نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 565-4
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب اللقطة

صفحات 565-4
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الولادة على الملك، ولا تعويل على ذلك؛ فإن تصويرهم ليس عن اعتقاد اشتراط التعيين، ولكنه تصوير وفاقي، ثم تناهَوْا في شرحه، وهذا مقطوعٌ به، لا يجوز أن يُتمارى فيه.
6161 - ومما يتصل بهذا أن المزني لما نقل في صدر الفصل عن الشافعي أنه شرط على الملتقِط تقييد البيّنة كما سبق، حكى بعد نجاز ذلك الكلام عنه نصَّاً آخر، واعتقد أنه مخالف للنص الذي نقله أوّلاً، وذلك أنه قال: إذا التقط الرجل منبوذاً، فجاء آخر، وقال: هذا [اللقيط] 1 ملكي، كان في يدي قبل ذلك، وأقام بينةً على أنه ملكُه، وأطلقت البيّنةُ شهادتَها على الملك، نقل عن الشافعي قبول الشهادة 2، ثم أخذ ينظم قولين ويختار أحدَهما.
وهو مأخود عليه؛ فإن النص الأول في ادعاء الملتقط الملك فيمن التقطه، وهذا النص الذي حكاه آخراً، فيه إذا ادعى الملكَ في اللقيط غيرُ الملتقط، وليس في حق المدعي يد [التقاط] 3، حتى نحْذَر [استناد] 4 الشهادةِ إليها، [فكانت] 5 الشهادة مقبولة على الملك مطلقاً، من غير تعرض للسبب، قياساً على البينات الشاهدة على الأملاك، في سائر الخصومات.
فقد بأن غلط المزني، وأنه عَدّ مسألتين مختلفتين مسألة واحدة، وقدر فيها اختلاف جوابٍ.
6162 - وإذْ نجز الفصل على أحسن مساقٍ وترتيب، فأنا أذكر بعد نجازه طريقةً

لشيخي كان يقول: إذا ثبت الملك بإقرار المملوك -حيث يُقبل إقراره- فلا كلام.
والتداعي وراء ذلك في تعيين الملك، فلا حاجة -والحالة هذه- إلى تعيين السبب.
فأما إذا كان دعوى الملك في معارضة الحرية الأصلية، فلا بد من إسناد البينة شهادتها إلى الولادة على الملك.
وهذا الذي ذكره ليس بالبعيد، ويجوز أن يقال: هو معتضدٌ بالنص، وفحوى كلام الأصحاب، وهو مخالف لما ذكره صاحب التقريب.
ولكن يدخل عليه شيء، وهو أن ملك الأم الوالدة كيف يطلق، وهل على الشهود أن يقولوا [إنها] 1 أقرت بالملك أم يجب في الأم أيضاً إسناد ملكها إلى ولادة؟ وهذا أمرٌ طويل، ولهذا أخرت ما ذكره الشيخ، والتعويل على الكلام المقدم.
فصل قال: " وإذا بلغ اللقيط، فاشترى، وباع ... إلى آخره " 2. 6163 - مضمون هذا الفصل مشتمل على بقيةٍ من أحكام الرق والحرية وهو بالإضافة إلى ما تقدم خفي منسوب [إلى جلي] 3، فليعتن 4 الناظر به، وليستعن بالله تعالى.
ونحن نستفتح الكلام بذكر ثلاث مراتب نترجمها، ثم ننعطف على بيانها: إحداها - أن يبلغ اللقيط ويقرَّ بالرق لإنسانٍ ابتداء، من غير أن يتقدم منه إقرارٌ بالحرية، أو يتقدم منه تصرّفٌ يقتضي الاستبدادُ به الحريةَ.
والمرتبة الثانية- أن يبلغ، فيقرَّ بالحرية، ثم يُقرّ بعده بالرق لإنسان.
المرتبة الثالثة - مضمونها أن يتصرف تصرفاتٍ لا يستبدّ بها إلا حرٌّ، ثم يُقرّ بعدها بالرق لإنسان.

فهذه المراتب قواعدُ الفصل.
6164 - ونحن نرجع إلى أولاها: فإذا بلغ، وأقرَّ بالرق ابتداء لإنسانٍ، من غير أن يتقدم على إقراره هذا دعوى حرية أو تصرف.
فالمذكور المشهور في الطرق أن إقراره بالرق (1 مقبولٌ.
6165 - وذكر صاحب التقريب قولاً آخر: إنه لا يُقبل إقراره بالرق على نفسه 1)؛ فإن الدار حكمت له بالحرية، فلا يُنقض مقتضى الدار إلا ببيّنةٍ، وشبّه صاحب التقريب الحريةَ المحكومَ بها بظاهر الدار مع الإقرار بالرق بعدها، بالإسلام الحاصل بتبعيّة الدار، ثم اللقيط إذا بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، ففي أصحابنا من نقل قولاً: إنه يحكم بردّته، ولا يُنقض الأصل السابق تبيّناً، فكذلك وجب: ألا تُنقض الحريةُ.
غير أن المسلم يُتصور منه أن يرتدّ، والحرّ الأصلي لا يتصور منه أن يُرِقَّ نفسه.
6166 - فإن قلنا: لا يُقبل إقراره بالرق في هذه المرتبة، فلا كلام.
وإن قلنا: يقبل إقراره بالرق -وهو الأصح الظاهر- فيتوصّل من هذا المنتهى إلى ذكر المرتبة الثانية-[وهي إذا] 2 زعم أولاً أنه حرٌّ بعد بلوغه، ثم أقرّ بالرق بعد ما سبق منه الاعتراف بالحرية.
فالذي قطع به العراقيون أن إقراره بالرق لا يقبل بعد ذلك قولاً واحداً، فإن الحكم الظاهر بحريته في صباه تأيّد، وتأكّد بإعرابه عن نفسه بعد بلوغه بالحرية، فإذا أراد أن يناقض ذلك، كان كما لو بلغ اللقيط، فأعرب عن نفسه بالإسلام، ثم أعرب بعده بالكفر، ولو فعل ذلك، كان مرتداً قولاً واحداً جانياً على الإسلام، والفرقُ بين البابين أن الجناية على الإسلام بالردة ممكنة، وخرمُ الحرية بعد ثبوتها وتأكدها 3 غيرُ ممكن.
وهذه الطريقة هي التي صححها القاضي، وذكر أنها المذهب.1

6167 - وقطع الصيدلاني القول بقبول الإقرار بالرق بعد تقدم الاعتراف بالحرية، وشبه هذا بما لو ادّعى الزوج الرجعة وأنكرت المرأة مصادفتها العدة، على صيغةٍ تقتضي تصديقَها، كما سيأتي تفصيل ذلك في كتاب الرجعة -إن شاء الله تعالى- فإذا جعلنا القول قولَها، وحلفت، وانتجزت الخصومة، ثم عادت، فاعترفت بتصديق زوجها، فالرجعة ثبتت.
وهذا الوجه الضعيف ذكره القاضي وزيّفه، وزعم أن ناصره يقول: إقراره بالحرية، ثم إقراره بالرق بعدها، بمثابة ما لو أقر بكون الشيء ملكاًً له، وعزاه إلى نفسه وادّعاه، ثم أقر به لإنسانٍ من غير أن يتخلل بين الإقرارين ما يتضمن نقل الملك، فإقراره لذلك الإنسان مقبول.
وهذا الاستشهاد ضعيف؛ فإن الحرية إذا ثبتت، فلا سبيل إلى رفعها، ولله في استقرارها حقٌّ، وفي الإقرار بها تعرُّضٌ لالتزام حقوقٍ تقتضيها الحرية ُلله، وللعباد.
وأما ما استشهد به الصيدلاني، فلنا في تلك المسألة من الرجعة نظر أولاً [كما] 1 سيأتي، إن شاء الله تعالى.
ثم ليست الحرية بمثابتها؛ فإن اللقيط إذا بلغ، وأقر بالحرية، فقد وافق إقرارُه بها حريةً اقتضتها الدار، كما تقدم، فلا سبيل إلى نقضها بعد ثبوتها ظاهراً، وإقراراً.
هذا بيان الحكم في هاتين المرتبتين.
6168 - فأمّا بيان المرتبة الثالثة - وهي ألا يصدر من بعد البلوغ إقرارٌ برقٌ، ولا حرية، ولكنه تصرّف تصرفاتٍ يقتضي نفوذُها الحريةَ، فنكح، وأصدق، وباعَ، واشترى، ثم إنه بعدها أقر بالرق، فكيف السبيل؟ الوجه في افتتاح الكلام أن نقول: إن رددنا إقراره في المرتبة الأولى، وصرنا إلى أن الرق لا يثبت أصلاً إلا ببينة، فلا حكم لإقراره بالرق، وهو كلام لاغٍ مطّرح، ولا يرد على هذا إلا مسألة وهي إذا نكح، ثم أقر بالرق فإقراره اعتراف منه بأن التي نكحها محرّمةٌ عليه، فيستحيل أن نحلّها له، وهو يزعم أنها محرمة، وصدقُه في

الإقرار بالرق ممكن، وهذا يضاهي ما لو أقرّ أحد الابنين الوارثين بنسب بنتٍ، فالمذهب الظاهر أن إقراره مردود ولا يثبت النسب، ولا الإرث ظاهراً وباطناًً، ولكن التي أقر لها بالأخوّة محرمةٌ عليه، وإن كان أصل إقراره مردوداً، فهذه المسألة فيما نحن فيه ملحقةٌ بتلك.
6169 - وإن فرعنا على أنه لو أقرّ بالرق بعد البلوغ، قُبل إقراره -وهذا طريق الأصحاب، والمسلك المشهور- فعليه نخرِّج المرتبة الثالثة، ولا نعود إلى ما ذكره صاحب التقريب في المرتبة الأولى، فنقول: 6170 - إذا أقر بالرق بعد تصرفاتٍ، فأصل إقراره بالرق مقبول، ولكن اختلف قول الشافعي في تفصيل القبول: فأحد القولين - أنه يقبل إقراره عموماً في الماضي، والحال، والمستقبل، وفيما له وعليه، وفيما يتضمن إلحاقَ ضررٍ بغيره.
والقول الثاني - أنه لا يقبل إقراره على العموم، بل يقال: هو مقبول فيما عليه.
ثم اختلفت الطرق، ففي بعضها أن إقراره يقبل في المستقبل عموماً فيما له وعليه، ويقبل إقراره فيما مضى، وسبق، فيما هو عليه، ولا يقبل إقراره فيما يتضمن إبطال حقٍّ لغيره.
ومن أصحابنا من طرد هذا القولَ على هذا التفصيل في المستقبل والماضي، وقال: لا يقبل إقراره فيما يتضمن إلحاق ضررٍ بغيره ويستوي فيه الماضي والمستقبل.
وإذا جمعنا الأقوال من غير التفاتٍ إلى ما ذكره صاحب التقريب، كان حاصلها ثلاثة أقوال: 6171 - أحدها - أن إقراره بالرق مقبول عموماً، فيما له وعليه، وفيما يضر بالغير، وفيما لا يضر، من غير فرق بين السَّابق واللاحق، والماضي والمستقبل.
والقول الثاني - أن إقراره مقبول فيما عليه، ولا يقبل قوله في إبطال حق غيره، ويستوي فيه الماضي والمستقبل.
والقول الثالث - أنه يقبل إقراره عموماً في المستقبل فيما لهُ وعليه، ولا يقبل فيما

سبق ومضى، إذا تضمن إضراراً بغيره، ويقبل إقراره فيما هو عليه إذا لم يضر بغيره فيما مضى.
هذا بيان الأقوال.
6172 - توجيهها: من قال بقبول إقراره عموماً، احتج بأن أصل الرق قد ثبت، والمقر غيرُ متهم؛ فإن العاقل لا يورّط نفسه في أسر الرق وضبطه 1 المؤبّد، ليضرّ بغيره، وإذا انتفت التهمة، نفد الإقرارُ، وإن كان يؤدي نفوذُه إلى الإضرار بحق الغير، وهذا بمثابة ما لو أقر العبدُ بجنايةٍ، توجب القصاصَ عليه؛ فإن إقراره مقبول، والقصاصُ واجب.
وهذا القول الذي ننصره يضاهي ما لو أقر العبد بسرقة نصاب؛ فإن أصل إقراره مقبول، والقطع متوجه، وفي قبول إقراره بأخذ المال قولان.
ووجه قول من يبعّض حكم إقراره عموماً في الماضي والمستقبل أن التعرض لإبطال حق الغير لا وجه له، والعقوبات مستثناة عن هذه القاعدة؛ فإنه لا يهجم على التزامها لقصد الإضرار بالغير عاقل.
ومن فصل بين الماضي والمستقبل، قال: إذا قبلنا الإقرار بالرق، فيستحيل تبعيض حكمه في مستقبل الزمان، فأمَّا ما تقدم على الإقرار، فقد يتجه فيه التبعيض والتجزئة تخريجاً على ما مهدناه.
وهذه الأقاويل مجملة يفصّلها التفاريع، ونحن نأتي بها، ونفصلها مسألة مسألة، ونخرّج كل واحدة على الأقاويل، إن شاء الله تعالى.
فنقول: 6173 - اللقيطة إذا بلغت، ونكحت بناء على الحرية، ثم اعترفت بأنها رقيقةُ فلانٍ، وصدقها المقرُّ له بالرق.
فهذا نخرّجه على الأقوال، فإن قلنا: يقبل إقراره عموماً من غير تبعيض، فنحكم برقها، ونتبين أنها نكحت من غير إذن مولاها، ونقضي بأن النكاح فاسد.

فإن لم يكن دخل الزوج بها، فلا نصفَ مهرٍ، ولا متعة، و [إن] 1 كان دخل بها، فعليه مهر المثل للسيد المقَرُّ له بالرق.
وإن كانت ولدت منه أولاداً، فأولاده منها أحرارٌ؛ فإنها أتت بهم والزوج على اعتقاد الحرية فيها، ويلزمه قيمتُهم للسيّد حين سقطوا وانفصلوا.
وأما العدّة، فقد قال الأصحاب: لا يلزمها عدة، ولكنها تستبرىء بقُرء؛ لمكان الوطء.
قال القاضي: الصحيح أنها تؤمر بأن تعتد بقرأين؛ فإن عدة الأمة بعد ارتفاع النكاح الصحيح قرءان، ونكاح الشبهة في حُرماته بمثابة النكاح الصحيح، فلتعتدّ بقرأين.
وهذا التردد للأصحاب يجب اطراده في كل نكاح بشبهة على أمةٍ، ولكن الذي ذكره القاضي أن هذا من قول الأصحاب يختص بهذه الصورة، والاعتداد بالقرأين متفق عليه في غيرها من الأنكحة الفاسدة المعقودة على الأمة بالشبهة، ولا فرق عندنا.
وإن تخيل متخيل في هذه الصورة أن سبب الاكتفاء بالقرء الواحد أنا نقبل إقرارها عموماً، ونستأصل أثر الحرية بالكلية، ولا يبقى لتصرفها أثر، فيلزم على مساق ذلك ألا نحكم بحرية الأولاد، أو [نشبب] 2 بخلاف فيها، وقد أجمع الأصحاب على حرية الأولاد كما ذكرناه.
وكان شيخي لا يذكر هذا الاختلاف، ويقطع بأنّها تعتد بقرأين.
هذا تفريع على قولنا بقبول الإقرار عموماً.
6174 - وإن قلنا: يُبعَّضُ الإقرار؛ فيقبل فيما عليها دون ما لَها؛ فنحكم على هذا

القول برقها 1 أولاً، ولا نحكم بانفساخ النكاح في المستقبل، ولا بفساده فيما مضى، وإن 2 فرقنا بين الماضي والمستقبل؛ فإنا إذا التزمنا إلزام النكاح فيما مضى فنلتزم الوفاء بحكم الصحة، ونجعل كأن النكاح في حكم المستوفى المقبوض فيما تقدم، ولهذا نظائر من النكاح لا تخفى على الفقيه، وعلى هذه القاعدة بنينا مذهبنا في أن الحرّ إذا وجد الطَّوْل بعد نكاح الأمة، لم نقض بارتفاع النكاح.
هذا حكمنا في أصل النكاح.
ثم الكلام بعد ذلك في المهر.
قال الأئمة: على الزوج أقلُّ الأمرين من المسمَّى ومهر المثل، فإن كان مهر المثل أقلَّ الأمرين، فالسيّد المقَرُّ له لا يدّعي غيره، وإن كان المسمى أقل، فإلزام الزوج أكثرَ منه إضرارٌ به، وقد ذكرنا أنا لا نضر بالغير للإقرار بالرق.
فإن قيل: حطّكم من مهر المثل إضرار بالسيّد المقر له، قلنا: هذا حكم الرق، وإنما نُثبت الرقَّ بالإقرار، ونحن نتوقى الإضرارَ بالغير.
فليتثبت الناظر في هذا المقام، فلا شك فيما ذكره الأصحاب.
وما يفرض فيه من سؤالٍ 3 خيالٌ لا حاصل له.
6175 - والأولاد الذين أتت بهم قبل الإقرار أحرار، وليس على الزوج قيمتهم للسيّد المقر له؛ فإنا لو ألزمناه ذلك، كنا مضرّين به لإقرارها.
ولكن لو استمر على النكاح، فالأولاد الذين تأتي بهم في المستقبل أرقاء [قطع] 4 الأصحاب بهذا أقوالَهم.

فإن قيل: هلا قلتم: إن الأولاد أحرار، إذا 1 فرعتم على اجتناب الإضرار في الماضي والمستقبل، كما أنكم بقَّيتم النكاح في المستقبل، فقولوا: يبقى النكاح له في المستقبل على حكمه فيما مضى، وإرقاقُ أولاده إضرار به؟ قلنا: ما ذكره الأصحاب ظاهرٌ إذا عممنا قبولَ الإقرار في المستقبل من غير تفصيل.
فإن قلنا بالتفصيل في الماضي والمستقبل، والتزمنا اجتناب الإضرار، فالمسألة محتمِلةٌ 2. ظاهرُ كلام الأصحاب ما ذكرناه؛ لأن الأولاد الذين يحدثون في مستقبل الزمان متجددون، وأمرهم يشابه استفتاح تصرف بعد الإقرار بالرق؛ فلا ينتظم مع الحكم بالرق، وعِلْمِ الزوج بأن الرق محكوم به - القضاءُ بحريّة الأولاد، وليس الولد متضمَّن النكاح ولا معقودَه، وإن كان مقصوداً منه على الجملة، وليس هذا كحكمنا بدوام النكاح؛ فإن الحكم بدوامه هو الحكم بصحته أوّلاً، فمن الوفاء بالصحة الإدامةُ، وهي المقصودةُ، والأولاد في المستقبل بخلاف ذلك.
ولست أنكر اتجاه احتمالٍ في حرية الأولاد في المستقبل اتباعاً لحق الزوج ومصيراً إلى أن الأولاد من مقاصد النكاح، ولا أُبعد أن الأصحاب فرّعوا ما ذكروه من رق الأولاد في المستقبل، على تعميم قبول الإقرار في المستقبل، وردّ التفصيل إلى ما مضى.
وهذا منِّي تنبيه على كل وجه بعد أن ظهر لي من كلام الأصحاب القطعُ برق الأولاد في المستقبل، وقد ذكرت وجهه، والله المستعان.
6176 - فإن أراد الزوج ألا يَرِقّ أولادُها، فليطلّقها، وإذا طلقها، اعتدت بثلاثة أقراء، وهذا يظهر إذا كان الطلاق رجعيّاً، فإنّ الرجعية منكوحة، فإدامة التربص في القرء الثالث من إدامة النكاح، وإن طلقها زوجها البتة، فبانت، فالذي قطع به

الأصحاب أنها تعتد بثلاثة أقراء؛ فإنّ ذلك من توابع النكاح.
وأمرُ العِدد لا يختلف بكون الطلاق رجعياً أو مُبيناً.
ولو مات الزوج، فقد قال الشافعي تفريعاً على القول الذي انتهينا إليه: تتربص شهرين، وخمسةَ أيام، ورأى عدة الوفاة، وراء انتهاء 1 النكاح نهايته، ولم يرها من حق الزوج، ومَحَّضها تعبداً بخلاف عدة الطلاق.
وهي 2 رقيقةٌ، فلتعتد عدة الإماء عن وفاة زوجها.
وهذا حسنٌ.
ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنها تعتد عدة الحرائر أربعةَ أشهر وعشراً.
وثار 3 بعض الفقهاء في هذا المقام، فقال: لا يجب عدة الوفاة؛ فإن حظ الزوج قد انقضى، فلا التفات عليه، والرق ثابت، فلتعتد بالقرء 4. ثم ينقدح عندي في هذا أنه إن جرى وطءٌ، فالكلام في القرء الواحد والقرأين على ما مضى في أول هذا التفريع، وإن لم يجر وطء أصلاً، ففي المسألة احتمال: يجوز أن يقال: تستبرىء بقرء، كما إذا اشتُرِيت من امرأة، أو مجبوب.
ويجوز أن يقال: لا استبراء؛ فإن السيد ينكر ما كان.
وما ذكرناه من الحكم بصحة النكاح ظاهرٌ، وليس أمراً باطناً ولكنَّا [كنا] 5 نرعى حق الزوج في ظاهر الأمر، فإذا انقضى، وانقطعت حقوقه، فالسيّد يقول بعد ذلك: لم يكن نكاح قط، فلا استبراء.
فليتأمل الناظر هذه الفصول.

وأسدُّ الطرق وأقطعُها للشغب ما ذكره الشافعي رضي الله عنه في الشهرين والخمسة الأيام؛ فإن عدة الوفاة من حرمات النكاح، وإن كان لا يعتبر فيها شغل الرحم.
فإذا جرى الحكم بالنكاح، لزم إثباتُ عدة الوفاة، ثم لم تثبت العدة الكاملة لما نبهنا عليه.
6177 - ومما أجراه الشافعي أنه قال: يملك الزوج عليها ثلاث طلقات.
وظاهر [هذا] 1 الكلام يشير إلى أن ذلك بسبب كونها حرة في حق الزوج.
ولا حاصل لهذا على مذهب الشافعي؛ فإن الاعتبار في عدد الطلاق بحرية الزوج ورقّه، والزوج الحر يملك على زوجته الأمة ثلاثَ طلقات، حتى قال الأصحاب: هذا تفريع من الشافعي على مذهب أبي حنيفة، وهذا غير منتظم؛ فإنّ الشافعي لا يفرع على مذهبٍ يُبطله، ولكن الذي ينقدح فيه أمران: أحدهما - أنه غفل عن مذهبه في هذا، وأجرى القياس الذي كان [فيه] 2. والآخر - أنه أراد أن يبيّن مشكلات هذا الفصل [بالتقدير] 3 والتحقيق، حتى كأنه قال: لو كان الطلاق يتغيّر برقها وحريتها، لحكمنا بأن الزوج يملك عليها ثلاث طلقات تحقيقاً لثبوت النكاح، على تمام قضاياه.
6178 - وممّا يتصل بهذا الفصل أنا إذا [أَدَمْنا] 4 النكاحَ في المستقبل كما ذكرناه، فنحكم بأنها تُسلَّم إلى الزوج تسليم الأمة المنكوحة، حتى يقال: يستخدمها السيد نهاراً، ويسلّمها إلى الزوج ليلاً، أم نقول: تسلم إلى زوجها تسليم الحرة، حتى لا نبالي بتعطل منافعها على السيد المقَرِّ له؟ ما يقتضيه قياس قول الأصحاب أنا نسلمها إليه تسليم الحرة، فإنا لو لم نفعل هذا، لعظم الضرر، وظهر النقص في عين مقصود النكاح، ومعقوده.

وهذا ينفصل من هذا الوجه عن رقِّ الأولاد في المستقبل؛ فإن العلوق بالولد أمرٌ موهوم، لا يجوز أن يُبنى عليه ما ينتجز من الضرر، ولولا ذلك 1، لما جوّزنا للحر الفاقد للطَّوْل أن ينكح أمةً؛ فإن السعي في إرقاق الولد لا يجوز لشهوات النفوس، ولكن لما كان ذلك موهوماً، والحاجةُ ناجزةٌ، صححنا النكاح.
ويرد على ما ذكرناه أن الزوج يسافر بها الشرق والغرب، وهذا مما ترتاع منه نفسُ الفقيه مع الحكم بالرق وتسليط السيد على البيع وغيره من التصرفات، فليتأمل الناظر ذلك، فهو منتهى تفريع هذه المسألة.
ونحن نأخذ الآن في تفريع مسألة أخرى فنقول: 6179 - اللقيط إذا نكح بعد البلوغ، ثم أقر بكونه رقيقاً، فإن قلنا: الإقرار بالرق مقبول عموماً فيما له وعليه، فالنكاح مردود من أصله.
فإن لم يكن دخل بها، فلا شيء لها، وإن كان قد دخل بها، فقد قيل: لها مهر المثل.
ثم يتعلق بذمة العبد، أو برقبته؟ فيه وجهان، كما لو نكح العبد المعروف بالرق من غير إذن مولاه نكاح شبهة، فوطىء ووجب المهر، ففي تعلّقه بالذمة، أو الرقبة خلاف، وسبب توهم التعلق بالرقبة تنزيلُ العُقر 2 منزلة أُروش الجنايات، وفي هذه المسألة وأمثالها بابٌ معقود في كتاب النكاح.
فلو كان المهر المسمّى أقلّ من مهر المثل، فقد يخطر للفقيه أنها لا تطلب إلا المسمى؛ لأنها قنعت به، وليس كما إذا جرى نكاح مشتمل على مسمى؛ ثم تبيّنا فسادَه قبل الدخول؛ فإن الرجوع إلى مهر المثل ثَمَّ.
والسبب فيه أنا تحققنا فساد النكاح ظاهراً وباطناًً، وهاهنا نحكم بفساد النكاح لأجل الإقرار حُكماً ظاهراً، فيجوز أن يقال: هي مؤاخذة بحكم رضاها بالمسمى.
ويجوز أن يقال: إنما تؤاخد برضاها بالمسمى لو بقي النكاح، والعلم عند الله تعالى.

6180 - فأما إذا فرّعنا على تبعيض الإقرار، فيقبل إقراره، فيما عليه دون ما لَه، ونحكم بانقطاع النكاح من وقت الإقرار، لا من أصله.
ثم إن لم يكن دخل بها، فعليه نصفُ المسمى كما لو طلقها.
وإن كان دخل بها، فلها جميع المسمى، وليس لها إلا المسمّى، حتى لو كان مهرُ مثلها أكثرَ، فلا مطمع لها فيه، لأنا على هذا القول لا نُسند ارتفاع النكاح إلى ما مضى.
ثم هذا المسمى يتعلق بكسب العبد إن كان له كسب، ونجعل كأن عبداً نكح بإذن مولاه.
وإن لم يكن له كسب، فلا تعلق للمهر إلا بذمة العبد، كما لو نكح بإذن المولى، ولم يكن كسوباً، ولا يخفى أن القول القديم في دخول السيد في ضمان المهر والنفقة لا يخرّج هاهنا؛ فإن ذلك القول على ضعفه مبناه على صدور الإذن من السيد تحقيقاً، وهذا المعنى مفقود هاهنا.
6181 - ومما نفرعه على ذلك: البيعُ والشراء فنقول: إذا بلغ اللقيط، وباع، واشترى، ثم أقر بالرق، فإن لم نبعض الإقرار، فالتصرفات كلُّها فاسدة، وأعيان الأموال مستردّة، وما صودف تحت يد اللقيط، فهو ملك المقَرّ له بالرق، وإن تلفت الأعيان في أيدي من قبضها، ضمن قيمتها، وإن حصلت في يده بالشراء أعيانُ أموالِ الناس رُدت على ملاكها، وإن تلف في يده شيء منها، فالضمان متعلق بذمته، فإن عهدة المعاملة الجارية بغير إذن المولى لا تتعلق إلا بذمّة العبد.
ولو قال من عامله: حسبته حراً، لم يختلف الحكم بحسبانه بعدما نفد الإقرار عموماً.
6182 - وإن قلنا: يتبعض الإقرار، فلا ينقض شراؤه وبيعه، وما اشتراه يؤدّي ثمنه مما في يديه؛ نص الشافعي عليه، ولا نقول: ما في يده يسلّم إلى المقر له بالرق، وتتعلق الأثمان بذمته، ولكنا نجعله كعبد مأذونٍ له، يشتري وفي يده الأموال هذا هو الذي يقتضيه الإنصاف، فإن لم نصادف في يده شيئاً، فيتعلق الثمن بذمته حينئذ.

6183 - ومما نفرّعه أنه إذا جنى، ثم أقر بالرق، فإن كانت الجناية موجبةً للقود، فعليه القصاص، وإن كانت موجبة للمال، تعلق الأرش بالرقبة؛ فإن العبد المعروفَ بالرق إذا جنى هكذا حُكمُه.
وإن جُني عليه، فإن كان الجاني عبداً، فعليه القصاص إن كان عمداً، وإن كان حراً، سقط القصاص، والنظر في الأرش؛ فإن كان قطعَ يدَ اللقيط، ثم أقر بالرق، فإن كان نصفُ اليد ونصفُ القيمة سواء، فذاك، وإن كان نصف القيمة أقل من نصف الدية، فليس على الجاني إلا نصفُ القيمة؛ فإن السيد لا يطلب إلا هذا، وقد استقر الرق له.
وإن كان نصفُ الدية أقلَّ من نصف القيمة، فهذا يُبتنى على تبعيض الإقرار، فإن حكمنا بالإقرار عموماً، وجب على الجاني نصفُ القيمة، وإن زاد على نصف الدية.
وإن فرعنا على تبعيض الإقرار، ففي الأخذ بنصف القيمة إضرار بالجاني، وفي الأخذ بنصف الدية [نقصٌ من حق الرق، وفيه إضرار بالسيد المقر له] 1، فما الذي نعتبره؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يغلّظ على الجاني؛ فإن أرش الجناية يبين مقداره بالأَخَرة، وقد بأن أنه جانٍ على رقيق، وثبت الرق قطعاً.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب على الجاني إلا نصفُ الدية، وهذا هو الأقيس والأصح؛ فإن الجناية جرت قبل ثبوت الرق، فيبعد أن نعطف من ثبوت الرق مزيد غُرم على الجاني قبل ظهور الرق.
فإن قال السيد: نقصتم من حقي؟ قلنا له: هذا بمثابة إدامَتِنا النكاحَ على اللقيطة إذا أقرت بالرق.
وقد نجز تمام المراد في التفريع على الأقوال.
ونحن نرسم بعد ذلك فروعاً متعلقة بما مضى.
فرع: 6184 - ما ذكرناه مفصلاً مفرّعاً فيه إذا أقر اللقيط بالرق لإنسان فصدّقه المقَرُّ له، أو ادّعى إنسان رقَّه، فاعترف.

فأمّا إذا أقر بالرق لواحدٍ، فكذبه المقرّ له، فلو أقر بالرق لآخر، فهل يُقبل إقراره الثاني؟ قال الشافعي فيما حكاه العراقيون: لا يُقبل إقراره الثاني أصلاً؛ فإنّا حكمنا بعتقه لما رَدّ إقرارَه، وكأن العبد رجع إلى يد نفسه -لو قدرنا الرق- وحكمُ ذلك العتقُ، وليس هذا عتقاً على التحقيق يُعقب ولاء، وإنما هو تقديرٌ أطلقناه.
وقال ابن سريج يقبل إقراره للثاني، كما [لو] 1 أقرّ بثوبٍ لواحدٍ، فردّه، ثم أقر به لآخر.
وفيما استشهد به ابن سريج نظرٌ، وترددٌ للأصحاب، ذكرناه في كتاب الأقارير.
على أن الفرق ظاهرٌ؛ فإن الثوب لا يفرضُ إلا مملوكاً، وأما الحرية، فإنها الأصل في بني آدم، وفي حصولها حقٌّ لله تعالى؛ فإن حقوق الله تعالى تكثر على الأحرار، وفي ردّ الحرية ردُّها.
6185 - ومما يتفرع على هذا المنتهى، أنا إذا ردَدْنا إقراره للثاني، فلو ادّعى مدَّعٍ عليه الرقَّ، [فلا] 2 تُقبل دعواه من غير بينة.
[و] 3 هذا على نص الشافعي ظاهر، وليس للمدّعي أن يحلّفه؛ فإن الحلف يفرض لتوقع الإقرار، فإذا كان إقراره مردوداً، فلا معنى للحلف، ولو قدر نكوله، لكانت يمين الرد بمثابة الإقرار، فإذا كان الإقرار مردوداً، فلا معنى لهذا التقدير.
فإن ذهب ذاهب إلى أن يمين الرد بمثابة البيّنة، فقد يرى التحليف لتقدير النكول، حتى إذا فرض النكول، أثبتت عليه يمين الرّد.
وهذا ضعيف، لما ذكرناه من تعلّق حق الله تعالى بالحرية.
والله أعلم.
...

وقد بان الآن، ومما أجريه في هذا المجموع، ولا شك في تبرم بني الزمان به - أني كثيراً ما أجري المسائل على صيغة المباحثة، ثم هي تفضي إلى مقر المذهب آخراً، ويعلم المسترشد طريق الطلب والنظر.
وهذا من أشرف مقاصد الكتاب، فلست أخل به لجهل من لا يدريه.
الإمام في نهاية المطلب

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل