإذا لمس الرجل امرأة هي محل حلِّه، والتقت البشرتان، انتقضت طهارة اللامس، والمعتمد في هذا ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43]، وقرأ جمع من القُرّاء: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وقد ذكرنا أن الأقيسة لا مجال لها في إثبات الأحداث، ولا في نفيها، فحلت الظواهر فيها محل النصوص، ثم وراء هذا تصرّف في الظواهر، وتردّدٌ من نصّ الشافعي في معناه، ونحن نبيّنه في مثالٍ، ثم نخرِّج عليه المسائل، فنقول: قد اختلف قول الشافعي في أن من لمس واحدةً من محارمه هل تنتقض طهارته؟ ونحن نذكر في توجيه القولين ما يمهد قاعدةَ المذهب.
فمن قال بانتقاض الوضوء، اتبع مطلق الاسم، وقال: المحارم تندرج تحت اسم النساء، ومعتمدُ المذهب ظاهر القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
ومن قال: لا ينتقض الوضوء -وهو الأصح عندي- احتجّ بأن اسم النساء وإن كان

يتناول المحارم، فإذا ذكرت الملامسة، وأضيفت إلى النساء، أشعر ذلك بلمس اللواتي يُعنَيْن، ويُقصدْن باللمس، ويُعْدَدْنَ محلاً للمس الرجال، واستمتاعهم.
ويعتضد هذا بأمرين: أحدهما - أن من المفسرين من حمل الملامسة على المجامعة، ومنهم من حملها على الجس باليد، ولم يختلفوا في المحل، فليقع الجس عند من يحمل الملامسة عليه في محلّ المجامعة.
والثاني - أن الملامسة مذكورة في سياق الأحداث، وهذا يُخيِّل لمساً هو مظنة الاستمتاع.
هذا قاعدة المذهب.
والصغيرة التي لا تشتهى مُخرّجة على وجهين: مأخذهما ما ذكرناه؛ فإنّهنّ يندرجن تحت اسم النساء؛ اندراج النوع تحت الجنس، ولكنّهنّ لا يُقصدن باللمس.
والعجوز وإن بلغت غاية الهرمِ، ينتقض الوضوء بلمسها.
وذكر بعض المصنفين فيها وجهين، وهو بعيد غير معتمدٍ.
153 - وفي انتقاض طهارة الملموس قولان: مأخذهما التردد في ظاهر القرآن، فمن استمسك بالظاهر، خصص الانتقاض باللاّمس، و [من فهم منهم] 1 اللمس بمعنى الجسّ، كما فهمه من حمله على الجماع؛ قضى بانتقاض طهارة الملموس.
154 - وذكر الصيدلاني في لمس الشعر والسِّن والظفر وجهين، وشبب بأخذهما من الخلاف في أنه هل يثبت لها حكم الحياة؟ وهذا رديء؛ فإنها وإن لم يثبت لها حكم الحياة؛ فإنه يلحقها الحل والحرمة، فالوجه إدراج الخلاف تحت التردّد في الظاهر، ولا يمتنع أن يقال: من لمس شعر امرأةٍ، فقد لمس امرأةً، ولا يبعد أن يمتنع من إطلاقه.
والأظهر 2 أن الوضوءَ لا ينتقض.
وكان شيخي يقطع به، والسبب فيه أنه اجتمع

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل