نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 291-330
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الخلع

صفحات 291-330
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 8693 - الأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. فأباح الله تعالى الافتداء، ورَفَع الجُناحَ في أخذ المال عنه، ورفع الجُناح عنها في البذل، إذا استشعرا هَيْجَ الفتنة وقيام النزاع.
والأصل في الكتاب من جهة السنة؛ حديثُ حبيبةَ بنتِ سهل زوجة ثابتِ.
بن قيس بن شماس، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم لصلاة الصبح، فرأى حبيبةَ على باب الحجرة، فقال: من هذه؟ فقالت حبيبة: لا أنا ولا ثابت.
واختلف في معنى قولها، فقيل: معناه: لا كنت ولا كان ثابت؛ إذ كنا سببَ شغل قلب رسول الله.
وقيل معناه: لا أوافقه ولا يوافقني.
فلما دخل ثابت المسجد، قال له صلى الله عليه وسلم: "هذه حبيبة تذكر ما شاء الله أن تذكر".
فقالت حبيبة: "كل ما أعطانيه عندي".
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذ منها" 2. فجلست في بيت أهلها إلى أن خالعها، وأخذ المال منها، وجلست تعتد في بيت أهلها 3.

والإجماع منعقد على أصل الخلع.
وليس في حديث حبيبة رضا ثابت بالطلاق، ولا جريانٌ بلفظ المخالعة، ولا محملَ لقصة حبيبة إلا ما ذكرناه في الحَكَمين.
ثم قال الشافعي: آية الافتداء في كتاب الله تعالى مقيَّدة بخوف النزاع.
وهذا التقييد لا مفهوم له؛ فإنه يخرج على الغالب في العادة؛ فإن الزوجين لا يتخالعان وكل واحد منهما راغب في صاحبه، وقد تكرر الكلام على مثل هذا في المسائل.
وهذه القصة تدل على [أن] 1 ما يقدمه الزوج من ضرب 2 لا يحمل على الإكراه على الخلع، وفي هذا سر يليق به، وهو: أن ضرب الزوج إياها يرغّبها في الخلاص منه، فتختار الاختلاع.
والإكراهُ على نفس الخلع لا يحدث فيها رغبةً في الخلع، وإنما طلب الخلع منها قهراً، فأتت به قهراً.
فعرض المزني وبعضُ الأصحاب لكلام في أن الخلع لا يوصف بالسنة والبدعة.
ولا معنى [للتّسرّع] 3 في ذلك، فإنه بين أيدينا 4، وسنذكره مستقصى في الطلاق، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: "ورُوي عن ابن عباس أن الخلع ليس بطلاق ... إلى آخره" 5. 8694 - اختلف قول الشافعي في أن الخلع فسخُ النكاح على تراضٍ، أو هو طلاق على مال؟ فالمنصوص عليه في الجديد: أنه طلاق.
وهو مذهب أبي حنيفة 6 واختيار المزني، وهو الصحيح، وبه الفتوى.

ونص في القديم على أن الخلع فسخٌ، [ومذهب] 1 عمر وعثمان وعليٍّ أن الخلع طلاق، ومذهب ابن عباس أنه [فسخ] 2 وتوجيه القولين مذكور في المسائل.
وأول ما نذكره -قبل استفتاح التفريع- أن من قال: "الخلع طلاق" من مذهبه أن النكاح لا يقبل الفسخ بالتراضي، بل جريان الفسخ فيه موقوف على دفع ضرار، وعلى صفةٍ تُضادّ دوامَ النكاح.
وما يكون كذلك، فهو انفساخ، لا يتعلق بالقصد.
8695 - فإذا تمهّد هذا، عُدنا إلى التفريع على القولين: فإذا جعلنا الخلع فسخاً، فهو صريحٌ باتفاق المفرّعين على هذا القول إذا جرى ذكرُ المال، فإن تخالعا من غير ذكر المال، فهذا يتفرع على قول الفسخ، ويتفرع على قول الطلاق.
ونحن نرى أن نؤخّر تفريعه على تفريع القولين، ثم نفرده، ونستقصي ما فيه.
فالخلع مع [المال] 3 إذاً صريح في الفسخ، فإذا [قالا: تفاسخنا] 4 على مالٍ ذكراه، فالمذهب الأصح: أن الفسخ صريح في إفادة المقصود.
وذكر العراقيون وغيرهم وجهاً أن الفسخ يكون كناية في هذا المقام؛ لأنه لا ذكر له في الشرع، ولا جريان له على الألسنة، والكنايات تتميز عن الصرائح بما ذكرناه.
وظهر اختلاف أصحابنا في المفاداة مع ذكر المال على قول الفسخ.
فمنهم من قال: هي صريح كالمخالعة.
ومنهم من قال: إنها [كناية] 5. ويقرب الاختلاف في هذا من تردد الأصحاب في لفظ الإمساك إذا استعمل في الرجعة: فمن أصحابنا من قال: إنه صريح.
ومنهم من قال: إنه كناية.

وكذلك اختلفوا في أن لفظ [الفك] 1 هل يكون صريحاً في العتق؟ وإنما نشأ الاختلاف في هذه المسائل عن أصل نُنبّه عليه، وهو: أن من أئمتنا من نظر إلى شيوع المفاداة والإمساك والفك، [في هذه الأغراض] 2، والصريحُ ما يشيع في إرادة مقصدٍ.
[ومن] 3 أئمتنا من نظر إلى جريان هذه الألفاظ في الشرع.
[كالمفاداة] 4 في قوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. والإمساك في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: 231]. والفك دي قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13].
وحاصل المذهب: أن ما جرى له ذكر في الشرع، وتكرر حتى صار مشهوراً في الشرع؛ فهو صريح، وإن لم يفرض فيه إشاعةٌ في العادة؛ فإنّ ما عُرف شرعاً، فهو المتّبَع، وعليه بنينا حملَ الدراهم في الأقارير على النُّقرة الخالصة، وإن كان قد يغلب العرف على خلاف ذلك، وعليه ألحق الشافعي [السَّراح والفراق] 6 بصرائح الطلاق لمَّا ألفاهما 7 متكررين.
فأما ما جرى في الشرع مرة واحدة، كالمفاداة، والإمساك، والفك، ولم يكن ذلك شائعاً؛ ففيه الوجهان.
وما شاع ولم يجرِ له ذكر في الشرع، فهل يلتحق بالصرائح؟ فعلى وجهين.
ومنه5

قولْ القائل لامرأته: "أنت 1 عليّ حرام"، في هذه البلاد.
وما ذكرناه مرامز، وسيأتي استقصاؤها في أول الطلاق، إن شاء الله تعالى.
8696 - ومما يتفرع على هذا القول: أنا إذا جعلنا 2 المخالعةَ صريحاً وقطعنا القول بذلك على الفسخ، ولا ذكرَ لها في الكتاب، فكيف خروج هذا على القاعدة التي ذكرناها؟ ولم يختلف أصحابنا أن المخالعة صريح في الفسخ -على قول الفسخ- وهذا في ظاهره يخرِم ما أصّلناه! وسبيل الكلام عليه شيئان: أحدهما - أن الخلع جرى في عُرف نَقَلةِ الشريعة، حتى كان حَمَلةُ الشريعة يحملون على التلفظ بها، والأزواج إذا نطقوا بالخلع رأَوْه الأصل.
وليس كذلك قول القائل لامرأته: أنتِ على حرام.
ويتجه فيه وجه آخر، وهو أن الخلع إذا استعمل فسخاً، فالفسخ يضاهي حلولَ العقود، ولا حصر لألفاظ حلول العقود، وهي محمولة على الأشاعة، متلقّاة منها لا غير، والطلاق تصرف؛ فإنه ليس فسخاً، وليس يُشعر بإزالة مِلكٍ، فتطرّق إليه التعبّد تطرّقَه إلى النكاح.
وكأن المعتمد فيه ورود الشرع والتكرر فيه.
8697 - إذا تبين ما ذكرناه؛ فلو ذكر الزوج المخالعة على مال، وقِبلَتْه المرأة، ونوى الزوج الطلاق؛ فالذي قطع به المحققون: أنه لا يصير طلاقاًً بالنيّة، فإنه صريح في الفسخ، واللفظ الصريح الموضوع في محلّه، إذا قَصد مطلِقُه مقصوداً آخر غيرَ ما يقتضيه محلُّه؛ فاللفظ لا ينتقل؛ ولهذا قلنا: إن الزوج إذا ذكر الطلاق، وزعم أنه نوى ظهاراً، أو ذكر الظهار، وزعم أنه نوى طلاقاً؛ فاللفظ ينفذ في موضوعه الصريح، ويلغو القصد في غيره.
وقد يرد على ذلك لفظ التحريم؛ فإنه صريح في اقتضاء الكفارة إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ عليّ حرام، ولو نوى به طلاقاً كان طلاقاً، وسيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله تعالى.

والذي ننجزه الآن، أن لفظ التحريم لا يختص حكمه في اقتضاء الكفارة بالزوجية، وأن السيد لو قال لأمته: أنتِ عليّ حرام، التزم الكفارة، وفي ذلك نزلت سورة التحريم، فلم يختص التحريمُ بالنكاح 1، فيجوز ألا يختصَّ في النكاح بمقصود، هذا هو المذهب.
8698 - ومن أصحابنا من قال: الخلع يصير طلاقاً بالنية 2. وهذا ذكره شيخي وطائفة من العراقيين [والوجه] 3 فيه: أن الفسخَ والطلاقَ متساويان في بتّ الملك ورفعِ النكاح، فلم يبعُد نقلُه من رفعٍ إلى رفع، وليس كذلك الطلاق والظهار.
وهذا خيال لا حاصل له؛ فإن تعطيل الصريح لا وجه له، وفي حمل الخلع على الطلاق تعطيلُه في الفسخ، ويستحيل أن ينفذ الفسخ به، مع وقوع الطلاق، هذا لا سبيل إليه.
فلو [أجراه] 4 من لا [بصيرة له حيث لم ير لردّ] 5 الفسخ أثراً، وقال: ينفذ الفسخ والطلاق، قيل له: الفسخ بَيْنٌ، والطلاق لا يقع مع البينونة.
فهذا ما أردناه في ذلك.
فإن قيل: النكاح ينفسخ بلفظ [الفسخ] 6 عند ثبوت الأسباب المقتضية للفسخ،

ثم لو استعمل الزوج الفسخ، ونوى الطلاق وقع.
قلنا: لفظ الفسخ لا اختصاص له بالنكاح؛ فإنه يجري في كل عقد ينفسخ، ثم إنما ينفذ لفظ الفسخ إذا كان ثَمَّ موجِب له، فإن لم يكن، فلا نفاذ له، فلا يمتنع استعماله في الطلاق.
فلو أطلق الزوج لفظ الفسخ، ونوى به الطلاق حيث يملك الفسخ، فالمسألة محتملة.
ويجوز أن يُقضى بوقوع الطلاق لصلاح اللفظ له وملكِه إياه، وهذا ما قطع به القاضي.
ويجوز أن يقال: ينفد الفسخ بصريح لفظه؛ إذ لا حاجة إلى قصده في الفسخ، ولا ينفذ الطلاق، كما ذكرناه في المخالعة، ولعل الفسخ أولى بالنفوذ إذا وُجد سببٌ له؛ فإن ما نُنفذه من الفسخ في الخلع يقتضي التراضي بالفسخ، فإذا لم يقصد الزوجُ الفسخَ، ولم يخطر له ببال، فالتراضي على الفسوخ مفقود، وهو سبب الفسخ.
فليتأمل الفقيه هذا المقام يجد له عوضاً.
8699 - ومما نفرّعه على هذا القول: أنا إذا جعلنا الخلع فسخاً، فلا يصحّ من الأجنبي الاستقلالُ باختلاع المرأة على حكم الفسخ؛ فإن الفسخ المعقود بالتراضي شرطه أن يرتبط برضا الزوجين، فإن العقد يتعلق بهما، ولا يجوز أن يكون الأجنبي ركناً في فسخ التراضي.
فإن قيل: قد قطع الشافعي أجوبته بتصحيح خلع الأجنبي! قلنا: سبب ذلك أنه فرّع على الجديد، ولم يُلفَ له تفريع على القديم.
وكانت أجوبته محمولةً على أن الخلع طلاق.
وإذا وقع التفريع عليه، فيصحّ من الأجنبي [افتداءُ] 1 المرأة بالطلاق عن زوجها بمال يبذله، وينزل هذا بمنزلة افتداء الرجل المستولدة من مولاها بمال يبذله عن مقابلة إعتاقه إياها، والسبب في ذلك أن الطلاق فُرقة ينفرد الزوج بها كالعتق، فإذا علّقه بمال [يلتزمه] 2 أجنبي على مذهب الافتداء،

لم يبعد [و] 1 الفسخ المنوط بالتراضي، يستحيل حصوله بين الزوج والأجنبي.
وقد بقي من التفريع على هذا القول مقدار صالح، ولكنا رأينا تأخيره لغرض لنا في الترتيب، ونعود الآن إلى التفريع على القول الآخر.
8700 - فإذا قلنا: الخلع طلاق، فإذا ذكر معه المال، واتصل بالقبول؛ فظاهر المذهب أن اللفظ لا يعمل إلا بالنية.
ونص الشافعي في الأملاء على أن الخلع صريح في الطلاق أو كناية؛ [اختلف] 2 الأئمة في مأخذ القولين، فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن هذا الاختلاف مأخوذٌ [من] 3 أن اللفظ إذا ساغ استعماله في الناس على قصد الطلاق، فهل يلتحق بالصرائح بسبب الشيوع وإن لم يتكرر في ألفاظ الشرع؟ وهذا لفظ مختلف فيه، وسنذكره ونستقصيه في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
فإذا؛ ظاهر المذهب: أن الصرائح منحصرة في الطلاق والفراق والسَّراح، ومعانيها بكل لسان.
وفي المسألة قول آخر: إن الخلع يلتحق بها لشيوعه في الاستعمال.
هذا مسلك لبعض الأصحاب، وهو الصحيح.
وذهب ذاهبون إلى أن سبب اختلاف القول ذكر المال، وهذا تمسكٌ بالقرينة.
ومذهب الشافعي أن الكنايات لا تلتحق بالصرائح بقرائن الأحوال: كالسؤال، والغضب، وما يظهر في مخايل الإنسان في قصد الطلاق.
وسيأتي شرحها، إن شاء الله تعالى.
فكان هؤلاء يستثبتون من جملة القرائن: المال؛ فإنه لا يُبذل هزلاً، ولا [يستبطر] 4 إلا لتوطين النفس على المفاداة.
ويظهر أثر هذا الاختلاف في مأخذ

القولين فيه إذا جرى لفظ الخلع من غير ذكر المال، وقد وعدنا أن نذكر هذا مفرداً مفرّعاً على القولين.
ومن فوائد التفريع على هذا القول أن الرجل إذا خالع امرأته ثلاث مرات، لم تحلّ له إلا بعد زوج، بخلاف ما إذا جعلناه فسخاً؛ فإن تكرر الفسوخ -وإن بلغ عدداً كثيراً- لا يؤثر في إيجاب التحليل، وتحريم العقد ممدود 1 إلى نكاح ووطءٍ فيه.
فهذا الذي ذكرناه؛ ذِكْرُ قواعد التفريع على القولين، ونحن نُلحق أموراً، أهمها: الكلام فيه إذا جرى الخلع من غير تعرّض لذكر المال.
فرع: 8701 - إذا اختلع الزوجان، ولم يجرِ ذكر المال، فقال الزوج: خالعتك، فقالت: اختلعت نفسي، فهذا نفرّعه على قولنا: الخلع طلاق أوّلاً، ثم نفرّعه على القول الآخر.
فإذا قلنا: إنه طلاق.
قلنا: إنه صريح، فهذا ينبني على أن كونه صريحاً يُتلقى من ذكر المال أو من شيوع اللفظ؟ فإن تلقيناه من قرينة المال، فها هنا لا قرينة، فهو كناية، فيحتاج إلى النية.
ثم نفرّع أولاً على أن مأخذ القولين من الشيوع، وهذا ما صار إليه معظم الأصحاب.
فإن قلنا: اللفظ صريح.
فإذا لم يتعرضا لذكر المال، فهل يجب المال؟ فيه وجهان: أحدهما - أن المال يجب وإن لم يذكراه؛ فإن اللفظ في العرف يقتضي المال.
والوجه الثاني - لا يثبت المال لعدم الذكر والتعرض له.
التفريع: 8702 - إن قلنا: إن المال لا يثبت، فيقع طلقة رجعية، ثم هل يشترط القبول، أم يقع بمجرد قول الزوج؟ فعلى وجهين: أحدهما - إنه يقع [بمجرد] 2 قول الزوج؛ فإنه إذا نوى الطلاق، ولم يتعرض للمال، ولم يُثبت الشرعُ المالَ، فلا حاجة إلى قبولها، فكان ما جاء به طلاقاًً مجرداً في ممسوسةٍ من غير استيفاء عدد، فاقتضى ذلك جريانها في عدة الرجعة.

والوجه الثاني - أنه لا بد من قبولها؛ فإن صيغة اللفظ مأخوذة من بناء المفاعلة.
ووضع باب المفاعلة على التعلق بشخصين، فإن كان مُشعراً بفعل كالمقاتلة والمضاربة، فذلك الفعل يدور بين شخصين، فإذا قال: خالعتك، اقتضى هذا في وضع اللسان قبولَها، فكأنه قال: إن قلتِ اختلعتُ، فأنت طالق.
وقد يتعلق الطلاق بالقبول، وإن كان المال لا يثبت.
والدليل عليه: أن الزوج إذا خالع زوجته السفيهة فقبلَتْ، وقع الطلاق رجعياً، ثم لا يثبت المال.
ولو لم تقبل، لم يقع الطلاق، فلتكنَ المخالعة [الخالية] 1 عن ذكر العوض بهذه المثابة.
والذي يقتضيه القياس في هذا، أنه لو قال: خلعت عنك، ولم يقل: خالعتك، ونوى الطلاق، فلا حاجة إلى قبولها؛ فإن لفظه لم يصدر عن باب المفاعلة.
فإذا تبيّن هذا مفرّعاً على أن اللفظ صريح، ففيه تفصيل عندنا، به يتم الكلام، وهو: أن الرجل إذا قال: خالعتك، ولم يقصد بذلك التماس الجواب منها، وإنما قال على الابتداء: خالعتك، وهي [تنفي] 2 تنجيز الطلاق، فالوجه: القطع بأن الطلاق يقع، فان اللفظ يحتمل [التنجيز] 3 من غير تعليق بالقبول، وهو كما لو قال: قاطعتك وبارأتك، فالكنايات يُكتفى بها بدون ما ذكرناه من الاحتمال.
ولو قال: خالعتك ونوى طلاقاًً، [و] 4 هو يلتمس بذلك جوابها، فها هنا قد يتجه الخلاف في أن وقوع الطلاق هل يتوقف على قبولها؟ فالظاهر عندنا أنه إذا لم يثبت المال، لم يتوقف على قبولها؛ فإن الطلاق مما يتفرد الزوج به، وليس وقوعه مرتبطاً بمال يتوقف لزومه على التزامها، فلا وجه إلا تنفيذ الطلاق، وقصدُه التماسَ جوابِها لا أثر له بعد ما نوى الطلاق.
وسيأتي لذلك نظائر في مسائل التدبير من كتاب الطلاق، إن شاء الله عز وجل.

والوجهان في أن المال هل يثبت بمطلق المخالعة يبتنيان على نظائر لهذه المسألة.
منها: أن الرجل إذا دفع إلى إنسان دراهم، وقال: قارضتك عليها حتى تتصرّف، ولم يسمِّ مقداراً من الربح، فهل يستحق أجرة المثل إذا عمل؟ فعلى وجهين.
وكذلك لو قال لمن استعمله على أشجار: ساقيتك 1، ولم يذكر له مقداراً من الثمر، فإذا عمل؛ فهل يستحق أجرة مثل عمله؟ فعلى وجهين.
وقد تقدم في المعاملات في ذلك مثله.
وما أجريناه كله تفريع على أن الخلع صريح بطريق الشيوع.
8703 - فأما إذا قلنا: إنه يلتحق بالصرائح بقرينة المال، فإذا لم يجرِ [ذكرُ] 2 المال، فهو كناية، [فتذكّر] 3 ذلك.
والتفريع على القول الصحيح -وهو أن الخلع كناية، وإن اشتمل على ذكر المال- فإذا قال: خالعتكِ، فقالت: اختلعتُ، فهذا ينبني على أن مطلق هذا اللفظ هل يقتضي المالية، أم لا؟ فإن حكمنا بأن مطلقه يقتضي المالية، فلا يخلو؛ إما أن ينوي الزوج الطلاق، وإما ألا ينوي، فإن نوى الزوج الطلاق، ونوت المرأة أيضاًًً طلب الطلاق؛ فالطلاق يقع بائناً، والرجوع إلى مهر المثل.
وإن نويا الطلاق، ولم يذكرا المال -والتفريع على أن مطلق اللفظ لا يقتضي المال - فلا يخلو؛ إما أن ينويا المال، وإما ألا يجري ذكر المال في ضميرها، كما لم يجرياه في لفظهما، فإن لم ينويا المال ولم يذكراه، وقلنا: اللفظ لا يقتضيه؛ فالطلاق يقع رجعياً.
فإن قيل: في هذا الكلام اضطراب؛ من جهة أن التفريع على أن الخلع كناية،

فكيف ردّدتم الجواب في أن اللفظ هل يقتضي المال [بنفسه] 1؟ قلنا: وإن حكمنا بأن اللفظ كناية في اقتضاء الطلاق، فإنا نُجري الخلافَ في أنه هل يقتضي المال في [وضعه] 2 أم لا؟ فكان 3 التردد [باقٍ] 4 في أن هذا اللفظ هل يقتضي المال أم لا [يقتضيه] 5، هذا وجه الكلام، وقد انتهى إلى قولنا: اللفظ كناية في الطلاق وليس صريحاً في اقتضاء المال.
فلو نويا المال مع نية الطلاق، فالنية هل تؤثِّر في المال؟ والتفريع على أن اللفظ بنفسه لا يقتضيه.
[اضطرب] 6 أصحابنا في المسألة.
فمنهم من قال: النية لا أثر لها في المال، فكأنها لم تكن.
ومنتهى الجواب أن الطلاق يقع رجعياً، ويتجه هاهنا أن الطلاق لا يقع أصلاً؛ فإن الزوج نوى طلاقاًً بمالٍ، والتعويل على نيته، فإذا لم يحصل المال بنيته، ونيته في الطلاق متقيدة بالمال، فلا.
يقع الطلاق، وهذا وجه فقيه.
ومن أصحابنا من قال: نية المال كذكر المال، فعلى هذا إذا نوى المال، ونوت المال، وثبتت نية الطلاق، فالطلاق يقع بائناً، وجهاً واحداً، تفريعاً على ما ذكرناه.
هذا تمام التفريع إذا قلنا: الخلع طلاق.
8704 - فأما إذا فرعنا على أن الخلع فسخٌ، وقد جرى ذكر الخلع والقبول من غير مال - ونحن أوضحنا أن الخلع -على قول الفسخ- صريح في الفسخ؛ فالذي ذكره الأصحاب: أن هذا يُبنى على أن مطلق هذا اللفظ هل يقتضي المال؟ وجريان هذا الخلاف على نسق واحد.
فإن قلنا: اللفظ يقتضي المال بإطلاقه- وهو الذي اختاره القاضي وصححه.

ووجهه أن الخلع [حلّ] 1 النكاح، فكان في معنى عقد النكاح، ثم عقد النكاح إذا عري عن المهر من غير تفويض صريح ممّن يملك المهر، يجب فيه مهر المثل.
فليكن الفسخ كذلك.
والدليل على تساويهما أن النكاح على العوض الفاسد ينعقد على مهر المثل، أو على قيمة العوض المسمى إن كان مما يُتقوّم.
والخلع على العوض الفاسد في هذا كالنكاح، فإذا استويا عند تسمية العوض الفاسد، وجب أن يستويا عند [الإطلاق] 2. 8705 - فإن قيل: ما وجه من يقول: المخالعة المطلقة لا تقتضي مالاً، وما الفرق [بينها] 3 وبين النكاح المطلق؟ وما الذي أوجب القطع في النكاح، والترديد في الفسخ؟ وليس التفريع على قول الفسخ على حكم التفريع على قول الطلاق؛ فإن أصل الطلاق أن يكون بغير عوض، فإذا عُلِّق بالعوض، كان العوض دخيلاً فيه، والفسخ تلو النكاح، فيقتضي من العوض ما يقتضيه النكاح، فما وجه التردد إذاً؟ قلنا: لا يمتنع تخيل فرق أولاً؛ فإن النكاح جلْبُ استباحة البضع، فلا يبعد أن [يتأكد] 4 العوض فيه.
والخلع متضمنه ارتداد البضع إليها، وهذا لا يستدعي العوض حسب استدعاء الجلب، فلا يمتنع أن يكون الخلع في ذلك دون العقد.
فإن قيل: جوّزوا [تخلية] 5 الخلع عن العوض -لما ذكرتموه- إذا وقع التصريح به، وقد ذكرتم قولين في النكاح المعقود على التفويض الصحيح هل يقتضي ثبوت المهر؟ فهلا طردتم هذا في الخلع؟ قلنا: لا يتعرض الأصحاب لهذا، ولم يسمح بهذا التقريب أحد، والذي يقتضيه القياس الحقّ قبولُ ذلك، والقولُ بإمكأنه؛ فإن

الفسخ لما كان يتأكد من العوض فيه، أو كان وضعه على ارتداد المسمى، فكان يقال: أمر العوض فيه قهري؛ فإنه بناء وليس بابتداء، وهذا وجه بيّن- لو كان مذهباً لذي مذهب، ولم يصر إلى هذا أحد.
فإذا انبنى الخلع على تسمية العوض، كما انبنى النكاح عليه، ثم تردد القول في أن العوض هل يثبت في نكاح التفويض -وأصح القولين أنه لا يثبت- فما المانع من مثل هذا في الخلع؟ ثم كان يجب على هذا التقدير أن يقال: إذا حكمنا بخلوّ نكاح التفويض عن المهر، فالمسيس فيه يثبته وينبني عليه المطالبة بالفرض، كما تفصّل، وليس في الفسخ شيء من هذا، وكان يجب أن ينفذ الفسخ عارياً إذا عري -إما على قطع، وإما على قول ظاهر- ولم يقل [بهذا] 1 أحد من الأصحاب، ولست أحمل تركهم لهذا إلا على ضعف حرصهم في التفريع على القول الضعيف، وإلا فما ذكرناه واجب، وليس هو بأبعدَ من قول المحققين: إن الخلع مع الأجنبي مردود على قول الفسخ.
ولم يصر إلى هذا أحد من الأئمة الماضين، ولكن المفرعين قالوا: جرت الأجوبة على قول الطلاق، وهذا منتهى الكلام.
8706 - فإن قيل: هذا يضمّن الخلع -على قول الفسخ- ارتداد المسمى، كالفسوخ القهرية، حتى يكون الخلع في النكاح بمثابة الإقالة في البيع؟ قلنا: ليس [من الحزم] 2 في طلب الغايات أن يذكر الإنسان الأقيسةَ الكلية الجليّة، ويترك حق خاصية العقد الذي فيه الكلام.
ومن خاصية النكاح أن المهر إذا تقرر، ولم [يُنْقض] 3 العقد بخلل مقترنٍ بأصله، فالمسمى لا يسقط.
[ولذلك] 4 لم يسقط إذا ارتدت المرأة بعد المسيس على الرأي الظاهر، ثم في النكاح تقرُّران:

التقرُّر الأكبر بالمسيس، وقد يليه التقرر بالموت.
[والتقرّر] 1 الآخر 2 هو تقرر لا يتشطر [بالاختلال] 3 الواقع بالعقد 4. وهذه الخاصيّة لا توجد في سائر العقود، والخلع فسخُ تراض لا يستند إلى خلل في أصل العقد، فامتنع سقوط المسمى [به] 5 بعد المسيس، وامتنع سقوط الشَّطر به قبل المسيس، فلما اختص بهذه الخاصية نزل على عوض مبتدأ، ثم كان في ذلك العوض، كالنكاح الوارد على الصداق، فهذا أقصى المضطرب في ذلك.
8757 - فنعود بعد هذا إلى التفريع، فنقول: إن حكمنا بأن مطلق الخلع يقتضي العوض، فتثبت البينونة بالفسخ، والرجوع إلى مهر المثل.
وإن قلنا: هذا اللفظ لا يقتضي المال، فيلغو الخلع، هكذا قال الأصحاب، من غاص منهم ومن قنع بالظاهر؛ إذ لا عوض، ولم يرَوْا خلعاً بلا عوض.
والذي أراه -على القياس الذي قدمناه- أن يثبت الفسخ ولا يثبت العوض، وهذا احتمال لا تعلق له بنقل.
وقد نجز التفريع على المخالعة المُطْلَقة العريّة عن العوض.
والذي ذكره الأصحاب فيه، ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يلغو.
والثاني - أنه يقع طلاق رجعي.
والثالث - أن البينونة تقع، والمال يجب.

ثم هي على الطلاق طلاقٌ مُبِين، وعلى قول الفسخ فسخ.
هذا حاصل المنقول، وتحقيقه وتَنْسِبَتُه من القواعد على ما ذكرناه.
وهذا الفرع لُباب التفريع على القولين، وبه [يعتاص] 1 الفصل، فإنه [نحا نحو] 2 كل قاعدة.
ثم إنا نذكر بعد هذا فروعاً مرسلة ونلحقها بالقواعد التي مهدناها.
فرع: 8708 - إذا قالت المرأة: طلقني على كذا.
فقال الزوج: خالعتك بكذا.
فإن فرعنا على أن الخلع فسخ، لغا قول الزوج، والنكاح قائم؛ فإن المرأة التمست الطلاق بألف، ولم يُجبها إلى ما التمست، بل فسخ، والفسخ دون الطلاق المبين؛ لأن الطلاق بالعوض يُبين، ويَنقُص العددَ، والفسخ لا ينقُص العدد، فقد سألت أعظم الفُرقتين، فأجابها إلَى أدناهما.
وإن قلنا: الخلع طلاق، وجعلناه صريحاً، أو نوى الطلاق، استحق العوض، ووقع الطلاق المبين، فإنه أجابها إلى ما التمست.
ولو قالت: خالعني بألف، فقال: طلقتك عليه، [والتفريع] 3 على أن الخلع فسخ، فقد التمست الفسخ، وأجابها إلى الطلاق، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يقع شيء، [لأنهما] 4 لم يتفقا على شيء واحد.
والثاني - أنه يقع الطلاق ويثبت العوض؛ لأنها سألت فُرقةً لا تَنقُص العددَ، فحَصَّلَ الفرقةَ، وزادها نقصان العدد.
وحقائق هذه المسائل يتوقف انكشافها على تفصيل القول فيه إذا تخالع الزوجان، وجعلنا لفظ التخالع كناية أو تخاطباً بلفظ الكناية، ثم نفرض بينهما ريبة أحدهما.

وهذا نذكره في باب مخاطبة الرجل امرأته، ورمزتُ إلى هذا الوعد لعلمي بأن ما ذكرته يختلج في صدور الأكياس.
فصل قال: "ولو خالعها تطليقة بدينار على أن له الرجعة ... إلى آخره" 1. 8709 - إذا قال الرجل: خالعتك تطليقة بدينار، على أن لي الرجعة، فقبلت، أو قال: طلقتك طلقة بدينار على أن لي الرجعة.
تصوير المسألة: تدور على تطليقٍ بمال بصريحٍ أو كناية، مع شرط الرجعة؛ فالذي نقله المزني: أن الطلاق واقع، والعوض المذكور ساقط، والرجعة ثابتة.
لم ينقل المزني عن الشافعي إلا هذا، واختار أن الطلاق يقع [بائناً] 2، والرجوع إلى مهر المثل، وشرطُ الرجعة ساقط.
ونقل الربيع عن الشافعي ما اختاره المزني، ولم يصحح في النقل غيره، ثم قال: وفي المسألة قول آخر إن الرجعة ثابتة، والدينار مردود.
وقيل: اختار الربيع ثبوت الرجعة وسقوط العوض، فنقل ما اختاره المزني، واختار ما نقله، فحصل في المسألة قولان إذاً.
8710 - توجيه القولين: من قال بوقوع البينونة، عوّل على تغليب الفراق، ورأى شرط الرجعة شرطاً فاسداً.
فالشرائط الفاسدة لا تدرأ بينونة [الخلع] 3، قياساً على جملة الشروط الفاسدة.
وإذا أردنا كلاماًً جامعاً في ذلك، قلنا: إذا كان المخالع من أهل الطلاق، والمرأة من أهل [التزام] 4 البدل، وقد تقابل الطلاق والبدل؛ فحكم ذلك البينونة، وما يناقضهما من الشروط مردود.

ومن نصر القول الثاني، احتج بأن الطلاق اقترن به ذكر المراجعة والمال، وهما متناقضان، فإذا عسر الجمع بينهما، واستحال [انتفاؤهما] 1، فينبغي أن نثبت أقواهما، وأقواهما: الرجعة؛ فإنها تثبت من غير إثبات.
ويجوز أن يُعضَّدَ هذا القول، فيقال: الرجعة تُناقض البينونة، ومقصود الخلع: [البينونة] 2 فشرط الرجعة يناقض مقصود الخلع، فيدرؤه، وينزل منزلة عقد النكاح على شرط الانكفاف عن الوطء.
وقد يدخل على ذلك 3 أن النكاح المؤقت، ومضافه إلى بعض المنكوحة فاسدٌ، ومؤقتُ الطلاق مؤبد، ومبعّضه مكمّل.
ولا شك أن أقيس القولين ما اختاره المزني.
8711 - ثم إنه في اختياره استشهد بمسائل، نقل فيها نصوصاً، فنذكرها، ونذكر أقوال الأصحاب فيها.
فمنها: أنه قال: قال الشافعي: "إذا خالع زوجته بطلاقٍ على مال، وقال: مهما بدا لكِ أن تستردي العوض، فاسترديه، ولي الرجعة، فالطلاق يقع بائناً، والرجوع إلى مهر المثل، ويثبت عليها لازماً لا يدرأ" 4. والذي صار إليه معظم الأصحاب موافقتُه، [وطلبوا] 5 الجوابَ، والفرقَ بين هذه المسألة وبين صورة القولين.
والذي تحصّل من الفرق أن البينونة في مسألة الاستشهاد ناجزةٌ [ومقتضى] 6 الشرط استدراكها إذا أرادت المرأة استرداد العوض، [وصورة] 7 القولين فيه إذا قرن شرط الرجعة بالمال.

والفرق يظهر بين التنجيز وشرط الاستدراك وبين [اقتران نفي] 1 البينونة بالعقد.
وذكر صاحبُ التقريب والشيخُ أبو علي أن من أصحابنا من رأى نص الشافعي في المسألة التي استشهد بها المزني جواباً على أحد القولين، وقال: إذا نصرنا القول الثاني، حكمنا بأن البينونة لا تقع في مسألة الاستشهاد؛ فإنه لم يبتّها، بل ردّدها؛ فثبتت الرجعة، وانتفى المال على القول الذي ننصره على المزني.
8712 - ومما تعلق به المزني لنصرة القول الذي اختاره: أن الرجل إذا قال لمالكِ العبدِ: أعتق عبدك عني بألف على أن لك الولاء، فإذا أعتقه على هذا الشرط، فكيف السبيل فيه؟ نقل أن العتق ينفذ بالمال على المستدعي، وله الولاء، وشرط الولاء باطل مردود.
ومن أصحابنا من قال: الشرط باطل، ولكن لا يرتدّ العتق به، ولكن يرتد به طريق الاستدعاء في محاولة نقل الملك أولاً، وبناء العتق عليه؛ إذ العتق إن كان لا يقبل الرد، فطريق الاستدعاء يمكن إبطاله حتى إذا بطل، نفذ العتق على المنشىء 2، وله الولاء، ولا عوض.
وتعلق المزني بمخالعة الرجل امرأته السفيهة المحجورة، فإن الشافعي نص على وقوع الطلاق، وانتفاء العوض، وثبوت الرجعة.
ووجه استدلال المزني أن المال لم يثبت، بحيث لم تكن المرأة من أهل الالتزام.
وهذه المسألة ستأتي بما فيها، إن شاء الله تعالى، ولسنا للإطناب في محاجة المزني.
وذَكَر في أثناء الكلام اختلاعَ الأمة المزوّجة نفسها، وسيأتي حكم اختلاعها، إن شاء الله تعالى.

فصل قال: "ولا يلحق المختلعةَ الطلاقُ ... إلى آخره" 1. 8713 - المختلعة لا يلحقها الطلاق في عدة البينونة؛ فإنها بائنة خارجة عن النكاح، والطلاق حلٌّ للنكاح، وخلاف أبي حنيفة 2 - مشهور، والرجعية يلحقها الطلاق في عدة الرجعة، وفي صحة مخالعة [الرجعية] 3 وجهان مشهوران: أحدهما - أنها تصح، لأن الطلاق من غير عوض يلحقها، فيلحقها بالعوض، وأثر العوض اقتضاء البينونة، وليست [الرجعية بائنة] 4. الثاني - أنها لا تبين، ولا يصح الخلع، لأن نص الشافعي دالّ على أن الزوج إذا وطىء الرجعية، التزم مهر مثلها.
فيبعد أن يكون بحيث يلتزم الزوج المهر بوطئها ويُلزمها بالخلع العوضَ.
وسنذكر التفصيل في وطء الزوج الرجعية، وتفصيلُ القول في الظهار والإيلاء إذا وُجّها على الرجعية، سيأتي في كتاب الظهار والإيلاءَ إن شاء الله عز وجل.
...

باب ما يقع وما لا يقع

قال: "ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاًً، في كل سنة تطليقة ... إلى آخره" 1. 8714 - نقدم على مقصود هذا الباب تفصيلَ القول في عَوْد الحِنث.
فإذا علق الرجل طلاق امرأته بصفةٍ، ثم بانت عنه بسبب من الأسباب، فسخٍ أو طلاقٍ مُبين، ثم عادت إليه، فلا يخلو: إما أن تبين من غير استيفاء عدد، ثم تعود.
وإما أن يطلقها ثلاثاًً، وتعود إليه بعد التحليل؛ فإن لم تقع الحرمة الكبرى وبانت، ثم جدد عليها نكاحاً، فوُجدت الصفة التي علّق الطلاق عليها في النكاح الأول في النكاح الثاني؛ فالمنصوص عليه في القديم: القطعُ بوقوع الطلاق.
وفي الجديد قولان: أحدهما - يقع، وهو القول المعروف بعَوْد الحِنث.
والقول الثاني - لا يقع.
توجيه القولين: من قال: يقع، احتج بأن التعليق جرى في نكاح، والصفة تحققت في نكاح، والنكاحُ الثاني مبني على النكاح الأول في عدد الطلقات؛ فإنه لو طلق طلقة واحدة، فبانت المرأة، ثم جدّد النكاح عليها؛ [فهي] 2 تعود إليه بطلقتين؟ فإذا انبنى النكاح على النكاح في العدد، وجب أن ينبني عليه في اليمين بالطلاق.
ومن قال بالقول الثاني، احتج بأن التعليق جرى في النكاح الأول، وقد تصرّم ذلك النكاح، [فلينقضِ] 3 بما فيه؛ إذ لو نفذنا في النكاح الثاني يمينه السابقة في النكاح

الأول، لكنّا منفذين تصرفه في النكاح الثاني قبله 1، وهذا ينافي مذهب الشافعي.
هذا إذا كان النكاح الثاني قبل وقوع الحرمة الكبرى.
8715 - فإن علّق طلاق امرأته، ثم طلقها ثلاثاً تنجيزاً، ثم نكحت زوجاً آخر، وعادت إلى الأول على شرط الشرع، ثم وُجدت الصفة التي علق الطلاق بها في النكاح الأول؛ فالمنصوص عليه في الجديد: القطع بأن الطلاق لا يقع، والحِنث لا يعود.
وفي القديم قولان.
وإذا جمعنا الصور وضممنا أجوبة القديم إلى الجديد، انتظم في عود الحِنث ثلاثة أقوال: أحدها - أنه لا يعود أصلاً إذا تخللت البينونة، وتجدد النكاح.
والثاني - أنه يعود كيف فرض الأمر نظراً إلى حالة التعليق ووجود الصفة، وهما واقعان في النكاح.
والقول الثالث - إن الحِنث يعود إذا لم تتخلل الحرمة الكبرى، فإن تخللت، لم يعد.
والمصير إلى عود الحنث بعد وقوع الثلاث على نهاية البعد، حتى لا يكاد ينتظم [تعبير] 2 فيه عن توجيه؛ فإن الرجل إذا علق ثلاث طلقات بوجود صفة، فإنما علّق ما يملك تنجيزه من الطلقات، فإذا أنجز ما علّق، فقد انحلّ ملكه المعلق، وكان التنجيز بمثابة الاستيفاء، فلا يبقى للتعليق متعَلّقٌ، ويستحيل بقاء تعليق لا متعلقَ له.
8716 - وأبو حنيفة 3 فصّل في عَوْد الحنث بين أن يقع النكاح الثاني بعد تخلل الحُرمة الكبرى وبين أن يقع قبل تخللها، وهذا الفصل حسن في جانب نفي الطلاق

عند استيفاء الطلقات الثلاث، ولكنه أفسد على نفسه، حيث قال: إذا طلق الرجل امرأته، فبانت ونكحت زوجاً وأصابها، ثم عادت إلى الأول على شرط الشرع؛ فمذهبه: أنها تعود إلى الأول بثلاث طلقات.
ثم بنى على هذا المذهب مسألةً في التعليق، فقال: إذا علّق ثلاث طلقات بصفة في النكاح الأول، ثم نجّز طلقتين، فبانت وأونكحتصيبت، وعادت إلى الأول، فوُجدت الصفة؛ قال: تطلق ثلاثاًَ، ومعلوم أنه لما نجّز طلقتين في النكاح الأول، فقد نجّز مما علق طلقتين، فإدامة التعلق بما نجّز محال.
وهذه المسألة لا تتصور على أصلنا؛ فإن النكاح الثاني عندنا مبني على النكاح الأول في عدد الطلاق، كما سيأتي القول في هذا [في] 1 الطلاق، إن شاء الله عز وجل.
8717 - وذكر الأئمة في تعليق العتق وعَوْد اليمين ما ذكروه في الطلاق.
فإذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم زال ملكه عن الرقبة زوالاً لازماً، ثم عادت 2 إليه، فوُجدت الصفة في الملك الثاني؛ ففي وقوع العتق القولان المذكوران في عود الحنث في اليمين المعقودة بالطلاق إذا تخللت البينونة من غير استيفاء عدد، فإنه تخلل في الموضعين حالةٌ [لو] 3 فرض فيها وجود الصفة، لما وقع الطلاق ولا العتاق.
وذكر الأئمة لتنجيز الطلقات الثلاث بعد التعليق نظيراً من العتاق، فقالوا: إذا علق عتقَ عبد، ثم نجّز إعتاقه، ثم التحق بدار الحرب، وكان كافراً [فسبي] 4، وأُرقّ، ورأينا إرقاقه -على تفصيل في السِّير، سيأتي إن شاء الله عز وجل- فإذا عاد ملكاً لمن علّق عتقه، فوُجدت الصفة، ففي وقوع العتق -والحالة هذه- ما في وقوع الطلاق إذا عَلَّق [به، ثم] 5 نجَّز الطلقات الثلاث، ثم عادت إليه.

ووجه التشبيه لائح، فإنه إذا علقَ الطلاق، ثم طلق ثلاثاً، فقد نجز ما علق؛ وإذا علّق عتق عبده، ثم أعتقه تنجيزاً، فقد نجّز ما علّق؛ فإن العتق ليس مما يتعدد.
8718 - ومما يتعلق بأطراف المسألة: أنا إذا رأينا عَوْد الحنث، فلو علق الطلاق في النكاح الأول، ثم أبان زوجته، فوُجدت الصفة في زمان البينونة، فلا شك أن الطلاق لا يقع لمصادفة الصفة حالةً لو أنشأ الطلاق فيها تنجيزاً لَمَا وقع.
وإذا عادت، ثم وجدت تلك الصفة في النكاح الثاني؛ فالذي صار إليه أئمة المذهب: أن الطلاق لا يقع [وإن] 1 فرعنا على عَوْد الحنث، واعتلّوا بأن الصفة لما وجدت في زمن البينونة، انحلت اليمين انحلالاً لم تصادف إمكان إعمال، فانحلّت بلا عمل، فإذا انحلت، استحال أن يقع في النكاح الثاني شيء.
ووجه ذلك أن اليمين لا تنعقد إلا مرة واحدة 2. فإذا وجدت بعد المرة، فقد زال متعلَّق اليمين، وعسر الحكم بالصفة، فكان موجب ذلك أن تنحل اليمين بلا خلاف.
وحكى العراقيون عن أبي سعيد الإصطخري وجهاً أن اليمين لا تنحل، لأن يمين الزوج معقودة على طلاق يُمْلَك في زمان يُتصور من فيه التنجيز والتنفيذ، ويستحيل عقد اليمين بالطلاق على زمان البينونة، وإذا لم تنعقد على زمان البينونة، لم تنحل بما يقع في زمان البينونة.
وهذا متجه على مذهب الشافعي، ولكنه بعيد في النقل، غيرُ معتد به.
ومما يتعلق بهذا الأصل؛ أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق غداً، ثم أبأنها قبل الغد، فانقضى الغد في البينونة، ثم عادت، فلا شك أن ذلك الطلاق المؤقت لا يقع.
ولا يخرّج في هذه الصورة وأمثالها مذهب الأصطخري؛ فإن الوقت الذي علق الطلاق به، قد انقضى قبل النكاح الثاني، فلا يتصور وجوده في النكاح الثاني، حتى نتكلم في وقوع الطلاق وعدم وقوعه، وأما مذهب الأصطخري فيه إذا كان متعلق الطلاق صفةً يتصور وجودها في النكاح الثاني.

8719 - ومما يتعلق بأصل عَوْد الحنث؛ أن الرجل إذا قال لامرأته: إذا بِنْتِ ونكحتكِ ودخلتِ الدار في النكاح الثاني، فأنتِ طالق، ثم بانت ونكحها، فدخلت الدار؛ فالذي ذهب إليه أئمة المذهب أن الطلاق لا يقع أصلاً.
وإن فرّعنا على عَوْد الحِنث؛ فإنه صرح بتعليق الطلاق في نكاح قبل انعقاده، وهذا لا يراه الشافعي ولا يسوّغه.
ومن أصحابنا من قال: يخرّج هذا على قول عَوْد الحِنث؛ فإن النظر إلى وقوع المعلَّق في النكاح مع وقوع الصفة في النكاح، وهذا بعيدٌ مع التصريح بإضافة الوقوع إلى النكاح الثاني، حتى لا يفرضَ انحلال اليمين في النكاح الأول [هكذا أجروه] 1. والوجه أخْذه من عود الحنث بعد استيفاء الثلاث؛ فإن الحنث ينطبق على ما يتجدد بالنكاح الثاني من مِلْك.
8720 - ومما كان يفرعه شيخي في هذا الأصل: أن الرجل إذا علق طلقة واحدة بصفة -وهو يملك الثلاث- ثم قال: نجّزتُ تلك الطلقة التي علّقتها، فتنتجز الطلقة لا محالة.
وهل ينحل التعليق؟ هذا ينبني على أنه إذا نجز الثلاث، فهل ينحل التعليق حتى لا يعود في النكاح الثاني؟ فإن قلنا: لا ينحل التعليق، فلا 2 معنى [لحَلِّ] 3 التعليق بالجهة التي ذكرناها.
فإن قلنا: ينحلّ التعليق لو استوفى الطلقات، فإذا علق واحدةً، ثم نجز واحدة، وزعم أنها التي علقها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن التعليق ينحلّ، [ووجهه] 4 بين.
والثاني - أنه لا ينحلّ، ويبقى التعليق مرتبطاً بما بقي من الطلقات؛ فإنه ما كان متعلقاً بطلقة معينة.
ولا خلاف أنه لو علق طلقة، ثم نجّز طلقة مُطْلَقة، فالتعليق

لا ينحلّ؛ فقوله: نجزت ما علّقت تصرّفٌ منه في فكّ التعليق، وليس ذلك إلى المعلِّق.
هذا تمام البيان في تمهيد أصل عَوْد الحنث، ولهذا الأصل تكرُّرٌ في الكتب على ما يليق بمقاصدها، وفيما ذكرناه الآن مَقْنع.
8721 - وقد عاد بنا الكلام إلى مضمون الباب.
فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاًً: في كل سنة واحدةٌ، رجعنا إليه، فإن زعم: أنه أراد مُدَد السنين وتنكيرَها، ولم يرد السنة المعروفة العربية [المستفتحة] 1 بالمحرم، فالجواب -ومراده ما وصفناه- أنه يقع في الحال طلقة؛ لأنه يكون في سنةٍ لا محالة، وقد أوقع الطلقات الثلاث في [ثلاث] 2 سنين، فلتقع كلُّ طلقة في سنة، وموجب ذلك وقوعُ طلقة في الحال؛ لأنه في سنة، ولم يعلّق الطلقات الثلاث بانقضاء ثلاث سنين.
ثم إذا حكمنا بوقوع طلقة في الِحال؛ لأنه في سنة، فلو راجعها، وامتدّت عدة الرجعة بتباعد الحيضة، أو امتداد زمان الحمل، حتى مضت اثنا عشر شهراً؛ [فتقع عليها الطلقة الثانية فإن راجعها، وطالت العدة إلى اثني عشر شهراً] 3 أخرى، فيقع عليها الطلقة الثالثة، فتلحقها الثلاث في أربعة وعشرين شهراً ولحظةٍ، وهذه اللحظة الزائدة: وقتُ وقوع الطلقة الثالثة.
والوقتُ الذي وقع فيه الطلقة الأولى محسوب من السنة الأولى.
وهذا بيّن لا يخفى دَرْكُ مثله على الفطن.
وما ذكرناه فيه إذا تمادت عدة الرجعية، وارُتجعت المرأةُ على نظمٍ يقتضي وقوع الطلقات كما صورناه.
فإن لحقها الطلقةُ الأولى، ولم يرتجعها، وانقضت عدتها قبل مضي السنة الأولى، [وبانت] 4، فإن نكحها، فتمت اثنا عشر شهراً من يوم تلفظه بالطلاق

[وعَقْدِه] 1 اليمين، فهل تلحقها الطلقة الثانية؟ فعلى القول الممهد في عَوْد الحنث.
وقد قدمنا فيه الأقوالَ، والترتيبَ البالغَ [الكافي] 2، والكلامُ في الطلقة الثالثة على ذلك يخرّج.
ولو لحقتها الطلقةُ الأولى، وانقضت عدتها في السنة الأولى، ولم يجدد عليها النكاحَ حتى مضت السنة الثانية، فقد انحلت اليمين في الطلقة الثانية؛ [فإنه كانت نهايتها] 3 بانقضاء السنة الثانية.
وليس هنا محل تخريج الإصطخري 4، -بل هو كما لو قال لامرأته: أنت طالق غداً، ثم أبأنها قبل الغد، وتصرّم الغد على البينونة، ثم جدد النكاح- فلا 5 يقع الطلاق، [ثم هل يقع الطلاق] 6 الثالث لو امتدت العدة 7، [وهل] 8 تنحل اليمين بمضي تلك اللحظة؟ قلنا: لا تنحلّ؛ فإن أمد الطلاق الثالث منتهٍ.
غير أنا ابتدرنا 9 الحكم بوقوعه لنحقق دخول الوقت، وكل طلاقٍ أضيف إلى زمانٍ ممتد إضافة الشيء إلى ظرفه الزماني، فإنه يقع في أول جزء منه.
فإذا كانت المرأة بائنةً في الجزء الأول من السنة الثالثة، لم يقع الطلاق.

فإذا نكحها [في أثناء السنة الثالثة، فهذا النكاح جرى في أمد الطلاق الثالث] 1 ثم إن قلنا: بعَوْد الحنث، فكما 2 نكحها، طلقت؛ فإن هذا زمانٌ من السنة الثالثة، وهو بمثابة ما لو قال لامرأته: أنت طالق غداً، ثم أبأنها، فمضى صدرٌ من الغد، ثم جدد النكاح عليها في بقيةٍ من الغد، ورأينا عود الحنث، فالطلاق يقع كما 3 ينكحها.
هذا كله فيه إذا قال: أردت بقولي: في كل سنة طلقة، تنكيرَ السنين، ولم أُرد تعريفها بالسنين العربية.
8722 - فإن قال: أردتُ السنين العربية، طُلّقت في الحال طلقة، لأنها تقع في سنةٍ عربية.
وكلما أهلّ المحرم، طُلقت طلقةً أخرى.
وقد تقع الطلقة [الأولى] 4 في آخر لحظة من السنة، وتقع الثانية في اللحظة الأولى من السنة؛ فتلحقها طلقتان في لحظتين.
والفرق بين [هذه] 5 المسألة وبين الأولى مستبين؛ فإن المسألة الأولى مقتضاها تقدير السنين من وقت نطقه، فانتظم ذلك الترتيب على ما مضى، وهذه المسألة مبنية على ما يقع من السنين العربية، لا على ما يقدره الحالف.
والغرض التام في ذلك يتّضح بذكر مسألة واستغراب، وجوابٍ عنه.
فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثاًً في كل يومٍ طلقة، [فإن] 6 قال ذلك وهو في يوم، فتقع واحدة في الحال، وتقع الثانية كما 7 طلع الفجر في اليوم الثاني، ولا يتوقف الوقوع على أن ينتهي في اليوم [الثاني] 8 إلى الوقت الذي انعقد فيه اليمين في اليوم الأول.
وإن قال: أردت تنكير اليوم، فالجواب كذلك.
فإن قيل: هلا

حسبتم بعد وقوع الطلاق [زمانَ] 1 يومٍ: مثلاً يقع الطلاق في وقت الزوال، فيتربص إلى انتهاء اليوم الثاني إلى وقت الزوال.
وهذا في التحقيق مضي يوم مضى شطره أمس ولم [يمض] 2 مقدار يوم في اليوم الثاني؟ قلنا: سبب ذلك أنه إذا علّق الطلاق باليوم وجعله ظرفاً؛ فإذا قال: في كل يوم، فكما 3 طلع الفجر شرعت في جزء من أجزاء اليوم، وليس كذلك السنة المنكرة؛ فإنها تطلق على اثني عشر شهراً.
فإذا نظر الناظر إلى مسألة الأيام، ومسألة السنين المنكرة، ابتدر اعتقاد الفصل بينهما، ثم تعسر العبارة عن مكنون الضمير.
ويُستنكر أمثالُ ذلك في مسائل الطلاق؛ فيقع الاعتناء بتَرْصيف العبارة، وتطبيقها على المعنى.
ونحن نقول: السنة تنكر، وتعرّف، فيقال: أقبلت السنة إذا قرب هلال المحرم، واليوم يعرّف وينكّر.
وليس يبعد اعتقاد التبعيض فيه أيضاًًً؛ فإِن الرجل إِذا قال لامرأته وقت الزوال: إذا مضى يومٌ، فأنت طالق، فلا تطلّقُ حتى تغرب الشمس، ويدخلَ اليومُ الثاني، وينتهي إلى وقت الزوال.
ولكن الألفاظ المطلقة في الأيام ظاهرةٌ في الأيام المعرفة.
والسنين المطلقة ليست ظاهرةً في السنين العربية؛ فإنّ تعرّف الأيام أظهرُ من تعرف السنين؛ كيف؟ وطبقات الخلق على اختلافٍ في تعريف السنين، ولسنا على توقيفٍ حاقّ في تعريف السنين العربية، فكان قولُ القائل: أنت طالق ثلاثاًً في كل سنة طلقةٌ ظاهراً في احتساب السنة المنكرة من وقت القول، وقول القائل: "في كل يوم" ظاهرٌ في اليوم المعروف؛ حتى يُعدَّ احتسابُ يوم من يومين في حكم الشاذ، الذي [يلتبس] 4 الفكر عليه، إذا لم يُرِد 5.

8723 - [و] 1 هذا يتبين بمسألتين: إحداهما - أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً في كل سنة طلقة، فراجعناه في قصد التعريف والتنكير، فزعم أنه لم يكن له قصد، فهذا عندنا ملتحق بمسائلَ ستأتي في الطلاق -إن شاء الله تعالى- مستندةً إلى قاعدةٍ لا سبيل إلى الخوض فيها الآن، ولكنا ننجز الجواب والفتوى على حسبها، فنقول: إذا زعم أنه أطلق اللفظ، ولم ينو تنكيراً ولا تعريفاً، ففي المسألة وجهان أخذاً من كلام الأئمة في قواعد الطلاق: أحدهما - لفظه يحمل على التنكير؛ فإن إطلاق الرجل قولَه سنة من غير تعريف محمول على سنة يضعها [ويعتبرها] 2 من تلقاء نفسه.
هذا هو الغالب في حكم الإطلاق.
والوجه الثاني - يحمل على السنة العربية؛ فإنه لا تعريف في كلامه.
وقد يترجح أحد القولين على الثاني بمصادفته التعريف الشرعي.
وإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً في كل يوم طلقة، وزعم أنه لم ينو تعريفاً ولا تنكيراً، فهذا محمول على اليوم المعرّف بلا خلاف؛ [فإنه] 3 المفهوم السابق إلى الأفهام، ومبتدأُ الأيام منفصلةٌ في الصورة بتخلل الليالي.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً في كل يوم طلقة، وزعم أنه أراد تكميل اليوم الذي كان فيه بساعات اليوم الآتي، فهو إن صدق في حكم الله تعالى محمول على حكم نيّته [تديّناً] 4. وإن قال: فاقبلوه مني ظاهراً، فهل [يحمل] 5 على هذا ظاهراً ويقبل قوله؛ فعلى وجهين سيأتي أصلهما، إن شاء الله عز وجل: أحدهما - أنه يقبل، لظهور الاحتمال مع النية، ولا مطمع في تمهيد هذه القواعدِ بعدُ، ومقدار غرضنا الآن إظهار الفرق بين السنين والأيام، وقد لاح على أبين الوجوه، والحمد لله رب العالمين.

8724 - وإذا قال: أجرتك هذه الدار ثلاثَ سنين، فابتداء المدّة من وقت العقد، وإذا قال: أجرتكها ثلاثة أيام، وأنشأ العقد وقت الزوال، استكملنا الأيام بالتلفيق كالسنين، ولا فرق بين السنين والأيام في ذلك، والسبب فيه ارتباط الإجارة باستغراق المدة في الموضعين، والطلاق إنما يقع في أوقاتٍ من السنين والأيام.
وهذا تمام الغرض.


باب الطلاق قبل النكاح

قال الشافعي رحمه الله: "ولو قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق ... إلى آخره" 1. 8725 - إذا قال الرجل لأجنبية: إن نكحتك، أو إذا نكحتك، فأنت طالق.
فهذا التعليق قبل النكاح لغوٌ، وإذا نكحها، لم تطلق.
وإذا قال: كل امرأة أنكحها، فهي طالق، فقوله لغو.
وقاعدةُ المذهب أن التعليق تصرفٌ من مالك الطلاق في الطلاق [بما] 2 يقبله الطلاق من التعليق، فإذا لم يملك الطلاقَ، [كان] 3 تصرفه فيه لغواً.
وقال أبو حنيفة 4: التعليق إذا أضيف إلى النكاح على [الإطلاق] 5 أو على التعيين في مخاطبة واحدة، صح، وإذا فرض النكاح عَمِل.
وقال صاحب التقريب: تردد جواب الشافعي في القديم، ونقل من كلامه [ما يدلّ] 6 على أن قوله في القديم مثلُ مذهب أبي حنيفة، وتارة ينقل قولاً [بعيداً] 7 وتارة ينقل تردداً، وقد يقول: الطلاق لا يعلّق قبل النكاح في المشهور من قوله، والصحيح من مذهبه.
وهذا لم أره إلا في طريقته، فنقلته على وجهه، وتعرضت لصيغ كلامه،

ولا عَوْدَ إليه، والمسألةُ [خلافية] 1 مشهورة.
8726 - وقد أجرى الأئمة فيها مسائلَ مذهبيةٍ، ونحن نذكرها ونستعين بالله تعالى.
فمنها أن العبدَ يملك على زوجته طلقتين، فلو علق الطلقة الثالثة مع الطلقتين، فقال لامرأته: إن دخلت الدار، فأنت طالق ثلاثاًً، ثم عَتَق، ودخلت المرأة الدار بعد العتق، ففي وقوع الطلقة الثالثة وجهان: أقيسهما - أنه لا يقع، تخريجاً على [القاعدة] 2 التي ذكرناها معتمداً في المذهب، وذلك أنه علق الثالثة في وقت كان لا يملكها، فلزم إلغاء تعليقه.
والوجه الثاني - أنه يقع؛ فإنه لما علّق، كان مالكاً للنكاح، فصدر تعليقه عن ملك مستقىً عن ملك الأصل، وشبه بعض الفقهاء هذا بالإجارة، فإنها تصدر عن مالك الرقبة، والمنافُع [مستجدةٌ شيئاً فشيئاً] 3. وهذا تكلف، فإن الإجارة أُثبت أصلها للحاجة ثم [المنافعُ] 4 تترتب خِلقةً ووجوداً، فجعلت كالموجود، وأما العتق 5، فإنه ليس مما يُقضى بوقوعه، بل هو متوقع، ولو قيل: الغالب دوام الرق، لكان سديداً.
8727 - ومنها أن الرجل إذا قال لأمته: كل ولدٍ تلديه، فهو حر، وكانت حائلاً فعلقت بولدٍ بعد التعليق، فإذا ولدته، فهل ينفذ العتق فيه؛ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا ينفذ؛ لأن الولد لم يكن موجوداً حالة التعليق.
والثاني - أنه ينفذ العتقُ لصَدَره عن مالك الأصل، والعتق أولى بالنفوذ في هذه المسألة من الطلاق الثالث في مسألة العتق؛ لأن من ملك الأصلَ، فذلك يملّكه الولدَ، وملك العبد النكاحَ لا يملكه الطلاقَ الثالث.
ثم إذا نفذنا العتق والطلاقَ في المسألتين، فلا حاجة إلى إضافة الطلاق إلى حالة

الملك، بل يكفي أن يقول العبد: إذا دخلت الدار، فأنت طالق ثلاثاً، ثم يعرضُ العتق ويكفي أن يقول لأمته: إذا ولدت ولداً، فهو حر، ولا حاجة أن يقول: إذا ولدت ولداً في ملكي.
8728 - ومنها كلامٌ في النذر، فإذا قال الرجل: إن شفى الله [مريضي] 1 فلله عليّ إعتاقُ عبدٍ، فإذا شفي المريض، [لزم] 2 الوفاء بالنذر وإن لم يكن في ملكه عبدٌ حالة النذر، والسبب فيه أن التعويل في هذا النذر على الالتزام المطلق في الذمة، والديون كذلك تلزم الذمم؛ فإنها لا تتعلق بالأعيان، وإذا كنا نحتمل هذا في أثمان البياعات مع بعدها عن قبول الأغرار، فلا بعد فيها في النذور القابلة للمجاهيل، وضروب الأغرار.
ولو قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق عبداً إذا ملكته، فهذا صحيح؛ فإن النذر على هذا التقدير يُلتزم، وعلى هذا الوجه يُفرض الوفاء به.
ولو قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق عبدَ زيدٍ هذا إن ملكتُه، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: النذر يبطل؛ فإن معتمده التصرفُ في ملك الغير قبل ملكه، فيبطل، كما بطل تعليق العتق والطلاق قبل الملك.
والوجه الثاني - أنه لا يبطل؛ لأن معتمد النذر الذمة، والذمة مملوكة للملتزم، والطلاق يتمحض إيقاعاً في العين؛ فإذا لم [يملك] 3 العين، لغا تصرّفُه فيه.
8729 - وإذا قال: [أوصيت] 4 لفلان بألف درهم، وكان لا يملك إذ ذاك حبة، ثم ملك ما يفي بالوصية، فالمذهب تصحيح الوصية، كما لو نذر نذراً مطلقاً وهو لا يملك شيئاً.
وأبعد بعض أصحابنا، فأبطل الوصية بأنها ليست التزاماً في الذمة، والنذر التزامٌ، فكان المنذور ديْناً.

والذي عليه التعويلُ التسويةُ بين البابين؛ فإن الوصية تقبل من الإطلاق ما يقبله النذر، فمطلَقُها وإن لم يكن دينا كمطلَق النذر [إن] 1 كان ديناً.
وإذا استويا في قبول الإطلاق والمطلق لا يرتبط بالعين، فلا فرق في الغرض المقصود.
وإذا قال: لو ملكت عبد فلان، فقد أوصيت لك به، ففي الوصية وجهان: أحدهما - أنها لا تصح، لوقوعها في عينٍ غير مملوكة، فكانت كتعليق العَتاق والطلاق قبل الملك.
والثاني - تصح، لأن الوصية مبناها على الغرر والخطر، ونفوذها في وقت زوال ملك [الموصي] 2، وكان شيخي يقول: إذا صححنا الوصية مضافة إلى العين، وصححنا النذر مضافاً إلى العين، فشرطهما أن يقيّدا بتقدير الملك، فيقول الناذر: إن ملكت هذا العبدَ، ويقول الموصي إن ملكتُ هذا العبدَ، فلو وجه الناذر على عبد الغير مطلقاًً فقال: لله عليّ أن أعتق هذا العبد، ووجه الوصية كذلك على ملك [الغير] 3 فالنذر والوصية باطلان.
والظاهر عندنا ما ذكره.
وإذا سلم الخائضُ في المسألة الوصيةَ والنذرَ المتعلقين بالعين، ورتب عليه اشتراطَ الإضافة إلى الملك عسُر عليه الكلام في المسألة.
8730 - وإذا قال: إن تزوجتُ فلانة، فقد وكلتك في طلاقها، فالوجه القطع ببطلان الوكالة؛ فإنه تصرفٌ في الطلاق قبل الملك، وقد اختُلف في أن الوكالة هل تقبل التعليق، والطلاقُ قابلٌ للتعليق، فإذا لم يجز تعليق ما يقبل التعليق قبل النكاح، فكيف تصح الوكالة؟ ولو قال: وكلتك في بيع عبد فلان أو عتقه إذا ملكتُه، وفي طلاق فلانة إذا نكحتُها، ثم ملك، ونكح، ففيما نُقل عن القاضي وجهان في هذا.

[والوجه] 1 عندي القطع بالفساد؛ فإن الوكالة لا يصح تنجيزها، والتصرف غير ممكن، فلا فرق في المعنى بين هذه الصورة [والصورة] 2 الأولى.
...

باب مخاطبة المرأة بما يلزمها من الخلع وما لا يلزمها

قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قالت له امرأته: إن طلقتني ثلاثاًً، فلك عليّ مائةُ درهم، فهو كقول القائل: بعني ثوبك هذا بمائة درهم ... إلى آخره" 1. 8731 - هذا الباب غمرة الخلع، وفيه خاصيته ومعظمُ مسائلِه، وسبيلنا أن نصدّره بذكر قاعدة الخلع وطباعها ومبناها في الاشتراك والتمحض؛ حتى نتخذَها أصلاً متبوعاً، ومتعلَّقاً مرجوعاً، وسنبين ما يجري من المسائل على السَّنَن، وما يميل بعض الميل من الشواذ.
قال الأئمة: الخلع إن حكمنا بكونه فسخاً، فهو محمول على حقيقة المعاوضة من الجانبين؛ فإنه فسخٌ بمالٍ، وليس كالفسوخ التي تَرِدُ على العقود الأُخر إذا 2 حكمنا [بارتداد] 3 الأعواض من غير ذكرٍ لها، والخلع إذا جعلناه فسخاً لا يَرِد على العوض المسمى في العقد، وإنما يرد على بدلٍ جديد، كما سبق تقريره، وإذا كان فسخاً في نفسه، [حلّ] 4 محل حقيقة المعاوضة حتى لا يقبَل التعليقَ.
وهذا الباب العظيمُ القدر ليس موضوعاً لقول الفسخ، فإن المسائل تتشعب من الطلاق على المال.
8732 - ونقول قبل الخوض في تمهيد القاعدة: في لفظ (السواد) 5 إشكال، فإن الشافعي قال: "إذا قالت: إن طلقتني ثلاثاًً، فلك مائة درهم، فهو كقول الرجل

بعْني ثوبك هذا بمائة درهم".
وهذا التشبيه فيه اشتباه؛ فإن قول الرجل: "بعني" ليس على صيغة التعليق، وإنما هو التماس إيجاب، وقول المرأة: "إن طلقتني" تعليق منها، فكيف يتشابهان؟ ولو قال الرجل: "إن بعت مني" فهذا اللفظ فاسدٌ، لا ينعقد به البيع.
فنقول: غرض الشافعي تشبيهُ أحد البابين بالثاني في وقوعهما التماساً بعوض، ثم يقع الالتماس في كل باب على ما يليق به، فالبيع لا يقبل التعليق، فلم يَلِقْ به [إلا] 1 الاستدعاءُ الجازم، والخلع يتطرق إليه التعليقُ، فيقبل الاستدعاءَ بصيغة التعليق؛ فإذاً قصدُه المقابلة بينهما في المعنى لا في الصيغة.
8733 - ونحن نبتدىء بعد ذلك قاعدةً تبين حقيقة الخلع ووضعَه من جانب الزوج وجانب المرأة، والكلامُ في الطلاق على المال، أو التفريع على أن الخلع طلاق.
[فالخلع] 2 إذاً طلاق مقابَل بعوض، وهو في جانب الرجل ينتمي إلى التعليق والمعاوضة، والخلع في جانبها معاوضة نازعةٌ إلى الجعالة، ثم من حيث اشتمل الخلع في [جانب] 3 الرجل على الطلاق [واستيداء] 4 البدل والمال، تطرق إليه حكم التعليق في الطلاق، ومعنى تطرقه إليه أنه قد يجري في مسائل الخلع موجب تعليق الطلاق، ومن آثاره على الإجمال، ألا يفرض الرجوع [عنه] 5؛ فإن من علق الطلاق، ثم رام الرجوع عن تعليقه، لم يجد إلى ذلك سبيلاً.
وقد يتفرع في جانب الزوج حكم المعاوضة، حتى يثبت له الرجوع عن قوله، كما إذا قال الرجل لمن يخاطبه: بعتك عبدي هذا بألفِ درهم، ثم رجع عن قوله قبل أن يجيبه المخاطَب، فالرجوع يثبت، ولا ينعقد العقد بما يفرض من القبول بعد تقرير الرجوع عن الإيجاب.
ْفهذا معنى قولنا: الخلع في جانبه يعتزي إلى التعليق وإلى المعاوضة، وليس من

حق المنتهي إلى هذا الفصل أن يعتقد تبيّن المقصود منه جزءاً جزءاً على طباع سائر الفصول، بل ينبغي أن يعلم أن تمام البيان فيه موقوف على نجازه، وسبيلُ التدريج إليه إطلاق [الأصول] 1 على الإجمال، ثم بيانها موقوف على انقضاء الفصل.
8734 - وذكر الأئمة أن الخلع في جانبها معاوضة، وزاد المحققون أنها معاوضة نازعةٌ إلى الجعالة، ثم قد يجري لها لفظ التعليق في استدعاء الطلاق، بأن تقول: إن طلقتني، فلك ألف، فإن ظن المبتدىء الفطن أن هذا يناقض ما قدمناه من اختصاص التعليق بجانب الرجل، قلنا له: لسنا ننكر جريان صيغة التعليق في جانبها؛ فإن صيغة التعليق تجري في الجعالات؛ إذ يقول القائل: إن رددت عبدي الآبق، فلك كذا كذا، وهذا سائغ.
والغرض من الفصل بين الجانبين أن جانب الزوج يشتمل على تعليق الطلاق، وقد يجري على صيغة لا يُفرض الرجوع عنها، وليس في جانبها تعليقٌ [لا يفرض] 2 الرجوع [عنه] 3؛ فإنها إذا قالت: إن طلقتني، فلك ألفٌ، ثم قالت: رجعت عما قلت، [فإذا] 4 طلقها، لم يلزمها شيء، ويقع الكلام في أن الطلاق هل يقع أم لا؟ [و] 5 نفصله في المسائل، إن شاء الله تعالى.
ولو قال الرجل: إن أعطيتِني ألفاًً، فأنت طالق، ثم قال على الاتصال قبل أن تعطيه: رجعتُ عما قلت، لم يكن لرجوعه حكمٌ، فالنفي والإثبات في التعليق راجع إلى ما ذكرناه من قبلُ: إنّ في جانب الزوج الطلاقَ، يعلّقُه على وجه لا يملك الرجوع عنه، وليس في جانبها الطلاقُ، وإنما في جانبها سؤال الطلاق، فالتطليق بالمال يكون في معنى التعليق، وسؤال الطلاق في معنى الجعالة.
فلا يمتنع جريان صيغة التعليق من الجانبين؛ فإن صيغة التعليق تجري في الجعالة

والطلاق، وأما الرجوع، فقد يمتنع من جانب الزوج؛ لأنه [تعليق للطلاق] 1 إن عَلّقَ، وتعليق الطلاق لا يقبل الرجوع.
[والتعليق] 2 في جانبها يقبل الرجوع؛ فإنها تسأل الطلاقَ بمالٍ، وسؤال الطلاق يقبل الرجوع.
8735 - ثم جَمَع الحذاق مسائل متفنّنةً، يثبت في بعضها حكمُ المعاوضة في جانب الزوج، ويثبت في بعضها حكمُ التعليق المحض، ويجتمع في بعضها حكم التعليق والمعاوضة، [و] 3 إذا أطلقنا التعليق في أثناء الكلام بعد هذا، عنينا تعليقَ الطلاق الذي لا يقبل الرجوع، فنأتي بالمسائل، ثم نذكر بعدها وجهَ التحقيق، ثم نذكر تحقيق الكلام في جانبها، ونخوض بعد الانتجاز في مسائل الباب فنبدأ بجانبه فنقول: المعاوضة تُغلَّب في الحكم؛ فإن الرجل إذا قال لامرأته: طلقتك على ألف.
أو قال: أنت طالق على ألف، فلو أراد الرجوع وصيغة لفظه على ما ذكرناه، صح رجوعه، فلو قبلت بعد ذلك، فلا حكم لقبولها، والنكاح قائم، وما تقدم من لفظ الطلاق ينتقض [برجوعه] 4 وهذا من أحكام المعاوضة، فالخلع إذاً في جانبه فيما ذكرناه ينزل منزلة البيع؛ فإن من قال: بعت عبدي بألفٍ، ثم رجع قَبْل القبول، انقطع الإيجاب بالرجوع.
ومما يثبت في أحكام المعاوضة أنه يختص القبول بالمجلس كما في البيع.
ومنها أنه إذا قال: طلقتك ثلاثاً على ألف، فقالت: قبلت طلقة بثلث ألف، فلا يصح ذلك، ولا يقع شيء، كما لو قال: بعتك هذا العبد بألف فقال المخاطب: قبلت البيع في ثُلثه بثلث ألف، فلا يصح البيع؛ لاختلاف الإيجاب والقبول.
فهذه مرامز توضّح أنه قد يثبت حكم المعاوضة في جانبه.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل