كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
بضمان الزوائد؛ من جهة أنا إن قلنا: تمكُّنُ المغصوبِ منه من الانتفاع بالقيمة، [بالتصرف] 1 فيها يسد مسد ما يفوت من منفعة العين، فهذا على بعده قد يُتخيل، فأما المصير إلى انقطاع عُهدة الغصب، فبعيد.
ومما يخرّج على الخلاف أحكامُ جنايات العبد في إباقه، ففي وجهٍ نُعلِّق ضمانَها بالغاصب استدامةً لحكم الغصب، وفي وجهٍ نبرئه منها لبذله القيمة.
4672 - ثم قال المحققون: لو غصب عبداً وغيّبه إلى مكانٍ بعيدٍ، ولما توجهت الطَّلِبةُ عليه بردّه، عسر عليه ردُّه، وغرِم قيمته.
قالوا: يجب [عليه] 2 في هذه الصورة ضمانُ الأجر إلى الرد.
وكذلك القولُ في ضمان الزوائد، والتزام عهدة الجنايات.
وزعموا أن هذا محلُّ الوفاق، بخلاف ما قدمناه في حالة الإباق.
والفارق أن العبد المغصوب إذا كان خروجه وغَيْبتُه على حكم الغاصب وتصريفه إياه، فهو باقٍ في حقيقة يد الغاصبِ، فَقَطْعُ علائق الضّمان محالٌ بخلافِ الآبق.
وهذا الفرق وإن كان له اتجاهٌ، فقد كان شيخي يطرد الخلاف في هذه الصُّورة؛ بناء على صورة بذل القيمة، ونزولها منزلة العين.
والمسألة محتملة.
4673 - وحكم الأجرة في اللوح المغصُوبِ المدرج في السفينة، يخرّج على الترتيب الذي ذكرناه، فإن لم يضمن الغاصب قيمة اللَّوح لمكان الحيلولة، فعليه أجر مثلها إلى التمكن من نزع اللوح ورده.
وإن غرِم القيمة لوقوع الحيلولة، وتعذر الرد، فإذا كان الغاصب مع السفينة، فهذه الصورة تناظر ما لو صَرَفَ العبد إلى بعض الجهات وغيّبه.
وفيه من التردد ما ذكرناه.
وحكم أجر المثل يجري في الخيط مادام جزءٌ منه باقياً في الجرح، فإذا تعفن وبلي، فقد تلف.
ومن آثار ما ذكرناه أنه إذا غرِم قيمة الآبق، وكانت ألفاً، ثم ازداد بالسُّوق، فصار مثله يساوي ألفين، فزيادة السوق في هذا المقام بمثابة زيادة الأعيانِ.
فإن قطعنا
علائق الضّمان ببذل القيمة الأولى، فلا نظر إلى ما يتفق من بعدُ من ارتفاع السعر.
وإن استدمنا حكمَ الضمان والتغليظَ على الغاصب، فلما ارتفع السوق، وجب بذلُ مزيدٍ في القيمة.
4674 - ومن دقيق المذهب ما نختم الفصل به: وهو أن ضمان القيمة عند وقوع الحيلولة، وحصول التعذّر من الرد واجبٌ، كما ذكرناه في قاعدة الفصل.
فلو جاء الغاصب بالقيمة للحيلولة، فللمغصوب منه أن يمتنع منها على ظاهر المذهب؛ من جهة أنها ليست حقاً مستحقاً ملتزَماً في الذمّة، يأتي الملتزم به، فيجبر المستحِق على قبوله أو الإبراءِ عنه.
ويتصل بذلك أنه لو أبرأ مالكُ العبد عن القيمة المعلّقة بالحيلولة، فلا معنى لإبرائه عنها؛ فإن الحيلولة تتجدد حالاً على حالٍ.
وهذا يضاهي نظائرَه من إسقاط امرأة المولي حقها عن الطلبِ بعد انقضاء المدّة؛ فإنه لا حكم لإسقاطها؛ من جهة تجدد حقوقها على ممرّ الزمن في المستقبل.
ونزَّل بعضُ أصحابنا قيمة الحيلولة منزلةَ الحقوق المستقرة، حتى صحح الإبراء عنها، وألزم مالك العبد قبولَها.
وهذا غفلة عن حقيقة الفصل، والتعويل على ما قدمناه.
فصل
قال: "ولو باعه عبداً، وقبضه المشتري ... إلى آخره" 1.
4675 - مقصود الفصل غيرُ متعلقٍ بأحكام الغصوب، وإنما هو مجمع من قضايا الأقارير والدعاوى.
ولكنا نذكره جرياناً على ترتيب (السَّواد) 2 فنقول: من باع عبداً وأَلْزم في ظاهر الحالِ بيعه، ثم قال: كنتُ غصبته، فقوله مردود في انتزاع العين من يد المشتري، ولكنه هل يغرَم للمقَرّ له قيمةَ العبد؟ من أصحابنا من خرج ذلك
على القولين فيه إذا قال: غصبت هذه الدارَ من فلان، لا بل من فلان، فالدار مسلَّمةٌ إلى الأول، وفي وجوب ضمان القيمة للثاني قولان، تمهد ذكرهما.
ومن الأصحاب من قطع في مسألة الإقرار بعد البيع بوجوب ضمان القيمة للمقَرّ له.
وفرق بأنه في مسألة الإقرار لم ينشىء أمراً، وإنما صدر منه إخبارٌ مجرّد.
وفي مسألة البيع أنشأ البيع في ظاهره، وهو موجب لحكم الحيلولة.
وهذا الفرق مما سبق ذكره.
ولو قال البائع ما قال، فصدقه المشتري، وجب عليه تسليم العبد إلى المقَرّ له، ويرجع بالثمن على البائع 1.
وإن لم يقر البائع لكنّ المشتري أقرّ بأن هذا العبدَ الذي اشتريتُه مغصوب من فلان، غصبه البائع وباعه، فلا يرجع بالثمن على البائع.
وإن لم يوجد الإقرار منهما، ولكن جاء إنسانٌ [وادّعى] 2 أن العبد الذي باعه ملكُه، كان غصبه 3 منه، وباعه مغصوباً، فكذباه -أعني البائع والمشتري- فالقول قولهما.
أما المشتري، فيحلف: "لا أسلم العبد إلى المدعي".
ولا عليه لو قيّد يمينه -إن أراد- بكَوْن العبد ملكاً له، بناء على ظاهر الحال.
وأمّا البائع، فإنما يتجه تحليفُه إذا كنا نرى تضمينه القيمة.
وينبغي أن يقع يمينه على نفي القيمة؛ فإنها المدعاة عليه في الحال.
ولو تعرض لنفي الغصب للمدّعي، فلا بأس مع التعرض لنفي القيمة.
ولو اقتصر في يمينه على نفي الغصب، ففيه وفي أمثاله خلافٌ يأتي في الدعاوى، إن شاء الله تعالى.
4676 - وفرض الأصحاب صورة طوّلوا الفصل بذكرها، فقالوا: لو اشترى عبداً وقبضه، وأعتقه، فجاء المدعي وادّعى أن البائع كان غصبه، فإن كذبوه -يعني البائعَ والمشتري والعبدَ- والتفريع على الصحيح في حق البائع، فيحلف البائع: "لا تلزمه
القيمة" ويحلف المشتري: "لا يلزمه ردُّ العبد" 1، ولا نزاع مع العبد؛ فإنه قد أعتقه المشتري ظاهراً، ومضى حكم الشرع بنفوذ العتق فيه.
وسنبين ما نبغيه في أثناء الفصل، إن شاء الله.
4677 - فلو صدقه البائع، لم يقبل قوله في انتزاع العبد؛ فإنه يتضمن إبطالَ ثلاثة حقوق: حق المشتري، وحق العبد، وحق الله تعالى في العتق.
وإن صدقه البائع والمشتري، لم يقبل في ردّ العتق لحق العبد، وحق الله تعالى.
وعلى المشتري القيمةُ، [والطلبة] 2 بها؛ من جهة إعتاقه، فلو صدقه البائع، والمشتري، والعبد، لم يبطل العتق؛ لأن فيه حقَّ الله تعالى.
ولو [مات هذا العبد] 3 وكان كسب مالاً، ولم يكن له نسيبٌ وارث، فميراثه للمقَر له بالغصب 4؛ لأن البائع والمشتري أقرا له (5 بالملك، وليس 5) في [قبول] 6 إقرارهما في هذا المقام -وقد نفذ العتق- مُرادّةُ 7 حقٍّ.
وهذا ظاهر؛ فإن [العتيق] 8 لا يرثه إلا مولى [العتاقة] 9 إذا لم يكن له من يحجب مولاه، ولا يمكن (1) أن يُقدَّر حرَّ الأصل؛ فإن الحرية الأصلية ليست ثابتة في حساب، ولا على موجب قولٍ من أقوال هؤلاء.
4678 - وهذه المسألة فيها لطفٌ؛ من جهة أن قبول قول المشتري يوجب ارتداد510
العتق، لو أمكن الوفاء بذلك، فكيف انتهض مثبتاً (1 للميراث.
ولكن الغرض من هذا أن الاختصاص الذي يمكن إثباته يثبت بقول المشتري 1)، وإن لم يثبت، رُدَّ العتقُ.
وليست المسألة خالية عن إمكانٍ واحتمال 2. وتكاد أن تكون من دواير 3 الفقه؛ فإن في قبولِ إقرار المشتري ردَّ العتق، وفي رد العتق ردُّ التوريث، وما في يد هذا العتيق ربما حصّله من جهاتٍ لا يصح من العبيد التحصيلُ منها من غير إذن السَّادة.
وقد ينقدح في المسألة تفصيلٌ، فنقول: ما يصح من العبد اكتسابه من غير إذن المولى يجب أن يصرف إليه، فإنه بين أن يكون كسبَ عبده، أو ميراثَ عتيق ثبت أصل الملك له فيه [لزوماً] 4، وما ثبت في يده عن جهةٍ لا يصح استبداد العبد بها، فالوجه الحكم بأن المقر له لا يستحقه؛ فإنه ينكر الملك فيه، ويرد عتق المشتري.
هذا [ما] 5 لا بد منه.
وهو مستقر المسألة.
والأئمة وإن لم يذكروا هذا التفصيل، فلا شك أنهم عنَوْه، ولو عرض عليهم، لم ينكروه.
فصل
قال: "ولو كسر لنصراني صليباً ... إلى آخره" 6.
4679 - آلات الملاهي تُكسَّر في أيدي المسلمين، فاختلف الأئمة في الحد الذي
ينتهي الكاسر إليه.
فقال القائلون: إذا فصلها، كفى، وينبغي أن يُبقي انتفاعاً آخر به، إن أمكن الانتفاع، وهذا القائل يقول: إذا كان الكلام مفروضاً في الأوتار، فيكفي في الكسر رفعُ وجه البَرْبَط 7، وتركُه على شكل قصعه؛ فإنه بهذا القدر يخرج1
عن اللهو 1، والاستعمال المحرّم.
ومن أئمتنا من رأى الزيادة على الحدّ الذي ذكرناه.
ثم الضبط فيما ينتهي إليه ألا يتأتى من [المنكسر] 2 اتخاذ آلةٍ كالتي كانت، أو اتخاذ آلة أخرى من المعازف.
وحاصل الخلاف المذكور آيلٌ إلى أن المعتبر عند بعض الأصحاب إخراجُ الآلة عن إمكان استعمالها في الوجه المحرم.
والاعتبار عند الآخرين بإخراجها عن إمكان الرد إلى الهيئة المحرّمة.
وذهب آخرون إلى مسلكٍ وسط، فقالوا: ليس من الشرط إنهاء الكسر إلى استحالة اتخاذ الآلة من الرُّضَاض 3؛ فإن الخُشب متهيئة لاتخاذ آلات منها، فإذا وجدنا أصولها في أيدي من يتعاطى صنعة الآلات لم نفسدها عليه.
فالمعتبر إذاً انتهاء الكسر إلى حالةٍ لو فرض محاولة صنعة الآلة من الرّضاض، لنال الصانع من التعب ما يناله في ابتداء الاتخاذ.
ولم يكتف أحد من أصحابنا بقطع الأوتار وترك الآلات.
والسبب فيه أن الأوتار منفصلة عن الآلة، [وهي] 4 في حكم المجاورة لها، فلا يقع الاكتفاء بإزالتها؛ فإنَّ الآلات باقية.
ووراء ما ذكرناه [نظر] 5؛ فالذي يصنع هذه الآلات إذا وجدنا في يده صفائح لم تتم الصنعة فيها، فإن كانت على حدٍ لا يتجاوزها الكسر، (6 فلا نفسدها، وإن كانت على حدٍّ قد يتجاوزها الكسر 6) ففي كسرها تردُّدٌ عندي؛ فإن من يبالغ في الكسر بناء على ما عهد من الآلة المحظورة قد لا يرى هذه المبالغة في الابتداء، قبل أن تثبت الهيئة.6
ومن بالغ في الكسر ينبغي أن يتوقف في الصليب؛ فإن الصليب خشبة معرَّضة على خشبة، فإذا رفعت إحداهما عن الأخرى، فلا معنى للازدياد على هذا.
وقد سقطت هيئة الصليب بالكلية، والعلم عند الله.
فصل
" فإن أراق له خمراً ... إلى آخره" 1.
4680 - تفصيل القول في إراقة الخمر على المسلمين بيّن، وغرض الفصل تفصيل القول في إراقة خمور أهل الذمة.
اتفق الأئمة على أنه لا يجوز أن يُتَّبعوا في مساكنهم، وتراق عليهم خمورهم.
وإن كنا نعلم أنهم يتخذونها.
وإذا ظهر لنا هذا من المسلم، اتّبعناه، وأرقنا عليه؛ وذلك أنا عقدنا الذمة على تقريرهم على مُوجب عقدهم 2، بمعنى المتاركة والإضراب، وليس اقتناؤهم للخمور بأكثر من استمرارهم على الكفر.
ولا نشك أنهم إذا استخلوا بأنفسهم، أظهروا تكذيب نبينا؛ فإذا سوّغ الشرع تقريرهم على كفرهم، لم يبعد أن يسوغ تقريرهم على خمرهم.
ثم هم ممنوعون من إظهار الخمور والتظاهر بشربها، بحيث يُطَّلع عليهم، وكذلك يُمنعون من إظهار المعازف، وإظهارُهم إياها استعمالُها، بحيث يسمعها من ليس في دورهم.
ثم إذا أريقت عليهم الخمورُ التي اقتنَوْها، فلا ضمان على مريقها، وإن كان ممنوعاً من اتباعهم، خلافاًً لأبي حنيفة 3.
وأجرى الأصحابُ في أثناء المسألة مسألة مذهبية في الحد؛ فإنهم ألزمونا 4 سقوط الحد عن الذمي إذا شرب وارتفع إلينا راضياً بحكمنا، والذي قطع به المعتبرون
من أئمة المذهب أنه لا يحد شاربهم، وإن رضي بحكمنا، إذا كانوا يعتقدون حل الخمر.
وهذا وإن كان يغمض الجواب عنه في الخلاف، فهو المذهب.
وذكر أئمة الخلاف وجهاً في وجوب الحدّ وفي كلام الشيخ أبي علي رمز إليه.
وتوجيهه هيّن إن صح النقل، فإنا نستتبعهم في موجب عقدنا، ولا نتبعهم.
وقد يعتضد هذا بنص الشافعي رضي الله عنه إذ قال: "لو شرب الحنفي النبيذ حددتُه، وقبلت شهادته" فإذا كان عقد الحنفي في استحلال النبيذ لا يعصمه من الحدّ، فعقد الذمي لا يمنعه من الحد، إذا رضي بحكمنا.
وهذا موضع [الغَرَض] 1، والكلام.
4681 - فإن قيل: ما المعتمد في المذهب الظاهر في الفصل بين إقامة الحدّ على الحنفي وبين الامتناع من إقامة الحد على الذمي؟ قلنا: لما رأى الشافعي المعنى الذي يجب الحد على شارب الخمر لأجله موجوداً في النبيذ، لم يعرّج مع وجود المقصودِ على مذهبِ ذي مذهبٍ؛ فإنا على اضطرار نعلم أن كل خبل 2 يجره شرب الخمر يقتضيه 3 شربُ النبيذ.
وإذا كان هذا معتمدَ الحدّ، وهو مقطوع به، فلا وقع للخلاف وراءه.
والحنفي مزجور بالحدّ زجرَ غيره.
والذمي ليس مزجوراً بحد الشرب، مع العلم بأنه يشرب الخمر إذا [استخلى] 4. وعماد الحد الزجرُ، ولا حاصل له في حق الذمي.
وهذا حدٌّ واضح.
4682 - ثم لما ذكر الشافعي هذا في النبيذ، اضطرب الأصحابُ في النكاح بلا ولي، ونكاح الشغار، وما سواهما من الأنكحة المختلف فيها.
فقال أبو بكر الصيرفي 5: يجب الحد على من وطىء في النكاح بغير وليّ، قياساً على شرب النبيذ.
وهذا مزيف لا أصل له.
والمعنى الذي نبهنا عليه يُسقطه؛ فإن
كل ما يُحذَر في الخمر، فهو موجود في النبيذ، والزنا من غير تعلقٍ بصورة العقد هو السِّفاح، ولا يضاهيه نكاحٌ بُني على رضاً وإشهادٍ، فليس يقتضي زاجرُ الزنا في الوطء في النكاح بلا وليّ ما يقتضيه الزاجرُ عن شرب الخمر في شرب النبيذ.
ثم كان شيخي يحكي عن الصيرفي 1 ثبوتَ 2 الحد على الحنفي في النكاح بلا ولي طرداً لقياس النّص 3 في شرب النبيذ.
وحكى الشيخ أبو علي عن الصيرفي (1) مصيرَه إلى إيجاب الحد في حق من يعتقد تحريم النكاح بغير ولي، والقطع بأنه لا حد على من يعتقد تحليله.
هذا منتهى مسائل الغصب في نقل المزني.
ونحن نرسم فروعاً بعدها.
فرع:
4683 - سنذكر في بابٍ مخصوص بأحكام البهائم في ربع الجراح، إن شاء الله تعالى أن ما تفسده البهيمة، فالأمر في الضمان مبني على تفريط مالكها، فإذا كان المالك معها، فأتلفت شيئاً بخبْطها 4 أو عضِّها أو رَمْحها 5، فعلى المالك الضمان، ولا تعلق للمضمون برقبة البهيمةِ.
فإذا كان معه طائر، فالتقط لؤلؤة، فإن لم يكن مأكولَ اللحم، فعليه القيمة للمالك؛ إذ لا يحل ذبح الطائر الذي لا يؤكل لحمه، (6 إذا لم يكن من الفواسق.
وإنما وجبت القيمة لمكان الحيلولة.
ثم إن كان الطائر مأكول اللحم 6)، ففيه الخلافُ الذي ذكرته في الذبح.
وأنه هل يسوغ؟ وقد قدّمتُه في فصول الخيط.
فإذا تمهد ما ذكرناه، بنينا عليه فرعاً 7.
فإذا باع الرجل حماراً بشعير معين، فقضم الحمار الشعير، فإن كان الشعير مُسلَّماً6
إلى البائع، (1 لا ينفسخ العقد لدخوله في ضمان مستحقه، ثم الكلام في الضمان يترتب على تفصيلٍ: فإن كان سلّم الحمار إلى المشتري، وكان المشتري معه لما قضم، لزمه الضمان للبائع 1)، ويغرَم له مثل شعيره.
وإن كان الشعير في يد المشتري بعدُ، والحمار في يد البائع، فإذا قضم الشعيرَ، نظر: فإن كان البائع مع الحمار، فما جرى يكون قبضاً للشعير المجعول ثمناً.
وهذا يوضحه أمر بيّن 2 وهو أن من ثبتت له يد، وإن لم يكن مالكاً، فهو مؤاخذ بحفظ ما تحت يده، فلو كان الحمار وديعة في يد إنسان، وكان يستاقه ليسقيه، فما يتلفه الحمار مضمون على المودَع، والبائع إذا كان ذا يدٍ للحمار 3، وإن كان ملكُه للمشتري، فما يتلفه محسوب على البائع، فكأنه أتلف الشعير بنفسه [و] 4 لو أتلفه، كان قابضاً له؛ فإن مستحق العوض إذا أتلفه، كان إتلافه له بمثابة قبضه إياه.
هذا مقصود الفرع.
فرع:
4684 - الغاصب إذا أدخل فصيلاً في خوخة، فكبر بحيث لا يتأتى خروجه من المدخل 5 الذي أدخل فيه، وكان لا يمكنه ردُّه إلى مالكه إلا بهدم البيت، أو فتح باب كبير، فإنا نهدم على الغاصب على قدر الحاجة، ولا ضمان؛ لأجل أنه المتعدي.
ولو دخل الفصيل البيتَ، وصادف فيه ما يأكله ويشربه، فكَبِر، ثم انتهى إلى حالةٍ لو ترك فيه لهلك، فصاحب البيت ليس غاصباً في هذه الحالة، والنظر مردود إلى تفريط مالك البهيمة، فإذا كان مفرِّطاً بترك مراعاته، حتى دخل الموضع الذي دخله، فيهدم ما تمس الحاجة إلى هدمه في تخليص الحيوان، ولسنا نرعى فيه حرمةَ مالكه، وإنما نرعى حرمةَ الروح، ثم يغرَم المالك ما ينقصه الهدم؛ من جهة انتسابه إلى التفريط.1
فلو أمكن تصوير صورة لا يكون المالك مفرطاً فيها في إرسال بهيمته، فلا تفريط من مالك البهيمة، ولا من رب البيت، وقد 1 جرت الواقعة على الصورة التي ذكرناها؛ فعدم الغصب من صاحب البيت يوجب احترامَ ملكه؛ وعدم التفريط من صاحب البهيمة يوجب براءة ذمته، فكيف [الوجه] 2 والحالة هذه؟ قلنا: نهدم ما تمس الحاجة إلى هدمه، ثم لا ضمان؛ فإن الهدم مستحق لحرمة الرّوح ولا تفريط من أحد، فالوجه نفي الضمان.
وقد ينقدح فيه خلافٌ؛ تخريجاً على [أن] 3 من أوجر مضطراً طعاماً يلزمه قيمة الطعام لرجوع المنفعة إليه، فعلى رب البهيمة على هذا التقدير ما ينقصه النقض.
والعلم عند الله تعالى.
فرع:
4685 - زوج خف يساوي عشرين أخذ الغاصب منه فرداً، وكان الفرد الذي أبقاه يساوي درهماًً، فما الذي يجب على الغاصب، إذا تلف ما غصبه في يده، أو أتلفه؟ حاصل ما ذكره الأصحابُ أوجه: أحدها - أنه يجب على الغاصب تسعةَ عشرَ؛ فإنّه تسبب بأخذ فرد وإتلافه إلى رد قيمة ما أبقاه إلى درهم، فيلزمه تمامُ ما انتقصه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب على الغاصب إلا درهم؛ فإنه قيمة الفرد، وهو لم يأخذ غيره.
ومن أصحابنا من قال: يجبُ عليه نصفُ قيمة الزوج.
وهذا معتدل بين طرفي التكثير والتقليل.
فرع:
4686 - إذا غصب شاةً وانتفع بدرّها، ونسلها، وصوفها؛ فإنه يرد الشاة، ويغرَم ما ثبتت يدُه عليه [من الشاة.
ثم منه ما هو من ذوات الأمثال، ومنه ما هو من ذوات القيم، كالنتاج.
وللشافعي وقفةٌ في الصُوف، في أنه من ذوات الأمثال] 4 أو
من ذوات القيم.
والأمر محتمل، من جهة أن الصوف من الشاة الواحدة لا يتماثل، فما الظن إذا تعددت المحال.
فرع:
4687 - إذا أجج ناراً في داره، فطارت منها شرارة [إلى دار جاره] 1 أو إلى كُدْسه 2، فجرَّت حريقاً، فهذه المسألة، ونظائرها، معروضة على العادة.
فإن عُد صاحب النار مقتصداً في إيقاده، فلا ضمان عليه، وإن حدث ما حدث بسببه؛ فإن التحفظ من مثل هذا غير ممكنٍ، فمجرى الحال محمول على القدر [المقدّر] 3 ولو لم نَقُل ذلك، لمنعنا الملاك من التصرف في أملاكهم.
ولا يجري ما ذكرناه مجرى التعزيرات 4 المشروطة بسلامة العاقبة؛ فإن حسم تصرف الملاك عظيم، فلا يقاس بهلاك يقع نُدرةً، مع الاقتصاد في [التعزير] 5.
وإن عُدّ صاحب النار مجاوزاً للغاية، توجه الضمان عليه.
قال الأصحاب: النار القريبةُ في اليوم [ذي] 6 الريح في العرائش، وبيوت القصب، كالنار العظيمة المجاوزة للحدّ.
وفقه الفرع أنا إن تحققنا المجاوزة، أثبتنا الضمان.
وإن تحققنا الاقتصادَ، نفيناه.
وإن ترددنا، فلا ضمان مع التردد.
والمعني بالتردد تساوي العقدين.
فإن غلب على الظن مجاوزةُ الحد من غير قطع، أمكن تخريج هذا على غلبة الظن في النجاسات؛ فإن البابين مستويان في إمكان التعلق بالأماراتِ.
ولو كان الإنسان يسقي الزرع فانبثق بثقٌ من أرضه إلى دار جاره، وجرّ هدماً، وفساداً، فالقول فيه خارج على ما ذكرناه.
وعلى الذي يسقي أرضه [أن] 7 يتعهد
ما جرت العادة بتعهده.
والنائم عن مثل هذا مقصّر، إذا لم 1 يقدم احتياطاً موثوقاً به.
وقد يختلف الأمر باختلاف البقاع، وصفات الأراضي، في كونها صُلبة، أو خوارة 2، ويختلف أيضاً بأن تكون الأرض المسقيّة مستعليةً؛ فإن الماء يسرع انحداره من العلوّ.
فهذا منتهى الضبط في ذلك.
فرع:
4688 - إذا اشترى الرجل أرضاً مغصوبة على جهلٍ بحقيقة الحال، [وبنى عليها، وغرِم على البناء مالاً، ثم تبين الاستحقاق، نُقض] 3 بناؤه، وألزم الأجر.
أما القول في المنافع وأنه هل يرجعُ بما [غرمه] 4، فقد مضى مفصلاً.
والذي نُحدثه الآن أنه إذا هُدم بناؤه، فهل يرجع بأرش النقصِ على البائع الذي غره؟ فيه اختلاف بين الأصحاب.
ومال القاضي إلى أنه يرجع، وهذا استمساكٌ بمحض التغرير.
ولا أحد يصير إلى أنه يرجع 5 بما بذله في البناء؛ فإن ذلك يختلف، وإنما الرجوع بما ينقصه النقض.
فرع:
4689 - قد ذكرنا خلافاًً في أن المستعير، والقابضَ عن الشراء الفاسد، والمسْتام، يضمنون ضمانَ الغصوب أم لا؟ فإن نفينا ضمان الغصب، فقد خَرَّج الأصحابُ ضمان الزوائد المنفصلة والمتصلة على هذا القانون، واستقر جواب المحققين على أن الاعتبار -إذا نفينا تغليظ الغصبِ- بيوم القبض، فكلّ 6 ما يحدث بعده، لا 7 يقع مضموناً.
قال صاحب التقريب: الذي أراهُ وأختاره، أن الزوائد
المتصلة مضمونة.
وما ينفصل لا يضمن، كالولد، والثمار.
وهذا غريب، وإن اتجه في الرأي.
فرع:
4690 - إذا غصب الرجل عيناً وباعها، فأراد المالك إجازة البيع، فهو خارج على وقف العقود، وإن كثرت البياعات، وعسر تتبعها، وتفرق المتعلقون بها، فإذا فرعنا على الجديد في منع وقف العقود، ففي هذه الصورة تردد، لما في [التتبع] 1 من الضرر العظيم.
وللشافعي في الجديد ترديد جوابٍ في هذا.
وقد أدرجت هذا في تقاسيم الوقف في كتاب البيع.
فرع:
4691 - إذا باع رجل، أو أجرى البيعَ إلى حالة الإلزام، ثم قال: كنت غصبته، فقد ذكرنا في وجوب الضمان عليه للمقَر له خلافاًً.
وقد زاد صاحب التقريب وجهاًً مفصلاً، فقال: إن قال: بعته وهو ملكي، ففيه التردد في الغرم، وإن أطلق البيع، ولم يدّع الملك، لم يضمن؛ فإنَّه قد يبيع الإنسان ما لا يملكه.
وهذا لا أصل له؛ فإنه ببيعه أوقع الحيلولة، وإن لم يدع الملك لنفسه.
ومعتمد الضمانِ في الباب الحيلولةُ وإيقاعُها، والله أعلم.
[انتهى كتاب الغصب بحمد الله] 2.
...