كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المبلغ وهو ثلاثة أثمان، ويدخل عليه نوعان من النقص: أحدهما - من رقّه، والآخر - من الحرية في بعض البنت.
وعلى رواية محمد: للبنت ربع المال، ولابن الابن نصف المال، والباقي للعصبة.
وعلى طريقة سفيان: يقسم المال بينهما على تقدير كمال الحرية نصفين، ثم يأخذ كلُّ واحدٍ مقدارَ حريته، وهو نصف النصف، فيخرج من ذلك أن النصف بينهما مقسوم نصفين، فلكل واحدٍ ربعُ جميع المال.
فصل
في ميراث البنين وبنات الابن
6368 - والمثال:
ابنٌ وبنت ابن نصف كل واحدٍ منهما حر
فعلى رواية أبي يوسف: للابن نصف المال، ثم يقال لبنت الابن: أنت تستحقين مع رقّ الابن نصف المال، ولا تستحقين مع حريته شيئاً، فهو يحجبك عن النصف، فنصفه يحجبك عن نصف النصف، فحصل لك الربع.
ولكن نصفك رقيق، فلك بهذا السبب نصفُ الربع، وهو الثمن.
وعلى رواية محمد: للابن نصف المال، وحق بنت الابن في نصفٍ من الباقي لتبعض الرق والحرية، وهو الربع.
ثم الذي وجدناه في الكتاب 1 أن الابن بنصف حريته يحجبها عن نصف
الربع، فترجع إلى الثمن.
وهذا يخالفُ قياسَ محمد.
والذي لا يجوز غيره أن يقال: لا يحجب الابن 1 بنتَ الابن؛ فإنه فاز بنصفه، ولا يثبت له إلا هذا، وإن لم يكن بنتُ ابن، فقياسه في المسائل المقدمة أن تستحق بنت الابن الربع من غير نقصان، وقد حكينا عنه: أنه إذا كان في المسألة ابنٌ وابنُ ابن نصف كل منهما حر: للابن النصف، ولابن الابن النصف.
وهذا يقتضي لا محالة أن يكون للابن النصف، ولبنت الابن نصفُ النصف.
وأما سفيان، فإنه يقول: للابن النصف كما ذكرناه، وتسقط بنت الابن؛ فإنّ نصفها حر، فيسقط بالحرية في نصف الابن، فإن الكل إذا أَسقطَ الكلَّ أسقطَ النصفُ النصفَ.
فصل
في ميراث الإخوة والأخوات
6369 - أصل الباب أن الأخوات متى كنّ لأبٍ وأمٍّ، أو لأبٍ، فميراثهن كميراث البنات، وإذا تمحّض الإخوة ذكوراً من أب وأم، أو من أبٍ، فهم كالبنين.
وإذا كانوا ذكوراً وإناثاً من أبٍ وأم، أو من أبٍ، فهم كالبنين مع البنات.
والأخت من الأب والأم، مع الأخت من الأب، كالبنت وبنت الابن.
والأخ من الأب والأم مع الأخ من الأب، كابن الصلب مع ابن الابن.
والأخت من الأب والأم مع الأخ من الأب، كبنت الصلب مع ابن الابن.
= (3/ 11). وفي نتائج الأفكار تكملة فتح القدير قال في (8/ 37): " وإطلاق محمد رحمه الله في الكتاب يدل عليه ... ".
والأخ من الأب والأم مع الأخت من الأب، كابن الصلب مع بنت الابن.
ولا يختلف القياس في ذلك كله.
6370 - ومقصود الفصل بعد هذا التنبيه الكلامُ في الإخوة من الأم، والأخوات من الأم، إذا تبعض الرقُّ والحريةُ فيهم.
فعلى رواية أبي يوسف ومحمد، ومن تابعهما: نجمع أجزاء الحرية، فإن بلغت حرّيةً كاملة، فلهم السدس بينهم على قدر أجزائهم.
وإن نقص عن حرّيةٍ، كان لهم بقدر ذلك من السدس.
وإن زاد على حريةٍ كاملة، فللحرية الكاملة سدس المال، ولما زاد عليها بقدره من السدس.
وعلى رواية سفيان يقسم المال بينهم، وبين العصبة على كمال الحرية، فما أصاب كلّ واحدٍ منهم أخذ بقدر حريته منه.
ومثاله:
أخ، وأخت من أم، نصف كل واحدٍ منهما حر
فمن جمع أجزاء الحرية، دفع إليهما سدسَ المال بينهما نصفين.
وعلى رواية سفيان: نقول: لو كانا حرّين، لكان لكل واحدٍ منهما السدس، فلكل واحد منهما نصف السدس.
وقد اتفقت الأجوبة في هذه المسألة.
فإن كانُوا ثلاثة نصف كل واحد منهم حر، فمن جمع أجزاء الحرية دفع إليهم سدساً، ونصفَ سدس.
وسفيان يقول: الثلث بينهم أثلاثاً، لكل واحد منهم التُّسع، فلكل واحدٍ نصف التسع بسبب تبعُّض الحرية فيهم.
فإن كانوا أربعة نصف كل واحد حر
فمن جمع أجزاء العتق، دفع إليهم الثلث، لكل واحدٍ منهم نصفُ السدس، والباقي للعصبة.
وعلى قول سفيان: لكل واحدٍ نصف نصف السدس، وهو ربع السدس، والباقي للعصبة؛ فإنه [يَفُضُّ]، 1 الثلثَ عليهم، فيخصُّ كلَّ واحد نصفُ سدس، ثم نسترد نصف حصته.
صورة أخرى: أخ من أم كُلّه حر، وآخر ثلثاه حر
فمن جمع أجزاء العتق، دفع إليهما سدساً وثلثي سدس، وقسمه بينهما على خمسة: للكامل ثلاثة، وللناقص سهمان.
وعلى طريقه سفيان: يأخذ كل واحد منهما ثلثي السدس؛ لأنهما اشتركا في هذا القدر من الحرية، ويخرج الناقص، ثم ياخذ الآخرُ ثلثَ السدس أيضاً.
والباقي للعصبة.
فصل
في ميراث الأم مع الولد
6371 - والولد قد يكون عصبة، وقد يكون ذا سهمٍ، ونحن نضرب مثالين في الجنسين: أحدهما -
أم، وبنت، نصفُ كل واحد منهما حر.
فعلى رواية أبي يوسف للبنت ربع المال، ثم يقال للأم: أنت ترثين مع رقِّ البنت الثلث، ومع حريتها السدس، فحريتها الكاملة تحجبك عن السدس، فنصف حريتها يحجبك عن نصف السدس، ويحصل لك الربع 2 2/ 12، ولكن نصفك حر، فلك بهذا السبب نصف الربع، وهو الثمن.
وهذا مذهب محمد أيضاً، (1 لأنه يقول: لها السدس مع حرية البنت، والثلث مع رق البنت، فتأخذ نصف الثلث، ونصف السدس، وهو ربعٌ، فلها نصف الربع 1).
وعلى طريقة سفيان: لو كملت حريتهما، لكان للبنت النصف، وللأم السدس، فلكل واحدةٍ منهما نصف ما كان يصيبها.
ومثال الجنس الثاني:
ابنٌ، وأم، نصف كل واحدٍ منهما حر
فعلى رواية أبي يوسف يقال للأم: أنت ترثين مع رق الابن الثلث، ومع حريته السدس، فهو يحجبك عن السدس فنصفه يحجبك عن نصف السدس، فيحصل لك الربع 2، فلك نصف ذلك، وهو الثمن.
ثم يقال للابن: أنت ترث مع رقِّ الأم جميعَ المال، ومع حريتها خمسة أسداس المال، فهي تحجبك عن السدس فنصفها يحجبك عن نصف السدس، فيحصل لك خمسة أسداس المال، ونصف سدس، فإذا كان نصفك حراً، فلك نصف ذلك، وهو ثلثٌ وثمنٌ.
وعلى رواية محمد: للأم نصف نصف الثلث، ونصف نصف السدس، وذلك ثمن المال.
وللابن نصف المال كاملاً، والباقي للعصبة.
وعلى رواية سفيان: يقسم المال بينهما على ستة، فيكون للأم السدس، والباقي للابن، فيأخذ كل واحد منهما نصفَ ما أصابه، والباقي للعصبة.1
فصل
في ميراث الأب مع الابن
على رواية أبي يوسف.
يورّث كل واحدٍ منهما على المخاطبة والدّعوى.
ومذهب محمد في الأب يأتي في التفصيل.
[ويختلفان في العبارة] 1.
المثال:
أب، وابن، نصف كل واحدٍ منهما حر.
فعلى رواية أبي يوسف: يقال للأب: أنت ترث مع رق الابن جميعَ المال، ومع حريته السدس، فحريته تحجبك عن خمسة أسداس المال، فنصفها يحجبك عن نصفه، فيحصل لك ثلث، وربع 2. فإذا كان نصفك حراً، وجب لك نصف ذلك وهو سدس وثمن.
ثم يقال للابن: أنت ترث مع رق الأب جميع المال، ومع حريته خمسةَ أسداس المال، فهو يحجبك عن السدس، فنصفه يحجبك عن نصف السدس، فيحصل لك خمسة أسداس، ونصف سدس، فإذا كان نصفك حراً، وجب لك نصف ذلك، وهو ثلث وثمن.
وأمّا محمد؛ فإنه يقول: الأب عصبة إذا انفرد، والابن عصبة؛ فتضاف حرية الأب إلى حرية الابن، فيحصل ابن كامل، فيكون المال بينهما نصفين.
ولو كان ثلثا الابن حراً، فضممنا الحرية، فيحصل ابن وسدس، فيستحقان جميع المال.
للابن ثلثاه، والباقي للأب.
ثم قال: لو كان ثلثا الأب حراً، ونصف الابن حرّاً، فيكون لهما المال: للابن النصف، وللأب النصف.
ولا نجعل لزيادة الحرية في الأب أثراً.
ولعله راعى فيه قوة عصوبة الابن.
وعلى الجملة ليس لقوله في هذا الباب ثَبَتٌ.
إلا أن يقال: ليس من مذهبه الحجب إذا كان الوارثان عصبتين، وإن كان أحدهما يحجب الثاني عند كمال الحرية، كما ذكرناه في الابن، وابن الابن.
ثم إذا كانت حرية الأب أكثر، لم نبالِ بها، لاستحالة أن يتقدم الأبُ في العصوبة على الابن.
فصرف إلى الابن النصف -وإن كان ثلثا الأب حراً- ثم صَرَف الباقي إلى الأب.
فهذا منهاجه.
وعلى قول سفيان: المال بينهما على كمال الحرية للأب السدس، والباقي للابن، فلكل واحد منهما نصف ما أصابه.
فصل
في ميراث الأبوين مع الولد
6372 - من أحاط بما مهدناه من الأصول في ميراث أحد الوالدين مع الولد، هان عليه مُدرك القياس في اجتماعهما.
فنقول:
أب نصفه حر، وأم ثلثها حر، وبنت ربعها حر
فعلى رواية أبي يوسف: للبنت ربع النصف، وهو الثمن.
ثم يقال للأم: أنت ترثين مع حرية البنت السدس، ومع رقِّها الثلث، فهي تحجبكِ عن السدس، فربعها يحجبك عن ربع السدس، فالحاصل لكِ سدسٌ، وثمن.
فإذا كان ثلثكِ حراً، وجب لكِ ثلثُ ذلك.
ثم يقال للأب: أنت ترث مع حرّيّة الأم والبنت ثلث المال، ومع رقِّهما جميع المال، فهما يحجبانك عن ثلثي المال أما البنت، فتحجبك عن نصف
المال، والأم تحجبك عن السدس، فإذا كان ربع البنت حراً، حجبتك عن ربع نصف المال، وإذا كان ثلث الأم حراً، حجبتك عن ثلث السدس، (1 فيحصل لك ما بقي من المال بعد أن ينقص منه ربع النصف، وثلث السدس 1).
فإذا عرفت ذلك، وكان نصفك حراً، وجب لك نصف ذلك.
وتصح القسمة من اثنين وسبعين سهماً، للأم سبعة، وللبنت منها تسعة، وللأب [تسعة وعشرون ونصف] 2، والباقي للعصبة.
وعلى رواية محمّد للبنت ربع النصف.
وللأم عنده ما لها عند أبي يوسف، ولكنهما يختلفان في العبارة.
ويكون للأب عند محمد نصف المال كاملاً، والباقي للعصبة.
وعلى رواية سفيان يقسم المال بينهم على أنهم أحرار، فيكون للأب الثلث، وللأم السدس، وللبنت النصف، فيأخذ كل واحد ربعَ نصيبه وهو القدر الذي اشتركوا به في الحرية، فتأخذ البنت ربعَ النصف، والأم ربع السدس، والأب ربع الثلث، ثم نقسم نصف سدس المال بين الأم والأب على ثلاثة، ثم للأب بعد ذلك سدس جميع المال ضمّاً إلى ما تقدم.
6373 - ولأصل سفيانَ معتبر نرمز إليه هاهنا، ونحققه بعد ذلك: [فمن] 3 أصله أنه إذا كان في المسألة تقدير حجبٍ، لو كملت الحرية، فإذا كانت الحرية في الأجزاء، وشابه جزءُ حريةِ الحاجب جزءَ حرية المحجوب في المقدار، حصل الحجب به، فإذا كان الحجب كلياً، سقط من يسقط لو كملت الحرية في الحاجب والمحجوب.1
وإن كان الحجب بعضاً واستوى جزءُ الحريتين في الحاجب والمحجوب، أخذ المحجوبُ من الفرض الأدنى بحصته من الحرية.
وإن كان المحجوب ذا فرضَيْن، كما ذكرناه، وكان جزء حرية المحجوب أكثرَ، فالقدر الذي يساوي فيه جزءُ الحاجبِ جزءَ المحجوب يعتبر فيه الفرضُ الأدنى، ويثبت بزيادة الحرية من الحساب الذي لا حجب فيه.
وهذه المسألة 1 فيها اختلافٌ في الحرية؛ فإن نصف الأب حرٌّ، وربع البنت حر، فجرى بين الثلث والربع ما ذكرناه، وانفرد الأب بسدس الحرية، فكان له بذلك السدس سدسُ جميع المال؛ ضمّاً إلى ما تجمع له.
وسنوضح هذا بعد ذلك.
فصل
في ميراث أحد الزوجين مع الولد
6374 - الولد يفرض أنثى، وذكراً.
ونحن نضرب المثال أوّلاً في الأنثى، فنقول:
زوجة ثلاثة أرباعها حرة، وبنت نصفها حر
فللبنت الربع على قول الجميع.
وأمّا الزوجة، فيقال لها على رواية أبي يوسف: لك مع حرية البنت الثمن، ومع رقها الربع، فهي تحجبك عن الثمن، فنصفها يحجبك عن نصف الثمن، فيحصل لك ثمن، ونصف ثمن، فلك ثلاثة أرباع ذلك، وهي تسعة أجزاء من أربعة وستين جزءاً.
وهذا مذهب محمد في الزوجة كذلك.
6375 - وعلى رواية سفيان يقسم بينهما وبين العصبة على ثمانية ثم يكون للبنت نصف النصف، وللزوجة نصف الثمن.
ثم يكون للزوجة مع ذلك أيضاً ربع الربع وتصح القسمة من ستةَ عشرَ.
وتحقيق هذا أن البنت ساوت [الزوجة] 1 بنصف الحرية، فردّتها في هذا المقدار إلى اعتبار الثمن، وثبت للزوجة ربع آخر من الحرية، فأخذت بذلك الربع من حساب الفرض الأكمل.
فهذا بابُه وقياسه.
وعلى مذهبه لو كان نصف الزوجة حرّاً، ونصف البنت حراً، فليس للزوجة إلا نصف الثمن، وصارت محجوبة عن الربع بالكلية.
ولو كانت الزوجة حرّةً بكمالها، ومعها بنت نصفها حرٌ، فللبنت الربع، وقد ساوت الزّوجة في نصف الحرية، فتأخذ الزوجة من هذه الجهة نصف الثمن، وقد انفردت بنصف آخر في الحرية، فتأخذ نصف الربع، والمجموع ثمن ونصف ثمن.
ومذاهب العلماء متفقة في هذه الصورة وقياسهم فيها لائحٌ.
ولو كانت البنتُ حرةً بكمالها، وكان معها زوجة نصفها حر: للبنت النصف، وللزوجة نصف الثمن باتفاق علماء الباب.
6376 - صورةٌ أخرى:
زوجة ثلثاها حر، وابنٌ نصفه حر
فعلى رواية أبي يوسف يقال للزوجة: أنت ترثين مع حرية الابن الثمن، ومع رقه الربع، فهو يحجبك عن ثمن، فنصفه يحجبك عن نصف الثمن، فيحصل ثمنٌ ونصف ثمن، فلك ثلثا ذلك.
ويقال للابن: أنت ترث مع حرّية الزوجة سبعة أثمان المال، ومع رقِّها جميعَ
المال، فهي تحجبك عن الثمن، وثلثاها يحجبك عن ثلثي الثمن، فتصير لك سبعة 1 أثمان المال، و [ثلث] 2 ثمنه، فلك نصف ذلك.
وعلى رواية محمد: للزوجة مثل ما ذكره أبو يوسف وبينهما اختلاف العبارة.
وللابن نصف جميع المال، والباقي للعصبة.
وعلى رواية سفيان: يقسم المال بينهم على ثمانية، ثم يأخذ كل واحدٍ منهما نصف ما أصابه، ثم للزوجة بعد ذلك سدسُ الربع، لمكان زيادة الحرية، فإن ثلثيها حر، فحريتها زائدة على حرية الابن بسدس، فتأخذ به من أكمل الفرضين، وهو سدس الربع.
ولو كان بدل الزوجة في هذه المسائل كلِّها زوجٌ، فهو مقيس عليها، غيرَ أن للزوج الربع، في محل ثمن الزوجة، والنصف في محل ربعها، وباقي القياس كما مضى.
فصل
في ميراث الزوجين مع الأبوين
6377 - فنقول:
زوجة، وأبوان نصف كل واحد منهم حر
فللزوجة الثمن، باتفاقهم، وهو نصف الربع؛ إذ ليس في المسألة من يحجبها، غيرَ أن نصفها رقيق، فسقط نصف الربع، وبقي نصفه، وهو الثمن الذي ذكرناه.
ثم أبو يوسف يقول للأم: أنت ترثين مع رق الزوجة في هذه المسألة الثلث الكامل، ومع حريتها الربع، وهو ثلث ما يبقى، فهي تحجبك [عن] 1 نصف السدس، فنصفها يحجبك عن نصف ذلك، فيحصل لك سدس وثمن، فلك نصف ذلك.
ويقال للأب: أنت ترث مع رقهما جميعاً جميعَ المال، ومع حريتهما نصفَ المال، فهما يحجبانك عن النصف، كل واحدةٍ عن الرّبع، فنصف كلّ واحدةٍ يحجبك عن نصفه، يبقى لك ثلاثة أرباع المال، فلك نصف ذلك لمكان الرق وهو ثلاثة أثمان المال.
وعلى رواية محمد: فرض الزوجة كفرضها على رواية أبي يوسف، ولا خلاف في فرضها عند علماء الباب.
وللأم عند محمد ما لها عند أبي يوسف، غيرَ أنه يخالفه في العبارة، فيقول: للأم نصفُ نصفِ الثلث، ونصف نصف الربع، وهذا هو الذي يسلم للأم على رأي أبي يوسف؛ فإن أبا يوسف قدّر للأم السدس والثمن، ثم أسقط نصفَ ذلك.
ونصف السدس، والثمن هو نصفُ نصف الثلث، ونصف نصف الربع؛ فإن نصف الثلث سدس، ونصفُ نصفه نصف السدس، ونصف الربع ثمن، ونصف نصفه نصفُ الثمن.
وللأب 2 عند محمد نصف جميع المال.
وعلى رواية سفيان يقسم المال بينهم على أربعة: للزوجة الربع، وللأم ثلث ما يبقى، والباقي للأب.
ثم يأخذ كل واحد نصفَ ما أصابه.
فصل
في ميراث الأم مع الإخوة والأخوات
6378 - والغرض منه القول في حرية الإخوة والأخوات، والنظرُ في حجب الأم من الثلث إلى السدس.
وقياس مذهب أبي يوسف، ومحمد ومن تابعهما في جمع الحرية في هذا الباب كقياسهم في أبواب البنات وغيرهن.
فنقول:
أخوان، وأم نصف كل واحدٍ منهم حر
فمن يجمع الحرية، يقول: نجمع نصفي الأخوين، فيكون بمثابة أخٍ، فلا يحجب الأم، فللأم بحساب الثلث نصفُه، وهو السدس.
وفي قول سفيان: للأم نصف السدس، فإنه يرى حجب نصفٍ بنصفين، كما يرى حجب شخص بشخصين.
ثم قال أبو يوسف: للأم نصف الثلث والباقي للأخوين.
وعبارة سفيان، بعد العلم بما ذكرناه من أصله: إن الفريضة تقسم من ستة: يقدر للأم السدس وللأخوين خمسة الأسداس، ثم تردُّ الأمُّ نصفَ السدس، وكلُّ أخٍ نصفَ ما أخذه، ويصرف إلى العصبة.
6379 - صورة أخرى:
ثلاثة إخوة، وأم، نصف كل واحد حرُّ
فالذين جمعوا الحرية، وجدوا في هذه المسألة أخاً ونصفاً، ثم لهم مذهبان في هذا الباب: منهم من يقول: لم تُحجب الأم من حساب الثلث إلى السدس
بنصفي أخوين في الصورة الأولى، ولكن دخلها النقص، من جهة رقها، فاستحقت السدس، وهو نصف الثلث.
وفي هذه المسألة زادت الحرية، فمعنا حريةُ أخٍ ونصف، فهذا النصف الزائد يقع الحجبُ به، ولا يقع بغيره، فللأم السدس من غير 1 حجب، ولها من السدس الآخر الذي هو تكملة الثلث نصفه لمكان النصف الزائد؛ إذ معنا ثلاثة أنصاف إخوة، فيحصل لها سدس، ونصف سدسٍ.
ثم إنها تستحق نصفَ ذلك، وهو الثمن.
هذا مذهب.
ومنهم من قال: إذا زادت الحرية على أخٍ كامل، فإنا نجعل جميع الحرية مؤثراً في الحجب، فإن الأخ إذا لم يحجب، فلو فرض أخٌ آخر، فالحاجب الأخوان، لا الأخ الزائد، فإذاً تُحجب الأم بثلاثة أنصاف إخوة، فالسدس لا حجب فيه، وإنما الحجب في السدس الثاني الذي هو تكملة الثلث، فتحجب الأم عن ثلاثة أرباع هذا السدس، فيبقى سدس وربع سدس، فللأم نصف ذلك، وهو نصف سدس، وثمن سدس.
وعلى رواية سفيان: يقسم المال بينهم من ستة، ثم للأم نصف السدس وللإخوة نصف خمسة أسداس.
6380 - صورة أخرى
أربعة إخوة، وأم، نصف كل واحد منهم حر
فمن جمع الحرية ردّ الأم إلى السدس ثم إلى نصف السدس، والباقي للإخوة عنده.
وعلى رواية سفيان: للأم نصف السدس، وللإخوة نصف خمسة أسداس؛
فإنه لا يرى جمع أجزاء الحرية، كما تمهّد أصله.
6381 - صورة أخرى:
أختان، وأم، نصف كل واحدة منهن حر
فللأم مع الأختين ما لها مع الأخوين عند الجميع، وقد بان ما لها مع الأخوين، وذكرنا الاختلاف فيه بين سفيان وغيرِه.
فأمّا الأختان، فمن جمع الحرية، قال: لهما النصف لكل واحدةٍ الربع، وسفيان يقول: لهما نصف الثلثين.
فصل
في ميراث الإخوة والأخوات مع الأولاد
6382 - فنقول:
ابنٌ وأخٌ نصفُ [كلِّ] 1 واحد منهما حرٌّ.
فعلى رواية أبي يوسفَ بالمخاطبة والدّعوى، يكون للابن النصف، وللأخ الربع.
وعلى رواية محمد لكل واحد منهما النصف.
وعلى قول سفيان: للابن النصف ويسقط الأخ.
صورةٌ أخرى:
ابنٌ نصفه حرّ، وأخٌ كله حر
المال بينهما نصفان باتفاق علماء الباب، وقياسهم لائح.
صورةٌ أخرى:
ابنٌ، وأخت لأب، نصف كل واحد منهم حر
للابن النصفُ، وللأخت الثمن، على رواية أبي يوسف بالمخاطبة والدّعوى.
وعلى رواية محمد: للأخت مثل ما لها على رواية أبي يوسف.
وعلى قول سفيان: للابن النّصف، وتسقط الأخت، والباقي للعصبة الأحرار.
فإن كانت الأخت كلّها حرة، والابن نصفه حر، فللأخت الربع على رواية أبي يوسف ومحمد، وعلى رواية سفيان كذلك أيضاً، وقياسه بيِّن.
صورة أخرى:
ابنٌ نصفُه حر، وأخ 1 لأم كلّه حر
فللابن النصف، ولولد الأم نصف السدس، في قول الجميع على الأصول المختلفة.
صورةٌ أخرى:
بنت، وأخت لأبٍ، نصف كل واحدة منهما حر
فالبنت مع الأخت من الأب كالبنت مع ابن الابن؛ فإن الأخوات مع البنات عصبة.
وقد مضى ذلك.
فصل
في ميراث الجدّات إذا تبعض فيهن الرق
6383 - فأمّا أبو يوسف ومحمد، ومن تابعهما؛ فإنهم يجمعون الحرية، فإن بلغت حريةً كاملة، أو زادت، فليس إلا السدس، وهو مقسومٌ بينهن على أجزاء حريتهن.
وإن لم يبلغ حريةً كاملة، ورثن بقدر ذلك من السدس، مقسوماً بينهن على قدر أجزاء الحرية فيهن.
وعلى رواية سفيان: السدس بينهن كيفما كن، زادت الحرية، أو نقصت، فما أصاب كلّ واحدةٍ، أخذت منه بقدر حريتها، والباقي للعصبة.
وإن اتفقت:
أم، وجدة
فالأم حاجبة، والجدة محجوبة، وتعود التفاصيل على المذاهب.
وقد نجزت مسائل الباب على أوجز وجهٍ وأبينها 1. ومن أحاط بها، لم يخف عليه القياس فيما لم نورده.
وقد اختار الفرضيون طريقةَ سفيان؛ فإنه [منقاس] 2 حسن مُطرد، لا يخلو في قياسه صورة عن أثر نقص الرّق بخلاف سائر المذاهب، ولعل المزني يختار طريقه.
6384 - ثم مما يجب التنبُّه له أن من منع توريثَ مَنْ بعضُه حر يحتج بأنا لو ورّثناه، لصرفنا ما يرثه إلى جهة الرق والحرية، ويلزم منه صرفُ حصةٍ إلى مالك رقِّه، وهذا توريث أجنبي من حميمه، من غير نسب ولا سبب.
وهو ليس بشيءٍ؛ فإن من يورث الشخص إنما يُورِّث الجزءَ الحرَّ منه، ويحصر الاستحقاقَ فيه، ويقطع بأنه لا حظ لمالك الرق فيه.
وليس كما إذا احتش، أو احتطب أو اتّهب؛ فإن اكتساب الرقيق بهذه الجهات غيرُ ممتنعٍ، والإرث بالرق ممتنعٌ محالٌ، وما طردنا على مذهب المورثين مسألةً إلا حططنا حظ الرق فيها، والله المستعان.
باب المشرّكة
6385 - صورة المشرّكة:
زوجٌ، وأمٌّ، واثنان من أولاد الأم، وأخٌ، أو إخوة من أبٍ وأم
فللزوج النصف، وللأم السدس، ولأولاد الأم الثلث، ثم الإخوة من الأب والأم يشرَكون أولادَ الأم في الثلث، وينزلون معهم منزلتهم، لأجل مشاركتهم إياهم في قرابة الأم، ويجعل كأنهم ليسوا مدلين بالأب.
ثم لا تفضيل لهم على أولاد الأم الذين لا يدلون بغير قرابتها، ولا تفضيل لذكرٍ على أنثى.
والقول الوجيز ما ذكرناه من تنزيلهم منزلة أولاد الأم، فالثلث إذن مفضوضٌ على كافتهم بالسويّة.
وهذا مذهب زيد، ومعظم الصحابة رضي الله عنهم.
6386 - واختلفت الرواية عن علي: فأظهر الروايتين عنه أن أولاد الأب والأم يسقطون؛ فإنهم عصبة، وقد استغرقت الفرائض أجزاء المال.
وهذا مذهب أبي حنيفة.
ورويت روايةٌ عن زيد مثل ذلك، وهي شاذة، ولم يمِل الشافعيُّ إليها، وقطع جوابه بالتوريث والتشريك.
واختلف قضاء عمر فيها، فروي أنّه قضى بالتشريك أوَّلاً، ثم قضى بالإسقاط بعد ذلك، فقيل له: قضيت بالتشريك في العام الأول، فقال: ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي.
وقيل: إنما شرك في العام الأول لما شرك
بسبب كلامٍ صدر من أولاد الأب والأمّ، وذلك أنه لما هم بإسقاطهم، قالوا: يا أمير المؤمنين هَبْ أن أبانا كان حِمَاراً، ألسنا بني أمٍّ واحدة.
والمسألة تلقب بالمشرّكة لما ذكرنا فيها من التشريك، وتلقب بالحِمارية لما نقلناه من قول أولاد الأبِ والأمَ.
6387 - ثم المشركة لها أركان: أحدها - أن يكون فيها زوج، ولا تتصور المسألة دونه.
وإذا نظر النّاظر في أصحاب النصف، تبين له هذا.
ومن أركان المسألة - أن يكون فيها أمٌّ أو جدة، لمكان السدس.
ومن أركانها - أن يكون فيها اثنان من أولاد الأم، فصاعداً حتى يحصل الاستغراق بالفرائض.
فلو كان في المسألة:
زوج، وأم، وأخت من أم، وإخوة من أب وأم
فللزوج النصف، وللأم السدس [وللأخت] 1 من الأم السدس، والباقي لأولاد الأب والأم، على قياس العصوبة، وإن كان ما يخص كل واحدٍ منهم أقلَّ مما أخذه ولدُ الأم.
ومن أركان المسألة - أن يكون فيها ذكرٌ من أولاد الأب والأم؛ إذ لو كان فيها أختٌ من أبٍ وأمٍّ، فرضنا لها النصف، وأعلنا المسألة، ولو كن أخواتٍ، فرضنا لهن الثلثين، وأعلنا.
ولو كان بدل الإخوة من الأب والأم، إخوة من أبٍ، سقطوا؛ فإنهم لا يشاركون أولاد الأم في قرابتهم.
هذا بيان المسألة تصويراً، وحُكماً، وتعليل المذهب مذكور في كتاب الأساليب ومسائل الخلاف.
ولو كان في المسألة أخت أو أختان من أبٍ، فرضنا لهن فرضهن، وأعلنا المسألة، ولو كان معهن أخ من أبٍ، يسقطن بسقوطه، وكان مشؤوماً 1 عليهن.
...
باب ميراث ولد الملاعنة
6388 - ولد الزنا لا يرث الزاني [ولا يرثه الزاني] 1، إذ لا نسب بينهما، وهو يرث أمَّه، لم يختلف العلماء فيه، وترثه الأم.
والقول في ولدها من الزنا في حقها كالقول في ولدها من النكاح، فلا يختلف جانبها بوقوع العلوق عن حِلٍّ، أو تحريم، أو شبهة، أو نكاحٍ، أو سفاحٍ.
وإذا تعرّض [نسبٌ] 2 للثبوت لوقوع الولادة على فراشٍ، وكان لا يَنْتَفي إلا باللعان، فإذا لاعَنَ الزوجُ، ونفى النسبَ، انتفى، وانقطع الميراث بينه وبين المنفي، حسَب انقطاعه بين الزاني وولد الزنا، ثم لو عاد، فاستلحقه، لحقه، ويعود الميراث.
وتفصيل ذلك يُستقصى في اللعان، إن شاء الله عز وجل.
6389 - ثم إذا انقطع الميراث بين النافي والمنفي، فكل من يدلي بالنافي، فلا يرث المنفي كبنيه وإخوته وأبيه، فإنه الأصل، فاذا انقطع، انقطع بانقطاعه إرث الفروع.
ثم أمه ترثه بالفرض، كما ترثه به لو لم يُنفَ باللعان.
وكل من يدلي بالأم، فإنه يرثه إذا كان الإدلاء بجهة الوراثة، فالإخوة من الأم يرثون المنفيَّ باللعان، وولد الزنا، وكذلك أمُّ الأم على الترتيب المبيّن في الورثة.
والسبب فيه أنها إذا ورثت، وثبت أصل الإرث فيها، ترتب على توريثها توريثُ المدلين بها.
ثم إذا ثبت أنها ليست ترث بالعصوبة، فعصباتها لا يرثون المنفيَّ، وولدَ الزنا، ولا يرثه أبوها 1، وهو أقرب مُدْلي بها، فما الظن بمن سواه؟
نعم.
قد يرث المنفيَّ وولد الزنا مولى الأم إذا ثبت الولاء؛ فإن ولاء أولاد المعتَقة [لمولاها] 2، وليس له أبٌ حتى ينجرّ الولاء إليه، على ما سنفصل في باب الولاء، إن شاء الله عز وجل.
فيخرج ممّا ذكرناه أن الأم ترثه الثلث، ويرثه أولادها؛ فإنهم إخوته من الأم، والاثنان منهم يحجبان الأمَّ من الثلث إلى السدس، وإن كان إدلاؤهم إلى الميت بالأم.
ويرثه مولى الأم إن كان عليها ولاء، ولا يورث بالتعصيب إلا من جهة الولاء، والقول في تفصيله محالٌ على باب الولاء.
وهذا فيما يتعلق بالأم، وهو في نفسه إذا خلّف أولاداً، ورثوه على القواعد البينة.
6390 - وقال ابن مسعود: أمّ الولد الذي لا ينسب إلى أبٍ عصبةٌ له تستغرق ميراثَه، وهذا مذهب أبي حنيفة 3 في روايةٍ، ولم تختلف الروايةُ عنه في أن عصبات الأم عصبةٌ له.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أم ولد الملاعَنه عصبتُه، وعصبتُها عصبتُه " 4. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال:
" تحوز المرأة ثلاثة مواويث: ميراث عتقها، ولقيطها، والذي لاعنت عنه " 1، ولم يصحح الشافعيُّ الحديثين 2.
6391 - ومما يتعلق بالباب أن الرجل إذا لاعن، ونفى ولدين عن امرأةٍ واحدةٍ، فهما يتوارثان بكونهما أخوين من أم، وهل يتوارثان بأخوة الأب؟ ظاهرُ المذهب أنهما لا يتوارثان بها؛ فإن الأبوة غيرُ ثابتة، والأخوة من جهة الأب مفرّعة على ثبوت الأبوّة.
ومن أصحابنا من قال: يتوارثان في أنفسهما بالأخوة من الأب والأم؛ فإن الزنا لم يثبت عند التلاعن بدليل تصوّر الاستلحاق بعد النفي، فليتوارثا بأخوة الأب على الإبهام، إذا لم يثبت زنا الأم.
ولا خلاف أن المرأة لو علقت بتوأمين من وطء شبهة، ثم جُهل ذلك الواطىء، فهما يتوارثان بأخوة الأب.
وهذا الخلاف يقرب من تردد الأصحاب في أن من نفى نسباً متعرضاً للثبوت باللعان، فهل يحل لابن الملاعن أن ينكح تلك المنفية، وإنما فرضنا فيه؛ لأن الملاعِن نفسَه لا ينكحها؛ إذ هي ربيبتُه، ولا يتوارث ولدَا زنا بأخوة الأب باتفاق الأصحاب، والله أعلم.
... = والبيهقي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما (ر.
سنن سعيد بن منصور، ح 117 - 120، الدارمي: الفرائض، باب ميراث الملاعنة، ح 2961، 2962، 2963، الحاكم: 4/ 341، البيهقي في الكبرى 6/ 258، والمعرفة: 5/ 74، 75).
باب ميراث المجوس
6392 - إذا اجتمع في الشخص جهتا قرابة لا يجوز التسبب إلى تحصيلهما، فلا يقع التوريث بهما جميعاً عند الشافعي، وإنما يقع التوريث بإحداهما على ما سنفصِّل المذهبَ، إن شاء الله تعالى.
وذهب علي، وابنُ مسعود إلى التوريث بالقرابتين، والقراباتِ إذا اجتمعت إذا كان لا يحجب بعضُ الوجوه بعضاً.
وإنما نفرض البابَ في المجوس؛ فإنهم قد ينكحون الأمهات والبنات، ومن هذه الجهات تتركب القرابات التي لا يحلّ التسبب إلى تحصيلها.
وقد يتأتى فرضها من المسلم على سبيل وطء الشبهة.
والرواية الصحيحة عن زيد توافق مذهب الشافعي.
6393 - ثم إذا لم يرَ الشافعيُّ التوريثَ بالقرابتين والقرابات؛ فإنه يورّث بأقواها.
فإن كان بعض الوجوه يحجب بعضاً لو فرضت الوجوه في أشخاص، فلا شك، ولا إشكال، وإن كان بعضها لا يحجب بعضاً، فالتوريث يقع بأثبتها، ولا نظر إلى كثرة الفرض وقلّتِه، والمعنيُّ بالثبوت أن يكون سقوط إحدى الجهتين أقلَّ من سقوط الأخرى: فإذا كانت المرأة أمّاً وأختاً، ورثت بالأمومة؛ فإن الأم لا تسقط أصلاً بخلاف الأخت، وإذا كانت بنتاً وأختاً، ورثت بالبنوة، وإذا كانت جدة وأختاً، ورثت بالجدودة.
وصورة الأم التي هي أخت: أن يستولد المجوسي أو الواطىء بالشبهة ابنته، فإذا ولدت، فالوالدة أخت المولود، وأمُّه، والمولود ابنتها وأختها.
وإذا استولد بنت بنته، فالعليا جدة المولود، وأخته.
وإذا استولد أمَّه فهي جدة المولود وأمه، والمولود ابنتها وحفيدتها، والمستولد أبُ المولود، وأخوه لأمه.
وقد وافق أبو يوسف، ومحمد، الشافعيَّ، واتفق على مذهبه عُلماءُ المدينة.
6394 - واختلفت الروايةُ عمّن يورث بالقرابتين فيه إذا كان في الفريضة أم هي أخت، وأخت أخرى، فهي مع الأخت الأخرى هل تحجب نفسها من الثلث إلى السدس، ومذهب أبي حنيفة أنها لا تحجب.
6395 - وقد انتهى القول في الأبواب التي مقصود مسائلها فتاوى الفرائض، وأحكامها، ولم يبق منها إلا ميراث الخناثى، والحمل، والقول في الردّ، وتوريث الأرحام، ونحن نرى أن نقدم القول في توريث الأرحام والرد، ثم نذكر بعد نجاز الغرض منه [فنَّ] 1 الحساب، وما يتعلق بتصحيح المسائل، بالضرب، والقسمة، ثم نذكر ميراث الخناثى، والحمل، ثم نختم الكتاب بمسائل من المعاياة، والملقبات.
والله المستعان.
القول في التوريث بالرحم مضمون هذا الأصل يحويه بابان: أحدهما - في الرد، والثاني - في توريث الأرحام، فلتقع البداية بالرّدّ 1. ...
باب الرّدّ وبيانُ الخلاف فيه
6396 - قال الفرضيون: مسائل الفرائض ثلاثة أقسام: مسالة عادلة، ومسألة عائلة، ومسالة ناقصةٌ غيرُ كاملة.
فالعادلة: هي التي تستوعب فيها الفرائض الأجزاءَ، أو تشتمل على عصبة خاص، أو على فرائضَ وعصبة.
والفريضة العائلة: هي التي تزيد فيها مبالغُ المقدَّرات على أجزاء المال.
وقد شرحنا هذا، وما فيه من الخلاف.
وأما الفريضة الناقصة: فهي المشتملة على فرائضَ تنقص عن أجزاء المال، وليس فيها عصبة [خاص] 1، وفيها يقع الكلام في الرد.
6397 - وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الباقي من المال إذا لم يكن في المسالة عصبة، فقال زيد بن ثابت: إذا لم تكن عصبةُ نسب ولا مولى، فالباقي مصروفٌ إلى مصالح المسلمين.
وقيل: ذهب إلى ذلك أبو بكر الصديق، وعبدُ الله بنُ الزبير، وهو مذهبُ مالكٍ، والشافعي، وأبي ثور، وداود، وأهل الظاهر، وعُلماء المدينة.
وقال عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود بالرد على ذوي
السهام، كما سنفصل مذهبَهم، إن شاء الله تعالى، وبه قال سفيان الثوري
وشَريك 1، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابُه، وكل من قال بتوريث ذوي الأرحام قال بالرد.
ثم اختلفوا في كيفية الرد.
6398 - فقال جماهيرُ الأئمة القائلين بالرد: التوريثُ بالولاء مقدّم على الرد، فإن كان في المسألة فرضٌ مِمن يُردّ عليه -كما سنذكره، إن شاء الله عز وجل- ومولى، فلصاحب الفرض فرضه، والباقي للمولى، ولا رَدَّ.
وعن عبد الله بن مسعود: إن صاحب الفرض إذا كان ممن يرد عليه، فالباقي بعد الفرض مردود عليه، غيرُ مصروف إلى صاحب الولاء.
6399 - ثم الذين صاروا إليه قالوا: إنه لا يرد على الزوج بالزوجيّة، وإنما الرد على ذوي الفروض من أهل القرابة، وروى جابرُ بن زيد 2 أن عثمان رضي الله عنهم أجمعين كان يرى الردَّ على الزوج والزوجة، وهذه رواية غريبة، لم يعوِّل عليها الفرضيون.
6400 - فإذا تبيّن ذلك، فمذهبُ علي أن الباقي بعد المقدّرات إذا لم يكن في المسألة مولىً، ولا عصبةُ المولى، مردود على ذوي السهام على أقدار سهامهم، إلا على الزوج والزوجة.
قال ابن عباس: يرد على جميع ذوي الفروض إذا لم يكن في المسألة مولىً، ولا عصبة، ولا عصبةُ مولى، إلا الزوج والزوجة، فلا ردّ عليهما قط، وزاد، فقال: الجدة لا يرد عليها مع كل ذي فرضٍ يرث بالرحم، فإن انفردت، أو كانت مع أحد الزوجين، يرد عليها حينئذ.
وقال ابن مسعود: الرد مقدّم على المولى وعصباته، كما تقدم، ولم ير الردَّ على الزوج والزوجة بحالٍ، وكان لا يرد على أربعة مع أربعة، ويرد عليهم دونهم، وكان لا يرد على بنات الابن مع بنت الصلب، ولا يرد على الأخوات من الأب مع الأخت من الأب والأم، ولا يرد على الأخت من الأم مع الأم، وكان لا يرد على الجدة وفي المسألة أحد من ذوي الفروض المتعلقين بالرحم، كما حكيناه عن ابن عباس.
فهذا بيان قواعد المذهب.
6401 - ونحن نفصّلها بالمسائل، ونذكرها صنفاً صنفاً.
فإذا خلّف الميت صنفاً واحداً من أصحاب السهام المتعلّقين بالرحم، و [لا] 1 عصبة، كما فصّلنا، فله فرضه، والباقي مردودٌ عليه.
فأما إذا كان في المسألة جدّة مفردة، أو مع أحد الزوجين، فلها فرضها إذا انفردت، والباقي مردود عليها.
وإن كانت مع أحد الزوجين، فلكل واحد منهما فرضُه، والباقي مردود على الجدة، على الرواية التي عليها العمل.
ثم ما ذكرناه يجري في جميع أصناف ذوي الفروض المتعلّقين بالرحم.
6402 - ولو كان في المسألة:
أم، وبنت
فالمال بينهما على أربعة أسهم: للأم الربع فرضاً وردَّاً، وللبنت ثلاثة أرباع فرضاً وردّاً.
وكذلك الأم وبنت الابن.
أخٌ لأمٍ، وأخت لأب وأم
المال بينهما على أربعة، على مذاهبهم: للأخ من الأم سهم، وللأخت من الأب والأم ثلاثة أسهم.
بنت وبنت ابن
في قول علي، وابن عباس: المال مقسوم بينهما على أربعة، كما ذكرنا رُبْعُه لبنت الابن، وثلاثة أرباعه لبنت الصلب.
وفي قول ابن مسعود: لبنت الصلب النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي لبنت الصلب خاصّة.
وإن اختصرت، قلت: لبنت الابن السدس، والباقي للبنت فرضاً ورداً.
زوج 1، وجدة، وبنت
في قول علي للزّوج الربع، وللجدة السدس، وللبنت النصف، والباقي مردود على الجدة والبنت: بينهما على أربعة أسهم.
وإن اختصرت قلت: للزوج الربع والباقي بين الجدة والبنت على أربعة: رُبْعُه للجدة وثلاثة أرباعه للبنت، وتصح القسمة من ستة عشر.
وعن ابن مسعود: للزوج الربع، وللجدة السدس، والباقي للبنت فرضاً ورداً.
جدة، وبنت، وبنت ابن
في قول علي: المال بينهم على خمسة بالفرض والردّ، للجدة سهم، وللبنت ثلاثة أسهم، ولبنت الابن سهم.
وفي قول ابن عباسٍ: للجدة السدس، والباقي بين البنت وبنت الابن على أربعة.
وفي قول ابن مسعود: للجدة السدس ولبنت الابن سدس، والباقي لبنت الصلب فرضاً ورداً.
أم، وبنت، وبنت ابن
في قول علي وابن عباسٍ المال بينهن على خمسة، للأم سهم، ولبنت الابن سهم، ولبنت الصلب ثلاثةُ أسهم.
وفي قول ابن مسعود 1: لبنت الابن السدس، والباقي بين الأم والبنت على أربعة.
ولا يصح الرد قط عند ابن مسعود على ثلاثة أصناف، وإنما يصح ذلك على أصل علي وابن عباس 2.
أم، وأخت لأم، وأخت لأب
في قول علي: المال بينهن على خمسةٍ فرضاً ورداً: للأم سهم، وللأخت من الأم سهم، وللأخت من الأب ثلاثة 3 أسهم.
وفي قول ابن عباس: للأم الثلث، وللأخت من [لأم] 4 السدس، وللأخت من الأب النصف.
وليست من مسائل الردّ.
وفي قول ابن مسعود:
للأخت من الأم السدس، والباقي بين الأم، والأخت من الأب على أربعة.
زوجة، وجدة، وبنت، وبنت ابن
في قول علي للزوجة الثمن، وللجدة السدس وللبنت النصف، ولبنت الابن
السدس، والباقي مردود على الجدة، والبنت، وبنت الابن، على خمسة، فإن اختصرت قلتَ للزوجة الثمن، والباقي بعد الثمن بين الجدة والبنت، وبنت الابن على خمسة.
وتصح من أربعين.
وفي قول ابن عباس: للزوجة الثمن، وللجدة السدس، والباقي بين البنت وبنت الابن على أربعة.
وفي قول ابن مسعود: للزوجة الثمن، وللجدة السدس، ولبنت الابن السدس، والباقي للبنت.
وإن أردنا استيعاب المذاهب قلنا في قول زيد ومن تبعه: الباقي بعد الفروض لبيت المال.
فقد وقع الرد على ثلاثة أجناس في المسألة على مذهب علي.
وعلى جنسين على مذهب ابن عباس.
وعلى صنفٍ واحد على مذهب ابن مسعود.
6403 - وفيما قدمناهُ من تمهيد المذاهب أولاً استقلال، وكفاية، ولكنا أوضحناه: بالمسائل التي ذكرناها.
ولم نفرعّ على الرواية الشاذة عن عثمان 1؛ فإنها لم تصح عند الفرضيين، وهي مردودة من جهة المعنى؛ فإنَّ تَعلُّقَ أصحابِ الرد بأن صاحب الفرض بعد استيفاء فرضه يتعلق بالرحم، وهو سبب الرد عليه، وهذا لا يتحقق في الزوجين.
ونحن نستعين بالله تعالى ونخوض في التوريث بالرحم، إن شاء الله تعالى.
...
بابٌ في توريث ذوي الأرحام
6404 - اختلف أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في توريثهم: فذهب أبو بكر الصديق، وعثمان بنُ عفان، وزيدُ بنُ ثابت، وعبدُ الله بنُ الزبير إلى أن ذوي الأرحام لا يرثون بالرحم شيئاً، وجعلوا مالَ من لم يخلِّف غيرَهم لبيت المال، وبه قال سعيد بنُ المسيب، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وعلماء المدينة، وداود، وأهل الظاهر.
وذهب علي، وابنُ عباس، وابن مسعود، ومُعَاذ بنُ جبلٍ، وأبو عبيدة، وأبو الدرداء، وعائشة إلى توريث ذوي الأرحام، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق 1 بن راهْوَيْه، وأبو حنيفة، وأصحابُه، ويحى بنُ آدم، وطائفة.
واختلفت الرواية في ذلك عن عمرَ، فروى عاصمُ عن زِرِّ بن حُبَيش، أنه قال: " كان عمر بن الخطاب يورّث العمةَ والخالة " 2.
وروى الأعمش: " أن عُمرَ ورّث الخالَ المالَ كفَه " 3.
وعن مالك بن أنس عن محمد بن أبي بكر بن حزم، أنه سمع أباه يقول: " كان عمر لا يورث بالرحم "، وكان يقول عمر: " عجباً للعمة تورَثُ ولا ترث " 1 وقال للعمة: " لو رضيك الله، لذكرك " 2.
فهذا بيان أقاويلهم على الجملة.
ومذهب من لا يورث بالرحم مضبوطٌ لا حاجة إلى تفصيله.
6405 - وأما المورِّثون بالرحم، فلهم في كيفية توريثهم اختلافٌ عظيم، وقد اختلفت أجوبتُهم في فروع ذوي الأرحام، لاختلافهم في أصولها، ولا يتأتى ذكرُ ضابطٍ لمذهب كل واحد من المورّثين يعمُّ جميعَ الباب، فلا بد من ذكر تفاصيلهم في أبوابٍ يشتمل كل باب على تفصيلِ مضمونه، وذكرِ ما يليق به.
6406 - وممَّا اتفق عليه المعتبرون المورثون لذوي الأرحام، أن قالوا: لا يرث من يتعلق بالرحم المحض، مع ذي فرض يرث بالفرض والقرابة، فالرد عندهم مقدّم على التوريث بالرحم المحض.
وروي على شذوذٍ عن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز أنهما ورّثا الخالَ مع البنت.
وقيل: إنما فعلا ذلك؛ لأنهما صادفَا الخالَ عصبةً بالولاء.
أوْ من جهةٍ أخرى على ما سنبينه؛ فلا تعويل إذاً على هذه الرواية، ولا تفريع عليها.
6407 - واختلفوا في توريثهم مع مولى النعمة وعصبته، فذهب ابنُ عباس، ومعاذ ابنُ جبل، وأبو عبيدة إلى تقديم مولى النِّعمة وعصبته على ذوي الأرحام،
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وإليه صار أكثر من يورِّث بالرحم.
وذهب ابنُ مسعود إلى أن ذوي الأرحام أولى بالميراث من المعتِق وعصبتِه، وهو مذهب شريح وعطاء وإسحاق بن رَاهْوَيْه، وجماعة من البصريين.
6408 - ثم أصنافُ المورِّثين اختلفوا في كيفية التوريث، ولقَّبهم الفرضيون بثلاثة ألقاب، فقالوا: فرقة منهم تُعرَف بأهل القرابة منهم أبو حنيفة، وأبُو يوسف، ومحمد، وعيسى ابن أبان.
وإنما سمُّوا أهلَ القرابة، لأنهم رتَّبوا ذوي الأرحام قريباً من ترتيب العصبات، فورّثوا الأقرب، فالأقرب.
والفرقة الثانية تعرف بأهل التنزيل، وهم الشعبي، وشَرِيك، وابن أبي ليلى، والثوري، والقاسم 1 بن سلاّم، ومحمد بن سالم 2، وأبو نُعَيْم ضرار بنُ صُرَد 3، ونُعَيم بن حمّاد 4، ويحى بنُ آدم، والحسن بن زياد اللؤلؤي.
وقد صح عند هؤلاء من مذهب عليّ وابن مسعود المصيرُ إلى التنزيل، وسُمّي هؤلاء منزِّلين؛ لأنهم نزّلوا كلَّ واحدٍ من ذوي الأرحام بمنزلة الوراث الذي يُدلي به.
وكان أحمدُ بنُ حنبل يقول بقول المنزِّلين إلا في موضعٍ
واحدٍ، وهو أنّه كان يقدّم الخال على جميع [ذوي] 1 الأرحام.
فإن لم يكن خالٌ، فقوله كقول أهل التنزيل في كل تفصيل.
والفرقة الثالثة ذهبوا إلى التوريث بالرحم من غير ترتيب، ولا تنزيلٍ، وقسموا المال بينهم بالسوية سواء اختلفوا في القرابة، أو استوَوْا فيها، وبه قال نوحُ بنُ درّاج 2، وحُبيش 3، وشرذمة قليلة.
6409 - وأصحاب الشافعي وإن كانوا لا يرَوْن التوريث بالرحم؛ فإنهم اليومَ قد يميلون إلى صرف المال إلى ذوي الأرحام لاضطراب أمر بيت المال، ثم ميلُهم إلى قول المنزِّلين؛ لأنه أقيس على الأصولِ، وآثارُ المورِّثين من الصحابة رضي الله عنهم تشهد لأهل التنزيل.
6410 - والقول في توريث الأرحام في حكم افتتاح قسمةٍ أخرى، وتأسيس ورثةٍ سوى الذين استقر الشرع فيهم، وهم ينقسمون إلى من ثبت له فرض بالتقريب القياسي، وإلى من يقام مقام العصبات، ولا ذكر لهم في أبواب العصبات، ولا في أبواب ذوي السهام.
فإذا مست الحاجة إلى النظر فيهم، اقتضى ذلك اهتماماً بالغاً بعد الاستعانة بالله تعالى، وقد كثر فيه خبط العُلماء واختلافهم، وقد رأيت أن أذكر في كل صنفٍ منهم باباً مشتملاً على ذكر أصول العُلماء المورِّثين، ثم على تَبْيين الأصول بالمسائل بتخريجها على الأصول، فإذا نجز القول في أفراد أصنافهم، ذكرنا بعد
ذلك كلاماً بالغاً في اجتماعهم، وفيمن يقدّم منهم، ومن يؤخر، وإذا انتهى هذان النوعان، اختتمنا الكلام بجوامع في مذاهب العلماء تحل محل التراجم، ولو ذكرتُ الجملَ، كانت مبهمة على من يبتدىء النظر فيها، وقد يعتريه ملالٌ من استبهامها، فبندأ بأبواب الأفراد من الأصناف الوارثين بالرّحم.
باب في توريث أولاد البنات
6411 - أصل هذا الباب على قول أهل القرابة أن تنظر في أولاد البنات، فإن اختلفت درجاتُهم، وكان فيهم من هو أقرب، وفيهم من هو أبعد -وهذا هو المراد باختلاف الدرجات- فيقدم من هو أقرب في الدرجة، وإن كان الأبعد يتصل إلى الوارث من غير واسطة، [كالأقرب] 1 مثل:
بنت بنت، وبنت بنت ابن
فكل واحدة منهما مُدلية بوارث، ولو كان في المسألة بنت، وبنت ابن، لورثتا، ولكن بنت البنت مقدمة عند أهل القرابة على بنت بنت الابن؛ فإنها اختصت بقوة القرب.
وهذا قاعدة اعتبار القرابة.
وإن استوت الدرجتان، نظر: فإن سبق أحدهما إلى الوارث قبل اتصال الثاني بالوارث، قدِّم من سبق إلى الوارث.
وهذا
كبنت بنت ابن، بنت بنت بنت
فبنت بنت الابن أولى؛ لأنها سبقت إلى الوارث في الدرجة الأولى، وبنت بنت بنت الصلب تتصل بالوارثة بدرجتين.
وإن شئت قلت: إذا استوت الدّرجتان في القرب، فإن كان الأصل بنتين، فلا يتصور التفاوت في السبق إلى الوارث.
وإن كان أصل إحدى الدرجتين ابناً، وأصل الدرجة الأخرى بنتاً، فمن هو على درجة الابن أسبقُ إلى الوارث لا محالة.
وإن كان السابق إلى الوارث أبعد بالدرجة والقريبُ بالدرجة أبعد عن الوارث، مثل أن يكون في المسألة:
بنت بنت بنت الابن ومعها بنت بنت البنت، فالبعيدة بالدرجة تتصل بالوارثة بنفسها، والقريبة بالدرجة تتصل بالوارثة وهي بنت الصلب بدرجة، فقد وُجد في إحدى الدرجتين بُعدٌ وسبْقٌ، وفي الدرجة الثانية قربٌ مع واسطةٍ.
وقد ثبت أن المقرِّبين يقدّمون القربَ على السبق، والمنزِّلون يقدمون السبقَ على القُرب، فإن تحقق الاستواء في الدّرجة قرباً وبعداً، ووجد الاستواء في السبق إلى الوارث، ورثوا جميعاً.
6412 - ثم اختلف أبو يوسف، ومحمد في كيفية القسمة: فاعتبر أبو يوسف أبدان ذوي الأرحام عدداً وصفةً، فإن كانوا إناثاً سوّى بينهن، ولم ينظر إلى الأصول؛ وإن كانوا ذكوراً، فكذلك، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً، فالقسمة للذكر مثل حظ الأنثيين، فلا يلتفت أبو يوسف إلى ما تقدم من الدرج والوسائط أصلاً، وإنما نظره إلى الوارثين بالرحم في أنفسهم.
وأمّا محمد؛ فإنه ينظر إلى أول درجة وأعلى بطنٍ وقع فيه الخلاف، من آباء هؤلاء الذين يورّثهم وأجدادِهم، وأمهاتهم، وجدّاتهم، فيجعل كلَّ ذكرٍ في ذلك البطن بعدد أولاده الأحياء الذين تقع القسمةُ عليهم، فيثبت ذلك العدد في الدرجة العليا، ويقدِّرُهم ذكوراً، وكل أنثى في الدرجة العليا يجعلها بعدد أولادها الأحياء إناثاً؛ سواء كان الأولاد الأحياء ذكوراً أو إناثاً، أو ذكوراً وإناثاً، فالعدد مأخوذ من الأولاد الأحياء، والذكورة والأنوثة مأخوذتان من الدرجة العليا.
وإذا فعل ذلك، قسّم المالَ في الدرجة العليا للذكر مثلُ حظ الأنثيين، إن