نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 405-444
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الحَجِّ

صفحات 405-444
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فصل 2802 - إذا كنا نعتبر المِثْل بالاجتهاد، نظراً إلى الشبه الخِلْقي، فلا تعلق لهذا بمكانٍ، وإن آل الأمر إلى اعتبار القيمة، فكيف السبيل؟ والمرعي أيّةُ قيمة؟ أولاً نذكر صفة الجزاء، ومحلَّه، ثم نرجع إلى ما أشرنا إليه.
فإن كان الجزاء منصوصاً عليه في خبر أو قضاء، فهو متبع، وإلا نقيسه.
2803 - ثم الكفارة على التخيير.
ذهب إليه معظم الأصحاب، وأشعر به نص القرآن.
ثم للجزاء ثلاثة أركان: أحدها - الحيوان.
والثاني - الإطعام.
والثالث - الصوم المعدّل بالإطعام.
أما الحيوان، فالمعتبر فيه اتباع التوقيف، أو النظرُ فيما لا توقيف فيه إلى الشبه الخِلقي.
وأما الإطعام، فهو معتبر بقيمة المثل، لا بقيمةِ الصيد، فيقوّم المثلُ المنصوصُ، أو المجتهَدُ بالدراهم، ولا نرى التصدّق بها، بل نصرفُها إلى الطعام المعتبر في صدقة الفطر، والكفارات، فإن أراد التصدق بها، فذاك.
وإن أراد الصومَ، قابل كلَّ مدّ بصوم يوم، فإن وقع كسرٌ في مدّ، قابله بصومِ يومٍ.
فإن [التعطيل] 1 غيرُ ممكن، والصومُ لا يتبعّض.
ثم المحرم بالخيار بين هذه الخِلال.
وحكى بعض الأصحاب عن أبي ثور أنه نقل عن الشافعي قولاً في الترتيب، وهذا غلط باتفاق الأئمة، مردود على ناقله، مخالفٌ لنص القرآن، ولا يخلِّص منه التعلق بآية المحاربين؛ فإن الظواهر لا تُزال بسبب إزالة ظاهرٍ آخر.
نعم، إن انقدح تأويلٌ، واستند إلى دليل، فلا يمنع الاستشهادَ لإبانة إمكان التأويل في اللسان.
2804 - وإن كان الصيد غيرَ مقابَل بالمثل كبعض الطيور، فالوجُه اعتبارُ القيمة، وردُّها إلى الإطعام، ثم تقدير الصيام معدَّلاً بالطعام.

وإذا كان المتلف مقوَّماً، فالكفارة فيه ذاتُ ركنين: الطعام، والصيام، والرجوع إلى قيمة المتلف، فإنا عجزنا عن تقدير مثلٍ، حتى نفرض اعتبار قيمته.
2805 - فإذا ثبت ما ذكرناه، فإن كان المحرم الجاني يُخرج الجزاء حيواناً، فمحله الحرم، كما تقدم.
ولا شك أنا لا نشترط فيه صفاتِ الضحايا؛ فإنا 1 إذا كنا نوجب في الصغار صغاراً، وفي المعيبة ما يضاهيها، فلا نلتزم والحالة هذه صفاتِ الضحايا، والشاة لا تجزئ في الضحايا عن شخصين، ولا يتبعض في القرابين غيرُ البُدنِ والبقرِ.
وإذا أوجبنا في انجناية على الصيد جزءاً من الحيوان، فسيُخرج الملتزمُ عشرَ شاة، وسبب ذلك كلِّه اتباعُنا المثليةَ، والأشباه الخِلقية.
ثم لا يكفي التصدق بالحيوانات المخرجة جزاءً، بل لابد من الذبح.
وهذا إذا ضم إلى سقوط اعتبار صفات الضحايا، كان بدْعاً.
والأمر كذلك، فالعَنَاق والحُلاّن مذبوحان ذبحَ الكبار، على صفات الهدايا.
وإن أراد المحرم العدولَ إلى الطعام، فالاعتبار بقيمة مكة في المثل؛ فإن المثل لو أخرج، لكان مستحقاً لهم، فالاعتبار عند العدول بقيمة تلك البقعة.
وإن كان الصيد متقوماً في نفسه، لا جزاء له من الحيوانات، فقد قال العراقيون: الاعتبار في قيمته بمكان الإتلاف، نظراً إلى كل متلَف مقوَّم، ثم القيَمة تصرف إلى الطعام، وبعدَه تعديلُ الصيام.
وقالوا: ذهب بعض أصحابنا إلى أنا نعتبر قيمة المتلف بسعر مكة، وزعموا أن الصحيح الأول.
وقد قطع المراوزة بأن الاعتبار بقيمة مكة في الصيد المقوّم، ثم كلام العراقيين متردد في التفريع، على ما رواه ظاهر المذهب، فيحتمل عندهم بعد ما عرف مقدار القيمة، نظراً إلى مكان الإتلاف، أن نعتبر سعر الطعام في ذلك المكان أيضاًً، ويحتمل أن يقال: إذا ضبطت القيمة بمكان الإتلاف، فالمعتبر في صرفها إلى الطعام سعرُ مكة.
وهذا هو الظاهر من كلامهم فيما أظن.

فصل 2806 - المحرم إذا قتل صيداً، فقد اختلف قول الشافعي في أن الصيد الذي ذبحه في مذبحه، أو أثبته بسهم في شروده مَيتةٌ أمْ لا؟ فله قولان: أحدهما - أنه ميتة، وهو مذهب أبي حنيفة 1. وفائدة ذلك تحريمه على الناس كافة في حال الاختيار، وإلحاقه بالميتات.
والقول الثاني - أنه ليس بميتة، ولغير الذابح استحلاله.
التوجيه: من قال: إنه ميتة، قال: لأنه ممنوع من هذا الذبح لمعنىً فيه، فأشبه المجوسي، والمرتدَّ.
ومن قال: ليست ذبيحتُه ميتةً، قال: إنه من أهل الذبح على الجملة، يعني البهائم، ولكن حالَ مالكُ الأعيان بينه وبين الذبح، حَجْراً عليه، كما حجر الشرع على الإنسان ذبح شاةَ الغير.
فإن قلنا: الصيد الذي ذبحه ميتة، فلا كلام، فليجتنبْها المحرم والمُحِل.
وإن قلنا: ذبيحته ليست بمَيْتة، فهي حلال للحرام (2 والحلالِ، إلا أنها محرّمة على المُحرِم الذابح وفاقاً.
2807 - ثم يتبين الغرض بتفريعٍ فنقول: إن كان 2) الصيد مباحاً غيرَ مملوك، فإن قَضَيْنا بكونه ميتةً، فلا كلام، وإن خصصنا التحريم بالذابح، فلو تحلل عن إحرامه، فالمذهب الذي قطع به المراوزة أن التحريم لا يزول بزوال الإحرام.
وحكى العراقيون سوى ذلك وجهاً آخر: أن التحريم يزول بزوال الإحرام، ثم إنهم زيّفوه.
فهذا إذا كان الصيد مباحاً.
2808 - فأما إذا كان الصيد مملوكاً، فإن قضينا بأنه يصير ميتة، فالمحرم يضمن قيمته لمالكه، ويلتزم تمام الجزاء، كما يلتزمه في الصيد المباح.
وقد ذكرنا أنه لا فرق بين المملوك وبين المباح في الصيد، ولا فرق بين الآنس منه والمتوحش.2

وإن قلنا: ذبيحة المحرم ليست ميتة، فعلى المحرم في الصيد المملوك الجزاء لله تعالى، وما ينقصه الذبح للآدمي.
2809 - ثم كما يحرُم على المحرم أن يأكل من الصيد الذي ذبحه، فكذلك يحرم عليه الأكل من كل صيد دلَّ عليه، أو أعان الصائد بوجه على اصطياده.
وكذلك لو صاد صائد حلالٌ الصيدَ للمحرم، من غير أمره وإذنه.
والمتبع في ذلك الأخبار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لطائفةٍ من المحرمين: " لحمُ الصيد حلالٌ لكم، ما لم تصطادوه، أو يصاد لكم " 1. واصطاد أبو قتادة، وهو حلال، فقدم الصيدَ إلى محرمين، فقال للرسول صلى الله عليه وسلم: " ما ترى، فقال: هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ فقالوا: لا فقال: طعامٌ أطعمكم الله " 2. وأهدي إلى عثمانَ لحمُ صيدٍ، وهو محرم، فقال لأصحابه: " كلوا؛ فإنه ما صيد لكم " 3، ولم يأكل 4. ولا نظن بعثمان رضي الله عنه أن يأمر بالاصطياد، ثم يمتنع عن أكله، فدلت القصة على أن الصائد، كان اصطاد من غير مراجعته.

2810 - فإذا ثبت ما ذكرناه، فإن قتل المحرم صيداً، والتزم جزاءه بالقتل، فلو أكل منه، كان الأكل حراماً، ولا يلزمه بسبب الأكل جزاءٌ آخر، بل يُكتفى بجزاء القتل.
ولو كان دلّ على صيد أو صِيد له، وحرمنا الأكل عليه، فلو أكله، ففي وجوب الجزاء قولان: أصحهما - أن لا جزاء؛ فإن الجزاء في نص الكتاب يتعلق بالجناية على الصيد.
والقول الثاني - يجب الجزاء؛ فإنا لم نوجب على من قتل صيداً، والتزم جزاءه بسبب أكله جزاءً جديداً؛ لأن ضمان القتل كافٍ، ولم يوجد في الأكل من الصيد المدلول عليه جزاءٌ يلتزمه المحرم، بسببٍ غير الأكل، فجاز أن يتعلق الضمان بالآكل، كما يتعلق بقتل 1 الصيد المُزْمَن الذي لا حراك به.
وإذا قتل المُحل [أو] 2 المحرمُ صيداً حرمياً، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من خرّج القولين في أنه إذا ذبح، فهو ميتة أم لا؟ ومنهم من قطع القول بأنه ميتة؛ لأن المانع في الصيد لا في الذابح 3، فكأنه ملتحق بما لا يحل أكله، مادام متحصِّناً بالحرم.
فصل جامعٌ في ملك المحرم في الصيد، دواماً، وابتداء، وما يتعلق به 2811 - فنقول: أولاً - إذا اصطاد المحرم صيداً، فقد جنى على إحرامه، ولم يملكه وإن كان الاصطياد من أسباب الاكتساب.
واختلف قول الشافعي في أنه (4 لو أحرم، وفي يده صيدٌ مملوك، فهل 4) يلزمه رفْعُ اليد عنه أم لا؟ فقال في أحد القولين: لا يلزمه إرساله، بل يديم اليدَ عليه، وهذا كما أنه لا ينكِح ابتداء، ولكن النكاح الذي [كان] 5 قبل الإحرام، فهو4

مستدام، لا يؤثر الإحرام في قطعه، وإنما المحرّم على المحرم الاصطيادُ، وقد شهد لذلك أن الأوّلين كانوا يُحرمون، وفي أقفاصهم في منازلهم الطيورُ، فلا يتعرضون لتقديم إرسالها، أو الأمر بذلك بعد الإحرام.
فإن قلنا: اليد مستدامة فالملك دائمٌ، ولو تلف ذلك الصيد تحت يده، لم يضمنه، ولكن ليس له قتله؛ فإنه كما ثبت على قطعٍ المنعُ من الاصطياد، ثبت أيضاً قطعاً المنع من قتل الصيد في الإحرام، فلو قتله، فداه، ولزمه جزاؤه.
وإن قلنا: يجب إرساله، فهل يزول ملكه؟ فعلى قولين: أحدهما - يزول.
والثاني - لا يزول.
ثم اختلف الأصحاب في [ابتداء] 1 التاريخ، فمنهم من قال: يزول بنفس الإحرام، ويلتحق الصيد في يده بالمباحات.
ومنهم من قال: الإحرام يوجب عليه الإرسالَ، ثم إذا أرسل، زال ملكه.
ومن قال: الإحرام لا يتضمن زوال الملك، فالملك مستدام مادامت يده ثابتة 2 على العدوان، فإذا ارتسم ما أمرناه به، وأرسله، فهل يزول الملك الآن؟ بنى شيخي هذا على وجهين لأصحابنا في أن من فتح باب قفص لطائرٍ، وحل الرباط عنه -وهو حلال- وحرره، فهل يزول الملك عنه؟ فيه اختلاف سيأتي [في موضعه] 3 إن شاء الله تعالى.
فإذا أوجبنا الإرسالَ جرى في زوال الملك ما [ذكرناه] 4، وقطع غيره من الأئمة بأن الملك لا يزول إلا أن يقصد التحرير، (5 فيخرج على الوجهين على أن الأصح أن التحرير 5) لا يتضمن إزالة الملك.5

2812 - ومما يتعلق بالفصل أن المحرم لو اشترى صيداً، فهل يملكه؟ وهل يصح شراؤه؟ فعلى قولين منصوصين قَرِيبَي المأخذ، من شراء الكافر عبداً مسلماً.
ولا شك أن القولين يتفرّعان على أن الإحرام لا يقطع دوام الملك، فإنا إذا كنا نحكم بأن الإحرام يقطع الدوام، فلا شك [أنه] 1 يمنع الجَلْب على سبيل الابتداء.
وسنذكر في كتاب البيع أنا وإن لم نصحح شراء الكافر العبدَ المسلمَ، نحكم بأنه لا يُمنع ثبوتُ الملك له من جهة الإرث في العبد المسلم.
وكان شيخي يقطع بمثل هذا في الصيد، ويقول: يرث المحرم 2 الصيدَ قولاً واحداًً.
وفي شرائه إياه قولان.
وهكذا ذكره الصيدلاني.
وقال العراقيون: إذا قلنا: الإحرام يقطع دوامَ الملك، ففي الإرث وجهان: أحدهما - أنه لا يفيد الملك؛ فإن الإرث مشبه بأستمرار الملك على الدوام، فإذا كان الإحرام ينافي الدوام، فكذلك ينافي الملك [المستجد] 3 والمشبه بالدوام.
والوجه الثاني - أن الملك يحصل بالإرث، ويزول؛ فإنا نضطر إلى الجريان على قياس التوريث، فليجر 4 ذلك الحكم، ثم نحكم بعده بالزوال.
ولم يختلف أحد من العلماء في أن المحرم لا يملك بالاصطياد أصلاً؛ فإنه المحرّم المقصود بنهي الشارع، فلا يفيد الملكَ.
2813 - ومما يتفرع على هذا الأصل أنا إذا أوجبنا على المحرم إرسال صيده، ورفعَ اليد عنه، فلو أدامها، ودام الصيدُ، حتى تحلّل المحرم، فالأمر بالإرسال (5 قائم بعد التحلل عن الإحرام.
ولكن لو قتله وهو محرم، ضمنه، ولو قتله بعد التحلل، فالمذهب أنه يضمنه؛ فإن الضمان والأمرَ بالإرسال 5) مقترنان، والمتحلل5

في الصيد كالمتمسك بالإحرام.
وحكى العراقيون وجهاً بعيداً أن الضمان لا يجب، وهذا مزيّف مع القطع بوجوب الإرسال.
فهذا ما أردنا أن نبينه في ملك المحرم الصيدَ دواماً وابتداء.
فرع: 2814 - إذا قلنا: للمحرم أن يشتري الصيدَ، ولو اشتراه ملكه، فله أن يبيعه أيضاًً (1 وإن منعناه من الشراء، ولم نصححه منه، نمنعه من 1) البيع أيضاً.
وليس هذا 2 كتصرف الكافر في العبد المسلم، فإنا وإن منعناه من شرائه، لا نمنعه من بيعه من مسلم؛ والسبب فيه أن بيعه من المسلم يُزيل مادّة الاعتراض.
وإذا امتنع عن بيع عبده الذي أسلم في يده، فإنّا نبيعه عليه من مسلم، فإذا فعل مانفعله، نفذ.
والمقصود في الصيد الإرسال ورفعُ اليد عنه، والمحرم ببيعه يورّطه في التقييد والضبط، فكان البيعُ في معنى الشراء.
ولا شك أن كل ذلك يتفرع على أن الإحرام لا ينافي الملك في الصيد.
2815 - ثم قال الأئمة: إذا باع المحرم صيداً أمرناه بإطلاقه، فإرساله مستحَق على المشتري، فإن استبعد الفقيه ذلك، فهو بمثابة تصحيحنا من المشتري شراءه، مع أمرنا إياه بالإرسال.
ثم إذا أرسله المشتري بعدما قبضه، اتصل هذا بالتفريع في أن من اشترى عبداً مرتداً، وقبضه، ثم قُتل فىِ يده بردّته، فهو في [ضمانِ من؟] 3 وفيه اختلاف.
ولعل الأوجهَ القطعُ هاهنا بأن إرساله من ضمان البائع وجهاً واحداًً؛ فإنا قد نقول في المرتد إذا قتل: إنه قتل لردةٍ حالّة، والخطَرَات تتجدد، حالاً على حال.
والسبب الذي نيط به وجوب الإرسال دائم، لا تجدد فيه.
ثم قال الأصحاب: لو تلف الصيد في يد المشتري، أو في يد من اشترى منه، وهكذا، كيف تناسخت الأيدي، فالضمان يجب على المحرم؛ فإنه المتسبب إلى إثبات هذه الأيدي.
والسبب فيما يُضمن في اقتضاء الضمان كالمباشرة.1

فرع: 2816 - إذا قلنا: يجب على المحرم رفعُ اليد عن الصيد الذي كان في يده قبل الإحرام، فليسْع في ذلك، وأجمع الأئمة أنه لا يجب تقديم السعي على الإحرام، حتى نقول: [ليحزِرْ] 1 الوقتَ الذي يوافي الأمرُ بالإرسال فيه أهلَه، ولْيقدِّر الإحرامَ بعده، بل يبتدئ ذلك بعد الإحرام، فلو لم يقصر ولم يؤخر، ولكن اتفق موت ذلك [الصيد] 2 الذي هو تحت حكم يده، قبل اتصال الأمر بإرساله، فالمذهب وجوب الضمان.
ومن أصحابنا من لم يضمّنه إذا لم يقصر.
فرع: 2817 - المحرم إذا نفّر صيداً، فتطلّق 3، فهذا سبب منه قد يجر عليه ضماناً، فلو تطلق الصيد بتنفيره، ثم تعثر، وتكسر، وهلك، وجب الضمان.
وقال الأئمة: المحرَّم المنَفَّر في عهدة تنفيره إلى أن يسكن الصيد، ويعود إلى ما كان عليه.
فلو هلك الصيد في نفاره لا بسبب النفار، ولكن بآفة سماوية، ففي الضمان وجهان: أحدهما - لا يجب؛ لأنه لم يهلك بسببٍ من المحرم، ولم يهلك أيضاًً تحت يده.
ومن أصحابنا من جعل دوام آثار النِّفار كاليد المضمّنة، وهذا بعيد عن القياس، وإن كان مشهوراً في الحكاية.
فرع: 2818 - إذا أرسل المحرم كلباً ضارياً بالاصطياد، فاصطاد، ضمن المحرم.
وكذلك لو أرسل جارحةً من جوارح الطير، ولا يتوقف وجوب الضمان على الإغراء، بل يكفي رفعُ الرباط.
ولو أغرى سبعاً بإنسان في متسع من الأرض، فسنذكر أنه إذا قتل السبعُ ذلك الإنسانَ، فلا ضمان على المغري.
والفارق أن السباع لا [تضرَى] 4 بالناس ضراوتها بالصيود، حتى قال أصحابنا: لو فرضت الضراوة بالإنسان في بعض السباع، وجب الضمان.

ولو أرسل جارحةً، ولا صيد بالحضرة، ثم بدا صيدٌ، فقد ذكر الأئمة وجوبَ الضمان.
وترددوا فيه إذا انحل الرباط عنها، حيث ينتسب المحرم إلى التقصير في ضبطها.
والمتبع في هذا الأصلِ أنا لا نقف وجوبَ الضمان على بلوغ الأمر مبلغاً يكون المحرم صائداً فيه؛ فإن الاصطياد لا يتم [إلا بالإغراء والإيساد .... ] 1، وذلك ليس شرطاًً في الضمان، فرفع الرباط كاف، وفي التقصير ما ذكرناه من التردد.
ولو أفلتت الجارحة من غير تقصير، فالأظهر أن لا ضمان إذا أخذت صيداً.
فرع: 2819 - إذا كان بين رجلين صيد مشترك، فأحرم أحدهما دون الثاني، وقلنا: يجب على المحرم أن يرسل الصيد الذي كان تحت يده قبل الإحرام، فالإرسال غيرُ ممكن والصيد مشترك.
فأقصى ما يتكلفه أن يرفع يد نفسه عنه، ولم يوجب الأصحاب عليه السعيَ في تحصيل الملك في نصيب الشريك، حتى إذا حصل أطلقه، ولكن ترددوا في أنه لو تلف هل يجب الضمان في حصته؛ من جهة أنه لم يتأت منه الوفاء بالإطلاق على ما ينبغي.
فصل 2820 - لا يجوز التعرض لصيد الحرم: حرم مكة، وإذا أتلفه المتلف، ضمنه، وإن كان حلالاً.
ثم الصيد الحرمي يُضمن بما يَضمن به المحرم، كما تقدم، وللصوم مدخل في جزاء صيد الحرم عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 2. ومذهبنا أن سبيل صيد

الحرم 1 كسبيل الصيد في حق المحرم، في كل تفصيل.
ثم يثبت الحظر و [عهدته] 2 بسببين: أحدهما - بكون الصائد في الحرم، والآخر - بكون الصيد في الحرم.
فلو رمى حلالٌ من الحِل صيداً في الحرم، ضمنه، وهذا ظاهر من جهة الصيد بالحرم، ولو وقف في الحرم ورمى صيداً في الحل، وجب الضمان، ولم يختلف الأئمة فيه، فالاصطياد في الحرم، كالاصطياد من الحرم.
ولو رمى سهماً، وكان في الحل، والصيد في الحل، فخرق السهم في مروقه وممره هواءَ طرفٍ من الحرم، ثم أصاب صيداً في الحل، ففي وجوب الضمان وجهان؛ لمكان اتصال السهم بالحرم.
ولو أرسل الحلال كلباً إلى صيدٍ في الحل، فلم يزل الصيد يروغ هارباً، حتى دخل الحرم، واتّبعه الكلب، فقد قال الأئمة: لا ضمان والحالة هذه، لأن موقفه وموقف الصيد كانا في الحل، ثم ما حدث من تحوّل الصيد إلى الحرم أمرٌ، لم يكن حالة وقوع [الفعل] 3، والكلب حيوان ذو اختيار؛ فإذا دخل الحرم أضيف ذلك إليه.
ولو علم أن الصيد إذا هرب، فلا ممر له إلاّ الحرم، فأرسل الكلبَ والحالةُ هذه، فدخل الصيد الحرمَ، وجرى الأمر كما ذكرناه، وجب الضمان.
ولو كان الأمر كذلك، ولم يعلمه الصائد، فالأمر كذلك فيما يتعلق بالضمان، ولكنه لا يأثم.
وأسباب الضمان في المتلفات لا تختلف بالعمد والخطأ.
وقد ذكرنا أنا إن فرقنا بين الناسي والعامد في الطيب واللباس، فلا فرق في الإتلافات، وذكرنا فيه قولاً آخر، وقد وجدتُ قولاً محكيّاً عن حَرْملة، عن الشافعي: أنا نعذر متلف الصيد بما نعذر به المتطيّب.
وهذا فيما أظنه في حق المحرم.
=685، الأصل: 2/ 367، مختصر الطحاوي: 70، 71، المبسوط: 4/ 84، 97، البدائع: 2/ 207، البحر: 3/ 31، 40، حاشية ابن عابدين: 2/ 220، اللباب: 1/ 212، 217).

فأما الصيد الحرميّ، فيجب القطع فيه بوجوب الضمان، فإنه ليس يضمن لعبادة، حتى يُقضَى بأن النسيان (1 يؤثر فيها، فليُضمن الصيد الحرمي ضمان أموال الناس، في الغصوب والعواري 1).
2821 - ونص الشافعي على مسألتين، فقال: لو اصطاد الحلال حمامة في الحل، وكان لها فرخٌ في الحرم، فضاع الفرخ بهذا السبب، وجب الضمان، وهو في حكم الرمي من الحل إلى الحرم.
وقال: لو أخذ حمامةً في الحرم، ولها فرخ في الحل، ضمن الحمامة وفرخَها: أما الحمامة، فمأخوذة في الحرم، وأما ضمان الفرخ، فسببه يضاهي الرمي من الحرم إلى الحل.
ولو نفّر صيداً حرمياً، فقد تعرض للعهدة، فلو استمر النفار، حتى خرج من الحرم، وتكسر في الحل، وجب الضمان، بلا خلاف.
ثم قال الأئمة: يدومُ التعرض للعُهدة، حتى يسكن نِفاره، كما قدمناه في حق المحرم.
قال الصيدلانيّ: حتى يعود إلى الحرم.
وهذا أراه زلّة؛ فليس عليه أن يسعى في ردّه إلى الحرم، ولا يتعرض بسبب خروجه للضمان.
ولو قتل المحرم صيداً حرمياً، لم يتضعّف الضمان، وإن تعدد سببه.
ولو أدخل الحرمَ صيداً مملوكاً، لم يتحرم الصيد بالحرم، وكان حكمه في حق مالكه حكمَ بهيمةٍ من النّعم، خلافاً لأبي حنيفة 2. والإحرام في هذه الخصلة آكد من الحرم، (4 فإن طريانَ الإحرام على الصيد المملوك يقْصُِر 3 يدَ المالك عنه، والكلام في وجوب الإرسال، وزوال الملك 4) في الحرم 5 لا يؤثر عندنا كما ذكرنا.
فهذا قولنا في صيد الحرم.14

2822 - فأما أشجارها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة عام الفتح: " لا يُعْضَدُ شجرُها، ولا ينفّر صيدُها، ولا يختلى خلاها، ولا تحِل لقطتُها، إلا لمنشد " 1، فلم يختلف علماؤنا في أن الأشجار الحَرَمية، كما سنصفها يحرمُ عضدُها والتعرضُ لها، بما ينقُصُها.
ثم ظاهر المذهب أن الأشجار الحرمية إذا عُضِدَت ضُمنت.
2823 - والكلام في فصولٍ: أحدها - في صفات الأشجار المضمونة.
فالذي رأيت طرق الأصحاب عليه أن المضمون هي الأشجار البريّة، التي تنبت [بأنفسها] 2 من غير قصد آدمي، فأما الأشجار المثمرة التي ينبتها الناس، فلا ضمان فيها، والبرّيات مشبهة بالصيود، والأشجار المستنبتة مشبهة بالنَّعم.
ثم المثمرة منها كالنخيل والكروم وغيرها، وغير المثمرة: كالصنوبر، والعَرْعَرْ، والفِرْصاد 3 والخِلاف.
والأشجار البرّية كالعوسج، والطَرفاء، والأراك، والعَضاة.
ونحوها.
ثم ما ذهب إليه الأصحاب أن الأشجار البرية إذا استنبتت، فهي مضمونة بجنسها، والأشجار التي تستنبت لو نبتت بأنفسها وفاقاً، لم تضمن لجنسها.
وقال صاحب التلخيص: الاعتبار بالقصد، لا بالجنس، فما استنبت، لم يُضمن، وما نبت بنفسه، ضُمن، من غير نظر إلى الجنس.
قال أئمتنا: لا خلاف أن من أدخل نواةً الحرم، أو قضيباً حِلِّياً وغرسه في الحرم، فَعَلِق وبَسَق، لم يصر شجرةً حرمية، (4 وسبيلها سبيلُ الصيد المملوك يدخل الحرم.
ولو أخرج قضيباً حرمياً من الحرم، وغرسه في الحل، فهو شجرةٌ حرمية 4) نظراً إلى أصلها.
وهذا فيه تردد عندي ظاهر.4

وابن القاص 1 إذا كان يعتبر 2 القصدَ، فلا يثبت الحرمة لهذه الشجرة في الحرم؛ من جهة تعلق القصد بها، فما الظن إذا غرست في الحل؟ (3 فهذا قولنا في أجناس الأشجار 3).
2824 - ثم قال الشافعي: في الدوحة الكبيرة الحرمية بقرةٌ، وفي التي تقصر عنها شاةٌ.
قال: قلته تقليداً لابن الزبير.
وللشافعي قول في القديم مشهور: إن الأشجار الحرمية لا تُضمن أصلاً، وإنما يُضمن ذو روح، وليس في الأشجار إلا تحريمُ العضدِ، والتنقيصِ، كما ذكرناه.
ثم إذا فرعنا على ظاهر المذهب، فالجريان على مذهب ابن الزبير، ففي الشجرة الكبيرة التي هي من أكبر أشجار الحرم بقرة، ولم يقع التعرض للبدَنة، ولكنا لا نشك أن البدنة في معنى البقرة.
وأما إيجاب الشاة، فليس في الشجرة الصغيرة، التي فيها الشاة ضبط يُهتدى إليه.
ولعل أقربَ قولٍ فيه أن تكون قريبةً من جنس الكبار، والشاةُ من البقرة سُبعها، فليَعتبر المعتبر هذا التقريب، بين الدوحة، وبين شجرة الشاة.
وإن كانت صغيرةً جداً، فالقيمةُ مصروفةٌ إلى الطعام.
ثم الصيامُ معدَّل بالطعام، كما ذكرناه في الصيد.
وكما لا تعضد أشجار الحرم لا يختلى خلاها.
وحشيشها مضمون بالقيمة، إذا اختليت، كما ذكرناه في الأشجار الصغار.
2825 - وأما البهائم، فإنها ترسل حتى ترعى من رعْي الحرم وكلئه.
وقال بعضُ علمائنا: سبب المنع من الاحتشاش والاختلاء توفير المراعي للبهائم والصيود الراتعة، واختلف أصحابنا في أن من اختلى واحتش ليعلف بهائمه، فهل يحرم ذلك؟ فمنهم من قال: لا تحريم، ولا ضمان، وإنما يحرم الاختلاء للبيع، وغيره من الأغراض، سوى العلف.3

ومن أئمتنا من حرم الاختلاء مطلقاً؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يختلى خلاها " والوجهان ذكرهما الشيخ في شرح التلخيص.
ثم صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى الإذخر من حشيش الحرم، وجوّز قطعَه، والحديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يختلى خلاها " قال العباس: إلا الإذخر، فإنها لقبورنا، وبيوتنا، وقُيُوننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر 1. فلو مست الحاجة إلى شيء من كلأ الحرم في دواء.
فهل يجوز قطعه؛ تشبيهاً بالإذخر؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ في شرح التلخيص.
2826 - ثم صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نهى عن قطع أشجار [حرم] 2 المدينة، والاصطياد فيه، وقال: " حرمت ما بين لابتيها " 3 فيحرم التعرض لصيد المدينة، وشجرها، ثم إذا وقع التعرض، فمن أصحابنا من قال: لا ضمان أصلاً، وإنما الفاعل عاصٍ.
ومنهم من قال: يجب الضمان.
ثم قد ورد أن من تعرض للصيد سُلبت ثيابه، ثم ما حكم سَلَبه؟ اختلف أصحابنا على ثلاثة أوجه: منهم من قال: هو للسالب، لما روي أن سعداً رضي الله عنه سلب ثيابَ إنسان، اصطاد في حرم المدينة، فبعث إليه الوالي في ردّه، فقال: " ما كنت لأرد شيئاً نفّلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " 4.

ومن أصحابنا من قال: هو موضوع في بيت المال، وسبيله سبيل السهم المُرْصَدِ للمصالح.
وذكر العراقيون وجهاً آخر: أنه يفرق السلب على محاويج المدينة، قاطنين كانوا أو عابرين، على قياس جزاء صيدِ الحرم.
وذكر بعض أصحابنا أن الواجب في صيد المدينةِ، وشجرِها، كالواجب في حرم مكة.
2827 - ومما يتعلق بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيد وَجّ الطائف، وعضَدِ شجرِها، والتعرض لكلئها.
قال صاحب التلخيص: من فعل شيئاً من ذلك أدبه الحاكم، ولم يلزمه شيء، قلته تخريجاً 1. قال الشيخ 2: التحريم في وَج متردد، فلعله كراهية، فإن ثبت التحريم، فالضمان محتمل، ثم سبيله إن ثبت الضمان، كسبيل المدينة.
(3 والذي اشتهر من قول الأصحاب نفيُ الضمان؛ فإن إثباتَه من غير ثَبَتٍ بعيدٌ، وهذا هو الذي قطع به الأئمة في الطرق 3) وإنما ترددوا في التحريم، والكراهية.
2828 - ثم قال ابن القاص: والنَّقيع 4 حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقصد تحريمَ صيده، ولكن قصد منعَ كلئه من غير الجهات التي عيّنها.
وقيل: كان حماه للصدقات.
ثم قال: ومن تعرض لحشيش النقيع فهل يضمنه؟ فيه وجهان:3

أظهرهما الضمان.
ثم يضمن (1 بالقيمة، ولا سَلَبَ، كما تقدم في المدينة، ومنهم من قال: لا ضمان أصلاً.
وأشجار النقيع هل تحرم كما 1) يحرم الحشيش، فعلى وجهين ذكرهما الشيخ: أحدهما - أنه لا يحرم كما لا يحرم الصيد؛ فإن النقيع إنما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان كلئه وحشيشه.
فرع: 2829 - إذا أبحنا السَّلَبَ في حرم المدينة، فالمعني بالسَّلَب الثيابُ، ولا ينحو بهذا نحو سلب القتيل في الجهاد.
ولو كان مع المسلوب شيء، من جنس الحلي فهل هو من جملة ما يسلب؟ اختلف أصحابنا فيه.
ثم إذا كان يسلب فما عندي أنه يُفْصل بين صيد وصيد، وشجر وشجر، وكأن السلب في حكم المعاقبة للمتعاطي.
وغالب ظني أن الذي يهمّ بالصيد لا يسلب حتى يصطاد، ولست أدري أيسلب إذا أرسل الصيدَ، أم ذلك إذا أُتلف؟ كل ذلك محتمل، ولا ثبَت معنا في توقيفٍ، ولا قياس.
...1

باب جزاء الطائر

1 2830 - أوجب طوائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم في الحمامة في حق المحرم، والحمامةِ الحرميّة شاةً، روي ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ عباس، وابنِ عمرَ، وغيرِهم 2. ثم الطيور تنقسم -بعد الحمام- إلى قسمين: قسم هو أصغر من الحمام، كالعصفور وغيرِه، فالواجب قيمتُه مصروفةً إلى الطعام.
والقسم الثاني - ما [هو] 3 مثلُ الحمام في الجثة، أو أكبرُ منه، ففيه قولان: أحدهما - أن الواجب شاةٌ كالحمامة.
والثاني - أن الواجب القيمة، كما ذكرناه في العصافير، وغيرِها؛ فإنّ إيجاب الشاة لا يُحمل إلاّ على الاتباع الذي لا مجال للقياس فيه، ثم الحمام صغار وكبار، فكل ما عبّ وهَدَرَ، فهو حمام، منها: اليمام، والفواخت، والقُمريّ، والدُّبْسي والقطا، وغيرُها.
والجرادُ تعتبر قيمته، وهو ملحق بصغار ما يطير، وروي أن عمر سأل كعبَ بنَ عُجْرة عن جرادةٍ قتلها: ما جعلتَ في نفسك قال: درهم.
فقال عمر: " بخٍ درهمٌ خيرٌ من مائة جرادة " 4، وروي عن عمرَ أنه قال: " في جرادة تمرةٌ " 5. وقال ابن

عباس: " تصدق بقبضةِ طعامٍ، إذا أخذتَ قبضةً من جرادات " 1. وقد روي خبر يدل على إسقاط الضمان في الجراد، قال أبو هريرة: " كلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبلنا سرب من الجراد، فكنا نضربه بالسوط، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هو من صيد البحر " 2 وهذا دليل على أنه لا يُضمن.
ولكن لم يصر إلى ظاهر هذا الحديث أحد من أصحابنا.
ولو طمّ الجرادُ المسالكَ، واضطررنا إلى وطئها، فما يتلَف منها هل يُضمن أم لا؟ فعلى وجهين وقد قدمنا ذكرَ هذا، ويمكن حملُ حديث أبي هريرةَ على الوجهين.
والأشبه أنه صلى الله عليه وسلم كان يُجري في خلقة الجراد حديثاً، فأنبأهم أن أصل الجراد من صيد البحر، وقيل إنها من (3 خرء السمك.
ولو صال 3) صيد على محرم، فدفعه، وأتى دفعُه عليه، فلا ضمان عليه أصلاً.
فرع: 2831 - (5 المحرم إذا قصده لص على حمار وحش، ولم يتأت له دفعُ اللص إلا بقتل مركوبه، فهل يضمنه؟ ذكر القفال قولين: أحدهما - أن الغرامة تتوجه على اللص، ولا يطالَب بها المحرم.
والثاني - أن الطَّلِبَة 4 تتوجه على المحرم 5) ثم إذا غرم يرجع بما غرم؛ فإن الحلال يبعد أن يغرَم صيداً ابتداء.
وكذلك ذكر قولين في أن من ركب دابةً مغصوبة، وقصد إنساناً فقُتلت الدابةُ في ضرورة الدفع، فأحد القولين أن الغرامة تتوجه على راكب الدابة، ولا طَلِبَة على35

الدافع.
والثاني - أن الطَّلِبَة تتوجه على الدافع أيضاً، ثم إذا غَرِم يرجع بما غَرِم، وبين ما ذكره في المحرم، وبين ما ذكره في الغاصب فرقٌ ظاهر في الحكم؛ فإن الحلال على أحد القولين لا يغرَم الصيدَ، ولكن يرجع المحرم عليه إذا غرم.
وفي مسألة الغصب تتوجه الطَّلِبةُ على الغاصب قولاً واحداًً.
وإنما الكلام في قرار الضمان كما سبق.
فرع: 2832 - إذا نحّى المحرم من هوامّ رأسه شيئاً، فلا يلزمه شيء في ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه؛ ولا محمل له إلا إزالة الشعث.
ثم لا مقدار لما يخرجه.
وكان شيخي يقول: أقل ما يسمى طعاماً، ولا يجب في إزالته من الثوب شيء، لما ذكرناه من معنى الشعث.
فصل 2833 - إذا كسر المحرمُ بيضةً مأكولة، فلا يلتزم قيمتَها، فإن كانت مَذِرة، فاسدة، فلا قيمة لها، ولا ضمان.
ولو كسر بيضةً للنعامة مذِرة، فلا شيء، ولو قدرت قيمة، فهي لنقشر، وليس ذلك مضموناً، كما لا يضمن الرّيش المنفصل من الطائر.
وإن كان قد ظهر فرخٌ ذو روح، ضمنه بطريقه كما يُضمن الفرخ.
ولو نفّر المحرم طائراً عن بيضه الذي كان يحضُنه، ففسد البيض، ضمن البيضَ بما ذكرناه.


باب ما للمحرم قتله

2834 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خمس من الفواسق يُقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور " 1. ووردت الفأرة بدلاً من العقرب.
أما القول فيما يُضمن، وفيما لا يُضمن، فقد مضى، وأوضحنا أن ما كان حراماً في جنسه، لم يضمن بالإحرام، ولا بالحرم، ومقصود هذا الباب بيان ما يجوز قتلُه، وما لا يجوز قتله.
فأما المؤذيات، فهي مقتولة أين صودفت، ومنها السباع، وقال أبو حنيفة 2 لا يحل قتل الأسد والذئب والنَمِر ما [لم] 3 يَصُل، وعنده يجب الجزاء بقتله على المحرم.
وأما ما لا يؤذي من الطيور المحرّمة، فمن أصحابنا من حرّم قتلها، فإن ذا الروح لا يقتل إلا لغرضٍ ظاهر أو 4 دفع أذى.
ومن أصحابنا من لم يزد على الكراهية في قتلها.
والحشرات المؤذية مقتولة، وما لا يؤذي منها، فلا تجريم، وأقصى ما يذكر فيها الكراهية.
وكان شيخي يقول: لا كراهية في دفعها للتعذر، وإن أدى إلى هلاكها.
والأمر في ذلك قريب.

2835 - وقد نجز في القول (1 الصيد.
وأغفلنا 1) صورتين اختلفنا فيهما وأبو حنيفة: أحدهما - إذا اشترك جماعة في قتل صيد، فلا تلزم إلا (2 فدية واحدة مفضوضة عليهم 2) خلافاً لأبي حنيفة 3. والغالب عندنا في جزاء الصيد مَشَابِه 4 الغرامات (5 والدليل عليه أنه يجب في 5) بعض الصيد بعضُ الجزاء؛ اعتباراً بالقيمة والأبدال، (6 بخلاف الكفارات، ولو قتل جماعة رجلاً، وجب على كل واحد منهم كفارة.
فإن الكفارة 6 لا تتبعض، ولا تتعلق بالأبعاض.
2835/م- المسألة الأخرى- عندنا لا يجب على القارن إذا قتل صيداً إلا دم واحد، خلافاً لأبي حنيفة 7. والخلاف جار بيننا في جميع المحظورات.
...125

باب الإحصار

2836 - المحرم إذا صدّه العدوّ على ما سنصف الصدَّ، تحلل، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [البقرة: 196]. ومضمون الباب تحويه فصول: أولها - في السبب الذي يثبت التحللَ.
فإذا اعترض للحجيج الأعداء، وصدوهم عن الكعبة، من جميع الجهات، فهذا هو الصدّ المتفق عليه، ثم إذا كان المانعون مسلمين، واقتدر الحجيج على [مكاوحتهم] 1، فلا يلزمهم ذلك.
وإذا كانوا لا يتخلصون إلا بقتالٍ، فهم مصدودون.
وإن كانوا لا يتخلصون إلا ببذل مالٍ، فهم محصورون مصدودون.
قال الشافعي: لو احتاج الحجيج إلى بذل درهم، وهو صاحب آلاف، وكان لا ينجلي الحصر إلا ببذل شيء، فلا يجب بذلُه، ويجوز التحلل.
ولو كان الذين لقوا الحجيج مشركين، فقد قال بعض المصنفين: إذا كان المسلمون على الحد الذي لا يجوز الفرار معه، ولم يزد الكفار على الضعف، يجب مصادمة الكفار، ولا يجوز التحلل.
وهذا كلام مختلط، وقد نص الأئمة في الطرق، على جواز التحلل، سواء كان

الأعداء مسلمين أو مشركين؛ فإن الحجيج لا يكونون على أُهَب القتال، في أغلب الأحوال، فلا يجب القتال لذلك، وقد لا يسوغ؛ إذا منعنا الاستقتال، كما سيأتي في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى.
فإن كان الحجيج متأهبين للقتال، وقد صدمهم الكفار، فلا فرار إذاً، إذا تجمعت الشرائط المعتبرة في تحريم الفرار.
وإذا تعين الاشتغال بالقتال، فلا معنى للانصراف، ولا سبيل إلى التحلل إذا امتنع الانصراف.
هذا التفصيل لا بد منه.
ولو أحاط الأعداء بالحجيج من الجوانب، فهل يجوز التحلل والحالة هذه، فعلى قولين: أحدهما - لا يجوز، فإنهم لا يستفيدون بالتحلل أمراً، وإذا لم يكن من لُقيان العدوّ بدّ، فمصابرة الإحرام محتومة.
والقول الثاني - يجوز التحلل؛ فإنهم ممنوعون عن صوب الكعبة، والحصر متعلق بالمنع منها، فإن فرضت محنة في جهة أخرى، فلا التفات إليها.
2837 - وأما المرض فليس من أسباب التحلل عند الشافعي.
ولو أحرم المرء، وشرط أنه إذا مرض مرضاً ثقيلاً تحلل، ففي جواز التحلل عند المرض قولان: المنصوص عليه في الجديد أنه لا يجوز التحلل؛ فإن ما لا يفيد التحلل بنفسه، فيبعد أن يُفيد الشرط فيه (1 تحللاً، مع اختصاص الحج عن العبادات بمزيد التأكد 1)، والبعد عن التحلل.
ونص في القديم على أنه (2 يجوز التحلل إذا جرى الشرط كذلك، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضُباعة [الهاشمية] 2، لما ذكرت ما بها من سقم، ورامت التخلف عام حجة الوداع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أهلي واشترطي أن مَحِلّي حيث حبستني " ويتجه حمل الحديث على أمرها بالإهلال،1

وإعلامها أن مَحِلَّها حيث تتوفى، فكأنه قال لها: أهلي فإن حبسك أجلُك، فكل نفس تذوق الموت 1).
ثم إذا جوزنا التحللَ عند المرض بسبب الشرط، فلو جرى هذا الشرطُ في سببٍ آخر، مثل أن يقول: إن ضللت الطريق، أو بلغني أمر مهم، واقتضى الحال تداركَه بالانصراف، تحللت، فالذي كان يقطع به شيخي أن الشرط لاغٍ، ولا يجوز التحلل، والقول القديم مختص بالمرض؛ فإن المتبع فيه الخبر، والأقيسة لا تجول في هذه المضايق.
وقطع العراقيون أقوالهم: [إن الشرط في كل مُهِمٍّ يحل مَحَلَّ المرض الثقيل، يخرّج على القولين] 2 المذكورين في المرض.
ولو قال الذي يُحرم: إذا مرضت، انحل إحرامي، فلم يشترط إنشاء التحلل، بل شرط الانحلال، والتفريع على القول القديم، فقد اختلف أئمتنا في ذلك، فمنهم من ألغى [هذا] 3 الشرط؛ فإنه ليس على مضاهاة التحلل الثابت عند الإحصار.
والإحرامُ بالحج لا يقبل التأقيت.
فإذا كان الحج لا يفسد، فليفسد الشرط، وليسقط أثره.
ومن أصحابنا من قال: يثبت هذا الشرط كما شرط، لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: " واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني " هذا مشعر في ظاهره بالانحلال، من غير إنشاء.
2838 - ومما يتعلق بذكر الأسباب أن الحصر إذا كان عامَّاً، فهو الذي يُثبت التحلل، وليس المعنيُّ بالعموم أن يعم الأقطار، وجميعَ الآتين من جميع الجهات، ولكن إذا تحقق الحصر في طائفةٍ ذوي عددٍ، فهذا حصرٌ 4 مثبت للتحلل وفاقاً.
والحصر الخاص هو أن يتعرض ظالمٌ لواحد، أو لشرذمةٍ من جميع الحجيج،1

فيمنعهم، فإذا تُصوّر الحصر الخاص، فالذي ذكره الأئمة من المراوزة أن القول مختلِف في ثبوت حكم التحلل.
وذكر العراقيون طريقة هي أمثل 1 من ذلك، فقالوا: كل حصر يُثبت التحللَ، خاصّاً كان أو عاماً.
ولكن إن كان عاماً، سقط القضاء، وإن كان التحلل بسبب خاص، ففي سقوط القضاء قولان.
فإن قيل: كيف يطّرد للمراوزة ذكر القولين في جواز التحلل، مع إجماع الأصحاب على أن العبد إذا أحرم بغير إذن مولاه، فمنعه المولى، فله التحلل.
وهذا حصرٌ خاص؟ قلنا: الانفصال من هذا ممكن، وهو أن العبد اقترن بإحرامه ما يسلّط المولى على حَلّه، وهذا المعنى لا يتحقق في منعٍ يطرأ من ظالمٍ على المحرم؛ فإن ذلك مسبوق بتأكد الإحرام، وليس [العام] 2 عام الصد، والآية نزلت في الصد على الحجيج.
والأوجه طريقة العراقيين.
2839 - ومما يتعلق بهذا أن من جوز التحلل عند المرض إذا تقدم الشرط، ذكر وجهين في أن الدم هل يلزم عند التحلل؟ أحد الوجهين - يلزم كما يلزم المصدود بالعدوّ.
والثاني - لا يلزم؛ فإنَّ تحلل المريض وفاءٌ بالشرط، فلا نوجب الدمَ، وتحلل المصدود بالعدوّ ليس مرتباً على حكم شرط، بل هو طارئ بعد لزوم الإحرام مطلقاً.
فإن قيل: لو شرط المحرم أن يتحلل (3 عن صد العدو، فما القول 3) فيه؟ فهل يؤثر الشرط؟ قلنا: اختلف الأصحاب، فمنهم من قال: يُؤثِّر؛ حتى يُخرَّجَ لزوم الدم3

على أحد 1 الوجهين.
ومنهم من قال: لا يؤثر؛ وهو الأصح، لأن ما ذكره بالشرط ثابت، فلا أثر للشرط.
وإذا سقط أثره، لغا.
فإذا لاح أسباب التحلل.
فالفصل الثاني بعده وهو استفتاح [كلام] 2 وإتمام ما مضى.
2840 - فنتكلم في سقوط القضاء عن المحصر، ونذكر صورَ الوفاق والخلاف.
فإذا أحرم الرجل، ولم يأت بنسك سوى الإحرام، فصُدّ على ما تُصوّر الصدّ، فإن تحلل، فلا قضاء.
وإنما يظهر هذا إذا كان الحج تطوعاً، فإنه إن كان فرضاً، عاد إلى ما كان عليه قبل الشروع، ووضوح ذلك مغنٍ عن كشفه.
ولو صُدّ عن طريقٍ، وأمكنه سلوك طريقٍ آخر على الشرط المرعي في الاستطاعة، وكان لا ييئس من إدراك الحج، فليس له التحلل، والحالة هذه؛ فإنه غير مصدود عن الكعبة، وإنما صدّ عن طريق، فإذا مال إلى الطريق الآخر، ولم يأل جهداً، ففاته الحج، والحجّ تطوّع، فقد تقدم أن من فاته الحج، يلزمه أن يلقَى البيتَ؛ فإن ذلك ممكن.
ثم في وجوب القضاء قولان: أحدهما - يجب القضاء لمكان الفوات.
والثاني - لا قضاء؛ فإنَّ سبب الفوات ما جرى من الصد عن الطريق القاصد.
ولا شك أن هذه المسألةَ مفروضةٌ فيه إذا كان السبيلُ الذي مال إليه أطولَ وأشطَّ، أو أعسرَ وأشقَّ.
وإذا كان الطريقان متساويين في كل معنى، فهذا فوات محض، ويجب القضاء فيه لا محالة.
ولو وقف الحاج بعرفة، فصدّ عن البيت، فله التحلل، ولا نقول له: صابر؛ فإن ما بعد الوقوف لا يفوت.

فإذا تحلل، ذكر صاحب التقريب قولين في وجوب القضاء، وإن لم يتحقق فواتٌ.
وقطع العراقيون بأن القضاء لا يجب.
والذي راعاه صاحب التقريب في طرد القولين، وتمييز صور القطع، أن قال: إذا لم يجر قبل الحصر إلا الإحرام المحض، ثم تحلل المحصر، فلا قضاء، وإن جرى مع الإحرام نسك، ثم فرض الصدّ والتحلل، ففي القضاء قولان.
وقال العراقيون: المصدود عن البيت إذا تحلل بعذر الإحصار، لم يقضِ قولاً واحداًً.
ومن قدر على لُقيان البيت، وصُدَّ عن عرفة، ولم يُتمّ -لأجل الصد- حجَّه، ففي القضاء قولان.
والواقف بعرفة إذا صُدّ عن البيت ممنوع عن لقاء البيت، فإذا تحلل، لم يلزمه [القضاء] 1 لكونه مصدوداً.
2841 - ولا يحصل عندي شفاء الصدر بهذا.
والوجه أن نقول: الفوات في وضعه يوجب القضاء، والإحصار لا يوجب.
فإذا تجرد الفوات، ولم يكن الإحصار سبباً فيه، وجب القضاء.
وإذا كان التحلل بمحض الإحصار ولم يتقدّمه سبب يوجب القضاء، فلا قضاء.
وبيان ذلك أنه لو أفسد الحج، فأمرناه بالمضي في الفاسد، فلقيه العدو، وصدّه، فله التحلل، وعليه القضاء بالفساد المتقدم.
والمسائل كلها في حج التطوع، حتى يظهر القول في القضاء.
[و] 2 في هذه المسألة يتصور وجوب القضاء، وإقامةُ القضاء في سنةٍ واحدة، فإن من أفسد الحج قبل الوقوف، فصد، فتحلل، وانجلى الحصر، فلو أحرم وقضى أمكن ذلك.
ولولا تخلل الحصر، وما ترتب عليه، لما تُصور هذا.
ولو جرى فوات سببه الحصر، فقد اشترك الفوات والحصر، فيختلف القول.
2842 - ومما يتم به الغرض أن المحصرَ لو لم يتحلل، وصابر، ودام الحصر، حتى فات الحج، فلأصحابنا طريقان في هذه المسألة:

منهم من قطع بأن الحج إذا فات بمصابرته، يلزمه القضاء قولاً واحداًً؛ فإنه كان يمكنه ألا يصابر، ولو تحلل، لما تصوّر الفوات، فكأنه قصد التسبب إلى الفوات، وليس كما لو سلك طريقاً بعيداً؛ فإن الصد عن جميع الطرق لم يتحقق في تلك الصورة، والصد في هذه الصورة عمّ الطرقَ، فكانت مصابرتُه سبباً في جلب الفوات.
ومن أصحابنا من قال: في المسألة قولان، فإنه يمكن حمل مصابرته على رجاء انجلاء الحصر، فعُذِر لذلك، والحصر قائم، وصاحب الفوات إنما يلتزم القضاء لانتسابه إلى طرف من التقصير، الذي ينسب إلى مثله كل مخطىء.
فهذا بيان ما أردناه.
2843 - ومما يتصل بذلك أن من وقف بعرفة، ثم صُدّ بعده، فتحلل، ثم انجلى الحصر، ففي البناء وإمكانه ما قدمناه.
فإن لم نره، فهذا من المسائل المقدّمة، فالعراقيون يقطعون بنفي القضاء.
وصاحب التقريب يجعل المسألة على قولين لتأكد الإحرام بالنسك الأعظم.
وما ذكره العراقيون أمثل؛ فإن هذا تحلل بالحصر المحض.
وإن رأينا البناء، [فلْيَبْن، فلو لم يبن] 1، ولم يعد مع إمكانه، ففي القضاء وجهان: أحدهما - لا قضاء؛ فإن الحج كان تطوعاً، وقد تحلل.
والثاني - يلزمه القضاء؛ فإنه في التمكن من البناء (2 إذا قصر 2) منتسبٌ إلى ترك الممكن 3. وقد يتجه أن نقول: هل يجب البناء أم لا؟ أخذاً مما ذكرناه.
2844 - ومما نصوره أن المحرم بالحج إذا فاته الحجة، ثم اعترض له من يصده، فله التحلل بعذر الصدّ، ويستفيد بذلك قطعَ الإحرام في الحال، حتى لا يحتاج إلى لقاء البيت، وقطعِ المسافةِ إليه.
ثم القضاء لازم في هذه الحالة؛ من جهة أن الفوات2

الموجب للقضاء تقدم على الحصر، ولم يقع بسبب الحصر؛ فكان تقدّم الفوات بمثابة تقدم الفساد.
وقد ذكرنا أن من أفسد حجه بالجماع، وألزمناه المضي، فإذا أحصر تحلل، ثم القضاء واجب، كما مضى.
2845 - ثم حكى صاحب التقريب عن ابن سريج أنه قال: إذا فاتت الحجةُ، ثم تحقق الإحصار والتحلل بسببه؛ فيلزمه دمان: أحدهما - دم الفوات، والثاني - دم الإحصار.
وهذا الذي ذكره منقاس؛ فإن سببي الدَّمَيْن قد تحققا، أما الفوات، فلا شك فيه، والتحلل بالإحصار وقع، وأفاد الخلاص من ربط الإحرام، وهما مختلفان، وأثرهما يجري على مقتضى التناقض؛ فإن من فاته الحج لا يتخلص من الإحرام ويقضي.
ومن أُحصر يتخلص ولا يقضي.
وذكر صاحب التقريب خبطاً في كتابه مشعراً بأنه لم يقف على كلام ابن سريج، فلا معنى لذكره، وقد يحمل [ما] 1 في الكلام من الخبط على خلل النسخة.
2846 - واختلف أئمتنا في أن دم القِران هل يندرج تحت دم الإفساد؟ وسبب ذلك أن القارن لم يستفد من تخفيف القِران أمراً إذا أُفسد عليه، فكان ذلك محمولاً على هذا.
على أن الأصح وجوبُ الدمين أيضاً، ولست أرى لمخالفة ابن سريج وجهاً فيما صورته.
فأمّا الفصل الثالث فمضمونه الكلامُ في صفة دم الإحصار، والقولُ في بدله، وإبداءُ حقيقته ووضعه.
وهذا الفصل يتعلق منتهاه ببيان ما تقدم، كما [سَننبّه] 2 عليه.
2847 - فأما دم الإحصار، فدم شاةٍ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة: 196]. هذه الصيغة منزلة على دم شاة؛ فإنها أقل مراتب الهدايا.
ثم

اختلف قول الشافعي في أن دمَ الإحصار هل له بدل أم لا؟ فقال في أحد القولين: له بدل اعتباراً بجميع دماء الجبرانات.
وقال في [القول] 1 الثاني: لا بدل له، فإن الدماء التي جرى لها ذكر في كتاب الله تعالى -وهي ذات أبدال- اشتمل الكتاب على ذكر أبدالها جملة، وتفصيلاً، وهي جزاء الصيد، وفدية الأذى، ودم التمتع.
ولما ذكر الله تعالى دم الإحصار، لم يذكر له بدلاً، وسنبين في تفصيل الكلام مخالفةَ دمِ الإحصار لما عداه من الدماء.
التفريع على القولين: 2848 - إن قلنا: لا بدل لدم الإحصار، فلا كلام.
وإن قلنا: له بدل، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها - أن بدله كبدل دم الإساءة، فإنه في مقابلة ترك النسك، ودم الإحصار في مقابلة التحلل عن النسك قبل أوانه.
والقول الثاني - أن بدله كبدل دم الحِلاق، من حيث إن الحالق يكفّ الأذى، والمحصر بالتحلل يؤثر الخلاصَ مما هو فيه، إن علم أن الإحرام ليس [يفيده] 2 المقصودَ مع 3 جريان الصد.
والقول الثالث - أن بدله كبدل دم التمتع.
فهذا بيان القول في كيفية الدم وبدلِه.
2849 - ثم نذكر وراء ذلك تحقيقاً مطلوباً، وفيه بيان أصلٍ مستقل، وهو منعطِفٌ على تمام البيان فيما تقدم، فنقول: المحصر يتحلل، فإن كان يريق الدمَ، فمتى يريقه؟ وبماذا يحصل التحلل؟ للشافعي أولاً قولان: أحد القولين - أنه لا يتحلل قبل الإراقة.
والقول الثاني - إنه يتحلل قبل الإراقة إن أراد ذلك.

والذي يجب التنبه له أن دم الإحصار إذا أجريناه على قياس الدماء، فهو دم جبران، وسببه التحلل عن الإحرام قبل أوانه، فإذا 1 كان كذلك، تعذر ربط 2 التحلل بإراقة الدم؛ فإن الإراقة موجَبُ التحلل، فليتصور تحلّلٌ موجِب لها اعتباراً بكل موجِب وموجَب في الكفارات، ثم لو وفَّيْنا هذا الأصلَ حقَّه، لجعلنا تقديمَ الإراقة على التحلل، بمثابة تقديم فدية الأذى على الحلق.
وفي جواز ذلك وجهان، ذكرناهما فيما سبق.
فهذا على تشبيه دم الإحصار بدماء الجبرانات.
ولكن التحلل عن الإحرام من غير سببٍ مشكلٌ، وأسباب [التحلل] 3 كلُّها ممتنعة في حق المحصر، فأُثبت الدمُ في إفادة التحلل حالاًّ محلَّ أسباب التحلل، في حق المستمر على نظم النسك من غير صدّ.
ولا ينبغي أن يُعتقد أن دم الإحصار بدلٌ عما صُدَّ المحصرُ عنه؛ فإنه مصدود عن الأركان في الحج، والأركان لا بدل لها.
ولو كان الدم بدلاً، لوجب أن يقال: الشارع في حج الإسلام إذا صدّ، فتحلل، يسقط عنه فرض الإسلام؛ لأنا نحل الدم محل ما تعذر.
وليس الأمر كذلك.
فالوجه على هذا القول أن نقول: الدم سبب تحلّل في حق المحصر المضطر، يفيد ما 4 تفيده أسباب التحلل، فإذا وقع التنبه لما ذكرناه، ولأجله غمض القول في بدل الدم، فيجب وراء ذلك تنزيل القولين على ما ذكرناه.
فمن ألحق دم الإحصار بدماء الجبرانات، قال بتقدم التحلل عليه، وإنما يجب لسبب التحلل، فعلى هذا التحلُّلُ السابقُ على إراقة الدم لا يحصل بفعلٍ من الأفعال.
2850 - وقد يبتدر فهمُ بعض الناس إلى أن التحلل يقع بالحلق، وليس الأمر كذلك؛ فإن القول وإن اختلف في أن الحلق هل هو نسك أم لا في أوان التحلل في

النسك الجاري على النظام، لم يختلف القول في أنه ليس نسكاً في حق المحصر.
وإذا كان كذلك، فلا تحلل إلا بالقصد الجازم، شبّب 1 بما ذكرناه أئمتنا، وصرح به العراقيون، فإذا تحلل بالنية أراق الدم.
ولكن مع هذا لم يختلفوا في أن تقديم الإراقة جائز، وخالفوا قياس دماء الجبرانات، حتى لم يذكروا خلافاً في إيجاب تأخير الإراقة على قياس دماء الجبرانات.
وبالجملة إذا أعضل شيء [و] 2 خرج عن قياس الباب، لم يتمحض للمضطربين فيه قول.
(3 هذا بيان هذا القول 3).
2851 - ومن لم يحصّل التحلّلَ دون 4 الإراقة، في حق المتمكن منها، جعل إراقة الدم سببَ التحلل في هذا المقام؛ من حيث بَعُدَ عنده التحلل بمجرد القصد من غير فعل، فالدم يفيد من التحلل ما يفيده أسباب التحلل في التخلص من الإحرام في حق المستمر على نظم النسك.
ثم [السَّبْر] 5 التام في هذا القول: أن نفسَ الإراقة لا تكون تحللاً بلا خلاف؛ فإن المحصرَ لو أراق الدمَ، ولم يقصد التحلّلَ، لم يتحلل، فالقصد بمجرده لا يحلّل، والإراقة بمجردها لا تحلّل، فهي إذن مخالفةٌ للتحلل الذي يقع على نظم النسك، في حق من ليس مصدوداً، من جهة أن تيك الأسباب إذا جرت، كان التحلل في حكم انتهاء العبادة نهايتَها، وبلوغها تمامَها.
وهذا المعنى لا يتحقق في دم الإحصار؛ فإن التحلل هاهنا قاطعٌ لدوام الإحرام، على خلاف نظام [التمام] 6، فلا بد من الجمع بين الإراقة والقصد.3

هذا حقيقة القولين.
2852 - ثم نقول وراء ذلك: إن لم يجد المحصر دماً، فكيف التحلل؟ وما الوجه؟ هذا يتفرع على أن دمَ الإحصار هل له بدل أم لا؟ فإن قلنا: لا بدل له، فرّعنا الأمر على أن التحلل في حق واجد الدم، يقع بماذا؟ فإن قلنا: يقع التحلل بالقصد المجرد، والإراقة بعد التحلل تقع، فليتحلل إذا لم يجد بالقصد، ثم لينتظر وجدان الدم.
وإن قلنا: لا يحصل التحلل دون الإراقة في حق واجد الدم، فهل يحصل التحلل بالقصد المجرد في حق الفاقد؟ فعلى قولين: أحدُ القولين - لا يحصل التحلل دون إراقة الدم، فليصابر المحرم إحرامَه إلى أن يجد دماً.
والقول الثاني - أنه يتحلل بالقصد المجرد عند فقد الدم.
وإن فرعنا على أنه لابد من الإراقة عند التمكن منها؛ لأن مبنى تحلل الإحصار على التخفيف، وتكليفُه مصابرةَ الإحرام إلى وجدان الدم تكليف عسر، يناقض وضع الشرع في التحلل المرتب على الإحصار.
هذا إذا قلنا: لا بدل لدم الإحصار.
فأما إذا جعلنا له بدلاً، [فما كان مالاً منه على بعض] 1 الأقوال، فترتيب المذهب فيه في الوجود والعدم، كترتيبه في الدم، غيرَ أن المرعي في الدم الإراقة، والمرعيُّ في الصدقات التسليم إلى المستحق.
فإن قدرنا بدل الدم صوماً، فإن قلنا: لا يتوقف [التحلل على الإراقة مع إمكانها، فلأن لا يتوقف] 2 على الصوم مع امتداد الزمان فيه أولى.
وإن قلنا: يتوقف التحلل على الإراقة عند الإمكان، فهل يتوقف على الصوم؟ فعلى قولين.
والفاصل في نظم

الترتيب أن الإراقة لا يطول زمانها في حق المتمكن منها، والصوم يطول زمانه، ويعسر استصحاب الإحرام معه.
فهذا تمام القول في الحصر وحكمه وما يتعلق به من فدية، وتنزيلُ الفدية منزلتها، وبيان سقوط القضاء عند تمحض الإحصار، وتفصيل القول في امتزاج الفوات بالإحصار.
والآن نذكر بعد ذلك تفصيلَ القول في حصر السيد عبدَه المحرم، وحصرِ الزوج زوجتَه.
وقد عقد الشافعي باباً فيه.


باب حصر العبد يحرم بغير إذن سيده

2853 - العبد إذا أحرم بغير إذن سيده، انعقد إحرامه، وأطلق أصحابنا أن للسيد أن يحلله، وسنذكر شرح ذلك.
ولو أحرم العبد بإذن مولاه، ثم بدا للسيد أن يمنعه عن المضي في إحرامه، لم يكن له ذلك عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 1. 2854 - والزوجة المستطيعة إذا أرادت أن تحج [حجة] 2 [الإسلام] 3 من غير إذن زوجها، فهل للزوج منعُها؟ فعلى قولين: أحدهما - له منعها؛ فإن حقه عليها ناجز على الفور، والحج على التراخي، فلا يجوز تقديم ما مبناه على التأخير على حقٍّ مبناه على الفور.
والقول الثاني - ليس للزوج منعُها؛ فإنا إذا سلطناه على ذلك، أفضى إلى خلو عمرها عن الحج؛ فإنها مهما تهم به، منعها الزوج، ولا يجوز إخراج الحج عن العمر 4، وذكر الأئمة وجهين في أن الزوج لو أراد أن يمنع زوجته، عَن إقامة فريضة [الصلاة] 5 في أول الوقت، فهل له ذلك؟ والحج أولى بأن لا يُمنع منه؛ فإن الصلاة مؤقتة، والقلب يرتبط بوقتها على ثقةٍ في العادة وصدق رجاء، وما يناط بالعمر، فهو على إبهام.
وقد ذكرنا هذا في كتاب الصلاة، ولهذا الفرقِ مال الفقهاء إلى أن من أخر الصلاة إلى وسط الوقت ومات، لم يلق الله عاصياً، على ظاهر المذهب عندهم.
ومن مات بعد استمرار الاستطاعة، ولم يحج، لقي الله عاصياً.

وفي هذا كلامُ يتعلق بالأصول، وليس من غرضنا ذكره الآن.
فإن قلنا: لا يملك الزوج منعَ المرأة من حج الإسلام وحملِها على تأخيره، فإذا أحرمت، لم يحللها.
وإن قلنا: يملك منعَها، فإذا أحرمت ملكَ تحليلَها.
هذا في فرض الإسلام.
2855 - فأما حج التطوع، فليس للمرأة أن تخرج لأجله، وتترك حقوق الزوج الواجبة، بسبب التطوع، والزوجُ يمنعها لا محالة، فإن أحرمت، فهل يملك الزوج تحليلَها؟ قال الأئمة: في المسألة: قولان: [أحدهما - لا يملك،] 1 ووجهه أن الإحرام وإن كان تطوّعاً، فإذا تحقق الشروع فيه، لزم وتأكد، والتحق بالقول بترتيب الواجبات.
[والرأي] 2 عندنا في هذا أن نقول: هي ممنوعة من الخروج، لتُحرم بحجة التطوع من ميقاتها، وإذا نجّزت الإحرام، فقولان، وفي منعها من الخروج لحج الإسلام قولان، فإن نجزت الإحرام بحجة الإسلام، ففي جواز التحليل قولان، مرتبان على المنع، فإن الإقدام على الإحرام على التراخي، فاتجه تقديم حق الزوج عليه لتنجّزه وتعجّله، وإذا لابست الإحرام، بطل معنى إمكان التأخير، وتعارض حق الله سبحانه وتعالى الناجز، وحق الزوج.
فهذا لابد من التنبه له.
ولكن تسليطَنا السيدَ على تحليل عبده المحرم بغير إذنه يقدح فيما أشرنا إليه بعضَ القدح.

2856 - ونحن نذكر تفصيل المذهب في العبد.
ثم ننعطف على ذكر الزوجة.
فأما العبد إذا أحرم بغير إذن مولاه، فللسيد أن يمنعه من المضي في إحرامه وفاقاً، وأطلق أئمتنا تحليلَ السيد إياه، وهو مَجَازٌ بلا خلاف فيه؛ فإن التحلل لا يحصل إلاّ من جهة العبد، ولو أراد السيد تحصيله، دون العبد لم يجد إليه سبيلاً عندنا.
وقال أبو حنيفة 1: يقع التحليل بفعل من السيد: فإن أحرمت أمةٌ، وطئها السيد قاصداً تحليلها، فينحلّ الإحرام.
وإن أحرم عبدٌ، طيَّبَه، أو حلق شعره، أو ألبسه مَخيطاً على قصد التحلل.
وهذا سهوٌ عظيم.
واتفق الأئمة على أن التحلل يقع من جهة العبد، وليس للسيد إلا منعُه من المضي، واستخدامُه في الجهات التي كان يستخدمه فيها.
ثم إن أراد العبد التحلّلَ، وهو ممنوع من المضي بمولاه، تفرّع الأمر على تحلل الحرّ، فإن قلنا: إنه يتحلل من غير إراقةٍ، فالعبد بذلك أولى.
وإن قلنا: لا يتحلل الحر إلا بإراقة الدم، وإن لم يجد الدم صابرَ إحرامَه إلى أن يجد، ففا حكم العبد؟.
اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من قطع بأن العبد يتحلل من غير دم، وليقع هذا التفريع على أن دم الإحصار لا بدل له، والعبد لا يملك، وإن ملك، فبهذا التصوير يظهر غرضُنا في تحقيق العسر.
وعنده 2 اختلف الطرق، فالذي قطع به الصيدلاني أنه يتحلل، ولا يصابر الإحرامَ؛ فإن وجدان الدم في حقه يتوقف على العتق، وليس هذا أمراً ينتظر 3، ويربط الترتيب فيه، فيؤدي إلى عسرٍ لا يحتمل مثله في الشرع.
ومن أصحابنا من قال: يخرّج الأمر فيه على القولين المذكورين في الحر المعسر: فإن قلنا: إنه يصابر إحرامَه، صابر العبد إحرامَه، غيرَ أن المعسرَ ينتظر الغنى، والعبد ينتظر العتقَ.
والأصح الطريقةُ الأولى.

ومن تمام القول في هذا أنا إذا قلنا: إن العبد يملك بالتمليك، فلو ملكه مولاه شاةً، وأذن له في صرفها إلى دم الإحصار، فليفعل، وليتحلل، على الترتيب المقدّم.
2857 - [و] 1 إذا اتصل الكلام بهذا، فلابد من ذكر جميع ما يتعلق به.
قال الشافعي رضي الله عنه: إذا تمتع العبد بإذن مولاه، وقلنا: إنه لا يملك بالتمليك، فلو مات العبد، وأخرج السيد عنه دماً، قال: وقع الدمُ موقعَه 2. وهذا مشكلٌ، فإن الدم كان 3 لا يقع الموقع في حياته، إذ التفريع على أنه لا يملك إذا مُلِّك، والموت يزيد في التصرفات عُسراً.
ولكن لم أر أحداً من الأصحاب يخالف النصَّ.
وإذا لم نجد خلافاً ننقله، فأقصى ما نعوّل عليه احتمالٌ نذكره.
ومن أنكر احتمال خلاف النص، فقد جحد؛ فإن النافذ من الإنسان بعد وفاته على تقدير النفوذ عنه في حياته يقع 4، حتى كأن بقايا تصرفاته من آثار حياته.
ولكن الممكن في توجيه النص أن الميت يبعُد تمليكه حراً كان أو عبداً، ثم نَفَذَ التصرفُ عن الحر بلا خلاف، فيقع إخراج السيد عن عبده هذا الموقع، وهو من عبده على أخص الأسباب.
وهذا مشكل.
2858 - وكل ما ذكرناه على أن دم الإحصار لا بدل له، فإن أثبتنا للدم بدلاً، فالقول في توقف 5 تحلل العبد على البدل إذا كان صوماً، كالقول في الحر من غير فرق.
فهذا بيان ما أردناه.

ثم الكلام في الزوج والزوجة كالكلام في المولى والعبد، غير أن الزوجةَ الحرةَ يحصوّر منها التوصّل إلى الدم فيترتب 1 أمرها على موجَب أمر المحصر الحرّ.
2859 - وختامُ الكلام في ذلك كله، أنا إذا قلنا: الزوجة ممنوعة من المضي، وقد أحرمت، ثم لم نُعلِّق تحليلَها باختيار الزوج، وإنما ملكناه منعها من الخروج، فكيف السبيل في استمتاع الزوج بها؟ وكذلك القول في الأمة، قطج الصيدلاني جوابَه بأنه يستمتع بها، فإن كان مأثمٌ، فعليها.
وهذا فيه نظر، من جهة أن المُحرمة محرّمةٌ لحق الله تعالى.
[كالمعتدة] 2 ... [ .. فيحتمل أن يحرم على الزوج والسيد الاستمتاعُ، والقول في ذلك يطول، وسنذكر في ربع النكاح إن شاء الله تعالى] 3 تقسيمَ القول في الصفات المحرِّمة، وكونَها في المُقْدم أو في المحلّ.
وقد نجز بذلك 4 [الكلام في حصر العبد والزوجة] 5 ...

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل