كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
2917 - فأما إذا كان الخيار للبائع وحدهُ، فالوجهُ التفريع على أقوال الملك، كما ذكرناه فيه إذا كان الخيار لهما جميعاً، ولا يتفاوت شيء من التفريع.
2918 - فأما إذا أعتق البائعُ العبدَ في زمان الخيار نُظر، فإن كان الخيار لهما، أو للبائع وحده، فينفذ عتقُه على الأقوالِ، لأن عتقَهُ يتضمن فسخاً، ويجوزُ للبائع الانفرادُ بالفسخ، وإن كان الخيار لهما، فلا يصح من المشتري إلزام العقد في حق البائع إذا كان الخيار لهما، نَعم إذا كان الخيار للمشتري وحدهُ، انفرد بالإجازة، ونفذ إذ ذاك عتقُه على الأقوال كلها، كما تقدَّم ذكرُه.
فرع:
2919 - إذا رَددنا عتق المشتري، والخيارُ لهما، فهل يكون عتقُه المردودُ إجازةً منه، حتى لو أراد أن يفسخ العقدَ بعد ذلك لا يمكنه؟ فعلى وجهين:
أحدهما - لا يكون إجازة؛ فإن المردود [لا] 1 حكم له، والإجازةُ لو حصلت، لكانت ضمناً للعتق، فإذا لم ينفذ العتقُ، كيف ينفذ ضمنُه.
والثاني - أنه يصير مجيزاً؛ فإنه ظهرَ بقصده الرّضا 2 بالملكِ؛ فكان ذلك إجازةً، وتحصيل ذلك أنّ قصدَ الإجازةِ منه صحيح، وإن رُدَّ العتق.
ويتجه أن يقال: إن أعتق ظاناً أن عتقه نافذٌ، فرددناه، ففيهِ الاختلافُ الذي قدمناه، فأما إذا كان يعتقد أن عتقه مرددٌ، فيبعد أن يكون ذلك إجازة منه، مع حكمنا بردّ العتق، وذلك يظهر فيه إذا صرَّح بأنه يعتقد أن العتق لا ينفذ، وإن أطلق الإعتاق، لم يصدَّق في قوله: لا أعتقد النفوذ.
وإذا حكمنا بأن عتق المشتري نافذٌ، ثم أثبتنا للبائع ردّ عتقه فَردَّهُ، فالوجهُ القطعُ بأن العتق وإن رُد كذلك، فالمشتري يكون مجيزاً إذا تصرَّف، ونفذ منه، والردُّ إنما كان لحق البائع، فهو بمثابة تنفيذنا فسخَ البائع، بعدَ نفوذ إجازة المشتري في حق المشتري.
فرع:
2920 - إذا أعتق البائع المبيعَ، ولم يكن له خيار، ولكنا رأينا في التفاصيل المقدَّمة أن ننفذ عتقه تفريعاً على قولنا: إن المِلكَ للبائع، ثم رأينا ألا نردّ العتق بعدَ نفوذهِ، فالوجه أن [نقول: إن كان] 1 في يد البائع، فإعتاقُه إياه بمثابة إتلافه المبيعَ حِسَّاً، وسيأتي ذلك في باب الخراج بالضمان.
فصل
2921 - إذا وهب الأب من ابنه عبدأ [فأقبضه] 2، فله الرجوع فيما وهبَ.
ولو أعتق الأبُ العبدَ، فهل ينفذُ العتقُ متضمناً رجوعاً، كما ينفذ عتقُ البائع ويتضمن الفسخَ؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون: أحدُهما - ينفذُ العتق؛ فإنه ينفرد بالرجوع، كما ينفرد البائع بالفسخ، فليكن العتقُ بمثابة التصريح بالرجوع.
والثاني - أنهُ لا ينفذ، بخلاف عتق البائع؛ فإن مِلك المتََّهب تام.
ينفذ فيه جميعُ تصرفاته، فلا وجه لإقدام غيره على التصرّف، فليرجع أولاً.
ثم ليتصرَّف في مِلكِ نفسهِ.
ومن اشترى عبداً، ولزم ملكُه فيه، وأفلسَ قبل أداء الثمن، فللبائع الرجوع في عين المبيع، فلو أعتقه ابتداءً، ففي نفوذ عتقهِ وجهان، كما ذكرناه في الرجوع في الهبة.
هذا بيان العتق من التصرفات.
2922 - فأما البيعُ، ففيه طريقان [فنطرد] 3 كل واحدةٍ على حدَتِها.
أما الإمام، فكان يقول: إن المشتري إذا انفرد بالخيار، فباع، نفذ بيعُه، سواء قلنا: الملك له، أو قلنا: الملك للبائع.
فإذا فرّعنا على أن الملكَ له، فقد صادف بيعُه ملكَه.
وإن قلنا: للبائع، فبيعُ المشتري وهو منفردٌ بالخيارِ يتضمن الإجازة.
ثم نُقدِّر انتقالَ الملك للمشتري قُبيل
البيع، ليكون بيعُه مصادفاً ملْكَه.
وهو كحكمنا بارتداد الملك في المبيع إلى البائع إذا تلفَ في يده، وكان يقول رحمه الله: بيع البائع المبيعَ في زمان الخيارِ، إذا كان الخيار له أو لهما ينفذ على الأقوال، متضمناً فسخاً، كما ذكرناه في العتق.
فأما إذا باع المشتري وكان الخيار لهما، أو للبائع، فلا ينفُذ بيعُه، وإن قلنا: الملكُ له؛ فإنه ليس له الانفراد بالإجازة، بخلاف ما تقدَّم، فبيعه بين أن يصادفَ ملكَ الغيرِ، وبين أن يصادف حقَّ الغير، وإذا ذكرنا خلافاً في العتق؛ فهو لمزيَّتِه في القُوَّة والنفوذ، وهذَا بمثابة قَطْعِنا بردّ بيع الراهن، مع التردد في نفوذ عتقه.
ثم كان يقول: إذا رددنا بيعَ المشتري، فهل نجعله إجازةً منه، فعلى وجهين، كما تقدم في العتق المردود.
وقالَ بعض أصحابنا: إذا باع المشتري وكان منفرداً بالخيارِ؛ فإن قلنا: المِلكُ للبائع، فلا ينفذ بيع المشتري، وإن كان منفرداً بالخيار، وإن قلنا: الملكُ له، ففي نفوذ بيعه وجهان؛ لضعف الملك بالجواز.
وما ذكره الإمام أفقهُ.
وكان رحمه الله يُشير إلى الوجهين، في بيع الواهب العبدَ الموهوبَ فيُنزله منزلة إعتاقه إياه، وينزل البيعَ منزلة العتق من جِهة صدوره ممن يستبد بالرجوع، كما نزل بيع المشتري المنفرد بالخيار منزلة إعتاقه.
وقال بعض أصحابنا: إذا انفرد المشتري بالخيار، فباع، ففي المسألة ثلاثة أوجه: أحدها - ينفذُ بيعه، ويلزم العقد.
والثاني - لا ينفذ، ولا يلزم، والثالث - لا ينعقدُ العقد، ولكنه يتضمن الإجازَةَ.
وهذه الأوجُه نشأت في هذه الطريقة، من خلافٍ في أصلين، أحدُهما - أن بيعه هل ينفذ، والثاني - أن التصرف الفاسد هل يتضمن الإجازة.
وكان الإمام يقطع بنفوذ البيع إذا انفرد المشتري بالخيار.
ونذكر ثلاثة أوجهٍ في الصورة الأخرى، وهي أن الخيارَ إذا كان لهمَا جميعاً، وقد ذكرنا أن المشتري لو انفرد بالبيع من أجنبيّ، لم ينفذ بيعُه، ولو باع ما اشتراه من البائع، قال: فيه ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدُها - أنهُ ينفذ البيع الثاني، ويلزم البيعُ الأول؛ فإن الخيار لا يَعدوهما، فكان
إقدامهما على العقد متضمناً إلزام العقد الأول.
والوجه الثاني - أنه لا ينعقد؛ فإن المشتري لا يجوز لهُ الانفراد بالبيع، فإذا ابتدأ الإيجابُ، بطل، ثم القبول مترتب عليه.
والوجه الثالث - أن العقد الثاني لا يصح؛ لما ذكرناه، ولكن يلزم الأول؛ تخريجاً على أن التصرف وإن رُدّ يتضمن إجازة.
هذا بيان الطرق في البيع.
2923 - وما ذكرهُ الإمام يقتضي تردداً في بيع الراهن المرهون من المرتهن، من غير تقديم فك الرهن؛ فإن البيع لا يَنفُذ من الراهن على الانفراد، فكان التبايع منهما على صورة التبايع من المتعاقدين في زمان الخيار.
فإن قيل: نص الأصحابُ على أنَّا إذا منعنا بيع الدار المكراة على قولٍ، فيجوز بيعها من المكتري.
قُلنا: قد ينقدح فرقٌ؛ فإن بيع المرهون لحق المرتهن، فإذا لم يصرح أولاً بإبطالٍ، لم يبعد تخيل خلاف فيه، وبيع الدار المكراة في قولٍ لم يبطل لحق المكتري، فإن من يصحح بيعَ الدار المكراة لا ينقضُ الإجارة، فالمبطل في البيع ثبوت يد المستأجر على المبيع، فإذا باع من المستأجر، فالمبيع في يد المشتري، فاقتضى ذلك القطعَ بصحة العقد، كما ذكرته في بيع الراهن من المرتهن، تصرفاً في القياس.
وإلا فالذي أقطع به نقلاً صحّةُ البيع فليُعتقد ذلك.
وإن كان يبطل به نظم الأوجه الثلاثة في بيع المشتري من البائع.
فصل
مشتمل على الوطء في زمان الخيار
2924 - أجمع المراوزةُ على أن الوطء من البائع فسخ، إذا كان له خيار، وكذلك جعلوا الوطء إجازةً من المشتري.
وقال العراقيون: وطء البائع الجاريةَ فسخ منه، وفي وطء المشتري وجهان: أحدهما - أنه إجازة منه، كما أنهُ فسخٌ من البائع؛ إذْ هو مشعرٌ من كل واحد منهما
باختيار الملك.
والثاني - أنهُ لا يكون وطؤُه إجازةً، وإن كان فسخاً من البائع.
وهذا بعيدٌ.
والذي ينقدح في توجيهه على البُعد أن ما يصدر من المشتري قد يُحمل على الامتحان والاختبار 1، [لا على الرضا والاختيار] 2، وما يكون من البائع لا محمل له إلا اختيار رَدّها إلى الملك.
وقد اشتهر اختلافُ الأئمة في أن من أجمل عتقاً بين أَمَتين، فقال إحداكما حُرَّة، ثم وطىء إحداهُما، فهل يكون وطؤُه تعييناً للموطوءة في الرق، حتى تتعين الأخرى للعتق؟
والخلاف يجري كذلك في تعين المنكوحة بالوطء عند إجمال الطلاق.
وقد مرَّ بي في الخلاف من قول من لا يُعدُّ من أئمة المذهب ذكرُ خلافٍ في أن الوطء هل يكون فسخاً من البائع؟ وهذا [في] 3 القياس غيرُ بعيدٍ، تخريجاً على الخلاف في تعيين المنكوحة والمملوكة في الوطء، ولكن لم أر ذلك لأئمة المذهب.
وهذا هو النقل والاحتمال.
ونحن نذكر الآن ما يتعلَّق بالوطء من الأحكام، ونبدأ بوطء المشتري.
2925 - فنقول: إذا وطىء المشتري والخيار لهما، فلا شَكَّ في تحريم وطئه؛ فإنا إن حكمنا بأن الملكَ ليس له، فقد صادف وطؤه ملكَ الغير، وإن حكمنا بأن الملك للمشتري، فهو ضعيفٌ، وفيه حق الخيار للبائع، ثم لا يخلو وطؤه: إما أن يعرَى عن العلوق، أو يتصلَ به العلوق.
فإن لم تعلق، فلا حدَّ للشُّبهَةِ.
وفي انقطاع خيار المشتري ما قدمناه.
وأما المهرُ، فلا يخلو البائع إما أن يفسخ أو يُجيز، فإن أجاز واستقر الملكُ
للمشتري، فالمهر يُنحى به نحو الأكساب، فيقال: إن قلنا: الملكُ للمشتري، وقد استقر الملك له، فلا مهرَ عليهِ، لأنه اجتمع له الملك أولاً، والقرار آخراً.
وإن حكمنا بأن الملك للبائع، ففي المهر وجهان: أحدُهما - يجب على المشتري للبائع؛ نظراً إلى الملك حالة الوطء.
والثاني - أن المهرَ لا يلزم؛ نظراً إلى مآل العقد.
وأما إذا فسخ البائع، فإن حكمنا بأن الملكَ للبائع في زمان الخيار، فعلى المشتري المهر للبائع؛ إذ كان المِلكُ له حالةَ الوطء، واستقرَّ عليه آخراً.
وإن حكمنا بأن الملكَ للمشتري، فوجهان: أحدهما - لا يجب، نظراً إلى الحال، والثاني - يجب، نظراً إلى العاقبة.
وإن فرَّعنا على قول الوقف، نظرنا، فإن أُجيز البيع، فهو كما قلنا: الملك للمشتري، وقد لزم البيع.
وإن فُسخ، فهو كالتفريع على قولنا: الملكُ للبائع، وقد فسخ العقد.
هذا حكم وطء المشتري من غير علوق.
2926 - فأما البائع إن وطىء والخيار لهما، فنذكر أولاً حكم الوطء في التحريم والحل.
وقد اختلف الأئمة في الترتيب، فقالَ بعضهم: إن قلنا: الملك للمشتري، فلا يحل للبائع الإقدامُ على الوطء، وإن قلنا: وطؤه يتضمن فسخَ العقد.
وإن قلنا: الملك للبائع، ففي إباحة إقدامهِ على الوطء وجهان: أصحهما - الإباحةُ.
والثاني - لا يباح؛ فإن الملك ضعيف، وحِلّ الوطء يستدعي ملكاً تاماً.
ومن أصحابنا من قلب الترتيب، وقال: إن حكمنا بأن الملك للبائع، فيحل له الإقدام على الوطء.
وإن قلنا: الملك للمشتري، ففي إباحة الوطء للبائع وجهان: أحدهما - لا يباح لمصادفته ملك الغير.
والثاني - يباح؛ فإن الوطء يتضمن الفسخَ، وكل ما يتضمن فسخاً يُقدّر نقلُ الملك فيه قُبَيْله، فيكون الوطء مصادفاً ملكَه.
وهذا الطريق لصاحب التقريب.
وكان الإمام يقطع جوابَه في دروسه، بحل الوطء للبائع، إذا كان له خيار، وكان
يقول: لو جَعلنا الوطء رجعةً، لأبحناه للزوج.
ثم نقول: إذا أبحنا الوطء للبائع، فلا يلزمُه المهر؛ فإنا إنما نُبيح له الوطء على قولنا: المِلكُ له، أو على تقدير نقل المِلك إليه قُبيل الوطء، وذلك يمنع ثبوتَ المهر.
وإن حرّمنا الوطء، فلا شكَّ أنا مع التحريم نحكم بانفساخ العقدِ، فالوجه مع ذلك القطعُ بنفي المهر؛ فإنا وإن حرَّمنا الإقدام [على الوطء] 1، فنقول: الفسخ يتضمن تقدير نقل الملك قُبيل الوطء.
فإن قيل: إذا أبحنا الوطء، فالإباحة تستدعي تقدير نقل الملك قُبيل الوطء، كما ذكرتموه لا محالةَ، فأما إذا لم يُبَح، فما المانع من الحكم بأن الفسخ لا يقتضي تقديمَ الملك على الوطء؟ قلنا: هذا التقدير محتمل، وللقول فيه مجال، ولكن لا يجب المهر مع هذا التقدير أيضاً؛ فإن مساقه يتضمن مقارنةَ الملك للوطء، وإذا قارن الملكُ الوطء، استحال إيجاب المهرِ، ولا سبيل إلى المصير إلى أن الوطءَ 2 يستعقب الفسخ.
فهذا تفصيل القول في وطء البائع والمشتري إذا كان الخيار لهُما جميعاً.
2927 - أما إذا كان الخيار للمشتري وحده، فظاهر المذهب أن الوطء منه إجازةٌ.
وذكر العراقيون الخلافَ هاهنا، كما ذكروه والخيار لهُما.
فإذا وطىء وجعلناه مجيزاً، لم يلزمه المهر؟ فإنه عند انفراده بالخيار ينفرد بالإجازة، كما ينفرد البائع بالفسخ، ثم التفصيل في إباحة الوطء للمشتري كالتفصيل في البائع.
والقول في المهرِ على ما ذكرناه في الأكساب، في مثل هذه الصورة.
فهذا كُلّه فيهِ إذا عَري الوطء عن الإعلاق.
2928 - فأما إذا اتصل الوطء بالإحبال، فنذكر حكمَ المشتري، ثم نشُير إلى حكم البائع.
فإذا وطىء المشتري الجاريةَ، وعلقت منه بولد، فأما نفي الحد والقول في المهر، فعلى ما مضى، لا يختلف منه شيء، فلا 1 يسقط المهر، وإن ثبت الاستيلاد؛ إذا 2 يجب وإن لم يكن علوقٌ.
وأما القول في الولد، فهو ينعقد حُراً؛ فإنّ من وطىء جاريةَ غيره بالشبهة، كان ولدهُ منها حراً، ولا تنحط رتبة وطء المشتري عن ذلك.
ونحن نذكر بعد هذا الاستيلادَ، ثم قيمةَ الولد: فأما ثبوت الاستيلادِ، فالقول الوجيزُ أن الاستيلاد كالعتق، وقد مضى القول في العتق، ولكن من أصحابنا من رتّب صور الخلاف في الاستيلاد على أمثالها في العتق، وجعل الاستيلادَ أولى بالنفوذ؛ من جهة أنه يعتمد فعلاً، والفعلُ لا يناله فسخ.
ومن أصحابنا من قلبَ الترتيب، وجعل العتق أولى بالنفوذ؛ فإن حرمة الاستيلاد توقُّعُ حُرّيةٍ، وتنجُّزُها أقوى من تَوقُّعِها، ولا يبعد الحكم باستوائهما، لتعارض الكلام.
فإذا صح مأخذُ الاستيلاد، فنتكلم في قيمة الولد، ونقول: إن فرَّعنا على أن الملك للمشتري، وأجيزَ العقد؛ فلا تلزمه قيمة الولد؛ فإن الملك كان له في الابتداءِ، واستقرَّ عليه في الانتهاء.
وإن حكمنا بأن الاستيلاد نافذ، ولا سبيل إلى رَدّهِ، ولا وجهَ مع نفوذه لفسخ العقد، فهذا كما قدَّمناه؛ فإن الإجازة قد لزمت، والتفريع على أن المِلكَ للمشتري.
وإن قلنا: لا يثبت الاستيلاد، أو يثبت ولكنه يرد، فرُدَّ وفسخ العقد، ففي لزوم قيمة الولد وجهان؛ فإن العُلوق جرى والملك للمشتري، ولكن لم يستقرَّ الملكُ عليهِ، وقد ذكرنا في الأكساب الخلافَ في مثل هذه الصُورة.
هذا تفريعٌ على أن المِلكَ للمشتري.
2929 - فأما إذا قلنا: الملكُ للبائع، فلا يخلو إما أن يفسخ أو يجيز، فإن فسخ، فلا شك أن الاستيلاد لا ينفذ في هذه الصورة، وتجب قيمة الولد؛ إذ الملك للبائع أولاً وآخراً، والكسب في هذه الصورة للبائع وجهاً واحداً، وإن أجاز البائع العقدَ في هذه الصورة، ففي نفوذ الاستيلاد وجهان: فإن حكمنا بأن الاستيلاد لا يثبت، ففي لزوم قيمة الولد وجهان مبنيّان على نظيرهما في الكسب، في مثل هذه الصورة.
وإن قُلنا: يثبت الاستيلاد، فهذا يبنى على أمرٍ، وهو أن الاستيلاد إذا ثبت بالإجازة، فيثبت عند الإجازة، أو يستند إلى العلوق؟ وفيه خلافٌ ذكرته، في الإعتاق.
فإن قلنا: إن الاستيلاد ثبت عند الإجازة، فقد تقدَّم العلوق، والمِلك للبائع إذ ذاك، ففي قيمة الولد وجهان، كما ذكرناه.
وإن قلنا: الاستيلاد يتقدم الإجازة إسناداً وتبيُّناً 1، فنبني الغرضَ الآن على أن الأب إذا استولد جارية الابن، فمتى ينتقل الملك إلى الأب؟ فيه وجهان: أحدهما - أنه ينتقل الملك قبيل العلوق، فعلى هذا نقول في مسألتنا هذه: لا تجب قيمةُ الولد؛ فإن العلوق صادف ملكَ المشتري، على التقدير الذي ذكرناه.
وإن قلنا: ينتقل الملك بعدَ العلوق؛ فقد صادف العلوقُ ملكَ البائع، ولكن استقر ملك المشتري، ففي قيمة الولد وجهان، كما تقدم ذكره.
فهذا منتهى الغرض.
فأما إذا وطىء البائع واستولد، فإن كان له خيار فوطؤه فسخ، والاستيلادُ يثبتُ كيف فرض الأمر، ولا يلزمُه قيمةُ الولد؛ فإن الفسخ يُقارن الوطءَ، أو يتقدم عليه، والعُلوق بعدَ الوطء.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، فوطىء البائع وأولد، فهو كالمشتري إذا استولد، ولم يكن منفرداً بالخيار فيفرَّع على أقوال الملك، ثم نفرض فيه الفسخَ، والإجازةَ.
كما تقدّم ذكره.
فصل
فيما يكون اختياراً في الفسخ والإجازة
2930 - فنقول: كل تصرفٍ يتضمنُ زوالَ المِلكِ كالإعتقاقِ، فلا شك أنهُ يتضمنُ فسخاً من البائع، وإجازةً من المشتري إذا صحّ، وفي الفاسد خلافٌ مضَى، والبيع في معنى الإعتقاق، والاستخدام ليس اختياراً أصلاً، قطع به الأئمة.
وذكر بعض أصحاب القَفاّل وجهين في أن ركوب الدابة هل يكون اختياراً؟ وهذا بعيدٌ.
وهو من هفوات المصنف.
وقد مرَّ بي رمزٌ إليه من أئمة الخلاف 1. وهذا يقتضي تردُّداً في الاستخدام لا محالة.
وفي تعليق شيخي عن شيخه القفال وجهان، في أن الإجارةَ هل تكون اختياراً؟ وهذا فيه احتمالٌ؛ من حيث إنها عقدٌ يقتضي تمليكاً، والتزويج في معنى الإجارة، وأما الوطء، فقد سبق الكلام فيهِ، وأنه هل يكون اختياراً؟
قال الشافعي: إذا سلَّم البائع المبيعَ في زمان الخيارِ إلى المشتري، فلا يكون ذلك إجازةً من البائع.
واتفقَ الأصحاب على هذا، وإن كان التسليم دلالة ظاهرة في التنفيذ.
وقالَ مالك 2: التسليمُ إجازة من المسلِّم، وليس التسلّمُ اختياراً من القابض، وقال الصيدلاني: إذا أذن البائع للمشتري في بيع المبيع، لم يكن مجرَّدُ إذنه إجازةً وقطعاً للخيار، ولو رجع عن إذنه، فهو على خيارهِ.
2931 - وقد عقدَ الشافعي باباً فيما يكون رجوعاً عن الوصية 3، وليس من الممكن استيعابُ مضمون الباب هاهُنا، ولكنا نذكرُ ما يليق بغرضِنا: فمما يكون رجوعاً عن
الوصيّة العَرْضُ على البيع، والهِبَة قبل القبض 1، ولو وطىء الموصي الجاريةَ الموصَى بها، فإن عزل عنهَا، فلا يكون رجوعاً عن الوصيّةِ، وإن لم يعزل وأنزل، كان رجوعاً.
والذي يدور الباب عليه أن كلَّ ابتداء لو تم، لكان مُزيلاً، فهو في ابتدائه يكون رجوعاً عن الوصيّة.
ولو أوصى بحنطة، ثم طحنها، كان ذلك رُجوعاً؛ لأنه عرَّضَها للتلف، فجُعِل كتحقيق التلف.
والوطء لم يكن في عينه رجوعاً، وإنما الرجوع في الإنزال؛ من حيث أشعر بقصد الاستيلاد، وليس من الممكن أن يجري الاختيار في زمان الخيار مجرى ما يكون رجوعاً عن الوصيَّة.
والدليل عليه في النفي والإثبات أن الوطء اختيارٌ في ظاهر المذهب معَ العَزل، وليسَ رجوعاً عن الوصيةِ، والسبب فيهِ أن الوصية لا تتضمَّن تحريماً على الموصي، والجارية الموصَى بها مباحة على الموصي، فإذا كان يطؤها، فليس [في ذلك] 2 ما يتضمن منعَها عن الوصيةِ بعد الموتِ، فكان الاستمرار على الوطء غيرَ مشعر بالرجوع.
والبيع يتضمّنُ في وضعِه إزالةَ الملك، وكل بائع موطَنٌ نفسَه على الانكفاف عن التي باعَها، فإذا وطئَها أشعرَ ذلك بردّه إياها على ما كانت عليه قبل البيع.
فإن قيل: أليس الظاهِرُ أن البائع إذا وطىء وله الخيار فوطؤُه مباحٌ؟ قلنا: فيه كلام.
ثم تقدير الإباحةِ فيه يخرج على قَصْدهِ الردَّ، وأمَّا الوصيَّة، فإنها تنشأ على استمرار الموصي على الانتفاع مادام حياً، فهذا فرقُ ما بين البابين.
والعرض على البيع رجوعٌ عن الوصيَّة، وفحوى كلام الأئمة القطعُ بأنه ليس اختياراً، والسبب الفارق أن الوصيةَ ضعيفةٌ؛ من حيث إنه لم يُوجد في حياة الموصي إلا أحَدُ شِقي العقد، والبيع وإن كان جائزاً، فقد تم انعقادُه بشقَّيه.
وتحصيل القول
فيهِ أن الشرع سوَّغ أن يتخلل بين الإيصاء والقبول الزمانُ الطويلُ وموتُ الموصي.
ثم إن جرى من الموصي ما يُشعر بمناقضة الوصية، كان ذلكَ بمثابَةِ تخللِ زمانٍ طويل بين الإيجاب والقبول في البيع، فبهذا السبب كان الرجوع في الوصيَّة أوسع باباً من الاختيار في البيع.
2932 - ونحن نذكر الآن أربعَ مراتبَ، نجمع فيها قواعدَ المذهب:
الأولى - فيما يثبت على الفور كالرّد بالعيب، فكل ما ينافي الفورَ وُيشعر بالتأخير، فهوَ مُسقطٌ، وسنذكر ما يليق به في موضعه.
والثانية - الرجوعُ عن الوصيَّة، وهذا يعتمدُ ما يُشعر بمناقضةِ مقصود التنفيذ والاستمرارِ على الوصيَّة.
والثالثة - الاختيارُ في زمان الخيار، والأصل فيه ألا يحصل إلا بتصريحٍ أو تصرفٍ مزيلٍ للملكِ، والوطء قياسُه ألا يكون اختياراً، ولكنّ المذهب فيه ما قدَّمناه، وتقريب تعليلهِ على أقصَى الإمكان أن الوطء لا يصدُر إلا ممن يؤثرُ استبقاء أو ردّاً، ويبعد حَملُهُ على الاختيار، وكذلكَ يَبعُد حمله على الهم بالاختيار، وليس كالأمر بالبيع؛ فإنه يدل على الهم بالاختيار، ولا يَدُل على جَزمِ الرأي فيه، والهمُّ يقطعُ الوصيةَ لضعفها، والوطء ليس همّاً، بل لا يُقدم عليه إلا مُوطِّنٌ نفسَهُ على أمر.
نعم قد يكون الوطء فجرة 1 من الواطىء، ولكن من له الخيار لا يُحمل أمرُه على هذه الجهة، كما أن الإعتاق قد يوجهه المرءُ على ملكِ غيره هازلاً، ولا يُحمل الإعتاق في زمان الخيار إلا على الاختيار.
ولو وهبَ أحدُهما المبيعَ ولم يسلمه، فالقياس عندي أنه لا يكون مختاراً؛ فإنه إنما يتم بالقبضِ، والهبةُ مُشعرةٌ بالهمِّ بخلاف الوطء، وفيه احتمال.
والاستخدامُ ليس اختياراً على القاعدة.
وفي الإجارة والتزويج الاحتمالُ الظاهر.
ولو باعَ المبيعَ في زمان الخيار وشرط في البيع الخيارَ، فإن قلنا: لا يزول مِلكُ البائع، فيقرب تنزيل هذا منزلة الهبةِ قبل القبض، وإن قُلنا: يزول الملك، ففيه احتمالٌ أيضاً، لإمكان الاستدراكِ فيه، فكأنه هَم أن يبتَّ الخيارَ.
ولو وهبَ البائعُ من وَلدهِ وسَلّمَه، فالوجه القطع بأنه اختيار؛ فإنّ ملك المتهب تامّ.
والرجوعُ في حكم ابتداء حق أثبته الشارع.
والمرتبةُ الرابعة - حق الرجوع بعدَ تمام زوال الملكِ كرجوع الواهب، والرجوع في عين المبيع عند إفلاس المشتري بالثمن، والأصل فيه أن الرجوع يستدعي تصريحاً، فإنه جَلْبُ ملك ابتداءً، وقد ذكرت خلافاً في إعتاق من له الرجوع، وأنه هل ينفذ متضمناً رجوعاً، والوجه القطعُ بأن الواهبَ لو وطىء الجاريةَ الموهوبة، لا يكون وطؤه رجوعاً، ولا شك أن إقدامَهُ على الوطء محرَّم؛ فإن تلك الجاريةَ مباحةٌ للمتَّهب، ويستحيل أن تحلَّ جاريةٌ لرجلينِ في حالةٍ واحدة.
هذا بيان قواعد المذاهب فيما أردناه.
فصل
2933 - من ثبت له الخيار بالشرط، لم يقف نفوذُ تصرفه على حضور صاحبه.
وإن أجاز، نفذت الإجازةُ في غيبة صاحبهِ نفوذَها في حضرته، وكذلكَ إذا فسخَ.
ولو أعتقَ المشتري، أو باع في حضرة البائع، فسكتَ البائع، ولم يُبدِ نكيراً، لم يكن سكوته إجازةً منه للعقد، والقول فيما فعله المشتري نفوذاً ورداً، كما تقدَّم استقصاؤه.
وإن وطىء المشتري الجاريةَ المشتراة بحضرة البائع، فسكت، فهل يكون السكوت منه إجازةً؟ فعلى وجهين ذكرهما بعض أصحاب القَفّال، وصاحب
التقريب: أحدهما -[أنه لا يكون إجازة] 1 بمثابة سكوتهِ على البيع والعتق.
والثاني - أنه إجازة؛ فإن المتبعَ في أمر الوطء ما ذكرناه من إشعارِه بتصميم العزم، والسكوتُ على الوطء في هذا المعنى كالوطء.
فصل
في التلف
2934 - لم يبقَ من أصول أحكام الخيار، إلا تفصيلُ القول في تلف المعقود عليه في زمان الخيارِ.
فنقول: إذا تلفَ المبيع في زمان الخيار، فلا يخلو إما أن يتلف في يد البائع، أو في يدِ المشتري، فإذا تلف في يد البائع، فلا شكَّ في انفساخ العقد.
وإن كان سُلّم إلى المشتري، فتلفَ في يده، فنذكر طريقتين للأئمة: إحداهما - لصاحب التقريب وأصحاب القفال، وهي المرضيّة.
قالوا: نخرّج المذهبَ على أقوال الملك، فنقول: إن قلنا: الملكُ للبائع، فينفسخ العقدُ، وإن جرى التلف في يدِ المشتري؛ لأنَّا إذا كنا نحكُم بانفساخ العقد بتلف المبيع في يد البائع بعد لزوم البيع، لبقاء عُلقة من العقدِ؛ فلأن نحكم بذلك، وقد تلف المبيع ملكاً للبائع أولى.
وإن حكمنا بأن الملكَ للمشتري وقد تلف في يَدهِ، فهل نقضي بانفساخِ العقد؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - لا ينفسخ، وهو الذي قطع به أصحابُ القفال؛ لأنه قد تلف في ملك المشتري ويدهِ.
والثاني - أنه ينفسخ لبقاء عُلقة البائع فيه، وملكُ المشتري قبل القبض بعد لزوم العقد أثبتُ من ملكهِ في زمان الخيار.
التفريع:
2935 - إن فرعنا على أن المِلك للبائع، وقضينا بانفساخ العقدِ، فالمشتري يستردّ الثمن، ويغرَم للبائع قيمة المبيع كالمستام 2، فإنا إذا ضمَّناهُ لتوقع العقد، فهذا الذي نحن فيه بالضمان أولى، وإن فرَعنا على أن الملك للمشتري،
وحكمنا بانفساخ العقد، فالجواب كما مضى.
وإن حكمنا بأن العقد لا ينفسخ، فهل يبقى الخيار أم ينقطع؟
التفصيل فيه: أنه إن كان اشترى عبداً بثوب معين، ثم تلف العبد في يد مشتريهِ، وبقي الثَّوبُ في يد البائع، فالبائع على حقه من الخيار؛ إذ لو اطلع على عيب بالثوب، وقد تلف مقابله، لردَّ الثوبَ، فكذلك هاهنا.
وأما المشتري لو أرادَ الفسخَ، أو كان اشترى عبداً بثمن في الذمّة، فأراد البائعُ الفسخَ؛ ففي المسألة وجهان: أحدهُما - أن الخيار قد انقطع؛ لأنه كان متعلقاً بالمبيع، وقد فات، فأشبه ما لو اطلع المشتري على عيب بالعبد بعدما مات، فإن أراد ردَّ قيمته واسترداد الثمن، فليس له ذلك، والوجه الثاني - أن الخيار قائم؛ فإن متعلَّقه العقد والعقدُ باقٍ، فأشبه ذلك التحالفَ بعد تلف المعقود عليه.
ومذهبُنا أن المتبايعين إذا اختَلَفا في صفة العقد بعد تلف المبيع في يد المشتري، تحالفَا وتفاسخا.
فإن حكمنا بانقطاعِ الخيار، فقد لزم العقد، واستقر الثمن، وإن حكمنا بأن الخيار باق؛ فإن أجيز العقد، فالجواب كما مضى في انقطاع الخيار، وإن فسخ العقدُ، استرد المشتري الثمن.
وغرِم قيمةَ المبيع للبائع.
قالَ الصيدلاني: إذا قبض المشتري المبيعَ في زمان الخيارِ، ثم أودعه عند البائع، فتلف في يده، فهو كما لو تلف في يدِ المشتري.
فإن حكمنا بأن الملك للمشتري، وقلنا: لا ينفسخ العقد، فعلى المشتري الثمن، وإن قلنا: بأن الملك للبائعِ وقُلنا: ينفسخ العقد [لو تلف] 1 في يد المشتري، فنقول: الآن ينفسخ أيضاً، والثمن مَردودٌ على المشتري، ثم قَالَ: وعلى المشتري القيمةُ للبائع؛ فإن يد البائع يدُ أمانةٍ، وهي بمثابة يد المشتري.
ولو تلف في يد المشتري، لالتزم القيمةَ، فكذلك إذا تلف في يد البائع؛ فإن يده بمثابة يد المشتري.
قلنا: هذا الذي ذكرهُ في إيجاب ضمان القيمة على المشتري، والتفريع على أن الملك للبائع محتمل؛ فإن العين المملوكة إذا عادت إلى يد صاحبها وتلفت، فيظهر أن يقال: لا ضمان على المشتري، فما ذكرهُ الصيدلاني أوجه.
ولو فَرعّ مفرعٌ على أن الملكَ للمشتري، وارتضى أن البيع ينفسخ إذا تلف المبيع في زمان الخيار في يد المشتري، فحينئذٍ إذا تسلم المشتري، ثم أودعه عند البائع وتلف، فالقيمة تجب على المشتري؛ فإنه تلف ملكه مضموناً في يدٍ أمينة.
2936 - هذا بيان طريقة [واحدةٍ] 1 على وجهها.
وذكر العراقيون وبعضُ أصحاب القفال: أن المبيع إذا تلفَ في يد المشتري في زمان الخيار، لم ينفسخ العقدُ أصلاً، وإن فرَّعنا على أن الملكَ للبائع.
ثم فرَّعوا تفريعاً بديعاً، فقالوا: إذا لم ينفسخ العقد، ولم يفسخ أيضاًً، حتى انقضى زمانُ الخيار، فعلى البائع رَدُّ الثمن، وعلى المشتري غرامةُ القيمة، وعللوا بأن المبيع تلف ملكاً للبائع، والمشتري لا يملكهُ في زمان الخيار، ولو بقَّينا الثمنَ على ملكِ البائع، لكان محالاً فإنه إنما يملكُ الثمن إذا ملكَ المشتري المثمن، ولما انقضى الخيار، كان المثمن تالفاً، لا يتصور تقرُّرُ الملك فيه، فلما عسر جريانُ ملك المشتري في المبيع، اقتضى ذلك ألا يملكَ البائعُ الثمن.
وهذا الذي ذكروه تخليطٌ ظاهر.
لكنّي أتصرّف [فيه] 2 ثم أنبّه على منشأ التخليط وطريق قطعه، فأقول: وجبَ أن نفرع هذا أولاً على أن الخيار هَل ينقطع بتلف المبيع في زمان الخيار؟ فإن قلنا: إنه ينقطع، وقلنا: لا ينفسخ البيع على طريقهم لجريان القبض، وإن قلنا: الملك للبائع، فيتّجه على ذلك أن نقول: يستقرّ العقد، وينقلب المبيع إلى ملك المشتري قبيل التلف تبيّناً 3؛ فإنّ سبب استمرار ملك البائع الخيارُ، فإذا كان التلف يقطع الخيار، فيجوز أن يؤثر في قلب المبيع إلى المشتري، كما نقول إذا تلف المبيع بعد لزوم العقد في يد البائع، فينقلب إلى ملك البائع قُبيل التلف، فعلى هذا لا ضمان على المشتري، ويستقرّ ملكُ البائع في الثمن.
وإن قلنا: لا ينقطع الخيارُ، وقَدْ رأَوْا أن البيع لا ينفسخ، فمن هذا ثار الخبط، كما ذكرناه.
وكان من حقّهم أن يحكموا بانفساخ العقد، ويعللوا بما ذكروه من أنه لا يتصوَّر إجراء الملك في الثمن، من غير جريانه في مقابِله، وقد عسر جريَانُه في مقابله.
وهذا التعليل حسن.
ولكن تعليل الانفساخ أظهر، فيجب القطع بالانفساخ على قولنا: الملك في المبيع للبائع في زمان الخيار.
ثم إذا حكمنا بانفساخ العقد على قولنا: الملك للبائع، وذَكرنا جوابين على القول الآخر، فمما أجريناه في التفريع إلزام المشتري القيمةَ.
فإن قيل: أيةُ قيمةٍ تعتبر؟ قلنا: إن فرَّعنا على أن الملك للبائع، فالقول في القيمة على هذا القول، كالقول في قيمة المستعار، والمأخوذ على سبيل السَّوْم، وإن قلنا: المِلكُ للمشتري ورأينا أن العقد ينفسخ، فمن ضرورة ذلك الحكم بانقلاب المبيع إلى ملك البائع، ثم التلف يجري في ملكه، فهاهُنا نقطع باعتبار قيمته وقت التلف؛ فإن المبيع كان قبلَه مملوكاً للمشتري، فاستحالَ اعتبار القيمة عليه من وقت الملكِ فيه له.
فهذا ما أردناه.
فرع:
2937 - البائع إذا استولد الجارية ولا خيار له، فإن قلنا: الملكُ له، وقضينا بأن الاستيلادَ يثبت؛ فإن كانت الجارية في يد البائع، انفسخ العقدُ.
وسنذكر قولين في أن البائع إذا أتلفَ المبيعَ قبلَ القبض بعدَ لزوم المِلكِ للمشتري، فهل يكون هذا كتلف المبيع بآفةٍ سماويَّةٍ، وذاك فيه إذا استقرَّ المِلك للمشتري.
أمّا هاهنا، فقد أتلف ملكَ نفسهِ قبل زوال يده، فالوجه القطع بانفساخ العقد، وإن كان سَلّمها إلى المشتري واستولدها في يده، وقلنا: المِلكُ للبائع، فالوجه في الطريقة المرضيَّة الحكم بانفساخ العقد أيضاًً؛ فانا إذا فرّعنا على أن الملك للبائع، فلا أثر لما جَرى من التسليم في منع انفساخ العقد على قياس الطريقة المرضيَّة.
فرع:
2938 - إذا اشترى رجل عبداً بجارية، وكان الخيار للمشتري وحده، فلو أعتق المشتري الجاريةَ، لكان ذلك فسخاً منه للعقد، ولو أعتق العبد، كان إمضاءً وتنفيذاً للعقد، فلو أنه أعتقهما جميعاً؛ فلا ينفذ عتقه فيهما جميعاً؛ فإن تنفيذ العتق
فيهما يتضمن فسخاً وإجازة، وهما نقيضان، فلا سبيل إلى جمعهما، ولكن اختلف أئمَّتُنا: فمنهم من قالَ: ينفذُ العتقُ في الجارية، لأن ذاك يتضمنُ فسخاً، والفسخ أقوى، ومنهم من قالَ: ينفذ عتقُه في العبدِ وهو اختيار ابن الحداد والقياس، وذلك لأن عتقَهُ في العبد تنفيذٌ للعقد.
وإذا فرَّعنا على الأصح وهو أن الملك في المبيع للمشتري، فلا يحتاج في تنفيذ عتقه إلى تقدير واسطةٍ بل نقول: أعتق ملكَه، فنفذ.
وهذا فرَّعه ابن الحداد على أن الملكَ في المبيع للمشتري، فيجتمع ملكُه في المبيع وسُلطان الفسخ في الثمن، ومنه نشأ الخلاف.
قال الشيخ أبو علي: يتَجهُ عندي أن أقول: لا ينفذ عتقُه في واحد منهما؛ فليس عتقه في أحدهما أولى من الثاني، وهو ينفرد بكل واحدٍ منهما، ولا سبيل إلى تنفيذهما، فالوجه ردّهما بالتدافع، كإفسادِنا النكاحَ الوارد على الأختين.
والذي أراه أنّا إذا حكمنا بأن الملكَ في المبيع للبائع، فينفذ عتقُ المشتري قطعاً في الجارية؛ لأن الثمن على هذا القول ملكُ المشتري، فقد اجتمع في الجارية ملكُه ونفوذ الفسخ، وما ذكره الشيخ أبو علي ينقدح هاهُنا؛ فإن معتمدَهُ تصوّر الانفراد في كل واحدٍ من العتقين.
فرع:
2939 - إذا شرط المتعاقدان خيار يومين، جاز، فلو زادا في اليومين الخيارَ يوم الثالث، فهذا يخرج على خلافٍ سنذكرهُ في أن الإبراء أو الزيادة في الثمن والمثمَّن هل يلحقان العقد في زمان الخيار؟ وهذا يأتي مشروحاً إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: يتصوَّر إلحاق الزيادة في الثمن والمثمن، فزيادة الخيار تثبت، كما لو شُرطت في العقد، وإن قلنا لا تلحق الزوائد، فالشرط في زيادة الخيار ساقط، والعقد بحاله.
قال الشيخ أبو علي: الزوائد عند أبي زيد تلحق في مجلس العَقدِ، ولا تلحق في زمان الخيار.
وهذا مما انفرد به، ولا يظهر فرقٌ بين الخيارين.
فرع:
2940 - إذا اشترى عبدين على أنه بالخيارِ في أحدهما، فالعقد باطلٌ؛ فإن متعلّق الخيار مجهول، فإن قال: على أنِّي بالخيار في هذا العبد، فالصفقةُ قد
جمعت بيع خيار في عبدٍ، وبيعاً لا خيار فيهِ في عبد، فيخرج على قولي تفريق الصفقة.
فرع:
شذَّ من تفريع بيع الغائب، فرأيت تداركَه في آخر هذا الباب
2941 - قد ذكرنا أنه إذا رأى شيئاً، ثم اشتراه، وكان المبيع لا يتغيَّر غالباً في مثل تلك المدة، ولكن اتفق تغيُّره، فللمشتري الخيار.
وقد استقصينا ذلك، فلو قالَ المشتري: هذا المبيع متغيرٌ عما رأيته؛ فلي الخيار.
وقال البائع: هو على ما كان عليه.
قالَ الصيدلاني: قال صاحب التقربب: القول قول البائع؛ فإنه يبغي بقولهِ المحتمل تقرير العقد، فصار كما لو اختلف البائع والمشتري في عيبٍ، فادَّعى البائع أنه حَدَث في يد المشتري، فالقولُ قول البائع.
قال الصيدلاني: القياس أن القولَ قول المشتري في مسألة الرؤية؛ فإن البائع يدَّعي على المشتري أنه اطلع على المبيع على هذه الصفة، وهو ينكر اطلاع نفسه، فكان هذا بمثابة ما لو قال البائع للمشتري: هذا العيب قديم، ولكنك قد اطلعتَ عليه، وقال المشتري: ما اطلعتُ عليه، فالقول قول المشتري.
باب الربا
وما لا يجُوزُ بَعضُه ببَعض مُتَفاضِلاً ولاَ مُؤجَّلاً والصَرف
2942 - قال الشافعي 1: " أخبرنا عبد الوهَّاب ... الحديث ".
قد نصّ الله تعالى على تحريم الربا وتوعّد عليه، ولكن ذَكَرَ الربا مجملاً في القرآن، والتفسيرُ مُحالٌ على بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعتمدُ في الباب الخبرُ، وقد روى الشافعي بإسنادهِ عن مسلم بن يسار، ورجل آخر عن عبادةَ بنِ الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تبيعوا الورِقَ بالورِق، ولا الذهبَ بالذهبِ، ولا البُرَّ بالبُرّ، ولا الشعيرَ بالشعير، ولا التمرَ بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعين، يداً بيدٍ، ولكن بيعوا الورِقَ بالذهب، والذهبَ بالورق، والبر بالشعير، والشعيرَ بالبُرّ، والملح بالتمر، والتمر بالملح كيف شئتم يداً بيد" 2.
فنقول: نصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم الرِّبا في ستة أشياء وهي الدراهم، والدنانير، والبر، والشعير، والتمر، والملح، واضطربت مذاهب العلماء في تعدّي مورد النصّ، ولا يليق التعرُّضُ للاختلاف بهذا الكتاب المقصور على بيان مذهب الشافعي وأصحابه، فالوجه الاقتصار على هذا المذهب.
2943 - والباب يشتمل على ضروب من الربا.
وأصل جميعها ربا التفاضل، فنبدأ بهذا، ونستقصي القولَ فيه، ثم نذكر ما عَدَاهُ، ونصنّفُ الأشياء الستة صنفين،
فنذكر الأربعة منها فنّاً: وهي البُرّ، والشعيرُ، والتَمرُ، والملح، ثم نتكلم بعدها في الدراهم، والدنانير.
فأما الأشياءُ الأربعة، فتحريم ربا الفضل فيها عند الشافعي معلَّلٌ في قوله الجديد بالطعمِ، ثم لهذه العلةِ محل وهو اتحاد الجنس، فإذا صادف الطعم جنساً متحداً، اقتضى تحريمَ التفاضل.
وليس الجنسُ صفةً في العلةِ، وإن كان الحكم يتوقف عليه، وهذا بمثابة قولنا: الزنا موجبٌ للرّجم إذا صدر من محصنٍ، وليس الإحصانُ صفة في العلة، ولكنه محلّها.
وقد استقصينا القول في ذلك في مجموعاتِنا 1 في الخلاف.
وأثر ما ذكرناه يبين في ربا النساء، وباب الصرف.
وقد ثبت الآن تحريمُ التفاضل في كل مطعوم متّحدٍ جنسُه سواء كان مقدراً بكيل، أو وزنٍ، أو لم يكن مقدراً، كالسفرجل، والرمان، والقثاء، والبطيخ.
واعتبر في القديم الطعم كما ذكرناه، وضمّ إليه التقدير وقال: علة الربا من الأشياء الأربعة الطعمُ، وإمكانُ التقدير.
واعتبار التقدير في القديم وصفٌ في العلّة، وهي مركّبة من الطعم والتقدير، ومحل العلّة المركَّبة اتحادُ الجنس كما تقدم، وهذا أصل الباب في هذه الأشياء.
وإذا اختلف الجنسُ لم يحرم التفاضل، كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: " وإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ".
2944 - ثم أول ما نبدأ به شرح الطعم الذي اعتبرناه في العلّة: فكل ما يكون الغرض الغالب منه الطعْم، وإنما يُعد غالباً له، فهو مالُ ربا على الجديد، مقدَّراً كان أو غير مقدَّرٍ.
والمقدر مما يُطْعم مال ربا في القديم؛ فالأغذيةُ والفواكه داخلةٌ
تحت الطُّعْم، والأدويةُ مطعومةٌ، وإن كانت تستعمل على نُدورٍ، ولكنها مُعَدَّةٌ لتُطعم إذا مست الحاجةُ إليها.
هذا هو الأصل، ونذكر مسائلَ فيها تردد.
قال العراقيون: الطين الأرمني مطعوم دواءً، فهو مال ربا، والطين الذي يأكله السفهاء لا ربا فيه؛ فإنه لا يعدّ مأكولاً، وأكله سفهٌ.
وكان شيخي يتردد فيه، ويميل إلى أنهُ مال ربا، وما ذكروه في الطين الأرمني صحيحٌ، لا خلاف فيه.
وذكر العراقيون فيما صُرف عن الطُّعم اعتياداً وأصله مطعوم، كدهن البنفسج، والورد، وغيرهما، أن المنصوص أن هذه الأدهان مال ربا، فإنها شَيْرج اكتسب روائح من الأزهار، وانكف الناس عن أكلها ضِنّة بها.
قالوا: وذكر بعض الأئمة قولاً مخرَّجاً أنها ليست مالَ رباً؛ لأنها لا تُعدّ مطعومةً عرفاً.
قال صاحب التقريب: " دهن البنفسج مال ربا، وفي دهن الورد وجهان ".
ولستُ أفهم الفرق بينهما، ثم إذا جعلناها مال ربا فكلُّها جنسٌ واحد؛ فإنها شَيْرج اختلفت روائحها، لمجاورة أشياءَ مختلفة.
هكذا ذكره العراقيون، وهو الوجه.
وذكر الإمام وجهين في الكتان ودهنه، وقطع العراقيون بأن دهنَ الكتان المعد للاستصباح ليس مالَ ربا، والظاهرُ ما قالوه؛ فإن الكتان ودهنه إن فُرض أكلُهما على ندور، فلا نظر إلى ما يندر، وإنما الاعتبار بما هما معدّان له غالباً، وهذا كالكبريت والقطران، قد يندر من بعضٍ أكلُهما، ولكنهما ليسا مُعدَّيْن لذلكَ.
قال العراقيون: ودَكُ السَّمكِ المعَدُّ للاستصباح وتدهين السفن ليس مال ربا، وعللوا ذلك بما قدمناه.
وهذا يظهر فيه جعلُه مالَ ربا؛ فإنه جزءٌ من السمك، وهو مطعوم فيه، والزعفران مأكولٌ، والمقصود الأظهر منه الأكل تلذذاً وتداوياً.
ولو فرض علينا شيء يجري فيه الطعم وغيرُه على التقارب في التساوي؛ فالوجه القطع بأنه مال ربا؛ فإنه ظهر كونه مطعوماً، فكفى ذلك، ولا يضر ظهورُ غرضٍ آخرَ فيه، وفيما نقله العراقيون في دهن البنفسج وودك السمك المعدّ للاستصباحِ تناقضٌ؛ فإنهم لم ينظروا إلى العادة في انصراف دهن البنفسج عن الطُعم، واختاروا كونه مالَ ربا، وحكَّموا النص فيه، وقولهم في ودكِ السمكِ يخالف ذلك.
وهذا غامض عليهم.
والوجه عندنا تخريجُ هذا الفن على الخلاف؛ فإنه متردّد بين الأصل المأكول، وبين الانصراف عن جهة الأكل لغرض في العادة.
فرع:
2945 - اختلف الأئمة في بلع السمكة الحيّة؛ فإن منعنا ذلك، فليس السمك مال ربا في الحياة.
وإن جوزنا بلْعَها، فقد تردد شيخي في إجراء الربا فيها، وهذا بعيدٌ عندي.
والوجه القطع بأنه لا ربا فيها؛ فإنها لا تُعدّ لهذا الشأن.
وكان تخصيص ما ذكره بالصغار التي تُبتلع.
وتردّد صاحب التقريب في السمكة، وبنى أمرها على ما ذكرناه، وقطع بالفصل بين الكبار والصغار.
وأما الماء، فمطعوم لا شك فيه، والمذهبُ أنه مملوك يباع، فهو مال رباً.
ومن أصحابنا من قال: الماء لا يُملك؛ فيمتنع عنده بيع الماء بالدراهم، وسأذكر أحكام المياه مجموعةً في إحياء المواتِ، وتمام الضبط في هذا أن المعتبر في الاعتداد بالطُّعم حالةُ الاعتدال والرفاهية، فأما ما يطعم في سِني الأَزمِ والمجاعة، فلا معوّل عليه.
فصل
في اعتبار طريق التقدير
2946 - ما جرى في تقديره طريقٌ في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو المعتبرُ فيما يحرم فيه التفاضل، فالحنطة والتمر والشعير كانت تكال، فلا يجوز بيع بعضها ببعض مع اتحاد الجنس وزناً بوزنٍ، وإن كان الوزن أحصرَ من الكيل، ولكن المتبعَ الشرعُ، وإن صح الوزن في شيء في عَصر الشارع صلى الله عليه وسلم، تعيّن الوزنُ فيهِ؛ حيث تحرم المفاضلة.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة " 1 فما معنى الحديث؟ قلنا: لعل اتخاذ المكاييل كان يعمُّ في
المدينة، واتخاذ الموازين يعمُّ بمكة، فخرج الكلام على العادة، وإلا، فلا خلاف أن اعتبار مكاييل أهل المدينة، وموازين أهل مكة لا يرعى، ويجوز أن يقال: ما تعلق بالوزن من النُّصب وأقدار الدياتِ وغيرها، فالاعتبار فيها بوزن مكة، وما تعلق بالكيل في زكاةِ الفطر، والكفارات، فالمعتبرُ ما كان يغلب في المدينة.
وليسَ في الحديث تَعرُّضٌ لأمر الربا.
فرع:
2947 - إذا اتخذ مكيالٌ لم يُعهد مثله في عصرِ الشارع، وكان يجري التماثل به، فالوجه القطع بجواز رعاية التماثل به؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعبَّدْنا في الحديث إلا بالكيل المطلق فيما يكال، ولم يعيّن مكيالاً، وأجمع أئمتنا: على أن الدراهم إذا بيعت بالدراهم، وعُدِّلَتا بالتساوي في كفّتَي ميزان، فالبيع صحيح.
وإن كنا لا ندري ما تحويه كلُّ كِفة.
وهذا الذي ذكرته في مكيالٍ يجري العرف باستعماله، ولكن لم يعهد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو بيع ملءُ قصعة بملئها، وما جرى العرف بالكيل بأمثالها، فقد حكى شيخي تردّداً عن القفال، والظاهر عندنا الجواز.
والوزن بالطيّان 1 وزنٌ، وإن لم يكن له لسانُ وزنٍ، والاستواء يبين فيه بتساوي قَرْعتي الكِفتين، والوزن بالقَرَسْطون وزنٌ، وقد يتأتى الوزن بالماء بأن توضع دراهم في ظَرْف، فتُلقى على الماء ويُنظر إلى مقدار غوصه، ثم يفعل مثل ذلك بمقابلهِ، وليس ذلك وزناً شرعيّاً ولا عرفيّاً.
والظاهرُ أنه لا يجوز التعويل عليه في تماثل الربويات.
وما استَربْنا فيه، فلم ندرِ أنه كان مكيلاً في عَصر الشارع أو موزوناً، فلا يخلو إما أن يكون له أصل يعرف تقدير الشارع فيه، أو لا يكون، فإن لم يكن له أصل يُعلم = 1105 عن ابن عباس.
وأخرجه أيضاًً الطبراني في الكبير: 3/ 2، 20/ 1، والبيهقي: 6/ 31، وأبو نعيم في الحلية: 4/ 20، والطحاوي في المشكل: 2/ 99، وقال الألباني: صحيح (إرواء الغليل: 5/ 193 ح 1343)، وانظر أيضاًً (شرح السنة للبغوي - تعليق شعيب الأرناؤوط: 8/ 69)، و (نيل الأوطار: 5/ 307).
تقديرُه شرعاً، وكان يتأتى فيه الكيل والوزن جميعاً، ففيه أوجه: أحدها - أن يكالَ؛ فإن الكيل كان غالباً في معظم المطعومات، فنعتبر موضع الإشكال بالغالب.
والثاني - أنه يتعين الوزن؛ فإنه أحصرُ من الكيل، فإذا لم يثبت الكيل بالتوقيف، فطلبُ الأحصَرِ أولى.
والثالث - أنا ننظر إلى العادة الغالبةِ في موضع المعاملة؛ فإنه إذا عسر اعتبار عرف الشارع، وقد وجدنا العرف أصلاً متبعاً، فالأقربُ اعتبار عرف الوقت.
وذكر شيخي وجهاً رابعاً - وهو أنا نتخيَّر بين الكيل والوزن؛ إذ ليس أحدهما أولى من الثاني.
وهذا بعيد جداً لم أره لغيره.
وإذا جرى التقديران، فلا بد من تفاضل يجري لأحدهما.
ولو منع مانعٌ أصلَ البيع لاستبهام طريق التماثل، لكان أقربَ مما ذكره، ولكن لا قائل به من الأصحاب.
فأما إذا كان للشيء أصل يعرف طريق تقديره في عصر الشارع، ولكنه في نفسه لا يُدرَى بماذا كان يُقَدَّر في العصر الأول، ففيه الأوجه المتقدمة، وزاد شيخي وصاحب التقريب والصيدلاني وجهاً آخر أنهُ يتعيّنُ أن يقدَّر بما يقدر به أصله.
فصل
2948 - في بيان الحال التي تباع في مثلِها أموال الربا، بعضُها ببعض، ويتصل به التفريع على القول القديم؛ فنقول: قد منع الشافعيُّ في معظم العلماء بيعَ الرطب بالتمر، واعتمد فيه الحديث المشهور، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: " أينقصُ الرطبُ إذا جف؛ فقيل نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: فلا إذن " 1. ثم استنبط الشافعي من مورد الحديث أن
المماثلة حقها أن يعتبر فيها حالُ كمال الشيء، فالتمر حالةُ كماله جفافه، فإذا بيع الرطب بالتمر مع التساوي في الحال، ثم فرض جفاف الرطب، نقص مقداره عند جفافه عن التمر الذي قابله، وكأنا تخيّلنا على الجملة أنَّ تعبّدَ الشارع في منع التفاضل يعتمد بشرف الطعام، فنعتبر التماثل في أشرف الأحوال، ثم بنى الشافعي على ما مهّدَهُ في ذلك منعَ بيع الرطب بالرطب؛ فإنهما إذا جفّا، لم يُدْرَ هل يتماثلان.
2949 - فنقول: بعد تمهيد القاعدة: كل رطب يعتاد تجفيفه لا يجوز بيع بعضه ببعض، وكذلك القول في العنب.
فأما الرطب الذي لا يجفف ولو فُرض تجفيفُه، لاستحشف وفسد، فهل يجوز بيع بعضِه ببعضٍ؟ فيه وجهان: أحدهُما - الجواز، وهو القياس؛ لأن هذا النوع كماله في إرطابه، وليست له حالة منتظرة أكمل من هذه.
وقد أجرى بعض أصحابنا لفظ الادّخار في أدراج الكلام، وهو غير معتمد؛ فإن اللبن يباع بعضه ببعضٍ، كما سنذكره، ولا يتأتى فيه الادخار، ولكن لما كان ذلك أكملَ أحوالهِ، روعي كمالُه، ولم يثبت أيضاً توقيف في النهي عن بيع الرطب بالرطب خصوصاً، وإنما النهي في بيع الرطب بالتمر.
والوجه الثاني أن البيع باطل، نظراً إلى جنسِ الرطب، و [امتناعاً] 1 من تتبع التفاصيل في أنواع الجنس؛ فإن القول في ذلك يطول.
ولم يختلف أئمتنا في منع بيع الرطب الذي لا يجفف بالتمر، وكان القياس يقتضي تجويزَه عند من يجوّز بيعَ الرطب بالرطب، إذا كان لا يجفف.
وما ذكرته مدلول كلام الأئمة، ولم أجد لهم نصاً في منع بيع التمر بالرطب الذي لا يجفف.
2950 - وأمَّا المشمش والخوخ، فقد يجري العرف في تشميسهما، ولكن لا يعم [عمومَ] 2 تجفيف الرطب والعنب، فذكر الأئمةُ ثلاثة أوجهٍ فيها: أحدُها - أنه لا يجوز بيع الرطب منها بالرطبِ من جنسهِ؛ إذ له حالة جفاف منتظرة، فأشبه الرطبَ
والعنبَ.
وهذا القائل يجوّز بيعَ الجاف منه بالجافّ، قياساً على الرطب.
والوجه الثاني - أنهُ يجوز بيع الرطب بالرطب، فإن أكمل أحوال المشمش، وما في معناه الرطوبةُ، والتجفيف فيه في حكم النادر، الذي يستعمل في الفاضل عن الأكل من رطب الجنس، وكُثْر الغرض في الرطوبة بخلاف الرطب؛ فإن الأصل فيه التجفيف.
والوجه الثالث - أنه لا يجوز بيع بعضه بالبعض، لا رَطباً ولا يابساً؛ فإنه لم يتقرر له حالة كمال؛ والبيعُ يعتمد حالة الكمال؛ فإمكان الجفاف وجريانه أخرج حالة الرطوبة عن قضية الكمال، وعدمُ عموم ذلك أخرج حالة اليبوسة عن حكم الكمال.
ولم يصر أحد من أئمة المذهب إلى تجويز البيع في حالة الرطوبة ومنعه في حالة الجفاف.
نعم، الرطب الذي لو جفف فسد، ولم يبق فيه انتفاعٌ يُحتفل به، يجتمع فيه أربعةُ أوجُهٍ: ثلاثة منها كما ذكرناها، والرابع - التجويز في حالة الرطوبة، والمنع في حالة اليبوسة؛ فإن الرطوبة في هذا النوع هي الكمال، والجفاف غير معتاد أصلاً.
2951 - وممّا يتصل بهذا الأصل -وفيه التفريعُ على القول القديم- تفصيلُ القول في بيع القثاء بمثله، وكذلك ما في معناه مما لم يجر فيه العرف بتجفيفٍ أصلاً، فنقول: أولاً - هذا غير مُقدّرٍ عُرْفاً بكيل ولا وزن، وإنما يباع عدداً، فإن فرَّعنا على القول القديم، ورأينا ضمَّ التقدير إلى الطعم، فليس هذا الجنسُ مالَ ربا؛ فيجوزُ بيعُ بعضه ببعضٍ كيف قُدّر وفُرض، وإذا أخرجناه على هذا القول من كونه مال ربا، فلو جُفف على نُدور، وكان مأكولاً، وجرى فيه الوزن في جفافه، فقد ذكر الإمامُ عن شيخه القفال، أنه لا يجري الربا فيه على القديم، وإن تقدر؛ فإن أكمل أحواله الرطوبة، وقد خرج في حال الرطوبة عن كونه مال ربا، فلا ننظر إلى حالة جفافه، ونتبع هذه الحالةَ تلك الحالة في سقوط الربا.
والظاهر بخلاف هذا؛ فإنه مطعوم مقدَر في الجفاف.
ويجوز على القديم بيعُ الجوز بالجوز، والبيض بالبيض، وكذلك كل معدود في
العرف.
ويمتنع بيعُ لب الجوز واللوز بعضُه متفاضلاً على القديم؛ فإنه مقدَّر مطعوم في حالة شَرَفهِ، وليس مصيرُه إلى إجراء التقدير فيه نادراً، بخلاف ما قدمته في القثاء والسفرجل، وما في معناه.
ولا رباً على القديم في الرمَّان.
ويجري في حب الرمّان إذا جف [ما] 1 ذكرته في اللُّبوب.
فرع:
2952 - الشعير في سنبله لا يقدَّر، فإذا فرّعنا على القول القديم، فالوجه عندي منعُ بيع بعضه ببعض؛ فإنه من جنس ما يقدّرُ، ولا ننظر إلى حالته هذه، وليس كالجوز مادام صحيحاً، وكيف نستجيز التشبيب بالخلاف مع قيام النص في الشعير.
وقد تقرر في (الأساليب) 2 ردُّنا على أبي حنيفة 3 في إخراجه الحفنة، وهي بعض المنصوص عليه في الخبر.
وهذا تفريعُنا على القديم.
2953 - فأما الجديد، فنقول عليه: كلُّ مطعوم مالُ ربا، وإن كان لا يُقدّر، وإذا كان كذلك امتنع بيعُ بعضه ببعض عدداً، والمانع تعذر التقدير، وهل يجوز بيع بعضه ببعض وزناً؟ فعلى وجهين: أحدهُما - وهو ظاهر المذهب أنه لا يجوز؛ فإن الوزن فيه غير معتاد، لا في عصر الشارع صلى الله عليه وسلم، ولا بعده، ولا سبيل إلى تجويز البيع عدداً؛ فالوجه المنع.
والثاني - أنه يصح؛ فإنَّا إن نظرنا إلى الكمال، فرطوبتُه أكمل أحواله، والتقدير قد حصل بالوزن.
وأما عدم جريان العرف بالوزن؛ ففيه سرٌّ يجب رعايته.
فنقول: ما جرى فيه عرف الشارع بالكيل، فقد تُعُبِّدْنا فيه بالتساوي في الكيل، فلا معدل عنه إلى الوزن، وما تقدر وجهلنا فيه عرفَ الشارع؛ ففيه اضطرابٌ تقدم ذكره، فأما ما نحن فيه، فقد جرى العرف فيه بالعدد، وذلك تساهل في الطريق، والشرع لا يقنع به، وفي الوزن الضبط التام، وليس فيه تركُ تقديرٍ تعلَّق به تعبّدٌ.
وهذا وإن كان فقيهاً، فالأصح الأول.
فلو جفف ما نحن فيه، وكان إذ ذاك يوزن، وقد منَعْنا بيعَ رطبه بالرطب وزناً، ففي جواز البيع في حالة الجفافِ خلافٌ مشهور: من أصحابنا من مَنع.
وتوجيهُه أنه امتنع فيه عند هذا القائل جوازُ البيع في أكمل أحواله، فكان ما جرى من الجفاف على ندورٍ، تابعاً في المنع لحالة الكمال.
وهذا يلاحظ ما ذكرناه من التفريع على القول القديم في مثل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بيع البعض بالبعض في الجفافِ؛ لجريان العُرف بالوزن، وإذا جوزنا بيعَ الرطب بالرطب وزناً، وضممنا إليه القولَ في حال الجفاف، [كان ذلك] 1 بمثابة الرطب الذي لا يجفف اعتياداً، فيجري في حالة الرطوبة واليبوسة الأوجه الأربعة، التي تقدمت مشروحة.
قال العراقيون: جفاف البطيخ حيث يعتاد ذلك من البلاد في حكم جفاف المشمش، والأمر على ما ذكروه.
فرع:
2954 - قال صاحب التقريب: بيع الزيتون بالزيتون جائز؛ فإنه حالة كماله وليس له حالة جفاف، ولكن يعتصر الزيت منه، وليس ذلك من باب انتظار كمالٍ في الزيتون؛ فإنه تفريق أجزائه، وتغييره عن حاله، كما يستخرج السمن من اللبن.
والأمر على ما ذكره.
ومما يتصل بتمهيد هذا الأصل، القول في الدقيق، وكل ما يُتَّخذ منه.
فالمذهب الذي عليه التعويل أنه لا يجوز بيع الدقيق بالدّقيق مع اتحاد الجنس؛ والسبب فيه أن كمال البُرّ في كونه بُرّاً، والدقيق زائل عن الكمال، وهو إلى الفساد لو لم يُستعمل، وإذا كان كذلك، فلو بيع الدقيق بالدقيق كيلاً أو وزناً، ثم لاحظنا حالة كونهما بُرّين، لم نَدْرِ هل كانا متماثلين بُراً أم لا.
فكان نظرنا إلى الكمال الزائل، بمثابة نظرِنا إلى الكمال المنتظر عند بيع الرطب بالرطب، وكذلك نمنع بيع الحنطة بالدقيق، كما نمنع بيع الرطب بالتمر، وكل ما يتخذ من البُرّ من كعك، أو خبز، أو سويق، فهو [في] 2
معنى الدقيق؛ فيمتنع بيع بعضهِ بالبعض، ويمتنع بيعُه بالبُرِّ.
وقد يعترض فيما 1 ذكرناه علةٌ أخرى مع ما ذكرناه؛ فإن الخبز في معنى المختلِط؛ إذ فيه ماء وملح.
وسنذكر بعد ذلك إن شاء اللهُ تعالى منعَ بيع المختلط بمثلهِ.
فهذا قاعدةُ المذهب، وسنذكر إن شاء الله تعالى في آخر الفصل نصوصاً غريبة في ذلك.
فإن قيل: الحنطة المسوسة إذا قربت من العفونة، فما القول فيها؟ قلنا: ظاهر قول الأئمة جواز بيع بعضها بالبعض، وإن أمكن أن يقال فيها: إنها زايلت كمالَها، وهي أقرب إلى العفن من الدقيق.
وإنما راعَوْا في هذا النظرَ إلى طرد القول في الجنس، ولا وجهَ غيرُه؛ فإنا لو ذكرنا غيرَ ذلك، لعَسُرَ النظرُ في تفصيل الحنطة، التي تمادى زمانُ احتكارِها.
وهذا مما يعسرُ تتبعه.
ولعل هذا قبل أن تتآكل، فأما إذا تآكلت، وخلت أجوافُها، ففيها نظرٌ عندنا؛ فإن الأئمةَ أطلقوا بيع المسوسة بالمسوّسة، والمسوسة هي التي بدأ التآكل فيها، والقياس القطعُ بالمنع؛ إذ الحنطة المقليّة لا يباع بعضها ببعض، لما فيها من التجافي الحاصل بالقلي، فكذلك لا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالحنطة المبلولة والجافَّة، لما ذكرناه في المقليّة، ولو بُلت الحنطة ونُحّي منها قشرتُها بالدّق والتهريس، وهي الكَشْك 2 - قال الأئمةُ: هي كالدقيق؛ فإنها تفسد على القرب، ويتفاوت ما يزايلها من القشر، ولو بُلَّتْ ثم جُفّفت ولم تُهرَّسْ، فإنها تتشَنج في جفافِها على تفاوت يُفضي إلى جهلٍ بالمماثلةِ قبل البلّ، فإن كان كذلك، فالوجه المنع.
وفي الجاوَرْس 3 إذا نُحّيت منه القشرةُ احتمالٌ عندي، ولا شك في [جواز] 4 بيع الرّز بالرّز المنقَّى عن قشرته.
فتأَملوا هذه المراتبَ.
2955 - ومما يتعلّقُ بهذا الفصلِ القَولُ في بيع هذه المطعومات بعضها ببعضٍ مع نزع النَّوى، والسبب فيه أنه يكتنز في المكيال، ويتجافى على تفاوت ظاهرٍ، على قدر الضغط، وإذا امتنع هذا، فلا شك في امتناع بيع [التمر] 1 المنزوع نواه بالتمر مع النوى.
وكان شيخي يذكر خلافاً في مُقدَّد المشمش والخوخ، فيقول: من أصحابنا من أجراهما مجرى التمر، فمنع البيع مع نزع النوى، ومنهم من جوَّز البيعَ مع النزعِ؛ فإن ذلك معتاد في جنسها، ونواها لا يُصلحها، بخلاف نوى التمر؛ فإنه عصامُها من التسويس.
وهذا القائل يجوّز البيعَ مع النوى ومن غير نوى، ولم أر لأحدٍ اشتراط نزع النوى، إلا لشيخي، فإنه ذكر عن بعض الأصحاب وجهاً بعيداً في اشتراط نزع النوى، كما يشترطُ نزع العظم عن اللحم في ظاهر المذهب.
فقد تحصلنا على ثلاث مراتبَ، أما التمر، فنزع نواه يمنع بيعَه، واللحم في ظاهر المذهب يتعيّنُ نزع عظمه، إذا حاولنا بيع بعضه بالبعض، وبينهما المشمش، وما في معناه، فيجوز بيعُ بعضِه ببعضٍ مع النوى، وفي تجويز البيع مع النزع الخلافُ المذكور.
وذكر العراقيون وجهين في جواز بيع التمر بالتمر مع نزع النوى، وهذا بعيد جدّاً، ثم جاؤوا بما هو أبعد منه، وذكرُوا خلافاً في بيع تمرٍ منزوع النوى بتمرٍ غير منزوع النوى، وهذا ساقط لا يُحتفلُ بمثله.
وقد تم الغرضُ من الفصلِ.
2956 - ونذكر الآن النصوص الغريبة في الدقيق والكعك.
نقل المزني في المنثور أن الشافعيَّ كان يمنع بيع الدقيق بالحنطة، ويجوّز بيع الدقيق بالدقيق، ونقلَ حرملةُ ذلك أيضاًً، وهذا النصُّ ليس يشعر بأن الدقيق يخالف جنسَ الحنطة، ولكن مقتضاه أن منع بيع الدقيق بالحنطة سببُه التفاوت الظاهر في الكيل، والدقيق مع الدقيق لا يتفاوتُ.
ونقلَ الحسينُ الكرابيسي عن الشافعي أنه كان يقول: الحنطةُ ودقيقُها جنسان؛ فيجوز بيع أحدهما بالثاني متفاضلاً، لاختلاف الصفة، والاسم، والمنفعة.
والدقيق مع الدقيق جنس واحدٌ.
وحكى ابن مِقلاص 1 أن الشافعي جعل السويقَ مخالفاً لجنسِ 2 الحنطة؛ لأنه يخالفها في المعنى.
والدقيقُ مجانس للحنطة؛ فإنه حنطة مفرقة الأجزاء، والحنطة دقيق مكتنز.
وعلى هذا الخبز يخالف الحنطة، ويجب أن يخالف الدقيقَ السويقُ أيضاًً.
وقال العراقيون: بيع الخبز غيرِ اليابس بمثله، أو باليابس لا يجوز؛ لأن الرطوبة التي فيه ماءٌ، وفي بيع اليابس بمثله خلاف.
وذكروا الخلاف في بيع الدقيق بالدقيق.
فهذا مجموع النصوص.
ولكن اتفق أئمة المذهب على أنها لا تُعدّ من متن المذهب، وإنما هي ترددات جرت في القديم، وهي مرجوعٌ عنها، والمذهب ما مهدناه قبل هذا.
فصل
في بيان القاعدة المترجمة بمُدّ عجوة ودرهم
2957 - وهذا ركن عظيم في مذهب الشافعي في أصل ربا الفضل، فنقول: مذهبُنا أن من باع مُدَّ عجوةٍ ودرهماً، بمُدَّي عجوة.
فالبيع باطل، وقد اعتمد الشافعي في هذا الأصل حديثَ القلادة، وهو ما رُوي عن فَضالة بن عُبيدٍ قال: "أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلادةٍ فيها ذهب وخرزٌ تباع، وهي من المغانم، فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة، فنزع، وقال: الذهب بالذهب وزناً بوزنٍ" 1؛ فاعتمد الشافعي معنىً ظاهِراً قد تقصّيناه في الأساليب.
ولكن لا بد من ذكرِ ما يجري مجرى التحديد، ونشير إلى أصل التعليل.
فنقول: إذا باع مُدَّ عجوة قيمته درهمان [ودرهماً بمدّي عجوة قيمةُ كلِّ مدٍّ درهمان] 2 فالبيعُ باطلٌ عند الشافعيّ.
والذي اعتمدهُ الأصحاب فيه من طريق المعنى التوزيعُ.
فقالوا: الدرهم من هذا الجانب ثلث ما في هذا الجانب، فقابل ثلث ما في الجانب الآخر، وثُلث المُدّين ثلثا مُدٍّ، فيبقى مد وثلث، يقابل مُدّاً.
وهذا تفاضل بيّن، ثم أثبتوا التوزيعَ بالقياس على جريانه في الشفعة إذا اشتملت الصفقةُ على شقصٍ وسيف، كما قررته في (الأساليب).
والتعويل على التوزيع في التحريم غيرُ سديدٍ عندي؛ فإن العقد لا يقتضي وضعُه توزيعاً مُفصلاً، بل مقتضاه مقابلةُ الجملة بالجملة، أو مقابلة جزأين شائعين مما في أحد الشقين بجزأين مما في الشق الثاني.
والمصير إلى أن الدرهم ثلث ما في هذا الجانب تفصيل، والعقدُ جرى مبهماً، وقد تفصّل التوزيع في الشقصِ والسيف لضرورة الشفعة، كما أنا قد نقسم مِلكاً مشتركاً قسمة إجبارٍ، وإن كانت القسمةُ تُخالفُ شُيوعَ مِلك الشريكين في جميع أجزاء المِلك، فالوجه في التوزيع أن يقال: ثلثُ الدرهم وثلث المُدّ يقابل ثلُثَ المدّين، وهذا لا يفضي إلى ما يزيده، ولا ضرورةَ في تكلف توزيعٍ يؤدي إلى التفاضل.
فالمعتمد عندي في التعليل، أنا قد تُعبّدنا بالمماثلة تحقيقاً، وإذا باع مُدّاً ودرهماً بمُدّينِ، لم تتحقق رعاية التماثل، وهو شرط صحة العقد؛ ففسد العقدُ لعدم تحقق المماثلة، لا لتحقق المفاضلة.
ثم لا نحكم بتوزيع التفصيل بوجهٍ، ولا سبيل إلى
تحكم أبي حنيفة 1 في مقابلة مدٍّ بمدٍّ، ودرهم 2 بمد.
هذا قاعدة الفصلِ.
ومن مال إلى التوزيع من أصحابنا، فتقريبه أنا أُمرنا بطلب المماثلة، كما أُمرنا بتمييز الشقص المشفوع في الصفقة المشتملة على الشقص والسيف، ولا طريق يهتدى إليه إلا التوزيع.
وله نظائر في الشريعة، وهذا لا يقوى على السَّبرِ.
فقد حصل مسلكان: أحدهما - التوزيع، والآخر - عدم التماثل والاستبهامُ، ونحن الآن نُخرِّج مسائلَ الفصل على المسلكين.
2958 - فلو باع مُدَّ عجوة قيمتُه درهم ودرهماً؛ بمُدَّي عجوة قيمةُ كل واحد منهما درهم، فالبيع باطل باتفاق الأصحاب.
فأمَّا من اعتمدَ التوزيع إذا قيل له: الدرهم نصف ما في هذا الجانب، فيقابل مداً، ويبقى مدٌّ في مقابلة مدٍّ، فلا تفاضل، فيقول مجيباً: إنما أدَّى التوزيع إلى التماثل من جهة أن قيمة المدّ الذي مع الدرهم فُرضت مثلَ الدرهم، وإنما صِيرَ إلى ذلكَ من جهة التقويم، والتقويم متلقى من الاجتهاد، وشرط التماثل أن يجري محسوساً .. هذا ما ذكره الموزّعون.
وأنا أقول: سبب التحريم في هذه الصورة ما قدَّمته من أن الصفقة اشتملت على مال الربا، ولم يتحقق جريان المماثلة، وقد تُعبّدنا بالمماثلةِ.
وهذه الطريقة تجري في هذه الصورة جريانَها في الأُولى.
ولو باع مدَّ عجوةٍ ودرهماً بمُد عجوةٍ ودرهمٍ، فالبيع باطل، وسبيل تخريج الفساد على أصل التوزيع أن نقول: الدرهم في هذا الجانب [ثلثُ ما في هذا الجانب] 3 مثلاً، فنقابل ثلُثَ درهم وثلُثَ مدٍّ، ويعود التفريع إلى بيع ثلث درهم وثلث مد بدرهم، ولو وضع البيع كذلك أول مرّة، لكان هذا بمثابة بيع درهم ومد بمدين؛ فإنه
قد اتحد الجنس في أحد الشقَّين، واختلف ما في الشق الثاني، وما اعتمدتُه من الاستبهام يجري في هذه الصورة، كما تقرر من غير حاجةٍ إلى فَضْلِ بيان.
فهذه صُورُ الوفاقِ في التحريم مع التردّد في التعليل.
2959 - ونحن نذكر الآن صُوَراً اختلف فيها الأصحابُ، فننقلها، ونذكرُ الخلاف فيها، ثم نذكر ضبطَها بالتعليل.
فممَّا اشتهر الخلافُ فيه أنه إذا باع خمسةَ دراهم مكسرة، وخمسةً صحاحاً بخمسة مكسرةٍ، وخمسةٍ صحاحٍ، أو باع مدَّ عجوةٍ وصَيْحانيَّ 1، بمدّ عجوة وصيحاني.
وذكر صاحب التقريب الخلاف فيه إذا باع خمسةً مكسرة وخمسةً صحاحاً بعشرة صحاح، وتعرض في توجيه الصحة لأمرٍ، وهو أن مُخرج الصحاح مسامحٌ بالصفة في الخمسة المقابلة بالمكسرة، والتفاوت في الصفة لا يضر.
ولو باع خمسة مكسرة وخمسة صحاحاً بعشرة مكسرة، قد ذكر هو الخلافَ في هذه الصورة أيضاًً.
وقال في توجيه الصحة: من أخرج الخمسة الصحاح مسامحٌ بالصفَةِ في مقابلة الخمسة المكسرة.
وكان شيخي يختار الفسادَ في هذه الصور كلها، جرياً على أصل التوزيع، فإنا نقول: الخمسةُ المكسَّرة ثلثُ ما في هذا الجانب مثلاً، فتقابل [ثلث] 2 ما في الجانب الثاني، فيؤدي [إلى] 3 التفاضل المحقق، والتوزيع في أصلهِ باطل عندي.
وهو في هذه الصورة نهاية في الفساد؛ فإن الصفقة إذا انطوت على عشرة من جانب، نصفها مكسّر، وعلى عشرة على هذا الوجه من الجانب الثاني، فتكلف التوزيع في هذا غلوّ، واشتغالٌ بجلب التفاضل على تكلف، وقد صارت المماثلةُ محسوسةً بين الجملتين.
وهذا ما تُعبدنا به، ثم [هذا] على 4 وضوحه في المعنى يعتضد بما
يقرب ادّعاءُ الوفاق فيه، فما زال الناس يبيعون المكسرة بالصحاح.
والمكسرةُ لو قسمت، لكان فيها قِطع كبار وصغار، والقيمةُ تتفاوت في ذلك تفاوتاً ظاهراً.
ثم لم يشترط أحدٌ تساوي صفة القطاع، فقد خرجت هذه المسائل على ما ذكرته أولاً، فمن رَاعى التوزيعَ، أفسدَ البيع، ومن تعلق بما ذكرناه، حكم بالصحة، لتحقق تماثل الجملتين.
2960 - والذي يحيك في الصدر نصُّ 1 الشافعي؛ فإنه قال: "لو راطل مائةَ دينار عُتُق، ومائة مروانيَّة بمائتي دينار وسط، فالبيع باطل" وقد اتحد الجنس في شقّي العقد، وقياسي يقتضي القطعَ بصحة العقد، ولم أر أحداً من الأئمة يشير إلى خلافٍ في صورة النص.
واللفظ الذي ذكرته لصاحب التقريب 2 في توجيه الصحةِ إذا باع خمسةً مكسرةً وخمسة صحاحاً بعشرة صحاح، حيث قال: "صاحب العشرة الصحاح مسامحٌ بالصّفة".
فيه احتراز من صُورة النص؛ فإن الشافعيَّ فرض مسألتَه في العُتُق وهي نفيسة، والمَرْوانيَّة وهي دونها، ثمَّ فرضَ من الجانب الثاني مائتي دينارٍ وسطاً حتى لا تتحقق معنَى المسامَحةِ، وإذا لم يتحقق ذلك، اقتضى العقدُ من الشقين طلب المغابنة، وهذا يقتضي التوزيعَ، وهو يُفضي إلى التفاضل لا محالةَ، لو ثبت التوزيع.
فهذا حكم المذهب تَلقِّياً من النصِ، وتصرُّف الأئمة.
وما ذكرتُه في هذه الصورة من التصحيح رأيٌ رأيتُه وهو خارج عن مذهب الشافعي وأصحابهِ.
ومما لا يخفى دركه أنه لو باع عشرةً مكسّرة بعشرة صحاحٍ، فالبيع صحيح؛ إذ لم يتحقق اختلاف جنس، ولا اختلافُ نوعٍ في واحد من الشقين.
فصل
فيما أثّرتِ النار فيه
2961 - هذا في وضعه كالقولِ في بيع الشيء في غير حال كماله، ولكنا أفردناه لغائلةٍ فيه.
فنقول: بيع الدّبس 1 بالدّبس ممتنع باتفاق الأصحاب؛ والسببُ فيه أن النار قد أثرت فيه تأثيراً بيّناً، وأثر النار يتفاوتُ في التعقيد تفاوتاً ظاهراً؛ فإن ألسنة النار في اضطرابها تختلف حتى يُرى حِسّاً اختلاف الأثر فيما يحويه المرجل الواحدُ، وإذا كان كذلكَ، فالدِّبس قد كان عصيراً، والعصير على كمالٍ، إذ يجوز بيع العصير بالعصير، وإذا نظرنا إلى مقدار من الدّبس يقابله مثله، فلا نَدْري كم في أحدهما من أجزاء العصير قد تعقَد، وكم في الثاني منه؛ فكان هذا خارجاً [على] 2 منعنا بيعَ الدقيق بالدقيق، نظراً إلى توقع تفاوتٍ في كمالٍ سبقَ للحب، فهذا ما عليه التعويل.
ولو قيلَ: قد يخالف مكيالٌ من الدبس مكيالاً في الوزن لتفاوتٍ في التعقد، لكان كذلك، ولكن لا معولَ عليه؛ فإن المعقَّد يباع وزناً، فالتعويل على ما قدمته [من] 3 ملاحظة كمال العصير.
فهذا بيانُ قاعدة الفصل.
2962 - ولو مِيزَ 4 شيءٌ من شيءٍ من غير تعقيدٍ، لم يضرّ، كالشمع يُميَّز بالشمس عن العسل، ثم يباع العسل بمثله، فيجوز، ولا امتناع فيه.
ولو مِيزَ الشمع بالنار، ووقع الاختصار على قدر الحاجةِ في التمييز، ففيه اختلاف: من أئمتنا من قال: هو بمثابة التمييز بالشمس، ومنهم من منع؛ لأن النار أعظم وقعاً من الشمس، وهي تؤثر آثاراً متفاوتة في مقدار زمان التمييز.
وظهر اختلاف الأئمة في بيع السكر بالسّكر، والفانيذ بالفانيذ 1، فمنعه بعضهم واعتمد أن تأثير النار ظاهر، وهو فوق التأثير في الدِّبس.
وقالَ بَعضُهم: يصح؛ فإن تأثير النار قريب، والانعقاد من طباع السكر، لا من أثر النار، وأجزاءُ السكر لا تتفاوت.
فإن قيل: إذا صُفِّي العسلُ بشمس الحجازِ، فقد يكون أثر الشمس في تلك البلاد بالغاً مبلغ النار؛ فإنا نرى شرائح اللحم تُعرض على رمضاء الحجاز، فتنش نشَيشَها على الجمر.
قلنا: هذا فيه احتمال، والأظهر جواز البيع؛ فإن أثر الشمس فيما أظن لا يتفاوت، وإنما يتفاوت أثر النار؛ لاضطرابها، وقربها وبُعدها من المرجل.
والتعويل على تفاوت الأثر، بدليل أنه لو أُغلي ماءٌ بالنار، أو خَلٌّ ثقيف 2، لم يمتنع بيع بعضه بالبعض؛ فإن النار لا تؤثر في هذه الأجناس بتعقيدٍ، حتى يفرضَ فيه التفاوت، فتزيل بعضَ الأجزاء، وتُبقي الباقي على استواءٍ، وهذا الذي ذكرته جارٍ في كل ما ينعقدُ.
فصل
معقود في الألبان والأدهان والخلول
2963 - والغرض بيان اختلافها وتجانسها، فنقول: أدقّةُ الحبوب المختلفة الأجناس مختلفة، بلا خلاف، واختلف قولُ الشافعي في لحوم الحيواناتِ المختلفة، فقالَ في قولٍ: هي مختلفة؛ فإنها أجزاءُ أصولٍ مختلفةٍ، وقال في قول: هي جنسٌ واحد؛ لأنها اشتركت في الاسم، عند ابتداءِ دخولها في الربا، ولا ننظر إلى اختلاف أصولها؛ فإنها لم تكن مالَ ربا، والغرض من اختلاف الجنس واتحاده أمرُ الربا، وسيأتي القولان في بابه إن شاء اللهُ تعالى.
فأمَّا الأَدْهان والخلول إذا اختلفَتْ أجناس أصولها، ففيها طريقان: الطريقة المرضيّة - أنها مختلفة الأجناس؛ فإن أصولها مختلفة، وهي أموال الربا 1، وليست كالحيوانات إذا اختلفت أصولها؛ فإن لحومها أجزاء أصولٍ لا ربا فيها.
ومن أئمتنا من يخرجها على القولين المذكورين في اللحمان، من حيث إنها تشترك في الاسم الخاص، ولا تتميز إلا بالإضافة كاللحوم، ولا يتم غرض هذا القائل إلا بفرق بينها وبين الأدِقّة.
فنقول: الدقيق عين أجزاء الحبّ ولكنَّها مجموعة ففرقت، والدّهن المعتصرُ وإن كان 2 في أصله، ولكنّهُ في ظن الناس كالشيء المحصَّل جديداً.
والوجه هو الطريقة الأولى.
وأمَّا الألبان، فالظاهر أنها كاللحوم، فنطرد فيها القولين؛ فإنها عصارة اللحوم جرت مَجراها.
ومن أصحابنا من قطع بالاختلاف، وطلب فرقاً بينها وبين اللحوم، فقال: اللحوم في أصولها ليست أموال الربا، والألبان يجري فيها الربا قبل انفصالها من أصولها، ويمتنع بيعُ شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن، وهذا الفرق رَديء؛ فإن الألبان في الضروع ألبان إطلاقاً واسماًً، فقد اشتركت في الاسم الخاص من أول حصولها، وهذا معتمد القضاءِ باتحاد جنس اللحوم، فلا فقه في إجراء الربا فيها في الضروع، بعد القطع باختلاف أصولها.
فرع:
2964 - اختلف الأئمة في السكر والفانيذ: فمنهم من قال: هما جنس واحد، وهذا بعيد.
ومنهم من قال: هما جنسان؛ فإن قصبهما مختلف، وليس الفانيذ عَكَرَ السكر، فاختلف اسمُهما وصفاتهما، وهذا متلقَّى الاختلافِ.
وأما السكر الأحمرُ الذي يسمى القوالبَ فهو عَكَرُ السكر الأبيض، وهو من قصبه، وفيه مع ذلك تردد، من حيث إنه يُخالفُ صفةَ السكر الأبيض مخالفةً ظاهرةً، وقد يشتمل أصلٌ واحد على مختَلِفات؛ فإن اللبن جنس واحد، ثم المخيض منه يخالف السمن، كما
سنذكره.
ولعل الأظهر أنه من جنس السكر.
وذكر شيخي وجهين في عصير العنب وخلِّه: أحدهما - أنه جنسٌ.
ولكن حالت صفة العصير، فكان ذلك كاللبن الحليب مع القارص.
والثاني - أنهما جنسان، وهو الظاهر عندي؛ لإفراط التفاوت في الاسم، والصفة، والمقصود.
والشيء لا يكون مأكولاً، فلا يجري فيه الربا، ثم تحول صفته، فيصير مأكولاً؛ ويدخل في حكم الربا.
فإذا كان تحوُّل الصفات يؤثر هذا الأثر، جاز أن يؤثِّر في اختلاف الأجناسِ.
وكُسب السمسم مخالفٌ جنسَ دهنه وفاقاً، كما يُخالف المخيضُ السمنَ.
ولو اعتُصر من اللحم ماؤُه، وبقي من اللحم ما لا ينعصر بفعلنا، فالكلُّ جنسٌ واحد، وليس كالدُّهن والكُسب؛ فإنا نعلم أن في السمسم دهناً وثُقْلاً في الخلقة، واللحم كلُّه في الخلقة شيءٌ واحدٌ، والبلحُ مع الرطب والتمر، والحُصرم مع العنب، في معنى العصير مع الخل عندي.
وحكى العراقيون عن ابن أبي هريرة أنه منع بيع الشَّيْرج بالشَّيْرج متماثلاً، وعلل بأن دُهن السمسم لا يتأتى استخراجُه إلا بالملح والماء، فهو على تقديره مختلِفٌ.
وسنذكر منع بيع المختلِط بمثله، ثم خصَّص هذا المنعَ بدهن السمسم دون غيره من الأدهان.
حكَوْا هذا عنه، وزيّفوه، وقالوا: الماءُ لا يُخالطُ الدُّهن، والملحُ يبقى مع الكُسبِ، ولو كان في الشَّيْرج، لأُدركَ طعمه، ثم تخصيص هذا بالشَّيرج لا معنى له.
فصل
في المختلِطات
2965 - نقول: كل مختلِطٍ بغيره من أموال الربا بِيع بمثله، فالبيع باطل، كالسكَّر المختلط ببعض اللُّبوبِ إذا بيع بمثله، وبطلان البيع يُخرَّجُ على القاعدة الممهدة في بيع مُدِّ عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم.
وبيع اللبن باللبن جائز وفاقاً؛ فإن قيل: اللبن مشتمل على السمن والمخيض،