نهاية المطلب في دراية المذهب
- عَلَم: الجويني، أبو المعالي
- الكتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر: دار المنهاج
- الطبعة: الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله تعالى (419 - 478 هـ) حققه وصنع فهارسه أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب دار المنهاج
الطبعة الأولى 1428هـ-2007م جميع الحقوق محفوظة للناشر دار المنهاج للنشر والتوزيع لصاحبها عمر سالم باجْخَيفْ وفقه الله تعالى المملكة العربية السعودية - جدة حي الكندرة- شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون هاتف رئيسي 6326666 - الإدارة 6300655 المكتبة 6322471 - فاكس 6320392 ص. ب 22943 - جدة 21416 لايسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه، وبأي شكل من الأشكال، أو نسخه، أو حفظه في أي نظام إلكتروني أو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه، وكذلك لا يسمح بالاقتباس منه أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبقاً من الناشر ISBN 978-9953-498-07-2 WWW. Alminhaj.com E-mail: info@alminhaj.com
نهاية المطلب في درَايةَ المذَهَب
تنبيهان
أولاً:
هذا الكتاب بينك وبينه ألف عام تقريباً، فإذا رأيت من ظواهر اللغة والأساليب غير مألوفك ومعهودك، فلا تحاول أن تحمل لغته على لغتك، ولا تسارع بحمل ذلك على الخطأ وسهو المحقق وتقصيره، فهذه هي لغة عصرهم، وهذا أسلوبهم، وهو صحيح سليم، وإن لم يعد مألوفاً لدينا ومستعملاً عندنا ولا جارياً على ألسنتنا.
ثانياً:
إبراء للذمة، وخروجاً عن العهدة ننبه:
أن برنامج الصف استحال عليه كتابة الهمزة المتطرفة المكسور ما قبلها على الياء، مثل قارئ، يجزئ، فتنبه لذلك.
الفقه صعب مرامه، شديد مراسه، لا يعطي مقاده لكل أحد ولا ينساق لكل طالب، ولا يلين في كل يد، بل لا يلين إلا لمن أيد بنور الله في بصره وبصيرته، ولطف منه في عقيدته وسريرته.
الإمام أبو المظفر السمعاني المتوفي سنة 489هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 1 الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127) (رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (الكهف: 10) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران: 8)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي وفَّقَ منِ اجتباهُ منْ عبادِهِ للتَّفقُّهِ في الدِّينِ، ونوَّهَ بذلكَ في الذِّكرِ الحكيمِ بقولهِ سبحانَهُ وتعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]
والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ سيدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، القائلِ: "خيارُكُمْ في الجاهليَّةِ خيارُكُمْ في الإسلامِ إذا فَقُهُوا" (1).
أمَّا بعدُ:
فبينَ أيدي العلماءِ من تراثِ الفقهاء ما لَو جمعوا كنوزَهُ، ونقَّدُوا جوهرَهُ.. لزانُوا جِيدَ اَلمجتمعِ اَلإنسانيَّ بعِقْدٍ ثمينٍ.
وهذِهِ السَّماتُ تنطبقُ تماماً على هذا الكتابِ الموسوعيِّ "نهاية المطلب" للإمامِ اَلعظيمِ إمامِ الحرمينِ الجوينيِّ، الذِّي يعدُّ من أعظمِ كتبِ الشَّافعيَّةِ القديمةِ، ومنْ أثبتِ المراجعِ في نسبةِ المذهبِ للإمامِ الشَّافعي
فهذا الميراثُ الأصيلُ الذِّي يخرجُ إلى فضاءِ الطِّباعةِ الرَّحيبِ لأوَّلِ مرَّةٍ، بعدَ ما يقاربُ الألفَ سنةٍ على تأليفِهِ.. لَيؤكِّدُ معنى الخيريَّةِ المتجدِّدَةِ في هذه الأمَّةِ التي لا تختصُّ بزمنٍ دونَ آخرَ، بلْ لا زالتْ مسيرةُ استخراجِ الكنوزِ قائمةً على قدمٍ وساقٍ في كل عصرٍ ومصرٍ.
كلمة الناشر
وقدْ قيَّضَ اللهُ لهذا التُّراثِ العظيمِ عَلَماً منْ أعلامِ العصرِ، وهو متمرِّسٌ في إخراجِ الكنوزِ العلميَّةِ في حللِ التَّحقيقِ ترفلُ، وهو الشَّيخُ العلاَّمةُ الدُّكتورُ عبدُ العظيمِ الدِّيبُ.
وممَّا زادَ الكتابَ رفعةً وإشراقاً هو ما حلاَّهُ بِهِ من تحقيقاتٍ سنيَّةٍ، وتعليقاتٍ علميَّةٍ، فكانت نهايةً في الإتقانِ، وغايةً في الإحسانِ.
وكيفَ لا يكونُ الحالُ كذلِكَ وقدِ استغرقَ المحقَّقُ في هذا العملِ المباركِ زُهاءَ خمسةٍ وعشرينَ عاماً؟!
فكان بهذا قد أنفقَ أنفسَ أوقاتِهِ خدمةً لتراثِ إمامِ الحرمينِ؛ ليزفَّهُ إلى الهداةِ المتفقِّهَةِ مجلوّاً لا لبْسَ فيه ولا إبهامَ.
وإنّا لنأمُلُ أنَ يكون هذا العملُ نموذجاً للتحقيقاتِ العلميَّةِ الأصيلةِ لذلك التُّراثِ النائمِ في الأدراجِ والمكتباتِ، وهذا ديدنُ دارِنا منذُ تأسيسِها وللهِ الحمدُ والمنَّةُ.
كما نتوجَّهُ إلى اللهِ سبحانَهُ وتعالى بالدعاءِ الضّارِعِ أن ينفعَ بهذا العملِ الإسلامَ والمسلمينَ في مشارقِ الأرضِ ومغارِبِها، وأن يحيَ بِهِ العلمَ وأهلَهُ؛ إنَّهُ سميع مجيبٌ.
ودارُ المنهاجِ إذْ تخرجُ " نهايةَ المطلبِ " في (21 مجلداً) وهو الكتابُ المحاوي العظيمُ.. لا تقفُ عندَ هذا الحدِّ، بل سيتلوهُ بإذنِ اللهِ تعالى وتوفيقِهِ الكثيرُ الطَّيّبُ، وَفْقَ المنهجِ الَّذي يسيرُ في اتِّجاهينِ:
أوَّلهُما: طباعةُ القديمِ الَّذي لم يُسبَقْ طبعُهُ ونشرُهُ؛ ككتابِ " الخلاصةِ " لحجَّةِ الإسلامِ أبي حامدٍ الغزاليِّ رحمهُ الله" 1.
وثانيهِما: المطبوعُ المنشورُ الَّذي اعتراهُ الخللُ وغيَّرتْهُ العِللُ، رغمَ أهمِّيَّتِهِ ونفاستِهِ؛ ككتابِ " كفايةِ الأخيارِ " 1.
ونحنُ نَهيبُ في هذه العُجالةِ بأولى الأقلامِ اللاَّمعةِ والأفكارِ المتخصِّصَةِ أن تُمِدَّنا بِرُؤاها حولَ منشوراتِنا ما دامَ ذلكَ يخدُمُ الأمَّةَ الإسلاميَّةَ، ويرتقي بالكتابِ إلى قمَّةِ الإتقانِ، ونحنُ على استعدادٍ لتقبُّلِ ما فيهِ الصَّلاحُ والنَّجاحُ.
واللهَ تعالى أسألُ أنْ يسلُكَ بنا مسلكَ الصَّالحينَ، ويدفعَ عنَّا كيدَ الحاسدينَ، ويوفِّقَنا لِما فيهِ رضاهُ.
آمينَ
وأخيراً نشكرُ كلَّ من ساهمَ وأعانَ في إخراجِ هذا الكتابِ المباركِ، في كلِّ مرحلةٍ من مراحلِ العملِ، ونقولُ لهمْ جميعاً: (جزاكمُ اللهُ عنَّا وعنِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ خيرَ الجزاءِ، وأجزلَ لكُمُ المثوبةَ والعطاءَ، ومنحنا جميعاً التَّوفيقَ والسَّدادَ).
اللَّهُمَّ؛ ارزقْنا الإخلاصَ في القولِ والعملِ، وحُسْنَ الختامِ عندَ انتهاءِ الأجلِ.
والحمدُ للهِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ، وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.
الناشِر
أبو سعيد/عمر سالم سعيد باجخيف
حُرِّر في جدَّة (19) ربيع الآخر (1428هـ)
شكر وامتنان
أتوجه شاكراً لكادرنا العلمي والمهني
الذي كان يعمل خلف للأضواء باجتهاد ودأب
حثيثَين نحواً من أربع سنوات متتالية دون فتور أو مَلَلٍ في خدمة هذه الموسوعة الفقهية "نهاية المطلب" وإلى الله تعالى أتوجه أن ينفع بهذا الكتاب المسلمين أينما كانوا وأن يثيب كل من ساعد في إخراجه خير ما يجزى الصالحين.
وكتَبَهُ
محمد غسّان نصوح عزقول
المشرفُ على أعمالِ البُحوثِ والنشرِ
بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي
قالوا عن الإمام
الفِقهُ فِقهُ الشَّافِعيِّ، وَالأَدبُ أَدَبُ الأَصْمَعيِّ، وَحسن بَصرِه
بالوَعْظِ للِحَسَنِ البصرِيِّ، وكيفما كان فهو إمام كل إمام...
ولولاه لأصبح مذهب الحديث حديثاً.
الباخرزي في دمية القصر
التبييْن لابن عَسَاكر
وظني أن آثار جده واجتهاده في دين الله يدوم إلى يوم الساعة، وإن انقطع نسله من جهة الذكور ظاهراً، فنشر علمه يقوم مقام كل نَسَبٍ، ويغنيه عن كُلِّ نَسَبٍ مُكتَسَبٍ.
التبييْن للحافظ ابن عساكر
عن عبد الغافر الفارسي المتوفي سنة 529هـ
ولا يشك ذو خبرةٍ أن إمام الحرمين كان أعلم أهل الأرض بالكلام والأصول والفقه، وأكثرهم تحقيقاً، بل الكُلُّ مِنْ بحرِهِ يغترفون، وأن الوجود ما أخرج بعدَهُ لَهُ نظيراً.
تاج الدين السبكي
المتوفي سنة 771هـ مذهب الحديث: مذهب الشافعية.
قالوا عن "نهاية المطلب"
استفاض بين الأصحاب وأئمة المذهب قولهم: "منذ صنَّف الإمام (نهاية المطلب) لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام" ابن حجر الهيثمي المتوفي سنة 973هـ المذهب الكبير المسمى بنهاية المطلب في دراية المذهب ما صنف في الإسلام قبله مثله التبييْن للحافظ ابن عساكر نقلاً عن عبد الغافر الفارسي المتوفي سنة 529هـ النهاية في الفقه لم يصنف في المذهب مثلها فيما أجزم به تاج الدين السبكي المتوفي سنة 771هـ
إهداء
أهدى هذا العمل الذي هو نتيجة عمري، وثمرة دهري.
إلى رجال لم أرهم بعيني، ولكن ألمحهم بخاطري.
رجال يملأ قلوبهم الإيمان، ويعمر صدورهم القرآن، ويرفع رؤوسهم للإسلام.
رجال في قلوبهم نور، وفي وجوههم نور، وفي صدورهم عزم وتصميم، رجال بأيديهم معاول ومناجل، معاول ترك صروح الظلم والطغيان، ومناجل تجتث جذور الشر والفساد.
رجال سيرفعون رأس هذه الأمة، ويطهرون ديارهم من جحافل التتار الجدد وحفدة أوربان الثاني، وفردريك، وريتشارد، ولويس التاسع.
رجال سيردون لهذه الأمة مجدها وعزها، ويعيدونها إلى كتاب ربها وسنة نبيها حتى تأخذ مقعدها في قيادة البشرية وإنقاذ الإنسانية.
إلى هؤلاء الرجال هديتي
عبد العظيم
يقولون لي فيك انقباض وإنما... رأوا رجلاً عن موقف الذُّلِّ أحْجَما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما... بدا طمع صيَّرته لي سلما
إذا قيل: هذا منهل.
قلت: قد أرى... ولكن نفس الحرِّ تحتمل الظما
القاضي الجرجاني، صاحب الوساطة
والمتوفي سنة 392هـ
عاب التفقه قوم لا عقول لهم... وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
الإمام أبو الحسن التميمي، منصور بن إسماعيل
المتوفي سنة 306هـ
دعوة واقتداء
وإني -على نهجي الذي انتهجت منذ أول كتاب نشرت- أدعو النقاد إلى إظهاري على أوهامي فيها، وتبيين ما دق عن فهمي من معانيها، أو ندَّ عن نظري من مبانيها؛ وفاءً بحق العلم عليهم، وأداءً لحق النصيحة فيه، لأبلغ بالكتاب فيما يستأنف من الزمان، أمثل ما أستطيع من الصحة والإتقان.
والنشر فنٌ خفيّ المسالك، عظيم المزالق، جمّ المصاعب، كثير المضايق، وشواغل الفكر فيه متواترة، ومتاعب البال وافرة، ومُبهظات العقل غامرة، وجهود الفرد في مضماره قاصرة؛ يؤودها حفظ الصواب في سائر نصوص الكتاب؛ ويُعجزها ضبط شوارد الأخطاء، ورجعها جميعاً إلى أصلها؛ فيأتي الناقد وهو موفور الجمام فيقصد قصدها، ويسهل عليه قنصها.
ومن أجل ذلك قلت -وما أزال أقول-: إنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون ناشريها بذكر ما يراه فيها من أخطاء؛ لتخلص من شوائب التحريف والتصحيف الذي منيت به، وتخرج للناس صحيحةً كاملةً.
والله ولي التوفيق
من كلمات العلامة المحقق
السيد أحمد صقر
رحمه الله
شكر واجب
" من لم يشكر الناس لم يشكر الله ". (رواه الترمذي وحسَّنه)
أجده حقّاً واجباً ودَيْناً في عنقي أن أقدم الشكر لشيوخٍ كبارٍ، وأساتذةٍ أجلاء إخوة كرام، وأبناء بررة وتلامذة مخلصين.
أشكر شيخي العلامة أبا فهر محمد محمود شاكر؛ فقد كان كلما تذاكرنا في مجلسه أمر (نهاية المطلب) يُعلي من شأن الكتاب، ومكانته، وأهمية الاشتغال به، وأن نصوص التراث ليست سواء، ويُعْظم إخرات هذا الكتاب، مما كان يشد من أزري، ويقوِّي من عزمي، وما أكثر ما أفدتُ من علمه وتوجيهه، رحمه الله وأجزل مثوبته.
وأشكر أخي وصديقي العلامة محمود محمد الطناحي، فقد كان حفياً بهذا الكتاب، ونوه به في كتابه الفذ (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي) وحمَّلني أمانة نشره كما شاركني في معاناة بعض نصوصه وغوامضه.
رحمه الله ونور ضريحه.
وأشكر علامة القراءات والنحو الشيخ عنتر حشاد، رحمه الله، والأستاذ محمد محمد مقلد خبير اللغة العربية، والأخ الدكتور علي أحمد الكبيسي الأستاذ بجامعة قطر، والأخ الدكتور خالد فهمي الأستاذ بجامعة المنوفية، فقد بذلوا جميعاً من وقتهم وجهدهم الكثير في البحث والمناقشة حول بعض ما كنا نلقاه من غرائب اللغة والأساليب.
كما أشكر كلَّ من أعاننا ويسر لنا السبيل للحصول على صور المخطوطات:
أشكر الأخ الصديق الصدوق علامة عصرنا فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي الذي ذلل لنا الكثير من العقبات.
وأشكر الأخ العربي التركي الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو على ما قدم لنا من عونٍ في هذا المجال، فلولا الأخ التركي المتعرب مصطفى شاهدي خبير المكتبات، الذي كلفه بمرافقتنا -أثناء رحلتنا إلى استانبول- ما استطعنا أن نصل إلى شيء مما وصلنا إليه؛ فبخبرته ومهارته فَلَيْنا مكتبات استانبول فلياً، فجزاه الله عنا خير الجزاء، وأعان الله الدكتور أكمل على ما تطوّقه أخيراً من حمل أمانة منظمة المؤتمر الإسلامي.
كما أشكر الأستاذ الدكتور كمال عرفات المدير العام الأسبق لمؤسسة الفرقان للتراث
الإسلامي بلندن.
والشكر أيضاً لأبنائي البررة وتلامذتي النجباء: الدكتور إبراهيم عبد الله الأنصاري المدرس
بكلية الشريعة بجامعة قطر، والدكتور -قريباً- محمد المصلح المدرس المساعد بكلية الشريعة
بجامعة قطر، والمهندس عبد الله النعمة مدير جمعية قطر الخيرية؟ فقد كنت أفكر في إقامة
حفلٍ بمناسبة الانتهاء من العمل في تحقيق الكتاب، اقتداءً بسنة السلف الصالح، وإحياء
لنهجهم، فقد ذكروا أن إمام الحرمين لما انتهى من تأليف (نهاية المطلب) عقد مجلساً
للاستبشار والتهنئة احتفالاً بإتمامه، وبذلك مضت سنة الأئمة وعلماء الأمة، فقد قيل في
وصف احتفال ابن حجر العسقلاني بالانتهاء من كتابه (فتح الباري)، قالوا في وصف الحفل
وكثرة الحضور: "ومنهم من حضر ولم يسمع".
نعم، كنت أفكر في شيء من ذلك، من باب التأسي والاقتداء، وإحياء سنن الأولين،
ومن باب " فتشبّهوا ". وما إن علم أبنائي الكرام هؤلاء، حتى سبقوني وأعدوا العدة،
ونظموا، ورتبوا لحفل ضخم ما كان يدور بخلدي أن أصنع مثله، كما تولى الدكتور إبراهيم
الأنصاري تقديم المتحدثين بالحفل، وألقى الدكتور محمد المصلح كلمة الأبناء والطلاب
خلع علينا فيها من فواضل أدبه ما لا نستحق، مما يجعلني أشعر فعلاً بعجز الكلمات عن الوفاء
بحقهم.
كما يجب علي أن أشكر كلَّ العلماء والزملاء، والإخوة والأبناء الذين أجابوا الدعوة
وشرّفوا الحفل، وإن كان جمعهم الكريم يستعصي على الحصر والذكر، فلا يفوتني أن أسمي
هؤلاء الأعلام الكبار الذين كانوا زينة حفلنا، وهم علامة العصر الأخ الكريم الشيخ يوسف
القرضاوي والعلامة الحبيب بلخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، والأستاذ الدكتور
الشيخ خالد المذكور رئيس لجنة استكمال تطبيق الشريعة بالكويت، هؤلاء الكرام كانوا
المتحدثين في الحفل، فطوّقوا جيدنا بدُررٍ ولآلئ من طيب نفوسهم وعالي أدبهم، فأنى
أطيق شكرهم، وأوفي حقهم؛ أسأل الله سبحانه أن يجزيهم عني خير الجزاء.
وأخص بالشكر أيضاً العلامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عُمان، والشيخ
عبد الرحمن شيبان وزير الأوقاف الأسبق بالجزائر، ورئيس جمعية العلماء بها الآن، وعلامة
الشام فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور، والأستاذ الدكتور إبراهيم
صالح النعيمي مدير جامعة قطر الأسبق.
أما فضيلة الشيخ عبد السلام البسيوني الداعية الأديب الناثر الشاعر، اللغوي، الإعلامي، فقد أتحفنا بقصيدة عصماء من روائع شعره، بثنا فيها خالص حبه، وصادق تقديره، وأفاض علينا من حسن أدبه وجمال خلقه، فأدعو الله سبحانه أن يجزيه عني خير الجزاء، وأن يثيبه على ما يبذله من نفسه وجهده في سبيل الدعوة ليل نهار أسال الله أن يتقبل منا ومنه، وأن يجعل جهده الخارق، وعمله الدائب في ميزانه، يوم العرض على الخبير البصير، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
كما أشكر كلَّ من احتفى بهذا الكتاب وعرف قدره، وكان حريصاًَ على نشره، أشكر الأخ الأستاذ الدكتور عبد الغفار الشريف الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الكويت الذي كان يودّ أن يكون هذا الكتاب من منشورات إدارة التراث بوزارة الأوقاف الكويتية.
أشكر الأستاذ الدكتور إبراهيم صالح النعيمي مدير جامعة قطر، ذلك الرجل الذي عرف قدر هذا الكتاب -مع بعده في تخصصه- وكان حريصاً كل الحرص أن يكون هذا الكتاب من مطبوعات جامعة قطر، وفعلاً ذلّل كل الصعاب، وتخطى كلَّ القيود، ودارت المطبعة حتى انتهت من صف الجزء الأول والثاني، ولكن قدر الله وما شاء فعل.
أشكر الأخ الأستاذ الدكتور أحمد نور سيف مدير دار البحوث في دبي، فقد كان أيضا حفياً بالكتاب حريصاً على أن يخرج من دار البحوث للدراسات الإسلامية ونشر التراث كما أشكر معالي الشيخ أحمد زكي يماني صاحب مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، على ما كان من حفاوته واهتمامه.
أما الشيخ الجليل الشيخ بكر أبو زيد رئيس المجمع الفقهي، فقد كان يتمنى أن يكون هذا الكتاب من مطبوعات المجمع، وقد قال لي بالحرف الواحد -وهو يشد على يدي-: " أريد أن أُعلن في الجلسة الختامية أن المجمع سيطبع كتاب (نهاية المطلب) "، قال لي هذا مرتين في يومين متتاليين عندما كان المجمع يعقد دورتَه الرابعة عشرة في الدوحة.
أشكر كل هؤلاء الكرام وأسال الله أن يجزيهم عني خير الجزاء، أما الذين لم تسعفنا الذاكرة أسماءهم الآن -وهم كثر- فأسألهم الصفح والعفو، وهم لذلك أهل، واللهَ الكريمَ أسأل أن يتولانا جميعاً بعفوه ولطفه ورحمته، وهو نعم المولى ونعم النصير.
عبد العظيم
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
باسم الله وحده ولا شيء معه دائماً وأبداً، ونحمده سبحانه وتعالى، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، اللهم إنا نعوذ بك من الخطأ والخطل، والخلل والزلل، وسيئ القول والعمل، ونصلي ونسلّم على صفوتك من خلقك وخاتم رسلك سيدنا محمد النبي الأمي، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه، وعمل بسنته إلى يوم الدين.
وبعد
فهذا مقام الشكر، مقام الحمد، مقام الثناء على الله بما أنعم فأوفى، فالحمد لله.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾ [الفاتحة: 2 - 4].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: 111].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59].
﴿الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70].
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 18].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: 1].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: 1].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: 74].
﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: 36].
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: 1].
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
...
من مأثور الدعاء وموجزه: " ربِّ أنعمت، فزِدْ ". ولكني أقول: ربِّ أنعمت، فأعني على شكرك وذكرك، وحسن عبادتك، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: 19].
لم يبق لي إلا أن أحمد وأشكر، فقد كان إتمام هذا الكتاب غايةَ مناي ومنتهى أملي، وكم تضرعت إليه سبحانه مناجياً في ظلمة الليل البهيم: " اللهم أني أسالك أن تَنْسَأ في الأجل حتى أُتم هذا العمل " فالحمد لله أجاب سُؤْلي، وحقق أملي، وأمدني بحوله وقوته، فقد كنت دائما أبرأ إليه سبحانه من حولي وقوتي، وألوذ بحوله وقوته، فوهبني، ولم يمنعني، وأعطاني ولم يحرمني، وشد من أزري، وسدد خطاي، حتى وصلت بهذا العمل إلى نهايته، وسرت به إلى غايته، فلم يبق لي من سؤال إلا أن أسأله سبحانه أن يعينني على أداء حق الحمد والشكر، فلو عشت ما بقي من أيامي ساجداً مسبحاً حامداً، ما وفّيت نِعَمَه سبحانه.
وما بقي إلا أن أسأله سبحانه أن ينعم علينا بحسن الخاتمة، وأن يجعل خيرَ أعمالنا خواتيمها، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه.
صحبتي لإمام الحرمين
:
هذا الكتاب ثمرة صحبة طويلة لإمام الحرمين، أَرْبت هذه الصحبة على الأربعين عاماً، وهذه الصحبة لم تكن عن اختيار مني أو تدبير، بل العكس هو الصحيح، فقد كنت أُقدِّر لدراساتي وحياتي العلمية طريقاً غير هذا الطريق، ومَيْداناً غيرَ هذا الميدان، وفعلاً قدرتُ ودبرتُ، واخترتُ موضوعَ رسالتي للماجستير.
وبينا أنا في منزل أستاذي الدكتور مصطفى زيد أعرض عليه خُطة الموضوع، وكان به مُرحِّباً، إذ دق جرس الهاتف وأخذ أستاذي الدكتور مصطفى في محادثةٍ طويلة، عرفتُ منها أن الذي على الطرف الآخر هو أستاذُ أستاذي الشيخ محمد أبو زهرة، ولما طالت المحادثة، ووجد أستاذي أنه قد شُغل عن ضيفه كثيراً، أراد أن يجاملني، فقال للشيخ أبو زهرة: عندي فلان، وهو يقرئك السلام، ثم أردف: هنِّئه، غداً سنعرض موضوعَ رسالته على القِسْم، فسأل الشيخُ أبو زهرة عن الموضوع، وما إن أجابه الدكتور مصطفى حتى احتدَّ الشيخ أبو زهرة، وفهمت أنه يرفض الموضوع 1، والدكتور مصطفى يدافع، ويقول: اطمئن يا أستاذنا، عبد العظيم من أولادنا، لا تخف، أنا أضمنه، إنه من المتحنثين [وكنت أسمع هذه الجملة أول مرة تجري في حديثٍ بين شخصين وعهدي بها أنها من ألفاظ الكتب والمعاجم].
ثم انتهت المكالمة.
وراح الدكتور مصطفى في صمت، ولم يُقبل على ما كنا فيه من مراجعة خُطة الموضوع، ولما رأى في عيني التساؤلَ، قال: انتهى الأمر، نبحث عن موضوع آخر، وأُسقط في يدي، وظهر علي الضيق والألم، بل والغضب المتمرد، فقال الدكتور مصطفى مجيباً عن كل التساؤلات التي تمور بداخلي: أنا لا أستطيع أن أخالف أمر الشيخ أبو زهرة.
ثم أجاب عن عدة أسئلة لم أتفوَّه بها: هو
رئيس قسم وأنا رئيس قسم صحيح لكنه أستاذي، هو في كلية وأنا في كلية أخرى، ولكنه أستاذي، هو لا يملك أن يمنعني من التصرف ولكنه أستاذي.
ثم قال مجاملاً: والله يا عبد العظيم أنا أكثر ألماً منك، ثم تمتم: ليتني ما ذكرت له الموضوع، وفعلاً هزتني هذه الكلمات، وبدأ الغضب الثائر في داخلي ينزاح ويترك مكانه هدوءاً وبرداً وأمناً.
وهنا التمع وجه الدكتور مصطفى قائلاً: اسمع يا عبد العظيم لعل الله أراد بهذا لك خيراً.
بل هو بالقطع كل الخير.
لن نُضيّع وقتاً، سنتخذ طريقاً آخر، بعيداً تماماً عن هذا الطريق.
تذكرُ كتابَ " البرهان في أصول الفقه ". تذْكرُه لا شك.
أنت نسختَ لي منه صفحات منذ مدة بعيدة.
ما رأيك أن تكون رسالتك تحقيق البرهان؟ وقبل أن أجيب أردف قائلاً: تَذْكُر المقابلات بين نُسخ المخطوطات التي قمتَ بها معاونةً لنا حينما كنّا نحقق كتاب " السِّير الكبير بشرح السرخسي " 1. سيكون العمل ممتعاً لك.
ستتعلم شيئاً جديداً.
ستدخل ميداناً رحباً فسيحاً.
كل ذلك وأنا في صمتٍ متأمل.
فقال: لماذا لا تتكلم؟ ما رأيك؟ وقبل أن أجيب قال: اعتمد على الله.
على بركة الله.
الموضوع موضوعي.
وعليّ إجازته من مجلس القسم، ابدأ اليوم، فكِّر في خُطة الموضوع والمقدمة والدراسة، اذهب إلى دار الكتب، وجدِّد صلتك (بالبرهان).
وأخيراً وجدت نفسي، فقلت مجيباً أستاذي: على بركة الله.
الحمد لله، قدّر الله وما شاء فعل، قلت ذلك باطمئنانٍ، ورضا، وثقة، مما جعل أستاذي يقبل عليّ معانقاً، قائلاً: مبروك.
هكذا كانت صلتي بإمام الحرمين بغير تقديرٍ أو تدبيرٍ منِّي، بل على عكس ما قدرتُ ودبرت، ولكن الله إذا أراد أمراً قدّره، وهيأ له أسبابه، فمن ذا الذي أمسك ما سيّره، أو قدّم ما أخره، سبحانه سبحانه ما أعظم شأنه.
اندفعتُ في طريقي مع إمام الحرمين في صحبة طويلة، عشت معه في (نيسابور) حيث نشأ، ورأيت بيته حيث درج، وصَحِبْته إلى مجالس شيوخه، ومدارس أساتذته، ثم جلست إليه مع تلاميذه نسمع له، حيث أُجلس للتدريس وهو في نحو العشرين من عمره، وأَصَخْت إليه، وهو يخطب بالجامع المنيعي (أكبر جوامع نيسابور)، ورأيته والناس حوله يبكون ببكائه في مجالس وعظه وتذكيره.
ثم رأيته يصول ويجول في ميدان المناظرة يقمع دعاة الفتنة، ويرد شبهاتِ الزائغين، ويكشف زيفَ المبتدعين.
ثم رأيته يصطلي بنار المحنة ولهيبها، فيضطر للهجرة، ويصابر ويصبر، ويحتسب، من غير أن يتزعزع، أو يتلجلج.
ثم تتبّعتُ آثاره ومصنفاتِه، ورأيت كيف جال في أكثر من علم، وبرع في أكثر من فن، فخلف مصنفاتٍ تربو على الأربعين عدّاً، منها ما يصل إلى نحو عشرين مجلداً، أسعفتنا الأقدار ببعض هذه المصنفات، فسلمت من المحن التي ابتلي بها تراث أمتنا، وبعضها سمعنا به ولمَّا نره بعد.
وأخذتُ مع هذا أعالج كتابه (البرهان) وأمازجُه، وأطيل الإصغاء؛ محاولاً أن أعي ما يريد الإمام أن يقوله في (لغز الأمة) 1، وما زلت أسمع من الإمام وأُنصت إليه سنوات، حتى حسبتُ أنني فهمت عنه، وعرفت ماذا يريد أن يقول في كتابه.
كانت هذه هي المرحلة الأولى من تلك الصحبة المباركة مع شيخي وإمامي، إمام الحرمين، استمرت هذه المرحلة سبعَ سنواتٍ مباركات، وكان من ثمرتها:
1 - دراسة طبعت وحدها بعنوان (إمام الحرمين - حياته وعصره - آثاره وفكره).
2 - تحقيق وتقديم كتاب (البرهان في أصول الفقه).
...
ثم استأنفتُ المسيرةَ مع إمام الحرمين، أستمع إليه وأنصت، وأطيل الاستماع والإنصات، وأُديم التأمل فيما أسمع من مؤلفاته كلها، وبخاصة كتابه الأكبر (نهاية المطلب) وأعرض ما أراه عنده، وما أسمع منه على ما سبقه من كتب المذهب، وأقارنه بما بعده من فقه الأئمة، محاولاً بذلك أن أصل -قدر الوُسع- إلى خصائص فقهه، ومنزلته في مجال الفقه، وكان من ثمرة هذه المرحلة البحثُ الذي قدمته للحصول على درجة الدكتوراة بعنوان: (فقه إمام الحرمين - خصائصه - أثره - منزلته).
وكان من الحقائق التي ظهرت لي، واستقرت عندي أن علم إمام الحرمين الأول هو علم الفقه، وأن الاشتغال بكتبه وآثاره في علم الكلام، واعتباره متكلماً، قد شغل الناس -بغير حق- عن فقهه، ومنزلته، وجهوده، وأثره في إقامة المذهب الشافعي.
وكان من آثار هذه المرحلة وثمراتها أيضاً أنني قرأتُ كتابه (الغياثي) كلمة كلمة، وهيأته للتحقيق، وقد سجلت ذلك في مقدمتي لرسالة الدكتوراة، حيث قلت: " وكان من خيرات هذا البحث تحقيقُ كتاب (الغياثي) الذي يكاد يكون منتهياً، أما كتاب (نهاية المطلب في دراية المذهب) فسيكون تحقيقه ونشره هو الثمرة التالية إن شاء الله ".
ثم قلت: " إن هذا البحث -على تواضعه- قد أتاح لنا الاتصالَ بتلك الثروة الفقهية النادرة، والاطلاعَ على ذخائرها وكنوزها، واكد لي صدق ما كنتُ -وما زلت- أردده دائماً: من أننا لم نعرف من تاريخنا إلا ما أريد لنا أن نعرف، ولم نر من تراثنا إلا ما أريد لنا أن نرى.
ويوم أن تتاح لنا الفرصة لمعرفة تاريخنا كاملاً، ودراسة تراثنا كاملاً، يومها سنرى
أية أمة هذه!! التي قادت العالم أكثر من ألف عام، وأية شريعة هذه التي أضاءت الدنيا، وبددت دياجيرها.
ولْنقل للحيارى الباحثين عن النجاة، والضاربين في كل اتجاه؛ جرياً وراء السراب، لنقل لهم ما قيل لبحارة السفينة التي ضلَّت طريقَها، حتى نَفِد منها الماء العذب، فأخذت تستغيث، فجاءها الرد: ألقوا دَلْوكم حيث أنتم.
وتكررت الاستغاثة، وتكرر الردّ: ألْقوا دَلْوكم حيث أنتم.... فعادت الدلاء بالماء عذباً سائغاً، ذلك أنهم كانوا فوق مياه نهر (الأمازون) التي يدفعها النهر في المحيط، وهم لا يشعرون.
فيا أيها الحيارى الجارون وراء السراب: " ألقوا دلوكم حيث أنتم.
لنُلْقِ الدلاء، فما أزخر الأعماق عندنا بالعذب الفرات " 1.
كان هذا ما قلته، وهو يعبر عن إعجاب وتقدير لما اطلعت عليه -على قلّته- من تراثنا الفقهي.
...
أثمرت هذه المرحلة إذاً هذا البحثَ (فقه إمام الحرمين: خصائصه - أثره - ومنزلته) ثم تحقيقَ كتاب (الغياثي).
ورحت أتطلع لما وعدتُ به من تحقيق (نهاية المطلب)، ووقفت أسائل نفسي: هل أستطيع أن أقوم بهذا العمل؟ هل أتمكن من جمع صورٍ لمخطوطاته المبعثرة في خزائن العالم؟ وهل ستكوّن هذه الأجزاء نسخة كاملة؟ وفي كم من الزمن أستطيع أن أصل إلى هذا؟ وهل أُطيق قراءةَ هذا النصِّ وأُقيم تصحيفَه، وأصوب تحريفَه؟ ثم هل بقي في العمر فسحة تسع هذا العمل؟
وضعت هذه الأسئلة أمام عيني، ورحت أقلب الأمر على وجوهه، ووقفت حائراً
متردداً: أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، يدفعني حبي لإمامي، وعشقي لتراثه، فأتقدم، وتردُّني هذه الصعوبات فأتأخر.
وما هو إلا أن شرح الله صدري، وربط على قلبي، فحزمت أمري، وعقدتُّ عزمي، فنفضت يدي من كل عملٍ سوى هذا العمل، وأقبلت عليه إقبال عاشق ولهان، وقضيت هذه السنوات التي تربو على الخمس والعشرين، أسيرَ هوى إمام الحرمين وكتابه، أبذل في سبيل ذلك كل ما أُطيق، بل فوق ما أطيق، أرتحل وراء المخطوطات حيث يعزّ جلبُ صورها بالمراسلات، والرجاءات، والوساطات، وأتابع إعدادها للعمل: من نقلٍ من الميكروفيلم إلى الأوراق، ثم أعكف عليها مفهرساً مرتباً، وفي ذلك من العناء ما فيه، " لا يعرف الشوق إلا من يكابده ".
ناهيك عما كان يحدث من مفاجآت حيث كنا نلهث وراء تصوير المخطوط، ونبذل ما نبذل، ثم نفاجأ بعد إظهار الفيلم أنه ليس من (نهاية المطلب) ولكنه من كتاب آخر، أخطأ مفهرسو الخزانة وسجّلوه باسم نهاية المطلب.
ولكن المفاجأة الأبشع أن يشتبه رقم المخطوط ورمزه على المصوِّر فيترك (نهاية المطلب) وهو بين يديه ويصوّر لنا كتاباً آخر، ومن أعجب العجب أنّ ذلك تكرر معنا أربع مرات متتاليات، تأتينا مكررةً صورةُ كتابٍ آخرَ غيرِ الذي نريده، مع أننا كنا لا نألو جهداً في توضيح المطلوب: حيث كنا نرسل صورةً لصفحة فهرس الخزانة، ونبين عليها الرقمَ المطلوب، ونذكُر بدءَ الجزء وخاتمته، ونؤكد أن هذا هو المطلوب!!! ومع ذلك كان ما كان.
وأخيراً قيض الله لنا من أهل العلم مَنْ أعاننا على الحصول على الصورة المطلوبة، فجزاه الله خير الجزاء.
والحديث عن المعاناة في هذا الجانب ووصف ما لقيناه وكابدناه، يضيق به المقام، وله مجالٌ غير هذا المجال.
وإنما ألمحت إلى طرفٍ من هذا العناء لأقول: لو أن هناك عملاً مؤسسيّاً يرعى تحقيق التراث ويعمل على حمايته ونشره، لو كانت هناك مؤسسات فاعلة جادة في هذا المجال، لتولّت عن المحققين هذه المرحلة المرهقة المتعبة من العمل، ولقامت هي بجمع صور المخطوطات جمعاً مستقصياً بما يكون لديها من أجهزة
متخصصة في هذا الشأن، ثم نقلتها من الميكروفيلم على الأرواق، وقدمتها جاهزة للمحققين، أتمنى أن يعود لأمتنا وعْيُها؛ فتعرف لهذا التراث حقَّه وقدره.!!
...
أما معاناة النص المخطوط، قراءةً وفهماً وتقويماً وتوضيحاً، وإضاءةً لِغَوامضه، وحلاًّ لمشكلاته، وجلاءً لمُعْوِصاته، فهذا هو عمل المحقق على الحقيقة، وهو لعمري عملٌ ممتع حقاً -على ما يأكل من الوقت والجهد- يعرف ذلك كلُّ من شرح الله صدره من أهل هذا الفن؛ من أجل هذا لم أكن أَضنّ على الكلمة أصوّب تصحيفها، أو الجملة أُقيم خَلَلَها، أو الفقرة أتبيّن مغزاها ومرماها، باليوم واليومين، بل بالأسبوع والأسبوعين، بل أحياناً تظل الكلمة أو الجملة تراوحني وتغاديني إلى ما شاء الله، حتى يفتح الله لنافيها وجهاً.
وكم من ليالٍ قضيتها وصورة الكلمة تلازمني في فراشي، وتشاركني وسادي، وكم من مرَّة أهب من فراشي فرحاً مسروراً، مكبراً مهللاً، فقد انكشفت صورة الكلمة الصحيحة، أو استقام لي بناء الجملة، وأسجل ذلك حامداً شاكراً، عادّاً ذلك آية على رضا الله وقبوله وتوفيقه.
انقطعت لهذا الكتاب عن دنيا الناس، ووهبت له وقتي، وجهدي، وسرّي، وعلانيتي 1، وبفضلٍ من الله وعونٍ انتصرت على نفسي، ورددتها عما كانت تجاذبني نحوه، وتدفعني إليه:
من المشاركة في المؤتمرات والندوات، وفيها الذِّكْر والصِّيت، ولقاءُ الأعلام، ووراءها ما وراءها، وناهيك عن الأضواء والفلاشات.
وكذلك المشاركة في التلفزة -بعد أن أخذتُ من ذلك بنصيب- وكنت مندفعاً في تياره، إلا أنني أمسكت وتماسكت سريعاً، ثم أحجمت وامتنعت امتناعاً جازماً.
أما الصحف والمجلات، فلم يكن لنا فيها إلا أنَّةُ المكلوم، ونَفْثةُ المصدور، نشارك بها أحياناً: صرخة في وجه تزييف، أو كشفاً لتضليل، أو ردّاً لانحراف.
ولكني مع ذلك -بحكم النشأة في العمل الإسلامي- لم أغب عن هموم أمتي ومتابعة ما يجري من حولي؛ فكم من مرة كنت أتناول بطاقة لأسطر عليها صرختي وآهتي، وأبثها مواجعي وآلامي، ثم أضعها جانباً، ولا أهيئها للنشر؛ لابدّ للمكروب أن يتأوّه.
بل شغلت بهذا الكتاب عن قضية من أخطر قضايانا الفكرية، وأعني بها هذا الخلل العتيد في فهم تاريخ أمتنا؛ فعندي أنه ما لم يصحح الدعاة وقادة العمل الإسلامي، وعلماء الأمة، أقول: العلماء والدعاة وقادة العمل الإسلامي، ما لم يصحح هؤلاء فهمهم لتاريخ الإسلام والمسلمين، فلن تستقيم الأمة على طريق.
وليس في هذا الكلام أدنى مبالغة، فالذي يحرِّك الأمة ويقودها، ويضيء لها الطريق هو ثقافتها، ولا ثقافة بغير تاريخ.
وعندي في هذا الموضوع الكثير الكثير مما يصحح أخطاء وأكاذيب تعلمناها وصارت عندنا بدهيات ومسلمات، وما زال الدعاة والعلماء يرددونها، ويتخذونها مرتكزاً لأفكارهم، ومنطلقاً لآرائهم، ومستنداً لأحكامهم.
بل الأدهى من ذلك أن هذه الأكاذيب والأغاليط التاريخية شكّلت وِجدانَ هؤلاء العلماء، وصاغت عواطفَهم، لم يَنْجُ من هذا أحد "إلا من رحم ربَّك وقليلٌ ما هم".
وويلٌ للعقل من العاطفة، "حبك الشيء يُعمي ويُصم" رواه أبو داود وسكت عنه.
نعم، هذا ما نراه من الواقع الثقافي لعلماء الأمة -مع اعترافنا بعلمهم وفضلهم- وما نراه من الدعاة وقادة العمل الإسلامي - مع تقديرنا لجهادهم وتضحياتهم، إن هؤلاء وهؤلاء يسلّمون بتلك المقولة التي صارت إحدى دعائم ثقافتنا، وأعني بها: " القول بأن الإسلام لم يُطَبَّق إلا في عصر الراشدين، بل إن الانحراف بدأ منذ عصر الخليفة الثالث " هذه المقولة تجدها صريحةً حيناً، وبين السطور حيناً، حتى إنك لتجد العلمانيين والملاحدة الذين يناوئون الدعوة إلى الإسلام يَجْبَهون الدعاة والعلماء بما في كتبهم، وما سطروه بأيديهم: قائلين لهم: أيَّ إسلام تريدون؟ إسلام عثمان بن عفان!! الذي رتع في مال الأمة وأباحه لبني أمية، ونفى أبا ذرٍّ رضي الله عنه، وأَرْكبَ قبيلته بني أمية رقابَ العباد، فجعلهم الولاة، والقادة، وخَزَنَة بيت المال.
أم تريدون إسلام معاوية وعمرو بن العاص الذي خدع أبا موسى الأشعري يوم التحكيم، أم تريدون إسلام يزيد الذي أباح المدينة لجنوده، وضرب الكعبة وهدمها بالمنجنيق، وقتل الحسين؟؟
أم تريدون إسلام أبي العباس السفاح؟ أم إسلام هارون الرشيد وليالي ألف ليلة وليلة؟... إلخ.
ولا يجد الإسلاميون جواباً!! كيف!! وهذه المعاني مبثوثة في كتبهم، ودائرة على ألسنتهم!!
وعندما يُفحمون ويسقط في أيديهم يلجؤون إلى جوابٍ يظنون أنه ينفعهم ويخرجهم من ورطتهم؟ فيقولون: " إن الإسلام يحكم على البشر، والبشر لا يحكمون على الإسلام، فنحن لا ندعو إلى إسلام الأمويين، ولا إلى إسلام العباسيين، وإنما ندعو إلى الإسلام الصحيح الثابت في القرآن والسنة ".
ولكن هذا يرتد إلى نحورهم بداهةً، فيقال لهم: ما أشد غروركم، إذا كان الصحابة، والجيل الأول خير القرون قد عجزوا عن تطبيق الإسلام، فكيف تستطيعون أنتم تطبيقه؟؟ نريد مناهج قابلة للتطبيق؟ شيوعية، اشتراكية، ليبرالية، رأسمالية.
هكذا يتكلم العلمانيون وأعداء الحل الإسلامي.
والإسلاميون -علماؤهم ودعاتهم - ينقطعون، ولا يُحيرون جواباً.
أرأيت إلى خطورة هذه القضية، قضية التاريخ) 1!!
لقد سادت حضارتنا أكثر من ألف عام، وارتادت أمتنا للبشرية طريق الأخوة والأمن والأمان والحق والعدل، وحملت لواء العلم والفكر، والأدب والفن، في أطهر خُلق وأسمى سلوك.
هذه حقائق ومسلّمات يعترف بها العدوّ قبل الصديق، وسَجَّلها شُرّاح الحضارات، وفلاسفة التاريخ، ولكن عَجَزْنا حتى الآن أن نستخرج منها نموذجاً لصورة الإسلام مطبقاً نباهي بها الدنيا، وندعوها إليه، وبقي علماؤنا ودعاتنا يردّدون أكاذيب عن عثمان رضي الله عنه، ونفيه أبا ذرّ، وعن يزيد بن معاوية وإباحته المدينة، وهدمه الكعبة، وعبثه برأس الحسين، وكل ذلك باطل لا أصل له.!!!
ليس هذا استطراداً ولا خروجاً عما نحن فيه، وإنما أردت بهذا أمرين:
الأول - أن أقول: إنني سعدتُ بكل ما فاتني بسبب إمام الحرمين وكتابه إلا هذه القضية، فكم كنت أتمنى أن أعطيها جهداً أكبر، ووقتاً أكثر، ولكن ضعفت المُنّة، وضاق الوقت حتى عن إتمام بعض ما بدأت 2.
الثاني - والسبب الثاني في بسط هذه القضية هنا هو إظهار خطورتها، والتنبيه لآثارها؟ إبراء للذمة، وإعذاراً إلى الله تعالى، آملاً أن يَنْهَدَ لهذا الأمر من شباب العلماء والباحثين من يحقق الأمل، ويكمل العمل.
نعم، انقطعتُ لإمام الحرمين وكتابه عن كل هذه المجالات، أو بالأحرى صرفني الله عنها، فقد كانت متاحة ميسورة، مدَّ اليد، فتركناها -بعد أن ذقنا حلاوتها- عن قُدرةٍ عليها، ورغبة فيها، وذلك لا يكون إلا بفضلٍ من الله وعونه؟ فله سبحانه
الفضل والمنة.
كنت أقول لمن يدعوني للمشاركة في هذا العمل أو ذاك: إن إمام الحرمين يجالسني، ويراوحني ويغاديني، وهو أمامي على المكتب يأخذ على يدي إن هي امتدت لغير كتابه، كنت أستشعر هذا المعنى حقيقةً، فما كنت أغادر مكتبي إلا مضطراً لأداء واجب عزاءٍ أو نحوه، وكنت أعود مسرعاً، وكأني أقدّم للإمام عذري.
ومضت السنون وتطاولت الأعوام، وطال العمل واستطال، وأنا صابرٌ جَلْد، غيرُ ضجرٍ ولا ملول، بل مستمتع مسرور، ومَنْ حولي يعجبون، وعن الكتاب يتساءلون: كل هاتيك الأعوام في كتاب واحد؟؟ ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: 52] "لا يعرف الشوق إلا من يكابده".
تجاوزت الأعوام الخمسَ والعشرين عدّاً وأنا في صحبة إمام الحرمين، أعطيه ويعطيني: أعطيه وقتي وجهدي، وصبري واتئادي، وتأملي وأناتي، وحبي وعشقي، وشغفي وهيامي.
ويعطيني كل يومٍ جديداً، يمنحني فرائد من الفقه، ودقائق من الأصول، وأوابد من النحو، ونوادر من اللغة، وشوارد من الحديث؛ ويطوف بي مرابع، ومجالس ومدارسَ، أسمع فيها من أعلام أمتي وأئمتها.
= وتحت الأعداد بحث عن عثمان ومال الأمة، وآخر عن قواد عثمان وعماله، وآخر مطول عن يزيد بن معاوية.
وقد كان في هذا الانقطاع مكافأة أخرى؛ إذ كان مُغترباً لي وملجأ ألوذ به من واقع فاسد مفسد، واقع بئيس، ابتلينا به وقُدِّر علينا أن نعيشه مقهورين، قدّر علينا أن نعيش هذا الزمان الذي نرى أمتنا تتحرك على المحندر بعد أن تمزقت دولاً متناحرة، ووصل الأمر أن حاضر الأمة -بعد أن ضل عن معرفة أعدائها- راح يشتبك مع ماضيها بحثاً عن ذرائع تبرر ما نحن فيه من هوان، فصرنا نستدعي رموزَ أمتنا وعظماءَ تاريخنا لنحاسبهم، فنجلدهم، ونركلهم، ونصفعهم، ثم نقتلهم سحلاً، واستشرى هذا الداء حتى عمّ وطمّ، فوجدنا من يلمز أول الخلفاء الراشدين واصفاً إياه بالديكتاتورية.!! واغوثاه!! ثم واغوثاه!!
...
ومما يجب أن أذكره أن كثيراً من أبنائي وتلاميذي -وقد أحسنوا الظن بي- كانوا يغْشَون مجلسنا راغبين في تلقي العلم على طريقة الأسلاف.
ولكن هموم العيش، وواجبات الوقت، ووعورة الطريق، وبُعد الشقة، أعجزهم عن الاستمرار -ولا ألومهم- فانصرفوا إلى الدراسة الرسمية، ومنهم من حصل فعلاً على الدكتوراة، وبعضهم في الطريق.
ولكن واحداً منهم استطاع أن يقهر كلّ الشواغل، ويدفع كل الصوارف، فشرح الله صدره، وأنار قلبه، فدامت صحبتُه لنا سنوات مباركات تزيد على العشر، وفي كل يوم يزداد حباً للعلم، وعشقاً للدرس، حتى صار الدأب في البحث طبعَه، والرغبة في استقصاء المسائل عادتَه.
ولما رأيته قد استوى عوده، واستقام أُملُوده، جعلت أقول له: يا بني يكفيك هذا معي، ابحث عن دراسة رسمية تنال بها (شهادة)، فالعصر عصر الشهادات، فكان لا يزيد عن أن يقول -في تواضع- " أريد أن أتعلم، أين أنا من العلم!! ".
ذلكم هو ابني الحبيب وتلميذي النجيب:
الأستاذ علي حسن الحمادي
ومن عجب أن دراسته في أصلها (البكالوريوس) ليست في العلم الشرعي،
ولكنه -بفضل الله- طوّف بالمكتبة الإسلامية والعربية تطواف محب عاشق، لا متعجّل أو مُكرَه، فعرف أمهات المصادر والمراجع في كل الفنون تقريباً، وبالصبر والمصابرة سَلِسَ له قيادها، ولان له عصيّها، وانفتحت له مغاليقها، وانكشفت له مُعْوِصاتها، فصار يحسن التلقِّي منها، ويجيد الأداء عنها، فاستكمل بذلك عُدة الباحث، وملكة المحقق.
وإني أضرع إلى الله سبحانه أن يديم عليه نعمة خب العلم، وعشق البحث، وأن يوفقه لخدمة تراث أمتنا العظيم، الذي صار من أكثر الناس له عشقاً.
كما أسأله سبحانه أن يجزيه خير الجزاء على ما قدّم لنا من عون في إخراج هذا الكتاب؛ فقد وفر لنا أوقاتاً ثمينة، وساعات غالية بتنقيره وتنقيبه عن مسائل الخلاف في كتب المذاهب الأخرى، وعن متون الحديث، حينما يعزّ الوصول إليها في المراجع القريبة والمواضع المعهودة.
كما أسأله سبحانه أن يوفقه لإخراج ما بين يديه من كنوز مذهب إمامنا الشافعي والله خير معين وناصر.
...
ثم بعد،،،
أستعير من إمام الحرمين قوله في خطبة هذا الكتاب، فأقول: "إن هذا العمل هو على التحقيق نتيجة عمري، وثمرة فكري في دهري".
كما أستعير منه ما قاله حين عجب من نقد (الصيدلاني) لشيخه (القفال) فيما لا يستحق النقد، فتضرع إلى الله قائلاً: " نسأل الله تعالى حسن الإعانة، وتقييض منصفين ينظرون في مجموعنا هذا، وهو ولي التوفيق ".
ومن كل من ينظر في عملنا هذا نرجو دعوةً لنا بظهر الغيب، وأن يهدي إلينا عيوبنا، وأن يلحق بالكتاب ما يتاكد لديه من تصويبات.
أما الذي يسرف على نفسه وعلينا بالعيب والطعن، وتتبع المعايب والمثالب،
فنقول له: حنانيك!! لو رأيت (النهاية) وهي أجزاء مفرقة، وأشلاء مبعثرة، وحاولت قراءتها في هاتيك الأوراق، وعانيت مطالعتها في تلك الصفحات، لأقصرت وأقلَلْت.!!
" والذي لا يردّه ذو مُسكة، ولا يرى خلافه ذو حُنكة، أن المتعنت تعبانُ متعب، والمنصف مستريحٌ مريح.
ومن ذا الذي أُعطي العصمة، وأحاط علماً بكل كلمة؟ ومن طلب عيباً وجده، فإنني أهل لأن أزلّ، وعن درك الصواب -بعد الاجتهاد- أضلّ!! فمن أراد منا العصمة، فليطلبها لنفسه أولاً، فإن أخطأته، فَقَدَ عذره وخاب، وإن زعم أنه أدركها، فليس من أهل الخطاب " 1.
كما أستعير من ياقوت الحموي أيضاً ماختم به خطبة كتابه، فما أشبه حاله بحالي، حتى كأنه ينطق بلساني فأقول بقوله: " ولما تطاولت في جمع هذا الكتاب الأعوام، وترادفت في تحصيل فوائده الشهور والأيام، ولم أنته منه إلى غاية أرضاها، وأقف على غَلوة 2 -مع تواتر الرشق- فأقول: هي إياها، ورأيت تعثر قمر ليل الشباب بأذيال كسوف شمس المشيب وانهزامه، وولوجَ ربيع العمر على قيظ انقضائه بأمارات الهرم وانهدامه، وقفتُ هاهنا راجياً فيه نيل الأمنيّة، بإهداء عروسه إلى الخطاب قبل المنية، وخشيتُ بغتة الموت، فبادرت بإبرازه الفَوْتَ.
على أنني من اقتحام ليل المنية عليّ قبل تبلّج فجره على الآفاق، لجدّ حذر... وسألت الله عز وجل ألا يحرمنا ثواب التعب فيه، وألا يكلنا إلى أنفسنا فيما نحاوله وننويه، وجائزتي على ما أوضعت إليه ركاب خاطري، وأسهرت في تحصيله بدني وناظري، دعاءُ المستفيدين الناظرين، وذكر زكيٌّ من المؤمنين بأن أحشر في زمرة الصالحين ".
وأسأله سبحانه أن يهب لي خاتمة الخير، ويقيني مصارع السوء، ويتجاوز عن سيئاتي، ولا يفضحني بها يوم العرض، وأن يحلّني دار المقامة من فضله، بواسع عطائه وبالغ نواله، إنه الجواد الكريم، الغفور الرحيم، وإليه ضراعتي أن يغفر لوالدي، وأن يرحمهما كما ربياني صغيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 1. الدوحة فجر يوم الإثنين الثالث والعشرين من ذي الحجة 1423 هـ الموافق الرابع والعشرين من فبراير 2003 م ...
تصدير بقلم العلامة فقيه العصر فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أكمل لنا دينه، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً، والقرآن إماماً ومحمداً نبياً ورسولاً، والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه إلى يوم الدين (أما بعد).
فيسرني أن أصدر هذا
الكتاب
الكبير (نهاية المطلب في دراية المذهب) لإمام الحرمين الجويني رحمه الله، بتحقيق أخينا البحاثة الأستاذ الدكتور عبد العظيم محمود الديب، حفظه الله، وسدد خطاه.
ولا سيما أن كلية الشريعة بجامعة قطر تقيم ندوة علمية عالمية، بمناسبة مرور ألف سنة هجرية على ميلاد الجويني، فقد ولد رضي الله عنه سنة 419 من الهجرة باتفاق المؤرخين.
ولي في هذا التصدير كلمات ثلاث:
كلمة عن الكتاب، وموضوعه، وقيمته.
وكلمة عن مصنفه الكبير، ومنزلته في علوم الإسلام.
وكلمة عن محققه، ومستوى تحقيقه.
1 - الكتاب أما
الكتاب،
فهو ذخيرة ثمينة من ذخائر تراثنا الفقهي الزاخر، يعرفه المشتغلون بفقه المذهب الشافعي، ويدركون قيمته، فهو أحد الأعمدة التي يستند إليها، ويعول عليها، وهو ينشر لأول مرة؛ فقد كان كنزاً مطموراً، برغم شهرته، ولكنه لم تكن منه نسخة كاملة مجموعة في مكتبة واحدة، يسهل تناولها والعكوف عليها.
ومن المعروف: أن في كل مذهب من المذاهب المتبوعة كتباً متميزة تعد (أمهات) فيه.
وليس السبب في ذلك هو (كمها) أو سعتها وكثرة أوراقها وصفحاتها فحسب، بل العمدة فيها هو (الكيف) قبل (الكم)؛ لما تعتمده من تأصيل، وما تحتويه من تدليل، وما تتخذه من نهج علمي، يميزها عن غيرها.
ألف إمام الحرمين كتاب (النهاية) في سنواته الأخيرة، أي بعد أن اكتمل نضجه، وأخرج زرعُه شطأه، واستغلظ واستوى على سوقه، أراد أن ينهض بمهمة في المذهب لا يقوم بها غيره، من تهذيب المذهب بكتاب (يحوي تقرير القواعد، وتحرير الضوابط والمعاقد، في تعليل الأصول، وتبيين مآخذ الفروع، وترتيب المفصَّل منها والمجموع، ويشتمل على حل المشكلات، وإبانة المعضلات، والتنبيه على المعاصات... ) كما قال رحمه الله في مقدمة الكتاب.
بل قال في مقدمته هذه الكلمة المعبرة عن نظرته إلى الكتاب وقيمته عنده: (وهو -على التحقيق- نتيجةُ عمري، وثمرة فكري في دهري) 1!
ومن قرأ لفقهاء الشافعية بعد إمام الحرمين، وجدهم مزهوِّين كلَّ الزهو، فخورين كل الفخر، بكتاب إمامهم هذا، فطالما نوهوا به، وعظموا قدره، وأشاروا إلى تفرده وتميزه.
انظر إلى ما قاله ابنُ عساكر عنه في كتاب (تبيين كذب المفتري): أنه ما صُنّف في الإسلام مثله!
وقد اعتبره الإمام النووي في (المجموع) أحد كتب أربعة تعد أساسية في المذهب.
وقال عبد الغافر الفارسي فيما نقله تاج الدين السبكي:
" وصار أكثر عنايته مصروفاً إلى تصنيف (المذهب الكبير) المسمى بـ (نهاية المطلب في دراية المذهب) حتى حرره وأملاه، وأتى فيه من البحث والتقرير، والسبك والتنقير، والتدقيق والتحقيق، بما شفى الغليل، وأوضح السبيل، ونبه على قدره ومحله في علم الشريعة، ودَرَّس ذلك للخواص من تلاميذه، وفرغ منه ومن إتمامه، فعقد مجلساً لتتمة الكتاب، حضره الأئمة الكبار، ودعَوْا له وأثنَوْا عليه، وكان من المعتدِّين بإتمام ذلك، الشاكرين لله عليه؛ فما صنف في الإسلام قبله مثلُه؛ ولا اتفق لأحد ما اتفق له، ومن قاس طريقته بطريقة المتقدمين في الأصول والفروع وأنصف: أقرَّ بعلو منصبه، ووفور تعبه ونَصَبه في الدين، وكثرةِ سهره في استنباط الغوامض، وتحقيق المسائل، وترتيب الدلائل " 1.
فانظر إلى هذه الجملة، تعرف قيمة الكتاب عند العلماء، ولا سيما الشافعية (ما صُنف في الإسلام قبله مثله)!
وقال تاج الدين السبكي: ومن تصانيفه (النهاية) في الفقه: لم يصنف في المذهب مثلها فيما أجزم به 2.
وعلق علامة المتأخرين من الشافعية ابن حجر الهيتمي (ت 973 هـ) صاحب (تحفة المحتاج في شرح المنهاج) وغيره من الكتب في أثناء كلام من (ذيل تحرير المقال) على قولهم: إنه منذ صنف الإمام كتابه (النهاية) لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام، فقال: " لأن تلميذه الغزالي، اختصر النهاية المذكورة في مختصر مطول حافل، وسماه (البسيط) واختصره في أقلَّ منه وسماه (الوسيط) واختصره في أقل منه وسماه (الوجيز)، فجاء الرافعي، فشرح الوجيز شرحا مختصراً، ثم شرحاً
مبسوطاً، ما صنف في مذهب الشافعي مثله... ثم جاء النووي واختصر هذا الشرح، ونقحه وحرره، واستدرك على كثير من كلامه... وسماه (روضةَ الطالبين)..، ثم جاء المتأخرون بعده فاختلفت أغراضهم ". والعجيب أني قرأت لابن حجر نفسه في كتابه (كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع) أن أعظم مؤلفات الشافعية، هو المجموع للنووي (1). فلعل كلَّ واحد من هذه الكتب الثلاثة كان أعظمَ بالنسبة لزمنه: النهاية للجويني، وشرح الوجيز للرافعي، والمجموع للنووي، وكل منهم له قدره ووزنه وأثره، ولا حرج على فضل الله.
2 -
المصنّف
أما مصنف الكتاب فهو إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت 478 هـ) أحد عمالقة الفكر الإسلامي، والعلم الإسلامي، الذي شرَّق صِيتُه وغرَّب.
واعترف بفضله القاصي والداني، وأثنى عليه السابقون واللاحقون والمحْدَثون إلى يومنا هذا.
إمامٌ وابنُ إمام، وفقيه وابن فقيه، أخذ العلم كابراً عن كابر.
قال معاصره الإمام أبو إسحاق الشيرازي: تمتعوا بهذا الإمام، فإنه نزهةُ هذا الزمان! وقال له مرة: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، لقد استفاد من علمك الأولون والآخرون.
وقال الحافظ أبو محمد الجرجاني: هو إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره.
وقال قاضي القضاة أبو سعيد الطبري، وقد قيل له: إنه لقّب إمام الحرمين: بل هو إمام خراسان والعراق، لفضله وتقدمه في أنواع العلوم.
وقال العلامة تاج الدين ابن السبكي في ترجمته في (طبقات الشافعية): هو الإمام1
شيخ الإسلام، البحر الحبر، المدقق المحقق، النظار الأصولي المتكلم، البليغ الفصيح الأديب، العَلَم الفرد، زينةُ المحققين، إمام الأئمة على الإطلاق.
ونقل ابن السبكي عن الحافظ عبد الغافر الفارسي قولَه فيه: فخر الإسلام، إمام الأئمة على الإطلاق، حبر الشريعة، المجمع على إمامته.. من لم تر العيون مثله قبله، ولا ترى بعده.. رباه حِجرُ الإمامة،.. وأرضعه ثدي العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ويفع 1. اهـ.
في فقه الشافعية: إذا قيل: قال الإمام، أو اختاره الإمام، أو نحو ذلك، فلا إمام غيره، ولا تقال بهذا الإطلاق على أحد سواه.
وقد وصفه بعضهم وقد كان لا يزال في شبابه، فأضفى عليه من الفضائل والمناقب: ما لا يجتمع في العادة مثلها لفرد، ولكن الله يختص بفضله من يشاء.
قال: فالفقه فقه الشافعي، والأدب أدبُ الأصمعي، وحسن بصره بالوعظ للحسن البصري.. وكيفما كان فهو إمام كلِّ إمام، والمستعلي بهمته على كل هُمام... إذا تصدر للفقه فالمزني من مُزْنته قطرة، وإذا تكلم (من علم الكلام) فالأشعري من وَفْرته شعرة، وإذا خطب ألجم الفصحاء.. 2!
وقال ابن خلكان في ترجمته: أعلم المتأخرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته، وتفننه في العلوم، من الأصول والفروع والأدب، وغير ذلك.
وتفقه في صباه على والده أبي محمد، وكان يُعجب بطبعه وتحصيله وجودة قريحته، وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده، وتصرف فيها، حتى زاد عليه في التحقيق والتدقيق 3.
تكوّن إمام الحرمين تكوّناً علمياً قوياً منذ صباه، وتفقه على والده الإمام أبي محمد الجويني وأخذ علوم عصره عن أفذاذ رجالها المعروفين في وقتهم: من العربية،
والقراءات والحديث، والتفسير، وأصول الدين، والفقه، وأصول الفقه.
وجمع الكثير من مصادر العلم في معارف عصره -بالإضافة إلى ما وجده عند والده- وأقبل على هذه المراجع ينهل منها ويعلّ، في لهفة وشوق، وفي دأب وصبر، مواصلاً الليل بالنهار، يقرأ ويحصل، ويفهم ويهضم.
يقول معاصره عبد الغافر الفارسي: سمعته في أثناء كلامٍ له يقول: "أنا لا أنام ولا آكل عادةً، وإنما أنام إذا غلبني النوم، ليلاً كان أو نهاراً، وآكل إذا اشتهيت الطعام في أي وقت كان! ".
وكان لذته ولهوه ونزهته في مذاكرة العلم، وطلب الفائدة من أي نوع كان.
قال عنه أحد شيوخه في النحو والأدب، وقد قرأ عليه بعض كتبه -وهو إمام الأئمة- مستزيداً من العلم، وطالباً له عند أهله، قال: ما رأيت عاشقاً للعلم -أيَّ نوع كان- مثلَ هذا الإمام؛ فإنه يطلب العلم للعلم 1!
ونقل عنه السبكي قوله: ما تكلمت في علم الكلام كلمة، حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر (يعني الباقلاني) وحده: اثنى عشر ألف ورقة.
هذا من كلام شخص واحد في علم واحد! فكيف بكلام غيره، وبالعلوم الأخرى التي له فيها اليد الباسطة، والتصانيف المستكثرة: فقهاً وأصولاً وغيرها؟
ومراده بحفظ تلك الكتب: فهمها والقدرة على استحضارها عند الحاجة.
ويحكى أنه قال للغزالي يوماً: يا فقيه: فرأى في وجهه التغير، كأنه استقل هذه اللفظة على نفسه.
فقال له: افتح هذا البيت، ففتح مكاناً وجده مملوءاً بالكتب، فقال له: ما قيل لي: يا فقيه 2، حتى أتيت على هذه الكتب كلها! 3
وقد قال عن نفسه: (قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً) 1 50000، فهل يقصد الضرب؟! 50000 × 50000= 2500000000 هذا مستحيل، أو يقصد العطف؟ أي 50000 + 50000= 100000 أظن هذا هو المقصود والمعقول، ولا أحسبه يقصد العدد حقيقة، إنما المقصود كثرة ما قرأ وحصّل من العلوم العقلية والنقلية.
عبقرية متميزة:
كان إمام الحرمين عبقريَّ زمانه -وما بعد زمانه- في العلوم التي تجمع بين العقل والنقل، وهي: علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، والخلاف.
وربما يظن كثير من الناس أن علم الفقه علم نقلي بحت، وهو كذلك عند الكثيرين، ولكنه -عند إمام الحرمين ومن جرى مجراه- له ارتباط وثيق بالعقل، في التأصيل والتدليل، والتقرير والتعليل، وربط المسائل بجذورها، ورد الفروع إلى أصولها، وقياس الأشباه بأشباهها، ومراعاة الجوامع والفوارق، ورعاية العلل والمقاصد.
الاستقلال في التفكير والاستقلال.
في التعبير:
تميز إمام الحرمين بالاستقلال في التفكير، والاستقلال في التعبير.
فهو في أصول الدين أشعري، ولكنه قد يخالف الأشعريَّ، برغم تعظيمه لقدره، وتقديره لفضله.
وهو في فروع الفقه شافعي، ولكنه قد يستقل عن الشافعي بمسائلَ، وينفرد بنظراتٍ، وأفكار واجتهادات فقهية، لم يسبق بها أحد.
وهو واضع اللمسات الأولى في مقاصد الشريعة، حيث أشار إليها في (البرهان) وتحدث عن المصالح الضرورية والحاجية والتكميلية.