نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 335-374
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتَابُ المُكاتَبِ

صفحات 335-374
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

12481 - الأصل في الكتابة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33].
والأخبار والآثار في الكتابة قريبة مَن حد الاستفاضة، والإجماع منعقد عليها.
وقيل: اشتقاق الكتابة من الكَتْب، وهو الضم، يقال: كتبتُ البغلَةَ إذا جمعت بين شُفريها بحلقة، وكَتبتُ القِربة إذا خرزتها، وضممت أحدَ شقيها إلى الآخر، وسميت الكتابة كتابة لما فيها من ضم الحروف والكلم ونظمها، والكتيبة سميت كتيبة لانضمام بعض الناس إلى البعض، فالكتابة سميت كتابة لانضمام بعض النجوم منها إلى البعض.
12482 - ثم أصل الكتابة خارج عن قياس العقود والمعاملات من وجوه: منها - أنها معاملة مشتملةٌ على العوض دائرةٌ بين السيد وعبده.
وهذا بدع في الأصول.
ومنها: أنه يقابل عبده المملوك بما يُحصِّله العبدُ كسباً، وكسبُ العبد للمولى، فالعوض والمعوّض صادران عن ملكه.
ومنها: أن المكاتَب على منزلةٍ بين الرق المحقق وبين العتق، فليس له استقلال الأحرار، ولا انقياد المماليك، وينشأ منه خروج تصرفاته على التردد بين الاستقلال ونقيضه، ثم ينتهي الأمر إلى معاملته السيدَ، وانتظام الطلب بينهما، واستحقاق كل واحد على صاحبه، ثم يثبت للمكاتب ملكٌ، وقياس المذهب الجديد أن المملوك لا يملك، ثم يعتِق ويتبعه ما فضل من كسبه.
فأصل الكتابة إذاً خارج عن وضع قياس العقود، فرأى الشافعي الاتباع في الأصل، وتنزيلَ الكتابة على مورد الشرع، ولذلك رأى التنجيم فيها حتماً؛ فإنه لم يُلفِ كتابة

فيما بلغه من آثار الأولين إلا مشتملة على التنجيم، وأوجب الإيتاء بناء على ذلك أيضاً.
12483 - ثم العقود مبناها على المصالح، وأقدار الأغراض، وذلك بيّن في كل عقد، فلسنا نطيل الكلام بذكر وجوه المصالح فيها.
ثم مما يجب التفطن له في تمهيد ما ذكرناه أن ما يُفسد عقداً، قد يقع شرطاً في عقد، وهذا بمثابة قولنا: المعقود عليه في البيع يجب أن يكون موجوداً، والإجارة كما 1 أجيزت للحاجة والمصلحة، فهي لا تَرِد إلا على منافع معدومة، ثم الإعلام شرطٌ في الإجارة، إما بالمدة وإما بذكر ملتمسٍ معلومٍ، كخياطة الثوب ونحوها.
ومقصود النكاح لا يثبت إلا مجهولاً ممدوداً على أمد العمر، والتأقيت يفسده، كما أن التأبيد يفسد الإجارة؛ لأن اللائق بكل عقد ما أثبت فيه: إما تأقيتٌ أو تأبيد؛ وصحت الجعالة مع ظهور الجهالة فيها لمسيس الحاجة، حتى لا يُشترط في بعض صورها قبول وتعيين مخاطب؛ فيقول الجاعل: من رد عبدي، فله عليّ كذا.
ثم جرت هذه العقود على حاجاتٍ حاقّة، تكاد تعم، والحاجةُ إذا عمت، كانت كالضرورة، وتغلب فيها الضرورةُ الحقيقية؛ ثم أثبت الشرع معاملةً لا تظهر الحاجة فيها ظهورها في القواعد التي ذكرناها، ولكنها تتعلق بالاتساع في المعيشة، وتحصيل الزوائد والفوائد، كالقراض في تحصيل الأرباح، ثم أثبت الشرع فيه أمراً بدعاً لتحصيل الربح، وأثبت عوض عمل العامل جزءاً من الربح، ليكون ذلك تحريضاً له على بذل الجد في الاسترباح.
والكتابة من وراء ذلك؛ فإن العبد يستفرغُ الوسع، ويتناهى في تحصيل الأكساب إذا كوتب.
والعتق محثوث عليه على الجملة، والرق من أظهر آثار القهر والسطوة، فرأى الشرع إثباتَ معاملة يحصل بها التقرب إلى الله تعالى بالعتق؛ فإن الكسب يُمْلَكُ من العبد مِلْكَه 2، ثم لا يحصل الغرض بتعجيل العتق واتّباع معسر لا مال له؛ فإن

الرغبات تتقاعد عن ذلك؛ فكانت المكاتبة معاملة [تحقق] 1 الغرض الذي أشرنا إليه.
12484 - وكل عقد لم يعهد له نظير في العقود، فلا ينبغي أن يقال: لا يعقل معناه؛ فإن وضعه ومقصودَ الشرع منه معقول، ولكن لو رُدّ الأمر إلى نظرنا، لم نستنبط من قياس العقود وضعَ ما أحدثه الشرع لمقصود جديد، وإذا عقلنا معناه وخاصيته في مقصوده، تصرفنا بما فهمناه في تفصيل ذلك العقد، حتى نجيز ما يتوفر المقصود عليه، ونفسد ما يتخلف المقصود عنه.
وننظم في هذه المسالك أقيسة فقهية وأخرى شبهيّة وننوّعها إلى جلية وخفية، ولذلك تتسع مسائلُ كتابٍ، [فتبلغ] 2 آلافاً، وموضع النص منها معدود محدود، وليس لنا أن نفتتح مصالح، ونبني بحسبها عقوداً؛ فإن ما نتخيل من جهات المصالح لا نهاية لها، وقواعد الشرع مضبوطة، وإن فرضت مصلحة شبيهة بالمصلحة المعتبرة في الشرع، فقد نجوّز القياس فيها بطريق التشبيه إذا ظهر، وهذا مقام يجب أن يتأنق القائسُ فيه، ويحاذر البعدَ عن الاتباع، ولا يجري بالخَطْو الوساع.
هذا الشافعي لما رأى المساقاة قريبة من القراض، ورام أن ينظم بينهما تشبيهاً، لم يهجم على قياس المساقاة على القراض، بل استمسك بالحديث في المساقاة، ثم لما رام التعلُّقَ بالمعنى، قال: ليس للقراض ثبتٌ في الحديث، ولم يُجمع الأصحاب عليه إلا عمّا ظهر لهم في المساقاة - في كلام طويل وفيناه حقه من [التقرير] 3 في الخلاف 4. = بعقد الكتابة الذي هو عقد عتاقة، متقرب به إلى الله، تصير أكساب العبد ملكاً له يؤديها نجوماً يعتق بأدائها.

12485 - ثم إنا نستعين بالله فنقول: وضع الكتابة على الاتباع، فلذلك وجب فيها التنجيمُ، والإيتاء، كما سيأتي إن شاء الله.
ثم انتظمت الكتابة معاوضة حقيقية بعد ما احتُمل [معاوضة] 1 الملك بالملك، ولم تصح على عين، لأنها ملك يُحصَّل للسيد، والكتابة للتحريض على تحصيل الكسب، واقتضى ذلك تسليطَه على الكسب على الاستقلال، على شرط ضرب الحجر عليه في التبرع، فقد يكتسب ويَضَعُ 2، وابتنى على هذا معاملته للسيد؛ فإن عليه أداء النجوم، وله طلب النجم منه، فكان كل عوض في معاملة بهذه المثابة، ثم لو أعتقه السيد برىء؛ لأنا احتملنا عوضَ الكتابة لتحصيل العتق، فإذا حصل العتق، ارتدت النجوم، ولو أبرأ عن النجوم، حصل العتق على قياس المعاوضة؛ فإن استيفاء العوض والإبراء عنه بمثابة، وتعليق العتق بتأدية النجوم ضِمْنٌ 3؛ فإذا قال: إن أديت، فأنت حر، لم يكن هذا تعليقاً محضاً، بل هو تعبير عن مقصود الكتابة ومآلها، وإلا فالكتابة في صحتها على حكم المعاوضة.
وإن فسدت الكتابةُ، فالعتق لا يفسد تعليقُه، وهو المقصود في تصحيح 4 الكتابة؛ ولولاه، لفسدت الكتابة، نظراً إلى مقاصد العقود، فانتظار هذا المقصود يُثبت للكتابة الفاسدة -في بعض قضاياها- حكمَ الصحة؛ حتى يستقل العبد، والكتابة جائزة؛ لأنه لم تتوفر عليها شرائط الصحة، فإذا حصل العتق، غلب عند حصوله مضاهاة الخلع؛ فإنه إذ ذاك عتق بعوض فاسد، فيثبت الرجوع إلى قيمة العبد، وهذا يناظر الرجوع إلى مهر المثل في الخلع الفاسد.
ثم الكتابة جائزة -وإن صحت- من جانب العبد؛ فإن السيد لا يخسر بتعجيزه 5

نفسَه، وهي لازمة -إذا صحت- من جانب السيد، حتى يثق العبد، [فيكتسب] 1. ْهذا وضع الكتاب، وتمهيد قاعدتها.
ثم مسائل الكتاب تنعطف على هذه الأصول، وتتبين بها، والأصول تنبسط بالمسائل.
12486 - ونعود بعد ذلك إلى ترتيب المسائل، فنقول: إذا دعا العبد مولاه إلى المكاتبة، وكان كسوباً، مائلاً إلى الخير، فإجابته إلى الكتابة مستحبة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، ولا تجب الإجابة خلافاً لداود 2 وطائفةٍ من السلف.
قال صاحب التقريب: ردد الشافعي جوابه في هذا في بعض مصنفاته، ولم يُبعد القولَ بوجوب الإجابة.
ثم حكى قولاً مرسلاً للشافعي على هذا النحو، وعضده ببناء الشافعي أصل الكتابة على الاتباع، وقد أوجب الإيتاء تعويلاً على قوله تعالى: ﴿وَآَتُوهُمْ﴾ [النور: 33]، وذلك معطوف على قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33].
وهذا غريب، لم أره لغيره، ولست أعتد به، وذلك أن الصيغة ليست ممتنعة عن الحمل على الندب، ولو حملناها على الإيجاب، لبطل أثر الملك، واحتكام الملاك، ولزوم اطراد الرق، فليس يليق بوضع الشرع إيجاب إنشاء الكتابة، ولا يمتنع أن يكون الإيتاء موجَباً لعقد الكتابة بعد اختيار الإقدام عليها؛ ومثل هذا لا يحيط به إلا مَنْ يألف مسالكنا في الأصول.
12487 - ولو لم يكن العبد كسوباً ولا أميناً، فلا تستحب مكاتبته؛ فإنه يجرّ بالاستقلال خبالاً، ثم قد يعجّز نفسه آخراً، ولو عَتَق، لكان كلاًّ على المسلمين.
قال العراقيون: إن لم يكن كسوباً، وكان رشيداً ذا خير، ففي استحباب مكاتبته وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه لا تستحب، وهو الذي قطع به المراوزة لما

أشرنا إليه [من] 1 أنه إذا لم يكن كسوباً، صار وبالاً بعد العتق يتكفف الوجوه.
والثاني - أنه تستحب إجابته؛ فإن أرباب الزكوات إذا رأوا رُشدَه وخيرَه، رغبوا في تخيّره لصرف سهم المكاتبين إليه، وهذا الوجه يعتضد بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]؛ فإنه ليس في سياق الآية التعرض للكسب.
فأما إذا كان غير رشيد، وكان كسوباً، فلم ير أحد استحبابَ كتابته؛ لأن من لا يوثق به، فلا تعويل على معاقدته.
وهذا الفصل على ظهوره يستدعي مزيد كشف؛ فإن الإعتاق قُربةٌ في العبد، كيف فرض العبد محبوبٌ.
وما ذكر من مصير العبد كلاًّ، لا تعويل عليه؛ فإن تنجيز العتق محبوب مع ذلك، فالتعويل على أنا لا نستحب للعبد المكاتبة؛ فإن الكتابة لا تنجز العتق، وإذا لم يكن أمانة وقوة، فيبعد رجاء العتق بطريق الكتابة، ولا يندب السيد إلى إيقاع الحيلولة بين نفسه وملكه من غير ظهور الرجاء في العتق.
فهذا هو الأصل.
12488 - ثم ذكر الشافعي في بعض مجموعاته لفظة، ننقلها لغرض، قال: " أما أنا، فلا أمتنع -إن شاء الله- من كتابة عبد جمع القوة والأمانة " وظني أن ما حكاه صاحب التقريب مأخوذ من هذا، فإن كان كذلك، فلا وجه له؛ فإن الشافعي قال هذا بإيثاره في حق نفسه الخروجَ عن الخلاف، وابتدار الأحب والأفضل، وهذا كقوله: لو كنت أنا الواجد، لخمست القليل والكثير، ولو وجدت تجارة، لخمستها، وقال: أما أنا، فلا أَقْصر فيما دون ثلاثة أيام، وإن كان القصر مباحاً لي.
ومثل ذلك كثير.
فصل قال: " ولا يكون الابتغاء من الأطفال والمجانين ... إلى آخره " 2. 12489 - كتابةُ الطفل باطلة، وكذلك كتابة المجنون، وتيمن الشافعي في ذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور: 33]، وقال: لا يكون الابتغاء من

الأطفال والمجانين، أراد لا حكم لابتغائهم.
وهذه المسألة مأخوذة من بطلان عبارة الطفل والمجنون في العقود، والمعوّل في صحة العقد المفتقر إلى الإيجاب والقبول على صحة العبارة من الموجِب والقابِل.
وقال أبو حنيفة 1: كتابة الصغير الذي لا يعقِل عقلَ مثله جائزة، وهذا بناء منه على تصحيح تصرف العبد الصغير إذا كان بإذن المولى، والسيدُ بإيجاب الكتابة له آذنٌ في القبول، وعندنا عبارة الطفل كعبارة المجنون.
فإن قيل: هلا ربطتم صحة العقد بعبارة الطفل المميز، كما أوقعتم الطلاق بقبول السفيهة المحجور عليها إذا خالعها زوجها؟ قلت: لا سبيل إلى ذلك؛ فإن السفه لا يبطل العبارة بالكلية.
فإن قيل: ذكرتم اختلافاً في أن الزوج إذا قال لزوجته الصغيرة: أنت طالق إن شئت، فقالت: " شئت "، هل يقع الطلاق بعبارتها؟ قلنا: من ذكر ذلك الخلاف في المشيئة، لم يذكره في لفظ العقد؛ فإن العقود متضمّنها إلزامٌ، وعبارة الصبي بعيدة عن هذا المعنى، وقول القائل: شئتُ إذا صدر عن فهم يسمى مشيئة.
ثم مع تسليم ذلك كلِّه إذا قال للسفيهة: " أنت طالق على ألف "، فقالت: قبلت، لم يثبت الخلع، ووقع الطلاق رجعياً، والكتابة إذا لم يثبت فيها مقتضى إلزام والتزام، فلا وقع لها، والطلاق ينقسم إلى الرجعي والبائن.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أن كتابة الصغير باطلة، لا يثبت لها حكم الكتابة الفاسدة، على ما سنجمع أحكام الكتابة الفاسدة، إن شاء الله، ولكن إن قال المولى: إن أديتَ كذا، فأنتَ حُرٌّ، فوجدت الصفة، قضينا بوقوع الحرية لوجود الصفة، ثم لا يرجع المولى [بقيمته عليه] 2، بخلاف ما إذا فسدت الكتابة الجارية مع العبد العاقل البالغ لما ذكرناه من انتفاء الكتابة بالكلية وتمحُّض التعليق.
وفي النفس شيء من قوله: " إن أديت " فإن هذا أداء من حيث الصورة، وإن كان لا يتصور فيه التمليك، أم كيف السبيل فيه؟ وقد ذكرنا أن قول الرجل لامرأته: "إن

أعطيتني ألفاً، فأنت طالق" يقتضي إعطاء مع إمكان التمليك، وسنأتي في هذا بما يكشف الغطاء في فصل الكتابة الفاسدة، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: " وما جاز بين المسلمين في البيع والإجارة ... إلى آخره " 1. 12490 - كل ما جاز أن يكون عوضاً في البيع والإجارة والنكاح، جاز أن يكون عوضاً في الكتابة، إذا كان موصوفاً في الذمة منجماً، وهذا يستند إلى ما مهدناه.
فإذا التزمنا الاتباعَ، وسوّغنا معاملة الرجل ملكه بملكه للحاجة التي أومأنا إليها، فلا حاجة بعد تمهيد هذا إلى مخالفة قياس المعاوضات، فيجب أن نرعى فيها من الإعلام ما نرعاه في عقود المعاوضات.
ثم تختص الكتابة بكون عوضها واقعاً في الذمة؛ لأن العبد لا يملك عيناً، وما في يده من الأعيان لمولاه، أو لأجنبي، ولا يصح إيراده الكتابة عليها.
فإن قيل: كسبه -لو اطرد الرق- لمولاه.
قلنا: غيرَ أن الكتابة تملكه الكسب، ولا تملكه الكتابة عيناً من أعيان مال السيد؛ فليكن عوضُ الكتابة موصوفاً في الذمة بمثابة المُسلَم فيه إن كان عَرْضاً، وإن كان نقداً غالباً أغنت العادة عن ذكر الأوصاف، كصنيعها في المعاوضات، وأثبت أبو حنيفة 2 العبد المطلق عوضاً، أو صرفه إلى عبد وسط.
فصل قال: " ولا يجوز على أقل من نجمين ... إلى آخره " 3. 12491 - التأجيل ركن في الكتابة عند الشافعي رضي الله عنه، وكذلك التنجيم؛ فلا تصح المكاتبة إلا على نجمين فصاعداً، ومعتمد المذهب الاتباعُ، ولم يثبت عن

الأولين تعرية الكتابة عن التأجيل [والتنجيم] 1. وقال أبو حنيفة 2: الأجل يشترط في السلم لابتنائه على جرّ مرفقٍ موفور، وزعم أن الحلول ينافيه، ثم جوز الكتابة الحالّة ومبناها على المواساة لا غير.
وتعلق بعض أصحابنا بتحقق عجز المكاتب عن تأدية العوض لو كان حالاًّ 3. ولست أعتمد ذلك في الخلاف، ولكني أذكره لربط مسائلَ مذهبية بطرده وعكسه.
قال أئمتنا: العبد إذا قبل الكتابة، فلا يتصور له مع حصول القبول ملكٌ عتيد 4 يِتهيأ تأدية العوض فيه، ففرض أصحاب أبي حنيفة مسائلَ نذكرها ونذكر المذهب فيها.
فإن قيل: لو أوصى إنسان له بمال قبل الكتابة، فمات الموصي قبل جريان الكتابة أو فرض إنشاء هبة؟ قلنا: كل ذلك بعد قبول الكتابة 5، ولو قبل الوصية والهبة قبل قبول الكتابة، لم يصح قبوله على مذهبٍ، ويصح على وجه، ويقع الملك للمولى، وإن فرض القبول بعد قبول الكتابة، فيكون العوض لازماً قبل تمام قبول الوصية، ولا مال ولا تمكن في تلك الحالة.
فإن قيل: لو كاتبه على مقدار من الملح وهما على [مَمْلحة] 6، فيقبل الكتابة ويسلِّم الملح.
قلنا: لا يملك الملح ما لم يأخذه، فالأخذ بمثابة قبول الوصية فيما قدمنا.

فإن قيل: لو كان نصفه حراً وقد حصل له مال بنصفه الحر، فكاتب مالك الرق في نصفه النصف المملوك كتابة حالّة؟ قلنا: اختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من جوّز هذا لتمكنه من تأدية النجم، واقتران القدرة والملك بالعقد، ومن أصحابنا من منع ذلك.
والذي يستقيم على تحقيق الأصول المنع؛ فإنا لا نعتمد ما ذكره الأصحاب من تحقق العجز في أول الحال، بل التعويل عندنا في اشتراط [التأجيل] 1 الاتباعُ، وهذا يطرد في الصور، فلا تجوز الكتابة إلا على حسب ما عُهدت عليه.
فإن قيل: لو كاتب عبدَه على نجمين بينهما لحظة، وكل نجم مالٌ جم، ويبعد الاستمكان من مثله في مثل ذلك الزمان، فما الجواب؟ قلنا: أما من اعتمد اقتران العجز، فقد طردوا وجهين في هذه الصورة: أحدهما - الجواز لتصور الإمكان، ثم إن لم يتفق، فأصل التعجيز ممهّد.
ومن أصحابنا من لم يصحح ذلك؛ لأن ما يندر الاقتدار عليه، فهو في عقود المعاوضات كالمعجوز عنه، ولهذا بَطَل السلمُ فيما يعزّ وجوده بطلانَه فيما يُستيقن عدمه.
وهذا لا أصل له مع الاتفاق على مبايعة المعسر الذي لا يملك شيئاً، مع إثبات ثمن قد لا يستقل به ذوو الثروة والغِنَى، وقد سمعت شيخي في بعض مجالس الإفادة يحكي وجهاً في فساد البيع، إذا كان الثمن زائداً على قيمة المبيع؛ فإن القيمة إن كانت مثلَ الثمن، أمكن صرف المبيع إلى الثمن.
وهذا بعيد لا أصل له، وإن نحن اتبعنا مورد الشرع، ولم نتمسك باقتران العجز، أمكن إجراء الوجهين: فأحدهما - على اتباع صورة التنجيم والتأجيل 2. والثاني - أن ذلك ممتنع؛ فإنا وإن اتبعنا، فلا ننكر فهم معنى المواساة؛ وإذا بعُد الإمكان، بطلت المواساة، وهذا يناظر اختلافَ القول في إلحاق المحارم بالأجنبيات في اللمس الناقض للطهارة.

وقد ذكر القاضي وجهين فيه إذا أسلم إلى مكاتَب عقب قبول الكتابة سلماً حالاًّ، وهذا بعينه هو الذي ذكره شيخي رضي الله عنه في البيع من المعسِر، ولكن بين المسلم فيه والثمن فرق على حال؛ ولذلك امتنع الاعتياض عن المسلم فيه، [وفي] 1 الاعتياض عن الثمن قولان، فالإسلام إلى المعسِر كالإسلام إلى المكاتب على أثر قبول الكتابة، فأما الثمن، فيحتمل ما لا يحتمله المسلم فيه، ولهذا ذهب معظم الأصحاب إلى أن انقطاع جنس الملتزم ثمناً لا يوجب انفساخ العقد، وفي انقطاع المسلم فيه قولان.
وذهب المحققون إلى التسوية بين الثمن والمسلم فيه في جميع ذلك، وهذا يخرج حَسَناً 2 على إثبات حق الفسخ للبائع إذا أفلس المشتري بالثمن.
12492 - ثم قال الشافعي: " ولو كاتبه على مائة دينار موصوفة الوزن والعين إلى عشر سنين ... إلى آخره " 3. مقصود الشافعي قطعُ وَهْم من يتوهم منعَ المزيد على نجمين، فالنجمان هما الأقل، ولا منتهى لما يجوز من المزيد على التراضي، ولا يشترط اتفاق النجوم في القدر، ولا استواء الأزمنة المتخللة.
ثم قال الشافعي: " ولا يَعتِق حتى يقول في الكتابة: إذا أديت، فأنت حر ... إلى آخره " 4. هذا ما قدمناه في أول التدبير، فالنص أن لفظ التدبير صريح في موضوعه، ولفظ الكتابة ليس صريحاً حتى يقترن بالتصريح بتعليق الحرية على أداء النجوم.
وقد ذكرت اختلافَ الطرق في النقل والتخريج، وتنزيلَ النصين منزلتهما والفرقَ

بينهما، والذي نذكره الآن أن هذا التعليق ليس تعليقاً على الحقيقة، وإنما هو نطق بمضمون العقد على الغالب؛ إذ لو كان تعليقاً، لما حصل العتق إلا بالأداء، وإنما الغرض إزالة التردد في لفظ الكتابة، ولهذا قال الأصحاب: النية كافية من غير لفظ، ولو كان التعليق مقصوداً، لبعد حصوله بالنية في ظاهر الحكم.
هذا ما أردنا التنبيه عليه.
فصل قال "ولا بأس أن يكاتبه على خدمة شهر ودينار بعد الشهر ... إلى آخره" 1. 12493 - صورة المسألة أن يكاتب عبده على أن يخدمه شهراً، ويؤدي بعد الشهر ديناراً، قال الشافعي: الكتابة على هذا الوجه جائزة؛ فإن منافع المكاتب بعد انعقاد الكتابة بحكم المكاتَب 2، فإذا وقع الشرط على صرف مقدارٍ منها إلى عوض الكتابة، ساغ ذلك.
وهذه المسألة تهذب الأصل الذي قدمناه في اشتراط التأجيل، أو التنجيم؛ فإن منفعة المكاتب متصلة بقبول الكتابة، ولا أَجَلَ فيها؛ والمدة المذكورة تثبت لتأديتها على حسب وجودها شيئاً فشيئاً، وإلا فاستحقاق المنفعة ثبت حالاًّ، وهذا يوضح أن شيئاً من عوض الكتابة إذا أمكن ثبوته مع التمكن من أدائه، فلا امتناع في حلوله، وإنما نشترط التأجيل في الأعواض التي نستيقن اقتران العجز عنها بعقد الكتابة، وهذا لا يتحقق في منافع المكاتب.
ولو فرض استئخار المنفعة المشروطة عوضاً عن وقت قبول العقد، لما صح العقد؛ فإنّ إضافة العقد اللازم إلى وقت منتظر للمنافع غير جائزة عندنا، ولهذا امتنع إجارة الدار الشهرَ الذي سيأتي، فالمنفعة إذاً لا تثبت عوضاً في الكتابة إلا متصلة، ثم استئخار أدائها على حسب التصور في وجودها، ولكن هذا إنما يتحقق في النجم

الأول، ولا بد من فرض نجمٍ ثانٍ؛ فإن [التنجيم] 1 ركن الكتابة، ومن ضرورة محل النجم الثاني أن يتأخر.
[و] 2 النجم الأول يجوز أن يكون حالاً في منفعة المكاتب لا غير؛ فإن الإمكان يتحقق فيها مع القبول، والنجم الثاني يتأجل لا محالة؛ فإنه لا يتحقق تعدد النجم إلا بتخلل فاصل زماني.
ثم لفظ الشافعي في المسألة قد يوهم وجوب تأجيل الدينار، بحيث يحل بعد انقضاء الشهر المذكور وقتاً للمنافع.
وقد سبق هذا إلى فهم أبي إسحاق المروزي واعتقده مذهباً، وشرطَ انفصال محل الدينار عن منقرض الشهر ولو بلحظة، وخالفه كافة الأصحاب؛ فلم يشترطوا ذلك، وقالوا: لو كاتب عبده على منفعة شهر ودينار بعد القبول بيومٍ أو بلحظة جاز؛ فإن محل المنافع الساعة المتصلة بالقبول، وطوال الشهر لاستيفاء ما ثبت استحقاقه، فإذا انفصل محل الدينار عما بعد العقد بألطف ساعة، فقد تحقق التنجيم 3. ولو أردنا أن نصور حلول نجم المنفعة [بعد] 4 حلول الدينار، لم يصح ذلك؛ فإن المنافع إذا انفصل استحقاقها عن العقد، كانت الإضافة إلى زمان منتظر، وهذا ما لا سبيل إليه.
ولو قال: كاتبتك على خدمة شهر، ثم زعم أن الخدمة من كل عشرة أيام من الشهر نجمٌ، لم يصح ذلك؛ فإن المنافع لو لم تستحق دفعة واحدة نجماً واحداً، لكان النجم الثاني مستحقاً على تقدير الإضافة إلى زمان منتظر، وقد يخرج في ذلك وجه إذا وقع التصريح بهذا التفصيل، وهذا الوجه مبني على ما إذا آجر الرجل داره من إنسان، ثم قال: إذا انقضت مدة الإجارة الأولى، فقد أجرتك شهراً آخر، ففي أصحابنا من

يصحح ذلك، إذا اتحد المستأجر، واتصل مبتدأ الإجارة الثانية بمنقرض مدة الإجارة الأولى.
وهذا الوجه بعيد، ويخرج مثله فيما ذكرناه من الكتابة، والأصح المنع في الموضعين.
ولو كاتبه على خدمة شهر، وخدمة شهر آخر بعد الشهر الأول بعشرة أيام، فسدت الكتابة، لإضافة الاستحقاق إلى زمان منتظر في الشهر الثاني.
ولو أعتق عبده على أن يخدمه شهراً؛ فقبل، عتق في الحال؛ فإنه علق العتق ونجَّزه على قبول الخدمة، فإذا قبلها عَتَق، ثم عليه الوفاء؛ فإن الوفاء ممكن، فإن تعذرت الخدمة في الشهر كله، فالعتق لا مستدرك له، والرجوع إلى قيمة الأجرة، أو إلى قيمة العبد؟ فعلى القولين المذكورين في بدل الخلع، وفي الصداق المسمى إذا فرض فيهما التلف قبل التسليم.
فصل [قال]: " وإن كاتبه على أن باعه شيئاً لم يجز ... إلى آخره " 1. 12494 - إذا شرط في عقد الكتابة أن يبتاع المكاتب منه شيئاً، فسدت الكتابة، وهذا من باب شرط عقد في عقد.
[فلو] 2 قال: كاتبتك، وبعت منك هذا العبد بألف، ونجّمه على الشرط المعلوم في الكتابة، فقال العبد: قبلتُ الكتابةَ والبيعَ، أو قال: قبلت البيعَ والكتابةَ، أو قال: قبلتهما، فللأصحاب طريقان في المسألة: ذهب الأكثرون إلى أن البيع لا ينعقد قولاً واحداً، وفي الكتابة قولان، مبنيان على القولين في الصفقة المشتملة على بيع ما يجوز وبيع ما لا يجوز: فإن قلنا: لا يصح البيع فيما يجوز إذا اقترن بما لا يجوز بيعه، فلا تصح الكتابة في مسألتنا، وإن صححنا العقد ثَمَّ فيما يجوز، صحت الكتابة ها هنا، ولا حاجة إلى البناء على القولين في الصفقة التي تجمع

عقدين مختلفين كالإجارة والبيع؛ فإن ذلك الفن من التفريع فيه إذا صح إفرادُ كلِّ عقدٍ بالصحة، ومنشأ القولين من اختلاف المقصودين، وهذا المعنى وإن تحقق في البيع والكتابة، فلا حاجة إليه مع حكمنا بفساد البيع، فالوجه إلحاقه ببيع عبد مغصوب وعبد مملوك.
ثم السبب في بطلان البيع أن أحد شقيه يقع لا محالة قبل انعقاد الكتابة، وذلك باطل؛ فإن الرقيق لا يخاطب بالبيع وإيجابه.
ثم تمام التفريع على هذه الطريقة أنا إن أفسدنا الكتابة، فسيأتي شرح الكتابة الفاسدة؛ وإن صححنا الكتابة، فهي مُجازةٌ بجميع الألف المذكور ثمناً ونجماً، أم هي مجازة بقسط من الألف؟ فعلى قولين: أصحهما - أنها مجازة بقسط، فالألف أُثبت ثمناً ونجماً، فلا يجوز تغيير موجب اللفظ.
والقول الثاني -وهو فاسدٌ، لا اتجاه له مع اشتهاره- أن الألف بجملته يثبت عوضاً في الكتابة، ونجعل كان العبدَ وبيعَه لم يُذكرا، وهذا القول مشهور في تفريق الصفقة.
هذه طريقةُ جمهور الأئمة.
ثم التوزيع إذا قلنا به، فمعناه تقويم المكاتب، وتقويم العبد المبيع، ودرك المبلغين، ثم توزيع الألف عليهما، وإسقاط ما يقابل قيمة المبيع، [وتقرير] 1 ما يقابل قيمة العبد.
ومن 2 أصحابنا من شبب بذكر خلاف في صحة البيع، واستشهد بمسألة في الرهن، وهي أن الرجل إذا قال: اشتريت عبدك هذا بألف، ورهنتك بالألف داري، فقال المخاطب: بعت وارتهنت، فالنص في الرهن دليل على صحة الرهن، وإن جرى أحد شقي الرهن قبل انعقاد البيع.
وهذا القائل يطبق تصوير البيع مع الكتابة على تصور الرهن مع البيع، وقد ذكرنا كيفية تصوير الرهن مع البيع، وأوضحنا تفصيل المذهب فيه، فالبيع مع الكتابة كالرهن مع البيع، فإن سلكنا هذا المسلك، وحكمنا بصحة البيع، فينتظم بعد هذا التقدير تخريج الكتابة والبيع جميعاً على تفريق الصفقة فيه إذا اشتملت على عقدين

مختلفي الحكم كالإجارة والبيع، ولا يتأتى هذا المسلك في الرهن والبيع؛ فإن الرهن تابعٌ للبيع، ومؤكد للعوض فيه، فلا يجري مع البيع مجرى عقدين تشتمل عليهما صفقة؛ ولذلك يصح اشتراط الرهن في البيع، ولا يصح اشتراط البيع في الكتابة، وعن هذا المسلك قال المحققون: البيع يبطل [في] 1 مسألتنا، قولاً واحداً.
والرهن يصح وإن اقترن بالبيع؛ لأنه من مصلحة البيع، وهو من توابعه.
فهذا حاصل القول في هذه المسألة، وبيان طريقي الأصحاب، والأصح الطريقة الأولى.
12495 - ثم قال: "ولو كاتبه على مائة دينار يؤديها في عشر سنين ... إلى آخره" 2. الكتابة فاسدة على هذه الصفة لأن محل الأنجم مجهول، فينبغي أن يبين وقت حلول كل نجم من كل سنة، والقول في إعلام الآجال ابتداءً وانتهاءً مذكور في كتاب السلم وغيره، فلسنا لإعادة صور الوفاق والخلاف منهما في النفي والإثبات.
فصل قال: " ولو كاتب ثلاثة كتابة واحدة على مائة منجمة ... إلى آخره " 3. 12496 - صورة المسألة أن يكاتب ثلاثة أو أربعة من عبيده على مالٍ واحد، وأجّله ونجّمه، وأعلم المحلّ، ولكن لم يبين حصة كل واحد من العبيد، بل قابلهم بالإيجاب، وذكر المال، فقبلوه من غير تفصيل وتوزيع، فالمنصوص عليه صحة الكتابة.
ونص على أنه إذا اشترى أربعة أعبد أو ما شئت من العدد من أربعة أشخاص، فالبيع فاسد.
ونص على أنه إذا نكح نسوة وأصدقهن صدقة واحدة، ففي فساد التسمية

قولان، ونص أيضاً على قولين في فساد بدل الخلع إذا قوبل به نسوة من غير توزيع.
فالنص في البيع على الفساد، وفي الكتابة على الصحة، وفي الخلع والصداق قولان.
فاختلف أصحابنا على طرق: فمنهم من ضرب النصوص بعضها ببعض، وأجرى في البيع والكتابة قولين، وهذه الطريقة هي المنقاسة الصحيحة؛ فإن إعلام الثمن في البيع، والعوض في الكتابة مرعيٌّ معتبرٌ على قضية واحدة، فإذا جرى في الصداق وبدل الخلع قولان؛ فالوجه جريانهما في البيع والكتابة.
ثم توجيه القولين في المسائل: من قال بالفساد، احتج بأن قال: لم يخص واحداً في العقود بمقدار ما يخصه؛ فكانت حصة كل واحد مجهولة، وجهالة العوض فيما يشترط إعلام العوض فيه مفسد.
ومن قال بالصحة؛ احتج بأن الجملة معلومة في مقابلة الجملة، والوصول إلى التفصيل ممكن بطريق التوزيع، فوجب الحكم بالصحة، كما لو قال: بعتك هذا العبد بما اشتريته، وكانا عالمين بالثمن المسمى في عقد المرابح، ثم قال على ربح " ده يازده " 1 فالعقد صحيح.
وإن كان يحتاج في إعلام ما يلزم المشترى إلى حساب وجمع وضم، هذه طريقة.
12497 - ومن أصحابنا من أجرى النصوص على ظواهرها 2، وفرّق بأن قال: البيع حريٌّ بالفساد؛ فإن العوض فيه آكد حكماً، بدليل أن فساده يُفسد البيعَ ويبطل المقصود منه، وفساد الصداق وبدل الخلع لا يفسدان المقصود منهما، وأما الكتابة، فإنها تنفصل عن الخلع والصداق من وجه آخر، وهو أن العبيد جميعهم ملك المولى، فكان صدورهم بالإضافة إلى جانب السيد عن ملك واحد.
وهذا تخييل لا حاصل له؛ فإن العبيد إذا قبلوا الكتابة، فهم متفرقون في شق

القبول، والعقود متعددة بالإضافة إليهم، وإذا صححنا الكتابة، فالعقد في كل واحد منفرد بحكمه، كما سنوضح تفصيله في التفريع، إن شاء الله تعالى.
وما ذكره هذا القائل من كون العوض ركناً في عقد المعاوضة لا يفيد حاصلاً فيما هو مطلوب المسألة؛ فإن الجهالة تُفسد الصداقَ وبدلَ الخلع كما تفسد البيعَ، وكذلك القول في الكتابة، فلا خير في تخييلات لا تفضي إلى الفقه المطلوب مع استواء الأصول في اشتراط الإعلام، فهذا حاصل ما ذكره الأصحاب في أصل المذهب.
12498 - ثم اشتملت الطرق على ما أتبرّم بنقل مثله، فقال قائلون: البيع فاسد، والكتابة خارجة على القولين، وقال آخرون: الكتابة صحيحة، قولاً واحداً، والبيع خارج على القولين 1. وكل ما يذكر في ذلك منشؤه مسلكان: أحدهما - التسوية بين المسالك، وهو الوجه لا غير، والثاني - اعتقاد الفَرْق بين البيع وبين بدل الخلع والصداق، مع الميل إلى أن البيع أولى بالفساد، واعتقاد الفرق بين الكتابة وغيرها، مع الميل إلى تصحيح الكتابة.
ثم إذا فرعنا على فساد الكتابة، فسيأتي على الاتصال بهذا الفصل بيان حكم الكتابة الفاسدة، وإن صححنا الكتابة، ففي كيفية توزيع العوض المسمى على المكاتبين قولان، ذكرهما الصيدلاني: أظهرهما -وهو الذي قطع به معظم الأئمة- أنه يوزع المسمى على أقدار القيم، حتى لو كانت قيمة الواحد مائة، وقيمة الآخر مائتين، وقيمة الثالث ثلاثمائة، فعلى من قيمته مائة السدس، وعلى من قيمته مائتان الثلث من العوض المسمى، وعلى من قيمته ثلاثمائة النصف.
والقول الثاني - أن العوض موزع على عدد الرؤوس من غير نظر إلى تفاوت القيم، وهو ضعيف، ولكن نقله الصيدلاني، وهو موثوق به، ووافقه القاضي في النقل، ثم طردا حكاية هذا القول في الصداق وبدل الخلع، فأما البيع، فلم يتعرضا له، ويبعد كل البعد التوزيع على رؤوس الباعة من غير نظر إلى قيم عبيدهم، وإن طرد القول

الضعيف في البيع طارد، لم يبعُد، لو صح هذا القول، ولكنه مما يجب القطع بفساده.
وينشأ من هذا أنا إن كنا نعتقد أن التوزيع على الرؤوس، فيجب أن نقطع بصحة هذه العقود لارتفاع الجهالة، وإن حكمنا بالتوزيع على القيم، فعند ذلك تختلف الأقوال، ونجري الطرق على ما رسمناها، ولا عود إلى هذا القول.
ولا تفريع عليه.
12499 - ثم أول ما نفرعه بعد تمهيد الأصل أنا إذا صححنا الكتابة، فكل مكاتب مخاطب بمقدار حصته من غير مزيد، وإذا أدى واحد منهم حصته عَتَق، وقال أبو حنيفة 1: لا يعتق واحد منهم ما بقي على الواحد منهم درهم.
واعتقد أن عتق جميعهم يحصل معاً، وذهب في هذا مذهب التعليق المحض؛ فإن المولى قال لهم: إذا أديتم، فأنتم أحرار.
وهذا ذهول عن وضع الكتابة الصحيحة، وقد ذكرنا أن التعليق غيرُ معتبر في مقتضى الكتابة الصحيحة، ودللنا عليه بأنه لو قال -والمكاتب واحد بعد ذكر النجوم- إذا أديتها، فأنت حر، لم يتوقف العتق على الأداء، بل قد يحصل بالإبراء عن نجوم الكتابة، فإذا كنا لا نرعى حقيقة الأداء والمكاتب واحد مع التصريح بتعليق العتق بالأداء، فكيف نرعى ذلك في تعدد المكاتبين.
فإذا وضح أن واحداً منهم لا يخاطَب بما على أصحابه، ولا يطالب إلا بحصته، فلو جاؤوا عند محِلّ النجم بمقدار من المال وأَدَّوْه، ثم اختلفوا: فقال بعضهم -وهو القليل القيمة- أدينا ما أدينا على عدد الرؤوس، وقال الكثير القيمة: بل أديناه على أقدار القيم، وكانت أملاكنا في المؤدى ثابتة على هذا النسق، فقد حكى بعض المصنفين نصين مختلفين في ذلك: أحدهما - أنه يُصدق من يدعي التسوية مع يمينه 2. والثاني - أن المصدّق منهم من يدعي التوزيع على أقدار القيم، ثم في هذا

التصنيف أن الأصحاب اختلفوا: فمنهم من أجرى في ذلك قولين، ومنهم من نزّل النصين على حالين.
قال: إن كان هذا الاختلاف في النجم الأخير، ولو صدّقنا 1 القليل القيمة، [لكان] 2 له شيء مما أداه يحتاج المولى إلى رده، [فلا] 3 يُصدق من يدعي التسوية؛ فإن ظاهر الأداء يدل على اعتقاد الوجوب فيه، وعلى هذا ينزل النص الذي يقتضي تصديق من يدعي التوزيع على أقدار القيم.
وحيث قال: يُصدق مدعي التسوية، أراد إذا كان ذلك في أوساط النجوم أو في أوائلها، بحيث لو فضَل عن مقدار النجم الحالّ فاضل في حق القليل القيمة، فهو محمول على تعجيل مقدارٍ من النجم المنتظر، والذي ارتضاه الأئمة تصديق من يدعي التسوية قطعاً للقول، ولم يعرفوا اختلاف النص، واستمسكوا بما يجب القطع بأنه أصل الباب.
وقالوا: المسألة مفروضة فيه إذا جاءوا بالنجم وأيديهم ثابتة عليه، فظاهر اليد في التداعي يقتضي استواءهم في الأيدي قطعاً.
وهذا يقتضي تصديقَ من يدعي التسوية، فيجب إجراء هذا.
ولست أُنكر اتجاه خيال في النجم الأخير إذا كان يفضل -لو حملنا على التسوية في حق القليل القيمة- فاضل ويحتاج إلى استرداده.
والعلم عند الله.
12500 - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه لو أدى البعض من هؤلاء النجمَ عن البعض، فهذا على التحقيق تبرع منه، وسنذكر أن تبرع المكاتب إن انفرد به مردود، وإن صدر عن إذن السيد، ففيه قولان، [و] 4 سيأتي استقصاء ذلك، فإن كنا نصحح التبرع بإذن المولى، فإذا أتى واحد منهم بما ليس عليه، وأداه ذاكراً أن هذا عن أصحابي، فقبول السيد فيه بمثابة إذنه في التبرع على الأصح، وأبعد بعض أصحابنا، فاشترط سوى ظاهر القبض إذناً، وهذا ليس بشيء.
فإن فرعنا على بطلان التبرع -وإن صدر عن إذن المولى- فإذا أدى البعضُ الدينَ

[عن] 1 البعض، ثم اتفق أن المؤدي عتق، قبل أن يسترد ما أداه من المولى -تفريعاً على رد التبرع وإن أذن المولى فيه- فالذي نص عليه الشافعي أنه لا يملك الرجوع بعد العتق، ونص على أن المولى لو جنى على المكاتب، فعفا المكاتب، وأبطلنا العفو على مذهب ردّ التبرع، فلو عتق المجني عليه العافي قبل قبض الأرش، فإن له مطالبة السيد بالأرش بعد العتق، فحصل قولان: أحدهما - أن تبرعه مردود وإن عتق؛ لأن الحجر عليه كان ثابتاً حالة التصرف؛ فيجب رد التصرف من غير نظر إلى ما تُفضي إليه العاقبة، والقول الثاني - أن التبرع ينفذ إذا اتصل بالعتق؛ فإن الحجر كان لحق الله في العتق، وقد حصل العتق.
والصحيح عندنا بناء هذين القولين على تصرفات المفلس في اطراد الحجر عليه؛ فإنا نقول: إن مست حاجة المضاربة إلى نقضها 2 نقضناها، فإن أُبرىء وانفك الحجر، ففي نفوذ التصرفات التي جرت في حالة الحجر قولان، وقول الصحة خارج على الوقف، فالمكاتب فيما نحن فيه يخرج تبرعه على هذه القاعدة.
ثم الذي اقتضاه النص، وأطبق عليه الأصحاب أن المؤدي عن أصحابه إذا استرد من المولى -لما تبين له الفساد- ثم عَتَق، فالعتق مسبوق بانتقاض التبرع، فالانعطاف على ما [مضى] 3 محال، وكذلك القول في العفو عن أرش الجناية إذا نقضه العافي وطالب بالأرش واستوفاه، وكأنا على قول الوقف، إنما نقف الأمر إذا لم ينقض التبرع، وجريان القولين فيه إذا لم يتفق نقضٌ، ولو طالب العافي بالأرش بناء على فساد العفو، أو طالب المؤدي عن أصحابه برد ما أدى عنهم، ولم يتفق تغريم في الأرش ولا استرداد، فهذا فيه احتمال مأخوذ من فحوى كلام الأصحاب.
12501 - ثم قال: " ولا يجوز أن يتحمل بعضهم عن بعض الكتابة ... إلى آخره " 4.

هذا متصل بمكاتبة العبيد في عُقدة 1، ومضمون الفصل من وجه لا يختص بتلك الصورة، فنقول: ضمان مال الكتابة لا يجوز، وقد فصّلنا ذلك في كتاب الضمان، وكذلك لا يصح الرهن به، والسبب فيه أنه ليس مستقراً، وليس آيلاً إلى الاستقرار، وضمان الثمن في زمان الخيار في البيع صحيحٌ؛ لأنه مُفضٍ إلى القرار في عقد موضوعه للزوم.
قال القاضي: كما لا يجوز ضمان نجم الكتابة، فكذلك لا يجوز الاستبدال عنه؛ فإن الاستبدال أعظم وقعاً من الضمان، [بدليل تعليل أن ضمان المسلم فيه صحيح] 2 والاعتياض عنه باطل، فالاستبدال يقتضي مزيداً في الاستقرار لا يقتضيه الضمان.
فإذا بطل الضمان لعدم القرار بطل الاستبدال.
ولو كاتب جمعاً من العبيد، وشرط أن يضمن البعض منهم عن البعض، فالمنصوص عليه أن الكتابة فاسدة، ووجهه بيّن؛ فإن الضمان فاسد؛ فإذا [فسد شَرْطُه تفسد الكتابة بالشرط الفاسد] 3. وقال مالك 4: يصح الشرط والعقد، وأضيف مذهبه إلى الشافعي قولاً في القديم.
والممكن في توجيهه أن هذا الضمان من مصلحة هذا العقد الذي وصفناه، إذا أراد المولى ارتباط بعض المكاتبين بالبعض، ونحن قد نمنع ضماناً على قياس، ثم نجيزه لمصلحة العقد، وهذا بمثابة إفساده ضمان المجهول، والضمان عن المجهول، ثم صححنا ضمان الدَّرَك مع اشتماله على الجهالتين لمسيس الحاجة إليه في تأكيد مقصود العقود.
وهذا بعيد، لا معول عليه.
وقد نجز الغرض في مكاتبة العبيد 5.

فصل قال: " ولو كاتب عبداً كتابة فاسدة، فأدى عُتق ... إلى آخره " 1. 12502 - مقصود الفصل بيانُ حكم الكتابة الفاسدة، وأول ما يجب افتتاحه تصوير الكتابة الفاسدة: والقولُ الكلي فيه أن الكتابة إذا صدرت إيجاباً وقبولاً ممن يصح عبارته، وظهور اشتمال الكتابة على قصد المالية، ولكنها لم تكن مستجمعة لشرائط الصحة، فهي الكتابة الفاسدة.
ثم من أحكامها أن المكاتب لو أدى ما شرط عليه، عَتَق، واستتبع الكسبَ والولدَ، فتنزل الكتابة الفاسدة منزلة الصحيحة فيما ذكرناه.
وعند ذلك يتضح تمييز الفاسد في هذا النوع عن الفاسد في سائر العقود؛ فإن الكتابة الفاسدة أفضت إلى تحصيل مقصود الكتابة الصحيحة وخاصّيتها، أما المقصود، فالعتق، والخاصية استتباع الكسب والولد.
وسبب [هذا] 2 ما نبهنا عليه في صدر الكتاب عند تمهيد القواعد، حيث قلنا: إن العتق إذا كان يحصل لا محالة عند فرض الأداء، والكتابةُ إنما تصح لأجل العتق.
وإلا فقياسها بالنسبة إلى قياس الأصول الفساد، فإذا كنا نصمحح صحيحها ذريعة إلى العتق، ثم حصل العتق في الفاسدة، فلا يبعد أن يثبت حكمُ الصحة لتتم الذريعة.
12503 - ثم تمتاز الكتابة الفاسدة عن الصحيحة من وجوه: منها - أن الكتابة الصحيحة لازمة من جانب المولى، ما لم يَعْجِز المكاتَب، أو يُبْدِ امتناعاً، كما سيأتي إن شاء الله، والكتابة الفاسدة جائزة في حق المولى، فمهما 3 أراد فَسَخَها، وأثرُ فسخِه أن العتق لا يحصل بعد فسخها بصورة أداء النجم المسمى، وهذا قد يغمض تعليله؛ فإنا إن حصلنا العتق بطريق التعليق، ففسخ التعليق ممتنع، وإن بنينا الأمر

على الجواز، فقد خرمنا التعليق، وتنعطف المسألة على نفسها، ولكن الممكن في ذلك ما قررناه في الأسلوب 1 وغيره من أن هذا تعليق في ضمن معاوضة، وكأن الحاصل يؤول إلى أن التعليق غيرُ مبتوت، والمعلِّق يقول: إن أديت، فأنت حر، ما لم أرجع؛ والعتق على هذا التقدير معلق بصفتين: إحداهما - الأداء، والأخرى - عدم الرجوع، ولسنا نطيل ذكر هذا، وقد استقصيناه في الخلاف على أقصى الإمكان.
ثم يترتب على ما ذكرنا أن السيد إذا مات في الكتابة الفاسدة، قبل حصول العتق، فالكتابة تنفسخ بموته، والأداء من الورثة 2 لا يُثبت العتق، [ولا] 3 حاجة إلى تعليل ذلك [بجواز] 4 الكتابة، والبناءِ على أن العقد الجائز ينفسخ بالموت، بل المعتمد أن العتق يحصل بالصفة، وقد قال المولى: إن أديت إليّ فأنت حر، أو " إن أديت " مطلقاً، والمطلق محمول على الأداء في حياة المعلِّق، وهذا سبيل جُملة التعليقات الصادرة من الأحياء؛ فإنها محمولة على مأ يوجد في حياة المعلِّق.
قال الشافعي في التعبير عن هذا المعنى: " إذا مات السيد المكاتِب كتابة فاسدة، فجاء العبد بالنجم المشروط، لم يحصل العتق؛ لأن الوارث ليس هو القائل: " إن أديت فأنت حر " 5. أما موت المكاتَب، فلا يغمض أمره، وسنذكر أن موته في الكتابة الصحيحة يوجب انفساخ العقد، فما الظن بالفاسدة.
12504 - ومن خصائص الكتابة الفاسدة أن المكاتب إذا أدى النجم المشروط

وعتق، فما أداه مردود عليه، والرجوع بقيمة رقبته عليه بعد حصول العتاقة، فالسيد والمكاتب بعد حصول العتاقة يترادّان، فإن كان ما قبضه المولى من جنس قيمة العبد، فقد تجري أقوال التقاص، كما ستأتي مشروحة إن شاء الله.
ثم ما ذكرناه من التراجع في هذا الطرف يضاهي الرجوع إلى مهر المثل، ورد العوض المقبوض في الخلع، فإن قيل: الخلع صحيح والبدل فاسد، والكتابة فاسدة في نفسها، قلنا: العتق نافذ هاهنا أيضاً، وتعليقه صحيح، فيصح تعليق العتق بالعوض الفاسد، ولا فرق، غير أن الخلع ثَمَّ إذا تم، نجز، ولا مستدرك، والكتابة لو انعقدت على الصحة، لم ينتجز فيها الغرض؛ وهي قابلة للفسخ بعد الصحة، فالوضعان مختلفان في البابين.
والسبب في ذلك أن الكتابة تستدعي مَهَلاً وانشغالاً بالكسب، وهو عرضة للرفع، ومثل ذلك لا يتصور في الخلع.
12505 - ثم الذي يجب البوح به أن الكتابة الفاسدة تُسلِّط العبد على الاستقلال بالكسب، وهذا معنى قول الأصحاب: إذا عَتَق، تبعه الكسب.
أي ما حصّله من الكسب استحقه على اللزوم عند وقوع العتق، وترتب على هذا لا محالة سقوط النفقة عن المولى، كما في الكتابة الصحيحة، فاستقلاله بنفسه يعارض 1 سقوطَ نفقته عن مولاه، وهذا واضح في معناه.
وذكر الأصحاب استتباعَ الأولاد، كما ذكرناه في الكسب، وقال الشيخ أبو علي: رأيت للشيخ أبي زيد أن المكاتب كتابة فاسدة في استتباع الأولاد بمثابة المدبر والمعلَّق عتقه بصفة، وقد ذكرنا قولين في أن التدبير هل يتعدى من الأم إلى الولد، وهذا في ظاهر الأمر له اتجاه؛ فإن الكتابة الفاسدة إنما يحصل العتق فيها من جهة التعليق، فإذا كان يجري في ولد المعلَّق قولان، لزم جريانهما في المكاتب كتابة فاسدة.
وقد يعتضد هذا بأن الأولاد ما قيل فيهم: " أنتم أحرار إذا أدى أبوكم النجم "، وهذا يناظر ما حكيناه من قول الشافعي بعد موت السيد: إن الوارث ليس هو القائل: " إن أديت، فأنت حر ".

وهذا عندنا ذهاب عن سر المذهب في أولاد المكاتب؛ فإنا لا نحكم بعتق ولد المكاتب كتابة صحيحة إلا على مذهب استتباع الأكساب؛ فإن ولد المكاتب من جاريته بمثابة كسبه، غير أنه لا يبيعه، فإذا عَتَق المكاتَب واستتبع الكسبَ، استتبع ولدَه، وإذا استتبعه في زمان استقرار عتقه، عَتَق عليه، فإذا كان هذا مأخذ القول في ولد المكاتب -ثم الكسب يتبع المكاتب في الكتابة الفاسدة- فيلزم لا محالة أن يتبعه الولد، ويعتِق عليه، وسيأتي شرح هذا في أولاد المكاتبين 1. ولم أر أحداً من الأصحاب تشبث بمنع استتباع الكسب في الكتابة الفاسدة.
ويترتب على استتباع الكسب أمران لا بد منهما: أحدهما - سقوط النفقة عن المولى كما قدمناه.
والثاني - أن المكاتَب كتابةً فاسدة يعامِل المولى معاملة المكاتَب كتابة صحيحة، هذا من ضرورة استقلاله بنفسه.
وذكر الأئمة الخلاف في حكمين متعلقين [بالاستقلال] 2: أحدهما - أن المكاتب كتابة صحيحة يسافر إن أراد الاستقلال، والمكاتب كتابة فاسدة هل يسافر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يسافر لاستقلاله بالكسب.
والثاني - لا يسافر؛ فإن الخروج عن ضبط السيد بالكلية -والكتابة ليست لازمة في حقه- بعيدٌ، فإن أذن، لم يخفَ الحكم، وقد يملك العبد نوعاً من الاستقلال بالكسب، ثم لا يسافر كالعبد الناكح بإذن مولاه؛ فإنه يصرف أكسابه إلى المهر ومؤن النكاح، ولا يسافر.
12506 - ومما اختلف الأصحاب فيه أن سهماً من الصدقة مصروف إلى المكاتبين على الصحة، وهل يجوز صرفه إلى المكاتب كتابة فاسدة؟ فعلى وجهين، ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه يجوز؛ بناء على استقلال المكاتب بالكسب؛ توصلاً إلى تحصيل العتق، والصدقاتُ من جهةٍ توصله إلى تحصيل العتق.
والوجه الثاني - أنه لا تصرف الصدقة إليه؛ لأن الجهة غيرُ لازمة من جانب السيد، فلا تقع الثقة بقبض المكاتب.

12507 - ومما يتعلق بأحكام الكتابة الفاسدة أن الشافعي قال: من أعتق المكاتب كتابة صحيحةً عن كفارته، لم يقع العتق عن جهة الكفارة.
وهذا مشهور من المذهب، ولو أعتق المكاتَب كتابة فاسدة عن كفارته، فالذي كنا ننقله مطلقاً، أن العتق ينصرف إلى كفارةِ المعتِق، وقد حكى الشيخ أبو علي قَطْع القول بهذا عن نص الشافعي؛ فحصلت الثقة التامة.
ثم قال الشيخ أبو علي: مهما 1 أعتق السيد المكاتب كتابة فاسدة، نفذ إعتاقه، وكان ذلك فسخاً منه للكتابة وقطعاً لها، حتى لا يستتبع كسباً ولا ولداً؛ فإنا لو قلنا: يتبعه الكسب والولد، لكان العتق منصرفاً إلى جهة الكتابة، ويستحيل على المذهب براءة الذمة بالإعتاق عن الكفارة مع وقوع العتق عن جهة الكتابة، فالوجه حمل العتق على فسخ الكتابة الفاسدة ورفعها.
والذي يحقق ما ذكره أن الكتابة الفاسدة عند حصول العَتَاقة تلتحق بالكتابة الصحيحة في لزوم الاستتباع، ويفارقها ما ذكرناه من الجواز، فلو استتبع الكسبَ مع انصراف العتق إلى الكفارة، للزم مثل ذلك في الكتابة الصحيحة لا محالة.
قال الشيخ: لما خطر لي ما ذكرته في الكتابة الفاسدة من أن الكسب والولد لا يتبعان عند الإعتاق، عرضت ذلك على الشيخ القفال، فاستحسنه، وأقرني عليه، ولم ير غيره.
وهذا نجاز الحكم في ذلك، وفي جنون المولى في الكتابة الفاسدة، وجنون المكاتب فصلٌ ذكره الشافعي على الاتصال بهذا.
فصل قال: "ولو لم يمت السيد ولكن حُجر عليه أو غُلب على عقله ... إلى آخره" 2. 12508 - مضمون الفصل الكلام في الجنون إذا طرأ على الكتابة.
فلا تخلو الكتابة

إما أن تكون صحيحة أو فاسدة، فإن كانت صحيحة، فلا شك أنها لا تفسخ بالجنون، فإن جُن المولى، فالكتابة لازمة من جهته، فلا يؤثر الجنون في رفعها، وإن جن المكاتب، فالكتابة وإن كانت جائزة من جانبه، فهي مُفضية إلى اللزوم، والبيع في زمان الخيار لا ينفسخ بطريان الجنون على المتعاقدَيْن، أو على أحدهما؛ لإفضاء البيع إلى اللزوم.
ولكن يترتب على الجنون الطارىء في الكتابة ما نصفه، فنقول: إن قبض المولى في حال الجنون النجمَ، لم يصح قبضُه، ولم يترتب عليه العتق؛ فإنه لا يصح القبض منه، ولو تلف في يده ما أقبضه المكاتَب، فلا ضمان؛ فإن المكاتَب هو الذي ضيّع المال بوضعه في يد مجنون، ولو قبض القيّم النجمَ، تعلق الحكم بقبضه، وترتب على النجم الأخير حصولُ العَتاقة.
وإن سلّم المكاتب إلى المولى المجنون، فله أن يسترده منه؛ فإن حصوله في يده لم يُفده أمراً، بل هو متعرض للتَّوى 1 والضياع.
ولو جُن المكاتَب والمولى عاقل مستقل بقبض النجم من المجنون، قال الأصحاب: القبض صحيح، وعوّل المحققون في تعليل ذلك على أن قبض النجم مستحَق، ولو أخذه المولى من غير إقباضٍ من المكاتب، لوقع القبض موقعه، فوجود الإقباض وعدمِه من المكاتب بمنزلة.
وهذا يحتاج إلى فضل بيان: فإن عسُر على السيد الوصولُ إلى حقه إلا من جهة قبض ما يصادِف، فله ذلك، وإن أمكنه مراجعةُ من ينصبه القاضي ناظراً للمكاتَب، فلا وجه لاستبداده بالقبض عندنا، ولو استبد، لم يصح، وإذا كان لا يصح استبداده، فلو أقبض المجنونُ، لم يكن لإقباضه حكم، وفي كلام القاضي وغيره ما يدل على أن المولى يقبض النجم من غير فرض قيّم؛ ولعل الأئمة أثبتوا للمولى في هذا المقام حقَّ القيام بما يُحصِّل العتاقة 2، وهذا بعيد إن ظنه ظان.
ولا وجه إلا

ما ذكرناه من مراجعة القاضي، أو نصب قيم من جهته.
وهذا كله في طريان الجنون على الكتابة الصحيحة.
12509 - فأما إذا كانت الكتابة فاسدة، وفرض طريان الجنون عليها، فظاهر كلام الشافعي في الجنون الطارىء على المولى أنه يتضمن انفساخ الكتابة كالموت، وقد ذكرنا أن موت المولى يوجب انفساخ الكتابة الفاسدة، وظاهر ما نقله على الاتصال بذلك أن المكاتَب لو جُنّ والكتابةُ فاسدة، لم تنفسخ الكتابة بجنونه، وهذان النصان متعاقبان على التضاد في سطر واحد من غير تنبيهٍ على التردد، واختلاف القول فيه، وهذا مشكل في نظم الكلام جداً.
والرأي أن نذكر المذهب في هذا، ثم نتكلم على النص، فنقول: إذا طرأ الجنون على أحدهما في الكتابة الفاسدة، فحاصل المذهب ثلاثة أوجه: أحدها - أن الكتابة لا تنفسخ، وهذا هو الأقيس والأصح؛ فإن الكتابة الفاسدة وإن كانت جائزة، فمصيرها إلى اللزوم، كما ذكرناه في البيع في زمان الخيار.
والوجه الثاني - أن الكتابة تنفسخ بطريان الجنون إما على السيد وإما على المكاتب، فإنها جائزة من الطرفين، والعتق لا يحصل بها، وإنما يحصل بجهة التعليق.
والوجه الثالث - أن الكتابة تنفسخ بجنون المولى، ولا تنفسخ بجنون المكاتب، وهذا ظاهر النص 1، فإن الكتابة الصحيحة جائزة في جانبه، ثم لا تنفسخ الكتابة الصحيحة بجنونه.
هذا تصرف الأصحاب في المذهب.
فأما الكلام على النص؛ فللأصحاب فيه طريقان: منهم من قال: النص محمول على الكتابة الصحيحة، ووجه الفرق بين المولى والمكاتب عند هذا القائل أن المولى لو قبض في جنونه، لم يصح القبض منه، كما قدمناه، ولو فرض الجنون من المكاتَب، فقبْضُ المولى منه صحيح.
وهذا قد فصلناه.
وما ذكره هؤلاء مستقيم في المذهب.
ولكنه بعيد عن نظم اللفظ؛ فإن الشافعي

عطف هذا على أحكام الكتابة الفاسدة، فذكر الموتَ في الكتابة الفاسدة، ورتّب عليه الجنون، فبعُد حمل الجنون على ما جرى في الكتابة الصحيحة، فلا محمل للنص إلا الحكم بانفساخ الكتابة الفاسدة إذا طرأ الجنون على المولى بخلاف ما إذا طرأ الجنون على المكاتب، وهذا أحد الوجوه، والفرق عسير.
12510 - ومن تمام الكلام في ذلك أنا إذا حكمنا بانفساخ الكتابة على معنى أن العبد لا يستقل إذا أفاق بكسبه، فلو أدى ما شُرط عليه، ففي حصول العتق وجهان ذكرهما الأصحاب: أحدهما - أن العتق لا يحصل؛ فإن التعليق في الكتابة الفاسدة تبعٌ للكتابة وحكمها، فإذا زالت قضية الكتابة، تبع زوالَها زوالُ التعليق، كما لو فسخ السيد أو المكاتب الكتابة من غير فرض جنون؛ فإن الأصحاب مجمعون على أن الكتابة الفاسدة إذا فسخت، لم يحصل العتق بالأداء بعد فسخها.
ومن أصحابنا من قال: يحصل العتق بالأداء بعد ارتفاع مقتضى الكتابة؛ فإن التعليق قائم، وليس كما لو فسخ؛ فإن فسخه يتضمن رفع التعليق؛ إذ حاصل التعليق في الكتابة الفاسدة تعليق على صفتين: إحداهما - الأداء.
والأخرى - عدم الرجوع.
وإذا زالت الكتابة بالجنون، لم يحصل فيه الرجوع عن التعليق.
وهذا خيالٌ لا حاصل وراءه؛ فإن ما ذكرناه في التعليق على عدم الرجوع ضِمْن يحكم الفقيه به، وقد لا يهجس في نفس المولى، [وهذا الحكم يزول بالجنون.
فإن قلنا: العتق لا ينفذ، فلا كلام] 1، وإن قلنا: العتق ينفذ، فالوجه القطع بأنه لا تراجع، فإن التراجع يتلقى من مالية الكتابة الفاسدة، وقد زالت، فبقي التعليق المحض.
ومن أصحابنا من أثبت الرجوع على العبد بالقيمة، ومساقُه أن يتبعه الكسب، وهذا في حكم [البناء] 2 على ما مضى في الحكم بارتفاع الكتابة الفاسدة، فإنا إذا

أبقينا فيها اتباع الكسب والرجوعَ بالقيمة -والعتقُ قد حصل- فلم نرفع من الكتابة الفاسدة شيئاً.
12511 - ثم نقل المزني لفظاً عن الشافعي، فقال: قال الشافعي: " ولو كان العبد مخبولاً، عَتَق بأداء الكتابة، ولا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء " 1. فظاهر ما نقله أن العبد كان مخبولاً وقت العقد.
وروى الربيع هذه الصورة بهذه اللفظة، وقال: يتراجعان بالقيمة، وهذا يتضمن كونَ الكتابة الجارية مع المجنون كتابة فاسدة يتعلق بها التراجع عند حصول العتق، وهذا على نهاية الإشكال؛ فإن المجنون لا عبارة له؛ وإذا لفظَ، فلا حكم للفظه، وقبوله لا يثبت قضيةً في [المعاوضة] 2، لا على الصحة ولا على الفساد.
وقد ذكرنا أن الكتابة الفاسدة هي التي تجري بين شخصين هما من أهل العبارة، ويتخلف عن العقد شرط من شرائط الصحة، أو يشترط فيه زائد مفسد، أو يفسد عوضُها، فأما إذا كان تعلق العقد بلفظ مجنون، فيستحيل أن يكون للفظه حكم.
وقد أوضحنا أن الكتابة الفاسدة تضاهي الكتابة الصحيحة في كثيرٍ من المقاصد، ولو أطلق الفقيه الصحةَ في تلك المقاصد، لم يكن لفظه حائداً عن سَنَن الصواب، [فالعتق] 3 يحصل صحيحاً، والاستتباع يقع صحيحاًً، [والاستقلال] 4 يثبت كذلك على صفة الصحة.
فهذه أحكام صحيحة، فكيف يقتضيها لفظُ مجنون؟ نعم، لو حصل العتق بتعليق المولى، فليس ذلك بدعاً، ولكن النص الذي نقله الربيع صريح في إثبات الأحكام، نقله الصيدلاني، والعراقيون، وكلُّ موثوق به في المذهب، والذي نقله المزني على مخالفة منقول الربيع.
قال ابن سريج، فيما نقله الصيدلاني: والصحيح ما نقله الربيع، وقال أبو إسحاق: الصحيح ما نقله المزني.

ومن أصحابنا من قال: في المسألة قولان.
وقد ظهر عندنا أن ابن سُريج لم يصحح ما رواه الربيع فقهاً، ولكنه [رآه] 1 أوثق في النقل.
والمزني نقل ما [يستدّ] 2 في الفقه، فتبين أهل [العناية] 3 بالنقل أن ما نقله الربيع أصح، وما يستدّ على القياس -حتى لا يسوغ غيره- ما ذكره المزني.
12512 - ثم أجمع الأصحاب النقلة منهم والفقهاء أن الكتابة إذا جرت مع الصبي المميز، فهي تعليق محض، لا يتعلق بعقباها تراجع، ولا يثبت لها حكم من أحكام الكتابة الفاسدة.
ثم أخذ متكلفون -فيما نقله الصيدلاني- في الفرق بين الجنون والصبا، ورأوا الجنون عارضاً متعرضاً للزوال، والصبا أصل الفطرة.
ومن انتهى إلى هذا الحد، فقد خرج خروجاً لا يستحق فيه [المناطقة] 4؛ مع ما تمهد في الشرع من سقوط أقوال المجانين، وللصبي أقوالٌ تصح وفاقاً، وفي عباراته في العقود اختلاف العلماء، ولا شك في صحة عقله، وانتظام كلامه 5. وإنما أكثرت في ذلك ليثق الناظر إذا انتهى إليه بما نقلته.
ثم اعلم أن الشادي في الفقه لا يستريب في ميل منقول الربيع عن قاعدة الفقه.
وقال بعض أصحابنا: ما نقله الربيع محمول على الجنون الطارىء على كتابة فاسدة، وما نقله المزني محمول على الجنون المقترن بالعقد، وهذا الكلام منتظم في وضعه، ولكنه مخالف لما نقله الربيع نصاً.

فصل قال: " ولو كاتبه كتابة صحيحة، فمات السيد، وله وارثان ... إلى آخره" 1. فصل 12513 - صدْرُ هذا الفصل في منازعةٍ مفروضة بين عبدٍ يدعي الكتابة، وبين وارثين، ولا بد من تمهيد [أصل] 2 في مقدمة الفصل، ثم نرجع بعده إلى مقصود الفصل.
فنقول: إذا كاتب الرجل عبداً ومات، وخلّفه مكاتباً، وترك ابنين معترفين بالكتابة، فهذا يتعلّق بأطراف الكلام في مكاتبة بعض العبد، وسيأتي فيها باب معقود، [ولو لم] 3 نلتزم الجريان على ترتيب (السواد)، لأخرنا هذا الفصل إلى ذاك الباب؛ لانعطافه في جوانبه على مضمون ذلك الباب، ولكن نتبع الترتيب، ومسلكَ الشارحين، ثم ما نرى إضافته إلى ذلك الباب، أضفناه، فنقول: العبد مكاتب بإقرار الوارثَيْن، وغرضنا من هذه الصور أن أحد الابنين [لو أعتق نصيبه من المكاتب] 4، نفذ عتقه إجماعاً 5. ولو أبرأه أحد الابنين عن حصته من

النجوم برىء، وعَتَقت حصته المبرىء عندنا خلافاً لأبي حنيفة 1؛ فإنه لم يحكم بالعتق ما بقي عليه درهم، ووافق في نفوذ العتق فيه، فأما إذا استوفى أحد الابنين [بأداء] 2 حصته من النجوم، فتصوير الاستيفاء لا يتأتى شرحه الآن، فنضيف هذا الطرف إلى الباب الذي سيأتي في كتابة بعض العبد، إن شاء الله.
فإذا ثبت نفوذ العتق - إذا صرح به أحدهما - وثبت من مذهبنا نفوذُه بالإبراء، كما ذكرناه، فهل نحكم بسريان العتق إلى نصيب الابن الذي لم يُعتق ولم يُبرىء؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يسري؛ لأن العتق ينفُذ على حكم الكتابة، وكأن المعتِق هو المورِّث 3، والوارث نائب عنه، وصدَرُه عمن هو في مرتبة الخلافة والنيابة.
والقول الثاني - أن العتق يسري إلى نصيب الابن الذي لم يبرىء، ولم يُعتق؛ لأن المكاتب مملوك للورثة إلى أن يَعتِق، وعتقُ المعتِق صادرٌ عن ملكه، والخلافةُ تقتضي نزول الوارث في ملك رقبة المكاتب منزلة الموروث، ثم العتق اقتضاؤه الملك، والدليل على ثبوت الملك أن من زوّج ابنته من مكاتبه، ثم مات قبل عتق المكاتب، فالزوجة ترث شيئاً من رقبة الزوج، وينفسخ النكاح بذلك؛ ولولا حصول الملك في رقبة المكاتب للمولى، لما انفسخ النكاح.
ثم قال القاضي: الأَوْلى بناء القولين على أن الدَّين هل يمنع حصول الملك للورثة في عين التركة، وقد مهدنا هذا على بيان شافٍ، فالمكاتب [مستحَق] 4 العَتَاقة في = يكون موقوفاً .. " (ر.
التهذيب: 8/ 435). وقد أشار الرافعي إلى كلام البغوي قائلاً: " وقال صاحب (التهذيب): " قضية سياق (المختصر) حصول قولين في عتق أحد الابنين نصيبه: أحدهما - العتق، وأصحهما - المنع، بل يوقف ... إلخ " (ر.
الشرح الكبير: 13/ 491)، وانظر أيضاً (روضة الطالبين: 12/ 241).

حكم [المستغرَق] 1 باستحقاق العتق، فيجري قولان في أن الورثة هل يملكون رقبة المكاتب، كما جريا في أنهم هل يملكون أعيان التركة مع تعلق الدين بها؟ ثم قال القاضي: إذا منعنا سريان عتق أحد الابنين، فلا اتجاه لذلك إلا على نفي الملك، وصرفِ العتق إلى حكم النيابة 2، وهذا القياس يقتضي ألا ينفسخ نكاحُ بنت السيد مع المكاتب 3، ورأى هذا التخريجَ واقعاً في القياس، ثم قال: إنه مخالف للنص، وما أطبق عليه الأصحاب، فَردَّ نظره إلى بيان احتمالٍ في مسلك القياس.
وما ذكره متجه حسن، لو قلنا: إذا كاتب الشريكان عبداً، ثم أعتق أحدهما نصيبه، فالعتق يسري، وقد رأيت الطرقَ متفقةً على ذلك، إلا شيئاً غريباً سأذكره في أثناء الفصل، حيث أرى ذكره.
فإذا كنا نقطع بتسرية عتق أحد الشريكين، وإن كان العتق لو سرى متعدياً إلى جزء من مكاتَب، ثم ذكرنا قولين في سريان عتق أحد الابنين، فلا محمل لترديد القول إلا التردد في أن الورثة هل يملكون رقبةَ المكاتب؟ فإن قيل: كيف يستقيم هذا، وقد نفذتم عتقَ الوارث وما استنيب في العتق، وإنما نفذ عتقه لصَدرِه عن ملكه.
قلنا: إذا لم يملك الوارث رقبة المكاتب، ورّثناه نجوم الكتابة، فإن أبرأ، فالإبراء يتضمن العتق، ولا نظر إلى بقاء بعض النجوم عليه للذي لم يبرئه؛ فإن المبرىء أسقط جميع ما يملك، فكان بمثابة المولى إذا أبرأ عن جميع النجوم.
فإن اعترض في هذا المنتهى السؤال عن استيفاء أحد الابنين حظّه، فهذا قد أحلناه

مرّةً 1، ونحن [نجدد] 2 إحالته؛ فإن في تصوير انفراد أحدهما باستيفاء حصته عُسْراً، سيأتي كشفه، إن شاء الله.
فإن قيل: ما ذكرتموه في الإبراء، فما وجه تنفيذ عتقه؟ قلنا: وجه نفوذه تضمنه الإبراء، والإبراء يقتضي العتق.
12514 - فإذا تبين القولان في سريان العتق، فالتفريع عليهما: إن قلنا: لا يسري، فقد حصل العتق في مقدار حصته، ويتعلق بهذا الآن الحكم في الولاء، وأنا أرى تأخيره، ونستوفي تفريع السراية نفياً وإثباتاً، ثم أنعطف على بيان الولاء في الصور، وأسوق ما يتعلق به حتى يُلفى منتظماً غيرَ مبدّد في أثناء المسائل.
ثم إذا لم يسر العتق، بقي الابن الثاني على حصته في الكتابة.
وإن حكمنا بأنه يسري عتقُ أحد الابنين إلى نصيب الثاني، فمتى يسري، وكيف وجه السريان؟ 12515 - نقدم على هذا أصلاً، وهو أن الشريكين في العبد إذا كاتباه معاً، ثم أعتق أحدهما نصيبه، نفذ العتق، وسرى إلى نصيب صاحبه، قطع الأئمة بذلك، ثم في وقت السريان قولان في الشريكين: أحدهما - أنه لا يسري العتقُ في الحالة الراهنة؛ فإن في تسريته إبطال الكتابة، ولكنا ننتظر ما سيكون، فإن رق ذلك القدرُ، ولم [تَجْرِ] 3 الكتابة إلى منتهاها، فإذ ذاك يسري عتق الشريك وإن استمرت الكتابة، وأفضت إلى العتق، فلا سريان.
والقول الثاني - إنّ عتق أحد الشريكين يسري في الحال.
وليقع التفريع على قول تعجيل السراية، وهذا القول موجه بمقتضى السراية؛ فإن

العتق الساري مقطوع به، فلا يجوز أن يكون مقتضاه في السراية متأخراً على خلاف القياس.
التفريع: إن حكمنا بأن العتق لا يسري ما لم يرِقّ نصيب الشريك، فالسريان على هذا القول لا يصادف كتابةً ولا ينقضها، فإن شرط نفوذ السراية على هذا القول تقدم ارتفاع الكتابة.
وإن رأينا أن نسرّي العتق في الحال، فهل تنفسخ الكتابة في نصيب الشريك، أم يسري العتق في نصيب الشريك على حكم الكتابة، من غير تقدير انفساخ؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن الكتابة تنفسخ، ويترتب السريان على الانفساخ.
والثاني - لا تنفسخ الكتابة، بل يسري العتق ويجري، ونصيب الشريك مُقَر على حكم الكتابة.
12516 - ونعود إلى إعتاق أحد الابنين الوارثين المكاتَبَ، ونقول: إن نفذنا سراية العتق، فمتى يسري؟ فعلى قولين كما ذكرناه في عتق أحد الشريكين حَذْوَ القُذَّة بالقُذّة، ثم أحد القولين أن العتق لا يسري ما لم يرِق نصيب الابن الثاني.
والقول الثاني - أنه يسري في الحال، ثم في انفساخ الكتابة في نصيب الابن الوجهان المذكوران في مسألة الشريكين.
12517 - ونحن من هذا الموضع ننعطف على ما تقدم لبيان حكم الولاء، فإن قلنا: لا يسري عتق الابن، بل يقتصر على مقدار حصته في رقبة المكاتب، فالنصيب الثاني مكاتب لا محالة، فإن عتق ذلك النصيب بأداء النجوم، أو بإبراء، أو إعتاق، فالولاء في رقبة المكاتب للميت لا غير، ثم يرث الابنان بولاء الأب، كما مهدناه في قاعدة الولاء، هذا إذا عتق نصيب الثاني أيضاً.
فأما إذا رقّ نصيب الثاني -والتفريع على عدم السريان- فقد انفسخت الكتابة في المقدار الذي رَقَّ، وذكر الأصحاب وجهين في أن الولاء في النصف الذي عَتَق مصروف إلى من؟ فمن أصحابنا من قال: هو للمبرىء من الابنين، لا حظ فيه للذي رق نصيبه، ومنهم من قال: هو مصروف إليهما.
وهذا الذي نقلناه عن الأصحاب كلام مبهم لا بد من كشفه، فنقول: إذا انفسخت

الكتابة في نصيب أحد الابنين بأن رَقَّ لما عجز، فهل نقضي بالانفساخ في نصيب المبرىء منهما؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نحكم بانفساخها في ذلك النصيب أيضاً.
والثاني - لا نحكم.
وهذا إشكاله أعظم مما قدمناه؛ فإن العتق إذا نفذ على حكم الكتابة، أو بسبب الإبراء، فلا سبيل إلى استدراك ما نفذ، ولو قلنا: نتبين أن العتق صادف ملكَ المعتِق، والرقَّ المستحق له، لكان هذا خرماً عظيماً للقاعدة، وتبيُّناً في غير موضعه، فإن كل ما نتبيّنه من الأحكام، فلا بد وأن نتبين له فيما مضى مقتضياً، ولم يظهر لنا مقتضٍ [آخِراً] 1 يوجب تبين انفساخ الكتابة.
[وإنما يجري ذلك في الكتابة] 2 ما لم يكن التبعيض بين الوارثين؛ فإن مبنى الكتابة في حياة السيد على نفوذ العتق، أو على ارتداد الجميع رقيقاًً، وكأنّ الإبراء عن بعض النجوم لا يوجب تحصيل شيء من العتق، والآن لما انقسم المكاتب بين الوارثَيْن، فيعتِق، ثم يضاف إلى أحدهما بإبرائه عن نصيب نفسه في النجوم، وهذا لا بد من احتماله، وقد يموت والكتابة منشأة في المرض، فيضيق الثلث، ويرق بعض المكاتب، فهذه التغايير لا بد من احتمالها.
فالوجه عندنا القطع بأن الكتابة لا يتبين انفساخها في نصيب من أبرأ من قبل أو أعتق، وإذا كان كذلك فالذي رَقَّ يخلص لأحد الابنين؛ إذ لو رددنا ذاك ميراثاً بينهما، [لجرّ] 3 ذلك محالاً؛ من قِبل أن الذي أبرأ عن نصيبه كان إبراؤه بمثابة استيفائه حقه، فيستحيل أن يستوفي أحدهما على الخصوص حقه من النجوم، ثم يشارك صاحبه فيما يرق.
فقد تحصل مما ذكرناه أن الرقيق مختص بالذي رق عليه، والعتق نافذ عن جهة

الكتابة في الذي عَتَق، وإذا كان كذلك، فيجب نسبة الولاء إلى الميت، وقد أوضحنا في قاعدة الولاء أنه لا يورث بل يورث به، وإذا كان كذلك، فالوارث بالولاء من ينتسب بالعصوبة إلى من له الولاء، والابنان جميعاً متساويان في جهة العصوبة من المولى.
ولكن وإن كان كذلك، فللأصحاب خلاف.
فمنهم من يجري على القياس الذي نبهنا عليه؛ وقال: الابنان: من رق نصيبه ومن أبرأ مشتركان في الإرث بالولاء، وهذا إنما يُخرَّجُ على قولنا: مَن بعضه حر وبعضه رقيق موروث، وفيه الاختلاف والتفصيل الطويل المذكور في الفرائض.
فتحصّل مما ذكرناه أن الحكم بانفساخ الكتابة في الذي عتق محال، ويجب صرف الولاء فيه إلى الميت، ثم الأصح بعده أنهما يشتركان في الاستفادة بذلك الولاء [إن حصلت] 1 استفادة.
ومن أصحابنا من قال: يختص بتلك الاستفادة المبرىء؛ فإنا وإن كنا لا نورّث الولاء، فيبعد أن يكون أحد الابنين مستوفياً حقه من الرقبة رقاً، ومشاركاً للثاني في فائدة الولاء، وهذا الوجه وإن كان مشهوراً، فمبناه على استبعاد محض لا حاصل له.
12518 - ومما يتعلق بهذا المنتهى أن أحدهما إذا أبرأ -كما صورناه- ولم يتبين في النصيب الثاني بعدُ انقلابٌ إلى الرق، أو جريانٌ إلى العتق، فمن رأى في المسألة الأولى -وهي إذا رق نصيب أحدهما- أن يشتركا في فائدة الولاء، فلا شك أنه يحكم بهذا في هذه الصورة، ومن خصص المبرىء في الصورة الأولى بفائدة الولاء، فهاهنا ماذا يصنع؟ هذا فيه تردد عظيم.
وقد ذكر القاضي وجهين هاهنا، وليس ذلك على تثبت، والوقف بهذا المقام ألْيَقُ: فإن عَتَق النصيبُ الثاني على حكم الكتابة، فالولاء مشترك، يعني الاستواء في فائدته، وإن رَقّ النصيب الثاني، فقد مضى الحكم فيه، وتبين اختلافُ الأصحاب

ووجههُ، ولا يتجه عندنا إلا هذا، ولا فائدة في غيره؛ فإنا لا نعقل فيما نحن فيه فائدةً للولاء إلا الإرث -إذا قلنا به في الشخص المبعض- وإنما مجرى الإرث إذا مات الشخص الذي فيه نتكلم، وإذا مات في أثناء الأمر، انفسخت الكتابة في نصفه الثاني، ووقع القضاء بتحقق الرق فيه، فيعود الكلام لا محالة إلى صورة جريان الرق في أحد النصيبين.
فهذا تمام الكشف في ذلك.
وجميع ما ذكرنا تفريع على أن العتق لا يسري.
12519 - فإن حكمنا بأن العتقَ يسري، فقد ذكرنا في وقت السراية قولين: فإن قلنا: لا يسري العتقُ ما لم يرِقَّ النصيب الثاني، فلا شك أنه إذا رَقّ، ثم عتق بحكم السريان، فالولاء فيما رق للابن المعتِق، أو المبرىء؛ فإن الكتابة انفسخت في ذلك النصيب، وقدرنا نقل الملك فيه إلى المعتق، ثم نفذنا العتق عليه، فله فيه ولاء المباشرة، وأما الولاء في النصف الذي عتق على حكم الكتابة، فيجب القطع بانصرافه إلى المتوفى، ولا يَتَخَيّلُ انفساخَ الكتابة فيه تبيّناً من هو على بصيرة في درك حقيقة هذا الفصل.
ثم يعود خلاف الأصحاب في أن المعتق هل يختص بفائدة الولاء في ذلك النصف، أم يشترك الابنان فيها؟ والأصح اشتراكهما، لما ذكرناه من فصل الانتساب بالعصوبة، وفيه الوجه الآخر.
فأما إذا قلنا: يسري عتقُ المبرىء، أو المعتِق في الحالة الراهنة، فقد ظهر خلاف الأصحاب في أن الكتابة هل تنفسخ فيما يسري العتق فيه؟ فمنهم من قال: إنها تنفسخ، فعلى هذا يرِقّ ذلك النصف، ثم ننقل الملك فيه، ثم نعتقه على المعتِق، ويعود التفريع إلى القول الأول، وهو إذا رأينا انتظار الرق، فرَقَّ، ثم سرى، وأمرُ الولاء على ما مضى في ذلك القسم.
فإن قيل: كيف يتجه فسخ الكتابة، ولا سبيل إلى التسبب إلى فسخها من جهة السادة، ما لم يَعجِز المكاتَب؟ قلنا: إنما يقرب احتمال ذلك لمكان حصول العتق، وإذا حصل العتق، فهو

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل