نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 209-248
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الغصب

صفحات 209-248
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فقالوا: اليد [تُضَمِّن] 1 كالإتلاف، ثم التلف يقع على وجهين: أحدهما - المباشرة، والثاني - التسبب، فلتنقسم اليد هذا الانقسام، حتى يقال: التسبب إلى اليد بما يعدّ في العرف سبباً إذا أفضى إلى حصول الشيء تحت اليد، ينزل منزلة مباشرة اليد.
ثم قالوا: من اقتنى قطيعاً عُد متسبباً إلى إثباتِ اليد على الأولاد، فاُلزِم الأصحاب ما إذا غصب بقرة، فتبعها الفحل، أو غصب هادي القطيع، فتبعه القطيع، فذكر الأئمة وجهين في أن هذا هل يكون تسبباً إلى إثبات اليد على الفحل والقطيع؛ حتى نقضي بأن حركتها في صوب الهادي كحركتها في الصوبِ الذي يريده من استاقها؟ وفي المسألة احتمال.
[والوجه] 2 المنع إذا سلكنا هذه الطريقة.
وقد ذكرنا في الأساليب 3 طريقةً معتمدة سوى التسبب إلى اليد.
وتيك أمثلُ عندنا.
4588 - هذا بيان أحكامٍ أردنا تقديمها في حق الغاصب، ونحن الآن نبني عليها مقصودَ الفصل، وهو الشراء من الغاصب، وما يتعلق به فنقول: من غصب عبداً وباعه من إنسان، وأقبضه إياه، فلا يخلو المشتري من الغاصب إما أن يكون عالماً بحقيقة الحال، أو جاهلاً.
فإن كان عالماً، فحكمه إذا قبض من الغاصب عن هذه الجهة كحكم الغاصب من الغاصب، غيرَ أنه دفع الثمن إلى الغاصب، فيرجع فيه ويستردّه.
ثم من غصب من الغاصب، ضمن ما غصبه من يوم الاستيلاء إلى الفوات، إن قُدّر الفوات، فيضمنه بأقصى قيمته من يوم غصبه إلى أن تلف في يده، ولا يضمن ما تقدم على غصبه ممّا جرى في يد الغاصب الأول.
وبيان ذلك أن الأول لما غصب العبد، كان قوياً سليماً مساوياً ألفاً، لسلامته عن العيوب، ثم عاب في يد الأول، وعادت قيمته إلى خمسمائةٍ.
وغصبه الثاني، فلا يطالب الثاني بالزيادة التي كانت في يد الغاصب الأول فعابت.
ولو فرضت زيادة في يد الغاصب الثاني.
فلا شك أنه مطالب بها.

ثم الغاصب الأول يطالب [بما يطالب] 1 به الغَاصب الثاني؛ فإنَّ غصبه طريقٌ إلى غصب الثاني.
والغاصب الثاني لا يطالب بزيادةٍ كانت في يد الأول؛ فإن ضمان الغصب يستحيل أن يسبق الغصب منعطفاً على سابقٍ.
ولو تلفت العين في يد الثاني، فقرار الضّمان في التالف عليه، وللمغصوب منه أن يضمن من شاء منهما: فإن ضمّن الثاني، استقر الضمان عليه، وإن ضمّن الأولَ ما دخل في ضمان الثاني، رجع به الأول على الثاني.
وإن ضمن الأول ما اختص الأول بضمانه، ولم يدخل في ضمان الثاني، فلا شك أنه لا يجد مرجعاً به على الثاني.
هذا كله إذا كان المشتري من الغاصب عالماً بحقيقة الحال.
4589 - فإن كان جاهلاً، وقد اشترى جاريةً مغصوبة، فإن وطىء، فلا حدّ، ووجب المهر، وإن علقت بولد، فهو حر.
والتفصيل في وجوب الضّمان إذا انفصل حياً، ونفيِه إذا انفصل ميتاً من غير جنايةٍ، والعوْد إلى إثبات الضمان إذا انفصل ميتاً بجناية جانٍ، وما فيه من التفصيل، كما مضى حرفاً حرفاً، في الغاصب نفسه إذا جهل التحريم.
ويعود تفصيل القول في الجارية ومطاوعتها، وجهلها، وجريان الاستكراه منها 2. ومما نذكره الآن أن المشتري إذا وطىء على الجهالة مراراً، لم يلزمه إلا مهرّ واحد، وكذلك من نكح امرأةً نكاحاً فاسداً، فوطئها مراراً، لم نُلزمه إلا مهراً واحداً، وكذلك إذا صادف على فراشه امرأةً وظنها زوجتَه، فوطئها.
والسبب فيه أن المقتضي للمهر الشبهةُ وهي متحدة، ولو انكشفت الشبهة بعد جريان الوطء فيها، ثم عاد وجرى وطء آخر في الشبهة الثانية، فحينئذٍ يتعدد المهر، لتعدد الشبهة.
ولو كان يطأ الغاصب المغصوبة على علم، وكانت مستكرهة، أو مطاوعةً، ورأينا أن نوجب المهر، فلو تعدد الوطء من غير شبهةٍ، فقد كان شيخي يتردد في تعدد المهر، ولا معنى للتردد عندنا، بل الوجه القطع بأن في كل وطأةٍ مهراً؛ فإن موجِب المهر

إتلافُ منفعة البضع، لا شبهةٌ تطّرد.
وهذا المعنى متعدد.
ثم ينشأ مما ذكرناه لطيفةٌ في المذهب يقضي الفقيه العجبَ منها، وهي أن الغاصب، أو المشتري من الغاصب إذا وطىء على شبهةٍ، و [ظنٍّ] 1 في التحليل، فيظهر تعدد المهر، إذا قلنا: المهر يتعدد مع العلم بالتحريم؛ فإن موجِب المهر الإتلافُ، ولا حاجة إلى إحالته على الشبهة، والإتلافُ متعدد.
وإنما يظهر اعتماد اتحاد الشبهة، حيث لا يجب المهر لولا الشبهة.
وهذا واضحٌ لا خفاء به.
4590 - ثم إذا تلف العين المغصوبة في يد المشتري، استقر عليه الضّمان في قيمتها.
والكلام يقع وراء ذلك فيما يرجع به المشتري -إذا ضمنه- على الغاصب البائع، وفيما لا يرجع به.
وهذا مقصود فصل الشراء.
فنقول: أما العين إذا تلفت 2 في يد المشتري، وغرم قيمتها، فإنه لا يرجع بما غرِم على البائع، والسبب فيه [أنه] 3 قبض المبيع على اعتقاد أنه قابضه على حكم الضمان؛ فإن البيع عقد ضمانٍ.
وأمّا ما يلتزم من قيمة الولد الذي حصل العلوق به على الحرية، فإنه يرجع به على الغاصب باتفاق الأصحاب.
وإذا غرم المهر لما وطىء، فهل يرجع بالمهر الذي غرِمه على الغاصب، فعلى قولين، ونحن نرسل موضع الوفاق والخلاف، ثم ننعطف، فنحقق كل شيء على حسب ما يليق به.
وإذا غرم المشتري أجرة المنافع، نُظر: فإن غرمها لأجل اليد، وما كان استوفى المنفعة؛ فإنه يرجع بما يغرمه من الأجرة، وإن استوفى المنفعة وغرِم أجرتَها، ففي رجوعه على الغاصب القولان اللذان ذكرناهما في المهرِ.
فهذان بيان قواعد المذهب فيما يرجع به، وفيما لا يرجع به، وفاقاً وخلافاًً، من طريق النقل.

4591 - وبيان هذه المنازل من طريق التحقيق أن كل ما يقابل العوضَ المبذولَ في الشراء، فالضمان فيه يستقر على المشتري إذا تحقق الفوات، وما لا يقابله عوض الشراء ينقسم إلى ما يستوفيه المشتري، وإلى ما يفوت في يده من غير استيفائه، فأما ما يفوت من غير استيفاء، وليس مقابلاً بالعوض، فإذا غرِمه، رجع به.
والسَّبب فيه أنه لم يتلف مضموناً بالعقد لو قُدِّر العقدُ صحيحاً؛ إذ المنافع ليست معقوداً عليها في شراء العين، وكل ما لا يقابله عوض العقد لا يدخل في ضمان العقد.
والذي يحقق ذلك أن من اشترى شيئاً شراء صحيحاً، وانتفع به زمناً، ثم اطلع على عيبٍ ورده؛ فإنه لا يرد لمكان فوات المنافع شيئاً.
وكل قبض لا يترتب على جهة ضمانٍ، فلا يكون سبباً لقرار الضّمان؛ فإن الغاصب إذا أودع شيئاًً عند إنسانٍ، فقبله المودَع ظاناً أنه مالك الوديعة، وتلف في يده؛ فإنه إذا ضمن، لم يستقر الضمان عليه.
بخلاف ما لو استعار من الغاصب على جهلٍ، أو أخذ منه عيناً على سبيل السوم كذلك؛ فإنه إذا تلف 1 في يده، والجهة جهة ضمانٍ في وضعها، فالضمان يستقر.
وكل ما لا يقابل عوضاًً في الشراء، ولكن أتلفه المشتري، واستوفاه، فتخرّج المسألة على قولين.
والسَّبب فيه أن الإتلاف مستَقَر الضمان في وضع الشرع، ولكن البائع غرَّ المشتري، لما سلطه على الانتفاع، وإذا اجتمع الغرور، وإتلاف المغرور، فينتظم قولان: أحدهما - أن القرار على المتلِف، وهو القياس.
والثاني - أن القرار على الغارّ.
وسيأتي أصل ذلك فيه، إذا قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى إنسان، وسلطه على أكله، فأكله ظاناً أنه ملك المقدِّم، فإذا غرِم قيمته للمالك، ففي رجوعه بما غرم على الغار قولان، سيأتي ذكرهما.
فإن قيل: هلا طردتم هذا الخلاف في قيمة الولد المنفصل حياً حراً؟ قلنا: [إنّ] 2 المغرور ليس ينتسب إلى حقيقة إتلافٍ في الولد، فيقوى وقعُ الغرور فيه؛ فإن سبب الحرية اغترار الواطىء الوالد، ولكن موقع هذا الاغترار الغار.

فهذا بيان القواعد.
4592 - ثم ذكر صاحب التقريب أمراً بدعاً، لم أر ذكره على نسق المذهب، ولم أر الإخلال بما جاء به.
قال: إذا اشترى عبداً بألفٍ، وقيمته ألف، وتلف في يده، فلا شك في إقرار الضمان عليه.
ولو اشترى عبداً قيمته ألفان بألفٍ، وتلف في يده، وغرم ألفين، فلا يرجع بأحد الألفين، ويرجع بالثاني.
وهذا مما انفرد به من بين الأصحاب كافّة؛ فإن الأصحاب اعتبروا مقابلة العين بالثمن.
فإذا تقرر ذلك، فلا نظر إلى قيمة العين بالغةً ما بلغت؛ فإن عُلقة الضّمان متعلقة بالعين.
وما ذكره صاحب التقريب على بعده يمكن أن يوجَّه بأن أحد الألفين في حكم المحاباة الخارجة عن حقيقة المعاوضة.
ولهذا يعد تبرعاً في حق المريض، محسوباً من الثلث.
وإذا وهب الغاصب العينَ المغصوبة وسلمها، فتلفت في يد المتهب، ففي قرار الضمان على المتهب قولان، سنذكرهما بعد هذا، على نظم مسائل تقديم الطعام إلى المغرور.
وقال 1: لو اشترى عبداً قيمته ألف بألفٍ، ثم زادت قيمته في يده، فصار يساوي ألفين وتلف في يده، وغرم أقصى القيم، فلا يستقر الضّمان إلا في مقدار الثَّمن من القيمة، ويرجع بالباقي.
وهذا أبعد من الأول؛ فإن العقد عري عن انعقاده عن معنى المحاباة، وما جرى من زيادة لا تلحق العقد بالمحاباة التي ذكرناها.
ولو اشترى رجل بهيمة، أو جارية من الغاصب، فولدت في يده ولداً جديداً، لم يكن موجوداً حالة العقد حملاً، ثم تلف في يد المشتري، فلا شك أنه يضمن قيمتَه، وإذا ضمنها، رجع بها؛ فإنّ هذا الولد لم يرد عليه العقد، ولم تشتمل عليه عهدتُه، ولهذا قلنا: ينفرد المشتري عن المالك على الصحّة به، ويردّ الأصل بالعيب.
4593 - ومن تمام ما نحن فيه وهو من الطوام الكبار تفصيل القول فيه إذا عابَ

المغصوب في يد المشتري بآفة، وغرِم أرش النقص للمغصوب منه، نظر: فإن عاب بفعل المشتري فإذا غرم أرشه، استقر الضّمان عليه، ولم يرجع به على الغاصب.
وقياس ذلك بيّن؛ فإنّ العين إذا كانت مضمونة عليه، فالأجزاء بمثابتها، فإذا كان يستقر الضمان في قيمة العين لو تلفت، فيستقر في النقصان اعتباراً للأجزاء بالجملة، وهذا ظاهرٌ في العيب الذي يحدثه المشتري.
فأما إذا حدث العيب بآفة سماوية، فقد قال الشافعي: إذا غرِم المشتري نقْصه، رجع به على البائع.
قال المزني: هذا خلاف أصله، لأنه قد قال: لو تلفت الجملة، فغرِم قيمتها، لم يرجع بها على الغاصب، والأجزاء حكمها حكم الجملة.
وقد وافق المزني طوائفُ من الأصحاب.
وإذا تصرف المزني على قياسِ مذهب الشافعي مخرِّجاً، كان تخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره.
فاتسق إذاً قولان: أحدهما - منصوص.
والثاني - مخرّج، ووجه المخرّج لائح، كما ذكره المزني.
قال ابن سُريج: إن قلنا: يستقر الضّمان ولا يرجع، فالوجه ما ذكره المزني.
وإن قلنا: يرجع ولا يستقر الضمان، وهو ظاهر النص، فوجهه أن العاقد يدخل في العقد على أنه يضمن الجملة دون الأجزاء؛ يدل عليه أنَّ المبيع إذا عاب في يد البائع، فليس للمشتري أن يغرّمه أرشَ العيب، بل له الخيار بين الفسخ وبين الرضا بالعيب، من غير استرداد شيء.
وكذلك لو باع رجل عبداً بثوب وأقبض العبدَ، وقبض الثوب، ثم اطلع على عيبٍ قديم بالثوب، والعبد قد عاب في يد من قبضه، فليس لصاحبِ الثوب أن يرد الثوب بالعيب ويسترد العبد، ويطلب أرش العيب الحادث، بل له الخيار بين أن يفسخ العقد بالعيب ويرضى به معيباً.
وبين أن يرد الثوب ويرجع بقيمة العبد - هكذا نقله من يوثق به عن القاضي.
وليس الأمر كذلك عندنا، بل الوجه أن يرد الثوب، ويستردَّ العبد مع أرش النقص؛ فإن العبد في هذا المقام ليس مضموناً بالثمن، إنما هو مضمون بالقيمة.
ومعنى هذا الكلام أن العبد لو كان تالفاً، فصاحبُ الثوب يرد قيمة العبد.
وإذ كان

يستردّ جملة العبد سليمةً، وقيمتَها تالفة، فيسترد العبدَ معيباً، مع أرش العيب.
وليس كالمبيع في يد البائع؛ فإنه مضمون بالثمن.
(1 ولو تلف العبد، سقط الثمن بتلفه، ولا يقابل العيب منه بجزء من الثمن 1) بسبب أن رده واسترداد جملة الثمن ممكن.
والذي قاله القاضي ليس بعيداً عن الصواب، أيضاً؛ فإن الرجل إذا أصدق امرأته عبداً، فعاب في يدها، ثم طلقها زوجهاً قبل المسيس، واقتضى الطلاق تنصيفَ العبد، ورجوعَ نصفه إلى المطلِّق، فالزوج بالخيار بين أن يرجع في نصف قيمة العبد سليماً، وبين أن يرضى بنصف العبد معيباً، ولا يكلّفُها ضمَّ أرش النقص إلى نصف العين، فيجوز أن يقال: من يرد الثوب يجري على هذا المنهاج، في استرداد المعيب.
وبين المبيع المسترد وبين الصداق فرقٌ، سنذكره في كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى.
فإذاً أفاد ابن سريج مذهباً في مسألة الثوب والعبد، وبنى عليه تعليلَ نص الشافعي في المشتري من الغاصب، فإذا صح ما ذكره ابن سريج في مسألة الثوب والعبد، ابتنى عليه ما أراده من توجيه النصين.
ثم قال ابن سريج مدلاً بما أورده: إن هذا معنى يلطف مدركه.
4594 - ومما يتم به تفريع القول في التراجع: أن كل ما لو غرِمه المشتري، لرجع به على الغاصب، فإذا غرمه الغاصب، استقر الضمان عليه، وكل ما لو غرمه المشتري لم يرجع به على الغاصب، فلو وجه المالك الغرم فيه على الغاصب، كان له ذلك.
ثم إنه يرجع به على المشتري؛ فإنه لا يتصور قرار الضمان على شخصين على البدل.
4595 - وممّا يختلج في الصدر أن الغاصب إن طولب بقيمة ما باع أو منفعته، فقياسه بيّن.
فأمّا مُطالبته بالمهر وليس منافع البضع مضمونةً بالغصب، وليس هو متلفاً لمنافع البضع، فإن الواطىء هو المشتري، فهل يطالَب الغاصب بالمهر؟ وكيف السبيل فيه؟ نقدّم عليه أن الجارية المغصوبة لو وطئها واطىء بالشبهة في يد الغاصب، ففي مطالبة الغاصب احتمالٌ، يجوز أن يقال: لا نطالبه لما نبهنا عليه.
ويجوز أن1

يقال: إنه يطالَب، لأن الأمر أفضى إلى الغرم، فيبعد فرض غرم في مغصوب لا تتعلق المطالبة فيه بالغاصب.
4596 - فإذا تبين هذا، عدنا إلى غرضنا.
فإن قلنا: المشتري لا يرجع بالمهر على الغاصبِ، فمطالبة الغاصب بالمهر محتمل، وظاهر القياس أنْ لا يُطالب.
فإن قلنا: المشتري يرجع على الغاصب بالمهر، إذا غرِمه، فتظهر مطالبة الغاصب حينئذ؛ من جهة أن مقر الضّمان عليه، وليس يبعد أن يقال: لا يطالبه المغصوب منه؛ فإن حكم الغصب لا يقتضي المطالبة بالمهر.
وهذا التردد في المهر ذكره صاحب التقريب على وجهه.
وإنما الرجوع بسبب الغرور، وعُلقة الغرور مختصة بالمغرور، فليطالب المشتري الواطىء أولاً، ثم إنه يرجع بسبب الغرور على من غره.
4597 - ومن تمام القول في ذلك أنَّ الغاصب لو أكرى العبدَ المغصوب من إنسان، [فاكتراه ذلك الإنسان] 1 على جهلٍ، فلو تلفت العينُ في يد المكتري، وغرَّمه المغصوب منه، رجع بالقيمة على الغاصب المكري، على طريقة المراوزة؛ من جهة أن العقد لم يتضمن ضماناً في العين المكراة؛ إذ معقود الإجارة [و] 2 مقصودُها المقابلُ بالعوض المنافعُ.
وسنذكر للعراقيين في مسألة الإجارة كلاماً بعد هذا، إن شاء الله.
وإذا غرِم أجر مثل المنفعة، لم يرجع بما غرمه على الغَاصِب، سواء استوفاها، أو تلفت تحت يده؛ لأنه دخل في العقد على التزام العوض في مقابلة المنفعة.
فإن زوج الغاصب الجارية المغصوبة، وسلمها إلى الزوج، فلو تلفت تحت يد الزوج، فالقول في قيمتها، كالقول في قيمة العين المكراة.
وإن غرم أجر مثل المنافع، نُظر: فإن لم يستوفها، رجع بما غرم في مقابلتها على الغاصب؛ فإن عقد النكاح لا يرد على منافع البدن، فليست مقابلةً بالعوض.
وإن

استوفاها، واستخدم الجارية، فما يغرمه في مقابلة ما استوفاه لا يرجع به على الغاصب قولاً واحداً.
وليس كما لو اشترى الجارية المغصوبة، وانتفع بها؛ فإنَّ في الرجوع قولين مأخوذين من قاعدة الغرر.
والفرق أن المشتري يتسلط على الانتفاع بالمبيع بتسليط البائع إياه؛ فإن عقد البائع إذا صح، اقتضى ذلك، وعقد النكاح إذا صح، لم يقتض تسليط الزوج على استخدام الزوجة.
وإذا غرِم المتزوجُ من الغاصب 1 المهرَ، لم يرجع به على الغاصب؛ لأنه دخل في العقد، على أن يقابل الوطء بالعوض، والمغرور بحرية زوجته وهي رقيقة إذا غرِم المهرَ، ففي رجوعه على الغار في النكاح الصحيح قولان.
والفرق أنه مَلَكَ منافعَ البُضع، وَبذَل المهرَ على أن يتأبد له البضع، فإذا 2 بأن ما يوجب الفسخ، فلا يلزمه الرضا بالعيب، فمقتضى الفسخ استرجاع البدل، فثبت الرجوع على الغارّ على أحد القولين لذلك.
والعقد في مسألة الغصب فاسد، لا يقتضي استحقاق البضع، حتى لو غرّ من لا يحل له نكاح الأمة بحرية زوجته، فوطئها، ثم بانت أمة، وبان فساد النكاح، فإنه يلتزم مهر المثل، ولا يرجع به المغرور على الغار لما ذكرناه.
وفي فساد النكاح في مسألة المغرور بحرية زوجته مزيد نظر، نذكره في كتاب النكاح إن شاء الله.
وما ذكرناه في الغصب مستقيم لا مراء فيه.
وقد نجز تفصيل القول في الشراء من الغاصب.
فرع: 4598 - قال العراقيون: إذا اشترى من الغاصب -على ظن أنه مالكٌ- جاريةً، وأولدها، وغرِم قيمة الولد للمغصوب منه، وغرم نقصَ الولادة؛ فإنه يرجع بقيمة الولد على الغاصب قولاً واحداً، ويرجع عليه أيضاً بنقص الولادة، وعللوا بأنّه مقتضى الولادةِ وأثرِها، فإذا رجع بقيمة الولد، رجع بأثر انفصاله.
وقطع المرَاوزة بخلاف هذا؛ فإن نقصان الولادة من نقصان العين، والعينُ مضمونة، فليلحق نقصان الولادة بكل نقص يقتضيه آفة سماوية.

وقد ذكرنا نص الشافعي في العيوب وتخريج المزني وكلام ابن سريج.
والغرض من رسم هذا الفرع أن نبين أنه لا فرق بين نقصٍ اقتضته الولادة وبين غيره من النقائص.
فصل يجمع أحكام الجناية في العبد المغصوب بأصولها وفروعها 4599 - فنذكر التفصيل في جناية العبد المغصوب، ثم نذكر الجناية عليه.
فإن جنى العبد المغصوب، نُظر: فإن كانت جنايته قتلاً موجباً للقصاص، فإذا قُتل قصاصاً، غرِم الغاصب للمالك أقصى القيم من الغصب إلى يوم الاقتصاص.
وإن كانت الجناية على طرفٍ، وكانت موجبة للقصاص، فإذا قطعت يده قصاصاً، وكان قطع يداً، فنجعل ذلك بمثابة ما لو سقطت يده بآفةٍ سماوية.
ولو كان كذلك، نظر: فإن كان ما نقص من قيمته نصفُ قيمته، فهو الواجب على الغاصب.
وإن كان أكثرَ من النصف، وجب ما نقص، وإن زاد على أرش اليد.
وإن كان النقصان دون نصف القيمة، فقد ذكرنا اختلاف الأصحاب فيه، والأظهر أنه لا يجب إلا ما نقص؛ فإن أرش الطرف إنما يتقدر على الجاني، والغاصب ليس جانياً.
ومن أصحابنا من ألزمه المقدَّر، وإن زاد على ما نقص من القيمة، وأحله محل الجاني.
ولو كانت جناية العبد موجبة للمال، فالأرش متعلق برقبته، ثم يجب على الغاصب تخليصه بالفداء.
ثم ذكر الأئمة فيما يفديه الغاصب به القولين المشهورين: أحدهما - أنه يفديه بأقل الأمرين: من الأرش والقيمة.
والثاني - أنه يفديه بالأرش بالغاً ما بلغ.
والقولان يجريان في الغاصب جريانهما في المالك إذا أراد أن يفدي عبده الجاني.
فإن قيل: قول الأرش إنما يتجه في حق المالك؛ من جهة امتناعه عن بيع العبد، مع التمكن منه، وكنا نجوز أن يعرض على البيع، فيشترى بمبلغ الأرش، فكان المنع من البيع سبباً في التزام الأرش، والغاصب لا يتمكن من البيع، فكيف يقدر مانعاً؟ قلنا: هو بغصبه مانعٌ مولاه من بيعه، فصار ذلك سبباً في تضمينه، ونُزِّل لأجله منزلة

المالك، ثم إذا ثبت وجوب الفداء عليه، ابتنى عليه توجه الطَّلِبة على الغاصب، من جهة المجني عليه، وسيزداد هذا وضوحاً في تفاصيل المسائل.
هذا بيان قاعدة الحكم في جناية العبد المغصوب.
4600 - فأمّا الجناية عليه، فلا يخلو الجاني إما أن يكون هو الغاصب أو أجنبي، فإن كان هو الغاصب، نُظر: فإن قَتلَ العبدَ المغصوبَ فعليه القيمة، كما تقدم تفصيل قيمة المغصوب.
وإن جنى على طرفه، فقطع يده، والتفريع على أن أرش أطراف العبد تنتسب إلى قيمته، نسبة أروش أطراف الحر إلى ديته، فقد اجتمع موجِبان للضّمان: أحدهما: اليد.
والثاني - الجناية؛ فينتظم من اجتماعهما أن نوجب أكثر الأمرين: من النقصان، والأرش المقدر.
فإن كانت قيمة العبد ألفاً، وقد قطع الغاصب يده، نُظر، فإن نقص من قيمته أربعمائة، فيلتزم الغاصب خمسمائة، لكونه جانياً.
وإن نقص خمسمائة، فقد وافق النقصانُ المقدَّر، فيلزمه خمسمائة.
وإن نقص ستمائة، ألزمناه ستمائة، لمكان اليد.
وهو ضامنٌ بسببين، فننظر إلى أكثر الموجَبين.
وإن كان الجاني أجنبياًَ، وكانت الجناية نفساً، فعليه القيمة، والمالك بالخيار إن شاء ضمّن الغاصب، وإن شاء ضمّن القاتل، فإن ضمّن القاتل، لم يرجع على الغاصب، واستقر الضمان عليه.
وإن ضمن الغاصب، رجع بما ضمنه على الجاني؛ فإن منتهى الغرامات الإتلافُ، واليد سببٌ، فإحالة قرار الضمان على ما يحقق التفويت، وهو الإتلاف.
وإن جنى الأجنبي على طرف العبد، فقطع يده، نظر: فإن كان ما نقص مثلَ المقدَّر، فإن كانت قيمته ألفاً، فنقص بقطع إحدى اليدين خمسمائةٍ، وجبت خمسمائة، والمالك في التضمين بالخيار، كما قدمنا، وقرار الضمان على الجاني.
وإن كان ما نقص أقل، بأن كان أربعمائة، فإن اختار تضمين الجاني غرَّمه خمسمائةٍ، ولا مرجع [له] 1 على الغاصب.
وإن أراد تضمين الغاصب، فقد قدمنا

أن يد العبد المغصوب، إذا سقطت بآفةٍ، أو قُطعت قصاصاً، أو في سرقة، وكان النقصان أقلَّ من المقدّر، ففي المسألة وجهان: أشهرهما - أنه لا يجب على الغاصب إلا النقصان.
وفيه وجه آخر.
وقال المحققون في المسألة التي نحن فيها، وهي إذا جنى أجنبي على العبد، فقطع يده، وغرّمناه نصفَ القيمة، خمسمائة: لو 1 أراد المالك تغريمَ الغاصب، غرّمه خمسمائةٍ؛ فإن اليد قُطعت بجهةٍ تُضمن فيها بخمسمائةٍ، وجرى هذا في يد الغاصب، فتوجَّه عليه خمسمائةٍ اعتباراً بما يلتزمه الجاني، وليس كذلك لو قطعت في حدِّ؛ فإنها لم تقابل بمالٍ، وكذلك إذا سقطت بآفةٍ سماوية، وهذا حسن فقيه.
ومن أصحابنا من خرّج وجهاًً مثلَ ما ذكرناه في قطع اليد في السرقة، وقال: ليس الغاصب جانياً حتى يتقدّر عليه الأرش.
وإنما [ضمانه] 2 باليد الغاصبة.
والأصل في ضمان اليد اعتبارُ النقصان: نَقَص من 3 المقدّر، أو زاد عليه.
ولا خلاف أنه لو نقص من القيمة ستمائة، فالغاصب مطالبٌ بها، لمكان يده.
ثم إن طالب المغصوبُ منه الغاصبَ، طالبه بستمائة، وهو يرجع على الجاني بخمسمائة، ويستقر الضّمان عليه في المائة الزائدة، فلا نجد بها مرجعاً.
وإن طالب الجاني، لم يطالبه إلا بخمسمائةٍ، ويطالب الغاصب بالمائة الزائدة.
4651 - ولو غصب عبداً، وسرق في يده، وقُطِع، غرِم الغاصب للمالك ما نقص في ظاهر المذهب.
وكذا لو سقطت يده بآفةٍ سماوية.
وهذا تقدم ذكره.
وقيل: يضمن الغاصب أكثر الأمرين من المقدّر وما نقص، تغليظاً للأمر عليه.
ولو غصب عبداً سارقاً، استوجب القطع بالسرقة قبل الغصب، فقُطع في يد الغاصب، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يضمن شيئاًً؛ لأن القطع وقع بسببٍ

متقدم على الغصب، والثاني - يضمن؛ لأن القطع جرى في يده، فلا نظر إلى ما تقدم.
وهكذا لو غصب مرتداً، فقتل بالردة، وقد سبقت الغصب، ففي وجوب الضّمان وجهان.
وهذا ينبني على نظائرِ ذلك في الشراء.
ولو اشترى [عبداً] 1 مرتداً أو سارقاً، فقتل في يده، أو قُطع، فما جرى محسوب على البائع، لتقدم سببه على قبض المشتري، أو هو محسوب على المشتري لوقوع الهلاك أو النقصان في يده؟ فيه الخلاف المشهور.
وهذا الذي ذكرناه قاعدة الجناية على العبد المغصوب.
4602 - وقد ذكر ابنُ الحدّاد فروعاً، وراء تمهيد الأصول، ونحن نأتي بها فرعاً فرعاً، إن شاء الله تعالى.
فمنها: أن قال: إذا غصب الرجل عبداً، فجنى العبدُ في يد الغاصب جنايةً تستغرق قيمتَه، فيتعلق الأرش برقبته، كما قدمناه.
فلو مات العبد في يد الغاصب بعد ذلك، فالمالك يطالبه بقيمة العبد، وهو ألف مثلاً، لا يطالبه بأكثرَ منه.
ثم إذا أخذ الألفَ، فللمجني عليه أن يتعلق به، ويقول: كان حقي متعلقاً برقبة العبد، وقد مات مضموناً، فيتعلق بقيمته، كما كان متعلقاً برقبته.
وهو بمثابة ما لو أتلف متلفٌ العينَ المرهونة، والتزم القيمة، فحق المرتهن يتعلق بها، كما كان متعلقاً بالعين المرهونة.
ثم إذا أخذ المجني عليه من المالك الألفَ، فالمالك يرجع على الغاصب، ويقول: لم تَسْلَم لي القيمة، وأُخذت مني بسبب جناية حدثت في يدك، فيغرَم له الغاصب القيمة مرة أخرى، وتخلص له القيمة هذه المرة.
ولو قال المالكُ للغاصب أولاً: اغرم لي قيمتين؛ فإن إحداهما مستحقة، فليس له ذلك أصلاً، ولكن يطالبه أولاً بقيمته، كما رتبناها، فإن أُخذت منه عن جهة الجناية، رجع على الغاصب بقيمةٍ أخرى.
فلو أبرأه الجاني وأسقط حقه بالكلية، فلا مرجع له على الغاصب؛ إذ قد سلمت له القيمة التي أخذها.

ولو كانت قيمة العبد ألفَ درهم، والجناية خمسمائةٍ، والمسألة بعد ذلك كما صورناها، فيغرم الغاصب ألفاً، ثم إذا أُخذت منه خمسمائة، رجع بخمسمائةٍ، وهو القَدْر الذي لم يسلم للمالك، وهذا بيّن.
ثم ظاهر كلام المشايخ أن المجني عليه لو لم يطالب المالكَ، وفي يده القيمة، وأراد مطالبة الغاصب بأرشِ الجناية، فله ذلك.
وهو بالخيار إن شاء طالب الغاصب، ولم يتعرض للمالك، وإن شاء اتّبع القيمة التي أخذها المالكُ من الغاصب، ثم المالك يرجع على الغاصب، كما سبق التفصيل فيه.
وحكى الشيخ أبو علي وجهاً غريباً أن المجني عليه لا يطالِب المالكَ، وإن قبض القيمة، فليطالب بحقه الغاصبَ، ولا يتبع القيمة التي أخذها المالك، حتى قال هذا القائل فيما حَكى: لو قبض المالك القيمةَ، وعسر على المجني عليه الرجوعُ على الغاصب لإعساره، أو بسبب آخر، لم يكن له أن يتعلق بالمالك، وإن أخذ القيمة.
وهذا بعيدٌ مزيف؛ فإن القيمة في كونها متعلقاً للأرش، تنزل منزلة العبد، كما لو بقي، كما ذكرناه في قيمة المرهون.
ولا نعرف خلافاًً أن العبد الذي يساوي ألفاً، لو جنى في يد الغاصب جناية أرشُها ألف درهم، ثم لم يمت العبد واسترده مالكه، فالمجني عليه يتبع العبد إن أراد، ثم إذا رجع إلى حقه، فحينئذٍ يرجع المالك على الغاصب، على الترتيب الذي ذكرناه.
4603 - ومما فرّعه 1 أنه إذا جنى عبدٌ في يد سيده جناية أرشُها ألف، وقيمة العبد ألف، فغصبه غاصب، ثم استرده المالك، فلا شيء على الغاصب بسبب الجناية، فإنها لم تجر في يده، وقد رد العبد كما أخذه.
فإذا جنى العبد في يد السيد، كما صورناه، فلما غصبه الغاصب جنى في يده [أيضاً] 2 جناية أرشُها ألف، ثم استرده المالك من الغاصب، وباعه في الجناية بألفٍ، فإنه يقسم هذا الألفَ بين المجني عليه الأول وبين الثاني نصفين: لكل واحد

منهما خمسمائةٍ، ثم يقول للغاصب: قد سلمتُ إلى المجني عليه في يدك خمسمائة، فاغرمها لي فيغرم له خمسمائة، فإذا أخذها سلمها بكمالها إلى المجني عليه الأوّل، لا يساهم فيها المجني عليه الثاني، وقد انقطعت الطَّلِبَات، فلا طَلِبة للمجني عليه الثاني على أحد، ولا طَلِبة للسيد على الغاصب في هذه الكرّة؛ فإنه سلم هذه الخمسمائة الأخيرة إلى جهة الجناية الأولى، وقد اتفقت تلك الجناية في يده.
هذا ما صار إليه الأصحاب.
فإن قيل: لم خصَّصتم بالخمسمائة الثانية المجني عليه الأوّل، وقسمتم الألفَ الأولَ عليهما؟ وقد أجمع العلماء على أن [الألف] 1 الأوّل مقسومٌ على [الجنايتين] 2: لا يختص الأول منهما بشيء دون الثاني، فهلا قسمتم الخمسمائة الثانية بينهما، كما قسمتم الألفَ؟ قلنا: لا سبيل إلى ذلك: أمّا الألف، فمقسومٌ بينهما؛ فإنه قيمةُ العبد، ولا فرق في القيمة بين المجني عليه الأوّل، وبين المجني عليهِ الثاني؛ فإن التقدم والتأخر لا يوجب تقديماً ولا تأخيراً في الازدحام على القيمة.
وإنما اختص المجني عليه أولاً بالخمسمائة الثانية؛ لأن سببَ وجوب هذه الخمسمائة الغصبُ، وهو متقدم على الجناية الثانية، متأخرٌ عن الأولى.
فإذا كان سببُ ضمان الخمسمائة بعد بذل القيمة الغصبَ المتقدّم على الجناية الثانية، كان ذلك بمثابة ما لو جنى عبدٌ قيمته ألفٌ جنايةً أرشُها ألفٌ، ثم قطعت يد العبد، ووجب أرشها، ثم جنى العبد، بعد ما قطعت يدُه جنايةً أخرى، أرشها ألف، فيتخصص المجني عليه الأوّل بأرش اليد التي قُطعت من العبد الجاني، فجعل الأصحاب تقدم الغصب على الجناية الثانية، بمثابة تقدم قطع اليد على الجناية الثانية.
هذا ما ذكره الأئمة.
4604 - ونحن نوجّه عليه سؤالاً ونجيب عنه.

فإن قيل: ليس (1) الغصبُ المتخلل بين الجنايتين بمثابة قطع يد الجاني المتخلل بين الجنايتين؛ فإن العبد إذا جنى، فقطعت يده، فقد صادف القطعُ متعلَّق الجناية الأولى، ثم إنه بعد قطع يده أقدم على الجناية الثانية، فلم تصادف الجنايةُ الثانيةُ اليدَ من العبد الجاني، فيستحيل أن يكون لها تعلق بأرش اليد، وليس كذلك تخلل الغصب بين الجنايتين.
وربما عضد السائل السؤال بأن قال: جنى العبد الجناية الأولى، وقيمته ألفٌ، وجنى الجناية الثانية، وقيمته ألفٌ، ولا أثر للتقدم والتأخر في ازدحام الجنايات، ثم الألف المقسوم على الجنايتين لم يوفِّر حقَّ الجنايتين بكمالهما، فاختصاصُ المجني عليه الأول بالخمسمائة الأخيرة، كيف يتجه؟ وهذا السؤال فيه إشكال.
والوجه الممكن في الانفصال عنه أن يقال: إن المجني عليه الأول يقول: كان حقي مستغرقاً لرقبة العبد، فلمّا غصبه الغاصب تعرض بغصبه لضمان حقي، وهو الألف، فلما جنى جنايةً في يد الغاصب وأُخذ الألفُ، وقُسّم بيننا، فالخمسمائة التي توجهت بها الطَّلِبة، إنما تثبت لأن المجني عليه الثاني أخذ من الألف الأول نصفه، فلم تسلم الألفُ الداخل في ضمان الغاصب، فإذا غرِم الخمسمائة، كانت تتمة الألف الداخل في ضمانه لما غصب، وذلك الألف مستحق للمجني عليه الأول، فليصرف إليه.
هذا منتهى الإمكان في الانفصال.
وفي الإشكال بقية، وذلك أنا نقول: لا مطمع في فضّ الخمسمائة عليهما؛ فإن هذا يجر محالاً لا يستأصل، ولا سبيل إلى قطعه، وذلك أنا لو قسمناها، لرجع المالك بما يخص المجني عليه في حالة الغصب، ثم كان يفضّ ذلك ثالثاً، ويقتضي رجوعاً، ويدور الأمر إلى غير منقطعٍ.
وربّما توجه الإشكال من وجهٍ آخر، وهو أن يقال للمجني عليه الأوّل: كنتَ على استحقاق ألفِ لو انفردتَ، فإذا جرت الجناية الثانية، فقد زوحمتَ في الألف، بناءً على أن المستأخر من الجناية كالمتقدم.
وإذا [ازدحمتما] 1 في الألف، فالخمسمائة2

إنما وجبت على الغاصب لمكان الجناية الثانية، الجارية في يد الغاصب، فاكتفيا بالألف، ولتسلم الخمسمائة للمالك.
وهذا له اتجاه من طريق الاحتمال من غير نقل.
والذي نقله الشيخ 1 عن وفاق الأصحاب ما قدمناه.
ثم ذكر الشيخ وجهاً آخر هو في التحقيق عَضُدُ 2 المسلك الأول، على مبالغة، وذلك أنه قال: من أصحابنا من ذهب إلى أن الألف الذي يأخذه أول مرة يصرفه بكماله إلى المجني عليه الأول، لا مساهمةَ فيه للمجني عليه الثاني، ولا طلبة للمجني عليه الثاني على السيد، ولكنه يطالِب الغاصبَ بخمسمائة؛ تحقيقاً لما ذكرناه من أن الغاصب ضمن قيمة العبد بكمالها للمجني عليه الأول.
وهذا بعيد جداً.
وقال الشيخ في إتمام حكاية هذا الوجه: لو جرت الجنايتان على الترتيب الذي ذكرناه، ولم يمت العبد، واسترده المالك، وباعه بألفٍ، صرف الألف إلى المجني عليه الأوّل، ولا تعلق للثاني إلا بالغاصب.
وهذا لا يُشك في بطلانه؛ فإن رقبة العبد متعلَّقُ الجنايتين، فكيف يخص بثمنه الأولَ.
هذا منتهى الكلام.
4605 - صورة أخرى: لو جنى العبدُ في يد الغاصب أولاً، وما كان جنى قبل ذلك، والأرش ألفٌ، فاسترده السيد، وجنى ثانياً جناية أرشها ألف.
قال الشيخ: يباع العبد بألفٍ، ويدفع إلى الذي جنى عليه في يد الغاصب خمسمائة، وإلى الثاني الذي جنى عليه في يد السيد بعد الاسترداد خمسمائة.
ثم يرجع المالك بخمسمائةٍ على الغاصب؛ فإنه غرِمها بسبب الجناية التي صدرت في يده، ثم يسلم هذه الخمسمائة إلى المجني عليه في يد الغاصب؛ فإنه السابق في هذه الصُورة بالاستحقاق، ثم يقول للغاصب: قد أُخذت مني الخمسمائة الثانية بسبب الجناية التي حصلت في يدك، فيغرِّمه خمسمائة أخرى، ويستبد بهذه الخمسمائة، ولا طَلِبة عليه فيها.
هذا ما حكاه.

قال 1: وراجعت القفال في هذه المسألة، فقال: إذا استرد العبدَ وباعه في الجنايتين، ودفع إلى كل واحد خمسمائة، فيغرَم الغاصب خمسمائة أخرى، ويستبد بها المالك من غير مشاركة، وقد انقطعت الطَّلِبات.
وعلل بأن قال: لما غُصب العبدُ، فقد ثبت للسيد حق القيمة أولاً، ثم لما جنى العبد في يد الغاصب، ثبت له الأرش ثانياً، ثم لما جنى في يد السيد ثبت ذلك ثالثاً، فلما بعنا العبدَ، قسمنا الألف بين المجني عليهما، وما يغرَمه الغاصب ينفرد به المغصوبُ منه؛ لأن حقه أسبق.
قال الشيخ: حق المالك وإن كان أسبق، [فيقدم] 2 حقُّ المجني عليه على حقه، كما يقدم حق المجني عليه على ملك المالك في العبد.
ثم قال: ناظرت فيه القفال، فرجع إلى قولي.
والذي يحقق ما ذكره الشيخ، ويفصل بين هذه الصُّورة وهي إذا سبقت جنايةٌ في يد الغاصب، ولحقت جنايةٌ بعد الاسترداد في يد المالك، فنعلم علماً كلياً أن العبد لمّا غصبه، وكان بريئاً، فجرت جنايةٌ أرشها ألف في يد الغاصب، وطرأت الجنايةُ في يد الغاصب من عبد كان غصبه، ولا جناية في رقبته، فلا بد وأن يغرَم مع العبد ألفاً، ثم الكلام في مصرف الألف، كما فصله الشيخ، والغصب جرى في الصُّورة الأولى في عبد جانٍ مستحَق القيمة، فلا يلزم الغاصبَ بذلُ الألف، لتخلص الرقبة للمالك، والزحمة ثابتة في الجناية.
ولا يستريب الناظر على الجملة أن الغاصب في المسألة الأخيرة لا يتخلص ما لم يغرَم ألفاً، ثم تفصيل القسمة وسلامة الخمسمائة كما تقدم.
والإشكال الدائر في المسألتين أن ازدحام الجنايتين يوجب حصرَ حقَّي الجنايتين في ألف واحد.
وهذا هو الذي ذكره في المسألة الأولى، وأشار إليه القفال في المسألة الثانية، فإذا انحصر حقاهما في الألف، وجب من ذلك في المسألة الأولى استبدادُ المالك

بالخمسمائة، ووجب في المسألة الثانية ألا يغرَم الغاصب إلا خمسمائة، كما قال القفال، ثم يستبد بها، ولا ننظر إلى سابق ولا حق في الجنايتين؛ فإنهما لو ازدحما على ملك واحد في صورة التقدم والتأخر، وأرش كل جناية قيمةٌ، فليس لهما إلا قيمةٌ واحدة، فطريان الغصبِ لا يكثِّر حقهما؛ بل إنما يرد الغصبَ على حق المالكِ 1 من الرقبة.
وهذا نهاية الكشف في ذلك، فليتأمل الناظر، والله الموفق.
4606 - ومما فرعه 2: أن قال: إذا غصب الرجلُ عبداً، فجاء عبدٌ لإنسان، وقتل ذلك العبدَ المغصُوبَ، قَتْلَ قِصاص، فللسيد طلبُ القصاص، فإذا اقتص من ذلك العبد القاتل، فقد سقطت الطَّلِبة عن الغاصب؛ فإن القصاص نازل منزلة استرداد العبد، ولا ننظر إلى قيمة العبد القاتل المقتصِّ منه، فلو كانت قيمته خمسمائة، وقيمة المغصوب المقتول ألف، فإذا استوفى القصاصَ، فليس له أن يقول للغاصب: قد استوفيتُ ما قيمته خمسمائة، فأرجع عليك بخمسمائةٍ؛ فإن القصاص لا يراعى فيه تفاوت الأبدال، ولذلك تقتل المرأة بالرّجل، ويحسم باب الطَّلبة مع تفاوت الدّيتين.
وهذا سديدٌ لا يشك فيه.
قال الشيخ: فلو غصب عبداً قيمته ألف، فنقص في يده بعيب، ورجع إلى خمسمائة؛ فقتله العبد كما صورنا، واقتص منه السَّيد، فللسيد تغريم الغَاصِبِ الخمسمائة الناقصة بالعيب؛ فإن القصاص كاسترداد العبدِ، فلو استرد ذلك العبدَ المغصوبَ، وقد نَقَصه العيبُ، لكان يغرَم الغاصبُ أرش العيب، مع استرداد العبد.
نعم لو غصب عبداً قيمته ألف، فتراجعت قيمته بالسوق إلى خمسمائة من غير عيب، ثم طرأ القتلُ والاقتصاصُ، فلا تتوجه الغرامة على الغاصب، ويجعل الاقتصاص بمثابة ما لو غصب عبداً، فانحطت قيمته، ثم استرده المالك، فإنه لا يغرَم حطيطةَ السوق.
والجملة فيما ذكرناه تنزيلُ الاقتصاص منزلةَ استرداد العبد.

4607 - ولو غصب عبداً، فقتل العبدُ المغصوبُ حراً، واستوجب القصاصَ، ثم جاء عبد وقتل هذا العبدَ، ولزمه القصاص، فلسيد العبد الاقتصاصُ من قاتل عبده، وليس لأولياء الحر أن يقولوا: لا تقتص من قاتله، ليتعلق حقنا بالأرْش.
ثم إذا اقتص السيد، فقد بطل حقُّ أولياء الحر؛ فإن العبد الذي قَتَل قد فات، ولما قُتل وفات، تبعته المالية، لما اقتص السيد من قاتله، وكان الأرش متعلقاً برقبة قاتل الحر، وقد فات من غير تقصير من السيد، فيبرأ السيد، ويبرأ الغاصب أيضاً؛ لأن الاقتصاص بمثابة الاسترداد، كما قدمناه.
وهذا لا يتضح إلا بسؤال وجواب عنه.
فإن قيل: قد قدمتم أن الغاصب في عهدة جناية العبد المغصوب، وذكرتم أنّ العبد إذا جنى في يد الغاصب، فللمجني عليه مطالبةُ الغاصب بفداء العبد في غيبة السيد، فيلزم من هذا المساق أن تقولوا: لما قتل العبد حراً قَتْل قصاص، فالقتل وإن كان موجباً للقصاص، فهو مضمّن بمالية، وتلك المالية تثبت بفوات محل القصاص.
فإن قلنا: موجَبُ العمد القودُ المحض، فاجعلوا اقتصاص السَّيد من قاتل العبد القاتل بمثابة فوات محل القصاص، ثم علِّقوا عُهدة المال بالغاصِب؛ بناء على ما تقدم من تعلق عهدة الجناية به؟ قلنا: هذا لا يصفو إلا بتقديم صورة، فنقول: لو قَتل العبدُ في يد السّيد قَتْل قصاصٍ، ثم قُتل هذا العبد قتل قصاص، فاقتص السيد من قاتله، فلا حق لولي مقتول هذا العبد على السيد، والسبب فيه أن عهدة الجناية لا تتعلق بذمة السيد، بل تتعلق بذمة العبد ورقبته.
ثم للسيد تخليص الرقبة بالفداء، إذا كانت الجناية مالية، وليس للمجني عليه إلا التعلّق بالرقبة، وتعلّقه بالرقبة لا يزيد على تعلق حق المرتهن برقبة العبد المرهون، ولو قُتِل العبد المرهون قَتْل قصاص، فللراهن أن يقتص من [قاتله] 1. وإذا اقتص، حبط حق المرتهن من التعلق.
فاقتصاص السيد من العبد القاتل يُبطل حقَّ أولياء القتيل، وليس في ذمة السيد شيء.

فإذا ثبت هذا، عدنا إلى الجواب عن السؤال وقلنا: إذا قتل العبدُ المغصوب حراً قَتْل قصاصٍ، فلا يتصور طلب المال مع بقاء القصاص إلا من جهة فوات المحل، والمحلُّ إذا فات بالاقتصاص لم يُعقب تبعةً أصلاً، فانقطعت الطَّلِبة بالكلية من الغاصب، لما مهدناه.
4608 - ولو أتلف العبدُ المغصوبُ مالاً، ثم قُتِل قَتْلَ قصاص، واقتص السيد من قاتله، فالجواب في ذلك يستدعي تقديم صورةٍ، تناظر هذه في المسائل 1، فنقول: إذا أتلف العبد في يد السيد مالاً، (2 وتعلق قيمتُه برقبته، ثم 2) قتل قتْل قصاص، فاقتص السيد من قاتله، فهل يضمن لصاحب المال المتلَف عليه ما كان تعلق برقبة العبد؟ التفصيل فيه أنه إن سبق من السيد منعٌ 3، ثم جرى بعد ذلك القتلُ، فيضمن للمنع السَّابق، وإن لم يجر منعٌ قبل قتل العبد، فلا ضمان، وقتله كموته، ثم القول في موته يتفصّل كما ذكرناه.
نعود بعد هذا إلى الغاصب وحكمه، فنقول: نفس الغصب منه يورّطه في العهدة، فإذا أتلف العبدُ المغصوب في يدهِ مالاً، ثم قُتل العبدُ قتْل قصاصٍ، فاقتص السيد من قاتله، أما السّيد، فلا طلبة عليه، وللمتلَف مالُه أن يطالب الغاصب، كما يطالَب السيدُ المانعُ قبل قتل العبد.
ثم نختتم هذا بأن العبد لو قَتَل في يد السيد قتلاً استوجب القصاص به، فطلب وليُّ القتيل القصاصَ، فامتنع السيد من الاقتصاص، ثم مات العبد، فلا تبعة على السيد، ولا طَلِبة؛ فإن القصاص ليس أمراً يُضمن، فلا جرم لو قُتِل العبدُ قتل قصاصٍ بعد استيجابه القصاصَ، وفرضِ الممانعةِ من السيد، فإذا اقتصّ، كان اقتصاصه كموت العبد نفسه بعد المدافعة في الاقتصاص.2

فنقول على هذا: نجعل الغاصب كأنه مماطل في القصاص، ولا حكم للمطل فيه، فلهذا افترق ما يوجب القصاص، وما يوجب المال.
وقد يخطر للفقيه وراء هذا كله أن السيد لو مطل، ولم يقتص، ونحن نقول: القصاص يتضمن المالية، فيكون بمطله ومدافعته ملتزماً لتبعة فوات المحل.
وليس الأمر كذلك؛ فإن عُلقة المال لا تثبت مع طلب القصاص، وفي هذا المنتهى أدنى احتمالٍ، فإن ثبت، انعكس على تثبيت مطالبة الغاصب.
هذا منتهى النظر، والله المستعان.
وقد نجز غرضنا من جنايات العبد المغصوب والجنايات عليه.
فصل قال: "فإن كان ثوباً، فأبلاه المشتري ... إلى آخره" 1. 4609 - إذا غصب الرجل ثوباً، ولم ينتقص في يده، وأمسكه مدة، فعليه أداء الثوب، وأجرُ مثل المنفعة، استعملَ أو لم يَستعمل؛ فإن المنافع مضمونة باليد العادِيَة 2 عندنا.
وإن انتقص الثوب بآفةٍ، لا بسبب الاستعمال، فعليه أرش ما نقص، وأجر مثل المنفعة، استعملَ أو لم يستعمِل.
وإن انتقص الثوبُ بالاستعمال، وبلي بعضَ البلى، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يضمن أكثر الأمرين من أرش النقص، أو أجر مثل المنفعة؛ لأن النقصَ جاء من جهة الاستعمال، ووقع بسببه، فدخل الأقل من المضمونَيْن تحت الأكثر.
والوجه الثاني - وهو الأصح أنه يضمن أرش النقص على حياله، وأجر المنفعة على حياله؛ فإنه يضمن كل واحدٍ منهما عند الانفراد، فإذا ثبت الموجبان، ثبت الضمانان.

4610 - ولو اشترى إنسان من الغاصب الثوبَ المغصوب على جهلٍ بحقيقة الحال، فاستعمله، وأبلاه بالاستعمال، فتوتجُهُ الطَّلِبة عليه من جهة المالك يُخرّج على الخلاف الذي ذكرناه في الغاصب نفسه: فإن فرعنا على الأصح، وهو أنه يُضمّنه أرش النقص على حياله وأجر مثل المنفعة على حياله فنقول: أما الرجوع بأجر المنفعة، فيخرّج على قولي الغرور؛ فإنه استوفاها مغروراً، وأما أرش النقص، ففي الرجوع به ما ذكرناه في أرش العيوب الحادثة في يد المشتري من الغاصب.
وفيها النص، وتخريجُ المزني، وكلام ابن سُريج.
4611 - ثم ذكر الشافعي مسألة ضمان المنافع بالغصب، وقد ذكرناها فيما تقدّم، وأوضحنا أن المنافع تضمن باليد وتضمن بالإتلاف، وأبو حنيفة 1 لا يثبت ضمانها بواحد منهما، وإنما يثبت ضمانها بالعقد الفاسد، أو الصحيح.
وقد ذكر الشافعي أن المستكرهة على الوطء يثبت مهرها على المستكرِه الزاني، رداً على أبي حنيفة، فمنفعةُ البضع تضمن بالإتلاف إذا كانت المرأة مستكرهة، ولم تكن بغيّة، ولا مهر للحرة البغية.
وفي الأمة المطاوعة البغيةِ الخلافُ الذي ذكرناهُ.
ولا تُضمن منافِع البضع باليد، وأبو حنيفة فيما زعم لا يضمّنها 2 إلا في عقدٍ صحيح، أو في شبهة عقد.
فصل قال: "ولو غصب أرضاً، فغرسها ... إلى آخره" 3. 4612 - الغصب يتصور عندنا في العقار، فإذا ثبت تصوره، ابتنى الضّمانُ عليه.
وأبو حنيفة 4 منع تصور الغصب في العقار، وترددت الرواية عنه في الغُرف المغلقة،

وهذا كتردده في منع بيعها قبل القبض من البائع، مع قطعه بجواز بيع العقار الثابت قبل القبض.
والذي يجب الاعتناء به في هذا الفصل التعرّض لصورٍ يتردد النظر في تصوير الغصب فيها، فنقول أولاً: حقيقةُ الغصب في المنقول والعقار جميعاً استيلاء الغاصب بيده، وإنما يُعرف استيلاؤه بموجب العرف.
هذا هو الأصل، والصور تهذبه.
فنقول: من أزعج مالك الدار عنها لم يكن بنفس الإزعاج غاصباً، وكان ذلك كما لو أقطع 1 المالك عن حفظ ملكه، وحال بينه وبينه.
ولو أزعج المالك، ولم يصادفه في الدار، فدخل الدار بصبيته وأهله، وماله، واستولى استيلاء المنتفع، وأغلق الأبواب بأغلاقها، فهذا استيلاء محقق على الدار صورةً، من غير حاجةٍ إلى فرض قصد، وعليه نقول في الجندي 2 إذا نزل داراً كما صورناه وأزعج مالكها، فقد استولى غاصباً، وصارت الدار مضمونة، ثم لا ينقطع الضّمان بأن يرحل عنها إلا أن يعود المالك، ويرد الدار إلى يده، فيكون هذا بمثابة استرداد المغصوب.
ولو دخل داراً ناظراً إليها، لم يصر بذلك غاصباً، فإنه لا يعدّ مستولياً، وكذلك لو اجتاز بأرضٍ مملوكة لإنسانٍ، لم يصر ذا يدٍ في الأرض لاجتيازه؛ فإن ذلك لا يعد في العرف استيلاءً، وقد ذكرنا أن الاستيلاء هو المقصود المطلوب، والرجوع فيه إلى العرف.
ولو دخل داراً خالية، وزعم أنه قصد الاستيلاء، وكان ما ذكره ممكناً، فيصير بقصده غاصباً، ولو زعم أنه لم يقصد الغصبَ والاستيلاءَ، لم يصر غاصباً، فالأمر يختلف بالقصد في هذه الصورة.
4613 - والضابط بعد الإيناس بالصور أنه قد يجري في الدور وما في معانيها أحوالٌ

وأفعالٌ هي على صورها غصبٌ، كما ذكرنا في نقل الصبية ودخُول الدُّور.
وقد يجري ما لا يكون استيلاءً، وإن زعم صاحب الواقعة أنه قصد استيلاء، وهو كدخول الضعيف دار القوي بنفسه، مع القطع بأنه لا يستمكن من الاستيلاء، وصاحب الدار في الدار، فهذا خارج عن قَبِيل الاستيلاء، غيرُ مختلف بالقصد.
وإذا دخل داراً، وكان لا يمتنع تصوّر الاستيلاء منه، فدخوله متردد بين النظر، وبين الاستيلاء، فيختلف الحكم باختلاف القصد.
فلا بد من تخيل هذه المراتب على وجوهها.
وقد يفرض في المنقول ما يناظر المرتبة الأخيرة، فإذا كان بين يدي الرجل كتابٌ مملوك له، فرفعه رافع، وقصد الغصب، فنجعله غاصباً، فإن قصد النظر فيه وردَّه، لم نجعله غاصباً، على المذهب الظّاهر.
وسنضرب لذلك أمثلةً في مرور الدنانير المغصوبة بأيدي النقاد 1. وإنما غرضنا التمهيد الآن.
وقد يعترض في انعقار أمرٌ، وهو أن من دخل داراً، فدخل بيتاً 2، فقد يختص استيلاؤه بذلك البيت، فيقدّر غاصباً له دون غيره، وهذا يتضح بألاّ يغلق بابَ الدار على نفسه، ويقطع العرصة عابراً.
على هذا الوجه يُفرض الغصب في بيتٍ من خانٍ 3، ويمكن أن يقال: إن ظهر الانتفاع بالدار، فهو استيلاء عليها، وإن لم يظهر، ولم يكن استيلاءٌ، فالدخول ليس استيلاء.
وإن لم يظهر، وحصل الدخول وأمكن الاستيلاء، اختلف الأمر بالقصد.
والرجوع بعد ذلك كله إلى العرف، فإذا ثبت أهلية 4 [الاستيلاء] 5، ثبت الغصب

وحكمه.
وإن نَفَوْه من كل وجهٍ، فلا غصب.
وإن ترددوا، رجعنا إلى قصد صاحب الواقعة.
4614 - ومما نذكره في ذلك أنا إذا قلنا: لا يثبت القبض في المنقولاتِ في أحكام العقود [إلا بنقلها] 1 فإذا فرض الاستيلاء على شيء منها اعتداءً، فظاهر المذهب أنه غصب، لما ذكرناه من تصور الاستيلاء.
وحكى شيخي وجهاًً آخر: أنه لا يثبت حكم الغصب، إلا بما يثبت به قبضُ الرّهن والهبة، والقبض الناقل للضمان في البيع.
وهذا غير صحيح، وصورة المسألة أن يزعج رجلاً عن بساطه المملوك، ويجلس عليه، أو يركبَ دابته، ولا يسيرها.
وممّا نذكره في تصوير الاستيلاء: أن من دخل داراً، وفيها ربها، فلم يزعج المالك، ولكنه استولى مع استيلاء المالك، وصارا على صورة ساكِنَيْن للدار، فنجعل المعتدي غاصباً لنصف الدار.
ولو دخل رجل ضعيف دار محتشم 2 في حال غيبته عنها، ووُجِد منه فيها صورةُ اليد في الظاهر، فالأصح أنا نجعله غاصباً، وإن كان يُخرَج ويُزعج على قرب؛ فإنه ليس من شرط الغصب انتهاءُ يد الغاصِب إلى حالة تعسر إزالتها.
وذهب بعض الضعفة من أصحابنا إلى أن هذا لا يكون غاصباً؛ فإنه لا يعد في العرف مستولياً، والذي جاء به لا يسمى استيلاءً، بل هو في حكم الهزء والعبث، في مطرد العادة.
وهذا غير سديد لما قدمناه من وجود صورة اليد.
وليس كما لو دخل هذا الضّعيف الدارَ، وفيها ربها؛ فإنه لا تظهر له يد، مع استيلاء يد المالك، واستمكانه من إزعاجه بزجره، وأَخْذه، وصعقه 3. والتعويل في الجملة والتفصيل على العرف وما يعلمه أهله في معنى اليد والاستيلاء.
هذا عقد المذهب في تصوير الغصب في العقار.

4615 - ثم وصل الشافعي بتصوير غصب العقار ذكْرَ تصرفاتٍ من الغاصب ونحن نستوعبها ونأتي عليها واحداً واحداً، إن شاء الله تعالى.
فلو غصب الرّجُل أرضاً، واحتفر فيها بئراً، فهو معتدٍ بحفر البئر، ولو تردّى فيها متردٍ، وجب عليه الضّمان، كما لو احتفر بئراً في مضيقٍ من الشارع.
فإذا ثبت ذلك، ابتنى عليه، أنه يجب عليه طمُّ البئر وكبسُها 1، ليخرج عن هذا الضرب من العدوان، فإذا استرد المغصوب منه الأرضَ، وأمر بكبس البئر، فقد تأكد ما ذكرناه من وجوب ذلك، وكان واجباً دون أمره؛ لعلةِ الخروج عن العدوان.
وهو الآن واجب لعلتين: إحداهما - ما ذكرناه.
والأخرى امتثال أمر المالك، على ما سنوضح في سياق الفصل تحقيقَ الفقه فيه.
ولو قال المالك: أمنعك من الكبس، لم يكن له ذلك؛ فإن في منعه إدامةُ سبب العدوان، وبقاءُ التعرض للضمان.
ولو قال: رضيت بالبئر، فاتركها، فهل له أن يطمّ مع الرضا؟ فعلى وجهين مشهورين، ترجع حقيقتهما إلى أن رضا المالك بإدامة البئر هل تنزل منزلة رضاه بحفر البئر ابتداءً؟ ولا شك أن المالك لو رضي بحفر بئر في ملكه، وأذن فيه، أو أمر به، فلو تردّى متردٍّ فيها، لم يضمن المالكُ، ولا الذي تولى حفره.
وهذا 2 مختلف فيه: فإن قضينا بأن الرضا بالدوام كالإذن ابتداءً بالحفر، فقد يمنع الغاصِب من الكبس.
وإن قلنا: لا يكون الرضا بالدوام بمثابة الإذن بالحفر ابتداء، حتى لو قدر تردي متردٍّ، وجب الضمان، فعلى هذا يطم الغاصب البئر قطعاً لسبب العدوان، وخروجاً عن الضمان.
وهذه الصورة التي ذكرنا الخلاف فيها تمتاز عما قدمناه عليه من أن المالك لو منعه من الطمّ، لم يمتنع؛ فإن ذلك فيه إذا لم يتعرض للإذن، واحتفر على المنع.
فأما إذا صرح بالرضا، فهو صورة الخلاف.
وذكر كثير من أئمتنا في الإذن الذي ذكرناه تقييداً، نحن نورده، فقالوا: لو رضي بالدوام، وأبرأه عن ضمان من يتردّى، ففي المسألة الوجهان.
وذهب ذاهبون إلى

اشتراط التعرض للإبراء عن ضمان العدوان، حتى تخرّجَ المسألة على الخلاف.
وهذا عندي زلل، فليس إلية الإبراء.
[فإن] 1 كان الرضا بالدوام قاطعاً سبب الضمان، نازلاً منزلة الإذن في الابتداء، فذاك.
وإن كان الرضا بالدوام لا يتضمن انقطاع سبب العدوان، فالإبراء عن الضمان لا معنى له؛ فإن الضمان قد يجب بسبب تردي من ليس من مالك الأرض بسبب، والإبراء عن حق الغير قبل ثبوته محال تخيله؛ فإنه بعد الثبوت لا ينفذ، فما الظن بتصحيح مطلَقه 2 قبل الوقوع.
وهذه المسألة لا تصفو عن شوائب الفكر إلا بذكر تمام الغرض فيه، فنقول: مهما قلنا: يكبس الغاصب، ويطم، فحق عليه أن يطم؛ فإن هذا إزالةُ سبب العدوان، ولا أثر فيه على هذا الوجه للرضا، ولا خِيرةَ في إزالة سبب العدوان.
وإن بعد نظر الفقيه عن هذا، فسببه ضعفُ هذا الوجه؛ فإن الظاهر أن دوام الرضا من المالك ينزل منزلة الابتداء.
4616 - ونحن نستتم الآن تفصيل القول في ذلك بذكر مقدمة مقصودة في الفصل، ثم نعود بعدها إلى إكمال البيان، فنقول: لو نقل الغاصب مقداراً من التراب، من الأرض المغصوبة، من غير فرض احتفارٍ، فالتراب مملوك.
وإذا كان متشابه الأجزاء، فهو من ذوات الأمثال، فإن بقي عينه، فللمغصوب منه تكليفُه ردَّ عينه إلى المكان الذي أخذ منه.
ولو قال للغاصب الناقل: رضيت بأن تتركه، ولا تعيدَه، نظر: فإن كان الغاصب نقله إلى ملك نفسه، أو نقله إلى ملك غيره متعدياً، أو نقله إلى شارع المسلمين وضيق به على الطارقين، وقد يكون نصبه منضَّداً في الشارع سبباً لضمان من يتعثر به، ففي هذه المواضع ينقل التراب إلى الأرض المغصوبة؛ فإن له أغراضاً صحيحة في النقل، فإنه بين أن يفرّغ ملك نفسه، وبين أن يفرغ الشارع، أو يفرغ ملك غيره، وقد كان اعتدى بالنقل إليه.

فأمّا إذا كان نقل التراب إلى موات، أو إلى الشارع على وجهٍ لا يضر بالمارة، فإذا قال المغصوب منه: لا تنقله إلى الأرض، لم يكن له نقله؛ فإنه لا غرض له في النقل، ومالك التراب راضٍ بتبقيته في المكان الذي هو فيه.
ولا يخفى على الفقيه أنه لو كان نقله إلى الشارع على وجهٍ يفرض لأجله الضمان والعدوان، فإذْن المالك وإبراؤه عن الضّمان لا معنى له؛ فإنه ليس إليه هذا.
ولو أراد المالك [بتبقيته] 1 أن يضيق مسلك المارة، أو يأذن فيه، لكان ممنوعاً منه.
ومن تمام ذلك أنه إذا كان للغَاصب غرض، فلو ردَّ التراب إلى الأرض، وأراد أن يبسطه لتعود إلى هيئتها التي كانت عليها، ويعود التراب إلى المكان الذي أخذه منه، فقال المالك: اتركه على طرف الأرض، ولا تبسط، فحق عليه أن يترك البسط، ويقتصر على ما رسمه المالك؛ فإنه لا غرض له في البسط.
والمسألة مفروضة فيه إذا لم يكن لنقل التراب حفيرة يفرض التردي فيها، فلا غرض إذن للغاصب في البسط، ولا معنى لمخالفة المالك.
وهذا الذي ذكرناه مشروط بشرط، وهو أن نقل التراب، ورفعَه عن وجه الأرض إن لم يكن أحدث في الأرض نقصاً -وقد انتهى الكلام إلى المنتهى الذي ذكرناه- فالأمر على ما وصفناه، وإن كان رفعُ التراب أحدث نقصاً في الأرض، فإن أبرأ المالكُ عن أرش النقص، ورسم ألا يبسط التراب، لزم امتثال أمره.
وإن كان يطلب أرش النقص، ولو ردّ الغاصبُ التراب إلى المكان الذي أُخذ منه، لكان ذلك جبراً لما وقع، وردّاً للأرض إلى ما عهدت عليه، فإنه يبسط التراب لغرض إبراء الذمة عن ضمان النقصان؛ فإن هذا من الأغراض الظاهرة.
4617 - وما ذكرناه استفتاح أصل آخر، وهو أن من أحدث نقصاً في أرض غيره، بسبب نقل التراب منه، واستمكن من إزالة ذلك النقص برد التراب؛ فإنه يفعل ذلك، ويتحتم عليه إن طلبه المالك.
ويجوز له أن يفعله إن لم يطلبه المالك.
وإن قال

المالك: دعه، فلست أطالبك بأرش النقص، لم يكن ذلك إبراء منه عن الضّمان، بل هو عِدةٌ، لا يجب الوفاء بها، فلا يثق الغاصب، ويرد التراب، ويسوي الحفائر.
وهذا يخالف ما لو شق ثوباً لإنسان وطلب أن يرفوَه؛ فإنه لا يجاب إلى ذلك، باتفاق الأصحاب.
ولا فرق بين أن يحتاج في الرَّفْو إلى الإتيان بأجزاءَ لم تكن في الثوب، وبين أن يستمكن من الرَّفْو من غير الإتيان بشيء من غير الثوب.
والسبب فيه أن الرَّفْو لا يرد الثوب إلى ما كان عليه قبل الشق، وإن تناهى الرافي في المهارة.
والأرض يمكن ردُّها إلى [ما كانت] 1 عليه قبلُ.
فهذا هو الفرق.
4618 - ومن تمام البيان في ذلك: أن عين التراب المنقول إن كان باقياً، فالجواب ما ذكرناه، وإن تلف ذلك التراب وانمحق في مدارج الرياح، أو جرفه سيل، غشيه وبدَّده، فقد نقول: التراب مضمون بالمثل، فلو أراد ردّ مثل ذلك التراب إلى المكان لتسوية الحَفِيرة 2، فقال المغصوب منه: لا أمكنك من رد مثل ذلك التراب إلى الحفر، وألزمك تركَ ما تضمنه على طرف من الأرض، وأطالبك بأرش النقص، الذي أحدثته في الأرض بسبب نقل التراب منها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن للمالك ذلك، بخلاف ما لو كان عينُ التراب باقياً؛ فإنه إذا رده وسوى به الأرض، فقد رد ما أخذه كما أخذ، وإذا ابتغى ردَّ المثل، فليس معيداً لعين ما أخذه.
والمسألة محتملة.
ولا خلاف أنه لو كان لا يتمكن من رد الأرض إلى ما كانت عليه إلا بزيادة تراب يأتي به، فلا يمكن من هذا.
4619 - وممَّا يتصل ببيان الكشف، أنه لو كان نقل التراب، وما أحدث في الأرض نقصاً يوجب الضّمان، ولكن نقله إلى ملك نفسه، أو اعتدى بنقله إلى ملك غيره، أو إلى الشارع، على الوجه الذي وصفناه، فقد أوضحنا أنه يرد الترابَ إلى الأرض، فلو كان يستمكن من طرح ذلك الترابِ -الذي يُفرِّغ عنه ملكَه، أو ملكَ غيره، أو الشارع-

في مواتٍ، هو في طريقه التي يقطعها في رد التراب، فقال المالك: اطرحه في الموات، فهو أهون عليك، ولست أبغي أن تشتغل به أرضي، وما أحدثت بنقلك نقصاً، وفعلُك في الطرح في ذلك الموات، كفعلك في الطرح على أرضي، لو رددتَ إليها، والأمر أهون عليك؛ من جهة قِصَر المسافة، فقد يعترض في ذلك أن الغاصب يبغي ردّ التراب إلى يد المغصوب منه؛ فإنه مضمونٌ في نفسه.
فإن فرض للمغصوب منه ملكٌ في الطريق، فإذا نقل التراب إليه، كان عائداً إلى حكم يد المالك، فالذي نراه القطعُ بأن الغاصِب يلزمه أن يمتثل أمرَه؛ إذ لا ضرر عليه، ولا غرض له في النقل إلى المكان الذي أخذ التراب منه.
ولو قال المغصوب منه: انقل التراب إلى مواتٍ بالقرب منك، أو إلى ملكٍ لي بالقرب منك، وليس على صوْب مجيئه لو طلب الردّ إلى المكان الذي أخذ منه، ففي هذا تردد، يُشعر به كلام الأئمة، وقد يظهر أنه يلزمه موافقةُ المالك، إذا لم يكن عليه مزيدُ مشقة، على الشرائط التي قدمناها.
ويظهر أنه لا يفعل هذا؛ فإنه استخدامٌ، وليس كما لو طلب منه الطرحَ في الطريق؛ فإنه اختصار على بعض ما كان يفعله.
فانتظم ممَّا ذكرناه فصولٌ في ردِّ التراب، وملكِ الغاصب ذلك، وتفصيلِ القول في رد الأرض إلى ما كانت عليه، إذا حصل فيها نقص، وبان أن الغاصب قد يلزمه ذلك إذا طلبه المالك، وقال: رُد ترابي وسوِّ الحفر، وقد يكون له ذلك وإن لم يطلبه المالك، لأغراضٍ، من جملتها أن يكفي نفسَه ضمان النقصان، ولاح الفرق بين ذلك، وبين رفْو الثوب.
ومما يلتحق بالرفو معالجة العبد الذي جنى عليه الغاصب جنايةً تنقصه، فإنه لو قال: مكِّني من مداواته؛ فإني أعيده بها إلى حالة صحته، فلا يمكَّن من هذا.
والمنع من المداواة أظهرُ من المنع من الرَّفْو، والثقةُ بحصول الغرض بها أقلُّ.
4620 - فإذا تمهدت هذه الأصول فيما على الغاصب وله؛ فنستتم بعدَ بيانِ ذلك القولَ في طم البئر، ونقول: إن لم نجعل الرضا بالدوام مسقطاً للضّمان، فله الطم، بل عليه ذلك.
وإن جعلناه مسقطاً للضمان، اعترض فيه جواز رد التراب إلى موضعه

أخذاً [من] 1 الفصول التي قدمناها، فليتنبه الفقيه للقواعد، ولْيبن الأمرَ على مقتضاها.
وممَّا نذكره أن الغاصب لو كان نقل تراباً من أرضٍ مُقلّبة مُكرَّبة 2 مثارةِ التراب، مهيأةٍ للغراس، فردُّ التراب إلى ما عهد سهلٌ.
وإن كانت الأرض صلبة، ففُرِض نقلُ التراب، ثم طلب إعادته إلى موضعه، فعلى الراد أن يتكلف تنضيده، وهو سهل أيضاً.
وإنما ذكرنا ذلك، فإن الأرض الصلبة قد تصلح للبناء عليها، فلو لم ينضد التراب المنقول، فلا يحصل الغرض الذي كان، وفي التنضيد تُردّ أجزاء التراب إلى مقارها الحقيقية.
هذا منتهى ما أردناه في ذلك.
وقد يتعلق بالفصل ما إذا غصب أرضاً، وغرس فيها غراساً أو بنى بناءً، وهذا سنذكره في فصل الصبغ بعدُ، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: "ولو غصب جارية، فهلكت ... إلى آخره" 3. 4621 - مضمون الفصل الكلامُ في طرفٍ من اختلاف الغاصب والمغصوب منه، وهو يتعلق بنوعين: أحدهما: الاختلاف في صفات المغصوب.
والثاني: الاختلاف في قيمته بعد تلفه.
فأما الخلاف في صفات المغصوب، فإذا ادّعى المغصوب منه سلامة المغصوب عن العيوب، وطلب بذلك وفور القيمة، والعين فائتة.
وقال الغاصب: بل كان مئوفاً 4، ووقع التعرض لعيبٍ مثلاً، نُظر فإن قال الغاصب: كان العبد المغصوب أَكْمه، أو كان عديم اليد في أصل الفطرة، وادّعى المالك أنّه كان بصيراً سليم اليد، فقد قال الأصحاب: القول قول الغاصب، وعلى المالك إقامة البينة؛ فإن الغاصب

أنكر وجودَ عضو، ولا يمتنع 1 أن يقال: الأصل عدمها 2، وينضم إلى ذلك أن الأصل براءة ذمته عن المقدار الزائد المدعى عليه.
وإن اعترف الغاصب بأن العبد كان كامل الخلقة، وادعى طريان العمى والقطع قبل الغصب، وزعم أن يده صادفته معيباً بالعيب الذي وصفه، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن القول قول المالك؛ فإن الأصل دوام سلامة العبد عما ادعى الغاصب طريانَه عليه من قطعٍ، أو عمى.
والقول الثاني - أن القول قول الغاصب؛ فإن الأصل براءةُ ذمته عن المزيد المتنازع فيه، وهذا يلتحق بالأصل الذي يسميه الفقهاء: "تقابل الأصلين".
وذكر بعض أصحابنا أن الغاصب لو ادعى عيباً خِلْقياً، كما قدمنا وصفه، وكان ذلك العيب يفرض نادراً، في آحادٍ من الناس، كما ذكرناه من ادعائه كونَه أَكْمهَ، أو عديمَ اليد، ففيه خلاف؛ من جهة ادعائه نادراً، فقد يغلب على الظن كذبُه فيه، ومحاولتُه الغضَّ مما يلزمه من القيمة، والأصلُ 3 في الناس السلامة، وعليه ابتنى ثبوتُ حق الرد بالعيب؛ فإن المشتري يبني العقدَ المطلقَ على معهود السلامة، فينزل ذلك منزلةَ شرط السلامة.
ثم هذه الطبقة من الأصحاب ذكروا أوجهاًً: أحدها - أن المصدَّقَ المالكُ، بناء على السلامة.
والثاني - أن المصدَّقَ الغاصبُ، لما سبق تمهيده قبلُ.
والثالث - أنه يفصل بين العيوب النادرة، وبين ما لا يندر.
وكل هذا خبطٌ، لا أعده من المذهب 4. والذي يجب القطع به، أن الغاصب إذا لم يعترف بأصل السلامة، فهو مصدَّق مع يمينه في ادعاء انعدام عضو أو صفةٍ في أصل الخلقة، وإنما محل الخلاف فيه إذا اعترف بأصل السلامة، ثم ادّعى طريان آفة، كما بيناه.

4622 - ومما يلتحق بذلك أن المالك لو ادّعى أن العبد المغصوب الفائت كان يحسن صناعةً من الصناعات، وأنكرها الغاصب، فالذي قطع به المراوزة أن القول قول الغاصب؛ فإن الأصل براءة ذمته، والأصل عدم الصناعة التي يدعيها المالك.
وذكر العراقيون وجهاًً غريباً: أن القول قولُ المالكِ، ووجهوه عندهم بأن صفات العبيد قد لايطلع عليها إلا السَّادة، ويعسر إثباتها من غير تصديقهم، فلو لم نصدقهم، لأدّى إلى تعطيل كثير من الصفات في محل النزاع.
ونحن قد نصدق في إثبات شيء والأصل عدمُه إنساناً، إذ 1 كان لا يتلقى ثبوته إلا من جهته، ومنه تصديقنا المرأةَ في الحيض، إذا كان الزوج علّق طلاقَها على أن تحيض، وإن كان الأصل بقاءَ النكاح وعدمَ الطلاق.
وهذا تخليط غيرُ معدودٍ من المذهب، والوجه القطع ببناء الأمر على عدم الصناعات، وعلى من يدّعيها البيّنة.
هذا في اختلاف الغاصب والمغصوب منه في صفةِ المغصوب.
4623 - فأما إذا وقع الاختلاف في مبلغ قيمة العبد مطلقاً، من غير تعرض لصفاته، فإذا قال المالك: كانت قيمة العبد ألفين، وقال الغاصب: كانت ألفاً، فالقول قول الغاصب مع يمينه، لا خلاف فيه؛ بناء على ما قدمناه من براءة ذمته عن المزيد المدَّعى.
ولو ادعى المالك بقاء العين المغصوبة في يد الغاصب، وادعى الغاصب تلفَها، والتزم ضمانَ قيمتها، فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فالذي ذهب إليه المحققون، وهو اختيار القفال، فيما حكاه شيخي عنه أن القول قولُ الغاصب، فإنا لو لم نصدقه مع يمينه، لأوجب ذلك تضييقاً عليه، لا نجد عنه مخرجاً، وقد يخلّد حبسه فيه، والتلف يجري بحيث لا يشعر به غيرُ الغاصب، سيما في الجواهر والأعيان الخفية.
ومن أصحابنا من اكتفى بظاهر الحال، وقال: الأصل بقاء العين حتى تقوم البينة على تلفها.
وهذا القائل يحلِّف المالك، والصحيح ما اختاره القفال، والثاني مزيف.

4624 - ومما يتم به غرض الفصل: أن العبد المغصوب إذا مات فإن كان رآه المقومون، فلا شك أنهم يعتمدون عِيانهم في الشهادة على قيمته، وإن لم يره المقوّمون، فأراد مالك العبد أن يقيم شهوداً على صفاته، وحِلْيته، وصورته، ورام أن يعتمد المقومون تلك الصفات، ويبنوا التقويم عليها، فليس له ذلك، وليس للمقومين اعتمادُ الصفات التي يشهد بها العدول.
والسبب فيه أن ما يعتمده التقويم لا يدخل تحت ضبط الواصفين؛ فإن المعتبر الأظهر الذي تختلف القيم به لا يدخل تحت الوصف؛ فإن القيمة تختلف بالملاحة، ولطف الشمائل، وغيرها، ممَّا يدِق مُدركُه.
فإن قيل: ألستم صححتم السلم في الحيوان اعتماداً على الوصف، ثم استقصاء الأوصاف مقصود في السلم؟ قلنا: قد ذكرنا في كتاب السلم أن الإسلام في الحيوان يضاهي أبواب الرخص، ولا يشترط فيه من استقصاء الصّفات، ما يشترط في سائر الأجناس.
وقد مهدت في ذلك أصولاً في كتاب السلم، والقدر الذي يقع الاكتفاء به هاهنا أن مبنى السلم على تنزيل المسلم فيه على أقل مراتب الصفات، والاكتفاء بأول المنازل، ولا يتصور بناء التقويم على هذا؛ فإن المقوّم يحتاج إلى الاطلاع على النهايات ليبني ظنه عليها في التقويم.
وهذا واضحٌ، لا خفاء به.
وحكى صاحب التقريب قولاً غريباً أن التقويم يقع بأوصافٍ، تنزيلاً على الأقل كالسلم.
وهذا بعيدٌ غير معتدٍ به.
وإن ذكر الغاصب في إقراره بالغصب أوصافاً للمغصوب، وقال: كان المغصوب مورّدَ الخدين، أزجَّ الحاجبين، نجلاءَ العينين، أكحلهما، مستدقَّ الأنف، وارد الأَرْنبة 1، رقيق الشفتين، مديدَ القامة، حسن الهامة، مكلثمَ 2 الوجه، مستطيلَ الجيد 3، عريض الكتف، [مخصّر] 4 الوسط، نادر الرِّدْفِ 5،

[خديجَ] 1 الساقين، غائص الكعبين 2 إلى غير ذلك.
فهذه الصفات لا يعتمدها التقويم، ولكنها تفيد من جهة أنه لو ادّعى قيمةً لا تليق بهذه الصفات، مثل أن يذكر شيئاًً نزراً دراهم معدودة، فلا يقبل منه ما ذكره؛ فإنا وإن كنا لا نعتمد الصفاتِ في التقويم، فنستفيد مناقضةَ ما ادّعاه من القيمة، لما اعترف به من الأوصاف.
فإذا قال ذلك، قلنا: ارتَقِ، وزِدْ، فإن زاد زيادةً لا تليق أيضاً بالأوصاف، كلفناه الرقي، ولا يزال كذلك حتى ينتهي إلى مبلغٍ، قد يُظن أنه يليق بالأوصاف التي ذكرها.
ولو أقام المالك بينةً على الأوصاف، فقد ذكرنا أن القيمة لا تعتمدها، ولكن المالك يستفيد إبطالَ دعوى الغاصب مقداراً حقيراً، فلا فرق بين أن تثبت الأوصاف بقول الغاصب وبين أن تثبت بتحلية الشهود ووصفهم.
4625 - وإن قال المالك: قيمة العبد ألف، وقال الغاصبُ: بل خمسمائةٍ، فأقام المالك بينة أن القيمة كانت أكثر من خمسمائةٍ، ولم تتعرض البينة لضبطٍ، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن البينة تُسمع على هذا الوجه، وفائدة السماع أن يكلَّف الغاصبُ أن يزيد على الخمسمائة، ويرقَى، كما ذكرناه في الأوصاف، فإن زاد، فقالت البينة: كانت القيمة أكثر من هذا، فنكلفه الزيادة إلى أن ينتهي إلى موقف لا يقطع الشهود أقوالهم بالزيادة عليه.
وقال بعض أصحابنا: لا تقبل البينة على هذا الوجه.
وهذا ساقط غيرُ معتد به، وذهولٌ عن الحقيقة؛ فإن الجهالة إنما تقدح إذا كنا نبغي معها إثباتَ مقدّرٍ 3؛ ولسنا نبغي في هذا المقام إثبات مقدَّرٍ، وإنما نطلب إبطالَ قول الغاصب، وذلك ممّا يمكن التوصل إليه على تحقيقٍ.
والعلم بالمشهود به إنما يشترط إذا كان المطلوب معلوماً، فإذاً الغرض يحصل في تكذيب المدعى عليه بالجهة التي ذكرناها؛ فالوجه قبول البينة، مع الإبهام.
= ونادرُ الجبل ما يخرج منه ويبرز.
والرِّدف: العجز (معجم، ومصباح).

ولا يختص ما صورناه بالغصب.
فلو ادّعى رجل على رجل ألف درهم، فاعترف المدعى عليه بخمسمائةٍ، فأقام المدعي بينةً على أن له عليه أكثرَ من خمسمائة، فالأمر فيه على التفصيل الذي ذكرناه.
فصل قال: "ولو كان ثوباً، فصبغه ... إلى آخره" 1. 4626 - الغاصب إذا غير المغصوب نوعاً من التغيير، وأحدث فيه صِفةً، فلا يخلو إما أن يكون ما أحدثه أثراً، أو عيناً، فإن كان أثراً، مثل أنه كان غصب حِنطةً، فطحنها، أو دقيقاً، فعجنه، وخبزه، أو شاة، فذبحها، أو لحماً، فطبخه، أو قطناً، فغزله، أو غزلاً، فنسجه، أو نُقرةً، فطبعها، أو تراباً، فضربه لَبِناً، أو ثوباً، فقَصَره، فهذه، وما في معانيها آثارٌ؛ فإنها تثبت من غير مزيدِ عين، والقول في جميعها على نسق واحد.
فنقول: إن اقتضت هذه الآثار نقصاناً، فالحكم فيها أنه يجب ردُّ العين على ما هي عليها، مع أرش النقص.
وإن اقتضت الآثار زيادةً، فالعين مردودة على مالكها على ما هي عليها، ولا حق للغاصب في الزيادة التي حدثت بسبب فعله.
ولا خلاف أن هذه المعاني لا تلتحق في حق الغصب بالأعيان الزائدة، وقد ذكرنا في كتاب التفليس قولين في أن القِصارة، وما في معناها إذا صدرت من المشتري، ثم أفلس بالثمن، فتيك الزيادة أثرٌ أوْ عين.
وقد مضى القولُ مفصلاً في كتاب التفليس.
وغرضنا الآن الإشارة إلى الفرق بين البابين.
فنقول: المفلس أحدث ما أحدث بحقٍّ في محل ملكه وحقه، فيجوز ألا يضيع سعيُه في تحصيل تلك الزيادة.
والغاصب المعتدي ظالم بما أحدثه، فلا نقيم لسعيه وزناً، ونخيّب عملَه وظنَّه.
وممَّا ذكرناه في التفليس أن المشتري لو استأجر قصاراً، فقَصَر الثوبَ المشترى،

فقد نقول: إذا أفلس المشتري، فللقصار تعلُّقٌ بالثوب، لأجل ما حصّله من القِصارة، ولا سبيل إلى تخيّل مثل ذلك في الغصب، فالآثار التي تضمنت مزيداً انقلبت إلى المالك لا محالة، لا حظ فيها للغاصب، ولا تعلق بها للعامل.
ولو أحدث الغاصب أثراً، واقتضى زيادةً: مثل أن يغصب نُقرة فيطبعها دراهم، وازدادت قيمتُها لذلك، أو غصب تراباً، فضربه لَبِناً، فلو أراد المغصوب منه أن يكلفه ردَّ الدراهم تبراً بالإذابة والسبك، وردَّ اللبن تراباً بالدق، فالذي قطع به الأئمة أن له أن يكلفه ذلك، ولا نظر إلى تتبع 1 الأغراض؛ فإنها على الجملة ممكنة 2. وإذا أمكن غرضٌ، لم تَجْرِ 3 مطالبة المالك بإظهاره.
وهذا مقطوع به في الطرق.
وفيه تنبيهٌ على أصلٍ، وهو أن من غصب شيئاً على صفةٍ وغير صفتها، فهو على حكم هذه القاعدة مطالبٌ بردّ صفتها إذا كان ردُّها ممكناً.
وهذا غائص يتعيّن حفظه.
ويقرب منه ردُّ التراب إلى الحفائر، وتسويتُها به، وهو يستند إلى أصلٍ آخر، وهو رد المغصوب إلى المكان الذي غصبه منه.
والذي ذكرناه الآن إعادةُ الصفات لأعيانها.
ولو هدم رجلٌ جدار إنسانٍ، فلا يكلف إعادتَه؛ فإنه لا يتأتى إعادتُه على النعت الذي كان عليه إلا أن يكون منضداً من غير ملاطٍ، (4 فتكليف تنضيد أحجارٍ من غير استعمال ملاط 4) يلتحق برد التراب المنقول إلى موضعه.
ولو رضي المغصوب منه بالدراهم، فقال الغاصب: أردها سبائك، لم يكن له ذلك؛ فإنّه لا غرض له في ذلك، ولا يتوصل إليه إلا بملابسة (5) ملكِ غيره، والتصرفِ فيه، فلا يجاب إلى هذا.
وطم البئر إنما ساغ للغاصب على التفصيل المقدَّم بسبب ما فيه من تعرضه للضّمان والعدوان.4

وعند هذا المنتهى سر، وهو أنا لا نجوّز لحافر البئر طمَّها ليبرأ عن الضّمان؛ إذ لو كان المعنى هذا، لما بالينا بتورطه في الضّمان، ولقلنا: أنت الذي ورطت نفسك في هذا الضمان، ولكن المعتبر أن قطع العدوان واجب، فليفهم الناظر ذلك؛ فإنه من لطيف الكلام.
ولو كان قَصَر الغاصب الثوبَ، فليس من الممكن أن يكلفه المغصوبُ منه رده إلى البت 1، فلا تكليف في هذا، وما يناظره.
4627 - وذكر الأئمة في قسم الآثار 2 مسائلَ تستفاد ذكرنا بعضها فيما سبق، ونحن نجمعها الآن: لو غصب عصيراً، فانتهى في آخر أمره إلى حموضة الخل؛ فإنه يرد الخلَّ، وهل يضمن العصير؟ فيه وجهان: أحدهما - أنه لا يضمن؛ فإنه ردَّ عين ما غصب، ولكن صفته حائلة، فينظر في نقصان القيمة على التفصيل المقدم.
والثاني - يضمن العصير؛ فإن الذي رده خل، وقد صار العصير خمراً في يده، ثم صارت الخمر خلاً، ولما انقلب العصير خمراً، وجب إذ ذاك مثلُ العصير؛ فإنه باشتداده خرج من أن يكون مالاً، فما أوجبناه من المثل لا يزيله، والخل رزقٌ ساقه الله إلى المغصوب منه.
ومن هذا الجنس ما لو غصب بيضة فأحضنها دجاجة، ففرخت، فيجب ردّ الفرخ على مالك البيضة، وهل يجبُ على الغاصب قيمةُ البيضة؟ فعلى وجهين: أحدهما - يجب؛ لأنها تصير مَذِرَة 3، ثم تنقلب فرخاً، والمذِرة لا قيمة لها كالخمر.
والثاني - لا يجب ضمان البيضة، كما تقدّم في العصير.
ولو غصب بَذراً، فَزَرَعَه فنبت وتَسَنْبل، وأَدْرَك، فلا شك أن الزرع لمالك البذر، وهل يغرَم الغاصب مثلَ البذر للمغصوب منه؟ فعلى وجهين؛ لأن البذر يتعفن، ويخرج عن المالية، ثم يُنبت.

4628 - ومما يتعلق بما نحن فيه أنه لو غصب خمراً، فصارت في يده خلاً، أو غصب جلد ميتة، فدبغها، فهل يلزم رد المدبوغ والخل؟ حاصل ما ذكره الأصحاب أوجه: أحدها - أنه يجب الرد؛ فإن المملوك آخراً فرعُ المغصوب، وإن لم يكن مالاً لمَّا غُصب، فيجب رد الفرع إلى من كان مختصاً بالأصل.
وهذا أصح الوجوه.
والثاني - أنه لا يرد ويفوز بالخل والجلد المدبوغ؛ لأن الملك حصل في يده، وما غصب ملكاًً، فاستبدّ بما جرى الملك فيه، ولو تلفت الخمر خمراً، والجلد قبل الدباغ، لما كان يضمن شيئاً؛ فهذا إذن فائدةٌ مستجدة، حصلت في يد الغاصب.
والوجه الثالث - أنه يمسك الخل، ويفوز به، ويردّ الجلدَ، والفرق أن الخمر لا يحل اقتناؤها لتُعالج، وجلود الميتات تُقتنى للمعالجة.
والأصح الوجه الأول.
ويمكن أن يقال: الخلاف في الخمر مفروض في الخمرة المحترمة حتى تناظرَ الجلدَ قبل الدِّباغ.
ولو أخذ خمراً مستحقة الإراقة، ولم يتفق منه إراقتُها حتى انقلبت في يده خلاً، فالظاهر عندنا القطع بأنه يفوز بالخل؛ فإن تيك الخمر، لم تكن مستحقة، ولم يكن فيها اختصاصٌ، بل كانت مضيّعة في حكم التالفة التي لا حق فيها ولا اختصاص، فمن استفاد منها خلاً، كان ذاك رزقاً مبتدأً في حقه.
وليس تخلو هذه الصورة عن احتمالٍ أيضاً.
وكل ما ذكرناه آثار مجرَّدة، ليس فيها إحداث عين.
4629 - فأما إذا أحدث في العين المغصوبة عينَ مالٍ، مثل: إن غصب ثوباً، فصبغه.
في هذا الفصل 1 اضطراب في الطرق، وتباينٌ بيّن، ونحن نرى أن نسوق ترتيباً هو الأصل عندنا في المذهب، ونُلحق ما يليق به من الوجوه الغريبة، ثم إذا نجز، ذكرنا بعد نجازه ما نراه خارجاً عن قاعدة المذهب، مما نقله الأئمة، فنبتدىء ونقول: إذا صبغ الغاصب الثوب بصِبغٍ، لم يخلُ إما أن يكون الصِّبغ للغاصب، وإما أن يكون

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل