كتَابُ الرَّضَاعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وإذا فرضنا إرضاع الثلاث من عمات متفرقات، انتظم مثل ما ذكرناه فيه، إذا جاءت أم أب الزوج وأرضعت الرابعة لا بلبان الأب، وكذلك إذا جاءت زوجة أب الأب وأرضعت الرابعة، ثم حيث ينتظم السبب المانع، فالرابعة تحرم من كل وجه للعمومة والجمع، وهل يحرم اثنتان من الصغائر الثلاث على ما يقتضيه الترتيب؟ فعلى القولين، وعلى هذا فقِسْ إن شاء الله.
فصل
قال: " ولو تزوج رجل كبيرتين وصغيرتين ... إلى آخره " 1.
10043 - إذا نكح الرجل كبيرتين وصغيرتين، فأرضعت إحدى الكبيرتين الصغيرتين على الترتيب، بأن أرضعت الأولى خمساً، ثم أرضعت الثانية خمساً، ثم جاءت الكبيرة الأخرى وأرضعت الصغيرتين على ترتيب إرضاع الكبيرة الأولى، فإن كان الإرضاع بلبان الزوج، فقد حرمت الكبيرتان والصغيرتان على الأبد، غير أن الكبيرة الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى، فسد نكاحها ونكاحُ تلك الصغيرة؛ فإنها صارت بنت الزوج وصارت الكبيرة من أمهات النساء، فلما أرضعت الصغيرة الثانية، فسد نكاحها أيضاًً، لأنها تصير بنت الزوج، فقد حصل فساد نكاح الصغيرتين بإرضاع الكبيرة الأولى.
وحكم الغُرم أن الكبيرة الأولى مدخول بها، وإذا 2 كانت ذاتَ لبنٍ من الزوجِ، واللبن دَرّ في النكاح، فلا يسقط مهرها بعد المسيس، كالردة بعد المسيس، وتغْرمَ نصفَ مهر مثل كل صغيرة على الرأي الظاهر.
والكبيرة الثانية لا تغرم شيئاًً، ولا يسقط من مهرها شيء؛ لأنها لم تتسبب إلى إفساد نكاح واحدة من الصغيرتين، وإنما أفسدت نكاح نفسها بعد المسيس.
وإن لم يكن إرضاع الكبيرتين بلبان الزوج، فلا يخلو إما أن كان دخل بهما أو لم
يكن دخل بهما، فإن كان دخل بهما، حَرُمْن كيف فرض الأمر، فإن الصغيرتين تصيران من ربائب [امرأة] 1 مدخولٍ بها، فتثبت الحرمة على الأبد بسبب الصهر، وتصير الكبيرتان من أمهات النساء في كل وجه.
وإن لم يكن الإرضاع بلبان الزوج، وما كان دخل بالكبيرتين وجرى الإرضاع في الصغيرتين من كل كبيرة: أما الكبيرتان، فتحرمان على الأبد، لأنهما من أمهات الزوجات.
وأما الصغيرتان، فلا تثبت فيهما حرمةٌ على التأبيد، وإنما يلحقهما الخللُ من جهة الجمع.
فنقول: إذا أرضعت الأولى إحدى الصغيرتين [أَكْملَ] 2 الإرضاع، ثم أرضعت الثانية، فيرتفع نكاح الأولى للاجتماع مع الأم المرضعة، وأما الثانية، فلا يرتفع نكاحها؛ لأنها لا تجامع أُمَّاً في النكاح، وقد تقدم فساد نكاح الكبيرة [الأولى.
وأما الكبيرة] 3 الثانية، فإن أرضعت [الصغيرة] 4 الأولى على الترتيب الأول، حرمت الكبيرة في نفسها على الأبد، لأنها من أمهات النساء، ولا نظر إلى التاريخ، للأصل الذي مهدناه من قبل، فإذا أرضعت الثانية، لم ينفسخ أيضاًً نكاح الثانية؛ لأنه لم يتحقق فيها محرمية ولا جمع.
ولو ابتدأت الكبيرة الثانية بالصغيرة الثانية على العكس من ترتيب الكبيرة الأولى، فيبطل نكاح الصغيرة الثانية للاجتماع مع الأم.
ثم حكم الغرم لا يخفى، فيسقط مهر كل كبيرة بجريان الإرضاع قبل المسيس، ثم النظر في فساد نكاح الصغيرتين، فكل كبيرة تسبّبت إلى إفساد نكاح صغيرة التزمت نصف مهر مثلها -على الرأي الظاهر- لزوجها، والزوج يلتزم نصف المسمى للصغيرة التي فسد نكاحها، فإنا لا نحيل على ارتضاع الصغيرة أمراً، كما تقدم.
فصل
قال: " ولو كانت للكبيرة ثلاث بنات مراضع من نسب أو رضاع ... إلى آخره " 1.
10044 - إذا نكح الرجل كبيرة وثلاثَ صغائرَ، وكان للكبيرة ثلاث بنات مراضع فجئن، وأرضعن الصغائر، نُظر: فإن كانت الكبيرة مدخولاً بها، فيفسد نكاح الأربع في كل وجه؛ لأن الكبيرة تصير جدة الصغائر، فهي من أمهات النساء، وتصير الصغائر ربائبَ مدخولٍ بها؛ فإن الحافدة ربيبةٌ كالبنت، وإذا حرمن على الأبد -كيف فرض الرضاع على ترتيب أو جمع- فالتفصيل في الغرم.
فإن أرضعن ترتيباً، فالتي أرضعت الأولى تلتزم نصف مهر مثل الصغيرة الأولى لزوجها، وتلتزم تمام مهر مثل أمها؛ فإنها أفسدت نكاحها بعد المسيس، هذا هو المذهب الظاهر وعليه التفريع.
ولسنا نفرع على ما حكاه صاحب التقريب عن المزني في غير المختصر، وقيل: نقل المزني ذلك القولَ في المنثور، فلا ينبغي أن يكون إليه عَوْدٌ في كل مسألة.
فلما أرضعت البنتَ الثانيةَ، ثم البنتَ الثالثة، فسد نكاح الصغيرتين الأخريين للمحرمية، واختصت كل مرضعة بغرامة نصف مهر المثل للتي أرضعتها؛ وتختص مرضعة الأولى بغرامة مهر مثل الكبيرة؛ لأنها المفسدة لنكاحها.
10045 - ولو لم تكن الكبيرة مدخولاً بها، فجاءت بناتها المراضع وأرضعن الصغائر، فهذا يُفرض على الجمع والترتيب:
فإن جمعن الرضاع المحرِّم في الصغائر وأوقعنه معاً -وذلك يفرض في الرضعة الخامسة؛ فإنها لا حكم [للرضعات] 2 قبلها- فإذا حصل الرضاع على الجمع، فيفسد نكاح الصغائر بسبب الجمع بينهن وبين الكبيرة التي صارت جدة، والجدةُ أمٌّ في
هذه الأبواب، [ثم] 1 تنفرد كل بنت بغرامة نصف مهر التي أرضعتها، ويشتركن في غرامة مهر الكبيرة؛ فإن أفعالهن لم تترتب، وقد صدر من كل واحدة ما لو انفردت، لكان ذلك محرِّماً للكبيرة، فالغرم الواجب بسبب الكبيرة مفضوضٌ عليهن.
هذا إذا حلبن ألبانهن وحصَّلن الرضعة الخامسة معاً، وكذلك لو ألقمنهن الثديَ، وتحقق وصول اللبن إلى الأجواف معاً.
ولو لم تكن الكبيرة مدخولاً بها وجرى الإرضاع من البنات على ترتيب، فإذا أرضعت واحدةٌ واحدة إرضاعاً تاماً، بطل بذلك نكاح الكبيرة والصغيرة للجمع والمحرمية: أما المحرمية، فتحصل في الكبيرة، لأنها تصير [من] 2 أمهات النساء، وأما نكاح الصغيرة فيبطل بالجمع، ولا تثبت المحرمية.
فإذا جاءت البنت الثانية، وأرضعت صغيرة، ثم أرضعت الثالثةُ الثالثةَ، لم يبطل نكاحهما، إذ لا محرمية، والكبيرةُ غيرُ مدخول بها، ولا جمع أيضاً، ولا يثبت بين الصغيرتين سببٌ يُحرِّم الجمع؛ إذ تصير كل واحدة بنت خالة الأخرى، والجمع بين بنات الخالات لا يمتنع.
ولو لم تكن الكبيرة مدخولاً بها، فأرضعت بنتان صغيرتين جمعاً، كما صورنا الجمع، وأرضعت الثالثةُ الثالثةَ من بعدُ، أما نكاح الكبيرة، [فيرتفع للمحرمية] 3، لا شك فيه، ويرتفع نكاح الصغيرتين للجمع مع الأم.
وحكم الغرم أن كل مرضعة منهما تختص بغرامة نصف مهر مثل التي أرضعتها، ويشتركان في غرامة نصف مهر مثل الكبيرة؛ لأنهما اشتركتا في إفساد نكاحها.
ولما جاءت البنت الثالثة، وأرضعت الصغيرة الثالثة، فلا أثر لإرضاعها؛ فإنها لم تثبت في الصغيرة الثالثة محرمية؛ إذ لا دخول بالكبيرة، ولم يتحقق فيها جمع؛ فإن نكاح الكبيرة قد تقدم ارتفاعه.
وإن صورنا الأمر على الضد من ذلك، فأرضعت بنتٌ صغيرةً، وجمعت بنتان
الرضعة الخامسة للصغريين الأخريين، فيرتفع نكاح الكبيرة بالمحرمية، ونكاح الصغيرة الأولى بالجمع، ولا يؤثر إرضاع البنتين الأخريين؛ فإنه لا يُثبتُ محرميةً ولا جمعاً، وهذه الصورة في نهاية الوضوح، وإنما نوردها لاشتمال (السواد) عليها.
10046 - ثم ذكر ابن الحداد صوراً في الرضاع وما ينتظم منه من الحرمات ولست أرى ذكر واحدة منها لوضوحها، ولولا التزامنا ذكر مسائل السواد، لما أوردنا معظم الصور التي ذكرناها، اكتفاء بالأصول الممهدة، ولكن ذكر ابن الحداد فروعاً تتعلق بالمغارم مستفادة، منها أنه قال:
إذا كان للرجل ثلاث نسوة مرضعات وصغيرة، فأرضعت إحداهن الرضيعة رضعتين، وكذلك الأخرى أرضعتها رضعتين، وأرضعت الكبيرةُ الثالثةُ الرضعةَ الخامسةَ، فلا تصير واحدةٌ من الكبيرات المراضع أماً؛ فإن واحدة منهن لم تُكمل الرضعاتِ الخمسَ.
ولكنا نُصوِّر لبانَهن من الزوج ونقول: هل يصير الزوج أباً؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، سيأتي شرحه بعد هذا -إن شاء الله- أحد الوجهين- أنه يصير أباً لانتساب خمس رضعات إليه.
والثاني - أنه لا يصير أباً، لأن الأبوة تبعُ الأمومة وسيأتي هذا.
فليقع التفريع على ثبوت الأبوة، وتحرم الصغيرة على ذلك؛ لأنها صارت بنت الزوج على الوجه الذي عليه التفريع.
والكلام في الغرم بعد ذلك، فنقول: لم يتعلق بالرضعات الأربع الصادرة من الكبيرتين الأوليين إفساد النكاح، وإنما تم الرضاع بالخامسة الصادرة من الكبيرة الثالثة، فالذي رأيته منصوصاً للأصحاب القطعُ بأن الكبيرةَ الثالثةَ التي هي صاحبة الرضعة الخامسة تختص بالغرم؛ فإنها المفسدةُ.
ولا شك أن نكاح واحدة من الكبيرات لا ينفسخ؛ فإن الأمومة لم تثبت لواحدة.
وليس يبعد عندنا عن الاحتمال تشريكُ الكبيرتين الأوليين؛ فإن الرضعة الخامسة
إنما وقعت خامسةً لتقدم أربع قبلها، ولا حاصل لقول من يقول: الحرمة بالخامسة، قالت عائشة: " فنسخن بخمس يحرّمن ".
وهذا يضاهي مسألةً للأصحاب سيأتي ذكرها في مسائل أسباب الضمان من كتاب الديات، وهي أن من شحن سفينة شِحْنةً على اعتدال، فجاء آخر ووضع فيها عِدْلاً 1، رسبت السفينة بسببه [وغرقت، فكم يغرم] 2 هذا الواضع؟ فيه تفصيل، وقد ذهب ذاهبون من أصحابنا إلى التوزيع، وهذا الذي ذكرناه في الرضاع احتمال، يعتضد برجوع الشهود؛ فإنه لو شهد أربعة على الطلاق، وجرى الحكم، ثم رجعوا عن الشهادات واحداً واحداً، فالغرم على جميعهم، وإن كان انتقاص العدد المشروط يحصل برجوع الثالث، والمذهب ما نقلناه، وهذا احتمال أبديناه، وهو [دافعٌ] 3 لا بأس به.
10047 - ولو كانت المسألة بحالها: ثلاث كبيرات وصغيرة، فأرضعت واحدةٌ الصغيرةَ رضعة، وأرضعت الثانيةُ رضعة، ثم احتلبتا لبنيهما، واحتلبت الكبيرة الثالثة لبنها، وجمعن هذه الألبان في ظرف، وأرضعن الصغيرة، فقد حصل بما صورناه خمسُ رضعات؛ فإن الأوليين قدمتا رضعتين، ولما جمعن ألبانهن، فكأنَّ كل واحدة أرضعت رضعة، فيحصل ثلاثُ رضعات بهذا اللبن المجموع، والتفريع على تحريم الصغيرة، وثبوت الأبوّة.
وغرضنا الكلام في الغرم، ولا شك أنهن يشتركن في الغرم بسبب الاشتراك في الرضعة الأخيرة، وذكر الشيخ أبو علي وجهين في كيفية فضّ الغرم عليهن: أحدهما - أن الغرم بينهن أثلاثاً؛ فإنهن اشتركن آخراً عند حصول التحريم، فالوجه فضُّ الغرم عليهن أثلاثاًً.
والوجه الثاني - أنا نوجب على كل واحدة من الأُوليين [خُمسي] 1 الغرم، ونوجب على الثالثة خُمسَ الغرم، وحقيقة هذا الاختلاف يرجع إلى أنا هل نُدرج ما تقدم من الرضعتين من الكبيرتين في الحساب الذي عليه نَفُضُّ الغرمَ، فمن أصحابنا من لم يدرجهما، ولم يعتبرهما، ونظر إلى الاشتراك في الرضعة الخامسة.
ومن أصحابنا من أدرج الرضعتين السابقتين، وقال: إنما لا تعتبر الرضعات السابقة إذا انفردت الثالثة بالرضعة الخامسة على رأي الأصحاب، فأما إذا وجد من الأُوليين -وقد صدرت منهما الرضعتان- مشاركةٌ في الخامسة، فنُدخل ما سبق في الاعتبار، وهذا كما إذا انفردت بخمس رضعات محرمات، فالغرم محال على الرضعات الخمس.
وما ذكرناه تفريع على أن صاحبة الرضعة الخامسة إذا انفردت، انفردت بالغرم.
10048 - صورة أخرى لابن الحداد في المغارم: رجل تحته كبيرتان وصغيرة، وكانتا ذات لبن من غير الزوج، وما دخل الزوج بهما، فأرضعت كل واحدة منهما الصغيرة أربعَ رضعات، فلا يتعلق بما صدر منهما حرمة؛ لأن واحدة لم تكمل الرضاع، فتصير أمّاً، وليس اللبن من الزوج، حتى يختلف الأصحاب في ثبوت الأبوة بخمس رضعات ملفقات من رضاعهما، فلو احتلبتا ألبانهما، فأوجرتا الصغيرة [فلا] 2 تثبت الحرمة المؤبدة في حق الصغيرة؛ لأنا فرضنا المسألة فيه إذا لم يدخل الزوج بالكبيرتين، فليست ربيبةَ مدخولٍ بها، ولكن يبطل نكاح الصغيرة بسبب الجمع مع الأم.
ثم تشترك الكبيرتان في غرامة نصف مهر مثل الصغيرة للزوج.
وأما الكبيرتان ففيهما نظر يبين الغرض فيه بعد التنبُّه لما قدمناه من أن الكبيرة إذا أرضعت بنفسها، وفسد نكاحُها ونكاحُ الصغيرة، فهي لا تغرم بسبب فساد نكاحها في نفسها للزوج شيئاً، ولكن إن كانت غير ممسوسة، سقط مهرُها، فهذا أثر إفسادها
نكاح نفسها، وإن كانت ممسوسة، فالرأي الظاهر أنه لا يسقط من مهرها شيء لاستيفاء الزوج مقابل المهر.
فإذا تجدد العهد بهذا، فكل واحدة من الكبيرتين ساعية في إفساد نكاح نفسها، ويرتفع نكاح صاحبتها أيضاً، فهل تغرم إحداهما للزوج مهر صاحبتها الكبيرة، أم كيف السبيل فيه؟ قال الشيخ أبو علي: اجتماعهما على الرضعة الخامسة، واشتراكهما فيها يوجب إحالة انفساخ نكاح كل واحدة منهما عليهما جميعاًً، هذا موجَب الاشتراك.
فإذا كان كذلك فسَعْيُ كل واحدة في فسخ نكاح نفسها يوجب إسقاط المسمى، وسعي الأخرى في إفساد نكاحها يوجب الغرم للزوج، فالوجه أن نوفر على السببين موجَبَهما، ونقول: المسألة مفروضة فيه إذا لم تكونا ممسوستين، وقد تحقق الاشتراك، كما ذكرنا، فنسقط نصف المهر المسمى بسبب ارتفاع النكاح قبل المسيس، ويقع التصرف في النصف الباقي، فيرجع من النصف الباقي نصف وهو الربع، وتغرم كل واحدة لزوجها ربع مثل صاحبتها الكبيرة، فتستحق كل واحدة ربع المهر المسمى لها، وتغرم ربع مهر مثل صاحبتها.
قال الشيخ: هذا مما قلتُه تخريجاً، ولم يتعرض له أحد من الأصحاب، وهذا قد نقله شيخي عن القفال على هذا الوجه بعينه، وشبَّه تدافعَ النكاحين بين الكبيرتين باصطدام الفارسين، وذلك يقتضي التشطير، كما سيأتي مقرراً.
10049 - قلت: هذا الذي ذكره الشيخ حسنٌ، ولكن لا يقف عليه الطالب إلا بالاطلاع على التفصيل، فإن أحاط به الشيخ ولم يذكره، فقد أخلّ، وإن لم يحط به، فإطلاقه على هذا الوجه خطأ صريح.
والغرض من هذا الفصل يبين بتقديم أصلٍ بيّنٍ، وهو أن الكبيرة لو أرضعت الصغيرةَ، وهما تحت زوج أربع رضعات، ثم احتلبت اللبن في ظرف، فتقدم إلى الظرف إنسان وأوجره الصبية، فالغرم على الموجِر لا على صاحبة اللبن.
فإذا تبين هذا، عدنا إلى التفصيل المقصود في المسألة، في مسألة الكبيرتين والصغيرة، فإذا أرضعت كل واحدة منهما الصغيرة أربع رضعات، نظر بعد ذلك، فإن
احتلبت كلُّ واحدة لبن نفسها في ظرف، ثم أوجرتا الصبية بحيث أوصلتا اللبن إلى جوفها من غير خلط، وأقلت كل واحدة لبن نفسها، فيجب القطع في هذه الصورة بأن [كل] 1 واحدة من الكبيرتين لا تغرم شيئاً من مهر الكبيرة الثانية؛ فإن كل واحدة إنما فسد [نكاحها] 2 بثبوت الأمومة، وأمومة كل واحدة تثبت بإيجارها الرضعة الخامسة، ولو انفردت إحداهما بإرضاع الصغيرة خمساً بلبان غير الزوج، فلا تحرم الكبيرة الأخرى، ولا أثر إذاً لواحدة منهما في نكاح الأخرى في الصورة التي ذكرناها، فلا اشتراك، [وكلُّ] 3 واحدة منفردة باثبات أمومة نفسها، فيسقط مهر كل واحدة منهما، ولا تغرم إحداهما للزوج شيئاً من مهر الكبيرة الأخرى.
وكذلك لو ألقمتا ثديهما الصبية في الكرة الخامسة، وتحقق وصول اللبن إلى الجوف معاً، فالجواب كما ذكرنا، وإن كنا نتحقق أن اللبنين كانا يختلطان في فُغُرات 4 الصبي، ثم إن كانت تجرعه مختلطاً، فلا نظر إلى الاختلاط، والتعليل كما تقدم.
ولو احتلبتا لبنيهما في ظرف واحتملت إحداهما الظرفَ وأوجرت [الصبية] 5، فالجواب أن الموجرة يسقط مهرها، وتغرَم نصف مهر مثل الكبيرة الأخرى، لما مهدتُه قبلُ [من] 6 أن الغرم على الموجِر.
ولو اشتركتا في حمل الظرف وفيه اللبنان، وأوجرتا، فالاشتراك يأتي من قِبَل أن هذه حملت لبن تيك وتيك حملت لبن هذه، فيظهر الاشتراك؛ فإن لبن كل واحدة منهما يضاف حمله إليهما، وإحالة الغرم على الحمل وتعاطي الإيجار، فيتجه على هذا في هذه الصورة ما قاله الشيخ، ولا يتجه غيره.
هذا حقيقة المسألة ومنتهاها.
فصل
10050 - إذا نكح الرجل صغيرة وكانت له خمسٌ من أمهات الأولاد، وذوات ألبان منه، أو كانت له زوجاتٌ مطلَّقات ذواتُ ألبان منه، والغرض تصوير مرضعاتٍ خمسٍ بألبان منتسبة إلى الرجل، فإذا أرضعت كل واحدة منهن الصغيرةَ رضعة، فحصلت خمسُ رضعات من خمس مراضع، فلا شك أن واحدة منهن لا تصير أُمّاً؛ إذ لم يصدر من [كل] 1 واحدة إلا رضعةٌُ واحدة، ولكن هل تثبت الأبوّة للرجل الدي انتساب الألبان إليه؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - أن الأبوة لا تثبت؛ إذ هي تبعُ الأمومة ولم تثبت الأمومة، فلا تثبت الأبوّة.
والوجه الثاني - أن الأبوة تثبت لتعدد الرضعات، والألبان منتسبة إلى الرجل، فيجب ثبوت الأبوة، وإن لم تثبت الأمومة.
فلو كان لزوج الصغيرة خمس بنات مراضع، فأرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة واحدة، فلا تصير واحدة منهن أمّاً، وهل تثبت الجدودة للزوج؟ فعلى الوجهين المقدمين.
وكذلك لو كان للزوج خمس أخوات مراضع، فأرضعت كل واحدة منهن الصغيرة رضعة واحدة، فالمسألة على الخلاف.
وقد قال الأئمة: إذا اتحد الجنس في المراضع، فكن أمهات، أو زوجات= والزوجات مع أمهات الأولاد في حكم الجنس الواحد؛ فإن النظر إلى انتساب الولد- أو كن بنات الزوج، أو أخواته، فالخلاف في كل حال على نسق واحد، من غير ترتيب.
والذي أراه أن الألبان المنتسبة إلى الزوج أَوْلى 2 الصور بحصول الأبوة؛ لحقيقة الانتساب، حتى كأن الزوج هو المرضع، وهذا المعنى لا يتحقق والمراضع بنات الزوج أو أخواته؛ فإن الألبان لا تنسب إلى الزوج، ولم يوجد إلا صَدَرُ خمس
رضعات من بنات شخصٍ واحد، فكأنهن في وجه كبنت واحدة في حق هذا الزوج.
وهذا تكلف، والترتيب يحسن بدون هذا، فلنقل: إذا أرضعت الزوجات وأمهات الأولاد رضعة رضعة، ففيه الخلاف، ولئن أرضعت خمسُ بنات، فهذا يترتب على المسألة الأولى، وهذه الصورة أولى بأن لا تثبت الحرمة فيها، والفرق ما نبهنا عليه.
وإذا كانت المراضع أخوات، فانتسابهن ليس إلى الزوج، وإنما ينتسبن إلى أب الزوج فيجري مع أب الزوج الخلاف الذي جرى في بنات الزوج من غير ترتيب.
ثم إذا ثبتت الحرمة في حق أب الزوج تعدت إلى الزوج، فمسألة الأخوات كمسألة البنات، ولكن بَعْد فَهْم ما نبهنا عليه.
10051 - ولو أرضعت الصغيرةَ خمسُ مراضع من جهات مختلفة وكانت كل واحدة لو استتمت الرضاع خمساً، لحرمت الصغيرة، فإذا أرضعت الصغيرةَ رضعةً زوجةٌ، وبنتٌ، وأمٌّ للزوج، وأختٌ، وجدةٌ، فقد ذكر الأصحاب وجهين في أن الصغيرة هل تحرم على الزوج؟ والوجه عندنا ألا تحرم؛ فإنه ليس ينتظم من اجتماعهن جهةٌ مسماة في القرابة؛ فإنه لا تثبت لواحدة منهن حرمة في نفسها، ولا يتأتَّى نسبة الجهات المختلفات إلى أصلٍ، فتعين لذلك ترتيب الخلاف في هذه المسألة على آخر مسألة ذكرناها، ورأيناها مرتبة على ما قبلها.
والفارق ما أشرنا إليه من أن الجهات إذا اختلفت، لم يتسق عن مجموعها جهةٌ معلومة مُقتضية للحرمة، وإذا اتحدت الجهة، انتظمت العبارة، [واستدّت] 1 النسبة.
فإن قيل: هذا بيّن، فما وجه التحريم؟ قلنا: كل واحدة من اللواتي ذكرناهن، لو استتمت الرضعات الخمس، لثبتت الحرمة، وفسد نكاح الصغيرة، فإذا وجدت من كل واحدة منهن رضعة، قدرنا الرضعات الخمس على الوجه الذي نتكلف توجيهَه
[مقتضية] 1 حرمةَ قرابةٍ، لسنا نسميها، ولا ننسبها إلى جهة ولا نَعْزيها، وليس الغرض إثباتَ الأسماء، ولكن عدد الرضعات من نسوة لو استكملت كل واحدة الرضاع، لثبتت الحرمة، وهذا من هذا الوجه يمكن تقريره.
10052 - وذكر صاحب التلخيص في كتابه مسألة أجمع الأحاب على تغليطه فيها، وذلك أنه قال: لو نكح الرجل صغيرةً، فأرضعتها ثلاثُ بناتٍ للزوج مراضعَ رضعةً [رضعة] 2، ثم جاءت عمةٌ للزوج وخالةٌ، وأرضعتها كل واحدة منهما رضعة، قال: في تحريم الرضيعة وجهان، وهذا مما لا يخفى غلطه فيها؛ لأن العمة لو استكملت الرضاع، لم يتعلق به فساد نكاح الصغيرة، وكذلك الخالة.
وإنما يتجه التحريم على البعد إذا صدرت الرضعات من نسوة لو استكملت كلُّ واحدة منهن العددَ، لفسد النكاح، وإرضاعُ العمة والخالة لا أثر له، وهو بمثابة ما لو أرضعت الصغيرةَ ثلاثُ بنات للزوج، ثم جاءت أجنبيتان، وأرضعتها كل واحدة منهما رضعة، ولست أدري كيف يقع لمثل هذا الرجل المرموق مثلُ هذا الغلط، والذي يتفق وقوعه للأكبر الجوابُ على مذهب بعض العلماء على حسبان أنه جواب صاحب المذهب، ولا يبعد أن يميل النظر من قياس إلى قياس، فأما العمة والخالة، فلا أثر لإرضاعهما بإجماع الأمة، وليس هذا مما يُحمل الغلطُ فيه على زلَّة الفكر إذا اضطر إلى المضايق، فإن الحكم على خلاف ما ذكره مرتَجلٌ بأوائل الفهم، والله أعلم.
10053 - ومن بقية الكلام في هذه المسألة أنه إذا أرضعت الصغيرةَ خمسُ بنات للزوج، فإن وقعت الرضعات متفرقات في أزمنة يتخللها فصول، بحيث لو فرض أمثالها والمرضعة واحدة، لكانت رضعات، فالجواب في هذا ما قدمناه، وخلاف الأصحاب على ما وصفناه.
وإن توالت الرضعات منهن في أزمنة متواصلة والارتضاع من الصبية دائم، فقد اختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: النظر إلى المرضعات، وهن خمس،
فالرضعات خمس، ولتعدد الأشخاص أثرٌ في الحكم بتعدد ما يصدر منهم، كما للاتحاد أثرٌ في الإيجار.
هذا ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: إذا تواصلت الأزمنة، لم يثبت العدد وحكمُه.
فإن فرعنا على الوجه الأظهر، فالكلام كما تقدم.
وإن فرعنا على أن ما صدر منهن لا يثبت له حكم العدد، فلو أرضعت واحدة منهن الصغيرة أربعَ رضعات بعد ما تقدم منها، فهل تثبت الحرمة؟ فعلى وجهين؟ أحدهما - أنها لا تثبت؛ فإنا إذا لم نحكم بعدد الرضعات، فكأن الصادر منهن في حكم الرضعة، وهي مفضوضة على جماعتهن تقديراً، ويلزم من ذلك نسبة بعض رضعة إلى كل واحدة، والواحد لا بعض له، فالوجه [إحباط] 1 تلك الرضعات، والمصيرُ إلى أنها وإن وقعت كأنها لم تقع، وكذلك لو تكررت الرضعات منهن على هذه الصفة مراراً عدة، فالجواب كما قدمنا ذكره.
هذا وجه وقد ذكرنا لهذا نظيراً في صورة تقدمت من كلام العراقيين.
والوجه الثاني - أن الواحدة منهن إذا أرضعت أربعاً بعد ما جرى -بينهن على الجمعِ ما جرى، فنحكم بثبات الحرمة، لأنها أرضعت رضيعةً في الحولين خمساً، ومثل هذا لا سبيل إلى [درائه بالوساوس] 2، والتقديرات.
وهذا هو الذي لا ينقدح غيره.
فإن قيل: فإذا كنا نحتسب ما صدر من كل واحدة رضعة، فقد تعدّدت الرضعات.
قلنا: نعم، هو كذلك، ولهذا كان الأصح أن الصادر منهن رضعات، ولكن يجوز أن يقال على الوجه الضعيف: هن بمثابة بنت واحدة تُرضع في دفعة لبناً كثيراً، فإذا رُدِدنا إلى اعتبار كل واحدة في نفسها، ردَّدْنا النظر إلى فعلها وإرضاعها.
هذا منتهى القول في هذا الفصل.
10054 - ثم أعاد المزني فصولاً ذكرناها في مقدمات الأصول الممهدة: منها أنه قال: لو نكح الرجل كبيرة وصغيرة، فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة، فقد صارت الكبيرة والصغيرة أختين، وهذه المسألة التي اختلف أصحابنا فيها على طريقين: فمنهم من قطع القول بانفساخ نكاح الكبيرة والصغيرة، ومنهم من أفسد نكاح الصغيرة وخرّج الكبيرة على قولين.
ولو أرضعت جدةُ الكبيرة الصغيرةَ، فسد نكاح الصغيرة وصارت خالةَ الكبيرة والكبيرةُ بنت أختها والطريقتان جاريتان في الكبيرة، كما قدمنا، ولا حاجة إلى شرح ذلك.
وقد انتهى الكلام إلى هذا المنتهى.
وذكر بعده ما قدمنا ذكره من امتياز الرضاع عن النسب في مسائل تتعلق بالصهر وقد قررنا ذلك عند قوله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".
باب لبن الرجل والمرأة
قال: " اللبن للرجل والمرأة كما الولد لهما ... إلى آخره " 1.
10055 - قد قدمنا في صدر الكتاب ثبوتَ حرمة اللبن في جانب الفحل، وانتشارها منه، وأوضحنا أن الولد إذا كان يُعزَى إلى الأم بالولادة وينتسب إلى الأب، فاللبن الدارّ عليه منسوب إليهما أيضاً، واللفظ الذي نقله المزني على [إيجازه] 2 ناصٌّ على المغزى، نعني قولَه: " اللبن للرجل والمرأة كما الولد لهما " وحاصل القول أن اللبن تبعُ النسب، ثم ينتشر انتشارَه، ويمتزج بالنسب، ويختلط النسب به، كما قدمنا ذكره، فإن زنت المرأة، [فولدها] 3 من الزنا معْزِيٌّ إليها في جميع الأحكام كولد الرِّشدة، وهو غير منسوب إلى الزاني، وقد أوضحنا أن الزاني ينكح بنت الزانية، وإن غلب أن العلوق منه، وإن تحقق ذلك، ففيه اختلافٌ، والأقيس طرد الباب.
ثم النكاح وإن لم يكن محظوراً، فهو مكروه، وفيما نقله المزني ما يدل على أن للشافعي قولاً مطلقاً في منع نكاح ولد الزانية في حق الزاني إذا غلب على الظن أن العلوق منه، وهذا لم يقبله الأصحاب، ورأَوْا القطعَ بأن النكاح لا يحرم، والكراهيةُ ثابتةٌ، وردّ الشافعيُّ على من لا يكره للزاني نكاحَ بنت الزانية، وظن المزني أن ما ذكره تحريمٌ، وليس الأمر كذلك.
فإذا تجدد العهد بولد الزنا، فاللبن يتبعه، فإذا أرضعت الزانية باللبن الدارّ على ولد الزنا، تثبت الحرمة من جهتها؛ لأن ولدَها منسوبٌ إليها زانيةً كانت، أو منكوحة، أو موطوءةً بشبهة، ولا يحرم المرتضع منها على الزاني؛ فإن اللبن يتبع
النسب، وهو غير منسوب إلى الزاني، فاللبن الدارّ عليه غير منسوب إليه.
ولو وطىء الرجل امرأة بشبهة، فأتت منه بولد، والتحق النسب بالوطء، فاللبن الدارّ على الولد النسيب في أصل المذهب وقياسِه منسوب إلى الواطىء، فإذا حصل الإرضاع به، انتشرت الحرمة إليه انتشارها إلى الزوج.
وذكر صاحب التلخيص في ذلك قولين: أحدهما - أن حرمة الأبوة لا تثبت، وإذا لم تثبت الأبوة، فلا انتشار.
والقول الثاني - أن الحرمة تثبت وتنتشر.
قال الشيخ أبو علي: استبعد بعض الأصحاب القولين، وقد رأيتهما لصاحب التقريب، ورأيتهما في الجامع الكبير للمزني، فهما يقربان من الاختلاف الذي كان يحكيه الأستاذ أبو إسحاق، في أن حرمة المصاهرة هل تثبت بوطء الشبهة، وكان من لا يثبت أبوة الرضاع وحرمة المصاهرة يقول: إثبات النسب ضرورة، وتبرئة الرحم بالماء المحترم بالعدة ضرورة، ولا ضرورة في إثبات المصاهرة، ولا في إثبات أبوة الرضاع.
ولا شك أن المذهبَ المعتبرَ الذي عليه التعويل إتباعُ اللبن النسبَ، والتسويةُ بين وطء الشبهة والوطء الحلال فيما يتعلق بحرمات اللبن؛ فإنّ قطع اللبن عن النسب يهدم الأصل الذي عليه تأسيس الكتاب، وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".
10056 - ومما يتعلق بما نحن فيه الكلام في الولد المتردد [بين الزوج والواطىء بالشبهة واحتيج فيه إلى القافة] 1 والتفريع على أن اللبن الدارّ على الولد [الآتي] 2 من وطء الشبهة كاللبن الذي يدر على ولد النكاح -ولا عَوْد إلى ذلك القول القديم-.
فإذا نكحت المرأة في العدة نكاحَ شبهة، وغشيها الزوج الثاني على الفساد
والشبهة، وتردد الولد بين الزوج المطلِّق وبين الواطىء على الشبهة تردُّداً يقتضي الرجوعَ إلى القائف، فإذا أرضعت المرأة باللبن الدارّ على هذا المولود المتردد، ففي الأصل قولان: أحدهما - وهو الأصح أن حكم اللبن حكمُ الولد، فإن ألحقه القائف بالمطلّق، فهو أب الرضاع، كما أنه أب النسب في المولود، فنقطع حرمة الرضاع عن الواطىء بالشبهة.
وإن لم نجد القائف، أو وجدناه، فتبلّد وتردَّد، ورددنا الأمر إلى انتساب المولود، فإن انتسب إلى الزوج، فأبوّة الرضاع له أيضاً، وإن انتسب إلى الواطىء بالشبهة، فأبوة الرضاع له، كما أن أبوة النسب في المولود له.
هذا أحد القولين، وهو الأصل وبه الفتوى، وهو معتضِدٌ بما أصلناه من إتباع اللبن [نسب] 1 المولود.
والقول الثاني في أصل المسألة - أن الحرمة تثبت للزوج المطلِّق والواطىء بالشبهة جميعاً؛ فإنه لا يمتنع في الرضاع ثبوت آباء، والأمر مشكل، والنسبة إلى كل واحد منهما كالنسبة إلى الآخر، فلا معنى لقطع هذا التساوي بانتسابٍ وقول قائف.
وأما انتساب شخص إلى أبوين في النسب، فمستحيل الكون، فاضطررنا فيه إلى التعلق بشيء في تعيين الأب.
وهذا القول ضعيف، وإن كان مشهوراً.
التفريع على القولين:
10057 - إن قلنا: حرمة الرضاع وأبوّته ثابتة لهما، فلا كلام، ولا ينقطع ذلك بأن يُلحق القائف المولودَ بأحدهما، أو ينتسبَ المولود إلى أحدهما، بل يستمر هذا الحكم.
ولعل هذا القائل يُجري هذا في الظاهر؛ إذ لا سبيل إلى المصير إلى أن الأبوّة تثبت من جهة الرضاع باطناً لهما، والله عليم بأن الولد لأحدهما، ولكن هذا من
المسائل التي لا يتوصل فيها إلى درك الباطن، ولا ينقطع الحكم الذي جرى في الظاهر.
وإذا كان كذلك أطلق الفقيه القول بموجب الظاهر؛ من جهة أنه لا مطمع في ارتفاع هذا الحكم، وهذا بمثابة قولنا في مسألة الطائر، وقد قال زيدٌ: إن كان غراباً فامرأتي طالق، وقال عمرو: إن لم يكن غراباً فامرأتي طالق، وفات الطائر، وأُيس من الإحاطة به، فالحكم الذي يُجريه الفقهاء قاطبة أنه لا تطلّق زوجة واحد منهما، وهذا حكم متعلق بالظاهر، وإلا فزوجة أحدهما طالق في علم الله تعالى، غير أنه انحسم علينا مسلك الوصول إليه، وأيسنا من الإحاطة به، فأطلقنا الحكم بانتفاء وقوع الطلاق.
هذا حقيقة القول.
10058 - وإن فرعنا على القول الثاني وهو أن اللبن يتبع نسب المولود في القيافة وانتسابِ المولود، فلو لم نجد قائفاً، ومات المولود الذي كنا نتوقع انتسابه، وقد أرضعت الأم باللبن الدار على الولد المتردد مولوداً، فما حكمه؟
أحسن مسلك في ذلك ما ساقه صاحب التقريب، فقال حيث انتهى التفريع إليه: في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها - أن ولد الرضاع ينتسب [وينتمي] 1 إلى من شاء منهما.
والقول الثاني - أنه يحرم عليهما.
والقول الثالث - أن الأمر موقوف.
من قال: ينتسب ولد الرضاع اعتبره بولد النسب، فإنه ينتسب إذا تعذر القيافة، ومن قال: يحرم عليهما، قال: الانتساب في الولد النسيب محمول على نزوع النفس، وما يجده المولود من الميل الذي جبلت النفوس عليه لا يجده المرتضع، فلا وجه إلا إثبات التحريم من الجانبين.
فإن قيل: هذا هو القول الذي حكيتموه في أصل المسألة: أن حرمة الأبوة من جهة الرضاع تثبت من الجانبين.
قلنا: ليس كذلك، فإن ذلك القولَ المذكورَ في أصل
المسألة يتضمن ثبوت [الحرمة] 1 من الجانبين، وإن ألحق القائف الولد بأحدهما أو انتسب المولود النسيب إلى أحدهما، وهذا القول الذي ذكرناه في إثبات الحرمة من الجانبين إنما يجري إذا تعذر تعيين أب النسيب بفقدان القيافة، وانتساب الولد النسيب، فإذا انحسم مسلك التعيين، جرى هذا القول، والقول الأول في أصل المسألة متضمنه إثبات التحريم من الجانبين مع إمكان القائف أو جريان الانتساب عند عدم القائف.
ومن قال بالوقف فإنما حمله عليه امتناع انتماء ولد الرضاع، وعسر عنده أيضاًً الحكم بإثبات الحرمة من الجانبين، فأطلق الوقفَ على ما سنبين حكمه.
قال صاحب التقريب: إن فرعنا على قول الوقف، فإذا يصنع هذا المرتضع، وكيف حكمه في الحل والحرمة إذا أضيف إلى الزوج أو الواطىء؟
قال: على هذا القول ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يخير المولود، فإن أراد أن يستحل مواصلة أحدهما، فعل، [ولا يواصلهما] 2 على الجمع، ولكن إن واصل أحدهما على مقتضى الاستحلال، ثم انقطع عنه، وأراد مواصلة الثاني، فله ذلك، ثم لو أراد العَوْدَ إلى الأول، فله ذلك، فيدور عليهما، ولا يجمع بينهما في الاستحلال، كالسيد إذا اشترى أختين، فإنه لا يجمع بينهما في الاستحلال، ولكن إذا وطىء واحدة، حرمت عليه الأخرى، فإن أراد استحلال التي حرمت، حرَّم الأولى، واستحل الثانية.
وهذا القول ضعيف، ووجهه الممكن أن تعميم التحريم لا سبيل إليه، ولا مطمع في تعيين جانبٍ، فإذا امتنع تعميم التحريم، وتحقق استواء الجانبين، لم يمتنع التردد بينهما، ويُرَدُّ أثر التحريم إلى المنع من الجمع، وهذا أضعف الأقوال؛ فإنّ ما تمهد من تغليظ الحكم في التحريم لا يحتمل التردد في حكم التخير والدوران من جانب إلى جانب؛ فإنه إذا دار على الجانبين، فقد اقتحم التحريم قطعاًً، فلا سبيل إليه.
والقول الثاني - أنه يواصل بالاستحلال أحد الجانبين، ثم لا ينزل عنه، ويتعين عليه ملازمة [ما اختاره] 1.
والقول الثالث -وهو الأصح- أنه لا يواصل واحداً من الجانبين؛ فإن التحريم كائن والتعيين ممتنع 2، ومحل الحِلّ والحَظْر محصورٌ، والاجتهاد محسوم، والتحريم غالب، وهذا القول لا يمكن تمييزه عن القول الذي ذكرناه قبل قول الوقف في تعميم التحريم إذا انسدّ مسلكُ القيافة وانتسابُ المولود النسيب، فمقتضى القولين واحد، وهذا في حكم المعاد.
10059 - وينتظم من مجموع ما ذكرناه -بعد التنبيه لتكرر هذا القول- أن التعيين بالقيافة والانتساب إن كان ممكناً، فقولان، كما مضى.
فإن انحسم إمكان التعيين، فأقوال: أحدها - تعميم التحريم.
والثاني - التخيير في المواصلة مع تجويز التدوار على الجانبين على البدل.
والثالث - تجويز مواصلة أحد الجانبين على شرط ملازمة الجانب الذي يواصله.
وما ذكره صاحب التقريب من قول الوقف ليس يتحصّل، وإنما الحاصل ما ذكرناه، وتمام التهذيب يتضح بنجاز الفصل.
10060 - أما ما ذكرناه من المواصلة، فأهون تصويرٍ فيها أن يكون المرتضع غلاماً وهو يناكح بنت أحد الأبوين، فهذه هي المواصلة.
وقد أطلقنا فيما أجريناه قولاً أنه إذا اختار جانباً، [فله ذلك] 3، ولم نُرد قوله: اخترت، وإنما أردنا إيقاعَ عقد المواصلة.
ووراء ذلك تمام البيان.
والذي ذكره صاحب التقريب والشيخُ ومعظم المحققين أن التخير الذي ذكرناه في الولد الرضيع ليس صادراً عن اجتهاد، وإنما هو اختيار على حكم الإرادة؛ فإن
الاجتهاد لا مساغ له في ذلك، ومن ادعى أن المرتضع يجد من نفسه ميلاً إلى أب الرضاع، فالذي يأتي به خُرْقٌ؛ فإن الميل لا يتحقق إلى المرضعة إلا عن إلفٍ ينشأ الصبي عليه، فإن ذلك ليس من آثار الرضاع، وفي بعض التصانيف: " أن الولد المرتضع في أوان الانتساب لا يتبع الإرادة وإنما نتبين انتسابه إلى أحد الرجلين في جهة الرضاعة على اجتهاد " هذا لفظه، فلست أدري أنه أراد به ما يجده بزعمه من ميل النفس، أو أراد بالاجتهاد التمسك بسببٍ يغلّب على الظن أن الولد للأول أو للثاني، وعلى أي وجه حُمل، فلا أصل له؛ فإن الميل باطل، والاجتهاد لا أصل له في هذا الباب؛ إذ لو كان عليه مُعوّل، [لعلّق] 1 الشرع النسبَ به من غير انتساب المرتضع.
ولست في تزييف هذا مختاراً لوجه التخير، ولكن الرأي عندي تعميم التحريم، وإبطال التخيّر والانتساب بالارتياد والاجتهاد.
10061 - ومما يجب التنبيه له أن الأصحاب أطلقوا في الكتب أن الرجل إذا علم أن واحدةً من امرأتين أو نسوةٍ معدودات أختُه من الرضاعة، فلا يحل له أن ينكح واحدةً منهن، وإنما ينكح إذا اختلطت بنسوة يعسر حصرهن، وقد مهدنا ذلك في كتاب النكاح.
والفرق بين هذا الذي ذكروه، وبين تردد المرتضع بين الأبوين مشكل، ولهذا اخترنا تعميم التحريم عند اليأس من تبيّن النسب بقول القائف، أو انتساب الولد النسيب.
وعند ذلك نقول: من أصحابنا من جوز نكاح إحدى المرأتين إذا كانت إحداهما أختاً؛ أخذاً من القول الذي يجوّز للمرتضع مع انحسام اليقين في النسب أن يواصل أحدَ الرجلين، وهذا القائل يقول: التي تزوجها لم يتحقق فيها تحريم عنده، والأصل عدمُ الأخوَّة، وهؤلاء يقولون: إذا كان مع الرجل إناءان في أحدهما ماء نجس، وفي الآخر ماء طاهر، فيجوز استعمال أحدهما من غير اجتهاد.
وهذا المسلك مزيف، والمذهب القطع بتحريم نكاح إحدى المرأتين، مع اطّراد الإشكال.
ثم الوجه أن يضعّف بهذه المسألة قول التردد في الولد المرتضع، والممكن في الفرق أن الولد إذا تردد بين رجلين، قلنا: يُقطع بثبوت النسب من أحدهما أيضاً، فإن الانتساب إلى الرجال مشكل، ومسألة الأخت مفروضة فيه إذا ثبتت الأخوّة قطعاًً، حتى لو تردد المرتضع بين امرأتين قد أرضعته إحداهما، فهذه مسألة الأخت، وكذلك لو كان تردد الولد بين والدتين، فيجب القطع بإبطال قول التخيير في المرتضع.
10062 - ومما يتم به البيان، ويكمل به التفريع [أنا] 1 إذا أثبتنا الحرمة من الجانبين، فالوجه عندنا ألاّ نثبت المحرمية؛ فإن الغالب التحريم، والذي يغلّب الحرمة هو بعينه يقتضي ألاّ تثبت المحرمية إلا بتحقيق؛ فإن المحرمية تقتضي مداخلةً واستحلالَ خُلوة، وهذا محدّور إذا التبس الحلال بالمحظور.
واختتام الكلام أنا إذا رأينا -عند عدم القائف- للولد النسيب أن ينتسب، فليس ذلك تشهيّاً واختياراً، وإنما هو رُجوعٌ إلى تخير النفس وما جبلت عليه من الحَدَب والميل، وسنستقصي هذا في باب القائف، إن شاء الله.
فلئن كان في اختيار المرتضع تردُّدٌ في أنه اختيار إرادة أو اختيار اجتهاد، فلا تردد في انتساب الولد النسيب.
وهذا نجاز الفصل، لم نغادر فيه فيما نظن طرفاً تَمَس الحاجةُ إليه.
10063 - ومما أورده في (السَّواد) ولد اللعان، فإذا نفى الرجل ولداً باللعان، انتفى عنه اللبن الدارّ عليه أيضاًً، كما انتفى الولد، فإن عاد، فاستلحق الولد المنفيّ، لحقه الولد، ويلحقه اللبنُ أيضاًً، ومن قال: في اللبن النازل على الولد المتردد بين رجلين إنه يلحق بهما، فلست أدري ماذا يقول إذا لاعن ونفى النسب؛ فإنه خالف بين اللبن وبين النسب، فألحق الولد إلحاقاً لا يتصور إلحاق النسب بجنسه، فقد لا يبعد ألا ينتفيَ حرمة اللبن وإن انتفى النسب.
ويجوز أن يقال: قد أثبت الزوج باللعان أن الولد الذي جاءت به ولد الزنا، ولا حرمة للبن النازل على ولد الزنا في جهة من انتفى النسب عنه.
فصل
قال: " ولو انقضت عدتها بثلاث حِيض وثاب لبنها ... إلى آخره " 1.
10064 - مضمون هذا الفصل القول في امتداد اللبن في دروره والتحاقه بمن التحق به أول مرة، وكيف الحكم لو طرأ طارىء يوجب لبناً جديداً؟
ونحن نقول: إذا انتسب المولود إلى شخص، وألحقنا اللبن النازل عليه به على ما تمهد، ثم طلق الزوج زوجته تلك، وتمادى الزمن واللبنُ دائمٌ، فالذي ذهب إليه الأصحاب أن اللبن منسوب من جهة الأبوة إلى الرجل الأول الذي انتسب الولد إليه، وإن امتد الزمان، واعتقبت السنون، وهذا الحكم يطّرد وإن دام اللبن عشر سنين، فصاعداً، ما لم تحبَل المرأة.
ولو انقطع لبنها، ثم [عاد] 2 اللبن من غير تجدّد حمل، فهو منسوب إلى الأول، كما لو استمر ولم ينقطع في الأثناء.
وحكى الشيخ أبو علي وجهاً غريباً عن بعض الأصحاب أن انتساب اللبن يبقى بعد الطلاق أربعَ سنين، وهي المدة التي يُتصوّر فيها انتساب الولد إلى النكاح المتقدم، وإذا انقضت هذه المدة، انقطع انتسابُ اللبن.
وهذا قول مزيف، لا أصل له، وهو من نوادر خواطر من لم يُحط بالفقه؛ فإنه بان [بالمسلك] 3 المعتبر أن الولد لا يبقى أكثر من أربع سنين، فينقطع إمكان العلوق في النكاح إذا انقضت هذه المدة بعد الفراق، وأما إمكان تمادي اللبن، فلا أمد له، وقد يدرّ للمرأة لبن على ولد ويدوم ذلك اللبنُ منها عشرَ سنين أو أكثر، فلا وجه لاعتبار أحد البابين بالآخر بالتمسك باللفظ، فلا عَوْد إلى هذا الوجه الغريب.
والذي [نقطع] 1 به في تفريع المسائل بعد ذلك أن اللبن منسوب إلى من انتسب الولد إليه في الأول، وإن تمادت المدة، ولا ضبط لها في الكثرة، كما لا ضبط لأكثر الطهر، ولا فرق بين أن تتواصل الألبان، وبين أن تنقطع ثم تثوب.
ولو نكحت زوجاً، فالنكاح لا يقطع انتسابَ اللبن؛ فإنه لا أثر له في تغيير اللبن بالقطع، وتجديد لبن بسبب جهة أخرى.
نعم، إذا حَبلَتْ عن الزوج الثاني أو حبلت عن واطىء بشبهة، [فالحمل] 2 مما يقتضي درورَ اللبنَ على [التجدّد] 3، فإذا اتفق ذلك واللبن ثابت مع الحمل، راجعنا أهل البصيرة، وقلنا: هل حان وقت درور اللبن على الحمل الجديد؟ فإن قالوا: لم يدخل بعدُ وقتُ درور اللبن على الحمل الجديد، فاللبن مصروفٌ إلى الجهة الأولى، لا خلاف فيه، ولا فرق بين أن يكون متمادياً [و] 4 بين أن ينقطع ثم يرجع مهما 5 قطع أهل البصر بأنه لم يدخل وقت درور اللبن على الحمل الجديد.
وإن قال أهل البصر: قد دخل وقت درور اللبن على الحمل الجديد، فنذكر صورتين، وتفصيلَ المذهب فيهما، وننبِّه على دقيقة، ثم نتجاوز هذا الحدَّ.
10065 - إحدى الصورتين: أن ينقطع اللبن، ثم يعود في وقت يجوز درور اللبن فيه على الحمل الجديد، وفي هذه الصورة ثلاثة أقوال: أحدها - أن اللبن للرجل الأول، ولا مبالاة بالحمل، ولا بانقطاع اللبن وعوده، ولا بمصير أهل البصيرة إلى أن هذا وقت درور اللبن على الحمل الجديد، واللبن مضاف مع ذلك كله إلى الجهة الأولى، والحكم مستمر كذلك إلى أن تلد وينفصلَ الحملُ الجديد.
ووجه هذا القول أن الحمل، وكل ما وصفناه معه لا يوجب انقطاع اللبن عن الجهة الأولى بأن لا يمتنع دوام ذلك اللبن، فلا ينقطع ذلك الأصل بتجويز.
والقول الثاني - أن اللبن ينقطع عن الجهة الأولى، ويضاف إلى الحمل الثاني، وإلى من منه الحمل؛ فإن اللبن الأول قد انقطع، واعترض وثبت سببٌ آخرُ يجوز درورُ اللبن عليه يستفتح الإضافة إلى هذه الجهة ويقطع الأولى.
والقول الثالث - أن اللبن مضاف إلى الجهتين؛ فإنه لا يمتنع تواصل اللبن الأول مع ازديادٍ بسبب الجهة الثانية، ولا وجه لإسقاط جهة وقطعها، ولا يمنع ما ظهر تجدُّدَه، [فالوجه] 1 الإضافة إليهما جميعاًً هذا بيانُ صورةٍ.
الصورة الثانية: ألاّ ينقطع اللبن، ويقول أهل البصر: قد دخل وقت نزول اللبن على الحمل الجديد، ففي هذه الصورة ثلاثة أقوال: أحدها - أن اللبن للجهة الأولى، والثاني - أن اللبن للجهتين جميعاًً.
والثالث - أنه إن زاد، فهو لجهتين، وإن لم يزد، فهو للجهة الأولى، ولا يخرّج هاهنا قول أن اللبن للجهة الثانية وهو مقطوع عن الجهة الأولى، لأنه لم يتخلل انقطاع اللبن ثم عوده.
ومما يجب التنبه له في التصوير أنه لو انقطع اللبن في أول العلوق، وفي وقتٍ لم يدخل فيه وقت نزول اللبن على الحمل، ثم عاد في وقت لم يدخل بعدُ وقتُ النزول على الحمل الجديد، فلا حكم لذلك الانقطاع، وسبيله كسبيل ما لو تواصل اللبن.
وإذا انقطع، ثم امتد الانقطاع، وعاد في وقتٍ، فقال [أهل البصر] 2: يجوز نزول اللبن في هذا الوقت على الحمل الجديد، فهذا هو الصورة الأولى، وفيها الأقوال الثلاثة: أحدها - أن اللبن مقطوع عن الجهة الأولى، ملحق بالجهة الثانية، فهذا بيان الصورتين، وتفصيل الحكم فيهما.
10066 - وأما الدقيقة التي وعدنا بيانَ أمرها، فهي أنا قلنا: إذا قال أهل البصر: يجوز درور اللبن على الحمل، فحكمه ما وصفناه، فليعلم الناظر أنه لا ينتهي الأمر في زمان الحمل إلى القطع بأن اللبن نازل على الحمل الجديد، وإنما تنتهي خبرة [أهل البصر] 3 إلى الحكم بتجويز النزول، نعم، يطلقون القول في أوائل مدة الحمل بأن
اللبن لا ينزل بعدُ على هذا الحمل، فهذا مما يمكن إطلاقه، فأما إطلاق القول بأن اللبن ينزل على الحمل في هذا الوقت، فهذا مما لا سبيل إليه، وقد تلد المرأة ولا ينزل لها لبن، ثم ينزل اللبن بعد الوضع.
هذا كله قبل الولادة، فإذا ولدت، فاللبن مقطوع عن الجهة الأولى بلا خلاف، ملحق بالولد الثاني منسوب إلى من ينتسب إليه، فانتظم إذاً طرفان على النفي والإثبات، وواسطتان بينهما: فأما الطرف الأول، ففيما قبل العلوق، [فاللبن] 1 مضاف إلى الجهة الأولى، والطرف [الآخر] 2 إذا ولدت ولداً منتسباً إلى آخر [فكل] 3 لبن يدرّ بعد ذلك منسوب إلى الولد الثاني مقطوع عن الجهة الأولى، فهذان الطرفان.
والواسطتان تقعان في زمان الحمل، فاللبن في أوائل الحمل قبل دخول وقت نزول اللبن على الحمل ملحق بالطرف الأول، وإذا دخل وقت إمكان نزول اللبن على الحمل، فالواسطتان الصورتان اللتان ذكرناهما.
وهذا نجاز الفصل عقداً وتفصيلاً.
...
باب الشهادة في الرضاع
قال الشافعي: " وشهادة النساء جائزة ... إلى آخره " 1.
10067 - الرضاع يثبت بشهادة أربع نسوة عدول، وقال أبو حنيفة 2: لا يثبت الرضاع بشهادة النساء المتجردات ويثبت بشهادة رجلين وشهادة رجل وامرأتين، وحكى صاحب التقريب عن الإصطخري أنه كان يقول: لا يثبت الرضاع ولا عيوب النساء والأمور الباطنة منهن بشهادة الرجال، وإنما يثبت بشهادة النساء المتمحّضات، وهذا متروك عليه، غيرُ معتدٍ به، ثم شهادة الرضاع تفرض على الحسبة، كالشهادة على الطلاق، [و] 3 تفرض متعلقةً بالدّعوى كالشهادة على الطلاق، وسيأتي بيان هذه المراتب على حقائقها في كتاب الشهادات، إن شاء الله.
ثم قال الأصحاب: الكلام فيمن هو من أهل الشهادة، وفي كيفية تحمل الشهادة، وفي كيفية إقامة الشهادة:
10068 - فأما من هو من أهل الشهادة، فالغرض أن نذكر أن أم الزوجة وابنتها لو شهادتا على رضاع يحرمها على زوجها، فالقول في ذلك مفصّل، فإن ادعت المرأة الرضاع وأنكر الزوج، فلا يُقبل شهادةُ أمِّها وابنتها، فإن هذه شهادةٌ لها وشهادة الأمهات والبنات مردودة للأولاد والأصول.
ولو ادّعى الزوج الرضاع، وأنكرته المرأة لغرض المهر، فشهد على الرضاع أمها وابنتها، فالشهادة مقبولة، فإن شهادة الفروع والأصول مقبولة على الشخص وإن لم تكن مقبولة له.
وإن لم توجد دعوى الرضاع من الرجل ولا المرأة، ولكن شهدت الأم والبنت على الرضاع المحرم حسبةً، فالوجه عندنا قبول هذه الشهادة؛ فإنها ليست بأن يقال: هي لها أولى من أن يقال: هي عليها، والوجه أن يقال: ليست لها ولا عليها، وإنما هي شهادة أقيمت لله تعالى، فهذا المقدار غرضُنا من هذا الفصل.
10069 - فأما القول في تحمل الشهادة، فينبغي أن يكون التحمل على علم وبصيرة، فإذا رأت المرأةُ أو الرجلُ الرضيعَ قد التقم الثديَ من ذات لبن، وهو يمتص والصبي ينهش والحنجرة تترقى وتنخفض، وقد ينضم إليه جرجرةٌ عند البلع والتجرع، فهذا القدرُ يفيد العلمَ بوصول اللبن إلى الجوف، ومن ظن أن هذا اكتفاءٌ في التحمل بغلبة الظن، فليس على بصيرة في الباب؛ فإن القرائن التي ذكرناها تُثبت العلم الحقيقي بوصول اللبن، نعم، قد يكتفي الشاهد بالظنون الغالبة فيما لا يتصور فيه العلم، ثم يسوغ له أن يجزم الشهادة، وعلى هذا النحو يتحمل الشاهد الشهادة إذا شاهد اليد والتصرف على ما يقرّر في موضعه، وهذا لا يفيد العلم بالملك، ولكن يجوّز الشهادة على الملك إذا اجتمعت هذه الأسباب.
10070 - فأما القول في صيغة الشهادة المقامة على الرضاع، فلتكن الشهادة مجزومة، ولو وصف الشاهد أو الشاهدةُ [الأحوالَ] 1 التي وصفناها عند التحمل، لم تصح الشهادة.
فإن قيل: هلا صحت والشهادةُ لا تعتمد غيرها؟ قلنا: نعم تلك الأحوال تفيد العلم لمن يعاينها، [ويدرك بالعيان منها أموراً] 2 دقيقةً هي المفيدة للعلم، والعبارات لا تدركها، فلا بد من جزم الشهادة، كما وصفتُها.
ثم في هذا الطرف تردُّدٌ في أمر أصفه، وهو أنا هل نشترط أن يصرح الشاهد
بوصول اللبن إلى جوف الصبي، أم يكفي أن يقول: أشهد أن فلانة أرضعته خمساً في الحولين؟ هذا مما يتردد فيه فحوى كلام الأئمة ويظهر أثر التردد على تفصيلٍ.
فإن وقع التصريح بذكر وصول اللبن إلى الجوف، فهو المراد.
وإن ذكر الشاهد أو الشاهدة لفظَ الإرضاع، واستراب القاضي، وجوّز أن يكون الإرضاعُ غير مفضٍ إلى وصول اللبن إلى الجوف المعتبر، فله أن يستفصل الشاهدَ، هذا لا خلاف فيه، وسيأتي كشفه في موضعه من الشهادات، إن شاء الله.
ولو فرضت الشهادة على الإرضاع، ثم مات الشاهد قبل الاستفصال، وفات إمكان الرجوع إليه، فهل يجوز التوقف في الشهادة والحالة هذه؟ هذا هو الذي يظهر فيه تردد الأصحاب، وقد يعتضد وجوب الحكم بالإرضاع وإن لم يَجْرِ للوصول إلى الجوف ذكرٌ بما قدمنا ذكره من أنه يجوز الاقتصار على معاينة الأحوال التي وصفناها في تحمل الشهادة على الإرضاع، وإن كان معاينة وصول اللبن إلى الجوف ممكنة بخلاف تحمل الشهادة على الزنا، فإن من عاين أحوالاً تماثل أحوال المرضع والمرتضع، لم يجز له أن يعتمدها في الشهادة على الزنا، حتى يعاين ذلك منه في ذلك منها، كالمِرْود في المُكْحلة والشَّطَنُ في البئر، والذي يعضد ذلك أن اشتراط هذا التأكيد في التحمل في الزنا، واشتراط التصريح في صيغة الشهادة، وإثبات مزيد العدد، كل ذلك يشعر بأن للشرع غرضاً في دفع الزنا ودفع حَدِّه، والأمر في الرضاع على التغليظ، والحظرُ على التغليب.
فانتظم إذاً وجهان: أحدهما - أن الشهادة لا تثبت ما لم يصرح الشاهد بوصول اللبن إلى الجوف، [وهذا] 1 ما ذكره الصيدلاني.
والثاني - أن الرضاع يثبت بالشهادة على الإرضاع والارتضاع إذا عسر الاستفصال، كما سبق تصويره.
10071 - ومما يتعلق بهذا الفصل وله ارتباط بالأصل الأول أيضاً، وهو أن التي أرضعت لو شهدت على وصول اللبن إلى جوف الصبي على الحد المحرِّم عدداً وزماناً، فشهادتها مقبولة عندنا، وهو مذهب جماهير العلماء.
فإن قيل كيف يقبل شهادتها وهي تثبت فعل نفسها، وتتعرض للإخبار عنه؟ قلنا:
ليس الغرض من شهادتها فعلُها، وإنما الغرض وصول اللبن إلى جوف الصبي، وإذا كان قد يتفق الوصولُ إلى جوفه من غير صاحبة اللبن، فلا أثر لإرضاعها، ولا يختلف به حكم كان أو لم يكن.
وليس كما لو شهد القاضي بعد الانعزال على أنه قضى لفلان؛ فإن شهادته مردودة لتضمّنها إثباتَ فعله، والمعوّل على قضائه وتنفيذه، فكانت الشهادةُ من القاضي على ثبوت القضاء مردودة، فإن تنفيذ القضاء هو المطلوب، ووجه تعلق ما ذكرناه في المرضعة بهذا الفصل أنها لو قالت: أشهد أني أرضعت فلانة، أو أوصلت اللبن إلى جوفها، فشهادتها مقبولة على هذه الصيغة.
وفي بعض المصنفات أنها إن قالت: أشهد أن فلانة ارتضعت منِّي، فالشهادة مقبولة، لأنها في صيغتها لم تتضمن إثبات فعل مضاف إلى الشاهدة، ولو قالت: أشهد أني أرضعت فلانة، فهذه الشهادة مردودة، فإنها تضمنت إثبات فعلٍ مضافٍ إلى الشاهدة.
وهذا غلط محض، لم يتعرض له أحد من الأصحاب، وقد ذكرنا أن الإرضاع لا أثر له، وإنما الأثر للوصول، فلا يضر التعرض لما لا يتعلق الحكم به.
فصل
قال: " وذكرت السوداء أنها أرضعت رجلاً ... إلى آخره " 1.
10072 - مضمون الفصل أن الرضاع إذا كان مشكوكاً فيه أصلاً، أو كان تمام العدد مشكوكاً فيه، فلا يقع القضاء بالتحريم، ولكن يتأكد استحثاث الشرع على التورعّ؛ فإن الرضاع لو ثبت، تأبدت حرمته، وعظُم وقعُه، [فالتمادي] 2 على خلاف الورع مصادمة خطر عظيم.
واستدل الشافعي على تأكيد الأمر بالتورّع بما روي أن رجلاً تزوج بابنة أبي إهاب بن
عزيز، فجرت بينها وبين امرأة سوداء في جوارها خصومة، فأشاعت السوداءُ الخبرَ في الجيران: أني أرضعتُها وزوجَها، فسمعه الرّجل وساءه ذلك، فسأل أهلَه وأهلها، فقالوا: لا نعلم أنها أرضعتك، وذلك بمكة، [فركب] 1 إلى المدينة، وقال: يا رسول الله إني تزوجت بابنة أبي إهاب بن عزيز، وزعمت امرأة سوداء أنها أرضعتني وإياها، فوالله ما أرضعتني ولا أخبرتني قبل ذلك، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فأعادها، فقال في الثالثة أو الرابعة: " كيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما " وفي رواية: " فكيف وقد قيل " 2 فطلقها بين يدي رسول الله صلى الله عليه، ونكحت زوجاً غيره.
والحديث دل على فوائد: إحداها - أن الرّضاع لا يثبت بالإمكان، والدليل عليه إعراضُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتردده، وتركُ جزم القول بالتحريم، ثم دلت حالُه ومقاله على تأكيد الأمر بالتورّع، ثم فهم الرجل وجهَ الاحتياط في ذلك المجلس أو كان عَلِمه من قبل، فطلقها، وسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جرى دليلٌ آخر على أن الرضاع لم يكن محكوماً به؛ إذ لو كان، لما كان للطلاق معنىً، ودل أن مقتضى الورع التطليق، فإنها لو تركت تحت الإشكال والاحتمال، لأضرّ ذلك بها، ولو سُيِّبت، لم يحل لها أن تَنْكِح.
10073 - ثم ذكر أن الزوجين لو تقارّا على الرضاع، ثبت وابتنى عليه فسادُ النكاح 3، ثم لا يخفى حكمه، ولو رجعا عن الإقرار، لم يُقبل رجوعهما، وقد ذكرنا في كتاب الطلاق والرّجعة أن المرأة لو ادعت انقضاءَ العدة، حيث تُصدَّق وأبطلت رجعةَ الزوج، فلو رجعت عن قولها، [فهل] 4 يقبل رجوعها، وذكرنا
تفصيل المذهب فيه إذا أقر الرجل بالطلاق الثلاث، ثم رجع، أو زعمت المرأة أن زوجها طلقها ثلاثاًً، وذكرت ذلك بعد البينونة، ثم كذبت نفسها، وأرادت أن تعود إلى الزوج، ففي ذلك كلام قدمناه على الاستقصاء، فلا نعيده.
10074 - ثم ذكر الشافعي التداعي بين الزوجين في الرضاع نفياً وإثباتاً، وقال: " إذا ادعى الزوج جريان رضاعٍ وقَصْدُه إسقاطَ المسمى، فأنكرت المرأة، فالأصل عدمُ الرضاع، وهي تحلف بالله: لا تعلم أن رضاعاً جرى وإذا كانت تنفي فعل الغير فيمينها على النفي " 1.
فإن قال قائل: ألستم قلتم: مطلوبُ الرضاع بالشهادة إثباتُ وصول اللبن إلى جوفها، ولا أثر للإرضاع كان أو لم يكن، وهذا يتضمن أن تنفي هي وصولَ اللبن إلى جوفها، أو تنفي ارتضاعَ نفسها، ولو كان كذلك، فالقياس يكون اليمين على البت.
قلنا: لا حكم لارتضاعها، ولا يتصور أن تكون على علمٍ في وصول اللبن إلى جوفها في الوقت المعتبر، فإن التمييز يبتدىء بعد مدة الرضاع بسنتين؛ فتكليفها بتّ اليمين لا معنى له، وإذا كنا نكتفي بنفي العلم في فعل الغير بسبب تعذر الاطلاع على نفي فعل الغير، فهذا المعنى أظهر فيما فيه الكلام، فإذا آل الأمر إلى اليمين، فلا أثر لارتضاعها، ولما يثبت منها، لما أشرنا إليه، ومعتمد اليمين نفي الإرضاع، وصيغة اليمين في مثل ذلك تجري على نفي العلم، فإن حلفت على ما وصفناه، فلا كلام.
وإن نكلت عن اليمين، رددنا اليمين على الرجل، فيحلف على البتّ أن الرضاع المحرّم كان، وحكى الصيدلاني أن القفال، كان يقول: إذا ارتدت اليمين على الزوج، فالأولى أن يقول: " بالله أني أعلم أن الرضاع المحرِّم قد كان " وقصد بهذا أن يكون يمين الرد على الضد من يمينها؛ فإنها لو حلفت، لقالت: لا أعلم أن الرضاع كان، فليقل الزوج: أعلم أنه كان، فظاهر ما نقله الصيدلاني أن هذا من طريق الإمكان، وفي بعض التصانيف عن القفال ما يدل على اشتراط ذلك.
وهذا عندي كلام [منحرِفٌ] 1 عن الصواب، سواء قدر اشتراط ذلك، أو قيل: الأَوْلى ذلك؛ فإن الزوج إذا قال: بالله لقد كان الرضاع، فهذا إخبار منه على علمه بكون الرضاع، فأي أثرٍ لقوله: " أعلمه ". فإن حُمل على الأوْلى، فلست أرى فيه وجهاً يقتضي هذا من طريق الأَوْلى، والمعنى هو المتبع.
ثم لا يختص هذا المحكي عن القفال بهذه الصورة، بل كل يمين هو في جانب المدعى عليه على نفي العلم، وفي جانب المردود عليه على البت، فهو جارٍ على النحو الذي وصفناه.
...
باب رضاع الخنثى
قال الشافعي: " إن كان الأغلب من الخنثى أنه رجل ... إلى آخره " 1.
10075 - الرجل إذا درّ له لبنٌ وأرضع به، فالمذهب الصحيح أنه لا تعويل عليه، ولا حكم له؛ فإن الرضاع يتبع الولد، وإذا لم ينزل اللبن ممن يتصور منه الولادة، فوجوده وعدمُه بمنزلة.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً بعيداً أن الحرمة تتعلق بلبن الرجل قياساً على لبن المرأة، وسيتجه هذا [بعضَ] 2 الاتجاه بالمسائل التي سنذكرها بالبكر والثيب التي لم تلد قط إذا در لهما لبن، ففي تعلق الحرمة بذلك اللبن وجهان ظاهران: أحدهما - أن الحرمة تتعلق به نظراً إلى الجنس.
والثاني - أن الحرمة لا تتعلق به؛ فإنه لم يتبع مولوداً، فلا حكم له.
ولو أَجْهَضَت المرأةُ جنيناً يُحكم بكونه ولداً، ودرَّ اللبنُ، ثبت الحكم.
والصبية إذا نزل لها لبن؛ فإن كانت على سن يُتصوّرُ بلوغُها فيه، فلبنها كلبن البالغة التي لم تلد، ونزل لها لبن.
ومن أسرار المذهب أن اللبن إذا جرى الحكم به، فهو على تقدير إمكان البلوغ، ولكنا لا نحكم بالبلوغ في سائر القضايا التي يشترط البلوغ فيها، ولا نقول: اللبنُ علامةُ البلوغ، وكيف يقدر ذلك والغالب أن اللبن لا ينزل إلا على ولد، ولا ولد قطعاًً في الصورة التي ذكرناها.
والتحقيق فيه أنا نثبت اللبنَ بإمكان البلوغ، ولا نعلِّق به الحكمَ بالبلوغ، وهذا كما أنا نلحق ولد الزوجة بالزوج إذا كان استكمل عشراً بإمكان البلوغ في أثناء السنة
العاشرة، ثم إذا جرى حُكمنا بذلك، لم يصر هذا حكما بالبلوغ في سائر الأحكام؛ فإن الحكم بالنسب لا يستدعي العلم بالبلوغ، بل يُكتفى بإمكان البلوغ، ثم إمكان الشيء لا يتضمن وقوعَه قطعاًً.
ومما يتعلق بما نحن فيه أنه لو نزل لابنة الثمان لبن، فالبلوغ غير ممكن، وقد اختلف أصحابنا، فذهب بعضهم إلى أنه لا حكم له، وقال آخرون هذا بمثابة [لبن] 1 الرجل؛ فإن هذا اللبن من غير إمكان الحمل، فصار كلبن الرجل.
10076 - وأما الخنثى إذا نزل له لبن، فإن كان قد بأن كونه ذكراً أو أنثى، فلا يخفى حكم اللبن على موجَب الأصول المقدمة.
وإن كان على الإشكال، فلا نحكم للّبن بحكمٍ مبتوت.
وكان يحتمل أن يقال: الغالب أن اللبن إنما ينزل للنساء [فَنُنزِل] 2 اللبن -إذا نزل- منزلةَ نهودِ الثدي، وفي دلالته اختلافٌ قدمناه في مواضعَ، فإن جعلنا نزول اللبن علامة معتبرة، فيفيد اللبن ثبوتَ الأنوثة، ثم يتعلق به ما يتعلق بلبن المرأة إذا لم تحبَل.
وإن لم نجعله علامةً على الأنوثة، فلا تثبت الحرمة مع الإشكال، إلا إذا علقنا الحرمة بلبن الرجل.
فهذا بيان مسائل الباب، وانتظم من مجموعها أن اللبن [الدارَّ على] 3 الولد هو الأصل، واللبنُ من المرأة من غير ولد على الاختلاف، والأظهر أنه تتعلق الحرمة به.
ولا حكم للبن الرجل، وفيه وجه غريب غيرُ معدودٍ من المذهب.
واللبن على سن إمكان البلوغ كاللبن بعد البلوغ، ولبن الخنثى المشكل مجرًى على الإشكال؛ فإن الحرمة لا تثبت مع التردد، والله أعلم.
...