ثم جاء تلميذه الغزالي وصاغها صياغة جديدة متكاملة، ووضع أسس البناء لهذه النظرية، التي توسع فيها الشاطبي فيما بعد.
وعبارات إمام الحرمين في أكثر من كتاب له، بل في كل ما عرف من كتبه: تدل على أنه شخصية مستقلة الفكر، وإن انتسب إلى الأشعري اعتقاداً، وإلى الشافعي فقهاً، بل مع تعصبه للشافعي إلى الحد الذي جار على بعض المذاهب الأخرى، وبعض الأئمة مثل أبي حنيفة، كما تجلى ذلك في كتابه (مغيث الخلق في اختيار الأحق)، وفي حديثه -في بعض الأحيان- عن الإمام مالك، واسترساله في المصلحة المرسلة.
استمع إليه، وهو يقول في (الغياثي): " ومعظم المتلقبين بالتصنيف في هذا الزمان السخيف، يكتفون بتبويب أبواب، وترتيب كتاب، متضمَّنه كلامُ من مضى، وعلوم من تصرَّم وانقضى " 1.
وفي موضع آخر يقول:
" ولو ذهبت أذكر المقالات وأستقصيها، وأنسبها إلى قائليها.. لخفت خصلتين: إحداهما: خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها، وتعافها نفسي الأبية وتجتويها، وهي سرد فصل منقول، عن كلام للمتقدمين مقول.
وهذا عندي بمنزلة الاختزال والانتحال، والتشبّع بعلوم الأوائل، والإغارة على مصنفات الأفاضل! " 2.
فهو إذن يبحث عن الجديد، ويعاف تكرار القديم.
ثم يقول: " وحق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفاً، وجمعاً وترصيفاً: أن يجعل مضمون كتابه: أمراً لا يلفى في مجموع، وغرضاً لايصادَف في تصنيف " 3.
وفي مكان آخر من الكتاب نفسه يقول:
" لست أحاذر إثبات حكم لم يدوِّنه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء؛ فإن معظم
مضمون هذا الكتاب لا يُلفى مُدوَّناً في كتاب، ولا مُضمَّناً لباب.
ومتى انتهى مساق الكلام إلى أحكام نظمَها أقوامٌ، أحلْتها إلى أربابها، وعزَيْتها إلى كتابها.
ولكني لا أبتدع، ولا أخترع شيئاً، بل ألاحظ وضع الشرع وينبوعَه، وأستثير معنى يناسب ما أراه وأتحراه.
وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدَّة، التي لا توجد فيها أجوبة العلماء مُعدّة" 1.
وهذا شائع في كتبه كلها، وهو يعتد بذلك ويباهي به، إلى حدٍّ قد تصفه بالعُجب أو الغرور، ولكنها -كما قال أخي عبد العظيم- الثقة الكاملة بالنفس، يقول في (البرهان) معقباً على ماعرض فيه لأنواع الجموع: (ونحن من هذا المنتهى نفرع ذِروةً في التحقيق لم يُبلغ حضيضُها، ونفترع معنى بكراً، هو -على التحقيق- منشأ اختباط الناس في عماياتهم) 2.
ولقد أقر الفقهاء، والأصوليون، والمتكلمون، من بعده، بأصالته وتقدمه، واستقلاله في العلم والفكر، فهو نسيج وحده فيما يصنف ويكتب، غير مقلد لأحد قبله.
يقول التاج السبكي في (طبقاته) عن كتابه (البرهان): " اعلم أن هذا الكتاب وضعه الإمام في أصول الفقه على أسلوب غريب، لم يقتد فيه بأحد، وأنا أسميه (لغز الأمة) لما فيه من مصاعب الأمور، وأنه لا يخلي مسالة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار، يخترعه لنفسه، وتحقيقات يستبدّ بها، وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية " 3.
فانظر إلى هذه العبارات " لم يقتد فيه بأحد " وقوله: " عن اختيار يخترعه لنفسه، وتحقيقات يستبد بها " مما يدل على أن الرجل من المبدعين، وأصحاب العقول المبتكِرة.
وفي موضع آخر يعلق السبكي على ما وصفه بتحامل الإمام المازَري وغيرِه من علماء المالكية الذين شرحوا (البرهان) مبيناً سببَ هذا التحامل في رأيه، فقال: " إنهم يستصعبون مخالفةَ الإمام أبي الحسن الأشعري، ويرونها هُجنةً عظيمة، والإمام -إمام الحرمين- لا يتقيد لا بالأشعرىِ ولا بالشافعي، لا سيما في (البرهان)، وإنما يتكلم حسب تأدية نظره واجتهاده، وربما خالف الأشعريَّ، وأتى بعبارة عالية، على عادة فصاحته، فلا تتحمل المغاربة أن يقال مثلُها في حق الأشعري ".
قال السبكي: وقد حكينا كثيراً من ذلك في شرحنا على (مختصر ابن الحاجب) 1.
وقد استدل الحافظ السيوطي (ت 911 هـ) في رسالته (الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض) بعبارة السبكي هذه: أن إمام الحرمين لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي، وإنما يتكلم حسب ما يؤديه إليه نظره واجتهادُه: أن هذا الإمام قد استقل بالاجتهاد، وتحرر من التقليد 2.
ونقل عن ابن المنيّر أنه قال في حق إمام الحرمين: له علو همة إلى مساواة المجتهدين.
ووصفه الحافظ القزويني بأنه: المجتهد ابن المجتهد 3.
ومما يؤكد ذلك: ما ذكره الدكتور الديب قي تحقيقه للبرهان من جملة فهارس لها دلالتها وأهميتها في آخر الكتاب، ومنها ثلاثة فهارس ننبه عليها هنا:
1 - فهرس المسائل التي خالف فيها إمامُ الحرمين الشافعيَّ، وقد أحصاها، فكانت أربعاً وعشرين مسألة.
2 - فهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين الأشعري، وقد حصرها في ثلاث مسائل.
3 - فهرس المسائل التي خالف فيها إمام الحرمين القاضي أبا بكر الباقلاني، وهو الرجل الثاني بعد الأشعري، وقد أحصاها، فكانت إحدى وأربعين (41) مسألة 1.
وهو يتحدث عن الإمام الأشعري بكل احترام وتقدير، ولكن لا يمنعه هذا أن يقول في بعض المسائل: ورأي الأشعري مختبط في هذه المسائل! وكيف لا وقد علق على قولة لوالده، الإمام المعروف فقال: وهذه زلة من الشيخ رحمه الله! 2.
وأما استقلاله في (التعبير) فهو ظاهرة ملحوظة في كل ما يكتب، فمعجمه اللغوي رحب، ومفرداته كثيرة، وهو ينتقي منها ويتأنق فيها، إلى حد الإغراب في بعض الأحيان، ولا يكاد يستخدم عبارات من قبله، وكثيراً ما يلتزم السجع، كما هو نمط عصره، وأغلبه مستساغ، وقليل منه متكلف، وقد رأيناه يلتزم السجع في بعض كتبه مثل (غياث الأمم) فهو مسجوع من أوله إلى آخره، إلا ماندر.
وأحياناً أخرى يتحرر من السجع، ويمضي مسترسلاً، ككبار البلغاء.
قال ابن خلكان: ورزق من التوسع في العبارة ما لم يُعهد من غيره 3.
عقل كبير وقلب كبير:
وكما تميز الإمامُ الجويني بعقله الكبير، تميز بقلبه الكبير، فقد اتفق مؤرخوه أن الرجل كان من (أصحاب القلوب) الذين لهم مع الله تعالى حال ومقام، وكان إذا ذكّر الناس في مجلسه بكى وأبكى الحاضرين.
وهذا مع أن الذين يشتغلون بالقضايا العقلية، والمجادلات الكلامية، يصابون بجفاف الروح، وقسوة القلوب، إلا من رحم ربك، من القلائل الذين احتفظوا بقلوبهم حية لم تمت، سليمة لم تسقم، صافية لم تشب، ومنهم إمام الحرمين.
وقد قال هو رحمه الله بحق: " من ضرِي بالكلام صَدِي جنانه! "
قال مؤرخه عبد الغافر الفارسي: " كان من رقة القلب بحيث يبكي إذا سمع بيتاً،
أو تفكَّر في نفسه ساعة، وإذا شرع في حكاية الأحوال، وخاض في علوم الصوفية في فصول مجالسه بالغدوات: أبكى الحاضرين ببكائه، وقطّر الدماء من الجفون بزعقاته ونعراته وإشاراته، لاحتراقه في نفسه، وتحققه بما يجري من دقائق الأسرار " 1. اهـ.
وقد تجلّى ذلك في خلقه وسلوكه مع من حوله، ومن ذلك خلق التواضع، فقد ذكروا: " أنه كان من التواضع لكل أحد بمحلٍّ يتخيل منه الاستهزاء، لمبالغته فيه.
ومن حميد سيرته: أنه ما كان يستصغر أحداً حتى يسمع كلامه، شادياً كان أو متناهياً.. صغيراً كان أو كبيراً، ولا يستنكف أن يَعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها، ويقول: إن هذه الفائدة مما استفدته من فلان، وإن كان من تلاميذه ".
" وإذا لم يرض كلام أحد زيّفه، ولو كان أباه أو أحد الأئمة المشهورين " 2.
فهذا كله ينطق بأن هذا الإمام قد رُزق من نقاء القلب ما رُزق من ذكاء العقل، والله يختص بفضله من يشاء.
الإخلاص والشجاعة:
ومن الفضائل التي تميز بها إمام الحرمين، وتبدو واضحة لكل من درس حياته وتراثه بلا تعصب له ولا عليه: الإخلاص في طلب الحقيقة، عن طريق العقل الناقد، والشرع الضابط، فإذا كَشفت له الحقيقة قناعَها، ومدت له شعاعَها، بادر إلى الإيمان بها واعتناقِها، والإعلانِ عنها، بشجاعة لا نظير لها، وإن كانت مخالفة لما عليه الجمهور، أو ما عليه المذهب، وما مضى عليه دهراً من حياته، وقضى سنين عدداً وهو يدرسه ويصنّف فيه، ويذود عنه، ويحث على اتباعه.
وهذا واضح في مذهبه (العقدي) أكثر منه في مذهبه الفقهي.
فمن المعروف والمشهور: أن إمام الحرمين كان من كبار متكلمي الأشاعرة، المؤوِّلين لآيات الصفات وأحاديثها، المدافعين عن التأويل.
وقد برز في (علم الكلام) واشتهر به، وصنف فيه التصانيف التي سارت بذكرها الركبان، مثل (الشامل) و (الإرشاد)
و (اللمع) و (النظامية) وغيرها، وأخذ عنه هذا العلم كثيرون من تلاميذه النوابغ، وكان يتكلف في تأويله والدفاع عن مذهبه الأشعري إلى حد الاعتساف أحياناً، الذي لايرضاه المنصفون.
وهذا شأن البشر.
وقد ذكر مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي في (سير الأعلام) ما جرى بينه وبين أبي القاسم بن بَرهان من مناظرة في (أفعال العباد).
ومن المعروف لدى المتمرسين بمسائل الكلام: أن مذهب الأشعري في أفعال العباد من أضعف المذاهب، حتى ضرب به المثل في الخفاء، فقيل: أخفى من كسب الأشعري.
ومع هذا كان الجويني في أول أمره يجادل عنه ويرد على خصومه، ويتأول صريح القرآن، وهو ما نقله الذهبي عن العلامة الحنبلي ابن عقيل في (فنونه) قال: قال عميد المُلك: قدم أبو المعالي، فكلم أبا القاسم بن بَرهان في العباد: هل لهم أفعال؟ فقال أبو المعالي: إن وجدت آية تقتضي ذا، فالحجة لك.
فتلا:
(وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) [المؤمنون: 63] ومد بها صوته، وكرر: (هم لها عاملون) [المؤمنون: 63] وقوله تعالى: (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [التوبة: 42] أي كانوا مستطيعين.
فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل.
فقال (أي ابن بَرهان): " والله إنك بارد.
تتأول صريحَ كلام الله، لتصحح بتأويلك كلامَ الأشعري!! وأكَلَه ابن برهان (أي أعياه) بالحجة، فبهت " 1.
هكذا كان أبو المعالي إمام الحرمين، دهراً من حياته، ولا غرو أن اعتبره بعض الباحثين المؤسس الثاني للمذهب الأشعري، وكتب أستاذنا الشيخ علي جبر في كلية أصول الدين رسالة الأستاذية له عن (إمام الحرمين باني الأشعرية الحديثة) وإن لم نرها مطبوعة.
ولكن الله شرح صدره للحق، فوجدناه في أواخر حياته قد غير نهجه، ورجع عن طريق التأويل -طريق الخلف- إلى طريق السلف في ترك الخوض، والانكفاف عن التأويل، كما أثبت أن للإنسان قدرة مؤثرة في أفعاله بإقدار الله تعالى وتمكينه، وليست مستقلة عن القدرة الإلهية.
ولم يستنكف عن إعلان ذلك بكل
صراحة وجلاء.
وهو ما ذكره في (الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية) 1.
قال إمام الحرمين:
" اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما يبرزه أفهام أرباب اللسان فيها.
فرأى بعضهم تأويلَها، والتزامَ ذلك في القرآنِ وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراءِ الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى.
والذي نرتضيه رأياً، وندين الله به عقداً: اتباعُ سلف الأمة، فالأولى الاتباع، وتركُ الابتداع.
والدليل السمعي القاطع في ذلك: أن إجماع الأمة حجةٌ متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوةُ الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً؛ لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
فإذا تصرَّم عصرهم وعصرُ التابعين على الإِضراب عن التأويل؛ كان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحْدَثين، ولا يخوضَ في تأويل المشكلات، ويكلَ معناها إلى الرب.
وعند إمام القراء وسيدهم الوقف على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: 7]، من العزائم، ثم الابتداء بقوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [آل عمران: 7]، ومما استحسن من إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة.
فلتُجْرِ آيةَ الاستواء والمجيء 1 وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: 75].
وَيَبْقَى (وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 27].
و (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر: 14].
وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه، فهذا بيان ما يجب لله" 2.
ونقل الحافظ الذهبي عن الفقيه غانم الموشيلي قال: " سمعت الإمام أبا المعالي يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما اشتغلت بالكلام " 3.
وقال الذهبي: " قال الحافظ محمد بنُ طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب -وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام- فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا: لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به " 4.
وقد علق السبكي على هذا القول فقال: يشبه أن تكون هذه الحكاية مكذوبة على إمام الحرمين، وابن طاهر عنده تحامل على إمام الحرمين، والقيرواني المشار إليه: رجل مجهول.
ولكن يعكر على هذا ما نقله الموشيلي عنه، ولم يتعقبه السبكي، ثم الأقوال الأخرى لإمام الحرمين في رجوعه إلى طريق السلف تؤكد صحةَ هذه الرواية.
كما أن روايات الحفاظ لا تسقط بمثل التهم التي ذكرها السبكي، وأي تحامل على إمام
الحرمين في هذه الرواية؟ بل فيها ما يرفع من قدره.
وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال: "حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور" 5.
وهذه الرواية قد أقرها السبكي، ولم يعترض عليها.
قال الذهبي:
"وقرأت بخط أبي جعفر (محمد بن أبي علي): سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهي أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يُدركني الحق بلُطف بره، فأموتَ على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني 1! يعني: نفسه.
يقصد بالذي نُهي عنه أهل الإسلام: علم الكلام، فقد نهى عنه إمامه الشافعي، ونهى عنه مالك وأحمد، وغيرهما من الأئمة".
ويبدو أنه تأول نَهْي أهل الإسلام أنهم نهوا من يخاف عليه السباحة في هذا البحر الخضم، ويخشى عليه من الغرق، وهو يرى نفسه أقوى من ذلك.
كما قصد بتخلية أهل الإسلام وعلومهم الظاهرة: أنه دخل في العلوم العقلية والفلسفية وتغلغل فيها، ولم يشتغل بالعلوم النقلية من الحديث والآثار ونحوها، كما اشتغل بها غيره.
وهذا القول من هذا الإمام الكبير الذي أنفق عمره في هذا اللون من الثقافة العقلية التي امتزجت بفلسفة اليونان وجدلياتهم، التي لا تنفع غليلاً، ولا تهدي سبيلاً.. هذا القول يؤكد أن لا طريق أهدى ولا أجدى من طريقة القرآن في تأسيس العقيدة، وهي الأقرب إلى الفطرة، والألصق بالعقل والوجدان، وهو ما كان عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان.
وإنما يستفاد من (علم الكلام) في الدفاع عن العقيدة في مواجهة المخالفين من أصحاب الأديان والفلسفات الأخرى، والفرق المبتدعة.
وهو ما وضحه من بعد، تلميذه حجة الإسلام الغزالي، حين بين أن علم الكلام: علم مُحْدَث أريد به حراسة عقائد العوام من تشويش المبتدعة.
وقال في (الإحياء): (اعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها، فالقرآن والأخبار (أي الأحاديث) مشتملة عليه.
وما خرج عنهما، فهو إما مجادلة مذمومة، وهي من البدع... وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفِرق لها، وتطويلٌ بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات، تزدريها الطباع، وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لايتعلق بالدين، ولم يكن شيء منه مألوفاً في العصر الأول، وكان الخوض فيه بالكلية من البدع، ولكن تغير الآن حكمُه، إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبتت جماعة لفقوا لها شُبَهاً، ورتبوا فيها كلاماً مؤلفاً، فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذوناً فيه، بل صار من فروض الكفايات.
وهو القدر الذي يقابل به المبتدع، إذا قصد الدعوة إلى البدعة، وذلك إلى حد محدود) 1.
فلا غرو أن يروى عن إمام الحرمين ما رُوي من البراءة من (علم الكلام) والعودة إلى طريقة القرآن 2.
وقد اجتهد العلامة تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى: أن ينحو بهذا الكلام الجلي الواضح من إمام الحرمين، منحى آخر غيرَ ما يتبادر منه، دفاعاً منه عن (علم الكلام) الموروث، ووجه كلمات هذا الإمام العظيم الشجاع المخلص، إلى معانٍ متكلفة لا ينشرح لها الصدر.
وتحامل السبكي على شيخه الإمام الذهبي، تحاملاً لا يقبل من مثله في مثله؛ فالواقع أني ما رأيت مؤرخاً منصفاً مثلَ الذهبي، حتى مع أعلام المعتزلة وأمثالهم.
على أن إمام الحرمين ليس هو وحده الذي انتهى إلى رفض التأويل، وترجيح مذهب السلف، وتفويض حقائق هذه الألفاظ ومعانيها إلى الله تعالى.
فقد رجع من قبله شيخه أبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) وفي (رسالة إلى أهل الثغر) وغيرهما.
ورجع من بعده تلميذه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، وذلك في كتابه: (إلجام العوام عن علم الكلام).
ولكن موقف شيخه إمام الحرمين كان أصرح وأوضح، فإن الغزالي اعتبر علم الكلام شأنَ الخواص، وجمهرةُ العلماء من الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمتكلمين، وغيرهم يعتبرون من العوام في هذا الأمر عند الغزالي.
أما الخواص، فقد يوجد في كل عصر منهم واحد، أو اثنان.
ورجع بعد ذلك: الفخر الرازي (ت 606 هـ) الذي كان من أكبر المحامين المدافعين عن التأويل، وصنف فيه أكثر من كتاب، مثل (تأسيس التقديس) وغيره.
ثم قال في الطور الأخير من حياته العلمية:
" لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر: 10] وأقرأ في النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي "! 1
وجاء في (طبقات الشافعية) لابن قاضي شهبة: 2/ 82 ما نصه: قال ابن الصلاح: أخبرني القطب الطوغاني مرتين: أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: ياليتني لم أشتغل بعلم الكلام! وبكى 2.
قال الإمام الشوكاني في (إرشاد الفحول):
" وهؤلاء الثلاثة، أعني: الجويني والغزالي والرازي، هم الذين وسعوا دائرة التأويل، وطولوا ذيوله، وقد رجعوا آخراً إلى مذهب السلف، كما عرفت، فلله الحمد، كما هو أهله " 3.
على أن إمام الحرمين لم يكتف بالرجوع إلى مذهب السلف نظرياً، بل حث الأئمة والمسؤولين عن قيادة الأمة -والمحافظة على الدين أول واجباتهم- أن يجعلوا مذهب السلف ونهجهم في تعلم التوحيد هو ما ينبغي أن يعلم للكافة.
أكد في (الغياثي): " أن الذي يحرص الإمام عليه: جمعُ عامة الخلق على مذهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء: وكانوا رضي الله عنهم ينهَوْن عن التعرض للغوامض، والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرَوْن صرفَ العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكّفون -رضي الله عنهم- عما تعرض له المتأخرون عن عيّ وحَصَر، وتبلُّدٍ في القرائح.
هيهات!
فقد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً، وأرجحهم بياناً، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات، داعية الغوايات، وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلوْن، وإليه مدفوعون، فإن أمكن حملُ العوام على ذلك، فهو الأسلم " 1.
ونعم ما أوصى به هذا الإمام.
فكل خير في اتباع من سلف... وكل شر في ابتداع من خلف
إمام الحرمين وعلم الحديث:
عُرف إمام الحرمين بالتقدم والإمامة في عدد من العلوم الإسلامية: مثل أصول الدين، وأصول الفقه، والفقه، والخلاف، ولكن لم يكن له قدم راسخة في الحديث وعلومه.
وسبحان من وزع المواهب.
وقد عبر عن هذا الجانب مؤرخو الإمام والمعقبون عليه، بعبارات مختلفة، مغزاها كلها: أنه لم يكن من أهل هذا الشأن.
قال ذلك السمعاني في (أنسابه): " كان قليل الرواية للحديث معرضاً عنه " 1.
وقال ياقوت في (معجم البلدان) نفس ما قاله السمعاني 2.
وقال الحافظ ابن حجر في (التلخيص) في تعليقه على ما قاله إمام الحرمين حول ثبوت الطمأنينة في الاعتدال: وهو من المواضع العجيبة التي تقضي على هذا الإمام بأنه كان قليل المراجعة لكتب الحديث المشهورة، فضلاً عن غيرها، فإن ذكر الطمأنينة في الجلوس ثابت في الصحيحين 3.
وقال نحوه من قبله ابن الصلاح في (الفتاوى الحديثية) وهو -كابن حجر- من الشافعية المرموقين.
ولعل أشد العبارات في ذلك هي عبارة الإمام الذهبي في (أعلام النبلاء)، حيث قال: " كان هذا الإمام، مع فرط ذكائه، وإمامته في الفروع وأصول المذهب، وقوة مناظرته: لا يدري الحديث، كما يليق به، لا متناً ولا إسناداً.
ذكر في كتاب (البرهان) حديث معاذ في القياس، فقال: هو مدون في الصحاح، متفق على صحته.
قلت -والقائل الذهبي-: بل مداره على الحارث بن عمرو، وفيه جهالة، عن رجال من أهل حمص عن معاذ، فإسناده صالح 4. ا. هـ.
وقد أغضبت هذه العبارة أخانا الدكتور عبد العظيم الديب، محقق كتب الإمام، كما أغضبت من قبله العلامة تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى.
والعبارة فيها شدة ولا ريب، ولكن لا إلى الحد الذي أغضب الشيخ السبكي والدكتور الديب، فقد قيد الذهبي قوله بأنه " لا يدري الحديث كما يليق به " سواء كان هذا الضمير للحديث أم للإمام نفسه، أي لا يدريه على الوجه اللائق بهذا العلم أو بهذا الإمام 5. وهذا حق لا أحسب أن إمام الحرمين نفسَه ينكره.
وقوله عن حديث
معاذ ما قال لا يتفق مع ما قرره أهل الحديث إلا بتاويل وتكلف.
وقد رأيناه في كثير من الأحيان يستدل بأحاديث ضعيفة، بل شديدة الضعف، حتى في الأصول 1، وأحاديث لا يعرفها المحدثون أنفسهم، وقد يعزو الحديث إلى غير من أخرجه، أو إلى غير صحابيه... إلى آخره.
وفي رأي: أن الرجل غني عن هذا كله، فهو -بلا نزاع- ليس من المدرسة الحديثية النقلية، بل هو من المدرسة التي تجمع بين العقل والنقل، وكلامه نفسه رضي الله عنه يدل على هذا بوضوح وصراحة.
وقد رد هو والباقلاني من قبله والغزالي من بعده: حديث " لأزيدن على السبعين " في الاستغفار لابن أُبيّ، وهو متفق عليه، لاعتقادهم أنه ينافي الفهم الصحيح لآية (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) [التوبة: 80].
لنقرأ له هذه العبارة في (البرهان) يقول:
وهو يناقش تحمل الرواية وجهة تلقيها: " ولو عُرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأَبَوْه... وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول، وإذا نظر الناظر في تفاصيل هذه المسائل صادفها خارجة في الرد والقبول على ظهور الثقة وانخرامها، وهذا هو المعتمد الأصولي، قإذا صادفناه لزمناه، وتركنا وراءه المحدثين يتقطعون في وضع ألقاب، وترتيب أبواب " 2.
فهذه نظرته إلى (المحدثين) عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول، وهو لا يعبأ أن يتركهم وراءه يتقطعون قي وضع ألقاب، وترتيب أبواب!
على أن هذا -عدم دراية الحديث كما يليق به- ليس خاصاً بإمام الحرمين، بل هو عام في فحول المدرسة الأشعرية كلها.
فهكذا كان الأشعري والباقلاني من قبل، وكذلك كان الغزالي والرازي والآمدي وغيرهم من بعد.
وربما أغناه عن العناية بالحديث رجال نذروا أنفسهم لخدمته، وهيأهم الله لذلك، وخصوصاً من الشافعية، وكل ميسر لما خلق له.
وقد كان في عصر إمام الحرمين من هؤلاء أمثال الحافظ المتقن الكبير، أبي بكر البيهقي (ت 458 هـ) صاحب (السنن الكبرى) و (معرفهّ السنن والآثار) و (جامع شعب الإيمان) وغيرها من الموسوعات، والذي قال فيه إمام الحرمين نفسه: "ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة، إلا البيهقي؛ فإنه له على الشافعي منة، لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله" 1.
إمام الحرمين ومعاصروه:
عاصر إمام الحرمين علماء كبار كثيرون من مختلف المذاهب، فقد كان القرن الخامس الهجري، حافلاً بالنوابغ في مختلف أنواع العلوم والدراسات الإسلامية، في المشرق والمغرب (الأندلس).
ففي المغرب كان ابن حزم الظاهري (456 هـ) وابن عبد البر المالكي (463 هـ) وفي المشرق ظهر القاضي أبو الطيب الطبري في الفقه (448 هـ) وكما ظهر البيهقي في الحديث (458 هـ) والخطيب البغدادي (463 هـ) وكلهم شافعية.
ونبغ في الفقه والنظر: أبو إسحاق الشيرازي (456 هـ).
وأبرز من يقارن بإمام الحرمين في الفقه هو: أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) وهو شافعي كإمام الحرمين، وكلاهما له كتاب كبير في الفقه: ألف
الماوردي كتاب (الحاوي) في فقه الشافعية، كما ألف إمام الحرمين (النهاية)، وكلاهما له كتاب في السياسة الشرعية: الماوردي له كتاب (الأحكام السلطانية) الشهير، وإمام الحرمين له كتاب (غياث الأمم) أو الغياثي.
ولكن لكل من الرجلين شخصيته المتميزة فيما يكتب ويصنف، فإمام الحرمين أبعد وأعمق، والماوردي أقرب وأسهل.
إمام الحرمين يُعمل العقلَ أكثر من النقل، والماوردي يعمل النقل أكثر من العقل، وقد يعبر عن هذا فيقال: الأول عقله أكبر من علمه، والثاني علمه أكبر من عقله.
وكأن إمام الحرمين يصنف للمنتهين، والماوردي يصنف للمبتدئين والمتوسطين، الأول مولع بالأصيل والجديد، والثاني مهتم بتقرير التليد.
الأول همه ماذا يقول؟ والثاني همه -مع هذا- ماذا قال السابقون؟ الأول محسوب على أهل الإبداع، والثاني محسوب على أهل الاتباع.
ولكل منهما فضله وأثره، وسوقه، ومحبوه، وأجره إن شاء الله، وإن جار الإمام الجويني على عصريِّه الماوردي، وأساء إليه، كما سنرى، غفر الله له.
كلمة عتاب لإمام الحرمين 1:
هذا هو إمام الحرمين: إمام علا القمة بجدارة، وأوفى على الغاية في فكره وفقهه، وفي إنتاجه وعطائه، وفي مكارمه وفضله، وفي غيرته على دينه ودفاعه عنه، ومع هذا، فالكمال لله تعالى وحده، والعصمة لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وكم كنت أتمنى لهذا الإمام الكبير ألا يبالغ في مدح نظام الملك، كما هو ظاهر في أكثر من موضع في كتابه (الغياثي) وفي مقدمته خاصة، حين قال في قصيدة له يمدحه بها:
وما أنا إلا دوحة قد غرستها... وأَسْقَيتها، حتى تمادى بها المدى
فلما اقشَعَر العودُ منها وصَوَّحت... أتتك بأغصان لها تطلبُ الندى
وقد قال التاج السبكي: " إنه وجد بخطه رضي الله عنه في خطبته للغياثي -وهو عنده بخطه- أنه قد ضرب على البيتين الأخيرين، قال السبكي: وسررت بذلك، فإني سمعت شيخ الإسلام -يعني والده التقي السبكي- رحمه الله يحكي عن شيخنا
أبي حيان: أنه كان يتعاظمهما، ويقول: كيف يرضى الإمام أن يخاطب (النظام) بهذا الخطاب؟! ثم يذم الدنيا التي تُحْوج مثل الإمام إلى مثل ذلك! " 1.
وما يدرينا لعل نيته في ذلك خير ينشده للدين أو للمسلمين، وإنما لكل امرىء ما نوى 2، أو لعلها لحظة ضعف مما يعتري البشر، استدركها الإمام على نفسه، وإنما استعظمت منه لأنه عظيم حقاً.
كما كنت أود ألا يغلو في نقده للمذهب الحنفي، إلى حد العنف الجارح، الذي لا يليق من أهل العلم بعضهم لبعض، كما بدا ذلك في كتابه (مغيث الخلق في اختيار الأحق).
وقد أنكر بعضهم نسبة الكتاب إليه، ولعل أخي عبد العظيم منهم، وكم أتمنى أن يصح ذلك.
ولكن وجدت في أواخر (البرهان) 3 ما يؤيد بعض ما في الكتاب.
كما أن المؤرخين من بعده نسبوا الكتاب إليه.
وقد وعد الدكتور الديب أن ينشر بحثاً موثقاً بالقرائن والأدلة: أن هذا الكتاب -أو بعضه على الأقل- مدسوس على إمام الحرمين.
وإني لأرجو مخلصاً أن يوفق إلى ذلك.
وكذلك لم أكن أحب له أن يشتد في نقد إمام دار الهجرة مالك بن أنس، لأمور لم تثبت عنه، كالقول بقتل الثلث لإبقاء الثلثين، ونحو ذلك - وإن كان في بعض الأحيان قيدها بقوله: إذا صح ذلك عنه، وهذا هو الواجب، واللائق بمثله.
وأيضاً لم أكن أود من رجل كبير مثله أن يتحدث عن معاصره قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي (ت 450) بمثل تلك اللهجة الساخرة المهينة 4، التي قرأناها
في أكثر من موقع، ولا سيما في كتابه (الغياثي)، واستقبلناها بالغرابة والإنكار، وهو ما جعل سلفنا -رضي الله عنهم- يحذرون من أخذ أقوال المتعاصرين بعضهم في بعض! ويبدو أن هذا الإمام الفذ -مع عقله الكبير- كان حار العاطفة، حاد المزاج، فلا يبعد أن تغلبه -مثل كثير من العظماء- حدة الطبع، فتدفعه إلى المبالغة في المدح إذا مدح، وإلى الإسراف في النقد إذا نقد، وهذا يؤكد أن الإنسان هو الإنسان، وإن بلغ في العلم والفضل ما بلغ، وقد قال الشاعر قديماً: من ذا الذي ما ساء قط... ومن له الحسنى فقط؟! ومهما يكن الأمر، فحسنات الرجل أكثر، وفضائله أغزر، ومكارمه أكبر، والله أعلم بالسرائر، وفي الحديث الذي استدل به الشافعية: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" (1) وفي رواية: "لم ينجسه شيء" (2) فكيف إذا كان بحراً زاخراً؟ غفر الله لإمام الحرمين وجزاه خيراً عما قدم لدينه وأمته.
3 - المحقق وأما
المحقق،
فهو الأخ الصديق الصدوق: الأستاذ الدكتور عبد العظيم محمود الديب، الذي أعرفه منذ كان طالباً في القسم الابتدائي بمعهد طنطا الديني 3، وتربطني به منذ ذلك الزمن صلة وثيقة، لم تزدها الأيام إلا قوة، وإن كان يصغرني ببضع سنوات.12
ولا تمنعني أخوتي وصداقتي له أن أوفيه حقه من التقدير، فقد قال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [الأنعام: 152].
وكما أن العدل يوجب أن تقول فيمن تحب: ما هو عليه، فهو يوجب أن تقول فيه: ما هو له.
(وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) [هود: 85].
عرفت الدكتور الديب -منذ يفاعته- رجل صِدْق: صِدْقٍ مع نفسه، وصدق مع ربه، وصدق مع إخوانه، وصدق مع الناس أجمعين، مستمسكاً بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
وعرفته قوي الإيمان، عميق اليقين، نير البصيرة، نقيَّ السريرة، يقظَ الضمير، حي القلب، جياش العاطفة، طاهر المسلك، بعيداً عن الريبة.
وعرفت فيه الحماسة والغيرة لما يؤمن به، لا يضن بجهد ولا وقت ولا نفس ولا نفيس في سبيل ما يؤمن به، مدافعاً عنه، وإن خالفه الناس.
وقد يغلو في الدفاع عن بعض الفصائل الإسلامية، حتى يكاد يحسبه سامعه من المتشددين، وما هو منهم.
تجسدت فيه الأخلاق العريقة للقرية المصرية -قبل أن تُغزى بآفات الحضارة الحديثة- من الحياء والإباء، والشهامة والوفاء، والبر والصلة، كما يتجلى ذلك في إهداءاته لكتبه، وشكره لشيوخه وزملائه، وكل من عاونه بجهد.
أحسبه كذلك، والله حسيبه، ولا أزكيه على الله تعالى.
وقد تجلت هذه الفضائل التي عُرف بها الديب يافعاً وشاباً، في حياته العلمية المباركة، كهلاً وشيخاً، ومن شب على شاب عليه.
وإذا رأيتَ من الهلال نمؤَّه... أيقنت أن سيصير بدراً كاملا!
فالدكتور الديب رجل عالم بحاثه دؤوب، طويلُ النفس، دقيق الحس، نافذ البصيرة، متمكن من مادته، قادر على الموازنة والتحليل، له ملكة علمية أصيلة يقتدر بها على الفهم والفحص، والنقد.
صبور على متاعب العلم، وللعلم متاعب ومشقات
لا يدركها إلا من مارسها وعايشها، كما قال الشاعر:
لا يعرف الشوقَ إلا من يكابده... ولا الصبابةَ إلا من يعانيها!
وقديماً قالوا: إن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك، وقد أعطى الرجلُ العلمَ كلَّ نفسه، وكلَّ جهده، وكلَّ وقته، وأعطاه العلم ما يستحق.
وأنا أعرف أن الدكتور الديب رجلٌ له قلم رشيق بليغ، كما تجلى ذلك في بعض ما كتب من مقالات ورسائلَ وكتبٍ.
ومع هذا لم يشغل (التأليفُ) وقته، كما شغله (التحقيق) فقد اختار الطريقَ الوعر، والمهمةَ الأصعب، وهو لها بتوفيق الله: بما لديه من مؤهلات عقلية وعلمية ونفسية؛ فقد حفظ القرآن من صغره في الكتّاب، وتكون في معاهد الأزهر، الابتدائية والثانوية، ثم في كلية (دار العلوم) بالجامعة، وكان فيها فحولٌ في علوم العربية والشريعة.
وملك مفاتيح العلم، وعاش يقرأ ويدرس ويناقش، ويتعلم من كبار الشيوخ، وأساتذة التحقيق، وقد اكتملت له الخصال أو المزايا الست، التي أوصى بها شيخُه الإمام الجويني طُلأبَ العلم، فيما أنشدوا له من شعر، حيث قال:
أصخ، لن تنال العلم إلا بستة... سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء، وحرصٌ، وافتقار، وغربة... وتلقينُ أستاذ، وطولُ زمان
وقد عكف الأخ عبد العظيم منذ دخل ميدان التحقيق على تراث إمام الحرمين، فهو مولع بالرجل منذ عرفه في دراسته عنه بالماجستير والدكتوراه بدار العلوم.
بل هو في الحقيقة (عاشق) لإمام الحرمين، كما تحس بذلك إذا تحدث عنه أو كتب عنه.
والعاشق تهون عليه الصعاب، ويجد البعيد قريباً، والحَزْنَ سهلاً، في سبيل معشوقه.
ولقد بلغ من إعجاب الدكتور الديب بشيخه -بل من عشقه له- أنه لا يطيق أحداً ينكر عليه بعض هفواته، ولو كان من الشافعية أنفسهم، مثل ابن الصلاح، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهما.
وجلُّ ما ينكرانه إنما يتعلق بالحديث، والإمام لا يزعم أنه من رجاله، فلا غرو أن يقع منه ما لا يرضاه المحدثون من أقوال وتأويلات.
ويذكِّرني الدكتور الديب هنا بالعلامة تاج الدين السبكي، الذي تحامل بعنف على العلامة الكبير شمس الدين الذهبي لما ذكره عن إمام الحرمين في (سير أعلامه).
والرجال الكبار -وخصوصاً المستقلين بالفكر منهم- لا يعيبهم أن تقع منهم هفوات، فكما قال الشاعر: كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه.
وقديماً قالوا: لكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة.
أخرج الدكتور الديب قبل ذلك من كتب إمام الحرمين (البرهان) في أصول الفقه، وهو كما قال التاج السبكي (لغزُ الأمة).
وقد أمضى في تحقيقه سبع سنوات كاملة، صحب فيها الإمام وبرهانه، لم يدخر فيها وسعاً، ولم يضن بوقت ولا جهد، متنقلاً بين القاهرة ودمياط، حيث توجد النسخة الأصلية التي اعتمد عليها أساساً، يعالج فيها المخطوط ويمازجه، والمخطوط عبارة عن أكثر من أربعمائة ورقة، لا رباط بينها إلا أنها في مظروف واحد، عليه أن يعيد ترتيبها وترقيمها، بعد أن غَيَّر فيها مَنْ غير، وما أشقها من مهمة، وما أعسره من واجب!
وقد وفقه الله عز وجل لتحقيقه، وتولت نشره (إدارة إحياء التراث الإسلامي) في دولة قطر بعناية مديرها أخينا وصديقنا الكبير الشيخ عبد الله إبراهيم الأنصاري رحمه الله، وجزاه خيراً، وكتب لها المحقق مقدمة، وتوطئة تتضمن: تعريفاً موجزاً بإمام الحرمين، وتعريفاً بالبرهان، وإضاءة بين يدي التحقيق.
واستُقْبل الكتاب من العلماء والمهتمين بأصول الفقه خاصة في العالم العربي والإسلامي استقبالاً حسناً، وقدروا للمحقق هذا الصنيع، الذي قرب إليهم هذا الكتاب، الذي طال انتظاره.
وأخرج بعد ذلك له أثرين مهمين:
1 - (الغياثي) أو (غياث الأمم) في السياسة الشرعية، وهو نسيج وحده، وقد
قدمه بدراسة رائعة كشفت عن مكنونه، وعرفت بحقيقة مقصوده، وبينت ما سُبق به الإمام، وما أُخذ عنه، وإن لم ينسب إليه.
2 - و (الدرة المضية في الخلاف بين الشافعية والحنفية).
وقدم لها بدراسة مهمة ونافعة كذلك.
أما تحقيق (النهاية) أو نهاية المطلب، فقد كان حلماً وأمنية له، منذ عرف إمام الحرمين، ثم غدا أملاً ورجاء، ثم تحول إلى حقيقة منذ بدأ يبحث عن نسخه منذ سنة 1975 م.
ومنذ وصل إلى قطر سنة 1976 م، وهو مشغول بالكتاب.
ومنذ أكثر من عشرين عاماً، وهو عاكف على (النهاية) أو (نهاية المطلب) أعظم آثار الإمام الفقهية، وأبرز ما يعرف بقدره في الفقه، ومنزلته في التأصيل والاستنباط.
عايشه هذه السنين ورافقه: يقرؤه على مهل، ويجتهد أن يفهمه على الصواب ما أمكن، وأن يفسر غامضه، ويفك طلاسمه.
وأنا أدرى الناس بما عاناه الدكتور الديب فى تحقيقه لهذا المخطوط، من حيث جمع أصوله المبعثرة في شتى مكتبات العالم، فقد ظل يقرأ فهارس المخطوطات، ويتتبعها، ويزور المكتبات هنا وهناك بنفسه، ويسأل العارفين، ويستعين بالأصدقاء، وأنا منهم، ليبحثوا له عن نسخ من الكتاب، حتى جمع أقصى ما يمكن الحصول عليه من أجزاء الكتاب من مظانه في العالم، عن طريق التصوير طبعاً.
جَهِد د. الديب جهده، حتى جمع من الكتاب أكثر من عشرين نسخة صورها من مكتبات العالم: في القاهرة والإسكندرية وسوهاج من مصر، ودمشق وحلب من سورية، والسلطان أحمد وآياصوفيا من تركية.
ولكن لم توجد منه نسخة كاملة.
وبلغ عدد مجلداتها (44). وعدد أوراقها (10336) ونسخت بخط اليد في (14590) صفحة.
هذا، بالإضافة إلى المختصرات والنصوص المساعدة، وهي تسعُ نسخ، بلغ عدد مجلداتها (15) وعدد أوراقها (3755) تقريباً.
ليس هيناً ما قام به الدكتور الديب من تحضير وتهيئة للعمل الكبير الذي نهض له، وهو له أهل، ليُخرج (النهاية) إلى النور، ويحيلها من مقبور إلى منشور.
وقد قال بعض العلماء: من نشر مخطوطة، فكأنما أحيا موءودة!.
فكيف إذا كانت هي (النهاية)؟!
ثم بدأ يقرأ النص قراءة العارف الخبير، ولكنه يقرأ نصاً غير عادي، لرجل غيرِ عادي.
فبعض المصنفات تكون ترديداً لكلام السابقين، أو تكراراً وتأكيداً له، فيستطيع قارئها أن يبحث عنها فيما نقلت عنه.
أما إمام الحرمين، فهو -كما ذكرنا- مستقلٌّ في تفكيره، مستقلُّ في تعبيره، فيحتاج من محققه إلى فهم دقيق، وتأمل عميق، وصبر جميل، ومراجعة طويلة، حتى يفهم ما يريد المصنف.
على أن إمام الحرمين كثيراً ما يُغرِب في تعبيره، فيظل المحقق يبحث طويلاً في المعنى المراد، حتى يجده باليقين أو بالظن.
وقد يظل أسابيع أو شهوراً، يفتش عن المعنى، ويبحث عن المظان، ويشاور من يثق به، إلى أن يشرح الله صدره لما يختار.
أضف إلى ذلك ما تعانيه المخطوطات أبداً من كلمات مطموسة، أو مخرومة، كلها أو بعضها، أو لعلها سقطت من المصنف نفسه أثناء الكتابة، كما يحدث لكل مؤلف، زيادة عما يصنعه النساخون بالكتب من تصحيف وتحريف، ومسخ وتغيير، وخصوصاً الجهلة منهم!
زد على ذلك ما يستشهد به المصنف رحمه الله من أحاديث، بعضها لا يكون معروفاً عند الفقهاء، وفي كتب الفقه المألوفة، بحيث نجده، في تلخيص الحبير، أو سنن البيهقي، أو غيرهما من الكتب التي هي مظان هذا اللون من الأحاديث.
ينتمي الأخ الدكتور الديب إلى مدرسة في التحقيق، متميزة، شيوخها الكبار: آل شاكر، أحمد ومحمود، وعبد السلام هارون، والسيد أحمد صقر، رحمهم الله، وأمثالهم.
ومن أبنائها: الدكتور عبد الفتاح الحلو والدكتور محمود الطناحي رحمهما الله، والدكتور الديب، حفظه الله، وأمثالهم، وهي مدرسة تعنى بخدمة النص ذاته، وتقديمه للقارىء بيِّناً واضحاً مفهوماً، كما أراده مصنفه، بقدر الاستطاعة، ولا تُثقل كاهلَ المتن المحقق بكثرة التعليقات التي لا لزوم لها، وتوسيعها بغير حاجة، كما يفعل الكثيرون؛ حتى رأيت بعضهم يترجم في تعليقاته لأبي بكر وعمر والخلفاء الأربعة، ولأبي حنيفة ومالك والأئمة الأربعة، وللبخاري ومسلم والأئمة الستة.
وتتسع التعليقات حتى يصبحَ الكتاب أضعافَ حجمه، وفي ذلك إرهاق للقارىء مادياً ونفسياً وعقلياً، لا طائل تحته.
وقد أصبحت أقرأ هذه الترجمات للأعلام في كل كتاب محقق، ولو كان رسالة صغيرة، فهي أعلام تتكرر دائماً.
كما يهتم بعضهم بذكر كل الفروق بين النسخ بعضها وبعض، وإن لم يكن لها ضرورة ولا فائدة للقارىء بحال.
كما هو شأن بعض المستشرقين ومن يتبعهم، وربما كان المستشرقون معذورين، لأنهم كانوا يخافون أن يكون أي فرق بين النسختين أو النسخ مؤثراً في المعنى، وهو لا يشعر، لعجمته، فما عذر العربي المتمرس بالعربية؟!
ومن أصدق وأبلغ ما قرأتُ هنا ما قاله أخي عبد العظيم:
"والتعليق على المخطوطات: فن قائم بذاته، يحتاج إلى دُربة، ومهارة، وحذق، وإحساس صادق بما يحتاج التعليق، وبما لا يحتاج، وبما يحتاج إلى الشرح، وبما لا يحتاج، وكيف يكون الشرح، وكيف يكون التعليق، كما يحتاج إلى مهارة بارعة، وقدرة فائقة على الإيجاز، فالإطناب يحسنه كل أحد، أما الإيجاز، فهو المحك والفيصل، فمن الصفحات الكثيرة التي يقرؤها المحقق عن عَلَم من الأعلام، أو عن رجل من رجال السند، أو عن حديث من الأحاديث، أو حادثة من الحوادث - يحتاج إلن بضعة أسطر، بل بضعة جمل من هذه الصفحات، وهنا تكون المهارة، ويكون الحس الصادق، ومن قبل ومن بعد يكون توفيق الله سبحانه، فيما يختار وفيما يدع" 1.
ولقد زرت الدكتور الديب في (مخبئه العلمي) أو في (ورشة العمل) التي يزاول فيها مهنته، ويمارس تحقيقه، وهي حجرة كبيرة فيها عدة مكاتب، ومجهزة بما سماه الدكتور (حافظ عصرنا) الكومبيوتر، وبالجهاز القارىء للمخطوطات، وبالمراجع المختلفة: من فقهية وحديثية ولغوية، وغيرها.
ورأيته يستعين بكتب الشافعية، وخصوصاً البسيط للغزالي تلميذ إمام الحرمين، وهو مخطوط مصور عنده، وهو أوسع كتب الغزالي الفقهية، ويعتبره الكثيرون مختصراً أو كالمختصر للنهاية، ويستعين بالمجموع والروضة للنووي، وبمختصر النهاية لابن عبد السلام، ولابن أبي عصرون وغيرهما، حتى يطمئن إلى حسن فهمه للنص.
قدم الدكتور الديب من قبل دراسة عن إمام الحرمين: حياته وآثاره، حصل بها على درجة (الماجستير) من كلية دار العلوم، وأخرى عن (فقه إمام الحرمين) حصل بها على درجة (الدكتوراه) مع مرتبة الشرف، والتوصية بطباعة الرسالة وتبادلها مع الجامعات.
وهذا كله ساعده على فهم إمام الحرمين، وكتابه المتميز (نهاية المطلب).
كما قدم أكثر من دراسة، عن كل كتاب حققه من كتبه: من (البرهان) و (الغياثي) و (الدرة المضية) إذ كتب لها مقدمات علمية مستفيضة، تلقي أضواء كاشفة عليها لمن يقرؤها.
فكتب للبرهان مقدمة من 68 صفحة.
وكتب للغياثي مقدمة من 155 صفحة.
وكتب للدرة المضية مقدمة من 132 صفحة.
هذا عدا الفهارس المفصلة في نهاية كل كتاب.
وبين الأخ الديب وإمام الحرمين نسب جامع، وصفات مشتركة، جعلته ينجذب إليه، كما قال الشاعر: شبيه الشيء منجذب إليه.
وصح في الحديث " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف ".
وما أجمل أن يرتبط المرء بمثل هؤلاء الأئمة أصحاب العقول الكبيرة، والقلوب المشرقة، ليعايشهم ويتأسى بهم.
ونرجو أن يكون لأخينا الدكتور الديب نصيب أوفى من كل خير في شيخه وأستاذه وحبيبه إمام الحرمين.
لقد قدم الدكتور عبد العظيم الديب للمكتبة الإسلامية خدمةً جليلة، بتحقيق هذا الكتاب الفذ، ولا يسعنا، بل لا يسع أي مسلم يهتم بدينه وثقافته وحضارته إلا أن يشكر للدكتور الديب ما قام به من جهد وعناء طوال تلك السنين.
ومهما نشكره ونقدِّر فضله، فلا نملك أن نوفيه حقه، إنما الذي يوفيه جزاءه، ويشكر سعيه حقاً، هو الله تبارك وتعالى، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
جزى الله أخانا الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب عن عمله ودأبه، ومعاناته في سبيل العلم، خير ما يجزي العلماء العاملين، والدعاة الصادقين، من ورثة النبيين، ونفع الأمة بما يقدمه من إحياء لتراثها، وخدمة لدينها، وجعل ذلك في ميزانه يوم القيامة حسنات ودرجات عنده -تبارك وتعالى-
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180 - 182].
مقدّمات نهاية المطلب
سنلتزم في هذه المقدمات أمرين:
أولاً - الإيجاز.
ثانياً - البقاء في دائرة الكتاب الذي نقدّمه، بمعنى أن نقتصر على ما يبين موقع صاحبه ومكانته في سلسلة أئمة المذهب وتطوّره، وعلى ما يوضح مكانة الكتاب وأثره، ثم ما يعرّف به، ويبين خصائصه، ويضيء طريق مُطالعه والناظر فيه.
ولذا ستقع المقدمة في الفصول الآتية:
الفصل الأول - من تاريخ الحياة الفقهية حتى عصر الإمام الشافعي.
الفصل الثاني - المذهب الشافعي: من التأسيس إلى الاستقرار، مع شيء من مصطلحاته.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول - الإمام الشافعي.
المبحث الثاني - حملة الفقه عن الإمام الشافعي.
المبحث الثالث - مرحلة تحرير المذهب.
المبحث الرابع - من مصطلحات المذهب.
الفصل الثالث - تعريف بإمام الحرمين ومنزلته بين أئمة المذهب.
الفصل الرابع - تعريف بنهاية المطلب، وبيان منزلته بين كتب المذهب.
الفصل الخامس - وفيه مبحثان:
المبحث الأول - من ملامح منهج إمام الحرمين.
المبحث الثاني - أسلوب إمام الحرمين.
الفصل السادس - إمام الحرمين وعلم الحديث.
الفصل السابع - من سمات وضوابط منهجنا في التحقيق.
الفصل الثامن - تعريف بالنسخ المخطوطة ووصف لها، ونماذج منها
الفصل الأول من تاريخ الحياة الفقهيَّة حتى عصر الإمام الشافعي
الفقه في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
- أشرقت الأرض بنور ربها، وصدع محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، وأخذ يسعى في أرجاء مكة، ونور السماء بين يديه، يبدد جيوش الظلام التي تحاصر العرب وتسد عليهم منافذ الهدى.
- وكان أول منفذ يخرج منه هؤلاء المحاصَرون هو تحريرهم من العبودية للطواغيت، والارتفاع بهم إلى المنزلة العظمى: إلى عبادة الله وحده، وكان الصراع طويلاً مريراً؛ حيث أَلِفَ الملأ من قريش الظلامَ؛ ولم تقوَ عيونُهم على استقبال نور الله؛ فقضى الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث عَشرَةَ سنة، وهو يحاول أن يطهر القلوب والعقول من الزيغ والضلال ويغرس فيها الإيمان بالله وحده، ومن هنا كان القرآن المكي -وهو يقرب من ثلثي القرآن الكريم 1 - متجهاً إلى إثبات وجود الله، وأنه وحده المستحق للعبادة، وأن هناك يوماً للحساب، حيث الجنة للطائعين، وجهنم للعاصين.
وفي سبيل ذلك يضرب لهم المثل بالأمم السابقة وما أصابها حين عَتَوْا واستكبروا. - ولما طال عنادهم وعتوُّهم أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، وأحسن أهلُها الأنصارُ استقبال الهدى وأهلَه، وصار للإسلام دولة منذ أن استقر في المدينة، وعلى طول عشر سنوات مشرقة بنور الرسالة، نزل فيها باقي القرآن الكريم، وهو المدني من القرآن، وهو يزيد على الثلث قليلاً.
- كان المسلمون في دولتهم الجديدة يتقلبون في معايشهم: طعاماً وشراباً، وزواجاً وطلاقاً، وسفراً وإقامة، وحرباً وسلماً، وفق تشريع السماء، حيث كان
التشريع هو الغالب على القرآن المدني، وكان التشريع في القرآن الكريم ينزل إما بدءاً، وإما حلاً لإشكال، أو إجابة لسؤال.
- وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ القرآن عن ربه، ويفصِّل مجملَه، ويُبين مشكلَه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسألونه عما نزل في القرآن؛ فيبين لهم، ويستفتونه؛ فيفتيهم.
- وكان عليه الصلاة والسلام ملجأ أصحابه: يُهرعون إليه كلما عرض لأحدهم أمر في أي شأن من شؤون الدين أو الدنيا، وكان عمادَ الحياة ومركزَها، تعرض الحادثة، أو يسأله أصحابه، فيجيب بما في القرآن إن وجده، أو بما يوحى إليه في الموقف والحادثة، أو يجتهد رأيه، أو يتوقف حتى تجيبه السماء.
- وقد اختلف العلماء حول اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنهم من قال: إنه مبلغ عن ربه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: 3]، وليس له حق الاجتهاد، ومنهم من قال: له حق الاجتهاد في الأمور الدنيوية دون غيرها، وقيل: كان له أن يجتهد إذا خشي فوت الحادثة 1، والجمهور على أن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم جائز وواقع فعلاً " وموضوعه متنوع، ديني، أو دنيوي مغيب أو شاهد " 2. وأدلة الجمهور على ذلك كثيرة، مثل: حديث نسل الممسوخ 3، وحديث عذاب القبر، ورأيه في أسرى بدر 4.
- ومما هو واضح أن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتعلق بالنصوص وفهمها؛ "لأن المرادات من النصوص واضحة عنده صلى الله عليه وسلم فليس اجتهاده في معرفة المراد من المشترك ونحوه، ولا تعارض عنده، فليس الاجتهاد
لدفعه، وإنما اجتهاده بإلحاق مسكوت بمنطوق" 1.
- ويجب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في اجتهاده، والتعبد به فيما يختص بالأمور الدينية، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقره على الخطأ، وأما في الأمور الدنيوية، فلا يجب العمل باجتهاده صلى الله عليه وسلم.
- وكما وقع الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم وقع من صحابته رضي الله عنهم في عصر 2 البعثة في حضرته وفي غيبته، وبإذنه وبغير إذنه، وكان صلى الله عليه وسلم يَبْلُغه، فيقر المصيبَ على صوابه، ويصحح للمخطىء خطأه.
- وقد أفتى في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم جمعٌ من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وعلي كرم الله وجهه، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري.
رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً.
وقيل 3: كل من ولي عملاً للنبي صلى الله عليه وسلم بعيداً منه صار مفتياً، مثل معاذ بن جبل والي اليمن، ومثل أبي عُبيدة بن الجراح الذي كان أمير سرية الخَبَط، وأفتاهم بأكل الحوت، ومثل أبي سعيد الخدري.
وممن توفي في الحياة النبوية ونقلت عنهم فتاوى صادرة في العهد النبوي: عثمان بن مظعون، وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما.
ومما يجدر ذكره أن إطلاق لقب فقهاء على ذوي الرأي والحجا عرف مبكراً في ذلك العصر، عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه: "أن ناساً من الأنصار قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حين
أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالاً من قريشٍ المائةَ من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم... فقال صلى الله عليه وسلم: "ما حديث بلغني عنكم"، فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئاً... " 1. هكذا، يقول أنس رضي الله عنه: (فقهاء الأنصار).
- وعلى هذا مضى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، لا مصدر للأحكام في حقيقة الأمر إلا الوحي ينزل بدءاً بتشريع، أو حلاً لإشكال، أو إجابة لسؤال.
وما على الرسول إلا البلاغ، ومن البلاع البيان والتفصيل.
وإذا أقرت السماء اجتهاداً وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم أو صحبه، صار ذلك في منزلة الوحي من السماء؛ فمضى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن هناك اختلاف في حكم من الأحكام؛ إذ كان الوحي مستمراً، وللسماء القول الفصل عند اختلاف الآراء في شأن من الشؤون.
ومن الطبيعي ألا يكون في مثل هذه الظروف افتراض لحوادثَ وقعت ووضع أحكام لها، لأن وضع الأحكام كما أشرنا كان للوحي. - ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن التشريع الإسلامي بمعنى سن الأحكام الشرعية وإنشائها لم يكن إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنه هو فقط؛ إذ لم يجعل الله لأحد غيرِ نبيه سلطةَ التشريع 2، ومن رحمة الله سبحانه بأمته أن رسوله صلى الله عليه وسلم لم يفارق هذه الدنيا إلا وقد اكتمل بناء الشريعة، وحُفِظ مصدرها وعمادُها (القرآن) مكتوباً كله في العظام واللخاف، وفي حنايا الصدور، ومبيناً ومفصلاً بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الفقه في عصر الخلفاء وكبار الصحابة
- ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى -بنفسي هو وبأبي وأمي وبالناس أجمعين- وبدأ بانقطاع الوحي عصر جديد، حمل عبءَ الحياة فيه، وقيادةَ الدولة المسلمة الخلفاءُ الراشدون، وكبار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
والحياة لا تقف، والوقائع تتجدد، والأحداث تفرض نفسها تتطلب الحكم والفتيا، وتلح في الجواب.
وضاعف من ذلك أن عصر الخلفاء الراشدين كان عصراً خصباً مليئاً بالأحداث؛ كانت الدولة غضة في أول أمرها؛ حيث يكون النمو وثباً وقفزاً، فمنذ بويع أبو بكر رضي الله عنه ماجت البادية بالردة، وتحفزت فارس، وتأهبت الروم، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه في قمع الردة، وتأديب المترصدين المتحفزين، الذين أحاطوا بالدولة المسلمة يريدون أن يسدوا على الدعوة المنافذ، ويطفئوا نور الله، وتابع على ذلك عمر وعثمان رضي الله عنهما.
وفي عصر علي كرم الله وجهه كان ما كان!! وفي مثل هذه الحياة النابضة تتوالى المسائل، وتتجدد الأحداث، فكيف كان موقف الصحابة رضي الله عنهم؟؟ - وجد الصحابة بين أيديهم القرآن الكريم وعرفوا من بيانه وتفصيله ما رأَوْه وسمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عليهم أن يواجهوا ما يجدّ عليهم من مسائل.
وقد كان الموقف عصيباً، فمن يقتعد مقعد النبوة، ويتصدى للفتيا؟؟، ولكن إرادة الحياة غلابة، والأمر لا يتصل بحياة فرد، وإنما بكينونة أمة، وحياة رسالة، واستمرار دينٍ، أراده الله خالداً عاماً.
أقبل الصحابة على القرآن الكريم، وعلى ما بين أيديهم من سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم لعلمهم بمنزلتها من القرآن، وكما قلنا: كانت الأحداث تتجدد، والوقائع تتعدد، فما لم يجدوا في الكتاب والسنة، كان ملجؤها (الرأي) فقد رأَوْا آياتِ القرآن
تدعو للتفكر والنظر 1 وسن لهم ذلك صلى الله عليه وصلم باجتهاده أمامهم، وبإقراره من اجتهد منهم على اجتهاده.
- لجأ الصحابة إذاً إلى الرأي فيما لم يجدوه منصوصاً في الكتاب، ولم تَجْرِ به سنة، ولكنهم -رضي الله عنهم- كانوا يستشعرون خطورةَ منصب الإفتاء، فيتحرجون، ويتدافعون " قال عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى: أدركت عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان منهم محدِّث إلا وَدَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مُفتٍ إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا " 2، فكانوا لذلك يتشاورون في أحكام الوقائع ورعاً من كل منهم أن ينفرد بالحكم، وكان لذلك أثرهُ في ناحيتين: ظهور الإجماع، كمصدر من مصادر الفقه، فهو في الواقع لون من الاجتهاد: الاجتهاد الجماعي 3. عدم اتساع الخلاف بين الصحابة 4.
- وكان الرأي عند الصحابة بمعناه الواسع، " فكانوا يطلقون كلمة الرأي عك ما يراه القلب بعد فكرٍ وتأمل، وطلبٍ لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات " 5 ولم يكونوا يعرفون الأسماء والألقاب التي وضعها الأصوليون فيما بعد، قال إمام الحرمين رضي الله عنه: " ولو عُرضت الكتب التي صنفها القياسون في الفقه مع ما فيها من المسائل... والصور المفروضة، وبدائع الأجوبة... والعبارات المخترعة... كالجمع والفرق، والنقض والمنع؛ والقلب وفساد الوضع... ونحوها، لتعب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهمها؛ إذ لم يكن لهم عهد بها، ومن فاجأه شيء لم يعهده، احتاج إلى رد الفكر إليه ليأنس به " 6.
- وكان اجتهاد الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- واستعمالهم (الرأيَ) في المسائل التي لا نص فيها، أما ما كان من عمر رضي الله عنه من رأيٍ في سهم المؤلفة قلوبهم وحد السرقة عام المجاعة 1، فهو لَوْنٌ من توجيه النصوص وفهمها لا تعطيلها، أو الافتئات عليها.
حاشا لله.
خصائص الفقه في عصر الخلفاء وكبار الصحابة - ويمكن أن نوجز ملامح الحياة الفقهية في هذا العصر فيما يلي:
أن الفقه ظل محصوراً في دائرة الوقائع التي تحدث فعلاً، فلم يكن هناك مجال لافتراض وقائعَ واستنباط أحكامٍ لها، وهم كانوا يتورعون عن الفتوى فيما وقع.
أنهم كانوا يؤكدون أن ما رأَوْه من رأيٍ عرضةٌ للخطأ، ولذلك كان الرجل منهم يرفض أن يقال عن رأيه: هذا حكم الله 2. ويتصل بذلك أن احترام الرأي الآخر كان سمة ظاهرة واضحة؛ لأن كل صاحب رأي كان يفرض الخطأ في رأي نفسه ورعاً وخشيةً.
وقد كان الخلاف في الرأي ضيقاً محصوراً طوال هذا العصر.
ظهر في هذا العصر (الإجماع) كمصدر من مصادر الأحكام.
ظل الفقه بغير تدوين وكتابة، وإنما تصدر الفتوى أو الحكم، فيتناقله المسلمون شفاهاً، ويشيع بحسب الحاجة إليه.
خلَّف هذا العصر مجموعة من الأحكام والفتاوى ظلت محل عناية الأئمة والفقهاء 3، وبخاصة تلك الأحكام التي غيرت بعضَ ما جرى عليه العمل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مثار بحث وخلاف بين الأئمة.
فمن هذه الفتاوى والاجتهادات، إمضاء عمر رضي الله عنه الطلاق الثلاث بكلمة
واحدة، وعدم تقسيم أرض سواد العراق، وضرب الخراج عليها، وكذا ما كان من عمرَ في سهم المؤلفة قلوبهم، وفي حد السرقة عام المجاعة، وما كان من عثمانَ رضي الله عنه في ضوالِّ الإبل، حيث رأى التقاطها وتعريفها.
ومن المسائل الاجتهادية الأخرى التي جرت بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف فيها الرأي: ميراث الجد مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وفي بعض صور ميراث الجدة، وكذلك المسألة المشركة (الحجرية)، والخلاف في (العَوْل)، وفي حجب الأم من الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة، وفي تحريم المرأة تحريماً مؤبداً على من نكحها في العدة، وفي توريث الزوجة المطلقة فراراً من الميراث، وكذلك الخلاف في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وكذلك الخلاف في نفقة المبتوتة وسكناها، وغير ذلك كثير.
وقد كانت هذه الفتاوى والاجتهادات -بحق- ثروة فقهية، نظر فيها الأئمة المجتهدون، وأخذوا بما قاله الصحابي، ولم يُخالَفْ فيه، أي بما أجمعوا عليه، أما قول الصحابي وراء ذلك فقد كان الأخذُ به موضع خلافٍ بين الأئمة.
فقد رأى بعضُهم أقوال الصحابة حجة واجبة الاتباع، ورأى عصرَهم عصر تفسير وتكميل على حين لم ينظر آخرون إليها تلك النظرة 1.
كان من أسباب الخلاف بين الصحابة اختلافُ النظر والرأي وتقدير الأمور، وذلك أمر فطري، وكذلك بسبب اختلاف فهمهم للقرآن ومعرفتهم بالسنة.
لم يكن الصحابة على درجة واحدة في استعمال الرأي، بل كان منهم من يتحرج ويهاب الفتيا، وأولئك في الواقع الذين لم تضطرهم الظروف إلى القطع والحسم بإبداء الرأي، ومنهم من برع في الرأي، وقدر عليه، وأشهرهم عمر رضي الله عنه، حيث كانت أعباء الحكم تدعوه لأن يبت في القضايا والأمور ولا يتحاماها.
ولقد عُرف بالفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفساً ما بين رجل وامرأة، وكان منهم المكثرون والمتوسطون والمقلّون.
المكثرون من الفتيا:
والمكثرون الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.
ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم.
المتوسطون في الفتيا:
والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل.
فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير جداً.
ويضاف إليهم: طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن الحصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.
المقلون من الفتيا:
وهم البقية الباقية من جملة المفتين، وهم أكثر من مائة نَفْسٍ، لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان (1).
الفقه في عصر صغار الصحابة والتابعين
- وبعد عهد الصحابة الخلفاء استمرت الحياة في توثبها، والأحداث في تجددها، بل جدت على الحياة الإسلامية عناصرُ جديدة كان لها أبلغ الأثر في التشريع والفقه.
من ذلك: تمكن الإسلامُ من قلوب الشعوب غير العربية، وتطلَّعَ أبناؤها إلى المشاركة في1
الحياة الإسلامية، وكان لهؤلاء أعراف وعادات، وحضارات وعقائد وفلسفات، أثرت في تفكيرهم وتوجيههم.
بدأت الفرق السياسية: من خوارج وغيرها تظهر، ويناصر كلَّ فرقة جماعةٌ يتعصبون لآرائها.
انتشر الصحابة في الأمصار الإسلامية، فأصبح الإجماع عسراً.
شاعت رواية الحديث، حيث اشتدت حاجة المسلمين إليها طلباً لأحكام الحوادث المتجددة، وحيث السنة أوسع مصادر الفقه لتعرضه للتفصيل 1.
وفي غمرة الفرق وحاجة الناس للحديث اندس الوضاعون للحديث ينصرون فرقَهم بما يكذبون لها، ويحطمون أعداءهم بما يكذبون عليهم، أو يدسون للإسلام والمسلمين جملةً انتقاماً لدولهم الذاهبة ومللهم الغاربة.
- في هذا الموج الصاخب كان المعتصَمُ كتابَ الله، وما صح من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وكان علم ذلك إلى نفر بقي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جماعة من كبار التابعين كانوا تلاميذَ لأئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، تجرد هؤلاء للعلم، وجعلوه غايتهم، فاعتزلوا الفتن وأهلَها 2، فكانوا النجومَ التي يُهتدى بها في الظلمات، وقد توزعوا أو توزعتهم الأقدار على الأمصار الإسلامية.
فكان في المدينة: زيد بن ثابت ت 45 هـ، وعائشة أم المؤمنين ت 58 هـ، وجابر بن عبد الله ت 58 هـ، وأبو هريرة ت 59 هـ، وعبد الله بن عمر ت 73 هـ، رضي الله عنهم جميعاً، وعبد الملك بن مروان، أمير المؤمنين ت 86 هـ، وسعيد بن المسيب بن حَزْن المخزومي رأس علماء التابعين ت 93 هـ، وعروة بن الزبير بن العوام.
ت 94 هـ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.
ت 94 هـ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
ت 98 أو 99 هـ، وسليمان بن
يسار، مولى ميمونة أم المؤمنين.
ت 100 هـ وقيل: 107 هـ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
ت 106 هـ، وخارجة بن زيد بن ثابت.
ت 100 هـ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ت 106 هـ، وأبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ت 105 هـ، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، المعروف بزين العابدين.
ت 94 هـ، ونافع مولى عبد الله بن عمر.
ت 117 هـ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
ت 94 هـ وقيل: 104 هـ، ومحمد بن مسلم المعروف بابن شهاب الزهري.
ت 124 هـ، وأبو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر.
ت 114 هـ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه المدينة.
ت 131 هـ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، فروخ، التيمي، مولاهم، أبو عثمان المدني (ربيعة الرأي) ت 136 هـ وقيل: 133، وقيل: 142.
وفي مكة: عبد الله بن عباس رضي الله عنه ت 68 هـ، وعَبيدة بن عمرو السلماني المرادي ت 72 هـ، ومجاهد بن جبير، مولى بني مخزوم ت 103 هـ، وعكرمة مولى ابن عباس ت 105 هـ، وعطاء بن أبي رباح مولى قريش ت 114 هـ، وعبد الله بن أبي مُلَيْكَة ت 117 هـ، وأبو الزبير محمد بن مسلم، مولى حكيم بن حزام ت 127 هـ، وعمرو بن دينار أبو محمد الأثرم الجمحي، مولاهم ت 126 هـ.
وفي الكوفة: عبد الله بن مسعود ت 32 هـ، وأبو موسى الأشعري ت 44 هـ رضي الله عنهما، وعلقمة بن قيس النخعي ت 62 هـ، ومسروق بن الأجدع الهمداني ت 63 هـ، وشريح بن الحارث الكندي القاضي ت 78 هـ، وإبراهيم بن يزيد النَّخعي ت 95 هـ، والأسود بن يزيد النَّخَعي ت 95 هـ، وسعيد بن جبير، مولى والبة ت 95 هـ، وقيس بن أبي حازم، الأحْمَسي الكوفي ت 98 هـ، وشقيق بن سلمة أبو وائل الأسدي، الكوفي ت نحو 100 هـ، وأبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، الفقيه، التابعي الشهير، قاضي الكوفة بعد شريح ت 103 هـ، وعامر بن شراحيل الشعبي، علامة التابعين ت 104 هـ، وأبو عبد الله، الحكم بن عُتَيْبة، الكِندي، مولاهم، الكوفي ت 115 هـ، ومحارب بن دثار، السدوسي، أبو مطرّف، الكوفي، مولاهم ت 116هـ، وحماد بن سليمان ت 120 هـ.