نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 353-392
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحيض

صفحات 353-392
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فإن قلنا: تثبت العادة بالمرة الواحدة، فقد صار دورها عشرين: خمسةٌ دمٌ، وخمسةَ عشرَ طهرٌ.
وكذلك تدور الأدوار.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بالمرة الواحدة، فالمذهب الصحيح أنّا نحيّضها خمسةً من أول الدم المعاود، ونحكم لها بالطهر بعدها خمسة وعشرين، ولا التفات إلى أول الدور، وإنما النظر إلى عدد الحيض والطهر، ومن أصحابنا من قال: نُحيّضها من أول الدم خمسة عشر يوماً، فتقع الخمس 1 الأخيرة في أول الدور على الحساب القديم، ثم نحسب من بعد ذلك خمسة وعشرين طهراً، فيعود الحساب في مقدار الحيض والطهر، وأوّليّة الدور إلى ما كان قديماًً.
وهذا ضعيف؛ فإنه إثباتُ زيادة في الحيض في هذه المرة من غير أصل.
وأما أبو إسحاق: فقد اختُلف في قياسه، فقيل: قياسُه هذا الوجه الذي ذكرناه آخراً.
وقيل: بل مذهبه أن العشرة الواقعةَ في آخر الدور استحاضة غيرُ معدودة في حساب، وإنما نحيّضها خمسة من أول الدور، ثم يجري حساب أدوارها كما كان قديماً.
504 - ولو كانت تحيض خمسةً، وتطهر خمسة وعشرين، فرأت من أول دورها خمستها، وطهرت أربعة عشر يوماًً، ثم رأت الدم واستمر، ولم ينقطع، فالنقاء الذي رأته ناقصٌ عن أقل 2 الطهر بيوم.
فنقول: أولاً يوم وليلة من أول الدم استحاضة، تكملةً وتتمةً للطهر، هذا لا بد منه، ثم نُفَرِّع المسألة.
فإن قلنا: العادة لا تثبت بالمرة الواحدة، فقد اختلف الأئمة فقال الأكثرون: نحذف يوماًً كما ذكرناه من أول الدم؛ استكمالاً للطهر، ونحيّضها بعد هذا خمسة

أيامٍ، ونحكم لها بالطهر خمسةً وعشرين يوماً، ولا نبالي بمزايلة أول الدور، وإنما يتبع العدد في الحيض والطهر، كما تقرر في الصور المتقدمة.
ومن أئمتنا من قال: نحذف كما تقدم يوماًً من أول الدم، ثم نحيّضها العشرة الباقية من الدور، ونحيّضها خمسة من أول الدور الثاني، فيكون حيضها خمسةَ عشرَ، ثم نحكم لها بالطهر خمسة وعشرين، ثم نحيّضها، خمسة من أول الدور الثالث، وندير الأدوار القديمة، كما تقدم هذا المسلك في أمثلة متكررة.
وأما أبو إسحاق، فإنه يجعل الدم المبادر في أول الدور الأول استحاضة سابقة، ثم يحيضها في أول الدور الثاني خمسة أيام، كما تقدم.
ومذهب أبي إسحاق في هذه الصورة أقرب، وقد وافقه بعضُ الأصحاب.
والسبب فيه، أن أول الدم المبادر استحاضة؛ فإن اليوم الأول يكمل به الطهر، فيظهرُ بعضَ الظهور -والحالة هذه- الحكمُ على جميع ما تقدم بالاستحاضة.
فهذا إذا قلنا: العادة لا تثبت بالمرة الواحدة.
505 - فأما إذا قلنا: تثبت العادة بالمرة الواحدة، فظاهر المذهب على هذا أنا نحذف يوماًً من أول الدم المبادر كما تقدم ثم نقول: عاد الدور إلى عشرين، فنحيّضها بعد اليوم خمسة، ونحكم لها بالطهر خمسة عشر، وندير على هذا الحساب أَدْوارها.
ومن أصحابنا من قال: لا يُرَدُّ الطهر إلى خمسة عشر بما جرى، وإن كنا نرى العادة تثبت بالمرة الواحدة، فإنا لم نتمكن من تحييضها في أول الدم المبادر، والدم يتردّد بين أن يكون حيضاً وبين أن يكون استحاضة، وليس كما لو رأت خمسةَ عشرَ يوماً نقاءً، ثم اطرد الدّم؛ فإن النقاء لا يكون إلا طهراً إذا لم ينقص عن الأقل، فنعتبر 1 العادة القديمة بمرة واحدة فيها ليس بعيداً.
ثم من جرى على ما ذكرناه، فقد تردد الغائصون على هذا، فذهب المحققون إلى أنا نحذف يوماً، ونحيّضها خمسة أيام بعده، ثم طهرها خمسة وعشرون يوماً.

وقال آخرون: إذا رأينا ألا نردَّ الطهرَ إلى خمسةَ عشرَ بهذه المسألة 1، فنجعل الدم المبادر في آخر الدور كله استحاضة، ليكمل في هذا الدور الطهر خمسةً وعشرين أيضاًً، كما رآه أبو إسحاق.
وهذا فيه بُعد.
والأصح المسلك الأول الذي ذكرناه الآن.
فصل 506 - قد ذكرنا فيما تقدم أن المبتدأة المميزة تميّز، وترد إلى التمييز إذا تمكنت منه، ووجدت أركانه.
وكذلك المعتادة إذا نسيت عادتها القديمة، واستحيضت، وتمكنت من التمييز، فهي مردودة إلى التمييز وفاقاً.
507 - فأما إذا كانت على عادة مستمرة، واستحيضت وهي ذاكرة لعادتها في أدوارها، وكانت تتمكن من التمييز أيضاًً، فإن كان ينطبق مقتضى التمييز على العادة، فهو المراد.
وإن اختلفا، فكان التمييز يقتضي مقداراً من الحيض يزيد على العادة أو ينقص منها، فقد اختلف أئمتنا، فمنهم من قال: هي مردودة إلى التمييز؛ فإنه اجتهاد، والعادة في حكم التقليد، والاجتهاد مقدم على التقليد، ويعتضد هذا بأن اختلاف المزاج بالطعن في السن يقتضي في مطرد العرف تغايير في أقدار الفضلات التي تدفعها الطبيعة، فيبعد أن تطّردَ العادة على مقدار واحدٍ، ويتجه اعتبار صفات دم الحيض عند استمرار الدماء.
ومن أئمتنا من قال: هي مردودة إلى العادة؛ فإن اعتبارها متفق عليه، والتمييز مختلف فيه، وأيضاًً فإن الرجوع في التمييز إلى لون الدم، ونحن نرى ألوان دماء العروق تختلف اختلافاً متفاوتاً، وقد يصفرّ دم الحيض أيضاً.
ومن أئمتنا من قال: يجمع بين العادة والتمييز إذا أمكن الجمع بينهما.

والقائلان الأوّلان يستمسكان بأحدهما، ووجه الجمع أنها إذا كانت ترى خمسةً حيضاً، وتطهر خمسة وعشرين، فلما استحيضت، صارت ترى عشرة سواداً، وعشرين صفرة، فنحيّضها في العشرة، ونردّ طُهرَها إلى عشرين، وهذا فيه إشكالٌ من جهة أنا كما نرعى العادة في الحيض، وجب أن نرعاها في الطهر، وفي تحييضها عشرة تنقيص طهرها، وذلك إسقاط صلوات في خمسة أيام، ولكن لا ينقدح في الجمع بين العادة والتمييز إلا هذا.
وكذلك لو رأت أولاً خمسةً شقرة في أيام عادتها [ثم رأت في الخمسة الثانية سواداً، ثم ضعف الدم إلى آخر الشهر، فمن يرى الجمعَ يُحيّضها في العشرة، وإن تعذّر الجمع بأن رأت خمسة في أيام عادتها] 1 دماًً ضعيفاً، ثم أحد عشر سواداً، فالجمع غير ممكن.
فإذا عَسُر [الجمع] 2 على رأي من يجمع عند الإمكان، ففي المسألة أوجه: أحدها - أنها ترد إلى العادة.
والثاني - إلى التمييز المحض.
والثالث - أنهما يتدافعان، فلا يعتبر واحد منهما، وتجعل هذه كالمبتدأة العاجزة عن التمييز.
وقد سبق القول في المبتدأة.
وهذا الوجه ضعيف، لا أصل له، ذكره بعض المصنفين.
وقد تكرر تعارض أمرين في الدماء، والاختلاف في الجمع إذا أمكن، وفي تعذّر الجمع كما تقدم في الدم الأسود والأحمر مع انطباق الأشقر بعدهما.
والذي ذكرناه الآن في اجتماع العادة [والتمييز] 3 يضاهي ما تقدم.
[فرع] 4: 508 - المبتدأة إذا تمكنت من التمييز، ورُدّت إليه، وصارت ترى الدمَ الأسودَ خمسةً، والدم الضعيف خمسة وعشرين، ثم استمر عليها الدم الأسود،

وعجزت عن التمييز، فالمذهب الصحيح أنها مردودة إلى الخمسة؛ فإن التمييز عند جريان أركانه أثبت لها عادة، فإذا انخرم التمييز، رُدّت إلى العادة المستفادة بالتمييز.
ومن أصحابنا من قال: إذا انخرم التمييز، فلا ننظر إلى أدوار التمييز، ونجعلها كمبتدأة ما تمكنت من التمييز قط.
509 - ولو كانت المسألة بحالها، فاطردت أدوارٌ على انتظام أركان التمييز، ثم استمر الدم على لونٍ واحد، وتعذّر التمييز، ثم جاءها دورٌ، فرأت عشرةً مثلاً سواداً وعشرين شقرة، وقد كانت في الأدوار المستقيمة ترى خمسةً سواداً، فهي الآن مردودة إلى العشرة، ولا يخرّج هذا على الخلاف في تقديم العادة والتمييز؛ فإن الأدوار التي استمرت كانت [تمييزية] 1، وإنما الخلاف في عادات جرت في غير الاستحاضة مع أطهارٍ وأدوارٍ مستقيمة، إذا قيست بالتمييز الممكن عند استمرار الاستحاضة.
فصل قال الشافعي: " الصُّفرة والكُدرة في أيام الحيض حيض ... إلى آخره " 2. 510 - الصفرة شيء كالصديد تعلوه صُفرة، وليست على شيءٍ من ألوان الدماء القوية والضعيفة.
والكدرةُ شيء كدر ليس على ألوان الدماء أيضاً.
ونحن نذكر حكمها في حق التي لا تستمر عليها استحاضة.
فإذا كانت المرأة ترى خمسةً دماً، وخمسة وعشرين نقاءً، فجاءها شهر، فرأت في أوان الحيض خمسةً صفرةً، أو كُدرة، ثم طهرت، فما رأته حيض؛ فإنها رأته في إمكان الحيض، وأيام العادة.
وإن كانت ترى خمسةً دماًً، ثم رأت سبعةً كُدرة في أول دور، ثم طهرت ثلاثة وعشرين، فالخمسة الواقعة في أيام العادة حيض، وما زاد عليها إلى تمام السبعة، فيه

وجهان: أحدهما - أنه ليس بحيض؛ فإنه ليس بدم، وليس في أيام عادة، فينزل منزلة بول دائم.
والثاني - أنه حيض؛ فإنه في زمان إمكان الحيض، فأشبه الواقع في أيام العادة.
هذا فيه إذا لم تر لَطْخةً من الدم، فأما إذا رأت في أيام العادة مقداراً من الدم، ورأت بعدها دماً، ثم صفرة أو كُدرةً في خمسةَ عشرَ، وهي زمان إمكان الدم، ففي الصفرة الزائدة على أيام العادة وجهان مرتبان على الوجهين في الصفرة الأولى.
وهذه الصورة أولى بأن تكون الصفرة فيها حيضاً؛ لأنه إذا تقدم دمٌ، حُملت الصفرة على جزء منه؛ فإنّ تدرّج انقطاع الدم هكذا يكون، والجراحة إذا مجت دماًً عبيطاً، ثم انقطع، فترق أجزاء من بقية الدم مع رطوبات، ويتلون ألواناً كثيرة.
وإن لم يسبق دمٌ، فيبعد حملُ الصفرة على الدم إذا لم يتقوّ بالوقوع في عين أيام العادة.
فحاصل القول إذاً، أن ما يقوى بالوقوع في أيام العادة، فهو حيض وفاقاًً، وما يقع وراء أيام العادة من الصفرة على ثلاثة أوجه: أحدها - أنها ليست بحيض.
والثاني - أنها حيض إذا كانت في الخمسةَ عشرَ.
والثالث - أن ما يتقدّمه دم وقع في زمان الإمكان، فهو حيض، وما لا يتقدمه دم، ولا يكون في أيام العادة، فإنه ليس بحيض.
ثم كان شيخي رحمه الله يقول: مَنْ يشترط تقدّم دم، يكتفي بلحظة منه، ولا يشترط دوامه يوماًً وليلة؛ فإن الغرض من اشتراط تقدمه ما قدمناه من تخيل تدريج الدم في الانقطاع كما سبق.
وهذا لا يختلف بالنقصان عن يوم وليلة.
51 - ومن تمام البيان في ذلك أن المرأة إذا كانت مبتدأة، ورأت أول ما رأت صفرة، أو كُدرة، ثم طهرت، فقد اختلف أئمتنا: فذهب بعضهم إلى أن حكم مردّ المبتدأة على اختلاف القولين كأيام العادة في حق المعتادة، وهذا غيرُ مرضي، والصحيح أن حكم الصفرة في أيام مردّها كحكمها وراء أيام العادة في الخمسةَ عشرَ في حق المعتادة؛ فإنها في زمان إمكان الحيض ولم يسبق لها عادة معتبرة، والمستحاضة

المبتدأة إنما تردّ إلى أقل الحيض أو أغلبه للضرورة.
فهذا بيان الصفرة والكدرة.
512 - ثم اختلف أئمتنا في معنى قول الشافعي: "الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض"، على [حسب] 1 اختلافهم في المذهب.
فقال بعضهم: معناه أنها في أيام العادة حيض.
وقال بعضهم: إنها في زمان الإمكان [حيض] 2، وقد روي عن حمنة بنت جحش أنها قالت: "كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة وراء العادة شيئاًً" ثمْ إن جعلنا أيام مردّ المبتدأة كأيام العادة، فإذا رأت صفرة وراء المردّ في الخمسةَ عشرَ، ففيها وجهان، وإن جعلنا المسألة في مرد المبتدأة على وجهين، ففي الزائد أيضاً وجهان مرتبان، فهذا تمام البيان في ذلك.
513 - وقد يتعلق بالمعتادة أن المرأة إذا كانت لها عادات مضطربة، فكانت تحيض في شهر خمسة، وفي شهر ستة، وفي شهر سبعة، ثم تعود إلى الخمسة، والستة، والسبعة، ثم استحيضت، فكيف يكون حكمها؟ وهذا يتعلق به أمور من المستحاضة الرابعة، وهي الناسية، فنذكره في أثناء الناسية المتحيرة - إن شاء الله تعالى.
514 - ومما لم نعده تعويلاً على ما تقدم، ذكرُ التربص في الشهر الأول من شهور المستحاضة والاستمرار بعده على حكم العادة، وبيان شهر الشفاء.
ولا ينبغي للناظر في أحكام الاستحاضة أن يتبرم [بتكثير] 3 الصور، وإعادتها في الأبواب.
515 - فإذا كانت تحيض خمسةً، وتطهر خمسة وعشرين، فجاءها شهر، فرأت خمستَها، ثم زاد الدم، فتتربص على حكم الحيض؛ فإن الحيضة قد تزيد، فإن انقطع الدم على الخمسةَ عشَرَ، أو على أقلَّ منها، فالكل حيض، وإن زاد على الأكثر واستمرت الاستحاضة، فقد تَبيَّنَّا أن الحيض الخمسةُ الأولى، والزائد عليها استحاضة، فتتدارك ما تركت من الصلوات وراء العادة، ثم في الدور الثاني

لا نأمرها بالتربّص، كما سبق بيانه في المميزة والمبتدأة.
فإن جاءها دور، ورأت الدم في أوله، فلما زاد على الخمسة، اغتسلت، وأخذت تصلي، ثم انقطع الدم في هذا الدور على خمسةَ عشرَ وشُفيت، فقد علمنا أن جميع ما رأته من الدم حيض؛ فإنه انقطع على الأكثر، ونحن إنما نحكم بالاستحاضة عند زيادة الدم على الأكثر، وقد بان فيما سبق، ولم يضر الإعادة فيه.
[المستحاضة الرابعة] 1 516 - فأما المستحاضة الرابعة: وهي الناسية، فحكمها عَمرة 2 الكتاب، ونحن نستعين بالله تعالى، ونستوعب تفاصيل القول فيها، ونقدم تصوير أمرها، فنقول: 517 - المرأة إذا كانت لها عادة، فنسيتها لعارض علة، أو كانت في أول أدوارها مجنونة، فاستحيضت وأفاقت، ولم تدر ما كانت عليه، فلا يخلو: إما ألا تذكر شيئاًً أصلاًً، لا مقدارَ الحيض والطهر، ولا وقتَهما، ولا زمانَ الانقطاع، ولا زمان الابتداء، ولكنها أفاقت ورأت الدم المستمر، وفقدت أركان التمييز، وهذه التي لا تذكر شيئاًً تسمى المتحيّرة.
وإن كانت تذكر شيئاًً، ففي ذلك القسم نذكر أبواب الضلال، والخلطَ، وغيرهما.
518 - فلتقع البدايةُ بالمتحيرة المطلقة.
وقد اختلف قول الشافعي فيها: فقال في قولِ: المتحيرةُ كالمبتدأة، ولكن ابتداء دور المبتدأة من وقت رؤيتها الدم من سن إمكان الحيض، ولا نعرف للمتحيرة ابتداءً، فنردها إلى ابتداء الشهور، والمرعي الشهور العربية المبنية على الأهلّة، فنحيّضها من أول كلّ شهر المقدار الذي ذكرناه في المبتدأة، ثم إذا انقضى ذلك المقدار، فهي طاهرةٌ إلى آخر الشهر؛ فإن المواقيت الشرعية هي الأهلة.

وهذا القول ضعيفٌ مزيفٌ لا أصل له؛ فإنا نجد في المبتدأة مستنداً؛ من حيث رأت دماًً في زمان إمكان الحيض، فجعلنا ما رأته أولَ الحيض، ثم بنينا على ذلك المستند -المستند 1 على التفصيل المتقدّم- ما اقتضاه الحال.
والمتحيرة لا مستند لها، والتحكم بتطبيق حيضها على أوائل الشهور لا يقتضيه قول الشارع، ولا قياسٌ ولا حكمٌ متلقَى من الفِطر والجبلات.
519 - والقول الثاني - وهو الذي عليه التفريع، وبه الفتوى: إنها مأمورة بالاحتياط.
ثم منشأ الاحتياط أن حيضها ليس يتميّز عن استحاضتها، لا بصفة ولا بعادة معلومة، ولا بمبتدأ معلوم يُتخذ مَردّاً.
والحيض لا يدوم حتى يقدّرَ سقوط وظائف الشرع عنها.
ويبعد أيضاًً تقديرُ جميع ما ترى استحاضة؛ فإن رؤية الدم في زمان إمكان الحيض يقتضي القضاءَ بكونه حيضاً.
فإذا تعارضت هذه الأحوال، لم ينقدح إلا الأمر بالاحتياط، ثم من احتمال الحيض في كل وقت ينشأ تحريم الوقاع أبداً، ومن احتمال الاستحاضة في كل وقت ينشاً الأمر [بوظائف الصوم والصلاة، ومن احتمال انقطاع الحيض في كل وقت ينشأ الأمر] 2 بالاغتسال لكل صلاة مفروضة.
وقد ينبني على هذا الأمرُ بقضاء الصلاة بعد أدائها، على مذهب المحققين، كما سيأتي على الجملة مشروحاً 3 إن شاء الله عز وجل.
520 - وتحقيق القول في هذا أن الذي ذكرناه على الجملة من الاحتياط -وسنفصله إن شاء الله- ليس من باب التغليظ والتشديد والأخذ بالأحوط.
ومن اعتقد أن هذا احتياطٌ، فليس محيطاً بحقيقة الباب؛ فإن تأبيد التحريم 4، والأمرَ بإقامة وظائف

الشريعة من العبادات، مع تكليف القضاء -كما سيأتي- امتحانٌ عظيم، والمبتلاةُ بهذه الحالة ليست منتسبة إلى ما يوجب عليها تغليظاً، ولا يليق بالدين الحنيفي السمح جمع هذه الأمور احتياطاً؛ فإنا قد نسقط قواعدَ لأدنى ضرر، ولكن أمرناها بما سنذكره ضرورة لا 1 يستقيم غيره؛ إذ لو قدّرناها في كل زمان كأنها حائض، لسقطت الصلاة والصوم، [وبقيت] 2 دهرَها لا تصلي ولا تصوم، وهذا لا صائر إليه من الأمة، فلو أردنا أن نبعّض الأمرَ، فلا سبيل إليه، ونحن لا نعرف مبتدأ ومنقطعاًً، والأصول كلها ملتبسة.
ولو أحْللناها لزوجها أبداً، وهي ترى الدم في زمان إمكان الحيض، لكان ذلك بعيداً.
فما نأمرها به في حكم الضرورة، لا في حكم احتياطٍ، ونحن نجد جهةً غيرَه.
وينضم إليه أن الاستحاضة في أصلها نادرة، والنسيان على الإطلاق في نهاية الندور، وتنقرض الدهور ولا تُلفى متحيرة.
فليس فيما ذكرناه تغليظٌ يعتم، بل هو مرتبط بأندر الأحوال، فاحتمل لذلك.
521 - ثم القول في معنى الاحتياط في حق المتحيرة يفصّل في خمسة أبواب: أحدها - في بيان طهارتها.
والثاني - في حق حكم الصلاة المقامة في الأوقات.
والثالث - في الصيام وما يتعلق به.
والرابع - في قضائها ما يفوتها من الصلاة والصيام.
والخامس - في أحكام متفرقة، من تحريم الوقاع والعدة، وقراءة القرآن وغيرها.
...

باب في طهارة المتحيرة

522 - التفريع على قول الاحتياط: قال الشافعي: " هي مأمورة بأن تغتسل لكل صلاة مفروضة "؛ إذ لا يدخل وقتٌ إلا ويحتمل أن يقدر فيه انقطاع حيضها.
فإذا اغتسلت لصلاة الصبح مثلاً، وصلّت، ثم دخل وقت الظهر، فمن الممكن أنها اغتسلت وصلت الصبح في زمان الحيض، وإن حيضها إنما انقطع بعد الزوال، ثم يطَّرد ذلك في جميع أوقات الصلوات؛ فاقتضى ذلك أمرَها بالغُسل لكل صلاة مفروضة.
ثم الغُسل في حقها كالوضوء في حق المستحاضة، فيما ذكرناه من الأمر بتجديده لكل فريضة.
523 - وقد ذكرنا ترددَ الأصحاب في أن المستحاضة لو توضأت في الوقت، فهل يجوز لها أن تؤخر إقامة الصلاة عن الفراغ من الوضوء، أم يلزمها تعقيب الوضوء بالصلاة؟ فأما الغُسل في حق المتحيرة، فقد ذهب ذاهبون إلى أنه يجري مجرى الوضوء في التردّد الذي ذكرناه من اشتراط البدار إلى إقامة الصلاة، وهو وهمٌ وغلط من قائله، والسبب فيه أنا إنما أوجبنا على المستحاضة في وجهٍ ظاهرٍ تعقيب الوضوء بالصلاة؛ حتى تقلّ أحداثها؛ إذ لو أخرت، لتجددت أحداث مستغنىً عنها، وهذا لا يتحقق في الغسل؛ فإن عين الدم ليس من موجبات الغسل، بل إنما الموجب له انقطاع الحيض، وليس هذا مما يُتوقع تكرره في أزمنة تتخلل بين الغسل والصلاة.
وإن قيل: إذا اغتسلت وأخرت الصلاة، فلعل غُسلها وقع في الحيض، وإنما انقطع بعد الفراغ منه، فهذا المعنى لا يختلف تقديره بأن يقصر الزمان أو يطول؛ فإن

ذلك ممكن تقديره وإن قرب الزمان، وما لا حيلة في دفعه يُقرّ على ما هو عليه.
نعم، إن اغتسلت وأخرت إقامة الصلاة، فيتوجه أن نأمرها بتجديد الوضوء قبل الصلاة، حملاً على أنَّ ما رأته دمُ الاستحاضة، وقد كثر وتكرر، ولو وصلت الفراغَ من الغسل باستفتاح الصلاة، لكانت لا تحتاج إلى الوضوء.
وهذا تفريعٌ على أن المستحاضة ليس لها أن تؤخر الصلاة عن الفراغ من الوضوء.
524 - ومما يتعلق بغُسل المتحيرة أن الأئمة قالوا: إنما تغتسل في الوقت؛ لأنه طهارة ضرورة، فأشبهت التيمم، وقد ذكرنا وجهاً ضعيفاً في المستحاضة: أنها لو فرغت عن الوضوء مع أول وقت الصلاة، ثم صلّت على البدار، أجزأها ذلك؛ تفريعاً على إيجاب وصل الصلاة بالفراغ [من الوضوء] 1 وكان هذا القائل يرى أن الغرض هذا 2 في أمر الوضوء، لا إيقاعه في الوقت.
فقال قائلون: إذا رأينا ذلك في الوضوء، فنطرد ذلك القياس في غُسل المتحيرة أيضاً، ونقول: لو اغتسلت وأوقعت الفراغ من الغسل مع أول الوقت وصلّت، جاز، وهذا هو الغلط الأول الذي ذكرنا؛ فإنه لا معنى لرعاية الانفصال والاتصال بين الصلاة والاغتسال، وإنما يتأتى ذلك في وضوء المستحاضة، فالوجه القطع بإيقاع الغسل في الوقت؛ فإنه طهارة ضرورة، فأشبهت التيمم.
ثم إذا اغتسلت للفريضة، تنفلت ما شاءت كالتيمم.
...

باب في صلاة المتحيرة

525 - هي مأمورة بإقامة الصلوات كلِّها ما دامت بحالتها وحيرتها على القول الصحيح.
وقد نصّ الشافعي على أمرها بالغسل وإقامة الصلوات في مواقيتها، ولم يتعرض لإيجاب قضاءٍ بعد صدور صورة الأداء منها، مع تفريعه على الاحتياط.
وقال الشيخ أبو زيد المروزي: يلزمها القضاء مع الأداء؛ فإنها إذا أدت صلاة الصبح في أول الوقت، أو وسطه، فيحتمل أن حيضها انقطع في آخر الوقت، وأن الغسل والصلاة وقعا في زمان الحيض، فيلزمها -مع ما قدّمته- القضاءُ.
وكذلك يجري هذا الاحتمال في كل صلاة من الصلوات الخمس، وإذا فتحنا باب الاحتياط، فيلزم طرده في جميع وجوه الاحتمال؛ إذ ليس وجهٌ أولى بالاعتبار من وجه.
526 - وقد اختلف المحققون في نص الشافعي، فقال قائلون: المذهب المبتوت ما ذكره أبو زيد، والشافعي فتحَ باب الاحتياط، ونبه على الاحتمالات كلّها، ولم يستقصها؛ [فما] 1 ذكره ذوو الفطن من أصحابه على القاعدة التي أسسها، هو عين مذهبه.
والشافعي، كما لم يذكر إيجاب القضاء لم ينفه أيضاًً.
ولا يمتنع أن يقال: لم يخطر له الاحتمال الذي أدركه مَن بعده، ولو خطر، لحكم بموجبه.
527 - ومن أئمتنا من يرى نفي القضاء مذهباً للشافعي، ورأى ما ذكره أبو زيد في حكم تخريج قولٍ منقاسٍ.

فوجهُ قول الشافعي إذاً على هذا، أن المتحيرة لو تعطّلت عن وظائف العبادات عمرَها، لكان بعيداً، ولو تحكّمنا بإثبات أدوراها على الأهلة من غير أصلٍ، لكان بعيداً، فاحتطنا حتى نقيمَ أوراد الشريعة، ولا تتعطل.
فأما أن نحكّم في أمرها كلَّ ممكن، فهذا ينتهي إلى حد التعذيب، والشريعة تحط أموراً بدون هذا من الضرر.
وقد قال الشافعي في الصوم: إنها تصوم شهر رمضان، ثم تقضي خمسة عشر يوماًً.
ولا يتأتى ذلك إلا بأن تصوم شهراً آخر.
وسيأتي شرح هذا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وتعرّضه للقضاء في الصوم مع السكوت عنه في الصلاة يدل على أنه حاول الفرق بينهما؛ لأن قضاء الصوم يطَّرد غالباً على الحُيَّض، ولا يجب قضاء الصلوات التي تمر مواقيتها في زمن الحيض.
والدليل على أنا لا نراعي كلّ ممكن أن المتحيرة إذا طلقها زوجها، فإنها تعتد ثلاثة أشهر، كما سيأتي ذلك في الباب الخامس، ومن الممكن أن يقال: هي من اللواتي تباعدت حيضتها حتى تصير إلى سن اليأس، ثم تعتد بثلاثة أشهر، فدلّ على أنه لا يعتبر كلَّ ممكن، إذا عظمت المشقة وظهر الضرر.
والوجه: ما قاله أبو زيد؛ فإن مساق الاحتمالات تقتضي القضاء، وليس في إعادتها الصلوات كبيرُ [ضرر] 1. 528 - ثم أطلق الأصحاب حكاية مذهب أبي زيد في إيجاب القضاء في الصلوات، ولم يستقصوا القولَ فيه، وأنا أقول مستعيناً بالله: [إنما أوجب] 2 القضاءَ لاحتمال انقطاع الحيض في آخر وقت كل صلاة، ورب انقطاعٍ يوجب تدارك صلاتين؛ فإن الحائض إذا انقطع حيضُها قبل غروب الشمس بمقدار يسع خمس ركعاتٍ، يلزمها قضاء الظهر والعصر جميعاًً.
وكذلك المغرب والعشاء، لو فُرض الانقطاع آخر الليل.
فهذا ما اعتمده أبو زيد في إيجاب القضاء، وهو واضح.

ولكن في المقدار المقضي كلام ذَهِلَ 1 عنه معظم الأصحاب.
ثم في كيفية القضاء تفصيلٌ، لا بد من الاطلاع عليه، وقد اتفق لبعض ذوي الفطن من المختلفين إليَّ فِكرٌ غائصة في جهات الاحتمالات، وعرضَها عليَّ، فارتضيتها، ولم أعثر على زللِ فيها، ولا بدّ من إيداعها هذا المذهب 2. وحق الناظر في هذا الفصل أن ينعم النظر ويتئد، ويعلم أن شفاء الصدور يحصل عند الفراغ من الفصل.
وأنا استفتح القول فيها، ثم أرقى في مسالك الاحتمالات شيئاً شيئاً، ثم ما يتأخر في مساق الكلام قد يَرْفع ما تقدّم، حتى يستقر الغرض في المنقَرَض، وسبيل التعليم فيما يتلقى من الاحتمالات يقتضي هذا التدريج.
529 - فلتقع البداية بما ذكره الأصحاب عن أبي زيد، قالوا: المتحيرة تؤدي كلَّ صلاة في وقتها، ثم تقضيها لاحتمال وقوع الصلاة المؤدّاة في الحيض، مع 3 اتفاق انقطاع الحيض في آخر الوقت.
والحائض إذا انقطعت حيضتها في آخر الوقت؛ فإنها تلتزم الصلاة على ما سنقرر ذلك في كتاب الصلاة، في أوقات أصحاب الضرورات - إن شاء الله تعالى.
ثم قالوا: إذا صلت الظهر والعصر في وقتيهما، ثم غربت الشمس، وقد كانت اغتسلت لكل صلاة مؤدّاة في وقتها، فإن اغتسلت، وصلّت المغربَ، فرضَ الوقت، كفاها ذلك الغسل في قضاء الظهر والعصر، ولكنها تتوضأ لكل فريضة تقضيها لاستمرار الاستحاضة، كما ذكرناه في أحكام المستحاضات.
وسببُ الاقتصار على غسلِ في هذه الصورة أن سبب وجوب الغسل احتمال الانقطاع، وهذا بعينه سببُ إيجاب قضاء الظهر والعصر؛ فإن انقطع الدم قبيل

الغروب، فقد اغتسلت مرة للمغرب، فلا يعود إمكان الانقطاع إلى مدة، كما سنكشف الغطاء فيه.
وإن لم ينقطع الحيض قبل الغروب، فلا يجب قضاء الظهر والعصر أصلاًً، فلا معنى للأمر بالغُسل لأجلها.
وهذا إذا صلّت المغرب أداءً، ثم أرادت قضاء الظهر والعصر.
فإن اغتسلت، وقضت الظهر والعصر، ثم أرادت أن تصلي المغرب، فلا بدَّ من غُسلٍ آخر لصلاة المغرب، لاحتمال أن القضاء في الظهر لم يجب، وأنها بعد الفراغ من صورة قضاء الظهر والعصر، قد انقضت حيضتها، فعليها أن تغتسل لصلاة المغرب لهذا، وهذا المقصود بيّن.
ولكن الغرض من مقصود الفصل يتبيّن في الآخر.
530 - ثم قال المحققون [تفريعاً] 1 على مذهب أبي زيد: إذا أوجبنا قضاءَ كلِّ صلاة، فنقول: إذا أرادت الخروج عنها، فلتغتسل ولتصلِّ صلاة الصبح في أول الوقت، بحيث تنطبق على الأول، ثم تغتسل وتصلي تلك الصلاة في آخر الوقت مرةً أخرى، وينبغي ألا توقع في الوقت إلا أقل من تكبيرة، أو ما دون ركعة، إذا قلنا: لا تدرِك التي تطهر الصلاةَ بإدراك الزمان الذي لا يسع ركعة [تامة] 2. وإذا فعلت ذلك، خرجت عن عهدة هذه الصلاة؛ فإن الصلاة الأولى إن قُدّرت في الطهر، فقد حصل بها أداء الفرض، وإن وقعت في دوام الحيض، واستمر إلى انقضاء الوقت، فلا أداء عليها ولا قضاء، وإن قدّر انقطاع الحيض قبيل إنشاء الصلاة في آخر الوقت، فقد اغتسلت وصلّت، والانقطاع لا يتكرر 3 كذلك.
وإن فرض انقطاع الحيض في أثناء الصلاة الثانية، فهذا التقدير لا يوجب الصلاة؛ فإنا صوّرنا إنشاء الصلاة الثانية على وجهٍ لو قُدّر انقطاعُ الحيض في أثنائها، لما وجب قضاء الصلاة، ولسقط الأداء والقضاء.

531 - وإن هي أوقعت الصلاة الأولى في أول الوقت على تحقيق التطبيق، ولكنها أخرت الصلاة الثانية، وأقامتها قبل انقضاء خمسة عشر يوماًً، وابتداء المدة من أول وقت الصلاة، فتخرج أيضاًً عما عليها؛ فإن الأولى إن وقعت في الطهر، كفت، وإن فرض الانقطاع في وسط الوقت مثلاً، فالحيض إذا انقطع، لم يعد إلى خمسةَ عشر يوماًً، فتقعُ الصلاة الثانيةُ في الطهر.
فهذا إذا صلت مع أول الوقت، ثم فعلت في إعادة تلك الصلاة ما ذكرناه، فقد أدت ما عليها.
532 - ولو صلت في أثناء الوقت أولاً، ثم صلت ثانية في آخر الوقت، كما سبق التصوير فيه، أو أخرت وصلّت في الزمان الذي رسمناه في الصورة الأولى، فلا تخرج عما عليها لجواز أنها كانت طاهرةً في أول الوقت، في زمان يتأتى إيقاعُ الصلاة التامة فيه، ثم طرأ الحيض، وقد لزمتها الصلاةُ بإدراك الطهر في أول الوقت، ثم أوقعت الصلاتين في استمرار الحيض، فتبقى تلك الصلاة في ذمتها.
فإذا أرادت الخروج منها، ولم يتفق منها الصلاة في أول الوقت، كما ذكرناه في الصورة الأولى، وقد صلت في أثناء الوقت، فعليها أن تصلي مرتين أخريين سوى ما صلت في وسط الوقت، وتقع الصلاة الثانية بعد انقضاء وقت الرفاهية والضرورة في الخمسة عشر، وابتداءُ الخمسة عشر من افتتاح الصلاة التي أقامتها في وسط الوقت، وتُوقع الصلاةَ [الثالثة] 1 في أول السادس عشر، بحيث يكون بين الفراغ من الصلاة التي أقامتها في وسط الوقت وبين ابتداء الصلاة [الثالثة] 2 خمسة عشر يوماًً، فإذا فعلت ذلك، خرجت عما عليها في تلك الصلاة، وإنما زادت صلاةً لتركها إقامة الصلاة في أول الوقت كما تقدم ذكر ذلك.
وتعليل خروجها عما عليها بثلاث صلوات على الترتيب الذي ذكرناه، أن الخمسة عشر المتخللة -كما تقدم- إن كانت طهراً، فقد وقعت فيها صلاة، وإن كانت حيضاً،

فقد وقعت الصلاة الأولى والثالثة في الطهر.
وإن قدّرنا أن الحيضة ابتدأت في آخر الصلاة الأولى، فتقع هي والصلاة الثانية في الحيض، وتقع الثالثة في الطهر لا محالة.
[واستقصاء القول في هذا يأتي في الباب المشتمل على قضاء الصوم والصلاة] 1 وبالجملة تأخيرها الصلاة عن أول الوقت ينزل منزلة ترك الصلاة؛ لجواز أن تكون طاهرة في أول الوقت، ثم يطرأ الحيض بعد [مضي] 2 زمان يسع الفريضة من أول الوقت، فلا بد من فرض صلوات.
533 - ثم يحتمل احتمالاً ظاهر أن نوجب على المتحيّرة إقامة الصلاة في أول الوقت؛ فإنها لو علمت أن حيضها يبتدىء بعد انقضاء زمان الإمكان، فعليها البدار إلى إقامة الصلاة مع أول الوقت، ونحن في تفريع الاحتياط نجعل الممكن في حق المتحيرة بمثابة المعلوم المستيقن، ولا يمتنع على هذا الحكم أن يجب عليها إقامةُ الصلاة مرةً ثانيةً في آخر الوقت؛ لجواز وقوع الأولى في الحيض، وانقطاع الحيض في آخر الوقت بحيث يبقى من الوقت زمانٌ يسع الفريضة.
ولكن إن طبقت الصلاة الثانية على الآخر، بحيث يوافق التحلل عنها انقضاءُ الوقت، فلا تخرج عما عليها؛ لجواز أن ينقطع حيضُها في أثناء هذه الصلاة.
534 - ولو خالفت ما أمرناها به، وافتتحت الصلاة الثانية في بقية الوقت، بحيث لو فرض انقطاع الحيض فيها، لما صارت مدركة للصلاة، كما سبق تصوير ذلك، فتخرج عما عليها، ولا يمتنع، والحالة هذه أن يجوز لها تأخير الصلاة الثانية إلى هذا الحد؛ للضرورة التي بها، وازدحام وجوه التشديد عليها، فإذاً توقع الصلاة الثانية على وجه تخرج بها وبالأولى عما عليها، ولا تقع في تغليظٍ آخر.
535 - وما أوردنا إنما يفرض في صلاة الصبح، وصلاة العصر، والعشاء.
فأما صلاة الظهر، والمغرب، فلو أوقعتهما في أول الوقت، ثم أوقعتهما في آخر

الوقت المختص بهما، وقد أثبتنا للمغرب وقتين، فلا تخرج عما عليها؛ لجواز أن يستمر الحيض على جميع وقت الظهر والعصر، ثم تطهر في آخر وقت العصر، أو آخر الليل بمقدار أربع ركعات [ثلاث من هذه الأربع للمغرب وركعة للعشاء] 1 فتصير الآن مدركة للصلاتين، فلتصل الظهر والعصر في أول الوقت، ثم يبتدىء القضاء بعد غروب الشمس، كما ذكرناه للأصحاب.
536 - ثم الآن نرقى من هذه المرتبة، فنقول: إذا أوجبنا على المتحيرة -وقد راجعتنا- قضاءَ الصلوات في يوم استفْتَتْنا فيه، فلو لم تقضها حتى مضت خمسةَ عشرَ يوماً من أول وقت الاستفتاء، فيجب القطع بأنه لا يجب عليها في هذه المدة إلا قضاء صلاة يوم وليلة على مذهب أبي زيد؛ فإنا إنما نوجب القضاء لاحتمال الانقطاع، ولا يتصور أن ينقطع الحيض في الخمسة عشر إلا مرة واحدة، وهذا يقتضي ألا يجب إلا تدارك صلاة واحدة في هذه المدة، إذا كانت تقيم وظائفها في أوائل الأوقات.
ويحتمل أن يجب تدارك صلاتي جمع، وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فلما أشكل ذلك، أوجبنا قضاء صلوات يوم وليلة؛ فإن ذلك يشتمل على ما تريد، وتكون هذه كالتي تنسى صلاةً من صلوات يوم وليلة، ولا تدري عينَها، فسبيل الخروج مما عليها إعادة صلوات يوم وليلة.
537 - فإن قيل: هذا الذي ذكرتموه الآن يخالف ما قدّمتوه من إيجاب قضاء كل صلاة؛ فإنكم صرتم الآن إلى أنه لا يجب عليها في الخمسةَ عشرَ غيرُ قضاء صلوات يوم وليلة؟ قلنا: هذا الذي أغفله الأصحاب، وهو مقطوع به.
والذي قدمناه إذا أرادت أن تخرج في كل يوم عما عليها، وكانت تؤثر البدار، وتقدّر كأنها تموت في مختتم كل ليلة، فأما إذا أخرت القضاء، فلا شك أنه لا يجب في الخمسةَ عشرَ إلا ما ذكرناه.
وهذا فيه إذا كانت تصلي في أوائل الأوقات، فلو أنها كانت تصلي في أوساط الأوقات، فيتصور أن يجب عليها في الخمسةَ عشرَ قضاءُ صلوات يومين وليلتين؛

وسبب ذلك أنها إذا كانت تصلي في وسط الوقت، فقد يطرأ الحيض على صلاة في الوسط، فتبطل وقد ينقطع في وسط أخرى، فتجب، ويتبين فساد عقد هذه الصلاة، ثم يتفق بتوقع الطرآن والانقطاع فسادُ صلاتين مثلين.
ثم يُشكل عينُها.
ومن فاتته صلاتان متماثلتان، فلا يحصل استدراكهما إلا بقضاء صلوات يومين وليلتين، ولو كانت تصلي في أول الوقت، فيحتمل وقوعُهما في استمرار الحيض، وانقطاع الحيض في أثناء الوقت، ولو فرض ابتداء الحيض في أثناء الصلاة المقامة في أول الوقت، لما وجبت الصلاة؛ فإنها لم تدرك من الوقت ما يسع لإقامة الفريضة، ولا يجتمع الفساد بسببي الطرآن والانقطاع.
وهذا بيّن لمن وفق للتأمل.
538 - ثم نرقى من هذه المرتبة، ونجدد العهد أولاً بقاعدة المذهب في المبتدأة، وقد اختلف قول الشافعي في أنها ترد من أول الدم الذي رأته إلى ماذا؟ فقال في قولٍ: " حيضها يوم وليلة "، وقال في قول: " حيضها أغلب الحيض "، ثم إن ردَدْناها إلى أغلب الحيض، فيكون دورُها ثلاثين، سبعة منه حيض، وثلاثة وعشرون منه طهراً.
أو ستة حيض، وأربعة وعشرون طهراً، على ما سبق تفصيل ذلك.
فإذا 1 رددناها إلى أقل الحيض من أول الدم، فالظاهر أنها تُرد إلى أغلب الطهر، وهو ثلاثة وعشرون، (أو أربعة وعشرون) 2. وفي المسألة وجه بعيد إذا ردت إلى أقل الحيض أنها تُردّ إلى أقل الطهر أيضاً، فيكون دورُها على هذا الوجه البعيد ستةَ عشرَ يوماًً.
فإذا ظهر ما ذكرناه، فنقول: إنما زيّفنا القول بأن المتحيرة كالمبتدأة، من جهة أن ابتداء دورها غيرُ معلوم، والتحكم بردّ ابتداء الدور إلى أوائل شهور العرب بعيدٌ جداًً، وابتداء دور المبتدأة من [أول دمها] 3، فهذا وجهٌ واحد في الفرق بينهما، وإلا فلا يمتنع ردّ المتحيرة إلى ما ردّت إليه المبتدأة: من الأغلب والأقل، حملاً للأمر على

ما يجري في بيان جنسها، فالذي يتجه إذاً أن نقول: 539 - على المتحيرة في كل دور من أدوار المبتدأة قضاء صلوات يومين وليلتين.
فإن قدرنا دورها ثلاثين، فهذه تقضي في كل ثلاثين صلوات يومين وليلتين، إذا كانت تصلي وظيفة الوقت في أثناء الوقت، أو في آخر الوقت، وإن كانت تصلي وظيفة الوقت في أول الوقت، فلا يلزم في دور المبتدأة إلا قضاء يوم وليلة، وقد قررنا ما يقتضي هذا الفرق فيما تقدم.
فهذا منتهى الفكر في هذا الفن.
540 - وإن نسبنا ناسب إلى مخالفة الأصحاب، سفهنا عقله، فإن القول في هذه المعاصات يتعلق بمسالك الاحتمالات، وقد مهّد الأئمة القواعد كالتراجم، ووكلوا استقصاءها إلى أصحاب الفطن والقرائح، ونحن نسلّم أيضاًً لمن يبغي مزيداً أن يُبدي شيئاً وراء ما ذكرناه مُفيداً، على شرط أن يكون سديداً.
وبالجملة، النظر الذي يفيد المتحيرة تخفيفاً بالغُ الموقع مستفادٌ؛ فإنه إذا اجتمع عليها دوام العلة، واشتدادُ الضرر، لم يكن التشديد فيها لائقاً بالرخص المألوفة في المضايق.


باب في صيام المتحيرة على قول الاحتياط

قال الشافعي تفريعاً على قول الاحتياط: 541 - " المتحيرة تصوم شهر رمضان؛ لجواز أن تكون طاهرة في جميع الشهر، ثم لا يسلم لها من صوم الشهر -إن كمل ثلاثين يوماًً- إلا خمسة عشر يوماًً " 1؛ فإنها يجوز أنها كانت حائضاً في خمسة عشر يوماً، فيلزمها قضاءُ خمسة عشرَ يوماًً، ولا يتأتى لها ذلك إلا بأن تصوم شهراً كاملاً؛ حتى تستيقن أنها أتت بخمسة عشر في طهر.
542 - قال أبو زيد: يفسد عليها من صيام كل شهر 2 ستةَ عشرَ؛ فإن الخمسة عشر إذا ابتدأ في نصف نهار؛ فإنه ينقطع في مثل ذلك الوقت من النهار الأخير، فينبسط على هذا خمسة عشر يوماًً على ستةَ عشر.
وإذا كان ممكناً، فالاحتمال في حقها كاليقين إذا كانت مأمورة بالاحتياط.
والذي ذكره الشافعي فيه: إذا كان يبتدئها في أول اليوم بحيث لا يتعدّى إلى السادسَ عشرَ.
543 - ثم اختلف أصحابنا: فمنهم من قطع بما ذكره أبو زيد، ومنهم من رأى المنقول عن الشافعي مذهباً.
وهذا التردّد هو الذي ذكرناه للأصحاب في قضاء الصلوات التي تؤديها؛ فإن الشافعي لم يتعرض للقضاء، واستدركه أبو زيد.
ثم قال أبو زيد: إذا كنا نأخذ بفساد ستة عشر يوماً، فإذا صامت شهراً آخر، فلا

يحصل لها منه إلا أربعةَ عشرَ يوماً، لجواز فساد ستةَ عشرَ يوماًً (1 بخمسة عشر 1) كما سبق، فيبقى عليها قضاء يومين.
وسنذكر في باب قضاء الصلاة والصوم كيفية قضاء اليومين، مع ما يتعلق به -إن شاء الله عز وجل.
544 - والذي يجب استدراكه في ذلك، إذا رأينا أن تُردَّ المبتدأة إلى سبعة أيام في ثلاثين يوماًً، ونحكم لها بالنقاء ثلاثة وعشرين يوماًً، فيتجه أن يقدر حيض المتحيرة سبعة في كل ثلاثين؛ فإنه لا فرق بينها وبين المبتدأة إلا في شيء واحد، وهو أنا نعرف ابتداء دور المبتدأة؛ ويستحيل أن نتحكم بتقدير ابتداء الدور للمتحيرة، فأما تنزيلها على غالب الحيض في كل ثلاثين قياساً على المبتدأة، فمتوجِّهٌ لا ينقدح [غيره] 2، فليقدّر لها سبعة أيام في شهر رمضان، ثم قد تفسد ثمانية أيام بسبعة، فيصح اثنان وعشرون يوماً.
فإن قيل: هذا عودٌ منكم إلى القول الضعيف في أن المتحيرة كالمبتدأة.
قلنا: هي مقطوعة عن المبتدأة في إثبات ابتداء الدور؛ فإن المبتدأة نحيّضها من أول [الدور] 3، ثم نبني أدوارها على ذلك الأول، ولا يتأتى ذلك في المتحيرة على قول الاحتياط.
فأما ردّها إلى الغالب فيما يتعلق بالعدد، إذا انتهى تفريعٌ إليه من غير تحكم بإثبات أوّليْة، فلا يتوجه غيره، فأقصى ما يتخيله الفارق، أن المتحيرة قد كانت لها عادات، فلا تأمن تخالف تلك العادات لو رددناها إلى الغالب، والمبتدأة ما سبقت لها عادة.
وهذا الفرق لا يرتضيه الفقيه؛ فإن المبتدأة ربما كانت تحيض عشرة، لو لم تُستحض، ثم من حاضت واستحيضت، ونسيت ابتداء دورها، فهي متحيرة، يُفرَّعُ [أمرُها] 4 على ما ذكرناه، وإن لم تسبق لها عادة في الأدوار مستقيمة.
فهذا منتهى القول في ذلك.
والله أعلم.1

باب في قضاء الصلاة والصوم على قول الاحتياط 545 - المتحيرة التي لا تذكر شيئاً إذا لزمها قضاء يوم، أو نذرت صومَ يومٍ، فأرادت الخروج عما عليها، فقد قال الشافعي: " تصوم يومين بينهما خسمةَ عشر يوماًً ". وأجمع أئمتنا أنه حَسَبَ 1 صومَ اليوم الأول من الخمسة عشرَ التي ذكرناها 2، فإنها لو صامت يوماًً وأفطرت خمسة عشرَ يوماً، ثم صامت يوماًً آخر، فيحتمل أن اليوم الأول وقع في آخر حيض، ثم طهرت خمسة عشر، ثم يقع اليوم الثاني في ابتداء حيض جديد، فيكون اليومان واقعين في الحيض، وإذا صامت يوماًً وأفطرت أربعة عشر يوماً، وصامت يوماًً آخر، فإن وقع اليوم الأول في الحيض يقع الثاني في الطهر، وإن وقع الثاني في الحيض، يقع الأول في الطهر.
546 - واستدرك أبو زيد وجهاً في الإمكان، وهو أن يبتدىء الحيض في النصف الأخير من اليوم الأول، ويمتد إلى النصف السادس عشر، فيفسد اليومان في هذا التقدير.
والذي نُقل عن الشافعي لا يتجه إلا مع تصوير انطباق الحيض على أول النهار وآخره ابتداء وانقطاعاً، وهذا ليس مما يغلب حتى يقال: الحملُ عليه بناء على الغالب، وتصوير الابتداء والانقطاع في أنصاف النهار في حكم النادر، وقد مضى نظير ذلك في أداء رمضان وقضائه.

فليقع التفريع على مذهب أبي زيد.
فقال الأئمة: إذا أرادت الخروج عما عليها بيقين، فلتصم يوماًً وتفطر يوماً، ثم تصوم الثالث، أو يوماًً آخر إلى آخر الخامس عشر، ثم تفطر السادس عشر، وتصوم السابع عشر، فتخرج عما عليها بيقين، إذا صامت ثلاثة أيام على هذا الترتيب.
فإن قُدِّر ابتداءُ الحيض من نصف اليوم الأول، فينقطع في السادس عشر، ويقع السابع عشر في الطهر وإن انقطع الدم في اليوم الأول، فاليوم الثالث يقع في طهر، وإن فرضنا انقطاع الدم في اليوم الثالث فيقع السابع عشر في الطهر، لا محالة.
وهذا بيّنٌ.
ولو صامت يوماًً، وأفطرت يوماًً، وصامت يوماًً، ثم [صامت] 1 الثامن عشر، فلا تخرج عما عليها؛ لجواز أن ينقطع الحيض في اليوم الثالث، ثم يبتدىء الحيض في الثامن عشر، فيقع الجميع في الحيض.
ولو صامت يوماًً وأفطرت يومين، وصامت اليوم الرابع، ثم صامت الثامن عشر، فتخرج عما عليها؛ فإنه إذا قدّر انقطاع الدم في اليوم الرابع، فيقع الثامن عشر في الطهر لا محالة.
ولو صامت بدل الرابع يوماًً آخر إلى آخر الخامس عشر، جاز.
547 - والضابط في ذلك أنا نقدر شهراً ثلاثين يوماًً، ونتخيله شطرين: خمسةَ عشر، وخمسةَ عشرَ، فلا بد من صيام ثلاثة أيام، فإن صامت اليوم الأول من الخمسةَ عشرَ الأولى، ثم صامت اليوم الثالث، فبين اليومين في أول النصف الأول يوم فطر، فليقع اليوم الثالث بعد يوم من النصف الثاني، وهو السابع عشر؛ نظراً إلى الفطر المتخلل بين اليومين في النصف الأول، ولو وقع اليوم الثاني في اليوم الرابع، فبين اليومين يومان، فيجوز أن يقع اليوم الثالث بعد يومين من النصف الثاني، وهو الثامن عشر، وإن وقع اليوم الثاني في الخامس عشر، فبين اليومين ثلاثة عشر، فيجوز أن يقع اليوم الثالث في التاسع والعشرين، وحيث يجوز أن تصوم الثامن عشر، فلا شك

في جواز السابع عشر، وكذلك حيث يجوز التاسع والعشرون، يجوز السابع والعشرون، لا محالة.
وما ذكرناه حساب لا يخفى على متأمل.
[وكل] 1 ما ذكرناه مَبني على الأخذ بأكثر الحيض، فإن رأينا الأخذ بأغلب الحيض، فيكفي أن تصوم يوماًً، وتفطر سبعة أيام، وتصوم يوماًً آخر؛ فإن عودَ الحيض لا يقدّر على هذا الحساب؛ إذ الحيض إذا انقطع لا يعود إلا بعد خمسة عشر يوماًً.
ولكن هذا وإن كان ظاهراً منقاساً، فإنحن نتبع الأئمة، ونفرعّ في الاحتياط على [تقدير] 2 الحيض بالأكثر؛ إذ اقتضى الاحتياط ذلك.
ولا نعود إلى حساب الأغلب، ففيما ذكرناه من التنبيه كفاية.
وقد كرّرناه في مواضع، ونحن نبغي الاطلاع عليها، فهذا بيان قضاء يوم واحد.
548 - فإن لزمها قضاء يومين، وأرادت إيقاعهما في شهر واحد، فتصوم ستة أيام: تصوم ثلاثة في أول النصف الأول، وثلاثة في أول النصف الثاني، وهي السادس عشر، والسابع عشر، والثامن عشر، فتخرج عما عليها؛ فإنه إن انقطع الحيض في آخر اليوم الثالث، فلا يعود في السادس عشر والسابع عشر، وكيفما قُدِّر فيسلم يومان من الحيض.
549 - فلو كانت تقضي ثلاثة أيام، فتُضاعِف الثلاثةَ وتزيد يومين، فتصوم أربعة أيام متوالية من أول الثلاثين، وأربعة من أول السادس عشر على الوِلاء، فتخرج عما عليها.
وإن كانت تقضي أربعة، ضعّفناها، وزدنا يومين، فتصوم عشرة أيام: خمسةً من أول الثلاثين، وخمسةً من السادس عشر.
وإن كانت تقضي خمسة، فنضعّفها ونزيد يومين، فتصوم على هذا الترتيب اثني عشر يوماًً.
وإن أرادت أن تقضي عشرة أيام، ضعّفناها، وزدنا يومين، فتصوم أحد عشر من أول النصف، وأحد عشر من السادس عشر على الوِلاء.

ولو كانت تقضي أربعة عشر يوماًً، ضعّفناها، وزدنا يومين، فتحتاج إلى استيعاب الشهر بالصيام، فتخرج بصوم شهر عما عليها من صوم أربعةَ عشرَ يوماً، وإن كان عليها خمسةَ عشرَ يوماًً تؤدي بصوم الشهر منها أربعة عشر يوماًً، ثم تقضي يوماًً في شهرٍ ثانٍ، كما رسمنا قضاء اليوم الواحد.
ولم نبسط القول في تخريج كل صورة لوضوح الأمر.
وإذا كان الكلام يدور على احتمال الانقطاع والعَوْد، فإذا فُرض الانقطاع، فلا يفرض العَوْد إلا بعد خمسةَ عشرَ يوماًً، فلا يكاد يخفى تخريج ما ذكرناه بترديد [هذه] 1 الاحتمالات والأخذ بالمستيقن.
فهذا منتهى المراد في قضاء الصيام.
[قضاء الصلاة] 2 550 - فأما إذا فاتتها صلاة، فأرادت قضاءها والخروجَ عنها بيقين، فليقع التفريع على طريقة أبي زيد؛ فإن طريقة الشافعي في ظاهر النص لا تكاد تخفى، ولعلنا نذكر نصاً للشافعي في طواف المتحيرة، وفيه كفاية في محاولة نقل طريقه.
551 - فنقول على مذهب أبي زيد: قضاء الصلاة يجري على قياس قضاء الصوم قطعاًً، وإنما يفترق الباب في أن الصوم زمانه ساعات يوم، والصلاة زمانها الساعات التي تسعها، فحق المفرّع أن يُجري في الساعة التي تسع الصلاة ما أجراه في يوم، في حكم الصوم.
فإذا أرادت أن تقضي صلاة، فإنها تقضيها، ثم تصبر ساعة تسع مثل الصلاة التي قضتها، ثم تصلي تلك الصلاة على تلك النية مرة أخرى، ثم إذا انقضى خمسة عشر يوماًً من أول الصلاة الأولى، ومضى من أول السادس عشر ما يسع الصلاة على الجهة التي [تقدمت] 3، فتقضي تلك الصلاة مرة ثالثة، فتخرج عما عليها، وتكون ساعات الصلوات بمثابة الأيام الثلاثة، وهي تريد قضاء صوم يوم.

ثم يخرج فيه ما ذكرناه في الصوم من التصرف، فلو أنها صلت مرة، ثم أوقعت الصلاة الثانية في أول اليوم الثاني، وخللت بينهما يوماً، فإنها توقع الصلاة الثالثة بعد مضي ساعة من [أول] 1 السادسَ عشرَ، ولها أن توقعها في مقدار يوم من أول السادس عشر؛ فإنها فرقت بين الصلاتين في الأول بهذا المقدار.
ولو صلت مرة، ثم أوقعت الصلاة الثانية في آخر اليوم العاشر، فقد خلّلت بين الصلاتين مقدار عشرة أيام، فإذا أرادت أن تصلي مرّةً ثالثة كما أمرناها، فليمض 2 من أول السادس عشر ما يسع الصلاة، ثم يتسع عليها وقت الصلاة الثالثة إلى آخر الخامس والعشرين، فتكون مهلتها بمقدار تفريقها ما بين الصلاتين أولاً، وقد ذكرنا نظير هذا في الصيام.
وبالجملة لا فرق بين البابين، إلا فيما ذكرناه من أن الصوم يتسوعب اليوم، بخلاف الصلاة، فيحتبر وقت إقامة الصلاة باليوم كلّه في القياس، واعتبار الاحتياط في التقديم والتأخير.
552 - ولو كانت تريد أن تقضي صلواتٍ كثيرة فاتتها، فالذي ذكره الأئمة أنها تقضيها أولاً، ثم تصبر حتى تمضي [أوقاتٌ مثلُ الأوقات التي وصفتُها، ثم تقضيها جميعاً مرة أخرى إلى آخر الخامس عشر، ثم تصبر حتى يمضي] 3 من أول السادس عشر مثل تلك الأوقات، ثم تقضيها مرة أخرى، فتخرج عما عليها، فتكون الصلوات مع اعتبار الوقت الذي يسعها بمثابة صلاة واحدة.
والذي ذكره الأئمة صحيح في أنها تخرج عما عليها قطعاًً، إذا فعلت ما ذكروه.
ولكن يتأتى الخروج عن عهدة ما عليها مع تخفيف في أعداد الصلاة، والسبب الكلِّي في هذا أن الإشكال إنما ينشأ من تبعّض انقطاع الدم وعوده، فقد يُفرض وقوعُ الحيض في آخر عبادة، ثم يعود في جزء من التي تعاد في السادس عشر، فيفسدان، فمست الحاجة إلى ما رسمه الأئمة في الصلاة الواحدة، من إعادة صلاةٍ ثلاثَ مراتٍ مع رعاية التفريق بين الصلاتين الأوليين وتخيّله أول السادس عشر بمقدارٍ، فأما إذا كانت

تقضي صلوات وِلاءً 1، فإن ورد الحيض على طرفٍ في الأول [أو] 2 الآخر، فإنما تبطل صلاة واحدة؛ فإن التي لابستها عبادات متميزة، فلا ينسحب توقع الفساد على جميعها بفرض ورود الحيض على طرفٍ في الأول [أو] 3 الآخر.
553 - فإذا تقرر هذا، عدنا إلى التفصيل، فنقول: هذه لا تخلو إما إن كانت تقضي صلواتٍ متجانسةً أو مختلفةً، فإن كانت متجانسة مثل إن كانت فاتتها مائة ظهر، فالوجه أن يضعّف عددُ الصلاة، فتصير مائتي صلاة، ويُضمّ إلى المجموع صلاتين، ثم تقسم الجملة نصفين، فتصلي مائة، وصلاة في أول يوم، [ونفرض] 4 كأن المائة تقع في أربع ساعات من أول طلوع الشمس، وتقع الصلاة الزائدة على المائة في الساعة الخامسة، ثم إذا مضى خمسة عشرَ يوماًً محسوبة من أول طلوع الشمس، تصلي مائة صلاةٍ وصلاةً، على الترتيب المتقدم، فتخرج عما عليها يقيناً.
وقد انحطّ عنها عددٌ من الصلاة، وبيان ذلك أن الذي يفرض طرآنه في هذه الصورة ابتداء الحيض، وانقطاع الحيض، ونحن الآن نفرض التقديرين، فإذا ابتدأ الحيض في نصف الصلاة الأولى، فقد فسد ما أتت به في هذه الخمسةَ عشرَ، ولكن ينقطع في نصف الصلاة الأولى الواقعة في أول السادس عشر، فتفسد هذه أيضاًً، ولكن يصح بعد ذلك مائة صلاة، وكيفما قُدّر طرآن الحيض، فما يفسد من طرف يصح من طرف، وتسلم مائة لا محالة، إذا زدنا صلاتين على الضعف، كما ذكرناه.
ولو قيل يطرأ الحيض في اليوم الأول في الصلاة الموفية مائة، فقد صح ما قبلها تسع وتسعون، والحيض ينقطع في مثل ذلك من السادس [عشر] 5، فتصح الصلاة الزائدة على المائة، وتكمل بها المائة.
فهذا تقدير طريان الحيض.

554 - وإن قدرنا الانقطاع، فنقول: لعل الحيض انقطع في الصلاة الزائدة على المائة في اليوم الأول، ففسدت الصلوات كلها لوقوعها في الحيض، ولكن الطهر يمتدّ في أول السادس عشر، بحيث يسع مائة صلاة ونصف صلاة، فتكمل المائة.
وإن انقطع في الصلاة الموفية مائة من اليوم الأول، فتصح الصلاة الزائدة، ويصح من السادس عشر تسع وتسعون، فإن عاد الحيض، لم يضر، وقد كملت المائة بما يصح في السادس عشر، وبالصلاة الزائدة على المائة في اليوم الأول، ولا حاجة -مع ما ذكرناه من التصوير- إلى تأخير الصلوات في السادس عشر بمقدارٍ من أول النهار.
هذا كله، إذا كانت الصلوات كلها من جنسٍ واحد.
555 - ثم كل صلاة من هذه الصلوات التي ذكرناها تَقدّمَ عليها غُسلٌ، فإن اضطرب فكر الناظر في ذلك، من حيث إن الأغسال تقع في أزمنةٍ 1، فلا مبالاة بهذا؛ فإنه لا ضبط للأزمنة التي تصلي فيها، والناس يختلفون في الحركات والسكنات إبطاء وإسراعاً، فلتعدَّ أزمنةُ الاغتسال كأنها من أزمنة الصلوات.
ولكن الذي يجب أن يراعى أن تكون الأزمنة في الأول إذا جمعت، كالأزمنة في السادس عشر، فلو لو تكن كذلك، لفسد النظام، ولأمكن أن يقع ما يزيد على مثل مقدار الساعات الأولى في حيضٍ جديد من السادس عشر.
هذا إذا كانت الصلوات من جنس واحد.
556 - فأما إن كانت الصلوات التي تقضيها من أجناس مختلفة: مثل أن يلزمها قضاء الصلوات لعشرين يوماًً، فهي مائة صلاة من خمسة أجناس من كل جنس عشرون، فهذه الصورة فيها إشكال؛ من جهة أنه إن قدّر [فساد] 2 صلاة بانقطاع الحيض، وصلاة بابتداء الحيض، فلا يُدرى أن ذلك التقدير في أي جنس يتفق من الأجناس الخمسة، فما من جنس إلا وقد يُفرض بطلان صلاتين منه، كما سنبسط

وجوه [التقدير] 1، ثم لا يقع هذا إلا في جنس واحد، ولكنه لا يتعين لنا، وتعيين النية شرطٌ في الصلاة، فيخرج من التقدير إيجابُ عشر صلوات سوى عدد التضعيف، صلاتان من كل جنس.
ثم الذي يجري إليه الفكر في تصوير ذلك [ما نذكره] 2. فنقول: تصلي في أول يوم تقدّره مائة صلاة، عشرين عشرين، ولتجر مثل على ترتيب الأجناس، فتبدأ بالصبح عشرين، ثم كذلك إلى [العشاء] 3، ثم تصلي في الخمسة عشرَ عشْرَ صلوات، كل صلاتين من جنس، ثم إذا دخل الساس عشر، لم تصل حتى تمضي ساعةٌ تسع صلاة، ثم تعيد مائة صلاة من الأجناس على الترتيب المتقدم، فتخرج عما عليها.
ولا بد من بسط في [ترديد] 4 الاحتمالات.
فإن طرأ الحيض على الصلاة 5 الأولى في اليوم الأول، فتقع الصلوات المائة والعشرُ الزائدة في الحيض، ولكن ينقطع الحيض في الساعة الأولى من السادس عشر، وتقع المائة التامّة بعدها في الطهر.
وإن فرضنا انقطاع الدم في الصلاة الأولى، فتفسد تلك، ويصح ما بعدها، وتستدرك تلك العشرة، أي الفاسدة في الخمسة عشر، وإن فرضنا الانقطاع في الصلاة الثالثة، فيصح ما بعدها، ويفسدُ ثلاثٌ من صلوات الصبح، ثم يبتدىء الحيض بعد مُضى ساعتين ونصف من أول السادس عشر، وقد مضت صلاة في الساعة [الثالثة أو في] 6 الثانية صحيحة، وفي العشر صبحان صحيحان، فقد حصل استدراك الثلاث التي بطلت من الأول، وإن انقطع الحيض في الصلاة الرابعة مثلاً، فقد بطلت أربع صلوات، ثم سيعود الحيض بعد ثلاث ساعات ونصف من السادس عشر، وقد وقعت صلاة في الساعة الثانية، وأخرى في الثالثة،

وانجبرت صلاتان من الأربع الفاسدة، وفي العشر اثنتان.
وعلى هذا التدريج تجري التقديرات كلها.
557 - فإن قيل: أي فائدة في تعرية الساعة الأولى من السادس عشر؟ (1 قلنا: لو صلت في الأول من السادس عشر 1) وقد قضت الصلوات العشرَ في الخمسةَ عشرَ، فنفرض في هذه الصورة ابتداء الحيض في نصف الصلاة الأولى من اليوم الأول، ثم يمتدّ إلى نصف الصلاة الأولى من أول السادس عشر، فتقع الصلوات الخمسةَ عشرَ، ومن جملتها الصلوات العشر في الحيض، وتفسد صلاة مما يقع في السادس عشر، فتستفيد بفرض تأخير ساعةٍ إسقاطَ هذا الاحتمال، وهذا فيما نظنه أقرب الطرق.
558 - ولست أُبعد أن ينقدح لذي خاطر مسلكٌ أقرب من ذلك، والرأي في أمثال ذلك مشترك، وما ذكرناه ليس استدراكاً فقهياً على من تقدم، ولكنهم مهدوا الأصول، ولم ينعموا النظر فيما يتعلّق بالاحتمالات الحسابية، ووكلوا استيفاءها إلى الناظرين، ولا حرج على الناظر في كتابنا أن يزيد طرقاً سديدة ويُلحقها بالكتاب.
والله أعلم.
...1

باب في أحكام متفرقة في الاحتياط

559 - قد ذكرنا تفريع الاحتياط في الأصول [وفي هذا الباب] 1 نجري أحكاماً متفرقة، وتشتمل على ضبط جامع في قواعد الاحتياط.
560 - فنقول: الوطء محرَّم منها أبداً على قول الاحتياط، لإمكان الحيض في كل وقت.
وإذا طلقها زوجها، فالذي صار إليه جماهير الأئمة أنا لا نحمل أمرها على حال من يتباعد حيضها، حتى نقول 2: تصبر إلى سن اليأس في قولٍ صحيح، ثم تعتد بثلاثة أشهر، بل نحكم بانقضاء عدتها بثلاثة أشهر من وقت الطلاق؛ فإنا لو حملناها على التي يتباعد حيضُها، لعظم المشقة، وطال العناء باحتمالٍ مجردٍ يخالف غالب الظن.
وأما إقامتها وظائفَ الصلاة في الأوقات، فليست من المشقات؛ فإن معظم الخلق لا يتركون الصلاة، وقضاءُ الصوم قاعدةُ الشريعة، فلا يبقى إلا قضاء الصلوات على رأي بعض العلماء، والأمر بأداء الصوم مع القضاء، والغُسل بدلاً عن [الوضوء] 3 الذي تكرره المستحاضة، وهذا قريب.
فأما تكليفُها أن تبقى أيّماً دهرها باحتمالٍ، فشديدٌ جداًً.
561 - وقد ذكر صاحب التقريب وجهاً: أن أمرها محمولٌ على تباعد الحيض في العدّة، وهذا -وإن كان منقاساً- بعيدٌ في المذهب.
562 - وهي في دخول المسجد كالحائض أبداً.

563 - وأما قراءة القرآن، فقد ذكرنا قولاً بعيداً، أن الحائض تقرأ [القرآن] 1، وهو على بعده يتجه في المتحيرة؛ فإنه لا نهاية لعذرها.
والذي ينقدح لي فيها أنها تقرأ في الصلاة ما شاءت؛ فإنها مأمورة بالصلاة، ولا تصح الصلاة من غير قراءة.
ومن منع الحائض من قراءة القرآن، فقد ينقدح على طريقه أنها تقتصر على قراءة الفاتحة في الصلاة؛ فإن الضرورة تتحقق في هذا القدر دون غيره.
والظاهر عندي أنها تتنفل بلا حَظْرٍ ولا حجر، كما يتنفل المتيمم، وإن كان التيمم طهارةَ ضرورةٍ.
ويُحتمل أن تُمنع من النافلة لاحتمال الحيض، كما تمنع من قراءة القرآن في غير الصلاة.
والتيمم وإن كان لا يرفع الحدث، فهو على الجملة يؤثر في رفع منعه.
والصلاة تحرم في الحيض، كما تجب في الطهر، فهذه احتمالات متعارضات، لا نَقْلَ عندنا في معظمها، ونصّ أصحابنا في الطرق على أنها تتنفل، كما تتنفل المستحاضات في زمان الاستحاضة.
وما ذكرتُه احتمال ظاهر، وإن لم أنقله، اعتباراً بقراءة القرآن.
[وإذا جوزنا للحائض قراءة القرآن] 2 لكيلا تنسى، فيظهر أن تُمنع من القراءة، لا لهذا الغرض: مثل أنها كانت تكرر سورة الفاتحة، أو الإخلاص، على ما يعتاد بعضُ الناس ذلك.
وقد يقول قائل: إذا جاز لها قراءة سورة، جاز قراءة كل سورة، والعلم عند الله.
564 - ومما يتعلق بما نحن فيه أنا وإن بالغنا في التشديد عليها، فلا نُطرِّق إليها احتمالات التلفيق حتى نقول: هي ممن تحيض يوماًً وتطهر يوماًً.
ونحن نقول: في قولٍ النقاء بين الدمين طهر.
فلو فرّع مفرع على هذا القول،

وحمل أمرَها على هذا، لم يجز أصلاًً؛ فإنها مع الجهل بابتداء الدور لا تستقرّ مع احتمال التلفيق على رأي واحتياطٍ قط.
ولا يتصور منها معه تدارك شيءٍ لأجل الاحتياط.
وكل ما لو قدّر، انسدّ به كل باب، فلا معنى لتقديره وبناء الأمر عليه.
فكذلك إذا أمرناها بالاغتسال لاحتمال انقطاع الحيض، فمن الممكن أن ينقطع حيضها في خلال الاغتسال، وهذا لو تحقق، لوجب عليها استئناف الغسل، ولكن لا معنى للأمر 1 بهذا الاحتياط؛ فإنها لو استأنفت الغسل، لأمكن ما ذكرناه في الغسل الثاني، وهذا أمرٌ لا ينقطع، ويؤدي إلى التسلسل؛ فليقطع هذا الفن من ابتداء الأمر.
565 - ونحن الآن نحرر مراتب في الاحتياط والتخفيف، ونستتم ما مضى، ونشير إلى مواقف الخلاف والوفاق.
فأما احتياطٌ [لا مَردّ فيه] 2، ولا انقطاع له، ولا خلاص منه، فليس مرعياً وفاقاًً، كما ذكرناه في التلفيق، وتقدير الانقطاع في الغسل، أو بعد الفراغ منه.
وأما رد المتحيرة إلى المبتدأة بأن يُقدّر ابتداء دورها من الأهلة، ففيه قول بعيد، ولكنه في نهاية الضعف كما سبق.
وأما وجوه الاحتياط التي لا تتسلسل، فقد [ذكرناها] 3 على القول الصحيح، وظهر لنا أن الشافعي ليس يبني الأمر على غوامض الاحتمال، ولهذا لم يوجب قضاء الصلوات مع أدائها، وظاهر القياس المذهبُ المعزيّ إلى أبي زيد.
ولكن عنّ لنا في تفاصيل التفريع أن نعتبر أدوار المبتدأة، وإن لم نعتبر ابتداء الدور، حتي نراعي أغلب الحيض والطهر في بعض مجاري الكلام، وقد تقرر هذا مفصلاً.
فهذا منتهى القول في وجوه الاحتياط، والتنبيه على مواقع الخلاف والوفاق في النفي والإثبات.

وأما العدة والحملُ على تباعد الحيض على ما سبق، فاتفاق معظم الأصحاب فيه محمول عندي على تقريب أمرها من أدوار المبتدأة، في عدد الحيض والطهر، فليفهم الفاهم ما نلقيه إليه مستعيناً بالله، ونعم المعين.
[فرع] 1: 566 - ذكر ابن الحداد فرعاً في طواف المتحيرة، وفيه عثراتٌ وسهوٌ كثير، وقد نبهنا على أمثالها في غير هذا الفرع، فلست أرى التطويل بإعادتها.
ولكن [أذكر] 2 المسلك الحقَّ، وما يُخرجها [عن] 3 الطواف بيقين على قياس أبي زيد.
فأقول: نتكلم في الطواف، ثم فيما يتعلق بالطهارة لأجله، فالمتحيرة في النُّسك إذا أرادت أن تطوف، فالطواف ينافيه الحيض؛ إذ الطهارة مشروطة فيه، ولا بد من الإتيان بطواف لا يقع في الحيض.
فالقول الوجيز فيه أنا نحسب طوافها وركعتي الطواف كصلاة تقضيها، وإذا أرادت قضاء صلاة واحدة، فقد ذكرنا أنها تصليها ثلاث مرات، وبيّنا أوقاتها، فنُجري طوافها مع ركعتي الطواف على ذلك الترتيب، فتطوف وتصلي، ثم تترك الطواف حتى يمضي من الزمان ما يسع مثل ما تقدم من أفعالها.
ثم تطوف وتصلي بعد مضي (4 هذا الزمان 4)، فإذا مضت خمسة عشر يوماًً من أول اشتغالها بالطواف الأول، فتصبر حتى يمضي من أول السادسَ عشر مثلُ الزمان الذي [وسع فعلها] 5 الأول، ثم تطوف وتصلي مرة ثالثة.
ولست أستقصي أطراف القول؛ فإنه بمثابة ما تقدم من قضاء صلاة من غير تباين، ثم تغتسل لكل طوافٍ، في كل كرّة.
وأما ركعتا الطواف، فلا تغتسل لهما؛ فإن4

الطواف إن وقع في حيضٍ، فالركعتان لا يعتد بهما؛ فإن شرط صحتهما 1 صحة الطواف قبلهما، وإن فرضنا وقوع الطواف في بقية [الطهر] 2 وابتداء الحيض حالة الاشتغال بالركعتين، فإذا اتفق ذلك في كرَّةٍ، فلا بد وأن يقع طواف وركعتان في كرةٍ أخرى من الكرات في طهر، فيقع الاكتفاء بذلك، فإذاً لا يجب تجديد الغسل قطعاً للركعتين في كرَّةٍ من الكرات.
ولكن هل تتوضأ [للركعتين] 3، وقد اغتسلت للطواف؟ هذا يخرَّج على أن الركعتين سنة، أم فريضة؟ إن حكمنا بأنهما سنة، فلا تتوضأ؛ فإن للمستحاضة أن تؤديَ فريضةً، وما شاءت من النوافل بوضوء واحد، وإن حكمنا بأن الصلاة فريضة، فهذا يخرّج على خلافٍ متقدّم في التيمم، في أن الصلاة كجزء من الطواف، أو نقدرُها كفرض مبتدأ منقطع عن الطواف، وقد فرّعْنا حكم تجديد التيمم على هذين الطريقين، فإن عددنا ركعتي الطواف كشوطٍ من أشواط الطواف، فلا تتوضأ لهما، وتكتفي بالغسل للطواف، كما لا تتوضأ [لكل شوط من الطواف] 4 وإن رأينا الركعتين فرضاً مبتدأً بعد الطواف، فلا تغتسل لهما، ولكن تتوضأ.
وذكر الشيخ أبو علي مسألة الطواف في شرح الفروع، وذكر النص، وطريقةَ أبي زيد، وهفواتِ الأصحاب وأطال نَفَسَه، فإنه لم يذكر في احتياط المتحيرة غيرها، فاقتضى الشرحُ [جمعَ] 5 أقوال الأصحاب.
ونحن لما ذكرنا جميعَ الطرق في الأبواب المتقدمة، رأينا الاقتصارَ في هذا على المسلك الحق في درك اليقين، والذي جددنا العهدَ به القولُ في حكم ركعتي الطواف في أمر الطهارة فحسب، وإلا فالترتيب فيه كالترتيب في قضاء صلاةٍ واحدةٍ، حرفاً حرفاً.
...

باب في حكم الناسية إذا كلانت تذكر شيئا

ًً 567 - جميع ما قدمناه في المتحيرة التي لا تذكر شيئاً، وهذا الباب يشتمل على ما إذا ذكرت شيئاًً في ترتيب أمرها في أدوارها، ونبين ما يقتضيه ذكرها من تخفيفٍ عنها في حكم الاحتياط.
وعلى الجملة: من أحاط بما قدمناه من قواعد الاحتياط في المتحيرة المطلقة، وهي تخبط في عمايةٍ عمياء، ولا تذكر شيئاًً؛ فيهون عليه مُدرَك اليقين فيه إذا كانت تذكر شيئاًً، وإنما غموض حكم الاحتياط فيما تقدّم، فلا نبسط القول في هذا الباب بتكثير الصور؛ علماً بأن من أحاط بالاحتياط فيما تقدم، يسرع إلى المطلوب في هذا الباب.
568 - فنقول: لو عينت ثلاثين يوماًً، وذكرت أنها كانت تحيض في أوله 1، وينطبق أول حيضها على أول تلك المدة.
ونحن فيما نحن فيه نسمي تلك الثلاثين شهراً، فإذا ذكرت ذلك، وزعمت أنها لا تذكر شيئاًً آخر، فتستفيد بما ذكرته أنّا نحيّضها بيقين يوماًً وليلة من أول الشهر، ثم نأمرها بالاحتياط إلى انقضاء الخامسَ عشر، [لاجتماع احتمال] 2 الحيض والطهر، والانقطاع بعد اليوم والليلة إلى آخر الخامس عشر.
وقد ذكرنا أن وجوهَ الاحتياط تنشأ من هذه الاحتمالات، ثم هي طاهرة بيقين من أول السادس عشر إلى منقرض الشهر.
ولو عيَّنت كما ذكرنا شهراً، وذكرت أن حيضها كان ينقطع في آخر الشهر، ولم تذكر غير ذلك، فنحكم لها بالطهر من أول الشهر خمسة عشر يوماًً، ثم يحتمل من أول

السادس عشر الحيض والطهر، ولا يحتمل الانقطاع فيه؛ فإنه لو فرض الانقطاع، لم يعد إلا بعد خمسةَ عشرَ، وقد ذكرت أن حيضها كان ينقطع في آخر الشهر، فإذا بقي يوم وليلة من الشهر، فهي حائض بيقين على حكم العادة، وإذا زال احتمال الانقطاع في النصف الأخير، زال الأمر بالاغتسال، ولا تغتسل إلا مرة واحدة في آخر الشهر؛ فإنه وقت الانقطاع لا غير، وليقس الناظر بما ذكرناه من أمرها أمثاله.
فصل في الخلط 569 - هذا قد يهابه المبتدئ، ولا إشكال فيه مع تمهُّدِ ما مضى، ولولا إقامة الرسم في تراجم الأبواب، لما رأيتا إفراد أمثال هذا، فنقول والله المعين: إذا عيَّنت شهراً ثلاثين، كما تقدم، وأبانت المبتدأ والمختتم، وذكرت أنها كانت تخلط الشهر بالشهر حيضاً بحيض، والمراد به أنها كانت حائضاً في آخر كل شهر، وأول كل شهر، ولم تذكر غير ذلك.
فهذا هو الذي سماه العلماء الخَلطَ المطلق.
فإذا لم تذكر غير ذلك، فوجه تقريب القول، وتسهيل المسلك أنها حائض في اللحظة الأخيرة والأولى من الشهر؛ فإنها ذكرت ذلك، ثم هي مأمورة بأكمل الاحتياط بعد اللحظة الأولى من الشهر إلى آخر الخامس عشر إلا لحظة؛ لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع في هذه الأيام، ثم هي طاهرة في اللحظة الأخيرة من الخامس عشر واللحظة الأولى من السادس عشر؛ فإن الحيض لا ينتهي إلى هاتين 1 اللحظتين في شيء من جهات التقدير، ثم بعد هذه اللحظة الأولى من السادس عشر إلى اللحظة الأخيرة من الشهر احتمالان: أحدهما - الحيض.
والثاني - استمرار الطهر.
ولا يحتمل الانقطاع؛ فإن في آخر الشهر حيضاً بيقين.
ولو فُرض الانقطاع في النصف الأخير، لم يعد الحيض في آخر الشهر، ثم هي

حائض بيقين في اللحظة الأخيرة من الشهر واللحظة [الأولى] 1 من مبتدأ الشهر، فهذا حكم الخلط المطلق.
570 - وقد ذكر الأصحاب عبارات في رَوْم التقريب، فصارت مراسمَ في الباب، وقد تعاظمها المبتدئون ورأَوْها أموراً غامضة، وإنما معناها ما ذكرناه، ولكنا نذكرها؛ حتى لا نكون أخلينا الكتاب 2 عن فن مألوفٍ فيه.
فإذا ذَكَرَتْ الخلط المطلق، فنقدم حيضها إلى الزمان المنقضي 3، على أقصى الإمكان، ونؤخر حيضها في الزمان المستقبل على أقصى ما يتصور، فيقع حساب التقديم في النصف الآخر من كل شهر، ويقع حساب التاخير في النصف الأول من كل شهر، ونستمسك باللحظتين في الآخر والأول.
فنقول: أقصى الإمكان في التقديم أن نجعل آخر حيضها اللحظة الأولى من الشهر، فيقع أوله بعد لحظة من السادس عشر 4. وأقصى الإمكان في التأخير أن نجعل أولَ حيضها اللحظة الأخيرة من الشهر، فيمتد إلى [آخر] 5 الخامس عشر إلا لحظة.
ثم نقول: ما يدخل في الحسابين: التقديم والتأخير، فهو حيض بيقين.
وهو اللحظتان من الآخر والأول، وما خرج من الحسابين، ولم يلحقه واحد منهما، فهو طهر بيقين، وهو اللحظة الأخيرة من الخامس عشر، واللحظة الأولى من السادس عشر، وما دخل في حساب التأخير فحسب، ففيه أكمل الاحتياط، وما دخل في حساب التقديم فحسب، فليس فيه احتمال الانقطاع، فلا غسل، وإنما فيه احتمال الطهر والحيض.
وفيما قدمناه ما يغني عن هذه التهاويل والعبارات والتفاصيل، ولكن رأيت 6

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل