نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 485-524
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب اللقطة

صفحات 485-524
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وقد نجزت معاقد الكلام على أصناف اللقطة في البقاع المختلفة.
5999 - ومما يجب إلحاقه بخاتمة الفصل الكلامُ في الفرق بين القليل والكثير، وتصرف الأصحاب فيه، فنقول أولاً: القليلُ الذي لا يتمول لقلته، لا [لخسته] 1 إذا صادفه الواجد، فأخذه، لا يتعلق به حكمٌ في تعريفٍ أو غيره.
ولكن الواجد يختص به، وهذا كالزبيبة يجدها، وما في معناها، وقد ذكرتُ في آخر كتاب البيع ما يجب اتباعه فيما يتموّل، وما لا يتمول، ويمكن أن يطرد في ذلك لفظان: أحدهما - الانتفاع، وكل ما يقدّر له أثر في النفع، وموقعٌ في هذه الجهة، فهو متموّل.
وكل ما لا يظهر له أثر في الانتفاع، فهو لقلته خارج عما يُتموّل.
وهذا مما قدمته.
ويمكن أن يقال: المتمول 2 هو الذي يفرض له قيمة عند غلاء الأسعار، والخارج عن التموّل هو الذي لا يفرض ذلك فيه.
6000 - ثم ما لا يتموّل لا يصح بيعه، لا بما يتموّل ولا بما لا يتمول.
وصاحبه الظاهر أولى به، فلا يزاحَم عليه، وله منع من يزاحمه.
ولو وهبه، فيظهر عندي تصحيح الهبة فيه، على معنى إحلال المتَّهِب محلَّ الواهب في الاختصاص.
وهذا محتمل لا أقطع به.
وإذا كنا نذكر الخلاف في هبة الكلب، تعويلاً على حق الاختصاص، فلا يبعد إجراؤه فيما ذكرناه.
ويسوغ أن يقال: الهبة في الكلب تعتمد إمكان الانتفاع به، ولا نفع فيما لا يتمول، فيظهر إبطال الهبة.
6001 - ولو أتلف متلفٌ المقدار الذي لا يتمول، وكان جنسه من ذوات القيم، فلا شيء على المتلف، كسلك من ثوب.
وإن كان المتلَف من ذوات الأمثال، فقد ذكر [بعض] 3 الأصحاب خلافاًً في أنه

هل يضمن له مثلَ ما أتلفه.
ويخرّج عليه التردد الذي ذكرناه في الهبة، والأظهر إبطال الهبة، ونفيُ غرامة المثل.
6002 - فإن أخذ الملتقط ما لا يتموّل، استبد به، ولا تبعة في الحال؛ فإن ما يقتضيه سلطانُ الالتقاط [يزيد] 1 على ما ذكرناه.
6003 - فأما إذا كان الشيء المصادف متموَّلاً، ولكن عُدّ يسيراً، فللأصحاب فيه تردد، نأتي به على وجهه، ثم بيان القول فيه يبين آخراً.
فإذا وجد الملتقط شيئاً يسيراً متموّلاً، فمن أصحابنا من قال: هو كالكثير في جميع الأحكام، فلا بد من تعريفه سنة؛ فإن أحكام الأموال في هذه المنازل لا تختلف بالقلة والكثرة إذا كان الشيء مما يتمول.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب تعريف الموجود سنة كاملة.
وهذا فيما ذكره الأصحاب ظاهرُ المذهب.
ووجهه أن الشيء الخطير لا يبعد توقُّع طلبه في مدة السنة، والشيءُ الحقير قد ينعكس عليه فاقده على قربٍ، فإن لم يجده بَعُد 2 دوامُ الطلب فيه المدةَ الطويلة، هذا حكم العرف.
فإن قيل: فلا توجبوا التعريف أصلاً؛ فإن الحقير قد لا يطلب.
قلنا: لا يمكن الحكم بهذا على طبقات الخلق، فإن فيهم من يرجع على طلب ما نعتقده حقيراً.
فإن قيل: هلا أوجبتم التعريف سنةً؛ إذ في الناس من يطلب ما نراه حقيراً مدة طويلة؟ قلنا: ليس الأمر كذلك؛ فإن طبقات الناس على خلاف المراتب يستوون في ترك إدامة الطلب في الحقير الذي لا يؤثر العاقلُ التعبَ الكثيرَ في طلبه، ثم لهذا السؤال صار صائرون إلى وجوب التعريف سنة على ما قدمناه.
6004 - فإن قيل: إذا لم تُوجبوا التعريف سنة، فما المعتبر عندكم؟ وقد أوجبتم

أصل التعريف؟ قلنا: الذي تلقيناه من كلام الأصحاب في ذلك تحصره أوجه: أحدها - أن مدة التعريف ثلاثة أيام.
وهذا تقريب لا بأس به.
وفي بعض التصانيف 1 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من التقط لقطة يسيرة، فليعرّفها ثلاثة أيام ". وهذا إن صح معتمدٌ ظاهر.
ومن 2 أصحابنا من لم يقدّر في ذلك مدة، وقال: تعرف مدة يُظن في مثلها رجوعُ الفاقد على ذلك المفقود، وهذا يختلف باختلاف أقدار ما يندرج تحت اليسير.
وهذا وإن كان مستنداً إلى فقه الفصل، فهو كلام مبهم، لا يكاد يتحصل.
ثم عبر الأئمة عن هذا، فقالوا: يعرّفه يوماً، أو يومين، ومنهم من قال: وأكثره ثلاثة أيام.
ومن 3 أصحابنا من رمز إلى أنه يكفي فيه التعريف مرة واحدة على شرط الإظهار.
وهذا في نهاية الحسن؛ فإن هذا القدرَ يكفي في إخراج اللقطة عن حيز ما يُكتم؛ فإنه لا ضبط بعده لمدة تذكر.

وهذا إنما يتجه لو لم يصح الخبر الذي ذكرناه.
6005 - فإن قيل: لم تذكروا ضبطاً يُتمسك به في الفصل بين الحقير والخطير؟ قلنا: ذكر أولاً بعض المصنفين في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها - أن الحقير ما دون نصاب السرقة؛ فإن ما دون ذلك تافه، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: " كانت الأيدي لا تقطع في المال التافه، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " 1 هذا وجه.
والوجه الثاني - أن التافه ما دون الدرهم؛ فإن ما ينقص عنه مما يستوي طبقات الخلق في الحكم بتحقيره، والدرهم التام قد لا يكون كذلك، ثم لا ضبط للهمم، فقد يستحقر الرجل المعظمُ المالَ العظيمَ في حق غيره.
والوجه الثالث - أن الدينار، فما دونه حقير، وقد روى من ذكر هذه الأوجه: أن علياً رضي الله عنه وجد ديناراً، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يستنفقه، ولم يأمره بتعريفه 2. وهذا لم أره في غير هذا التصنيف، وفيه إشكال وهو إسقاط أصل التعريف، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى إسقاط أصل التعريف، وإن قل مقدارُ الملتقَط.
وقد يتجه خروج ذلك إن صح الأثر على الاكتفاء بالتعريف مرة واحدة.
فإن قيل: لم يجر التعريف مرة واحدة؟ قلنا: ليس للتعريف لفظٌ يجب اتباعه، وإنما الغرض شهر الأمر وإظهار القصة، وهذا يحصل بمراجعة عليّ رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الواقعة على رؤوس الأشهاد، وحكمه صلى الله عليه وسلم فيها.
وكان شيخي أبو محمد لا يضبط اليسير بمقدارٍ ويأبى أن يحتكم في التقدير من غير توقيف، ويقول: الرجوع في ذلك إلى ما يغلب على الظن أن مثله لا يطول من طبقات

الخلق طلبه، وإن فُرِض طلبُ الفاقد له، فلا يتمادى أمدُ طلبه.
وهذا الذي ذكره حسن في طريق المعنى، وفَرْضُنا وراءه قائم في التقريب إن أمكن.
فرع: 6006 - إذا صادف الإنسان كلباً منتفعاً به، فقد ذكر العراقيون: أنه إذا صادفه في العمران، وقلنا بالتقاط الحيوان فيه، فإنه يعرّفه، ثم يصير أولى من غيره.
ولست أرى الأمر كذلك؛ فإنه لا يتصور جريان الملك فيه، وأحكام الالتقاط تثبت فيما يملك، ثم [يعسر] 1 التفريع على ما ذكروه؛ من جهة أن الملتقِط إنما يصير أولى باللقطة بعوضٍ يلتزمه، والكلب لا عوض له.
وإن قيل: يعتبر عوضه بمنفعته، فعوض المنفعة لا تتقدّر من غير فرض مُدّة، ثم يلزمهم طرد هذا في الأعيان النجسة المنتفع بها؛ فإنه يثبت فيها حق الاختصاص، والكلب نجس العين، فإن طردوا ما ذكروه في الأعيان النجسة، كان بعيداً.
فرع: 6007 - من وجد لقطة في الحرم، فقد ظهر اختلاف أصحابنا فيها: فمنهم من قال: لا سبيل إلى تملكها، واستدل بظاهر الحديث المشهور المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ ذكر الحرمَ، وتحريمَ الله تعالى له، وقال في أثناء كلامه: " لا يُنَفَّر صيدُها، ولا يُعْضَدُ شجرُها، ولا تَحِلّ لُقَطَتُها إلا لمنشد " 2. ومن أصحابنا من قال: من صادف لقطة في الحرم، عرّفها، وملكها على قياس اللقطة في سائر البلاد، وتأويل هذا الحديث عند هذا القائل [قريب] 3 محتمل؛ فإنه يقول: قطع رسول الله صلى النه عليه وسلم وَهْمَ من يظن أن اللقطة في الحرم لا تعرّف أصلاً، وقد يظن ذلك ظانٌّ فيما يَلقى في المواسم إذا تفرق الحجيج مشرِّقين، ومغرِّبين؛ فإنه يبعد منهم أن ينعطفوا في طلب ما يفقدون، وقد مَدّت المطيُّ

أعناقها 1، وأخذت أصوابَها، فأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز ترك الإنشاد؛ حملاً على ما نبهنا عليه.
ويجوز للقائل الأول أن يقول: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريمَ اللقطة في سياق ذكْرِه خصائص الحرم وما يتعلق به من تحريمٍ وتعظيمٍ، وليس في كلامه ما يشعر بالتعرض للمواسم ومزدحم الخلق.
ثم هذا لا يختص بالحرم، بل يمكن فرضه في كل بقعة يجتمع عليها سَفْرٌ 2، ثم ينقلبون.
فصل 6008 - قد ذكرنا أصل الالتقاط وأنه واجب، أو مستحب، أو مباح، وقد تردد نص الشافعي في الإشهاد على الالتقاط، فدل بعضُ مجاري كلامه على إيجاب ذلك، وقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يجب الإشهاد، وهو مذهب أبي حنيفة 3، وفي بعض التصانيف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من التقط لقطة، فليشهد عليها " 4 وهذا إن صح متعلق قوي.
ومن أصحابنا من قال: الإشهاد احتياط، وهو غير واجب، وهو مذهب أبي يوسف، وتعليله أن الالتقاط تردد بين الأمانة والكسب، ولا يجب الإشهاد عليهما

جميعاً، والخبر إن صبح محمولٌ عند هذا القائل على الاستحباب، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282]. 6009 - ثم من أراد الإشهاد، ورآه مستحقاً أو مستحباً، فإنه لا يشترط وصف اللقطة بكمالها للشهود، أو إظهارها لهم؛ من قِبل أنه لو فعل ذلك، لم يأمن أن يجرّ ذلك لَبْساً، وخبلاً، بأن يذكر للشهود الوصفَ ويواطئوا شخصاً حتى يصف اللقطة ويدّعي الملك فيها، وهذا يظهر إذا قلنا: يجب ردّ اللقطة اعتماداً على الوصف، ولا نأمن أن يشهد أولئك له بالملك عن مواطأة؛ فإذاً الوجه الاقتصارُ على بعض الوصف.
ومن أصحابنا من قال: يكفي أن يُشهد على أنه وجد لقطةً من غير أن يتعرض لشيءٍ من الأوصاف.
وهذا ساقطٌ عديمُ الفائدة.
فإن قيل: أتحرّمون ذكرَ تمام الوصف، أم تكرهونه؟ قلنا: ما نرى الأمر ينتهي إلى التحريم في ذلك.
فرع: 6010 - إذا التقط لقطة، فجاء إنسان، ووصفها بصفاتها، فإن غلب على الظن صدقُ الواصف، فله أن يسلّمها إليه.
وظاهر المذهب أنه لا يلزمه التسليم، حتى يقيم البيّنة.
وإن لم يغلب على ظن الملتقط صدقُه، وجوز كذبَه مع الإحاطة بالأوصاف عن قرينةٍ، فلا ينبغي أن يسلمها إلى الواصف، وقد رأيت في هذا تردداً في جواز التسليم.
والظاهر عندي أنه لا يسلِّم ما لم يغلب على ظنه صدقُه، فلو سلمه إليه عند الغلبة، ثم ثبت أن المستحِق غيرُه، وأقام المستحِقُّ بينةً، فله أن يطالب من شاء، فإن طالبَ الآخد الواصفَ، وكانت العينُ تالفةً، وغرّمه القيمة، فلا يجد به 1 مرجعاً على الملتقط.
ولو غرَّم المستحقُّ الملتقطَ، فلا يخلو إما إن كان أقر ابتداءً بالملك للواصف، أو لم يقر له، ولكن اقتصر على ظاهر الرد، فإن أقر له بالملك، لم يرجع عليه إذا

غرِم؛ فإنه مُؤاخد بموجب إقراره المتقدم.
وإن لم يقر بالملك لمن ردّ عليه، فإذا غرَّمه المستحِقُّ، رجع بما غرِم له؛ على المردود عليه؛ فإن قرار الضمان على من تلفت العين المضمونة في يده.
فصل 1 6011 - إذا انقضت سنةُ التعريف، وتملّك الملتقطُ اللقطةَ، فإذا ظهر مالكها، فهل يكون أوْلى بعين اللقطة؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، ذكرنا مثله في القرض.
فمن استقرض شيئاً، ولم يخرجه، ولم يتصرف فيه، فأراد المقرض الرجوعَ في عينه، وقال المستقرض: أردّ بدله، فهل يجاب المقرض إلى مُراده؟ فيه خلاف قدمتُه في موضعه.
ومأخذ الملك في اللقطة كمأخذ الملك في القرض، غير أن الاستقراض مبني على الإقراض 2، والملك يحصل في اللقطة من غير تمليك من مالكها، ثم إذا ظهر المالك، كان كحضور المقرض.
6012 - ثم إذا عابت اللقطة بعد التملك، فإن قلنا: لا يملك الرجوع في عينها، فيطالِب بالبدل.
وإن قلنا: يملك الرجوع في العين، فلو كانت عابت بعد التملك، كما ذكرنا، فإنه يسترجع العينَ، ويغرِّم الملتقطَ أرش النقص؛ فإن العين لو تلفت، لكانت مضمونة بقيمتها، فإذا عابت، كانت مضمونة بالأرش.
وإذا كنا نفرعّ على أنه أوْلى بعين اللقطة، فلو كانت سليمة، فأراد أن يطلب بدلَها، لم يجبه الملتقط إلى مراده، فإذا عابت، فقال: لست أستردها، وقد عابت، وأرجع إلى البدل، وقال الملتقط: بل أردُّ العينَ، وأغرَم أرش النقص، فقد ذكر الأئمةُ في هذا خلافاً: فمنهم من قال: ليس له إلا الرجوع في العين الناقصة مع أرش النقص.
ومنهم من قال: له الرجوع إلى البدل؛ فإن العيب قد لا يقف، ويسري.

ومن غصب عيناً فعابت في يده عيباً لا سريان له، فليس للمغصوب منه إلا استرداد العين، وتغريم الغاصب أرش النقص، وفي مسألتنا الخلاف الذي ذكرناه يتعلق بنقص يد ثابتةٍ شرعاً متعلقةٍ بحق في الاختصاص، فكان الخلاف لذلك.
فرع: 6013 - قال صاحب التلخيص: من وجد بعيراً في الصحراء، فقد ذكرنا أنه لا يحل له أخذها 1. ثم استثنى من هذا مسألة، وهي أن يجد الرجل بعيراً في أيام منى ضالاً في الصحراء، وهو مقلَّد بما يقلّد به الهدايا، فظن الواجد أنه هديٌ شرد عن صاحبه.
قال: نص الشافعي على أن له أن يأخذه، فإن خاف فوات أيام النحر، فله أن ينحره 2. قال الشيخ أبو علي وأئمة المذهب: هذا الذي ذكره صاحب التلخيص، فهو مصدق في نقله.
ولكن ذكر بعض أصحابنا قولاً آخر: إنه لا يأخذه، ولا يحل له أخذه؛ بناءً على ما ذكرناه من أنه لا يجوز التعرض لكبار البهائم في الصحراء.
وكان الشيخ القفال يُخرِّج هذين القولين على أن من وجد بدنة منحورة، ورأى ميسمَها قد غُمس في دمها، وضُرب به غاربها، فهل يحل له الأكلُ بناء على هذه العلامة، وعلى شعار الإشعار؟ والهدي المسوق إذا كاد أن يعطب، يُفعل به هذا؛ دَلالةً على أنه مأكول.
ففي جواز الأكل اعتماداً على هذه العلامات قولان مذكوران في كتاب الحج، وله نظائر.
كذلك الهدي المقلّد بما يقلد به الهدايا عليه العلامة، والظاهر أنه خُلِّف لانقطاعه عن المسير.
6014 - والضحية المعيّنة لجهة التضحية إذا ذبحها في أيام الذبح من ظفر بها، وقعت مجزئةً، وإن لم يصدر الذبح عن [إذن] 3 صاحبها.
وهذا فيه بعض النظر؛ فنا وإن حكمنا بأن التضحية وقعت موقعها ممن ليس مأذوناً فيها، فلا يجوز الإقدام عليها.

وصاحب التلخيص استثنى هذه المسألة وحكم فيها بجواز الأخذ والنّحر، كما وصفناه.
وهذا قد لا يشبه المنحور الذي على غاربه العلامة التي وصفناها؛ فإن تلك العلامة تثبتُ مسلّطةً على جواز الأكل منها، ولم يثبت في مسألتنا علامة تسلط على جواز الذبح، مع جواز أن هذه البدنة شردت عن الرفاق، وامتنع عليهم أن يلحقوها، فغاية الإمكان أن تُقدَّر أنها خُلِّفت، ولم تُنحر قصداً لضعفها عن المسير قبل أيام النحر.
فهذا منتهى الإمكان في ذلك، مع التنبيه على ما فيه.
6015 - وقد يستثنى عن تحريم أخذ البدنة جواز أخذها على قصد الرد على مالكها.
وهذا يخرّج على الوجهين اللذين ذكرناهما فيه، في أن من وجد مالاً ضائعاً، فأراد أن يأخذه محتسباً ليرده على مالكه، فهل له ذلك أم لا؟ وفيه الخلاف الذي مهدناه فيما تقدم.


باب يجمع فصولاً في الجعالة

1 6016 - ذكر المزنيُّ فصولاً في آخر هذا الكتاب في أحكام الجعالة، ونحن نضبط قواعدَها، ونبين طريقها وتحقيقها، فنقول أولاً: هذه معاملة أُثبتت، واحتُمل فيها جهالةٌ لمسيس الحاجة إليها، وسميت جِعالة لما فيها من ذكر الجُعل.
ووجهُ مسيس الحاجة إليها أن العبد إذا أبِق، والبهيمةَ إذا شردت، ومست الحاجة إلى ردها، فقد 2 لا يستقل به صاحب الواقعة، ولا يسمح به من يتمكن منه.
والغالب وقوع هذه الوقائع عند الجهل بمكان العبد الآبق، والجهةِ التي أخذ [فيها] 3؛ وإذا كنا نحتمل جهالةَ القراض توصّلاً إلى تحصيل الأرباح من غير اضطرار وإرهاق إليها، فجهالة الجعالة أولى بالاحتمال.
ثم أثبت الشارع هذه المعاملة جائزةً، على ما سنصف ذلك فيها؛ فإن منتهاها غيرُ معلوم، وكل ما كان كذلك ثبوته على اللزوم بعيد، كما ذكرناه في القراض، بخلاف المساقاة والإجارة فإن المقصود منهما مضبوط، كما تقدم ذكر ذلك.
ولا تُحتمل الجَهالة في الجُعل المسمى؛ من جهة أنه لا حاجة إلى احتمالها، كما وصفنا القول في ذلك، فليكن الجُعل في هذه المعاملةِ على قياس الثمن المذكور، والأجرةِ المسماة، ويُحتمل ما وراء ذلك من غررٍ.
6017 - ثم الجعالة تُتصور على وجهين: أحدهما - أن تُعلَّق بمخاطب معيّن.
والآخر - أن تُبهَم، ولا يُعيَّنُ فيها عاملٌ مخصوص.

وصورة تعليقها بمعيّن أن يقول قائلٌ لشخصٍ: إن رددتَ عليّ عبدي، فلك دينار.
أو يقولَ: رُدّ عليَّ عبدي، ولك دينار؛ فتصبح المعاملةُ كذلك، على صيغة الشرط، وعلى صيغة الأمر.
ثم لم يشترط أئمة المذهب القبولَ من المعيَّن للعمل، واكتفَوْا بصدور الشرط من الجاعل.
وهذا فيه بعض الاحتمال، وهو بعينه كما ذكرناه فيه، إذا قال (1 لمن يوكِّل: " بع عبدي هذا "، فقد أوضحنا أن الظاهر أن القبول لا يشترط في هذه الصيغة، وإنما التردّد، فيه إذا قال 1): وكلتك بيعَ هذا العبد، فيحتمل أن يقال: إذا قال الجاعل لمن يخاطبه: جعلت لك على رد آبقي ديناراً، فاشتراط القبول هاهنا لا يبعد أن يخرّج على الخلاف الذي ذكرناه في الوكالة.
وبالجملة الجعالة المعلّقة بمعيّن لا يمتنع أن تكون كالوكالة في اشتراط القبول، ولا يمتنع مع ما ذكرناه الفرقُ؛ من جهة أن الوكالة لا تحتمل إبهام الوكيل المستعمل، والجعالة تحتمل ذلك؛ فإنه لو قال: أذنت لكل من أراد في بيع عبدي هذا، لم يصح التوكيل على هذا الوجه.
ولو قال: من رد عليّ عبدي الآبق، فله كذا، صحت الجعالة على هذا الوجه.
فهذا ما أردناه.
6018 - ثم قد أوضحنا أن الجهالة احتملت في الجعالة لمسيس الحاجة، فلو فرضى الجعالة، حيث لا جهالة، مثل أن يقول القائل لمن يخاطبه: إن خطت ثوبي هذا، فلك كذا، أو أبهم، فقال: من خاط ثوبي هذا، فله درهم، ففي صحة الجعالة حيث لا جهالة، ولا حاجة إلى احتمالها وجهان.
والضابط لمحل الخلاف أن ما أمكن الاستئجار عليه على الشرائط المذكورة في الإجارة، ففي عقد الجعالة فيه ما ذكرناه، والأصح منعُ الجعالة إذا أمكنت الإجارة.
6019 - ثم من حَكم بالجعالة حيث تصح، قال: إن المجعول له لا يستحق من1

الجُعل شيئاً ما لم يتم العمل.
هذا متفق عليه، حتى لو ردّ العبدَ الآبق من مسيرة فراسخ إلى قرب البلدة، ثم سيَّبه، أو تركه على مكانته مقدوراً عليه، ولم يردّه، فلا يستحق مما سمي له شيئاً، ولا يستحق -والحالة هذه- أجرَ المثل أيضاً؛ فإن موضوع هذه المعاملة على تحصيل تمام المقصود من العمل، فإذا لم يحصل، لم يثبت للعامل استحقاقٌ.
هذا إذا أضرب العامل قصداً.
ويتصل به ما لو عسُر عليه إتمام العمل؛ فإنه لا يستحق الجُعْلَ، وإن لم يقصِّر وفاقاً، وكذلك القول فيه إذا مات العبدُ في الطريق.
والجملة أن تمام العمل لا بد منه، ولا يحصل استحقاقُ جزء من الجُعل دونه.
6020 - ولو فسخ الجاعل الجعالة، انفسخت، ولكن إن جرى الفسخُ على علمٍ من المجعول له قبل الخوض في العمل، فقد ارتفعت المعاملة.
ولو خاض المجعول له في العمل، أحبطنا عمله.
وهذا على قياس فسخ القراض قبل الخوض في العمل.
ولو عمل العامل بعض العمل، وكان متمادياً إلى استتمامه، ففسخ الجاعل، نفذ فسخُه، وفائدة نفوذه سقوطُ الجعل المسمى بالكلّيّة، ولكن لا يحبَط عمل العامل، وله أجر مثل عمله.
وقد ذكرنا نظير ذلك في القراض.
وهذا هو الذي يليق بمصلحة المعاملة.
أما سقوط الجعل، فلثبوت الجواز من الجانبين، وأما منعُ إحباط عمله، فسببه أن يثق العامل بالخوض في عمله، ولو لم يكن كذلك، لما حصلت الثقة، ولما رغب العامل في تعريض عمله للإحباط.
ولو فسخ الجاعل المعاملة من حيث لم يشعر العامل، فهذا لا يبعد تخريجه على أن الوكالة هل تنفسخ على غيبة من الوكيل قبل أن يبلغه الخبر؟ والظاهر أن الجعالة تنفسخ في مسألتنا؛ فإن مقتضاها ما ذكرناه من الجواز، وقبول الجهالة.
والله أعلم.
6021 - فهذه صيغةٌ في الجعالة معلقة بمعيّن مخصوصٍ، ويجوز فرضها مع

شخصٍ واحد، ومع أشخاصٍ معينين، فإذا قال لنفرٍ: إن رددتم عليّ عبدي الآبق، فلكم كذا، فإذا ردّوه، واشتركوا في رده، استحقوا الجُعل.
ثم ظاهر كلام الأصحاب أنهم إذا كانوا ثلاثة وردّوا العبدَ، فالجعل مفضوضٌ عليهم، نظراً إلى الرؤوس، دون أقدارِ الأعمال؛ وذلك أن العمل في أصله مجهول، فلا يمكن رعاية مقداره في الفضّ والتفسيط.
وليس يبعد عن قاعدة المذهب أن نقول: الجعل إنما يدفع إليهم عند تمام العمل، وإذا تم، فقد انضبط العمل، وتبين ما صدر من كل واحد؛ فيجوز أن يُفضَّ الجُعل على أقدار أُجور أمثالهم.
6022 - ومن حُكم الجعالة أن العمل إذا تم، استقر الجُعل، ولزم لزوماً لا يُدرَأ، وانتهر، بانتهاء العمل مقتضى الجواز، وسلطان الفسخ.
6023 - والأصل المقصود في الجعالة الذي منه ينشأ الإشكال على الناظر ما نصفه، ونبيّن ما فيه على تدريجنا في محاولة البناء.
فإذا قال القائل لمن يخاطبه: إن رددت عبدي الآبق، فلك دينار، فهذا في ظاهره يقتضي استدعاءَ العمل من المخاطب دون غيره.
وهذا يتأكد في صيغة الشروط؛ فإن المطلق منها ما يقع التعرض له على التعيين، حتى يمتنعَ قيامُ غيره مقامه.
ولكن المعاملات تُبنى على مقاصد الخلق، لا على صيغ الألفاظ، لا سيّما إذا عم العرف، في بابٍ، فهو المتبع.
ومما نعلمه من مقصود الخلق في هذه المعاملة أن من قال لمعيّن: إن رددت عبدي، فلك كذا، فقد لا يستمكن المعيّنُ من تعاطي ذلك بنفسه على الانفراد، والغالب أن حاجته تمس إلى الاستعانة بغيره، فلا معنى لحمل اللفظ على قصر العمل في المخاطب، ولكن يتعيّن حمله على تحصيل المقصود، والسعي فيه بأي وجهٍ أمكن، حتى لو استعان العامل بمن أراد بأجرة يبذلها، أو بأن يتبرع عليه المستعان بالإعانة، فإذا حصل المقصود، فلا نظر إلى جهات العمل بناءً على مقصود الباب.
وقد قال الشافعي: إذا عيّن الجاعل شخصاً في عمل الجعالة، فأعانه آخر، قلنا

للعامل: ماذا أردتَ بعملك، ومن أردته به؟ فإن زعم أنه أراد إعانة العامل متبرعاً، فللعامل تمامُ الجُعل، نظراً إلى ما مهدناه الآن.
وإن زعم أنه قصد إعانة الجاعل فنفضُّ الجُعلَ عليهما، ونُسقط منه قدراً، ثم يعترض الفض على الرؤوس أو على أقدار الأعمال؟ والظاهر عندنا في هذا المقام الفض على أقدار الأعمال، والله أعلم.
6024 - ومما يتعلق بالقاعدة التي نحن فيها أنه إذا قال لزيد: رد عبدي الآبق، ولك عشرون درهماً، وقال لرجل ثانٍ: ردّ عبدي، ولك ثلاثون، وقال لثالث: رُدّ عبدي ولك ستون، فإذا اشتركوا في العمل وردوا العبد، فلكل واحدٍ منهم ثلثُ الجعل الذي سمي له، نصَّ الشافعي على ذلك.
فإن قال قائل: ينبغي ألا يستحق واحدٌ منهم شيئاً؛ فإنه علق استحقاق كل واحدٍ لما جعله له بأن يُتم العمل، ولم يتم واحدٌ منهم العملَ، ولم يعلق المعاملة بهم، على الاشتراك، ولم يقل: إن رددتم؟ قلنا: هذا خارج على الطريقة التي ذكرناها في اتباع المقصود وتحكيمه في الغرض المطلوب من غير رجوعٍ إلى صيغة اللفظ؛ فهذا مبنى الباب، وهو متفق عليه بين الأصحاب.
ولا حكم لبعض العمل فيها، قبل حصول المقصود، كما ذكرناه في ترك العامل عملَه في أثناء الأمر، وإذا حصل المقصود، فهو الأصل، وعليه التعويل.
هذا كله إذا علّق المعاملة بمعينين.
6025 - فأما إذا أبهم الشرط، ولم يعيّن، وقال: من رد عليّ عبدي الآبق، فله دينار، فالمعاملة تصح على هذا الوجه اتفاقاً، وسببه ما قررناه من بناء العمل على المقصود؛ فإن الرد قد لا يتمكن منه معيّن، ومن يقدر عليه لا يكون حاضراً، فإذا أشاع في الناس اشتراطَ الجُعل، واستوى فيه من شهد، ومن غاب، ترتب عليه حصول الغرض.
وهذا حسنٌ في بابه.
ولا يلزم مثله في القراض؛ فإن تعيين العامل ثَمَّ ممكنٌ، والغالب مسيسُ الحاجة إلى إبهام العامل في الجعالة.

ولو قال: من رد عبدي، فله دينار، فتبرع إنسان بردّه، وما كان بلغه ذكرُ الجُعل على الردّ، فلا يستحق الرادُّ المتبرع شيئاً.
ولو رد إنسان العبدَ، وبنى عملَه على أنه يستحق الأجرة على كدِّه، وقد يعتقد ذلك كثير من الناس في العادات، ويرَوْن أن حق عملهم ألا يحبَط، فإذا جرى الرد على هذا القصد، وقد سبق من صاحب العبد ذكرُ جُعلٍ على الإبهام في العامل، فهذا مما تردد فيه شيخي، إذ طُرحت عليه المسألةُ، وزعم أن ثبوت الجُعل للرّادّ ممكن؛ فإن لفظ الشرط على الإبهام قد شمله بشيوعه وعمومه، وقد حصل المقصود بالرّد.
6026 - والظاهر عندنا القطعُ بأنه لا يستحق شيئاً؛ فإنه لم يخصَّص بالمعاملة تعييناً.
ولم يبلغه لفظُ الجاعل على مقتضى العموم، وإذا انتفى الأمران، تجرد عملُه عن [العوض] 1. وسر الباب أنا إنما احتملنا إثبات الجُعل مع إبهام العامل ليشيع اللفظُ في الناس ويستحثهم الجُعْل على إتمام العمل، وتحصيل المقصود، حتى كأن شيوع الخبر فيهم في دُعائهم إلى تحصيل المقصود ينزل منزلة تعيين العامل وتخصيصه بالمعاملة.
فإذا وقع [العمل] 2 من غير تعيينٍ، ولا بلوغِ خبرٍ، كان خارجاً عن الضبط بالكليّة.
6027 - ولا ينبغي أن يعتقد الفقيه في مسائل هذا الباب فرقاً بين أن يذكر الجاعل لفظَ الشرط، فيقول: إن رددتَ، وبين أن يقول: رُدَّ عليّ، ولك دينار؛ فإن الأمر معه معنى الشرط، ولهذا نجزم جوابَه بالعربية جَزْم الجزاء، فنك تقول: ائتني أُكُرمْك، كما تقول: إن أتيتني أكُرمْك.
6028 - ولو أثبت الجاعل جُعلاً مجهولاً، أو أثبت مكان الجُعل خمراً أو خنزيراً، فإذا عمل العامل، استحق أجر المثل.
ولو ذكر الجاعل ثوباًً معيناً، وكان مغصوباً، أمكن تخريجه على جَعْل المغصوب صداقاً، أو بدلاً في الخلع حتى يخرّج على قولين في أن الرجوع إلى قيمة ما يقابل

الجُعل، وهو أجر المثل في هذه المعاملة، أو إلى قيمة العوض المسمى.
ويمكن أن يقال: نقطع هاهنا بثبوت أجر المثل؛ فإن العوض ركنٌ في المعاملة، بخلاف الصداق، والعلم عند الله تعالى.
6029 - ولو قال الرجل لإنسانٍ: رُدّ علي عبدي الآبق، ولم يسمّ له شيئاً، فإذا ردّه هل يستحق عليه أجرَ المثل؟ هذا يخرّج على ما مهدناه في الإجارة فيه إذا استعمل رجلاً في غسلِ ثوبٍ، أو خياطته، أو ما عنّ له من المقاصد، ولم يذكر له أجراً، وفيه الاختلاف المعروف بين الأصحاب.
6030 - ولو لم يستعمل أحداً، ولكن ردّ العبدَ رادٌّ من غير إذنٍ من المردود عليه، فإنه لا يستحق عندنا شيئاً، خلافاًً لأبي حنيفة 1، ولا فرق بين أن يكون الرادُّ معروفاً برد الإباق متعرّضاً لهذا الشأن، وبين ألا يكون كذلك، فلا يستحق شيئاً إذا لم يذكر صاحبُ العبد جُعلاً، ولم يستعمل في رد العبد أحداً.
ومن يَرُدّ العبد من غير أمرٍ هل يصير ضامناًً للعبد بإثبات اليد عليه؟ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما في أخْد الرجل المالَ على قصد الرد إلى المالك.
...

باب (1) التقاط المنبوذ

6031 - وصل الشافعي هذا البابَ بمنقرض اللقطة لمّا كان فيها التقاطٌ، والغرض منه الكلامُ في أخذ الصبي الضائع الموضوع في قوارع الطرق، على الاعتياد فيه.
وللصبي الضائع اسمان مأخوذان من طرفي حاله، فيسمى المنبوذ؛ أخذاً من نبذه وطرحه، ويسمى اللقيط أخذاً من لقْطه وأخذه.
ثم الحكم الكلي فيه أنه إذا وُجد صبي في مضيعة، افتُرض على الكافة كفايتُه، والقيامُ بما يصلحه، ويقيه عن الهلاك، فإن قام بذلك قائم، سقط الفرضُ عن الكافّة بقيامه، وإن لم يقم به أحدٌ حتى ضاع، حَرِجَ أهلُ الناحية، على تفاصيلَ سنذكرها، إن شاء الله تعالى، في فروض الكفايات.
وكان يجمعها شيخي في كتاب السِّيَر إلحاقاً لها بالجهاد الذي يقع على الكفاية.
وروي: " أن عمر استشار الصحابة رضي الله عنهم في أمر اللقيط، فأجمعوا على أن نفقته في بيت المال " (3). فإذاً لكل من يستقل بأمر هذا الطفل، على ما سنذكر12

الشرائطَ المرعية في اللاقط أن يبتدره فيأخذه، ابتدارَه اللقطةَ التي يجدها، ويثبتُ له حقُّ حضانته، كما يثبت لواجد اللقطة حقُّ الاختصاص بها، ولا حاجةَ إلى مراجعة الوالي في ابتداء الأخذ، ولا في دوامه.
هذا مجمع عليه فليعتقده الفقيه كذلك في صدر الباب.
6032 - ثم افتتح الشافعي الباب، وصدّره بذكر الأموال التي يصادفها اللاقط مع اللقيط.
ونحن نذكر أولاً- أن اللقيط له يدٌ تثبت على المال كما للبالغ يدٌ؛ فإنا لا نشترط في اليد الاستمكانَ من التصرف، والاستقلالَ بالذات، بل نكتفي في اليد بظهور اختصاص ذي اليد بما تحت يده.
ونحن نعلم أن القميص الذي على الطفل في ظهور اختصاصه به، كالقميص الذي على البالغ المتصرف.
ومن خلّف أطفالاً وأموالاً، فهم أصحاب الأيدي فيها، ولو فرض ادعاءٌ، فلهم حكم اليد في الأصل المعتبر في الخصومة.
6033 - ثم تكلم الأصحابُ وراء ذلك في يد الطفل، فقالوا: ما تحقق اتصاله به على ما يُعتاد في مثله، فهو تحت يده، ويدخل تحته لباسُه أوْ خِرقةٌ كان لُفَّ فيها، وما فُرش تحته وِطاءً، وما طرح عليه غطاءً، كل ذلك تحت يده، ويتصل بما ذكرناه الدُّرَيْهمات التي تُلفى في جيبه، أو مشدودةً على طرف ثوبه.
وكذلك لو صادفنا دُريْهماتٍ تحت الفراش، فهي حكم الفراش، وكذلك لو وجدنا دراهمَ مصبُوبةً على هذا الطفل من فوق، وكذلك لو وجدنا دابَّهً مشدودة بطرف ثوبه، فهي تحت يده.
فأما إذا وجدنا دَابّةً ترتع، ولم تكن متصلة به، ووجدنا على البعد منه ثياباً، أو دراهمَ، فهذه الأشياء خارجةٌ عن يده، والمحكّم في هذا كله العرفُ، والعادةُ.
= (الشهادات، باب إذا زكى رجل رجلاً كفاه، 50/ 324 فتح) ر. تلخيص الحبير: (3/ 167، 169 ح 1382، 1384).

ومن نبد صبياً، فإنه قد يجمع إليه ثياباً، ونفقةً حتى يتخذها لاقطُه عُدةً في تربيته، ثم في ذلك عادة مضطربة 1. 6034 - والغرض من هذا الفصل يحصلُ بذكر مراتب: المرتبة الأولى - في بيان ما يُعدّ تحت يد المنبود وفاقاً، وهي ما يتصل به لُبساً، أو شداً، أو افتراشاً، فالثياب الملفوفة عليه، أو المخيطة به لا يخفى أمرها، وكذلك الثياب التي هي موضوعةٌ عليه؛ فإنها ملتحقةٌ بالمفروشة، والوطاء الذي هو مفترشه بهذه المثابة.
وألحق الأصحاب بالفراش الدراهمَ الموضوعةَ تحت الفراش، والمصبوبةَ فوق الفراش، أو على الطفل.
وأما الشدُّ، فبيّنٌ، ومن وجوهه شدُّ دابة به.
6035 - فأما المرتبة الأخرى فنقول فيها: كل ما لا يتصل بالصبي من الوجوه التي ذكرناها، ونراه بعيداً منه، كالدابة تُشد بشجرةٍ أو غيرها، وموضعها بعيدٌ عن موضع الطفل، فليست في يده، وكذلك الثوب [المطروح] 2 بعيداً منه، والدابة المسيّبة وإن قرب مرتعُها منه، فإنها في حكم البعيدة؛ فإنا إنما نتوصل إلى إثبات اليد من الجهة التي ذكرناها في العرف؛ إذ قلنا: [يُنبد الطفل ومعه] 3 ما يظهر للعاثر عليه أنه ماله.
وهذا لا يتحقق فيما يبعد 4. 6036 - وأما إذا كان بالقرب منه دراهمُ أو ثيابٌ أو دابة مربوطة، فقد تحقق القرب والاتصال من الوجوه التي ذكرناها، ففي هذه الأشياء وجهان: أحدهما - أنها تحت يد اللقيط.
والثاني - أنها ليست تحت يده، وسبب الاختلاف اضطراب القول في العرف،

وكل ما يُتلقى من العرف، فوفاقه من ظهور العرف مع انتفاء الريب.
والوفاقُ في نفيه لانتفاء العرف من غير شك، والاختلاف سببه تطرّق الريب إلى العرف وإمكان تقابُل الظنون.
وألحقنا الدابة المسيَّبة، وإن صادفناها قريبةً بالمرتبطة البعيدة؛ لأن الدابةَ إذا كانت مسيّبةً، فلا ضبط لها، ويستحيل أن [يُعوِّل] 1 من يبغي ضمَّها إلى الطفل على قربها، ثم يتركها مسيَّبةً.
6036/م- ولو صادفنا تحت الطفل دفيناً في الأرض، فهو بمثابة ما يبعد، وإن كانت مسافة العمق بحيث لو فرضت بين الطفل وبين الثوب المطّرح، لكانت قريبةً داخلةً في الوجهين.
والسبب فيما ذكرناه أن الدفن في قصد الضم إلى الطفل مما لا يُعتاد؛ إذ لا يعثر على الدفين لاقط المنبود إلا على وفاق.
واضطرب أصحابنا في صورةٍ، وهي أنا إذا وجدنا في أدراج ثوب الطفل رقعةً مضمونُها: أن تحت الطفل دفينٌ، وهو له، فليأخذه لاقطه، فهذا مما اختلف الأصحاب فيه: فمنهم من لم يبالِ بالرقعة، وأجرى القياس في الدفين على ما ذكرناه، ومنهم من ألحق الدفينَ بسبب الرقعة بما هو تحت يده؛ فإن مثل هذا غير منكر في العرف.
ثم من عوّل على الرقعة فيما ذكرناه، فليت شعري ما قوله فيه إذا أرشدت الرقعة إلى دفينٍ بعيدٍ، أو إلى دابةٍ ربيطةٍ بالبُعد، وهذا فيه تردّدٌ ظاهر؛ تخريجاً على ما ذكرناه من الخلاف في الدفين تحت الطفل، أو قطعاًً عن تلك الصورة، والعلم عند الله تعالى.
6037 - وممَّا نختم به هذا الفصل أن من لقَطَ المنبوذَ، صارَ أولى به، وأحقَّ بحضانته، إذا كان من أهل الحضانة، ولا يسوغ لأحدٍ مزاحمتُه.
أما الأموال التي تكون تحت يده، ففيها وجهان: أحدهما - يكون أولى بحفظها.
والثاني - أنه يتعين عليه رفعها إلى القاضي.

ومن قال: يتعين رفعها، إلى القاضي، احتج بأن اليد لا تثبت على مال الطفل إلا بولايةٍ خاصة، أو عامّة، وهذا اللاقط لا ولاية له على العموم، ولا على الخصوص.
ومن تمسك بالوجه الثاني، احتج بأنه إذا صار أولى بحفظ المالك من السلطان، فلا يبعد أن يصير أولى بحفظ ملكه.
والقائل الأول يقول: قد ثبتت الحضانة حيث لا تثبت ولايةُ المال؛ فإن الأم لها حق الحضانة، وهي أولى بحضانة الطفل الذي لم يبلغ مبلغ التمييز من الأب، ثم لا ولاية لها في المال.
وهذا الذي ذكرناه في ثبوت حق اليد فحسب، فأما التصرف في مال اللقيط من غير مراجعة الوالي، فلا سبيل إليه، كما سنصفه بعد ذلك، إن شاء الله عز وجل.
6038 - ومما حكاه بعضُ من يوثق به عن القاضي أنا لو صادفنا منبوذاً في دارٍ أو بيتٍ، فتلك البقعة تحت يد المنبوذ.
وهذا حسنٌ فقيه.
وإن كان يرتاع أولُ الفكر منه؛ فإنّ صورة يد الطفل كصورة يد البالغ، وإن كان البالغ قد يذبُّ عما في يده، والطفلُ لا يذب.
6039 - ولا يبعد عندي أن تُرتَّب يدُ البالغ على المراتب الثلاث، إن فرض نزاعٌ، وأردنا أن نعلّق حكماً بيدٍ، حتى يطرد الوفاق نفياً وإثباتاً، والخلاف على ما رتبناه.
وقد جرى ذكر الدفين في الفصل، فذكرنا أمر الركاز وما يميّزه عن اللقطة.
وسأعقد فيه فصلاً في أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى.
فصل قال: " وإن كان ملتَقِطه غيرَ ثقة، نزعه الحاكم منه ... إلى آخره " 1 6040 - الفاسق ليس من أهل الالتقاط للمنبوذ؛ فإنه أمانة محضةٌ صادرةٌ عن ائتمان الشرع، والشرع لا يأتمن الفاسق، سيّما في الأمور الخطيرة، وإن كان الملتقِط مما

لا يظهر للناس منه إلا الخير، فهو من أهل الالتقاط ولا يتوقف ثبوت حقِّه في الحضانة إذا التقط، على ظهور عدالته ولكن حق السلطان أن يرعاه، ويبحث عن حاله، فإن اطّلع منه على خيانة خفية، انتزع اللقيط من يده، وإن ظهرت له عدالته، أقر المنبوذ تحت يده.
ولا يؤذيه بنصب رقيب عليه يخالطه، ويداخله، ولكن إن فعل هذا، فعل من حيث لا يتأذّى.
ثم إذا وثق، انكفّ عنه.
6041 - ونص الشافعي على وجوب الإشهاد على التقاط المنبوذ، وردّد نصه في وجوب الإشهاد على التقاط اللقطة.
أمّا القول في اللقطة، فقد تقدّم.
وأما الإشهاد على التقاط المنبوذ، فالترتيب الحاوي لما قيل فيه أنا إن أوجبنا الإشهاد على اللقطة؛ فاللقيط بذلك أولى؛ فإن الأمرَ فيه أخطر، والمحذور أعظم وأظهر؛ فإن الملتقط إذا لم يكن موثوقاًً به باطناً، وإن كان يُظهر العدالة- قد يُخفيه، وقد يدعي رِقَّه، وهذا أعظم من تلف الأموال.
وإن لم نوجب الإشهاد على اللقطة، ففي وجوب الإشهاد على لقْط المنبود أقوالٌ: أحدها - أنه لا يجب تعويلاً على ظن الخير، فإنه لو قُدّر غيرُه، لم يندفع بالإشهاد شيء، ولم تنحسم الغوائل.
والقول الثاني - أنه يجب الإشهاد؛ فإن الملتقط ليس متمسكاً بولاية عامةٍ، ولا بولاية خاصة، وإذا أراد الواجد أن يتصرف تصرُّفَ الولاة عند مسيس الحاجة، فينبغي أن يُسند ما هو فيه إلى الإشهاد، حتى يدنو حاله من حال الولاةِ، ولهذا نظائر مضت، وسيأتي على القرب شيء منها.
والقول الثالث - أن الملتقِط إن كان ظاهِر العدالة، لم نكلفه أن يُشهد، وإن كان مستورَ الحال، نكلفه أن يشهد، حتى يصبر الإشهاد قرينةً تُغلب على الظن الثقة كالعدالة إذا ظهرت.

فصل قال: " ويأمره بالإنفاق منه عليه بالمعروف ... إلى آخره " 1. 6042 - مضمون الفصل القول في نفقة اللقيطِ.
واللقيطُ لا يخلو إما أن يكون معه مالٌ، أو لا يكون، فإن كان معه مالٌ، فالإنفاق عليه من ماله.
ولكن لا خلاف أن الملتقط لا يتولى ذلك بنفسه، مع القدرة على مراجعة الحاكم، بل يرفع الأمر إليه، ليرى فيه رأيه، فإن رأى أن ينزعه من يده، ويدفعه إلى أمين ينفق عليه، جاز، ولو أذن له في أن يصرف ما صادفه للطفل إلى نفقته، جاز ذلك؛ إذ لا فرق بين أن يكون المنصوب أجنبياً، وبين أن يكون المنصوب الملتقط.
وذكر العراقيون وجهاً بعيداً: أن القاضي لا يأذَن له في صرف مال الطفل إلى نفقته.
وهذا بعيدٌ لا أعرف له وجهاً، ولا آمن أن يكون غلطةً من ناسخ.
فإن دفع ماله إلى أمين لينفقه عليه، أنفق ذلك الأمين بالمعروف من غير سرفٍ، ولا تقتير، يجر ضرراً على الطفل.
6043 - ولو أنفق الملتقط مال الطفل عليه، وفي البلد قاضٍ، ضمن إذا لم يراجعه والخلاف الذي ذكرناه في الفصل الأول في ثبوت حق الحفظ له في المال، فأما التصرف، فلا يملك الاستبدادَ به، مع القدرة على مراجعة الحاكم، وإنما له ولاية الحضانة.
وإن لم يكن في البلد حاكم، فتولى الملتقطُ الإنفاق بنفسه من مال الطفل، ففي المسألة أوجه: أحدها - أنه يفعل ذلك، ويملكه.
والثاني - لا يملكه.
والثالث - إنه يملكه إن أشهد على كل إنفاق، ولا يملكه إذا لم يشهد.

وهذا الخلاف بمثابة الخلاف الذي ذكرناه فيه إذا هرب الجمّال، ومَسّت حاجةُ المستأجِر إلى الإنفاق على الجمال.
فإذا أنفق من مال نفسه، فهل يملك الرجوع على الجمّال؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه.
وذهب بعض الأئمة إلى ترتيب إنفاق الملتقط من مال اللقيط على إنفاق المستأجِر في مسألة هرب الجمّال، وجعل إنفاق الملتقط أولى بالجواز لسببين: أحدهما - أنه ذو حضانة وولاية في اللقيط، فلا يبعد أن يتصرف في ماله إذا عسُرت مراجعةُ الوالي.
والآخر - أنه إذا أنفق من ماله على الجمال، فإذا أراد الرجوع، فإنما يرجع بحق نفسه على غيره، فبعُد ذلك بعضَ البعد، وليس كذلك إنفاق الملتقط على اللقيط؛ فإن الذي يرتقبه في عاقبة الأمر أن يصدَّق، وإذا كان مؤتمناً في نفس اللقيط، لم يبعد أن يؤتمن في ماله إذا عسر الرجوع إلى الوالي.
هذا كله إذا كان للطفل مالٌ.
6044 - فأما إذا لم يكن له مال، فنفقته في سهم المصالح.
أجمع عليه علماء الصحابة رضي الله عنهم، كما حكيناه في أول الباب.
ومضمون هذا الكلام الآن يتصل بطرفٍ من الإيالة 1، وقلّما يخوضُ الفقهاء فيها، فيسلمون عن خبطٍ.
ونحن نذكر ما قيل في ذلك، ثم نوضح الحق: 6045 - فإن لم يكن في بيت المال مالٌ، ولم يتمكن الإمام من الاستدانة، فنفقة المنبوذ على أهل اليسار والاقتدار من المسلمين، وهذا ركنٌ عظيم في الإيالة، فلا شك أن السلطان لا يقدر على فضّ نفقته على جملة الموسرين في الصُّقع والناحية، فضلاً عن أهل خِطةِ الإسلام، وليس هذا مما ينفصل الأمر فيه بقرعة؛ فإنها إنما تجري عند انحصار الجهات، أو الأشخاص.
فقال العلماء: يضرب السلطان نفقته على من يراه من أهل البلدة، ويكون له رأي في ذلك، حتى لا يهجم من غير تعلق

بوجهٍ من النظر، فإن استوت عنده جهات النظر، فليس إلا التخيّر.
6046 - ثم اختلف الفقهاء في أن من أنفق على لقيطٍ لا مال له، أوعلى فقيرٍ مضطر بالغٍ بأمر الإمام، ولم يقصد التبرعَ بما يخرجه فهل يجد مرجعاً، أم لا؟ فذهب طائفة من المحققين، وإليه مَيْلُ القاضي: أنه لا يجد مرجعاً.
وذهب آخرون إلى أنه يرجع؛ فإن وجوب الإنفاق لا يُسقط حقَّ الرجوع بالقيمة؛ فإن من كان يملك طعاماً فاضلاً عن حاجته، وصادف مضطراً مشرفاً على الهلاك، فعليه تسليمُ الطعام إليه بالقيمة، فليكن الأمر فيما نحن فيه كذلك.
والوجْه في هذا عندنا أن المضطر الذي لا يملك الطعامَ، ولا يقدر على التوصّل إليه إذا كان له مالٌ، فصاحب الطعام يُطعمه بالقيمة، كما أطلقه الأصحاب، فأما من لا يملك شيئاً، وظهر افتقاره، واضطرارُه، فهو عيالٌ على المسلمين، ولكن مرجعه إلى بيت المال إن كان في بيت المال، مالٌ، فإن لم يكن في بيت المال مال، وحَكَمَ الإمامُ مجتهداً، أو على حكم [التخيّر] 1 على من يرى، فأنفق عليه، فلا مرجع للمنفِق على الفقير إذا أيْسر، ووجدَ وفاءً.
ولكن هل يثبت له الرجوع على بيت المال إذا وُجد فيه مال في الاستقبال؟ هذا مختلفٌ فيه، ولعلنا نقرر من ذلك طرفاً صالحاً عند ذكرنا أحكام القضاة والولاة، وما لهم وعليهم.
6047 - ثم إذا دفع القاضي مالَ الطفل اللقيط إلى ملتقِطه لينفق عليه، فالقول قول المنفق فيما ادّعى إنفاقَه مع يمينه إن حلّفه اللقيطُ بعد بلوغه.
وهذا إذا ادّعى قصداً أو أمراً وسطاً معروفاً في الإنفاق.
وإن ادعى مزيداً على المعروف، لم يحلَّف، وكان مُقرّاً على نفسه بالعُدوان، فيلتزم الضمان، ولا معنى لتحليفه إلا أن يقع النزاع في عينٍ من أعيان المال 2، فالقول قوله: إني أخرجتها، وإن كان يلتزم لأجل السَّرف ضمانَها.

وقد قال الشيخ أبو بكر القفال: إذا ادّعى الغاصبُ تلف العين المغصوبة، والتزم قيمتها، فقال المغصوب منه: عين مالي قائمةٌ غيبتَها، وأنت تبغي الاستبدادَ بها، وبذْلَ قيمتها، فالقول قول الغاصب.
وهذا لا ريب فيه، ولكنه بدعٌ قد يغفل القيَّاسُ عنه؛ فإن الأصل بقاء العين، وليس الغاصبُ مؤتمناً، فيصدّق، وتغليظ الشرع عليه بيّن، ولكن لو لم نصدقه، وحلفنا المغصوب منه، فحكم ذلك أن يُحبَسَ الغاصبُ، ولو حُبس، فكيف خلاصه لو كان صادقاً؟ وهذا محالٌ، لا سبيل إلى إفضاء الحكم إليه.
6048 - ولو قال الحاكم للملتقط: أنْفق عليه من مالك، لترجعَ به، فقد ذكر الأئمَّة في ذلك وجهين: أحدهما - أنه لا يجوز هذا، فإن في تجويزه تسليطُه على أن يتملك على الغير مالاً بنفسه لنفسه بمعاملة يستبد بها، من غير تمسكٍ بالشفقة العظمى.
وهي شفقة الأبوّة.
وقد ذكرنا نظيرَ ذلك في هرب الجمال، إذا قال القاضي: أنفق وارجع.
وهذا الذي ذكره الأصحابُ هاهنا يستدعي مَزيد تفصيلٍ؛ فإن اللقيط إن انتهى إلى حالة الضرورة، فقد قررنا القولَ في أن الإنفاق عليه من بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال مالٌ، فالإنفاق هل يُثبت رجوعاًً؟ وإن أثبت فعلى من؟ ولا ينبغي أن يكون ما ذكرناه من الاختلاف هاهنا موضوعاً فيما يسدُّ الضرروة، ولكن الإنفاق على اللقيط ينقسم، فمنه ما يقع سدّاً للضرورة، ومنه ما يقع وراء سدّ الضرورة، وإن كان لا يبلغ السَّرفَ، وذلك هو الذي يتعلق بنظر الوالي وإذنه، ويجوز أن يُفرض الرجوع فيه على اللقيط إذا بلغ، وعلى هذا يتفرع ما ذكرناه.
6049 - ولو استقرض من الملتقط مالاً وقبضه ثم دفعه إليه، وأمره بالإنفاق على الطفل، فهذا جائز وجهاً واحداً، فيقع الاستقراض الأول من الحاكم على الطفل، ثم يصير ما قبضه مالاً للطفل، فيعود التفصيل إلى ائتمانه الملتقطَ على الإنفاق من مال الطفل.

فصل قال: " لو وجده رجلان؛ فتشاحّا فيه، أقرعتُ بينهما ... إلى آخره " 1. 6050 - تعرّض الشافعي لازدحام الملتقِطَيْن، وتنازعهما في حق الحضانة.
والقول في تحقيق ذلك يستدعي تقديم صفات من هو من أهل الالتقاط، ومن ليس أهلاً له، ونحن نوضح ذلك، ثم نبني عليه تقدير الاجتماع؛ حتى نبيّن أن من لا يكون من أهل الالتقاط، ليس من أهل الزحمة، وإنما تُفرض الزحمة بين شخصين كل واحد منهما من أهل الالتقاط.
فنقول: الحر الأمين المسلم من أهل الالتقاط.
وذكْرُنا الحرَّ يُخرج العبدَ، والأمين يخرج الفاسق، والمسلم يخرج الكافر من الضبط الجامع.
والمبذرُ -وإن كان عدْلاً في دينه- ليس رشيداً، ولا يأتمن الشرعُ من لا يتصف بالرشد.
أما العبد، فليس من أهل الالتقاط؛ فإنه لا يتفرغ إلى حضانة اللقيط، ومنفعتُه مستغرقةٌ بحق مولاه، فإن أَذِن له السيد في التقاط منبوذٍ، فالسيد هو الملتقط، فيعود النظر إلى صفته.
وأما الفاسق، فليس من أهل الالتقاط، وإن التقط، وشعر الحاكم به، انتزع اللقيطَ من يده.
فأما المستور، فقد قدّمنا فيه قولاً بالغاً، فلا حاجة إلى إعادته.
وأما ذكرنا المسلم، فنقول: إن كان اللقيط محكوماً بإسلامه على ما سنذكر تفصيل ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل -إن شاء الله تعالى- فليس الكافر من أهل التقاطه، ولو التقطه انتزع من يده.
وإن كان اللقيط كافراً، فالكافر من أهل التقاطه، والمسلم أيضاًً.
والمعسر من أهل الالتقاط؛ فإن الحضانة تتأتى منه، والإنفاق سبيله ما قدّمناه في الفصل المقدم.
6051 - ومما نقدمه على الخوض في الازدحام أن نقول: من التقط لقيطاً في

البلد، وأراد أن ينقله إلى البادية، لم يمكّن منه، لمعنيين: أحدهما - أن عيش أصحاب البوادي ضيّق، ويقلّ فيهم الاتساع في المعيشة، والرغد، وقد تمس حاجة الطفل إذا مرض إلى مراجعة الطبيب، وابتغاء دواءٍ وسعيٍ في استصلاحه، وليس ما أشرنا إليه من النوادر في الأحوال، وأسبابه [عَسِرةٌ] 1 في البادية.
ومنهم من علل منع نقله بخفاء النسب؛ فإنه لو ترك في البلد، لأوشك أن يظهر له أبٌ، أو أمّ، وإذا نُقل إلى البادية، فقد يتعذر ذلك.
وهذا مَنَعَ الإبعادَ.
فأما إذا كان الموضع الذي إليه الانتقال قريباً، فسأذكره في التفصيل، إن شاء الله تعالى.
ومن نقل لقيطاً من البلد الذي وجده فيه إلى بلدٍ آخر، ففي جواز ذلك وجهان مبنيان على المعنيين اللذين ذكرناهما، فمن راعى في المنع ضيقَ المعيشة في البادية، فهذا المعنى مفقود في النقل إلى بلدة أخرى، ومن راعى توقُّعَ ظهور النسب منع النقل إلى بلدة أخرى، فإنّ توقّع ظهور والدٍ مستلحِقٍ، أو والدةٍ يختص بالبلدة التي فيها العثور على اللقيط.
ومن وجد لقيطاً في باديةٍ، فإن كان في مضيعةٍ، ولو تركه، لهلك، فيأخذه، ثم لا ينقلب لأجله، ولكن يأخذ صوبَه وتلقاءَ قصده.
6052 - فأما إذا صادفه، في أثناء قبيلة ضخمةٍ ولقطه، وأراد أن ينقله إلى بلده، فالذي قطع به شيخي، ومعظم الأصحاب أن ذلك جائز، وما يفرض من انقطاع توقع الظهور في النسب لا يعادل أمنَ البلد، وخَيْره، وأصحاب البوادي على أغرارٍ.
وذكر القاضي وجهين مبنيّين على المعنيين.
وقال: إن راعينا النسب وعوّلنا عليه، ففي نقله إلى البلدة تضييعُ ما يتوقع من ظهور نسبه، وإن راعينا مصلحة اللقيط في نفسه وتهيؤ أسباب المعيشة، فيجوز النقل حينئذ.
6053 - ولو وجد في البلد، ونقل إلى برّية قريبة، لا يتعذر نقل الحوائج من البلدة إليها، ولا يتحقق في الانتقال إليها ضيقٌ في المعيشة معتبر، فمن راعى هذا المعنى، لم يمنع من هذا الانتقال.

ومن راعى النسب، وجب أن يعتبر اختلاط أولئك المنتقلين بأهل البلدة، واختلاط أهل البلدة بهم، فإن كان الأمر كذلك، فلا يخفى النسب، وأهل البريّة في الصورة التي ذكرناها بمثابة محلّةٍ من بلدةٍ في المعنى الذي نطلبه من أمر النسب.
وإن كانوا لا يكثرون الاختلاط بأهل البلدة، فيوشك أن يمنع من هذا الانتقال مَنْ يعتبر معنى النسب.
والله أعلم.
6054 - ولو وجد لقيطاً في البادية، فأراد أن ينقله إلى قطرٍ آخر من البادية، فللقبائل في البوادي سنّةٌ في [التعارف] 1 والاعتناء بالأنساب، ولا حاجز.
ومن راعى عسر المعيشة، فلا عسر، ومن راعى أمر النسب، فلا ضرار عليه.
وهذا إذا وقعت القبائل موقعاً لا ينقطع عن بعضها أخبار البعض.
فأما إذا نأت المسافاتُ وتقاذفت الديار، فالمسافة البعيدة حائلة، فيتحقق عند ثبوتها ما أشرنا إليه من أمر النسب.
فهذا تفصيل القول في النقل الجائز والنقل الممتنع.
فإذا ثبتت هذه المقدمات، عدنا بعدها إلى تفصيل القول في اجتماع الملتقطين على لقيطٍ واحد، فنقول: 6055 - إذا اجتمع حرّ وعبد، فليس هذا من الازدحام في شيء؛ فإن العبد ليس من أهل الالتقاط.
وهذا إذا انفرد دون إذن مولاه، فإن كان بإذنه، فالنظر في السيد، والملتقط الآخر.
وإذا اجتمع مسلم وكافر على لقيطٍ محكوم له بالإسلام، فليس هذا من الازدحام الذي نعنيه؛ فإن الكافر ليس من أهل التقاط المسلم.
وكذلك إذا اجتمع عدل وفاسق.
فإذا اجتمع فقير وموسر، فالموسر أولى إن كان يغلب على الظن ضيق معيشة الفقير واشتغاله [بجمع] 2 قوته عن القيام بحق الحضانة على كماله.

ولو كان موسراً متوسعاً في الغنى، ولم يكن الثاني من الفقراء، ولكن كان ضمه إلى المتوسع في يساره أنفع له، فهذا مما اختلف الأصحاب فيه: فمنهم من رأى ضمَّه إلى من الضم إليه أنفع، ومنهم من يقول: إذا استويا في انتفاء الافتقار، فلا نظر إلى الأنفع؛ فإن ذلك غير متناهٍ، ولا منضبط.
وإذا كان ظاهرُ أحدهم العدالة، وكان الثاني مستوراً غيرَ ظاهر العدالة، وقد أوضحنا أن المستور من أهل الالتقاط، فقد اختلف أصحابنا في ذلك: فالذي كان يميل إليه شيخي القطع بأنه يضم إلى العدل الذي عدالته ظاهرة.
وكان يُنزل ظهور العدالة بمنزلة الغنى وحال المستور منزلةَ الفقر.
ومن أصحابنا من ذكر في ذلك خلافاًً؛ من جهة أن المستور لا يُسلِّم لمن ظهرت عدالتُه اختصاصه بالعدالة، ويقول: التقصير ممن لم يبحث عن عدالتي، ولم يطلع على سيرتي، والحضانة حقي؛ فلا أسلمها.
وكأن شيخي (1 جعل التفاضل في العدالة كالتفاضل في اليسار والغنى، وقد سبق التفصيل فيه.
وكان يقول: البلدي والقروي إذا ازدحما، فالبلدي أولى، والبلدي والبدوي لا يزدحمان؛ فإن البدوي ممنوع عن نقل اللقيط الموجود في البلد إلى البادية، وإنما تظهر أحكام الازدحام إذا كان كل واحد بحيث لو انفرد، كان من أهل الالتقاط.
وكان شيخي 1) يقول: المكاتب ليس من أهل التقاط المنبوذ؛ فإنه تحت أسر الرق، واشتغاله بالحضانة يلهيه عن كسبه، ويعطِّل كثيراً من منافعه، فينزل ذلك منزلة التبرع، وحكم التبرع أنه إن انفرد به، لم يصح ذلك منه، وإن كان بإذن مولاه، ففيه اختلاف، ويتأيد ما قاله بالتحاق حق الحضانة بالولايات، والمكاتب ليس من أهلها، وإنما صححنا منه التقاط اللقطة على قولٍ ظاهر لما في التقاط اللقطة من غرض الكسب، والتقاط المنبوذ ائتمان محض من الشارع والشرع لا يأتمن المكاتبَ والعبدَ، فهذا منتهى المراد في هذا الفصل.1

6056 - ثم إن تحقق استواء المزدحمَيْن على اللقيط، فلا يضم إليهما جميعاً، فإنه لا يتصور قيامهما بحضانته على الاجتماع، ولو جعلنا حفظه مهايأةً بينهما، لظهر تضرر المولود، فإن للإلف وقعاً في النفوس لا ينكر، فلو ضُم الصبي إلى أحدهما، فقد يألفه، ويتخلق بأخلاقه، فإذا قطعناه عن هذا وضممناه إلى صاحبه، تضرر بالانقطاع عمّن ألفه، ثم يكون على نِفارٍ مع الثاني في ابتداء الأمر، فإذا أنس به، احتجنا إلى قطعه ورده إلى الأول؛ فلا يصير إذن صائر إلى ضم اللقيط إلى المتنازعين جميعاً، ولا بد من ضمه إلى أحدهما، ولا طريق إلا أن نقرع بينهما، فمن خرجت قرعته سلّم الطفل إليه.
6057 - ولو سبق أحدهما إليه واحتضنه، فهو أولى.
ولو كان السابق المحتضن فقيراً وطلب الحضانة، أجيب إليها، فإذا احتضن، ثم ظهر موسرٌ لو شاركه عند العثور، لكنا نقدمه، فإذا جاء من بعدُ، فلا حق له في الحضانة؛ فإن الحق المستحَقَّ لا يُنقض بأمثال هذا.
6058 - ولو ازدحم رجلان متساويان، وقلنا: إنه يُقرَع بينهما، فلو طلب أحدهما، وترك الثاني حقه بعد تقدُّم الازدحام، فهل نترك تاركَ حقه، حتى يخلص حقُّ الحضانة للثاني؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسقط حقه، ويصير الثاني كالمنفرد بالاحتضان والوجدان أول [أمره] 1. وهذا هو الصحيح، كما لو ازدحم شفيعان، ثم عفا أحدهما عن حقه؛ فإن حق الشفعة يخلص للثاني.
والوجه الثاني - أنه لا يخرج العافي من البَيْن 2، فإنه ثبت له حق ناب فيه عن المسلمين، فلا يتأتى إخراجه نفسه من البَيْن.
وهذان الوجهان ذكرهما العراقيون، ونقلهما القاضي، ووجه الأول بيّن.

وأمّا الوجه الثاني، فلا ينقدح له وجه إلا على التقدير الذي أذكره فأقول: من التقط لقيطاً، واحتضنه، فهو في حكم الخائض في فرض الكفاية، ومن لابَس فرضاً من فروض الكفاية، وكان متمكناً من إتمامه، فأراد الإضراب عنه، فقد نقول: ليس له ذلك، ويصير فرضُ الكفاية بالملابسة متعيّناً.
وهذا فيه نظرٌ وتفصيلٌ، وسأذكره في أحكام فروض الكفايات من كتاب السّير، إن شاء الله تعالى.
6059 - وعلى هذا التقدير لو انفرد الرجل بلقط المنبود واختص بحضانته، فلا شك أنه يحرم نبذه وردُّه إلى ما كان عليه أولاً، ولكن هل يجوز له أن يدفعه إلى القاضي حتى يسترده منه، [فيقيمَ] 1 غيرَه مقامه؟ فيه تردد مأخود من كلام الأصحاب والمسألة مفروضةٌ فيه إذا لم يكن به عجزٌ عن القيام بحق الحضانة.
6060 - والسرّ في ذلك موقوف على المباحثة عن مراتب فروض الكفايات، وذكر ما يتعين منها بالملابسة وما لا يتعين، وما يضطرب الرأي فيه.
وهذا الذي نحن فيه مما اضطرب فيه علماؤنا، فإذا ثبت ذلك، بنينا عليه صورة الازدحام، وقلنا: إن رأينا على المنفرد بالالتقاط ألا يترك الحضانة ما وجد إليها سبيلاً، فإذا ازدحم رجلان، ثم أعرض أحدهما، ففي المُعرض وجهان: أحدهما - أنه لا يُترَك [و] 2 الإعراضَ، كما ذكرناه في المختص بالالتقاط.
والثاني - له الإعراض؛ فإنه لم يثبت له حقٌّ خالص، بل كانت الحضانة متنازعةً بينه وبين مزاحمه.
وقد أوضحنا أنه لا يتصور ثبوت حق الحضانة لهما جميعاً على الاشتراك، فإذا ترك أحدهما حقه، لم يكن تاركاً حقّاً مستقراً.
ثم الذي يقتضيه القياس في التفريع على هذا الوجه أن القاضي يقول لهذا التارك: ليس لك إخراجُ نفسك من البين، ولكن يُقرَع بينكما، فإن خرجت القرعة في الحضانة لك، فالتزمها وتمّمها، كما لو كنت منفرداً باللّقْط، وإن خرجت القرعةُ لصاحبك،

خرجت من البين.
هذا وجه تفريع هذا الوجه.
وقال: بعضُ أصحابنا: إذا ترك أحدهما حقه، وقلنا: إنه لا يُخرج نفسَه من البين، فينصب القاضي أميناً، ويقيمه مقام هذا التارك، ويُقرع بين الباقي من المزدحمَيْن، وبين هذا الأمين الذي نصبه، فإن خرجت القرعة للأمين، سلّمه إليه.
وهذا كلام مضطرب، لا مستند له من أصلٍ، ولا طريقَ إلا ما ذكرناه.
6061 - ومما كان يذكره شيخي أنه لو سبق إلى طفلٍ إنسانٌ ووقف عليه ولم يرفعه، فهل يكون وقوفه مثبتاً له حق الاختصاص؛ حتى إذا لحقه إنسان آخر يساويه في الصفات المرعية فيكون السبق له؟ كان يذكر في ذلك وجهين: أحدهما - أنه إنما يصير أولى بحق الحضانة إذا سبق إليه، فرفعه، أو أمر من يرفعه له؛ فإذ ذاك لو لحق لاحقٌ، لم يزاحمه، فأمّا إذا اتصل السابق بمكان اللقيط، واقتصر على الوقوف عليه، فلحقه الثاني، فهما مزدحمان.
ففي المسألة احتمال.
6062 - ولو انتهى إلى اللقيط رجل وامرأة، فالأنوثة لا تصيّر المرأة أولى، وإن كنا نقدّم الأم في الحضانة على الأب إذا لم يكن الصبي مميِّزاً، والفرق أن الأم تختصُّ بمزيد شفقة لا يُنكر ذلك منها، ويتأتى منها من [الاحتضان] 1 ما لا يتأتى من الأب نفسه، والأب لا يتمكن من تعاطي الحضانة بنفسه، ولو أقام امرأة أجنبيةً حاضنةً، لكانت حضانة الأم أولى من حضانة الأجنبية المتبرعة، أو المستأجَرة، وفي مسألتنا لو أناب الرجل أجنبية في الحضانة، لكان ذلك ممكناً.
وإذا عاد النظر إلى حضانة أجنبيتين: إحداهما التي زاحمت الرجل، والأخرى التي يستنيبها الرجل، فلا يبقى فرقٌ.
6063 - ومن تمام الكلام في ذلك أن الصبي إذا بلغ مبلغ التمييز يخيّر بين أبويه في حكم الحضانة كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى.
فلو ازدحم على اللقيط رجل وامرأة، أو رجلان، ولم يتفق انفصال الأمر بينهما حتى ميّز الطفل، فهل نقول: إنه يخير بين المزدحمين، ويُضم إلى من يختاره؟

هذا محتمل يجوز أن يقال: إنه يُخير، كما ذكرناه، ويجعل اختياره أولى من القرعة، ويجوز أن يقال: لا يخير؛ فإن اختيار المولود أحد الوالدين على سن التمييز محمول على ميله إلى أحدهما، ولا يبعد ذلك في الأبوين، فأما ميل الطفل اللقيط إلى أحد الملتقطَيْن، فليس له [معنى] 1 يعوّل عليه.
6064 - ومما يتعلق بذلك أنا لو صادفنا صبياً بالغاً مبلغ التمييز، وكان في حكم اللقيط، على معنى أنه ليس يتبين له أب ولا أم، فهل يثبت له لمن يَبْتَدِرُه حقُّ الاحتضان، كما يثبت في اللقيط الذي لم يبلغ مبلغ التمييز؟ هذا فيه تردد عندي، واحتمالٌ: يجوز أن يقال: لا يثبت لآحاد الناس فيه حق الاحتضان، وهو مميّز، بل يتولى الحاكم أمره لا غيره، ويختص به منصوبُ القاضي.
ويجوز أن يقال: حكمه في الاحتضان حكم الصبي الذي لا يميز؛ فإن تمييزه لم سبت له حقَّ الاستقلال، فلا أثر له.
وإنما 2 ورد الشرع في التقاط منبوذ على صورة الضياع، والمميز له حق الاستقلال؛ من جهة تمييزه؛ إذ يمكن مراجعتُه على حالٍ، وهو يشبه من أحكام اللقطة ضالة الإبل.
هذا منتهى تفريع الفصل.
فصل قال: " فإذا أعرب، فامتنع عن الإسلام، لم يبن لي أن أقتله، ولا أجبره على الإسلام ... إلى آخره " 3. 6065 - هذا الفصل من القواعد، ومضمونه بيان أحكام التبعية في الإسلام.
ونحن نجمع فيه ما يتعلق به، ونستوعب الأطراف مستعينين بالله تعالى.
6066 - ونقدم أولاً بيان ما يحصل به الإسلام.
ونقول: الناس في الإسلام

قسمان: مكلف، وغير مكلف، فالمكلف هو العاقل البالغ، حراً كان أو عبداً، ذكراً كان أو أنثى، فيصح إسلامه بنفسه، ولا يُتصوّر أن يَتْبَع في الإسلام غيرَه.
6067 - وأما غير المكلف في الإسلام، فقسمان: الصبيان والمجانين.
أما المجانين، فلا شك أنه لا يتصور إسلامهم بأنفسهم؛ إذ لا عبارة لهم، ولا حكم لنطقهم.
وأما الصبيان، فإن لم يكونوا مميزين، فهم كالمجانين في أنه لا يصح الإسلام بعبارتهم.
وإن كانوا مميزين، فالمذهب المشهور الذي عليه التعويل أنه لا يصح منهم الإسلام بعبارتهم.
6068 - وذكر أصحابنا مع ذلك وجهين أخرين: أحدهما - أن الإسلام يصح من الصبي المميز العاقل، كما يصح من البالغ، وهذا مذهب أبي حنيفة 1. والوجه الثاني - أن الإسلام الذي أعرب عنه في صباه موقوف؛ فإن بلغ وأعرب عن نفسه بالإسلام، أسندنا حكمَ إسلامه إلى وقت تلفظه به في صباه.
وإن أعرب عن نفسه بالكفر لما بلغ، تبيّنا أنه لا حكم للفظه السابق في صباه.
وهذان الوجهان غيرُ معدودين من متن المذهب، والمنصوص عليه لصاحب المذهب قديماً وجديداً أنه لا اعتبار بلفظ الصبي بالإسلام، ووجودُه وعدمُه بمثابةٍ.
6069 - وقد قال الشافعي في بعض مجاري كلامه: " إنه إذا نطق صبي مميز من صبيان الكفار بالإسلام، وظهر لنا إضماره الإسلامَ، نحول بينه وبين الكفار ". وهذا الذي ذكره الشافعي مما اختلف أصحابنا فيه تفريعاً على مذهبه الصحيح، فقال بعضهم: هذه الحيلولة محتومة فعلى هذا للفظه بالإسلام حكمٌ، وهو اقتضاء إيقاع الحيلولة.

ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره الشافعي محمول على أنا نتوصل إلى ذلك برفق، ونستعطف فيه والدي الصبي، فإن أبيا، لم نحل بينه وبين والديه؛ فإن لَفْظَ الصبيّ في ذلك لا حكم له.
وكان شيخي يحكي عن الأستاد أبي إسحاق أنه قال: " من مات من صبيان الكفار، لم نقطع له بالفوز في الآخرة ". وأمْرُ أطفال الكفار على تردّدٍ بيِّنٍ في الأخبار، وليس الخوض فيه من مناصب الفقه؛ فإن الفقه لا يتعدى أحكام الدنيا.
ثم كان يقول: " إذا عقل صبيّ وعلم الإسلام واعتقده، فهو من الفائزين لو مات على عقده هذا صبيّاً، وإن كان لا يتعلق بإسلامه أحكام الدنيا ". وما عندي أن هذا الحبر يخالَف فيما صار إليه، ثم اتباعه يجر إشكالاً في المسألة عظيماً؛ فإن من يُحكم له بالفوز لإسلامه كيف لا يحكم بإسلامه.
هذا منتهى القول في حصول الإسلام بالتبعية؛ فإنه يتعلق بالصبيان، والمجانين.
6070 - ونحن نبدأ بالصبيان أولاً، فنقول: التبعية في الإسلام تقع من ثلاثة أوجه: أحدها - تبعية الوالدين.
والثاني - استتباعُ السابي الطفل المسبيّ.
والجهة الثالثةُ - تبعية الدار.
ونحن نذكر -إن شاء الله تعالى- في كل قسم ما يليق به.
فأما استتباع الأبوين الولد في الإسلام، فيحصل من وجهين: أحدهما - أن يُفرض إسلامهما أو إسلام أحدهما يوم العلوق، فإذا كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلماً، فحصل العلوق، والحالةُ هذه- ثبت للطفل حكم الإسلام على التحقيق، من غير فرض توقفٍ، أو توقع نقضٍ، فينتجز له أحكام الإسلام في صباه.
وإذا بلغ، وأعرب عن نفسه بالكفر، كان مرتداً، لا خلاف فيه.
والسبب في ذلك أن أحد الأبوين إذا كان مسلماً حالة العلوق، فهو جزء من مسلم، فيتحقق له حكم الإسلام، هذا أحد وجهي التبعية.

والوجه الثاني في التبعية- أن يحصل إسلام الأبوين، أو إسلام أحدهما بعد العلوق، ثم لا فرق بين أن يحصل بعد انفصال المولود على الكفر، وبين أن يحصل والمولود جنين، فإذا تأخر الإسلام عن العلوق، لم يفترق الأمر بين أن يكون بعد الانفصال، أو في حالة الاجتنان والاتصال، ثم الحكم أن الصبي يُقضى له بالإسلام تبعاً إذا أسلم أحد والديه، أو أسلما.
6071 - ثم اتفق الأصحاب على أن هذه التبعية تحصل بإسلام الأم حصولَها بإسلام الأب، وإن لم تكن الأم من أهل الولاية على ظاهر المذهب.
ولو أسلم جدّ الصبي أو جدته، فالترتيب المرضي أن ذلك إن كان بعد موت الأبوين، يتضمن إسلام الطفل، وإن كان في حياة [الأبوين] 1، أو حياة أحدهما، ففي الحكم بإسلام الطفل وجهان، ثم لم يفرِّق الأئمةُ بين من يرث وبين من لا يرث من الأجداد، أو الجدات، والأصل في الباب تغليبُ الإسلام من أي جهة أتى، وإنما انتظم الوجهان في بقاء الأبوين، أو في بقاء أحدهما، من جهة أن الاستتباع من الأجداد، أو الجدات، قد يبعد مع بقاء من هو الأصل في الولادة.
وقد ذكرنا ترتيباً فيمن يرجع في الهبة من الأصول، وهذا لا يُنحى به ذلك النحو، لما ذكرناه من أن الأصل تغليبُ الإسلام.
والقياسُ منعُ الرجوع في الهبة وإحالةُ ثبوته على قول الشارع.
وفي الأئمة من لا يثبت للأم الرجوعَ في الهبة، لاختصاص الخبر بالوالد.
6072 - فإذا ثبت أن الصبي يتبع الأبوين في الإسلام وإن حصل العلوقُ به على الشرك، فترتيب المذهب في أحكام الطفل مضطرب في الطرق، ونحن نأتي إن شاء الله عز وجل بأضبط ترتيبٍ، وأجمعه [لمضمون] 2 الطرق، فنقول أولاً: نفرض لمن يثبت له حكم الإسلام بالتبعية بعد العلوق على الشرك ثلاثَ مراتب: إحداها - في الصِّبا.

والأخرى - بعد البلوغ، وقبل أن يُعرب عن نفسه بكفرٍ أو إسلام.
والثالثة - في إعرابه عن نفسه.
فأما القول في حال الصبا، فإنا نحكم له ناجزاً بحكم الإسلام من جميع الوجوه، فيُنفَق عليه من بيت المال إذا مست الحاجة إليه، ونقول: لو قتل في صباه، وكان قاتله مسلماً، وجب القصاص عليه، ويرثه المسلمون لو مات، ويرث هو بنفسه المسلم، وحكمه حكم من حصل علوقُه على إسلام أحد أبويه، وهذا حكمُ الحال.
ومن الأحكام أنه لو كان رقيقاً، فأعتقه مظاهرٌ عن كفارته 1، حكمنا ببراءة ذمته عن الكفارة، وجوّزنا له الإقدامَ على وطء التي ظاهر عنها.
ولو جرت هذه الأحكام، [ومات] 2 الطفل، فقد استقرت الأحكام.
هذا حكم هذه المرتبة.
6073 - ومما يدور في النفس أنا إذا فرعنا على الوجه الضعيفِ نقلاً، القويِّ توجيهاً، وقلنا: يصح من الصبي الاستقلالُ بالإسلام، كما ذهب إليه أبو حنيفة.
فهل نقول لو أسلم أحد الأبوين والصبي بمحلّ أن يستقل على هذا الوجه: إنه يتبع المسلمَ من أبويه؟ هذا مما تردد فيه أحاب أبي حنيفة رضي الله عنه، وهو لعمري محل التردد؛ فإن الجمع بين إمكان الاستقلال، وبين إثبات التبعيّة بعيدٌ.
ثم قال أبو حنيفة 3: يصح ردّة الصبي كما يصح إسلامه، ولا شك أنا نقول بذلك إذا فرعنا على هذا الوجه؛ نظراً إلى الاعتقاد ووقوعه.
وقد ينقدح لذي نظر أن يصحح ما فيه صلاح الصبيّ ويُحبط نقيضَه، كما ذهب إليه بعض أصحاب أبي حنيفة 4، والعلم عند الله تعالى.

6074 - وقد عدنا إلى ترتيب الكلام، فنقول: إذا بلغ من حَكَمْنا له بالإسلام في صباه للتبعية التي وصفناها، فكيف حكمه ما بين البلوغ إلى أن يُعرب عن نفسه بكفرٍ أو إسلام 1؟ فالرأي أن يقدَّم حكمُ إعرابه عن نفسه، فنقول: إن أعرب عن نفسه بالإسلام، فلا كلام، وقد استقرت الأحكام على موجب التبعية التي وقع القضاء بها.
وإن أعرب عن نفسه بالكفر، فللشافعي قولان: أحدهما - أن نجعله مرتداً.
والقول الثاني -وهو الذي يميل إليه ظاهر النص الذي ذكره المزني- أنا لا نحكم بكونه مرتداً.
توجيه القولين: من حكم بكونه مرتداً، احتج بأن هذا كفرٌ جرى ممّن تقدم له الحكم بالإسلام، فصار كما لو كان حصل العلوق على الإسلام.
ومن قال بالقول الثاني، احتج بأن الصبيّ خلق على الكفر، ثم جرى إسلامُ الوالدين بعد ذلك، فاقتضى تبعيّةً في الإسلام ممزوجةً بالتوقف، فإذا تبينا بإعرابه عن نفسه بالكفر أنه على الكفر الذي فطر عليه، فالنظر إلى إعرابه الآن أولى من النظر إلى تبعيةٍ سبقت، وليس كما لو فطر على الإسلام، فإنه جزءٌ من مسلم، كما قررناه مع قوة الإسلام في العلوق والغلبة.
التفريع على القولين: 6075 - إن حكمنا بكونه مرتداً، لم يخف حكمه، ولم يُنْقَض بردته ما أمضيناه من أحكام إسلامه قبلُ.
وإن حكمنا بأنه كافر أصلي، فنقول أولاً: إن كان الكفر الأصلي بحيث يُقَرُّ عليه بالجزية، فإذا بدا ذلك من هذا الشخص، فإن قبل الجزية، أقررناه.
وإن أبى، ألحقناه بدار الحرب، ولم نر اغتياله.
وإذا كان ذلك الكفر مما لا يُقَرُّ عليه بالجزية، لم نقره بها، وألحقناه بدار الحرب.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل