نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الجراح

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

10289 - وقد انتجز تمام البيان في ذلك ولا يعترض عليه شيء به احتقال إلا نصُّ الشافعي رضي الله عنه في الأطراف، فإنه قال: "لو جرح رجل يد رجل، أو أبان بعضها، فتأكّلت الجراحة، وأفضت إلى سقوط اليد، فلا قصاص" 1 "ونصّ على أن من أوضح رأس رجل، فذهب ضوءُ عينه وجب القصاص" 2. فنصّه في نفي القصاص على الجرح المفضي إلى تأكّل العضو ينافي ما اعتمدناه في الجراحات، حيث قلنا: إذا تحققنا حصول الموت بالجرح، أوجبنا القصاص، وقد تيقّنا أن [سقوط اليد ترتب] 3 على الجرح.
والذي أطلقه الأصحاب في ذلك أن أجرام الأعضاء لا تُقصد بالتأكّل [كالروح تقصد بسراية الجراحات،] 4 والْتحق ضوء المناظر بالروح لمّا لطُف، وهذا مسلك [رديءٌ]، 5 جدّاً.
وقد قال الشيخ أبو علي والعراقيون: من أصحابنا من [جعل] 6 في سقوط الطرف وذهاب ضوء العين قولين: نقلاً وتخريجاً: أحد القولين - أن القصاص يجب فيهما، والقول الثاني - لا يجب القصاص فيهما.
ولا يوافقُ الأصلَ الذي مهدناه، وأردنا تنزيل المسائل عليه إلا إيجابُ القصاص في الأطراف واللطائف، جرياً على ما تقرر؛ وذلك لأن الأطراف معصومةٌ بالقصاص، قصداً، لا على سبيل التبع، ولذلك شبهها بالنفس في إيجاب القصاص على المشتركين وإن لم يصدر من واحدٍ منهما تمامُ الجناية، وتعلّقُ سراية الجراحة بجرح الجارح أعظم من تعلّق فعل الشريك بالشريك.

وإن قال قائلٌ: الأعضاء لا تقصد بالسراية، [ويتيسر] 1 فرض قطع الأطراف على الاشتراك، فهذا الكلام وإن استقل [يعضّد] 2 قطعَ الأنملة إذا أفضى إلى الروح، وإن قيل: الروح لطيفة، فأي فقه في لطفها وهي لا تقصد بقطع الأنملة غالباً؟ وليس تأكّل الجرح بأبعدَ من سريان قطع الأنملة إلى الروح، فإن كان الصحيح أن أجرام الأطراف لا تُضمن بالقصاص إذا سقطت بسراية الجراحات، فهذه غُصّةٌ في القلب، وحَسَكة 3 في الصدر.
وقد انتهينا إلى منتهى الفكر، [وعـ ـر بأصل النظر] 4. 10290 - ونحن نذكر مسائلَ معظمها منصوصة بعد إتمام هذا، فنقول: معتمدنا في زهوق الروح بالجرح رؤيةُ السراية، وظهورُ التأكّل، [فالزهوق؟ 5 إذا [كان] 6 مسبوقاً بالتأكّل [في بعض] 7 العضو، فكيف لا يكون العضو مضموناًً بالتعفن؟ وهو طريق الموت.
ومما انتهى الفكر إليه، ثم لم يستقم أن قائلاً لو قال: المرعيُّ أن يخطر للجاني قصدُ القتل، وإن كان لا يغلب؛ فإنّ قطع اليد يمكن تنزيله على هذه المرتبة، فإنه وإن كان لا يغلب منه الموت، فليس يندر منه، وما كان كذلك لم يبعد قصد القتل [به] 8، ولكن قطع الأنملة لا يصدر من ذي عقل وهو يقصد به قتل المقطوع منه.
10291 - ومن المسائل التي نذكرها: الإلقاء في الماء، والغرضُ منه يفصّله

تقسيمٌ، فنقول: لا يخلو الإلقاء إما أن يكون في ساحل 1 [يفرض] 2 الخلاص منه [وإما أن يكون في غمرةٍ ولُجة] 3 لا يفرض الخلاص منها، فإن كان الإلقاء في ساحلٍ، انقسم [إلى] 4 ما لا يُغرق، وهو الضحضاح [المخيض] 5 وإلى ما يُغرِق من لا يسبح.
فأما إذا كان الإلقاء في ضحضاح، نُظر: فإن كتّفه وشدّ أطرافه وألقاه على هيئة يعلوه الماء ويُلجمه، فهذا إهلاك، وإن لم يكن كذلك، [فاضطجع] 6 الملقَى أو استلقى، [فقد] 7 قتل نفسه، ولا ضمان على الملقي، وسنعيد هذا الطرف في أثناء الفصل عند ذكرنا السباحة وتركها، وترك معالجة الجرح، إن شاء الله عز وجل.
ولو كان الساحل مُغرقاً، وكان النجاة منه ظاهرة الإمكان في حق من يسبح، فينظر في الملقَى، فإن كان ممن لايحسن السباحة، فغرق، فملقيه قاتلٌ على عمد؛ مستوجبٌ للقصاص، والجنايات تختلف باختلاف من يتصل بالجناية، فإن الصبي قد تقتله ضربات يستهين بها [الأيّد] 8 والمُدنِف يهلك بما لو فرض في صحته، لكان شبه عمد في حقه.
وقد تختلف الجنايات بالأوقات، فيكون لوقوعها في حرارة القيظ أو شدة البرد قدرٌ يخالف مقدارها في اعتدال الهواء.
وهذا بيّن.
وإن كان الملقَى ممن يحسن السباحة، فتخاذل ولم يسبح حتى غرق، فالذي

تحصّل لنا من قول الأصحاب في ذلك وجهان في وجوب الضمان: أحدهما - أنه لا ضمان؛ فإنه هو الذي أتلف نفسه بتركه السباحة.
والثاني - أنه يجب الضمان؛ فإن إلقاءه جناية، والسباحةُ حيلة في الخلاص، فهي مشبهة بما إذا ترك المجروح معالجة الجرح، وللأول أن ينفصل ويقول: إفضاء المعالجة في الجرح إلى البرء مظنون، والسباحة منجية على تحقيق في الساحل، وهذا موضع تثبت للوقوف على هذا الفن.
10292 - وأنا أرى في إيضاح ذلك أن أذكر مراتب.
المرتبة العالية في الدفع تُناظر أكلَ الجائع الطعام العتيد بين يديه، وهو محبوس، فإذا امتنع عن الأكل حتى هلك، فهو قاتل نفسه، وشرط هذه المرتبة ألا يعد السبب الصادر من الساعي في الأمر إهلاكاً أصلاً، ويكون رفع الضر هيّناً محصلاً لدفع الضرار قطعاً، ويلتحق بهذا الإلقاءُ في الضحضاح مع التخاذل فيه، إذا كان [لا يجرح] 1، فإن الإلقاء في مثله [يعد عبثاً] 2 والخروجُ من الأفعال المعتادة.
والمرتبة التي تعارض هذه معالجةُ الجرح، فالجرح في نفسه جناية مهلكة، والمعالجة ليست بالهيّنة، وحصول الخلاص بها مظنون، فلا جَرَم لا يؤثر عدمُ العلاج وتركُه في درءِ الضمان.
وبين هاتين المرتبتين ترك السباحة؛ فإن الإلقاء في المغرقة جناية، والسباحة وإن كانت مُنجية، فقد يعرض من الملقَى دَهَش، وكم من سابح يطرى عليه ما يمنعه عن السباحة، وإن كان الغالب يخالف ذلك، فهذا موضع التردد.
ويتصل عندي بهذا الفن ترك تعصيب الجرح حتى يؤدي إلى النزف.
وقد يتصور ما أرى إلحاقه بالمرتبة الأولى، وهو إذا فتح رجل عِرْق إنسان فتركه المجني عليه [يزرُق] 3 حتى يُفضي إلى النزف، فهذا من باب ترك الأكلِ والطعامُ عتيد.

ثم إن لم نوجب الضمان في مسألة ترك السباحة، فلا كلام، وإن أوجبنا الضمان، فالأظهر أن القصاص لا يجب للشبهة، ومن أصحابنا من أوجب القصاص، وقال: إن كان على ترك السباحة معوّل، فموجبه إسقاط الضمان أصلاً، وإن لم يكن عليه معوّل، فينبغي أن يصير العالم بالسباحة إذا تركها والماء مغرق بمثابة ما لو كان لا يحسن الملقَى السباحة.
ومما يتصل بذلك أنه لو ألقى رجلاً في النار وكان من الممكن أن يتخطأها ويتعدّاها، فلبث حتى أحاط به الوهجُ واللّفحُ، فالذي ذكره الصيدلاني وطوائف من أصحابنا أن القصاص يجب بخلاف ما لو ألقى في الماء سابحاً، والفرق أن الناركما 1 تَلقَى تحرق، فيصير الملقَى فيها مجنياً عليه بأول الملاقاة، وقد يمنعه التألم الذي أصابه [باللفح] 2 الأول من اختيار الخروج، بخلاف الإلقاء في الماء.
وذكر القاضي أن الإلقاء في النار بمثابة الإلقاء في الماء مع التمكن من السباحة، وليس يستقيم على المعنى إلا ما ذكره القاضي.
ثم الوجه أن نقول: إن كان اللفح الأول يعجزه عن الخروج، فليست المسألة على ما صورناها، وإنما مسألتنا فيه [إذا كان الخروج من النار ممكناً، فإن كان لوقع اللفح الأول أثر] 3، فذاك يفرد بضمانه، كما ستأتي حكومات الجنايات، إن شاء الله عز وجل.
هذا كله إذا كان الإلقاء في الساحل.
[وكان] 4 الخروج ممكناً، فمكث حتى هلك.
10293 - ولو ألقاه في الساحل ولم يكن مغرقاً، أو كان مغرقاً، وكانت السباحة

ممكنة، والملقَى يحسنها، ورأينا [من يتركها] 1 مُهدَراً، فلو اتفق أنه كما 2 لاقى الماء، التقمه الحوت، أو قطّعه وأهلكه، فهذا من أصول الباب، ونحن نقدم عليه أنه لو ألقاه في غَمْرة 3 من الماء [وكما] 4 أصاب الماء، التقمه الحوت، فالمنصوص للشافعي أن القصاص يجب على الملقي، وخرّج الربيع قولاً آخر: أن القصاص لا يجب، وشبه هذا بما لو ألقى رجل رجلاً من شاهق جبل، فلما انتهى الملقَى إلى قرب الحضيض وافاه رجلٌ وسيفه مسلول، فقدّه، أو ضرب رقبته، فلا يجب على الملقي القود.
وهذا من تخريجات الربيع، ولم يرتضه معظم الأصحاب.
ونحن نوجه القولين وننبه [مع] 5 التوجيه على أصلٍ في المذهب: أما وجه القول المُخَرَّج فما أشرنا إليه، ووجه القول المنصوص الصحيح أن الإلقاء في الماء إهلاك، والملقَى هالك، سواء فرض ثَمّ [حوتٌ] 6 أو لم يفرض، ولو [لم يتم] 7 إلقاؤه، لما انتهى إلى الحوت، فالمرعي أنه ألقاه في هَلَكَة، فلا ننظر إلى السبب الذي به هلك.
ولا يتم التوجيه ما لم يُقيَّدُ الكلامُ بأن السبب الذي جرى الهلاك به لا يُنْسب إليه اختيار، وبهذا رفع الاتصال عن الذي [يقدّ] 8 الملقَى من الجبل؛ فإنه فاعل مختار، لا يفعل ما يفعله بطباعه، وإنما يفعل بإرادته ومشيئته، وإذا فرض قاتل مختار، انقطع ما كان من السبب قبله، لا فرق بين أن يكون الواقف [القادّ] 9 ممن يضمن، وبين أن يكون ممن لا يضمن، كالحربي؛ فإن التعويل على الاختيار، وصَدَرُ القتل عن المشيئة دون الطباع.

ولو كان في أسفل الجبل حيّة تعدو بطبعها أو نمر شرس ضارٍ، فأهلكه، يجب الضمان على المُلقي، والضبط المرعي في ذلك أن ما يعدو بطبعه فيعدو في أوان العدوان لا محالة، كما يضرى السيف إذا صادف مضْرِبه؛ ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: "لو ألقى رجلاً في بيتٍ فيه سباعٌ ضارية، وافترسته، التزم القود".
وهذا يبين بأصلٍ وهو أن من أمسك رجلاً حتى [قطع رجلٌ عنقه] 1 فلا ضمان على الممسك، سواء كان القاتل ممن يضمن أو كان ممن لا يضمن كالحربي، ولو هدّف رجل رجلاً لوثبة أسد يضرى على العدوان بطباعه، فيجب على المهدِّف الممسك القصاص، فهذا هو الأصل المعتبر في الباب.
ولو كان [القادّ] 2 الواقف في سفح الجبل مجنوناً، فإن كان على طباع السباع وضراوتها يجب الضمان على الملقي، وإن لم يكن ضارياً بالقتل، فالمجنون كالعاقل في إسقاط الضمان على الملقي.
10294 - هذا توجيه القولين، وفيه التنبيه على أصلٍ، وهو أن من ألقى إنساناً في مهلكة، ثم اتفق الهلاك بغير السبب الظاهر، فإن لم يكن ذلك السبب يعزى إليه اختيار وفعل أصلاً، فالضمان يجب على الملقي، وهذا كما لو ألقى رجلاً في بئر عميقة يقصد بالإلقاء فيها الهلاك، فلما انتهى الملقَى إلى قعر البئر، فإذا في القعر سكاكينُ منصوبة أو رماحٌ مشرعةٌ، فجرحته الأسنة والنصول، فيجب القصاص على الملقي.
وإن كان السبب الذي حصل الهلاك به منسوباً إلى فعل حيوان، فهذا ينقسم إلى ما يفعل بطباعه ضراوةً، كالسبع يفترس طبعاً، والحية تلسع.
والمنصوص للشافعي وجوبُ القصاص، وتخريج الربيع أن القصاص لا يجب، والتقام الحوت أصل هذا الفن، حيث وقع تصويره.
وإن كان الفعل صادراً من ذي اختيار لا يفعل بطبعه، وإنما يفعل بمشيئته، فهذا مسألة الشاهق [والقادّ] 3.

فليضبط الطالبُ هذه القواعدَ.
10295 - ثم قال الربيع: لا قصاص، وأوْجَب الدية، واعتقد ما يجري من الهلاك منسوباً إلى الملقي، ولكنه لما لم يعلمه، ولم يقصده، انتهض ما جرى شبهة في درءِ القصاص، من حيث إنه سببٌ لم يتعلق به قصد الملقي، وإن كان هو المتسبب.
وهذا الذي ذكره يُبطل استشهاده بمسألة [القادّ] 1؛ فإنه لا يجب على الملقي من الشاهق شيء إذا تلقى الملقَى الرجلُ الواقفُ بسيفه، [فقدّه] 2، وإذا اقترن الأصلان في أصل الضمان، بطل مسلك الاستشهاد.
وما ذكره من الشبهة لا أصل له مع تسبب الملقي إلى قصد الإهلاك، وهذا بمثابة ما لو وجأ رجلٌ رجلاً بسكين، فهلك الموجوء، ثم بان أن سبب هلاكه كونُ السكين مسموماً، فالقصاص يجب على الجارح، وإن كان جاهلاً بصفة السكين؛ فإن الجرح بالسكين مهلك وإن لم يكن مسموماً.
ولو ألقى رجل رجلاً في الساحل، وإذا فيه حوت، فالتقمه أو قطّعه، فهذا سبب هلاكٍ، لم يشعر به الملقي، ولم يكن إلقاؤه إياه من المهلكات، فلا قصاص على الملقي والحالة هذه؛ فإن نفس فعله ليس مهلكاً، وسبب هلاكه لم يكن معلوماً للجاني، وهذا بمثابة ما لو دفع رجلٌ رجلاً دَفْعاً خفيفاً، فألقاه فإذا في موضع سقوطه سكين، فجرحه السكين وأهلكه، فلا يجب القصاص على الملقي، ولكن يجب الضمان في مسألة السكين والتقام الحوت في الساحل.
10296 - فخرج من مجموع ما ذكرناه أن السبب إن كان مهلكاً، واتفق الهلاك بسببٍ آخر، فهذا يتفصَّل وينقسم إلى الحيوان وغيره، كما مضى، وإن لم يكن السبب مهلكاً، فاتفق الهلاك بسببٍ لم يشعر به الملقي، فلا قصاص، وإن كان عالماً به كالذي يعلم أن وراء القائم الذي بين يديه سكين منتصب، فإذا ألقاه عليه وقتله،

فيجب القصاص، وأما الضمان، فإنه يجب [إن لم يكن السبب مهلكاًَ] 1 أو لم يكن الملقي عالماً بالسبب المهلك.
وعلى الناظر أن يتدبر هذا، ويلتفتَ قليلاً إلى ما ذكرناه في فصول الجراح، حيث قلنا: إن من قطع أنملة إنسان، فأدت السراية إلى الموت، وجب القصاص على القاطع وإن لم يقصد القتل، كما أن الملقي لم يقصد الإلقاء على السكين، ولكن حصل أثر السكين بسبب الإلقاء، فهلا كان كما إذا حصلت السراية بالقطع حتى كأنها جزء من القطع والقطعُ جزء منها، وليس [القتلُ] 2 إلا بالسيف أو بالسكين متصلاً بسبب القطع؛ قلنا: الفرق أن السراية متصلة بالإلقاء، ولكنه وفاقٌ جرى، فانفصل عن الإلقاء، فإذا لم يكن معلوماً، لم يجب القصاص، وإن قصد الإلقاءَ على السكين، [فالإلقاء مخرَج] 3 من البين، والعمل مقصور على جرحه بالسكين.
ونقل المعلّقون عن القاضي أنه قال فيما يقتل: إن [التقمه الحوت قبلَ أَنْ أصاب الماء،] 4 كان أخرج رأسَه من الماء، فلا يجب القود على الملقي، بخلاف ما لو مس الماء، فالتقمه الحوت، وقرر أنه إذا مس الماءَ، فقد صادف السببَ المهلك، فلا التفات على الالتقام إلا على قول الربيع إذا اختطفه الحوت قبل أن يلقى الماء، فلم يحصل من السبب الذي قصده شيء، وإنما جرى سبب آخر، وهذا حكاه القاضي عن الأصحاب، ولم أر لهذا التفصيل ذكراً في شيء من الكتب.
والوجه عندنا القطع بوجوب القصاص، أو تنزيل هذا منزلة ما لو [لقي] 5 الماءَ ثم التقمه الحوت، وذلك أن الملقَى لم يبق منه اختيار أصلاً، ولا أثر لمصادفة الماء، فإن الماء بنعُومته ولينه لا يقتل من يصادمه، وإنما القتل بالغرق، أو بسبب آخر بعد

ملاقاة الماء، فلا فرق إذن بين أن يلتقم الحوت قبل أن يَلقى الملقَى الماء، وبين أن يحصلجب أن الالتقام بعد ملاقاة الماء.
ثم العجب أن القاضي حكى هذه عن الأصحاب -كما ذكرناه- واختاره، ثم حكى عنهم سقوط الضمان [وشبهه] 1 بمسألة التردية من الشاهق وإلقائه ثم انقطعت على الضمان، وقال: الوجه إيجابه، وأخذ يفرق بين إلقائه والحوت بما ذكرناه من الاختيار [وعدمه] 2، وهذا كلام مختلِط، ومساق نفي الضمان يقتضي أن يقول الربيع: لا ضمان أيضاًً إذا مس الماء، فالتقمه الحوت، وهذا خبل لا يجوز أن يطّرّق مثله على قواعد المذهب.
وقد ذكرنا ما يضبط المذهب.
10297 - ومن المسائل الملتحقة ببيان العمد وما يقدح فيه أن من حبس إنساناً في مكان، فمات منه عطشاَّ أَو جوعاً، فلا يخلو إما أن يكون معه في المكان طعام وشراب، وإما ألا يكون معه.
فإن كان معه في مكان الحبس ما يتبلّغ به وامتنع عن أكله وشربه حتى هلك، فالقتل لا ينسب إلا إليه، وهو الساعي في إهلاك نفسه، وكذلك لو لم يكن الطعام حاضراً، ولكن كان قادراً على تحصيل الطعام بنفسه، أو بمن يأمره، فإذا حصل الهلاك، لم يجب على الحابس الضمان، كما لو كان الطعام عتيداً، ولو عسر عليه الاستنابةُ في تحصيل الطعام، ولكن كان ممكَّناً من التردد لتحصيله، فإذا لم يفعل، فالجواب كما ذكرناه.
وقد ألحقنا هذا بالأصل الممهد قبلُ، إذ ذكرنا الحيل في الخلاص من الأسباب المفضية إلى الهلاك.
10298 - ولو حبسه ومنعه الطعامَ والشرابَ أو أحدَهما فهلك، فلا يخلو -إن حُبس- إما أن يكون جائعاً وإما أن يكون شبعان، فإذا كان على الشِّبع، والذي يطرَى ابتداءُ العطش والجوع في الحبس، ثم أفضيا أو أحدهما إلى الهلاك، فالذي حبسه على هذا

الوجه قاتلٌ على حكم العمد، مستوجبٌ للقصاص عند تجمع الشرائط المرعية.
10299 - ولو كان به جوع لمّا حبسه ومنعه الطعام، [فأدى ذلك] 1 الجوعُ [إلى ضَعْفه] 2 وأفضى إلى الهلاك، فالطريقة المثلى في تمثيل المذهب أن نقول: إن كان الحابس عالماً بجوعه، فحبسه وهلك، فالذي جرى من الحابس قتلٌ عمد موجب للقصاص.
فإن قيل: قد هلك بالجوع، وإنما تحقق 3 في الحبس، فلم جعلتموه قاتلاً؟ وهلا نزلتم هذا منزلة ما لو كان مجروحاً [فجرحه] 4 جانٍ ومات من الجرحين، وإذا جرى ذلك، فالجاني شريك جارح نفسه؟ وسنذكر شرح ذلك وتفصيلَ أحوال المشتركين بعد ذلك، إن شاء الله عز وجل.
قلنا أولاً: لو والى بالسياط على مريض مُدْنَف وهلك، وجب القصاص على الضارب، وإن كان هذا الشخص لو فرض صحيحاً، لما مات بالضربات التي جرت غالباًً، ولا حكم [للمرض] 5 الذي صادفه الجاني، والجوع إن كان مؤثراً، فلا يزيد في مرتبته على [المرض] 6 والدَّنَف، بل مقدماتُ الجوع لا تعدُّ من أسباب الضرار، ولا يعد الجائع مريضاً، فإذا كان ضَرْبُ المريض موجباً للقصاص، والأغلب على الظن أنه كان لا يموت لولا الضرب، فالحبس على الجوع بهذا المعنى أولى، وقد يكون قليلُ الجوع مقصوداً لمن يطلب 7 الأحوال الصحيحة ويستظهر بتحقق الجوع ليأكل.
هذا قولنا فيه إذا حبسه عالماً بجوعه، ولا نُلزَم على ذلك ما لو [جَرَح] 8 من كان

جرح نفسه، فإنّ حكم ذلك نذكره مستقصىً في فصل الشركاء وتقاسيم أحوالهم، ولو كان [بالإنسان قرح] 1 في صورة جُرح، [فلو،] 2 جرحه، فالإحالة على الجناية لا على القرح، وما يضاف إلى الآفات [المقدّرة لا تقدر] 3 الشركة بها، ووراء ذلك سرٌّ سنوضحه في فصل الشركة، ولا مزيد على ما ذكرناه الآن.
ثم إذا أوجبنا القَوَد، فلا شك أنه إذا آل الأمر إلى المال، وجب تمامُ الدية، فإنه إذا وجب القود، فالدية أوْلى بالوجوب.
10300 - ولو حبسه جاهلاً بما به من الجوع، فمات، ففي وجوب القود قولان: أحدهما - يجب، كما لو كان عالماً بجوعه، ولا أثر للعلم والجهل بعد ما تقرر أن الجوع المتقدم لا اعتبار به، وجهلُه بالجوع بمثابة جهله بمرض المضروب، ولو ضرب مريضاً وكان عُمْرَه صحيحاً، وبنى الأمر في ضربه على أنه لا يموت، فمات للمرض الذي به، وجب القصاص، فليكن الأمر كذلك في الجاهل بالجوع.
ثم قال القاضي رضي الله عنه: إذا قلنا: يجب القصاص، فتجب الدية الكاملة في محل وجوبها، وإن قلنا: لا يجب القصاص، ففي مقدار ما يجب من الدية وجهان: ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه يجب تمامُ الدية، فإنا إذا أسقطنا القصاص لشبهة الجهل، فلا معنى لإسقاط شيء من الدية، ولو كان الجوع الأول معتبراً في [تبعيض] 4 البدل، لاعتبر مع العلم؛ فإن العلم والجهل لا يؤثران في تغيّر البدل في المقدار، وإن أثر الجهلُ، أَثَّر في التغليظ والتخفيف.
هذه طريقة، والذي لا يصح منها على السبر المصيرُ إلى تبعيض الدية، والباقي سديد، لا خلل فيه.
10301 - وقال بعض أصحابنا 5: إذا حبسه عالماً بجوعه، ففي وجوب القصاص

قولان، كالقولين فيه إذا كان جاهلاً بالجوع، ذكره بعض المصنفين وأشار إليه شيخي رضي الله عنه.
10302 - وهذا أوان إيضاح [الغرض] 1: فليعلم الناظر أن الجوع خصلة واحدة يبدأ ابتداؤها، ثم تزداد حتى تُفضي إلى الهلاك، والحابس لم يُحدث في المحبوس أمراً، وليس كما لو ضرب مريضاً، أو جرح قريحاً؛ فإن هذه جنايات ابتدأها، فكانت حوالةُ الهلاك عليها، وإذا حبس إنساناً، فجاع، فالهلاك [محال] 2 على الجوع، لا على الحبس، وقد كان شيء منه قبل الحبس، [وهذا] 3 أثار الاضطراب بين الأصحاب، فقالوا: إن كان كلُّ الجوع في الحبس، فالحابس سبَّبَ إلى إيقاعه مع المنع عن دفاعه 4، وإن لم يكن الكل في الحبس، فالموت [به يُردِّدُ] 5 النظرَ، وانفصل عما قدمناه من ضرب المريض عند العلم أو الجهل بالمرض.
ثم من طرد القولين في صورة [العِلْم] 6، فسيقول: إذا آل الأمر إلى المال، ففي وجوبه وسقوط بعضه الخلاف الذي ذكرناه.
10303 - ونحن نذكر على الاتصال بهذا مسألة مستفادة حسنة، وهي أن الرجل إذا شحن سفينةَ نفسِه بطعام أو شِحنة أخرى، واقتصد مثلاً، فجاء إنسانٌ، فوضع فيها عِدْلاً، فغرقت به، فكيف يكون الوجه في هذا، والغرق لا يحصل بالعِدل الأخير، وإنما يحصل به وبما يسبق من الأعدال والأثقال؟ وهذا فصلٌ يُديره الفقهاء مع أبي حنيفة في أقداح الشراب المسكر.
وقد ذكر القاضي في هذه المسألة تردداً مأخوذاً من أصلٍ، فقال: لو رمى رجل إلى صيدٍ، فلم [يُزمنه] 7، فرمى آخرُ فأزمنه، وقيل: لولا جرح الأول، لما أزمنه

الثاني، فالصيد لمن؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه للثاني المُزْمِن؛ فإنّ رميه استعقب الإزمان والإحالة عليه، والملك مخصوص به.
والثاني - أن الصيد بينهما.
قال: فلتخرّج مسألة السفينة على هذا.
فإن قلنا: الصيد للمزمن، فغرق السفينة محال على وَضْع العِدْل الأخير، فيلزمه ضمان السفينة وما فيها، وإن قلنا: الصيد بين الراميين: [الأول] 1 والثاني المزمن، فغرق السفينة محال على ما سبق ولَحِق من الأعدال والأثقال، ولا ينبغي أن يخرج من الاعتبار ثقل السفينة في نفسها، فإنه يؤثر في [تغويصها] 2. ثم إن أحلنا الغرق على الأخير، فلا كلام.
[وإن] 3 أحلنا على الكل، ففي كيفية التوزيع وجهان مبنيان على ما لو زاد الجلاد سوطاً، فحصل الهلاك، وأردنا التوزيع، ففيما نوجبه على الجلاد قولان: أحدهما - أنا نوجب عليه نصفَ الضمان، ونجعل سوطاً واحداً في مقابلة سياطٍ كجُرحٍ في مقابلة جراحات، فلو جَرح رجلٌ رجلاً جراحاتٍ، وجرحه آخر جراحةً واحدة، وحصل الهلاك، وآل الأمر إلى المال، فالدية بينهما نصفان.
والقول الثاني - أن الضمان يتوزع على الجلدات المستحقة في الحد والجلدة الزائدة، فإن كان الحد ثمانين جلدة، وزاد الجلاد جلدة، فعليه جزءٌ من واحد وثمانين جزءاً من الدية، وهذا القائل يقول: الجلدات متساوية في الصفات والجراحاتُ لا تدرك أغوارها، وقد يكون غَوْرُ جرع واحدٍ أكثرَ من أغوار جراحاتٍ [غيره] 4، وهذا فَتْحُ بابٍ عظيمٍ من الإشكال؛ فإن قائلاً لو قال: من جُلد ثمانين، فقد تهيأ للموت بالجلدة الزائدة، فهلا وقعت الحوالة عليها؟ وهذا ليس بالهين، وسأشرحه في فصل الشركة عند ذكري اجتماعَ أقوام على رجل بالسياط، فإن كان يدور في خلد الناظر طلبُ التمام في هذا، فليطلبه في فصل الشركة، وليكتفِ الآن بما نلقيه إليه.

فإن قلنا: الجلاد يضمن نصفَ الدية، فصاحب العِدل الأخير يضمن نصفَ ما هلك من السفينة وشِحنتها.
وإن قلنا: الجلاد يضمن جزءاً من أحدٍ وثمانين، فصاحب العِدل الأخير يضمن جزءاً من أجزاء، فنضبط أقدار الأثقال فنوزع عليها.
فهذه مسألةٌ اعترضت من حيث إنها تشابه مسألةَ الجوع؛ فإن ابتداءه لا يعد من أسباب الهلاك، بل قد يكون من أسباب استصلاح البدن، ولكن يحصل الهلاك بما يزيد من الجوع بسبب تقدم ما تقدّم، ومما يؤكد التشبيه أن الأعدال في السفينة في جهة التثقيل متجانسة والجوع إلى الجوع في حكم الجنس الواحد، وليس كضربٍ بعد مرضٍ.
هذا منتهى قولنا في الجوع وإفضائه إلى الهلاك.
10304 - [ومما] 1 نلحقه بالأصل المقدم في العَمْد وما [يعدّ منه] 2 القولُ في السّم وإيصالِه إلى باطن الإنسان، فنقول: إن كان السم مذفِّفاً مُجهزاً، نُظر: فإن أَوْجَره [إنساناً] 3، فهلك الموجَر، وجب القصاص على الذي أَوْجره، وإن أكرهه حتى شرب بنفسه، نُظر: فإن كان الشارب جاهلاً بكونه سماً، فعلى الذي سقاه السم القصاص؛ فإن الإكراه إذا تحقق من الأسباب الموجبة للقصاص على المكرِه، كما سيأتي ذلك -إن شاء الله عز وجل-.
وإن كان المكرَه عالماً بأن الذي يتعاطاه سم، [فلا قصاص] 4 على المكرِه؛ فإن الإكراه لا يتحقق على هذا الوجه، وسنبين أن من اكره رجلاً حتى قتل نفسَه، فلا قصاص على المكرِه؛ إذ صورة الإكراه أن يُؤْثر المكوَه خلاصَ نفسه بتحصيل ما هو مكرَهٌ عليه، وهذا المعنى لا يتحقق مع كونه [مقتولاً] 5 لو أمضى مراد المكرِه، وسيأتي هذا في موضعه، إن شاء الله عز وجل.

وإن كان السم بحيث [لا نقطع بأنه] 1 يقتل، وكان لا يغلب أيضاً على الظن هذا، فإذا اتصل الهلاك به، فهذا فيه نظر؛ فإن [غرره] 2 باطن.
والذي حصّلته من قول الأصحاب فيه أنه بمثابة غرز الإبرة في غير المقتل، وفيه التفصيل الذي تقدم، وكنت أود لو كان كقطع أنملة أو إصبع، ولكن للعلماء تعظيمٌ عظيمٌ لأمر الجراحات؛ من حيث إنها تقطع وصلَ البنية [وتفتق محبس] 3 الروح، والسم يلقَى ظواهر الأعضاء الباطنة، [فكان] 4 كما يلقى ظوَاهر البدن من [وجهه] 5، ولكن من حيث يغيب [عن] 6 البصر.
وما أطلقناه من السّم الذي لا يقتل [تذفيفاً مجازٌ] 7؛ فإن ما كان كذلك لا يسمى سماً، [ومن] 8 كلام أهل الصناعة 9: "إن الغذاء ما تحتكم الطبيعة عليه والتأثير 10 ولا يؤثر في الطبيعة، والدواء ما يتأثر بالطبيعة، ثم ينقلب على الطبيعة ويؤثر فيها، والسم ما يضاد القوّة الحيوانية" 11، ولسنا للإطناب في هذا، والتنبيه كافٍ.
وذكر الأصحاب على الاتصال بهذا تقديمَ الطعام المسموم، وأنا أرى أن أعقد فيه فصلاً بعد استيفاء المسائل الباقية الموعودة.

10305 - فنقول: إذا أنهش الرجلَ حيةً أو عقرباً، قال الشافعي: إن كان مثل حيات مصر وعقارب نصيبين، وجب القود، والغرض أن الحيّة في نفسها إذا كانت قتالة بنفسها، أو العقرب، فإذا فعل ما وصفناه، فالذي جاء به عمدٌ محض يُقصد به القتل، وهو خارج عن محل النظر المشكل في الجراحات التي لا تؤدي إلى الهلاك.
وإن كانت الحية لا يغلب القتل منها -وكذلك يكون العقرب في معظم البقاع- فقد قال الأصحاب: إذا سعى على الوجه الذي ذكرناه حتى نهشته حية لا يغلب القتل منها، أو لسعه العقرب، فقد قال الأصحاب: هذا بمثابة ما لو غرز فيه إبرة، وقد سبق تفصيلها.
وهذا حسنٌ؛ فإنّ جلده [مما] 1 يؤلم ويرقب منه [غررٌ] 2، فهذا تفصيل القول في ذلك.
ويتصل به الإلقاء في [الماء] 3، ومكان الحيات، وإشلاء السباع في المضايق، والمكان [المستع] 4. 10306 - ونحن نذكر في هذا ما نقله الأصحاب، ثم نتبعه بالبحث.
قالوا: إذا أغرى بإنسان كلباً ضارياً، أو سبعاً، فإن كان في المضيق لا يفرض الخلاص منه، فإذا افترسه السبع، وجب القصاص؛ فإن ذلك يعد من الأسباب المهلكة، ولو أغرى به السبع في صحراء، فقد قال الأصحاب: إذا اتفق الهلاك، فلا قصاص، فإن ذلك الشخص كان متمكناً من الهرب والاضطراب في محاولة الدفع عن الروح.
أما ما ذكره الأصحاب في المضيق، فهو جارٍ على القياس وسَبْر التحقيق، وأما الإغراء في الصحراء، فما أطلقوه من أنه يقدر على الإفلات يجب أن يُفَصَّل، فإن كان السبع بحيث يدرك من يتبعه لا محالة، فالصحراء، والمضيق بمثابة، وهذا على

شرط أن كون السبع [المشلَى] 1 ضارياً بالإنسان، ويقل هذا في طباع السباع، [ولا يضرَى] 2 منها إلا الكَلِب، فإنه [يستأسد] 3 ويستشلَى على كل من كان يُغرَى به، ولست أظن أن الأصحاب ينكرون ما أشرنا إليه.
وقد ذكر القاضي ما ذكرناه على هذا النسق، بعد أن نقل ما نقلته مطلقاً، وذكر كلامه استدراكاً، وليس هذا محلَّ خلاف، ودقةُ النظر في حمل كلام الأصحاب على محملٍ.
10307 - والذي أراه في ذلك أنهم فصلوا بين المضيق والمتسع، [وبنَوْا كلامهم] 4 على أن السباع لا تضرى بالآدمي ضراوة الكلب بالصيد، ولو اعترض لها آدمي في مضيق [استشعرت] 5 منه قصداً [وتوثّبت] 6 عليه توثُّبَ الدافع، وهذا لا يتحقق في الصحراء، حتى لو صُوّر كلب ضارٍ، كان المضيق والصحراء بمثابة، والدليل عليه أن ما يأخذه الكلب من الصيد ممسَكٌ على صاحبه، ولا فرق بين أن يكون في الصحراء والمضيق لما صحت ضراوتُه بالصيد، فلو وجد مثل هذا في حق الآدمي [لاسْتوت] 7. الصحراء والمضيق.
ومما ذكره الأصحاب أن قالوا: لو جمع بين إنسان وبين سَبُعٍ في بيت، فتوثب السبع عليه، وأهلكه، وجب القصاص على من ألقاه في البيت، ولو كان بدل السبع حية أو حيات، فإذا هلك الملقَى [بينها بنهشها] 8، فلا قصاص، وفرقوا بأن السبع

يثب بطبعه والحية [تنفر] 1 بطبعها، ولا تنهش إلا إذا وطئت، أو [الْتُمست] 2. وهذا مما ينقسم الأمر فيه؛ فإن من الحيّات ما يَقْصد، ومن السباع ما ينفر، والتحقيق فيه أن السبع النافر يدفع عن نفسه في البيت، ويضر الكائن معه وحده، فيثور عليه، والحية في المضيق والمتسع لا تدفع عن نفسها إلا أن تمس أو توطأ، فإذ ذاك تدفع.
فلنُنزل الصورَ على هذه القواعد.
وقد ذكر صاحب التقريب قولين في أن المحبوس مع السبع إذا قتله السبع هل يجب القصاص على حابسه، وليس هذا عندي من [محال] 3 القولين؛ فإن الأحكام في هذه المنازل تتبع الصور، ثم لا مطمع في إيجاب القصاص المتلقى من العَمْدية إلا مع القطع بها، وإن تطرق شك في العمدية، لرُفع القصاص.
10308 - ومما يتصل بهذا الفصل أنه لو أغرى سبعاً أو كلباً بإنسان، فأمكنه أن يهرب فمثُل بين يديه، حتى مزقه، فأين يقع هذا من الحيل المخلّصة؟ وقد ذكرنا مراتبها في الفصل السابق.
وليس يبعد عندي تنزيله منزلة السباحة في الماء الذي تُنجّي السباحةُ منه، ووجه التشبيه أن الفرار يُنجي [كالسباحة] 4، والدهشة ممكنة في ثوران السبع وملاقاة الماء، وفرْضُ عوائق تطرى وتمنع من الخلاص ممكن في الوجهين، [وقد] 5 نظرنا في ذلك، وليس كترك الأكل من الطعام العتيد.
والعجب أن أصحابنا قالوا: إذا كان الفرار ممكناً في الصحراء، فلا قصاص فيها بالإغراء، [وإني لأتمنى] 6 أن يكون هذا من تصرف بعض المتأخرين الذين قنعوا

بالظواهر، وتركوا الغوص على الأسرار، فإن الفرق بين الصحراء والمضيق مما [مهّدته] 1 من عدم ضراوة السباع وحَمْل ثورانها في المضيق على الدفاع عن أنفسها، وإلا فكيف الخلاص من وثبات الفهود التي تدرك الظباء في لحظات مختلَسة، فلهذا لم أعتمد الفرار، وأخرجته عن السباحة، فإن من ذكر الفرار لم يخرجه عن ثبتٍ فأعتمدَه.
10309 - فهذا أقصى ما في الوسع من إيضاح المشكلات، وتنزيل المسائل على مقتضى القواعد.
وينبغي أن تشتد عناية الطالب بمعرفة العَمْدية، فإن معظم مسائل القصاص عليها تدور، ونحن بتوفيق الله تعالى نأتي 2 بقواعد الكلام، ونبهنا على تغشّيها من اللبس، في رَمْزٍ من الفقه فيه وتولّعٍ بَنَوْه بالتشجيعات 3 والترصيعات التي مجّتها الأسماع ويأباها طلبة المعاني.
10310 - ومما نذكر متصلاً به، أنه لو أغرى سبعاً بإنسان في [متسع] 4، حيث نحكم بأن القصاص لا يجب، فلو فرض توثب السبع على ذلك الإنسان وقتله، ودرأنا القصاص، فهل تجب الدية أم لا؟ فهذا فيه تأمل ونظر، من جهة أن السبع إذا لم يكن ضارياً بطبعه، فلا أثر للإغراء فيه، وإنما يتوثب وفاقاً، ثم لا يسند فعله إلى المغري، والدليل عليه أنه لو أغرى كلباً غير معلّم بصيد، فاتفق أنه انطلق إليه وقتله، فهو ميتة، ويكون كما لو انطلق بنفسه من غير إغراء؛ فإن اختيار الحيوان له حكم إذا لم يكن معلّماً.
والأصحاب بنَوْا أمرهم في نفس القصاص على إمكان الفرار في الصحراء، وإذا كان كذلك، فقد تُفرض دهشة من ذلك الإنسان، كما فرضناه في ترك السباحة، حيث تفرض النجاة بالسباحة، ثم ميل الأصحاب إلى وجوب الضمان، كما قدمنا ذكره.
والوجه عندنا في ذلك أن نقول: إن كان السبع مطلقاً، ولم يوجد من الساعي إلا

الإغراء، [والسبع] 1 غير ضارٍ، فلست أرى للإغراء، والحالةُ هذه أثراً ووقعاً، إذا لم يكن ذلك في مضيق، كما تقدم التفصيل فيه.
وإن كان السبع في رباط [فحلّه] 2 وأغراه، فانطلق في مسبع صحراء واتفق الهلاك، ففي وجوب الضمان التردد الذي ذكرناه: فإن بنينا الأمر على عدم ضراوة السبع، فالوجه نفي الضمان، وإن بنيناه على إمكان [الإفلات] 3 فهو سببه [كالسباحة] 4 إذا تركها الملقَى في الماء.
هذا وجه الكلام في الضمان، والله المستعان.
10311 - ومما يتصل بهذه الفصول التغرير بتقديم السّم، فإذا أدخل الرجلُ السمَّ في طعام وقدمه إلى إنسان [مغرياً] 5 إياه على ما يعتاد في مثله، فأكله الضيف، وهلك، ففي وجوب القود قولان: أحدهما - وهو الأقيس أنه لا يجب؛ فإنه أكل باختياره، وأكلُه أولى با لاعتبار من تغرير الضيف، والمباشرةُ الصادرةُ عن اختيار تقطع الأسباب.
والقول الثاني - القصاص يجب؛ فإن التغرير على هذا الوجه يُفضي إلى الهلاك غالباًً، فإن الناس لا يمتنعون عن الاكل، فهو إذاً واقع إذا اتصل به التغرير، فيصير المغرور في حكم المحمول المكره، فإن قلنا: يجب القصاص على الغار المقدِّم، فلا شك في وجوب الدية إذا آل الأمر إلى المال.
وإن قلنا: لا يجب القصاص، فهل تجب الدية؟ ذكر شيخي رضي الله عنه قولين في وجوب الدية: أحدهما - أنها تجب وهو الذي قطع به القاضي وغيره؛ لأنا إن درأنا القصاص للشبهة، فلا سبيل إلى إحباط فعل المقدِّم بالكلية؛ فإن هذا في مستقر العادة يسمى قتلاً من المقدِّم.

والقول الثاني - أن الضمان لا يجب تغليباً لمباشرة الآكل، كما ذكرناه، وهذا وإن كان غريباً في الحكاية، فهو متجه في المعنى.
وما ذكرناه فيه إذا قدم الطعام إلى إنسان ودعاه إلى أكله بمقاله أو بقرينة الحال.
فأما إذا أدخل السم في طعام الغير من حيث لا يشعر، فأكله صاحب الطعام، ولم يوجد من الساعي في ذلك تقديم، ولكنه بنى الأمرَ على أنه سيأكل الطعام، فهذا مما اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هذا بمثابة ما لو قدم الطعام إلى إنسان، ودعاه إلى أكله، ولا يخفى توجيه الطريقين، ثم الأصحاب قطعوا في صورة التقديم بوجوب الضمان، وذكروا القولين في وجوب القصاص، ولم يذكر القولين في الضمان في صورة التقديم إلاّ شيخي.
وكنت أود أن [أجمع] ُ 1 الأسباب التي لا تتصل فيها الجناية من الجاني بالمجني عليه وأقسمها إلى القوي والضعيف وأوضح ما يتعلق القصاص به، وما يختلف المذهب فيه، [وما اتفق تفصيل الضمان فيه] 2. وسأجمع ما يتعلق القصاصُ به في فصل الإكراه، وأذكر ما يتعلق الضمان به في باب حفر البئر في محل العدوان -إن شاء الله عز وجل- فهذه مسائل ذكرتها في تحقيق العمد، [وما يتم به] 3. 10312 - وأنا أختم الفصل بضبطٍ يجري مجرى الترجمة المذكورة، ولا شيء في انتشار المسائل وتعارض الأصول أنفع من اختتام الفصل بالترجمة، فأقول: أما القتل فقد قسمناه إلى [الوجء المذفِّف، وإلى ما هو مذفّفٌ يتعلق بالأسباب] 4، ثم قسمنا الأسباب إلى ما يتعلق بالظاهر، وإلى الجرح الذي يتعلق بالبواطن، ثم ذكرنا بعد ذلك

قواعدَ: أحدها - في التمكن من الحِيل وما ذكرنا فيه مراتب [وفضضنا] 1 عليها لو تَركَ الأكلَ، وترك السباحةَ، وترك مداواةَ الجرح.
ومن القواعد أن الجاني إذا قصد الإهلاك بسببٍ، فاتفق سببٌ آخر، لم يعرفه الجاني، وفيه ذكرنا الْتقام الحوت والإلقاءَ من الشاهق، وتصويرَ [القدّ] 2 من واقفٍ في الحضيض.
وفيه ذكرنا ما إذا لم يكن السبب مُهلكاً، فاتفق عنده مُهلك، مثل أن يدفعه دفعاً على أرضٍ مستوية، ويلقيه في حفرة قريبة العمق، فيتفق سقوطه على سكين.
ومن القواعد إغراء السباع وإنهاش الحيات، والكلام في المضيق والمتسع، وردّ الأمر إلى طباعها في الضراوة وعدمها، أو إلى المفارّ، أو إلى إمكان الفرار.
ومما يجب الاعتناء به في أثناء المسائل، أنا إذا درأنا القصاص عنها، فهل نوجب الضمان، أم نُردّد القولَ فيه، أم ننفيه؟ ومأخذ هذا أنا حيث نتحقق أن القتل حصل بالجناية، ولكن لم يتحقق العمد فيه، فوجب الضمان من حيث ثبت فعلٌ من المجني عليه، ورأينا إحالةَ الهلاك عليه، أو رأينا إحالته على حيوان ذي اختيار غيرِ محمول ولا مكرَه، فقد ندرأ الضمان، وقد نجعل ترك الاختيار بمثابة فعلٍ من المُهلَك كترك الأكل، وقد نختلف في ذلك.
فهذا بيان القواعد وسنعيد التغرير في الأسباب عند ذكرنا الإكراه وكونَه سبباً في التزام القود، وإن لم يكن فيه مباشرة من المتعلق بالسبب.
فصل قال: "ولو قطع مريئه أو حلقومه، أو قطع حشوته ... إلى آخره" 3. 10313 - في نقل المزني غلط؛ فإنه قال: "لو قطع حلقومه أو مريئه" على

الترديد وكان الوجه أن "يقول: لو قطع حلقومه ومريئه" 1؛ فإنه رام أن يذكر القتل المُوقِف 2 الذي لا يَبقى بعده حياة، وهذا لا يحصل بقطع أحدهما، ومقصود الفصل بعد هذا التنبيهُ [إلى] 3 أن من قطع حلقوم إنسان ومريئه، فالمجني عليه مقتول، [وإن] 4 كان يتحرّك [حركة مضطربة] 5 متقاربة، فذاك حركة مذبوح، ولا حكم لها، ولو فرضت جناية بعد ما ذكرناه، وإن كانت في دوام تلك الحركات، فهي جناية على ميت، ولا يتعلق بها حكم إلا التعزير؛ من جهة هتك حرمة ميت محترم، وهو بمثابة ما لو أقدم على ميت وقطع أطرافه.
ويترتب على ما ذكرناه أنه إذا سبق سابق بالقتل، كما ذكرناه، ثم تلاه آخر بقطع طرفٍ أو غيره، ففعْلُ الثاني هدرٌ، لا يتعلق به موجَب الضمان.
وبمثله لو جنى الأول جناية لم تزُل الحياة بها، وأتى الثاني بما هو مُوقفٌ 6 في نفسه، فيعتبر فعل الثاني حينئذ مع اعتبار فعل الأول.
وبيانه أن الأول لو شق بطنه وخرق مِعاه، فالمجني عليه سيهلك بهذا السبب لا محالة، وليس هذا مما يتوقع فيه برءٌ وتدارك، ولكن تبقى معه حياة مستقرة، ثم ينتهي، وقد خُرق مِعى عُمر رضي الله عنه، فأوصى لمن بعده وجَعل الأمرَ شورى، وبقي أياماً، فلو جرى مثلُ ما وصفناه، ثم جاء ثانٍ، وقدّه بنصفين أو ضرب رقبته، فالقاتل هو الثاني؛ فإنه الآتي بالسبب [المذفّف،] 7 والجنايةُ الأولى كانت تقتل بطريق السراية لو تركت، والتذفيف يقطع أثر السراية وإمكان جريانها وإفضائها إلى الهلاك.

وقال مالك 1: إذا كانت الجناية الأولى تُفضي إلى الهلاك لا محالة [لو] 2 فرض الاقتصار عليها، فالمجني عليه هالك بمثابة المنتهي إلى حركة المذبوح، وذكر الشافعي في الرد عليه قصة عمر رضي الله عنه، وأراد بذكرها أن يوضح أن المجروح حي، ثم نبّه بذلك على أن الثاني قاتلٌ [لا جارح] 3. 10314 - ثم يتعين الاهتمام بفهم ما نورده، والاعتناء بدرك منازل الحياة، فنقول أولاً:- ما نسميه حركةَ المذبوح يوجب القطعَ [بالحياة] 4؛ فإنه من آثار الحياة، [وليس] 5 كتلوي عصبة في عضو بحيث [يتشنج] 6؛ إذ قد يفرض مثل ذلك في ميت قد جَمَد إذا عرض عارض في عصبة أو غيرها، ولكن هذه البقية من آثار الحياة، [لا معوّل عليها] 7 في العادات، وأهلها يسمون المنتهي إلى هذا المنتهى [ميتاً حقّاً] 8، ولا يرون هذا من المجاز المحمول [على ما سيكون] 9 لا محالة، كما يقال في المجروح المأيوس منه الذي سيموت لا محالة [لهول ما به] 10: إنه مقتول، والمراد أنه سيهلك لا محالة على قرب.
وقطعُ الحلقوم والمريء قتلٌ لا محالة؛ فإنه لا يبقى بعدهما إلا ما سميناه حركة المذبوح.

ومما يدور في الخَلَد أن من ضرب إنساناً بسيفٍ [قُرب الحِقْو] 1 ومَعْقدِ [النطاق] 2 وقدّه بنصفين على الوضع الذي ذكرناه، وَتَرك حُشوته 3 في النصف الأعلى، فقد يفرض ممن فُعل به هذا أن يطرِف وينظر إلى شيء ويبصره، أو يتكلم بكلمات، ثم [يجمُد] 4 بعد ذلك.
وقد قال الأئمة رضي الله عنهم: إذا كان بحيث يتكلم أو ينظر، فهو حي، وإن كان ذلك يزول على القرب، ولا يطول زمانه، فلو ابتدر له مبتدر وضرب رقبته في الحالة التي وصفناها، فالقاتل هو الأول، أم الثاني، أم كيف السبيل فيه؟ فنقول: رب إسرافٍ في التصوير يُفضي إلى تقدير ما لا يكون، فإذا فرض قدُّه من الموضع الذي ذكرناه، فلا يجري كلام منتظمٌ بعده، والمجنيُّ عليه يُعدّ قتيلاً، [ولو صوّبت السهام بمثله، فيموت المصاب] 5 في لحظة، فكيف الظن وقد قدّ من الوسط.
10315 - ومما يتعلق بذلك أن المريض لو انتهى إلى سكرات الموت، وبدت مخايل الموت، وتغيرت الأنفاس في الشراسيف 6، فلا نحكم للمريض بالموت، وإن انتهى إلى حالة يَظن الظان أن الموسَّط 7 المقدود على مثل حاله؛ وذلك أن مثلَ هذا مما لا يؤثر به، وكم من مُدْنَفٍ تُشَقّ الجيوب عليه، ويشد حنكه، ويسوَّى كفنه، ثم تثور قوّته ويعود، فينطق، فلا يتصور الحكم بالموت على ثقة ما لم يجْمُد

وتحبِط نفسه، فإذا ضرب ضارب رقبته وهو يتنفس، فنجعله قاتلاً على التحقيق، والذي أُبينت حُِشوته قتيلٌ على قطع، بحيث لا يفرض انتعاشٌ.
فالمتبع في ذلك في النفي والإثبات [الثقةُ] 1 بأنه قتيل، والقتيل من لا يَلْحظ 2، ولا يتكلم على نظمٍ يُعد كلاماً، ولا يتحرك حركةً اختيارية، والحياةُ التي يُثبتها أرباب العقول لا اكتفاء بها؛ فإنها ثابتة للمذبوح إلى أن يجمد، وإنما التعويل على أن يعد المجني عليه قتيلاً، ولا يقع الاكتفاء بالحكم بأنه هالك؛ فإن معناه أنه سيهلك.
فهذا بيان المراد في ذلك كله.
10316 - ومما يتصل بهذا أن من قطع حلقَ إنسان، ولا يقطع مريئه، فقد ذكرنا أن هذا فعلاً يكون قتلاً، ولا يُفضي إلى حالة المذبوح في أول الأمر، ولكن لو تمادى، فقد يؤدي إلى المصير إلى حركة المذبوح، وهذا قد يشتبه بالمريض [ينتهي] 3 إلى السكرات، ولكن المريض كما ذكرناه لا تؤثر حقيقة حاله ما لم يجمد، والذي قُطع حلقومه يُفضي إلى حركة المذبوح، وإن عاش زماناً، والمريض لا ينتهي إلى هذه الحالة، والأحكام تتبع الصور.
ومن أحاط بما ذكرناه، لم يخف عليه تتبع الصور إذا تثبت فيها، ولم يقبل كل ما يُرعى من الصور.
ثم ما ذكرناه من [التفصيل] 4 يجري في الذبح وافتراس السبع، فالأصل أن السبع إذا افترس شاة، فإن صادفناها وهي في حركة المذبوح، فهي ميتة، وإن كانت فيها حياة مستقرة، فذبحناها، فهي ذكيّة.
وفي ذلك مزيد تفصيل يليق بحكم [الذكاة] 5، وسنذكره في كتاب الصيد والذبائح، إن شاء الله عز وجل.

فصل قال: "ولو جرحه جر احات، فلم يمت حتى عاد إليه ... إلى آخره" 1. 10317 - إذا قطع يدي رجلٍ، ورجليه، وفقأ عينيه، فاندملت إحدى الجراحات، ففيها القود، على ما سيأتي تفصيل القصاص في الأطراف، إن شاء الله عز وجل.
وإذا آل الأمر إلى المال، ففيها ديات.
ولو سرت الجراحات، وأفضت إلى الموت، [فالقصاص] 2 باقٍ في الأطراف؛ [لأنها] 3 إذا سرت، صارت نفساً، والواجبُ بدلُ النفس، لا بدلُ الأطراف، فتندرج الأطراف تحت النفس في الدية، ولا تندرج تحتها في القصاص، وإن سرت وأدت إلى الموت.
ولو قطع الأطرافَ كما صورنا، ثم عاد، فقتل المجني عليه صبراً، والجراحات بعدُ ساريةٌ، فالمنصوص عليه للشافعي أن الأطراف تندرج تحت النفس في الدية، كما لو سرت بأنفسها [وأفضت] 4 إلى الهلاك، والقصاصُ باقٍ في الأطراف [لا يندرج تحت النفس] 5، ويجب فيها أروشها ودياتها.
[أما] 6 لو اندملت، ثم عاد فقتله، ففي النفس عند ابن سريج ديتها، وفي الأطراف دياتها، وللشافعي رضي الله عنه ما يدل على موافقة ابن سريج 7، كما سنذكره.

فقد حصل في المسألة قولان في اندراج ديات الأطراف تحت دية النفس: أحدهما - أنها لا تندرج، وهو اختيار ابنِ سريج، والقياسُ أنها لا تندرج، وفيها أروشها، وفي النفس ديتها؛ لأنه لما عاد فقتله صبراً، فقد انقطعت سراية الجراحات بالقتل، وتبين أنها لم تسْر، ولم تصر نفساً ومسلكاً في إزهاق الروح، فصار انقطاع السراية بهذه الجهة بمثابة انقطاع السراية بالاندمال، وهذا قياس بيّن جلي.
والقول الثاني - وهو ظاهر النص أنها تندرج، [والواجب دية النفس] 1؛ فإن القتل جرى قبل الاندمال، وإذا كانت السراية غيرَ منقطعة، والأفعال وإن انفصلت بمثابة المتصلة، ومن والى بالسيف على إنسان، [وطعنه] 2 متحاملاً عليه، حتى مات، فيعدّ ما جرى منه قتلاً واحداً، ولا نظر إلى تعدد الضربات والجنايات، والذي يحقق ذلك أن الديات في الأطراف إنما تستقر إذا انتهت نهايتها واندملت، فإذا لم تندمل حتى عاد ذلك الجاني بعينه وقتل، فلا حكم لها أصلاً.
والأصح في القياس اختيارُ ابنِ سريج.
ولا خلاف أن من قطع أطراف إنسان، ثم قتله رجل آخر، فلا تداخل، ولا اندراج، وفي الأطراف دياتها، وعلى قاتل النفس ديتها.
10318 - واختلف نص الشافعي رضي الله عنه فيه إذا قطع الأطراف خطأً، وعاد، فقتل عمداً، أو قطع الأطراف عمداً، وعاد فقتل خطأ، فاختلفت صفة الجنايتين في الأطراف والنفس عمداً، فقد نُقل عن الشافعي نصان فيما ذكرناه: أحدهما - أنه قال: "إذا قطع يداً واحدة خطأً، ثم قتل عمداً، فيجب نصفُ ديةٍ مغلظةٍ في حالة إذا كان القطع عمداً، وديةٌ مخففة في النفس مضروبة على العاقلة، وإن كان التصوير في العمد والخطأ على الضد، فالجواب على العكس" هذا نص.
والثاني - أنه قال: "يجب في اليد الواحدة والنفس الواحدة دية واحدة: نصفها مخفف على العاقلة، ونصفها مغلّظ في مال الجاني" فانتظم قولان منصوصان إذا اختلفت الجناية، كما ذكرناه.

10319 - وإذا رتبنا المذهب قلنا: إذا اتفقت صفة الجناية [واتحد] 1 الجاني، ولم يتخلل الاندمال، فقولان: أظهرهما في المذهب والنص -الاندراج.
وأقيسهما- وهو المعروف بالمخرّج واختيار ابن سريج- أنها لا تندرج.
وإذا اختلفت صفة الجناية، ففي المسألة قولان منصوصان مرتبان على القولين فيه إذا اتفقت صفة الجنايات، وصورة الاختلاف أولى بألا تندرج؛ فإنها إذا اختلفت وتباينت، عسر القضاء بالاندراج، كما سنوضح ذلك في التفريع.
ويجوز أن يقال: اختلاف الصفة في الجناية بمثابة تعدد الجاني، وكل ما نذكره في محاولة الحكم بالاندراج، فهو تكلف في التعليل بمثابة الاحتيال الذي لا ثبات له، فإن قضينا بأنه لا يثبت الاندراج، فلا كلام، وإن حكمنا بالاندراج، والمقطوع يدٌ واحدة، ففي هذا حيث انتهينا إليه نظر؛ فإن حقيقة الاندراج مصيرٌ إلى سقوط الطرف، واكتفاءٌ بموجب النفس، هذا معنى قول العلماء: صارت الجراح نفساً.
وإذا كان كذلك فلو قطع اليدَ خطأً، وقتل عمداً، وقلنا: تجب دية واحدة، فقد نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: يجب نصف الدية مخففاً على العاقلة ونصفه مغلظاً في مال الجاني.
والوجه عندي أن يقال: تجب دية كاملة في مال الجاني؛ نظراً إلى القتل الواقع عمداً، وكأن قطع اليد لم يكن، فكأن أثر الطرف يسقط عند جريان القتل، وكذلك إذا وقع قطع الطرف عمداً والقتل خطأ، فالوجه النظر إلى صفة القتل لا غير، وإيجاب الدية كاملةً مخففةً على العاقلة.
وقد أشار إلى ما ذكرناه أنا إن قلنا: لا يندرج الطرف تحت النفس عند اختلاف صفة الجناية، فتنفرد [كل واحدة من الجنايتين] 2 بحكمها، ونضرب موجَب ما كان عمداً على مال الجاني، وموجب ما كان خطأ على العاقلة، فإن رأينا الإدراج والرد إلى دية واحدة مع اختلاف الجنايتين، ففي المسألة وجهان: أقيسهما - النظر إلى القتل وصفته وإسقاطُ الطرف وترك اعتبار كيفية الجناية عليه.

والوجه الثاني - أنا نوجب ديةً واحدة، ثم نجعل شطرها مخففاً -لجريان الخطأ- على العاقلة، ونوجب شطرها على القاتل في ماله.
ثم ما ذكرناه مصوّرٌ فيه إذا قطع يداً، ثم قتل، مع اختلاف الجنايتين، فأما إذا قطع يدي رجل خطأ، وقتل عمداً أو على العكس، وفرعنا إلى اتحاد الدية مع النظر إلى الخطأ والعمد جميعاً، فالوجه التنصيف لا غير كما قررناه.
ولو قطع يديه ورجليه خطأ، وقتله عمداً أو على العكس، فكيف الوجه في كيفية التبعيض في التخفيفِ والضربِ على العاقلة، والضربِ في مال الجاني؟ القولُ: نُنَصِّفُ ونقضي بالاختلاف تخفيفاً وتغليظاً وضرباً على العاقلة وفي ماله.
10320 - ولو قطع أصبعاً خطأ، ثم عاد وقتل عمداً [فنُجري] 1 التنصيف معتبراً، أم نعتبر مقدار الأرش من الطرف؟ وهذا مما يجب الاعتناء به.
فنقول وبالله التوفيق: هذا التفريع خارج على اندراج الطرف تحت النفس، ومعنى اندراجه أنه يصير نفساً، ولكن الشافعي رضي الله عنه اعتبر الخطأَ والعمدَ الواقعين من الأطراف، والسبب فيه أنه جعل اتصال [القتل] 2 بالقطع بمثابة سريان الجراح إلى النفس، ولهذا لم يفردها بأروشها، ثم القتل على هذا التقدير كأنه جرح، وكأن ما تقدم من الجراح مع حر الرقبة بمثابة جراحات مؤثرة في إزهاق الروح، ثم إذا اختلفت الجهتان في الجراح خطأً وعمداً، وُزّعت ديةُ النفس على الجهتين، وهذا يقتضي تنصيف الدية عليهما، سواء كثرت الجراح أو قلت، ولا نظر إلى أفراد الأروش، وهذا بمثابة ما لو تعدد الجارح، فلو جرح أحدهما مائة جراحة، وجرح الثاني جراحة واحدة، فالدية إذا سرت الجراح عليهما نصفان.
وإن ظن ظان أن تقسيم الدية يؤخذ من أرش الجراح، فليس على بصيرة من المسألة، فإن النظر إلى أقدار أروش الأطراف مصيرٌ إلى ترك إدراجها، والأطراف إذا

اندرجت، سقطت، والواجب دية النفس فحسب.
ونصُّ الشافعي في قطع يدٍ وقتلٍ يدل على أن نسبة أرش الطرف ليس معتبراً، فإنه قال: "لو قطع يداً خطأ، وقتل عمداً، فالواجب ديةٌ نصفها مخففة ونصفها مغلظة" ولو كان ذلك على شبه الأرش، لقيل: موجَب النفس دية، وموجَب الطرف نصف دية، فتوزع الدية على دية ونصف أثلاثاً، [ولمّا لم يقل ذلك] 1، دلّ على أن التعويل على التنصيف كيف فرض الجرح.
هذا تفريعٌ على اعتبار صفة الطرف مع النفس.
فإن قلنا: الاعتبار بصفة النفس كيف فرض الأمر، فهو قياس سديد، كما قدمنا ذكره.
وقد انتجز الغرض من هذا الطرف.
10321 - ومما نفرعه على النص أنه إذا قطع يدي رجل عمداً، ثم عاد وقتله عمداً أيضاًً، فالنص أن الواجب دية واحدة، والقصاص لا يتداخل، ثم إذا اختار الولي القطعَ، قطع اليدين، وله القتل بعد القطع، ثم إن أراد العفو، سقط القصاص، ولم يثبت المال أصلاً، فإن القصاص في الطرف قابَلَ ديةً كاملة، فكأنه استوفى تمام الدية، وقد ذكرنا أن الواجب دية واحدة، وهذا من غرائب المذاهب، [فإنا أثبتنا] 2 القصاص في النفس بعد استيفاء الطرف، ثم لم نثبت مرجعاً إلى الدية.
هذا ظاهر المذهب، وحقيقته ترجع إلى أن القصاص لا يندرج، والدية واحدة واليدان يقابِلان ديةً كاملة، فإذا استوفاهما، ثم أراد الرجوع إلى المال، لم يجد إليه سبيلاً، فإن في ذلك إحباطَ القصاصِ المستوفى في اليدين، وعلى هذا لو استوفى القصاص من إحدى اليدين وعفا ليس له إلا نصف الدية، فإنه استوفى ما يقابل نصف الدية.
وهذه التفريعات فيها تعقُّد، وسببه ما في أصله من الإشكال؛ فإن القياس [ما] 3 اختاره ابن سريج في أصل المذهب.

وقد قال صاحب التقريب: من أصحابنا من قال في التفريع على النص: إذا قطع وليُّ القصاص اليدين، وبقي حقه في النفس، فله الرجوع إلى الدية الكاملة، ولا يقع القصاص [في اليدين] 1 موقع الدية، وليس في المصير إلى ذلك ما يخالف القياسَ؛ فإن القصاص على النص لا تداخل فيه، فهو يجري على موجبه، والدية تجب في النفس بكمالها، وإذا أراد العفوَ والأطرافُ ساقطة الاعتبار في الدية، وهي مرعية في القصاص، فليقع القصاص فيها عن جهة القصاص، ولتبق الدية الكاملة إذا فرض العفو عن النفس.
وهذا منقاس فقيه، [ولعلي] 2 أعيده في أحكام موجب العمد إن شاء الله.
فصل قال: "ولو تداوى المجروح بسمّ ... إلى آخره" 3. 10322 - هذا الفصل مشتمل على مراتب الشركة في القتل، وهو من أصول الكتاب، وقد قدمنا أنه إذا اشترك جماعة، فقتلوا شخصاً عمداً، وجب القصاصُ عليهم، ولو جرح رجل رجلاً خطأ، وجرحه آخرُ عمداً، فلا قصاص على العامد الذي شريكه خاطىء، خلافاً لمالك 4، فإنه أوجب القصاص على العامد، وقدّره كأنه منفرد بالجرح؛ إذ لو لم يكن كذلك، [لما وجب ولا التُزم القود] 5، وهذا مذهب المزني واختياره.
وكنت أود لو كان هذا قولاً معدوداً من المذهب.
ولو اشترك في القتل أبُ القتيل وأجنبي، فيجب القصاص على شريك الأب

عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 1 والمسألة مشهورة في الخلاف.
فإذا كان شريكه عامداً غيرَ ضامن، مثل أن يجرح الشخصَ حربي جراحة، ثم يجرحه ضامنٌ جراحةً، ففي وجوب القصاص على الضامن قولان، فعماد المذهب أن شريك الخاطىء لا قصاص عليه، ويجب القصاص على العامد الضامن الذي هو من أهل استيجاب القصاص إذا كان شريكه عامداً ضامناً، وإن لم يكن من أهل استيجاب القود كالأب.
وإن شارك من يستوجب القودَ عامداً ليس من أهل الضمان أصلاً، ففي المسألة قولان.
ثم الصور تصدر عن هذه القواعد، ونحن نذكرها مرسلة، ونلحق كل صورة بأصلها، ثم نرتبها، ونذكر صوراً فيها تردد ونستعين بالله.
10323 - فإذا شارك العبدُ حُرّاً في قتل عبد وسقط القصاص عن الحر، فيجب على العبد؛ لأن شريكه ضامن عامد.
وكذلك إذا شارك الذميُّ مسلماً في قتل ذمي، وكذلك إذا شارك الأجنبيُّ الأب في قتل ابنه، فالقصاص يجب على الشريك في هذه الصورة.
ولو جرح رجل مرتداً، فأسلم المرتد، فجرحه رجل آخر في الإسلام، ومات [من] 2 الجراحتين، فالذي جرح في الإسلام شاركَ عامداً غيرَ ضامن؛ فإن الجراحة في الردة لا يتعلق بها ضمان، ففي وجوب القود على الجارح في الإسلام قولان.
وكذلك لو جرح حربياً، ثم أسلم فجرحه بعد الإسلام من يلتزم القود، فمات من الجراحتين، فقولان.
وكذلك لو قطع الإمام يد السارق، ثم جرحه عامدٌ من أهل التزام القصاص عمداً، فمات من الجراحتين، وكذلك لو قطعت يده قصاصاًً، ثم جرحه آخر عمداً ظُلماً، وكذلك لو جرح ذمّي حربياً، فعقدنا للمجروح الذمةَ، فجرحه بعد الذمة ذميٌّ ظلماً عمداً.

فهذه صورة القولين.
ولو جرح عبد عبداً، وجرحه مولاه جرحاً، فمات من الجرحين، فالسيد ضامن للكفارة، ولا يضمن غيرها، وقد اختلف أصحابنا في ضمان الكفارة، فمنهم من ألحقه بضمان الدية، فعلى هذا يجب على شريك السيد القودُ قولاً واحداً، ومنهم من لم يعتبر ضمان الكفارة، فعلى هذا شارك من ليس ضامناً معتبَراً، فتخرج المسألة على قولين.
ولو جرح إنساناً جُرحَ قصاص، فجرح المجروح [نفسَه] 1، فنقول أولاً: 10324 - من قتل نفسه هل يلتزم الكفارة؟ فعلى وجهين سيأتي ذكرهما في الكفارات -إن شاء الله عز وجل- فإن قلنا: لا يلتزم الكفارة، فمن شاركه، فقد شارك عامداً غير ضامن، فتخرج المسألة على قولين.
وإن قلنا: يلتزم قاتلُ نفسه الكفارةَ، فهذا يخرج على أن ضمان الكفارة هل يعتبر؟ فإن قلنا: هو معتبر، قطعنا بوجوب القصاص على شريكه، وإن لم نعتبر ضمانَ الكفارة، ففي المسألة قولان، كما قدمنا.
وشريك الخاطىء لا قصاص عليه قولاً واحداً.
وفي شريك السبع -وهو الذي يجرح مَنْ جرحه سبعٌ - طريقان: من أصحابنا من قال: هو شريك عامدٍ غيرِ ضامن، فتخرج المسألة على قولين.
ومنهم من قطع بنفي القصاص، فإن حقيقة العمد لا تثبت للسبع، وهذا ما ارتضاه القاضي وكلُّ محقق.
ومن جرحه صبي، وجرحه مَنْ هو من أهل التزام القود، فأمره يُبنى على أن الصبي هل له عمد؟ فإن جعلناه عمداً، كما سيأتي شرح ذلك، فعلى شريكه القود؛ فإنه شارك عامداً ضامناً، وإن قلنا: لا عمد له، فلا قصاص على شريكه قولاً واحداً.
10325 - وما صورناه في شريكين يمكن تصويره في شخص واحد يصدر منه جرحان على وجهين مختلفين، فنقول: إذا جرح رجل رجلاً جراحةً خطأ، وجرحه

جراحةً عمداً، فمات بالجُرحين، فلا قصاص في النفس، ويجب نصف الدية مخففاً على العاقلة، [ونصفها] 1 مغلظاً في ماله.
ولو جرح السيد عبده [عمداً] 2، ثم أعتقه، وجرحه في الحرية، ومات بالجرحين، فلا قود قولاً واحداً، ولا نقول: الجراحة الثانية عمد مُضمِّن، والأولى غيرُ مضمِّنة، ولكنها عمد [فتخرج] 3 على قولين، كما لو تعدد الجارح وأحدهما غير ضامن 4؛ فإنه إذا صدر من شخصٍ واحد جراحتان، ولا ضمان في إحداهما، فينتهض ذلك سبباً في درء القصاص عنه لا محالة، فليتأمل الناظر ما ينتهي إليه، [ففعله] 5 إذا انضم إلى فعله، امتزجا.
وكذلك لو جرح مرتداً، ثم أسلم المجروح، فجَرَحه في الإسلام، وكذلك لو جرح حربياً، فأسلم المجروح، فجَرَحه ذلك الجارح في الإسلام مرة أخرى، فلا قصاص في [هذه] 6 المسائل.
وكذلك لو قَطع يده قصاصاًً، وجرحه جرحاً آخرَ ظلماً، فمات منهما، فلا قصاص في [النفس] 7، ولا نجعل الإنسان بأحد فعليه شريكاً لنفسه في الفعل الآخر 8. ولو جرح مسلم ذمياًً، فأسلم المجروح، فجَرَحه المسلمُ جرحاً آخر، فمات من الجرحين جميعاً، فلا قصاص في النفس، فإن كان الجرح الأول عمداً مضموناًً، فقد

ذكرنا أن من شارك عامداً ضامناً لا قصاص عليه، فالشريك ملتزم القصاص، إذا كان من أهل التزامه، وإذا اتحد الجارح، انتفى القصاص لا محالة.
10326 - فانتظم مما ذكرناه أن الجرحين من شخص واحد إذا كان لا يتعلق القصاص بأحدهما، فلا يجب القصاص على الجارح إذا كان الزهوق بالجرحين جميعاً قولاً واحداً، سواء كان أحدُ الجرحين خطأ أو عمداً، وسواء كان الواقع عمداً موجِباً للضمان أو غيرَ موجِب له.
وإذا تعدد الجارح وأحدهما مخطىء، فلا قصاص على الثاني.
وإن كان الشريك عامداً ضامناً للدية غيرَ مستوجب للقود، فالقود يجب على الشريك الذي يلتزم القود.
وإن كان الشريك عامداً غير ضامن، ففي شريكه قولان.
وإن كان ضامناً للكفارة، فطريقان.
هذا بيان المسائل في الشركة، وترتيبها.
10327 - ولو جرح رجلاً، فداوى نفسَه بسمّ، وهذا مسألة الكتاب، فنقول: أولاً إذا كان السم مذففاً مُجْهزاً، وحصل الموت به وحده، فلا قصاص على الجارح، وإنما عليه أرشُ الجراحة فحسب، فإنه لم يشارك في النفس قطعاً، وإن لم يكن السم مُجْهزاً، وأمكن أن يقال: يحصل الموت [بالجرحِ واستعمالِ السم، فالجارح شريك في النفس] 1، وفيه التفصيل الذي ذكرناه.
ومنهم من قال: إذا قصد المداواةَ، فإنما صدر منه ما صدر استصلاحاً، فيكون في رتبة الخطأ، فلا قصاص على الشريك قولاً واحداً كشريك الخاطىء، فإن المتداوي بعيدٌ عن الظلم والعدوان، وعلى هذا شريك من قطع يداً حدّاً أو قصاصاًً، ينبغي ألا يلتزم القود قولاً واحداً؛ فإنه شريكُ مُحِقٍّ، فيخرج في هذا النوع طريقة في القطع بنفي القصاص عن الشريك.

ولو جرح رجلاً، فخاط المجروح جرحه في لحمه الحيّ، وحصل الموت من الجرح والخياطة في ظاهر الأمر، فهذا شريك [في] 1 النفس، ولكن إذا قصد المعالجة، فتخرج الطريقةُ الأخرى التي ذكرناها، وإن خاط ووقع الخيط في لحمٍ ميتٍ، فلا أثر لذلك أصلاً.
10328 - ومما يتعلق بفصول الشركة، وهو من أهمّ ما يجب الاعتناء به تفصيلُ المذهب [فيه] 2 إذا تمالأ أقوام على رجل وضربه كل واحد منهم سوطاً خفيفاً، وكانت جملةُ السياط بحيث يقصد بها القتل غالباًً، فنتكلم في القصاص، ثم نبني عليه حكمَ الضمان في هذه الصورة.
10329 - ونذكر أولاً إلزام أصحاب أبي حنيفة إيانا هذه المسألة في القتل بالمثقل؛ فإن معتمدنا في المسألة نِسبتنا إياهم إلى هذه القاعدة في القصاص، فإنه شرع لدفع الهرْج وحقن الدماء، وما ذكروه تسهيل الوسيلة إلى إهدار الدماء وسفكها، فألزمونا المسألة التي ذكرناها، وقالوا: إن درأتم القصاص، بطل معوّلكم في إلزامنا الهرْج، وإن أوجبتم القصاص، أدّى إلى مذهب فاسد؛ فإن كل واحد منهم، لم يصدر منه ما لو انفرد، [لاستوجب] 3 به القصاص.
وقد اضطرب أصحابنا في المسألة، فقال بعضهم: يجب القصاص من غير تفصيل، حتى لا يؤدي إلى ما ذكروه من الهرْج.
وقال آخرون: لا يجب القصاص أصلاً لما أشعروه، كما أشرنا إليه وسنزيده كشفاً.
وقال بعضهم: إن كان هذا عن تواطؤ، وجب القصاص عليهم، وإن لم يكن بينهم تواطؤ، فلا قصاص أصلاً، وهذا اختيار القاضي.
10330 - ولست أرى شيئاًً مما ذكرته من المذهب، وإن اشتهرت الحكاية فيها،

والوجه القطع بأنه إذا لم يكن مواطأة، فلا قصاص عليهم أصلاً، والسبب فيه أن فعل كل واحد في نفسه ليس عمداً مقتضياً للقود، فإذا فرضنا ذلك من جميع، فلا جمعَ نفرض الكلام فيهم من هؤلاء إلا وهم شركاء واحدٍ يشار إليه، وفعلُه ليس عمداً في نفسه، ولا قصاص على شركاء الخاطىء، ولا على شركاء صاحب شبه العمد، فكيف ينساغُ تقدير [العمد فيما ذكرناه] 1، ولا يصير إلى إيجاب القود من غير تواطؤ إلا مستهينٌ [بقواعد] 2 المذهب، أو غيرُ دَرِب بها.
فأما إذا تواطؤوا، فيجب أن يكون في وجوب القود وجهان: أحدهما - أنه لا يجب القصاص، وهو القياس؛ لأن إيجابه يؤدي إلى إيجاب القصاص على شركاء شبه العمد، وهذا [لا دراء له] 3، وليس كما لو جرح كلُّ واحد جراحةً؛ فإن القصاص إنْ وجب عليهم، فكل واحد منهم عامد، وشركاؤه عامدون مشاركون عامداً، ولا بُعد في إيجاب القصاص على شريك العامد.
ومن صار إلى أن القصاص يجب عليهم إذا [تواطؤوا] 4، احتج بأن هذا قصدٌ من جميعهم -بطريق التواطؤ- إلى القتل، فصاروا كالقاصد الواحد إذا والى عليه بالسياط، وقد يتعلق هؤلاء أيضاًً بالقاعدة الكلية في إفضاء نفي القصاص عنهم إلى الهرْج.
وهذا قد يجاب عنه بأن تواطؤ مائة أو مائتين على أن يضرب كل واحد سياطاً معدودةً غريب في التصوير، والذريعةُ هي التي يسهل تصورُها ويهون إمكانها، ويعم وقوعها.
وما ذكرناه من أن التواطؤ يجعل المقصود كالقصد الواحد يعضده ويؤيده أن الرجل [لو والى بين] 5 السياط حتى يفضي إلى الإهلاك، فالقصاص يجب وفاقاً، وكل ضربة لا تتصف بكونها عمداً محضاً في القتل.

ومن جرح خطأ، ثم عاد فجرح عمداً، وسرت الجراحتان، فلا قصاص، ثم جعلت الأفعال عندنا كالفعل الواحد، فليكن الأمر كذلك من طائفةٍ متواطئين.
هذا منتهى الغرض في ذلك.
ثم إن أوجبنا القصاص عند التواطؤ، فيصير كل واحد منهم في حكم العامد في القتل بسبب الشركة، وإن لم يوجد منهم ما هو عمد -في القتل- محضٌ، وهذا بمثابة إيجابنا القصاص على الجارحين جميعاً، وتقديرِنا كلَّ واحد منهما قاتلاً، مع القطع بأنه ليس ينفرد بالقتل.
10331 - ثم إن لم نوجب القصاص، فنوجب الضمان لا محالة، وربما يكون فعل كل واحد منهم بحيث لا يتعلق به لو انفرد قصاص ولا ضمانٌ أصلاً، ولكن إذا اجتمعت، حصل الإهلاك بالكل، فيصير الفعل بسبب المشاركة مضمِّناً، وإن كان لو انفرد، لم يتعلق به حكم أصلاً، فإذا اشتركوا بالجراحات، فيصير كل واحد كالمنفرد بالقتل، وإن لم يكن كذلك.
فإن أوجبنا القصاص على المشتركين، فيصير كل واحد منهم بسبب الشركة عامداً، وإن كان فعله لا يصلح للعمد لو انفرد، وإن لم نوجب القصاص، فنوجب الضمان، ونجعل فعلَ كل واحد منهم مؤثراً، وإن لم يكن مؤثرأ أصلاً لو فرض انفراده.
فهذه مراتب تأثير الشركة.
10332 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن قائلاً لو قال: إن كنتم تتماروْن في الأوّلين 1، فالذي يضرب [آخراً] 2 مثلاً يصادف ضرْبُه مَنْ ضَعُفَ بالضربات الأولى، فيكون هذا الضربُ في هذا المحل مما يُعمَدُ به القتلُ غالباً.
قلنا: وإن كان كذلك، فالضربات الأولى خطأ أو شبه عمد، والمتأخر، وإن وقع فعله بضعيفٍ، فقد شاركه من وقع فعله شبهَ عمد.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل