نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 137-176
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الديات

صفحات 137-176
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

10393 - ذكر الشافعي رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هُذيل وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلاً، فأهله بين خِيَرتَيْن إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل" 1 فمذهبنا أن ولي الدم بالخيار بين القصاص وبين الدية، فأي الأمرين طلب كان له، من غير حاجة إلى رضا مَنْ عليه القصاص.
وقال أبو حنيفة 2: لا يختار الدية دون رضا الجاني، ثم عندنا إذا فات محل القصاص، تعيّن المال، وحقَّت الطلبة فيه، ولأبي حنيفةَ خبط في فوات محل القصاص.
10394 - ثم اختلف قول الشافعي وراء ما ذكرناه في أن موجب العمد القودُ لا غير ومستحِقه يملك إسقاطه إلى مال، أو الموجَب أحدُ الأمرين: القصاص أو المال.
فأحد القولين - أن موجَبه القود؛ لقوله عليه السلام: "العمد قود".
والثاني - أن الواجب أحدُ الأمرين، كما أن الواجب على الجاني أحدُ الأشياء الثلاثة.
فإن قلنا: الموجَب أحدُهما، فلو عفا عن القصاص مطلقاً، ثبت المال، وتعين.
ولو قال: عفوت عن القصاص والدية، سقط حقه بالكلية.
ولو قال: عفوت عن المال، ففي المسألة أوجه: أحدها - أن المال سقط

بالكلية، حتى لو أراد الولي إسقاط القصاص على مال، لم يجد إليه سبيلاً، فهو بالخيار بين أن يقتص وبين أن يُسقط القصاص ولا مال له، وهذا كما أنه لو عفا أولاً عن القود، لم يتصور رجوعه إليه، وتعين حقه في المال.
والوجه الثاني - أنه لا معنى للعفو عن المال مع بقاء القود، فالذي جرى منه لغوٌ، وهو على خِيَرته، وكأنه لم يعف، والسبب فيه أنا وإن كنا نثبت المال أصلاً، فهو على قضية التبعية للقود، فيستحيل أن ينبتّ أثر المال مع بقاء القود.
والوجه الثالث - وهو اختيار شيخي أن العفو عن المال يُلحق هذا القول بقولنا: موجَب العمد القودُ المحض، وفائدة هذا أنه يملك [العفو عن] 1 القود إلى المال.
فلو رضي الجاني، واصطلحا عن القصاص على مالٍ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لا يجوز المصير إلى المال مع التراضي، كما لا يجوز المصير إلى المال في حد القذف.
والثاني - يجوز.
وهو موافق لمذهب أبي حنيفة، ولعله الأصح، ووجهه أن القصاص في مقابلة [متقوِّم] 2 بالمال على الجملة وهو النفس، والتلف به يُتقوّم وليس كذلك [العرض] 3 في القذف، وإذا جاز بذل العوض في بدل الخلع للأجنبي، فهذا في الدم أجوز، مع ترغيب الشارع في إسقاطه.
ومما نفرعه على هذا القول أنا إذا قلنا: الواجب أحدهما، فلو قال: عفوت عن الدم والمال، فقد عفا عن حقه، ولو قال: عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه يسقط كما لو عفا عنهما.
والثاني - لا يسقط؛ فإن قوله على أن لا مال شرط انتفاء وليس بنفيٍ على الحقيقة، وهذا ما إليه ميل كلام الصيدلاني.
وقال العراقيون في التفريع على هذا القول: لو قال: اخترت الدية، فقد تعينت الدية، فلا رجوع إلى القصاص، وهذا [قالوه] 4 قياساً، ثم قالوا: لو [قال] 5:

اخترت القصاص، فلو أراد الرجوعَ إلى الدية، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين: أحدهما - ليس له ذلك كعكسه المقدم.
والوجه الثاني - له الرجوع إلى المال؛ فإنه أدنى، ولا يبعد الرجوع من الأعلى إلى الأدنى.
وهذا الذي ذكروه يجب أن يفرع على التصريح بإسقاط المال.
فإن قلنا: العفو عن المال لغو، فلا معنى [لقوله] 1: اخترت القصاص.
وإن قلنا: العفو عن المال حكم، فقوله: اخترت القصاص هل يفيده؟ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما.
10395 - فأما إذا قلنا: موجب العمد القود المحض، فالتخير على هذا القول قائم، على معنى أن ولي الدم لو أراد المال، لم يحتج إلى رضا الجاني، ولو عفا عن القصاص على مال، ثبت المال.
ولو عفا مطلقاً، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن المال يثبت، والثاني - لا يثبت.
توجيه القولين: من قال لا يثبت، احتج بأن التفريع على أن لا واجب إلا القود، وقد أسقطه، ومن ثَم [لا] 2 يثبت المال، [فإن العفو إسقاطُ ثابت لا إيجابُ ما ليس بثابت] 3 [ومن قال: يثبت المال، قال: إن المقصود بقولهم: إن موجب] 5 العمد القود أنه الأصل، ولا يثبت المال معه.
كما لا يثبت البدل مع المبدل إذا ترتب البدل على المبدل، فإذا سقط القصاص، [حان] 6 وقت البدل، فيثبت المال ثبوتَ الأبدال عند سقوط المبدلات.
10396 - والذي أراه أن هذين القولين في الأصل والتفريع عليهما على ما رسمناه4

تكلّفٌ، فإنا إذا [خيّرنا] 1 الولي على القولين ورجعنا إلى المال عند فوات المحلّ على القولين، فلا معنى لترديد القول أولاً في أن موجب العمد ماذا، بل الصيغة الناصّة على الغرض: أن القتل يقتضي ثبوت المال لا محالة، ولكن يقتضيه أصلاً [معارضاً 2 للقصاص أم يقتضيه على قضية من التبعية؟ وعليه يخرّج القولان من العفو المطلق، وما قدمناه من التفاصيل.
10397 - ثم قال العلماء: هذا تفريع على عفوِ مُطلَقٍ.
فأما المحجور عليه إذا عفا، فإن كان مسلوب العبارة كالصبي والمجنون، فلا أثر لقوله، ولا حكم لعفوه.
وإن كان محجوراً عليه صحيح العبارة، لم يخل: إما أن يكون الحجر عليه بسبب غيرِه، وإما أن يكون الحجر عليه بسببه في نفسه، فإن كان الحجر عليه بسبب غيره، فالمحجور عليه بالعكس، فإن أراد الاقتصاص، فله ذلك، وإن أراد العفو عن القصاص، فلا شك في سقوط القصاص.
فأما المال قال 3 الأصحاب: إن قلنا: موجب العمد أحدُ الأمرين، فليس له العفو عن المال، فإن اقتصّ وإلا فمهما 4 عفا، فالمال مصروف إلى غرمائه، ولا نكلفه تعجيلَ الاقتصاص أو العفو، بل إن أراد التوقف، توقفنا.
وإن قلنا: موجب العمد القود المحض، فإن عفا على مال ثبت، وإن عفا مطلقاً، وقلنا: العفو المطلق يُثبت المالَ، ثبت المالُ.
وإن قلنا: العفو المطلق لا يُثبت المالَ من الرجل المطلَق الذي لا حجر عليه، [فلا يُثبته ممّن عليه الحجر]؛ فإن ما لا يقتضي المال من المطلق لا يقتضيه من المحجور.5

ولو قال المفلس: عفوت على أن لا مال، وقلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، فمقيّده أولى ألا يوجبه، [وإن] 1 قلنا: مطلق العفو يوجب المال، فمقيَّدُه بالنفي لا يوجب المال من المطلَق، وهل يوجبه إذا صدر من المحجور؟ فعلى وجهين: أحدهما - أن المال يجب، فإنه لو أطلق العفو، لوجب، فنفيه المالَ إسقاطٌ منه [لما] 2 له حكم الوجوب.
والثاني - لا يجب المال؛ فإن العفو على أن لا مال من المطلق لا يقتضي مالاً، فلو كلفنا المفلس الإطلاق حتى يُثبتَ المالَ، كان ذلك تكليفَ نوعٍ من الكسب.
وعبّر الأئمة عن هذين الوجهين، بأن قالوا: إن قلنا: العفو على أن لا مال إسقاطٌ أم منعٌ للوجوب، ولا خلاف أن المفلس لا يكلّف [قبولَ] 3 الهبة.
هذا قولنا فيمن حُجر عليه بسبب غيره.
10398 - والمريضُ [في] 4 الزائد على الثلث في تفريع ذلك [كالمفلس] 5. والورثة إذا عفَوْا عن قصاصٍ لهم استيفاؤه، والتركة مستغرَقة بالديون - ينزلون منزلة المفلس.
10399 - فأما المبذر، فالحجر عليه بسبب النظر له في نفسه، والقول الجامع فيه أن الأئمة اختلفوا، فذهب بعضهم إلى أنه كالمفلس في الترتيب المقدّم، وذهب آخرون إلى القطع بأنه يَثْبتُ المال، [مهما] 6 عفا عن القصاص على الأقوال كلها، وهذا هو الذي قطع به الصيدلاني، ولا وجه غيرُه؛ فإن الأئمة قالوا: لو وُهب له شيء أو أوصي له بشيء فَرَدَّ، لم يصح ردّه، وللولي أن يقبل الهبةَ والوصيةَ للمبذر.

وفي القلب من هذا أدنى احتمال.
وإذا صرح من يملك الطلاقَ وتصلح عبارته للعقود بردّ وصيةٍ أو هبة، فالذي نقله الأئمة ما ذكرناه.
10400 - فرع: إذا قال المُطْلَق الّذي لا حجر عليه لمن عليه القصاص: عفوت عنك.
فإن قلنا: موجب العمد القود المحض، فيسقط القصاص في هذه الصورة بلا خلاف، وينزل قوله هذا منزلة ما لو عفا عن القصاص مطلقاً، وفيه القولان المقدمان في ثبوت المال: فإن قلنا: موجَب العمد أحدُهما لا بعينه، فإذا قال: عفوت عنك.
ولم يتعرض لشيءٍ، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما - أنه يسقط القصاص ولا يُرجَع إلى تفسيره، حتى لو قال: أردت بذلك العفوَ عن الدية، فلا يُقبل ذلك منه في استيفاء القصاص، بل نحكم بسقوطه.
والوجه الثاني - أنه يُرجع إلى [نيته] 1، وهذا هو الذي قطع به الشيخ أبو علي، ووجهه بيّن؛ فإن الموجب مترددٌ، والعفو مُطلَق، فإن قال: أردت بذلك العفوَ عن الدية، قُبل ذلك منه، وعاد التفريع إلى العفو عن الدية، وقد مضى.
فإن قلنا: يُرجع إلى نيته، فلو قال: لم تكن لي نية، فقد حكى الشيخ وجهين في [هذه] 2 الصورة، وأشار إليهما صاحب التقريب: أحدهما - أنه يصرف العفو المطلق إلى القود؛ فإنه المتعرض للسقوط بأقرب الأمور.
والثاني - أنه يقال له: إن كنت لم تنو شيئاً، فاصرف الآن نيتك إلى [ما شئت منهما] 3 ويلزمك ذلك.
وهذا إذا قلنا العفو عن الدية لا يلغو.
فإن قلنا: العفوُ عن الدية لاغٍ على هذا القول، ثم سوغنا له أن يصرف إلى ما شاء، فإذا صرفه إلى جهة الإلغاء، لم يكن للفظه حكم، فالأمر إذاً إليه.

فصل "ولم يختلفوا أن العقل موروث ... إلى آخره" 1. 10401 - الدية مال من التركة مقسوم على فرائض الله تعالى، وكان عمر رضي الله عنه متوقفاً في توريث أحد الزوجين من دية صاحبه، حتى روي له: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورّث امرأة أَشْيَم 2 الضِّبابي من دية زوجها" 3. وأما القود، فهو بَيْن الورثة لا يختص به الأقارب والعصبات، ويشارك في استحقاقه الزوج والزوجة، ويثبت للصغير والكبير.
10402 - ثم مذهب الشافعي أنه إذا كان في الورثة صغير يُنْتظر بلوغُه، [ولم يجد للبالغين سبباً للاستبداد بالقصاص، والخلاف] 4 فيه مشهور مع أبي حنيفة 5، ولا اتجاه لمذهبه مع الاعتراف بثبوت القصاص للطفل، ولا بد منه، فإن البالغين في صورة الخلاف لا يلون الطفل، فاستيفاء [الحق] 6 من غير ولايةٍ محال، فالاستبداد بالحق مع مشاركته لا وجه له، ومن أصلنا أن القصاص لا يدخل تحت تصرف الولاة، فلو ثبت القصاص للطفل، لم يكن لوليه أن يستوفيه له، ولم يكن له العفوُ والرجوعُ إلى المال.
وفي المجنون الذي يبعد أن يُفيق كلام سيأتي بعد ذلك.
فإذاً القصاص في الخروج

عن تصرف الولي كالطلاق عندنا، فإذا ثبت حق القصاص لطفلٍ أو مجنون: أما المجنون، فلا يمكّن من استيفاء القصاص، وكذلك الطفل، فلو وثب الطفل أو المجنون على الجاني واقتص، هل يقع ذلك قصاصاًً؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه يقع قصاصاً؛ فإنه وإن مُنع من الاقتصاص، فهو المستحق للقصاص دون غيره، وأقرب المحامل لفعله أن يُصرف إلى جهة استحقاقه، ولا سبيل إلى إحباطه.
والوجه الثاني - أنه لا يقع قصاصاًً؛ فإنه ليس من أهل استيفاء الحقوق، وقد مضى تفصيل القول في قبض الصبيان الحقوق المالية، وقبضِهم المبيع وإتلافِهم إياه في كتاب البيع.
فإن قلنا: ما استوفاه يقع قصاصاًً، فلا كلام، وإن قلنا: لا يقع قصاصاًً، فلا [يُهدر] 1 بل يجب بدلُ ما استوفاه مالاً، إما متعلقاً بماله، إن جعلنا له عمداً أو بعاقلته 2، وقد فات محلّ القصاص بالقطع أو القتل، فعلى الجاني الأرشُ، أو الديةُ إن كان الكلام مفروضاً في [النفس] 3 وقد [تثبت] 4 أقوال التقاصّ إذا علقنا الضمان بمال الصبي والمجنون.
قال العراقيون: هذا إذا لم يكن ما جرى باختيار الجاني الذي عليه القصاص، فلو أخرج الجاني يده ومكن المجنون أو الصبي من قطعها، قالوا: فلا يقع قصاصاًً قولاً واحداً؛ فإن التفريط من الذي أخرج يده، ثم قالوا: فإذا لم يقع قصاصاًً، فيكون هدراً من فعل المجنون غيرَ مضمون، وعلى الجاني المالُ إذا فات محل القصاص بما جرى 5. هكذا رتبوه، ولم أر ذلك في طرقنا، وظاهر ذلك ما ذكروه.
فإذا ثبت أن حق القصاص إذا ثبت لصغير وكبير، لم ينفرد الكبير بالاستيفاء ويتعين انتظارُ بلوغ الصبي.

فهذا قولنا فيه إذا كان منهم مجنون، وإن كان قد لا يظن إفاقته، فلسنا نحرص على استيفاء القصاص، وليس لولي المجنون أن يستوفي القصاص له، وإنما التردد في أنه هل يأخذ المال أم لا؟ [سرُّ ذاك] 1 سيأتي في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
10403 - ثم إذا توقفنا في الاقتصاص، لم نترك من عليه القصاص مطلَقاً [بل] 2 نحبسه، ولا يُنظر إلى طول أمد الحبس؛ فإن الحبس بالإضافة إلى القتل غيرُ معتد به، وإن تبرم المحبوس به، قلنا: [ليكن] 3 في مقابلة [مَهَلِ] 4 الحق، [فالحبس] 5 لا يكون عقوبة مع هذا التقدير، ولا سبيل إلى غيره.
وإذا كان في الورثة غائب، انتظرناه وحبسنا الجاني في الانتظار إلى حضوره.
ولا ينتظم في المال مثلُ هذا؛ فإنه إذا ثبت حق المال لغائب وحاضر، فالحاضر يستمكن من استيفاء حقه، ولا حبس، وفي مسألتنا حق الحاضر [غير] 6 ممتنع، وإن يثبت لغائب حق، فقد يتصور أن يُستأدَى ويحفظ له إن اقتضى الحال ذلك، كما سيأتي في الدعاوى والبينات، إن شاء الله عز وجل، فإذاً لا وجه إلا الحبس في القصاص.
[فصل] 7 قال الشافعي: "قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] ... إلى آخره".8

10404 - قيل: الإسراف أن يقتل غير القاتل، [وقيل] 1: هو أن يفعل بالجاني ما لم يَفْعل من المَثُلة 2. ومقصود الفصل الكلامُ فيمن يستحق ويستوفي القصاص.
ليس لمستحق القصاص أن يستبد باستيفائه، بل يتعين عليه رفع الأمر إلى مجلس الوالي؛ فإن الاستقلال بأمور الدماء لا يتسلط آحاد الرعايا [عليه] 3، ولو استبدّ، وقعَ القصاصُ موقعَه، ولكنه يتعرض للتعزير لإقدامه على ما حُرّم عليه الاستبداد فيه بالنفس 4، فإذا ارتفعت القصة إلى مجلس الوالي، وكان في أولياء الدم من يتأتى منه تعاطي الاقتصاص، فإذا استدعاه، وجب إسعافه، مع تقديم الاحتياط، كما سنصفه.
هذا في القصاص في النفس.
فأما القصاص في الطرف، فقد اختلف أصحابنا فيه: منهم من أوجب تفويضه إلى مستحقه إذا استدعاه، قياساً على القصاص في النفس.
ومنهم من لم يجوّز ذلك؛ فإن مستحق القصاص متهم بمجاوزة الحد في كيفياتٍ خفيّة، كترديد الحديدة، ونحوه، والمستحَق الطرفُ لا غير، [فأما] 5 القصاص في النفس، [فالمحذور] 6 فيه [المَثُلَة] 7، [وترديد الحديدة يترتب] 8 عليها زهوق النفس، وهو مستحق 9.

10405 - والنسوة ليس من أهل التعاطي وكذلك الضعيف من الرجال الذي نعلم أنه لا يستقلُّ بالأمر.
وإذا كان في الأولياء جماعة يتأتى منهم الاقتصاص؛ فإن سلّموا لواحدٍ أن يتعاطى، فذاك، وإن تنازعوا أُقرع بينهم.
والضعيف الذي لا يستقلّ لا بد وأن يراجَع، فلا يسوّغ القتل دون إذنه ورضاه.
ولكن هل يدخل في القرعة حتى إذا خرجت القرعة عليه، استناب من شاء من الأولياء أو من الأجانب؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يدخل؛ فإنه لا فائدة به إذا كان لا يتعاطى، ولئن كان في التعاطي حظ بيّن في شفاء الغليل، فلا غرض في الاستنابة، وما ذكرناه يطّرد في المرأة.
10406 - ثم إذا تعين تعاطي واحد، فلا بد وأن يحتاط الوالي، فينظر في الآلة.
قال الشافعي: ينبغي أن يقع الاقتصاص بأحدّ سيفٍ وأحدِّ ضربة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحَ، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" 1. ومما يتفقده أن لا تكون الحديدة مسمومة إذا كان القصاص في الطرف.
وإن كان القصاص في النفس، فمن أصحابنا من قال: لا بأس باستعمال المسموم [لأنه ليس فيه زيادة عقوبة.
ومن أصحابنا من قال: لا يقتص باستعمال المسموم] 2 محافظةً على حفظ

الجثة؛ فإن السم إذا نفذ قد يتسرع البلى إلى الجثة، وجسد الميت محترم على الوجوب، ولعل الأصحَّ الأولُ.
ولو سلمنا السيف إلى ولي القصاص، فضرب غير الموضع المقصود فإن كان يضرب الرقبة فيما زعم، فلم يصبها السيف، نُظر: فإن بان تعمده بضرب الرِّجْل أو غيرها، والسيف لا يتعدى الرقبة إلى الرجل، فإنا نعزّر الوليّ بما يراه الوالي.
ثم قال الشيخ أبو بكر 1: لا يصرفه عن ذلك، ولكن يعزّره ويهدده بمزيد التشديد عليه لو عاد إلى مثل ما بدر منه.
وقال بعض أصحابنا: يأخذ السيفَ منه؛ فإنا لا نأمن أن يفعل ثانياً مثلَ ما فعل أولاً، والأوجه ما ذكره الصيدلاني؛ فإن حقه في التعاطي ينبغي ألا يبطل بعدُ، وإن صدر منه [ما صدر] 2، كما لو جرحَ الجاني قبل الارتفاع إلى مجلس الوالي، فيبعد أن لا يسلم السيف إليه لما تقدم منه من الجرح والمَثُلة.
ولو ظهر لنا أنه أخطأ في الضرب، ولم يتعمد، وقد يبينُ ذلك بأن يتعدى السيف من الرقبة إلى الكتف، أو إلى القَمَحْدُوة 3، فإذا أخطأ، لم يعزر، ولكن قال الشيخ أبو بكر: يُعْزل ويؤخذُ السيف منه، ويقال له: استنب، وليس [كالعامد] 4 والفرق أن العامد لم يبن لنا خُرقه في الأمر، ولكنه اعتدى، فنهيناه، ونحن له -إن أعاد- بالمرصاد.
وأما المخطىء، فتبين أنه ليس يحسن الأمر، ولا ينفع زجره.
وذهب بعض الأصحاب إلى أن المخطىء لا يعزل، بل يعزّر، وهؤلاء هم الذين قالوا: العامد يعزل.
10407 - ولا بد في تمام الفصل من استدراكات في مواضعَ: أقربُها أن ما ذكره الشيخ أبو بكر في الخطأ من العزل يجب أن يكون فيمن لم نعرفه ماهراً بضرب الرقاب، والماهر قد يخطىء ولا يضرب، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف.
ومن قال: المخطىء

لا يُعزل؛ فإنما يقول ذلك إذا لم يبن خُرْقُه، فإن ظهر ذلك، فلا بد من صرفه.
وما ذكره الشيخ من أن العامد لا يُصرف، فما أراه يقول ذلك إذا تكرر ذلك منه، وإنما هو في المرة [الأولى] 1. ومما نستدركه أن السيف إذا كان مسموماً بحيث تتقطع الجثة به، [فيعسر الغسل] 2 والدفن على [هيئة الاحترام] 3، فلا يجوز استعمال مثل هذا السيف في القتل، فإن كان الأمر كذلك، فلا خلاف، وإنما الخلاف إذا لم يظهر ذلك، وكنا نحاذر تسرع البلى بعد الدفن، ويخرج من ذلك أن البحث لا بد منه، ثم المذهب يتفصّل كما ذكرناه.
فصل قال: "ولو أذن لرجل فتنحّى به، فعفا الولي ... إلى آخره" 4. 10408 - قد ذكرنا في كتاب الوكالة اختلافَ قول الشافعي في التوكيل باستيفاء القصاص في غيبة الموكِّل، والقول في هذا الفصل غيرُ مفتقر إليه؛ فإنه مفروض في الاستنابة بحضرة المستنيب، وهذا جائز لا خلاف فيه، إذا استناب مستحقُّ القصاصِ من يستوفيه له، فيتنحى المستناب بمن عليه القصاص ليقتله، وكان بمرأى ومسمع من المستنيب، فلو عفا مستحقُّ القصاص، وقتل المستناب، نُظر: فإن وقع العفو بعد وقوع القتل، [فهو] 5 لغو.
وإن أشكل الأمر، فلم يُدْر أوقع العفو قبل القتل أو بعده؟ فالأصل أن لا عفو، والقتل واقع قصاصاً، اتفقت الطرق عليه.
وإن تحققنا تقدم العفو واستئخار القتل، ولكن وقع القتل على جهل من القاتل

بجريان العفو، فلا قصاص على القاتل، إجماعاً، وليس كما لو قتل رجل رجلاً في دار الإسلام عمداً، ثم راجعناه، فزعم أنه حسبه مرتداً أو حربياً، ففي وجوب القصاص قولان، وستأتي هذه المسألة ونظائرها.
وغرضنا [الفرق] 1 الآن، فالمستناب إذا قتل، كان معذوراً، وكان عذره ظاهراً، والذي يدّعي الردة [يستند] 2 في قتله إلى أمر [بعيد] 3؛ فإن المرتد لا يترك مُسيَّباً، والحربي يبعد اجتراؤه على دخول دار الإسلام من غير ذمام.
وإذا ثبت ما ذكرناه، فقد يُدعى على المستناب أنه قتل عالماً بالعفو، قالقول قوله مع يمينه في نفي العلم.
10409 - فإذا وضح انتفاء القصاص، ففي وجوب الدية على هذا القاتل قولان.
واختلف أصحابنا في مأخذهما: فمنهم من قال: هما مأخوذان من اختلاف قول الشافعي في أن الوكيل إذا عزله الموكل ولم يبلغه الخبر، فهل نحكم بانعزاله؟ وقد مضى القولان في الوكالة، قال هؤلاء: إن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل، فقتْلُ المستناب واقعٌ بحقٍّ، فلا دية، وإن حكمنا بأنه ينعزل، فالقتل غير واقع بحق، فتجب الدية.
وهذا مسلك باطل، وقد أورده الصيدلاني، وبنى المسألة عليه، ووجه بطلانه أنا وإن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل، فتصرف ذي الحق نافذ في حقه، فإذا نفذ وتضمّن نفوذه عزلاً للوكيل، انعزل قطعاً.
ولو وكل الرجل رجلاً ببيع عبده، ثم إن الموكل أعتقه، ثم باعه الوكيل، فالبيع مردود؛ فإن العتق لا بد من تنفيذه، وفي تنفيذه رد [بيع] 4 الوكيل، والعفو في مسألتنا من مستحِق القصاص مشبّه بالعتق في الصورة التي ذكرناها، فلا وجه لرد

العفو، وإذا سقط القصاص، فلا معنى لبقاء الاستنابة مع سقوط أصل الحق، فقد ظهر فساد أصل هذا المأخذ.
ومن أصحابنا من قال: القصاص ساقط بالعفو لا محالة، والوكالة زائلة، والقولان في وجوب الدية مأخوذان من أصلٍ آخر، وهو أن من قتل إنساناً عمداً في دار الحرب، وجرد القصد إليه وألفاه في صف المشركين، ثم تبين أنه كان مسلماً [مأسوراً] 1، فلا شك في انتفاء القصاص، وفي وجوب الدية قولان؛ من جهة ظهور العذر في الإقدام على القتل، فالمستناب إذا قتل بهذه المثابة؛ من جهة أنه بنى أمره على قصاصٍ [ثابت] 2 واستنابةٍ صحيحة، وهذه الطريقة [مثل] 3 قليلاً، وإن كان يتضح الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الأسير؛ فإن القاتل لا يبعد نسبتُه إلى التقصير وترك التحفظ، من جهة اقتداره على أن يقتل والمستحِق واقف عليه، ولا يستمكن الغازي من العلم بالمصطفّين في صف الكفار، وهو مأمور بقصدهم بأسباب المنايا.
10410 - ثم إن قلنا: تجب الدية على المستناب، فلا شك في وجوب الكفارة، وإن قلنا: لا تجب الدية، فظاهر نص الشافعي أن الكفارة لا تجب.
ومن أصحابنا من قضى بوجوبها، وهو مذهب المزني، ولا وجه في انتفاء الكفارة إلا المصير إلى تقدير بقاء القصاص ووقوع القتل حقاً؛ فإن 4 الكفارة تثبت على من قتل أسيراً بسهم غَرْب 5 على العاقلة 6.

ومن أصحابنا من قال: إنه يرجع بها 1، [بالمعنى] 2 الذي يرجع بالدية إذا غرمها.
[والغائلة] 3 العظمى في المسألة أن الأصحاب قالوا: إن حكمنا بأن الضمان يجب على القاتل المستناب، فللعافي دية قتيله من تركة من قتله المستناب، وهذا لائح.
وإن قلنا: لا غرم على المستناب، فلا حق للعافي في تركة القتيل، فإنا لو أثبتنا الدية في تركته، وأهدرنا ديته، كان ذلك بعيداً.
وهذا ليس بشيء والوجه أن نقول: إن حكمنا بوقوع القتل قصاصاًً -وهو بعيد عن القياس- فلا شك أنه لا يثبت في تركته ضمان، فإن أخذنا المسألة من نفوذ العفو، وتمهيد عُذر المستناب وتنزيل ما جرى منه منزلة قتل الأسير في دار الحرب، فالوجه القطع على هذه الطريقة [بأن] 4 العافي يستحق الدية في تركة القتيل المقتول بعد العفو عنه، ثم يقع قتله هدراً من جهة وقوعه والقاتلُ معذور، كما ذكرناه في الأسير، حتى كأنه مات حتف أنفه، ولا نظر إذا لاح مسلك القياس إلى الاستعارات التي لا حاصل لها.
فإن قيل: إذا أوجبتم الدية في مال المستناب، فهي حالّة أم مؤجلة؟ قلنا: اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: هي حالة، فإنها مقتطعة عن قياس دية الخطأ وشبه العمد، وكذلك لم تضرب على العاقلة، ومنهم من قال: هي مؤجلة؛ فإن الدية إنما تتعجل إذا وجبت بسبب عدوان هو عمد محض، ولا ينسب المستناب إلى العمد المحض على وجه العدوان، وسنبين هذه القواعد في كتاب الديات، إن شاء الله عز وجل.

فصل قال: "ولا تقتل الحامل حتى تضع ... إلى آخره" 1. 10411 - المرأة إذا استوجبت القصاص وكانت حاملاً، لم يُستوفَ القصاصُ منها حتى تضع حملها، ولا فرق بين أن يكون القصاص في النفس أو في الطرف؛ فإنه إذا كان في النفس، ففي قتلها قتلُ الجنين، وإن كان في الطرف، فلو قطعت لأَجْهَضَتْ جنينَها، ولئن كان إليها سبيل، فلا سبيل لنا إلى جنينها.
[وإذا] 2 وضعت فقد تولّع الفقهاء بذكر اللِّبَأ، واعتقدوا أن الولد لا يعيش دونه، وهو أوائل [اللبن] 3 بعد انفصال المولود، وحظُّ الفقه من ذلك أنه إن تحقق أن الولد لا يعيش دونه، [لم] 4 نقتل الأمَّ حتى تُرضع ولدها اللِّبَأ، ثم إن وجدنا ذات لبن غيرها، قتلناها قصاصاً، ولم نمهلها مدة الإرضاع، اتفق أصحابنا عليه؛ فإن الذي يفوت الولدَ منها مزيدُ إشفاق وحدب، ولا يقع هذا موقعاً في مقابلة حقّ الآدمي يؤخّر.
هذا قولنا فيه إذا استوجبت القصاص، فأما إذا استوجبت الرجم، وهي حامل، لم نقتلها أو تضع، ولا نقتلها حتى ترضع ولدها، وإن وجدنا مرضعة سواها، ثم إذا انقضت مدة الإرضاع، فلا نقتلها أيضاًً حتى تكفل ولدها؛ فإن الولد لا يستقلّ بعد الفطام إلا بكافل، وحديث [الغامديّة] 5 نصٌّ في الترتيب الذي سقناه.
والفارق في وضع الشرع بين القصاص وبين الحدّ ما تحقق من ابتناء حقوق الله المحضة على المساهلة، ولذلك يُقبل الرجوع عن الإقرار فيها، ولا سبيل إلى تقدير ذلك في القصاص وحقوقِ الآميين، وكأنا قدمنا حقَّ إشفاق الأم في الإرضاع على استيفاء حد الله تعالى.

10412 - وإذا تمهد ما ذكرناه، ابتنى عليه أمور: أولها فيه إذا نُهينا عن قَتْلها، فقُتلت وأَجْهَضَتْ جنينها، والقصة مرفوعة إلى مجلس السلطان، والنصوص وطرق [الأصحاب] 1 مضطربة جدّاً، ونحن نأتي بجميعها ونختار أميلَها إلى القياس، ونذكر ما يميل إلى موافقة النص، ونفرض الكلام فيه إذا فوّض الوالي قتلها إلى [ولي الدم] 2، والكلام في ذلك يتشعب وينقسم، فإن كان الإمام عالماً بالحمل عِلْم مثله 3 وكان [الولي] 4 عالماً أيضاً، فقتل الوليُّ بإذن الإمام، فقد أساءا وظاهر النص الذي نقله المزني أن الضمان يتعلق بالإمام؛ إذ إليه الأمر، وكل فاعل في مجلسه بإذنه في حكم الآلة له، وكذلك اتفق العلماء في أنه لا يتعلق بجلاد الإمام ضمان وإن كان مختاراً فيما تولاه من القتل، ولو أعرض وولَّى لم نتعرض له، وسيكون لنا إلى حكم الجلاد استتمام في آخر الفصل.
قال معظم أصحابنا: الضمان يتعلق بالولي؛ فإنه المباشر، ولم يكن محمولاً على مباشرته، بل كان مندوباً إلى العفو والصفح، ولا أثر لإذن الإمام مع قوة مباشرة الولي في حالةٍ نهيناه فيها عن القتل.
وذكر صاحب التقريب وجهاً ثالثاً أن الضمان ينشطر بين الوالي والولي؛ لتعلق كل واحد منهما بأمر معتبر.
وهذا غريب لم أره لغيره.
التفريع: إن علّقنا الضمان بالإمام، فلا نضربه على بيت المال؛ فإن المسألة مفروضة فيه إذا علم الحملَ علماً يليق به.
نعم، الضمان على عاقلته الخاصة، والكفارة تجب في خاصّ ماله.
وإن علّقنا الضمان بالولي، ضربناه على عاقلته، فإن

العمد لا يتحقق في إهلاك الأجنة، ولا يخفى حكمُ التشطير على ما بيّنا حكمَ الكل في الوجهين.
10413 - هذا إذا كانا عالمين، فلو كان الوالي عالماً والولي جاهلاً؛ فإن علّقنا الضمان بالوالي إذا كانا عالمين، فلأن نُعلّق الضمان في هذه الصورة أولى.
وإن علقنا الضمان بالولي في الصورة الأولى لقوة مباشرته، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أن الضمان يتعلق بالولي؛ فإنه المباشر المختار، وهذا الخلاف حيث انتهى التفريع [إليه] 1 يقرب من الخلاف في تقديم الغاصب الطعامَ المغصوبَ إلى ضيف جاهلٍ بالغصب، ففي قرار الضمان خلافٌ مضى في كتاب الغصوب.
ولو كان الولي عالماً والوالي جاهلاً، فإن قلنا: لو كانا عالمين، فالضمان يتعلق بالإمام مع قوة المباشرة من الولي، فإذا كان الإمام جاهلاً، فالذي قطع به الأئمة في طرقهم أن الضمان لا يتعلق بالوالي؛ فإنه اجتمع عدم مباشرته وجهله، وعارضها علمُ الولي وقوة مباشرته.
وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر أن الضمان يتعلق بالإمام، كما يتعلق به إذا كان عالماً، وهذا غريب لم أره لغيره.
فإن قلنا: الضمان [يتعلق] 2 بالإمام، فهو الآن على عاقلته الخاصّة أم على بيت المال؛ فعلى قولين سيأتي ذكرهما بعد هذا.
فإن قلنا: الضمان على عاقلته [فالكفارة] 3 تجب في ماله، وإن قلنا: الضمان في بيت المال، ففي الكفارة وجهان: أحدهما - أنها في خاصّ ماله؛ [فإنها] 4 قربة لا يتطرق إليها التحمل.
والثاني - أنها في بيت المال؛ فإن المعنى الذي أوجب الغرامات المتعلّقة بنظره في بيت المال، ذلك المعنى يوجب طردَ ذلك في الكفارة، فإن الوقائع تكثر على الأئمة، ثم الكفارات تُجحف بهم إجحافَ الأروش والديات.

ولو كانا جاهلين، ففي المسألة الأوجه الثلاثة المذكورة فيه إذا كانا عالمين.
وكان شيخي يقول: الإمام في هذه الصورة أولى بأن يكون متعلَّقَ الضمان؛ لأن النظر له، وهو المنتسب إلى التقصير.
فهذا استيعاب الأقسام.
وما قدمناه قبلُ من أن يَظُن [نعني به] 1 الظنَّ الذي يسمى علماً في الإطلاق، فإن ظن، ولم يستيقن، [كان] 2 كما إذا علم الحمل في الصورة التي ذكرتها.
10414 - [وفي] 3 تعلق الضمان بالجلاد خلاف مرتب على ما ذكرناه [في] 4 الولي العالم بمخايل الحمل، والجلاد أولى بالا يضمن؛ فإنه لم يستوف لنفسه، وإنما امتثل أمرَ السلطان، [والولي] 5 استوفى حقَّ نفسه.
هذا إذا ظن الجلاد ظنّاً يسمى علماً، ولم يستيقن، فأما إذا استيقن خطأَ الإمام أو تَعمُّدَ ظُلمه، فقتل، وكان قادراً على ألا يقتل، فالذي نراه القطعُ [بتقرير] 6 الضمان.
وإن كان المحل محلَّ القصاص، استوجبَ القصاصَ؛ فإنه مباشر مختار على [استيثاقٍ] 7 من الحال.
وقد ذكر بعض أصحابنا في فصل الإكراه خلافاً في أن مجرد أمر السلطان هل يكون إكراهاً، حتى إذا قُدٍّر إكراهاً نُزّل [الجلاّد] 8 منزلة المكرَه.
هذا لست أراه جارياً مع اختيار الجلاد [وعلمه] 9 بأنه لو أعرض أمكنه الإعراض، وإنما خلاف الأصحاب في

أمره المطلق، وكان المأمور لا يأمن سطوتَه وغائلته وبطشَه به لو لم يمتثل.
فأما إذا لم يعلم الجلاد خطأ الإمام، [ولم] 1 يظنه، وجرى على ظاهر الامتثال، فلا يتعلق الضمان بالجلاد، وإن كان مختاراً، وعند ذلك يظهر قول الأصحاب: إن الجلاد آلةُ الإمام، ونصوا على أن الكفارة لا تلزمه في القتل الواقع بغير حق، مع العلم بأن الكفارة تلزم الغازي إذا أصاب سهمُه اْسيراً من المسلمين وراء الصفوف، ولم أعثر فيما ذكرته في الجلاد على خلاف الأصحاب إلى الآن.
وقد نجز هذا المقصود من الفصل.
10415 - ومما نذكره أن المرأة إذا استوجبت القصاص، ووضعت حملها، ووجدنا مرضعات، ولكنهن امتنعن عن إرضاع المولود، فظاهر النص أن المرأة المستوجبةَ للقصاص مقتولةٌ، والإمام يجبر واحدةً من النساء على الإرضاع بالأجر؛ فإن قيل: [أجبرتم] 2 أجنبيةً على العمل لتوفية القصاص، ولو صبرتم حتى تُرضعَ الأم، لكان ذلك أوجه وأقرب؟ قلنا: هذا قول من لا يتعدّى نظره الظواهرَ؛ فإذا وضعت هذه حملها، وأرضعت اللِّبَأ إن كان له أصل، فإرضاع المولود من الممكنات، فتُقتل هذه قصاصاً، ثم نبتدىء نظرنا في الإرضاع بعد هذا، ونقول: طفل لو لم [يُرضَع] 3 لضاع، فنُجري حكمه على واجبه.
10416 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الحامل تحبس إلى أن تضع، فإنا لو أطلقناها، لم نأمن أن تهرب، فحبسها للمحافظة على القصاص، حتى تضع.
وإذا زنت حاملاً، واستوجبت الرجمَ، فظاهر المذهب أنها لا تحبس، والأصل فيه حديث الغامدية؛ فإنها لما اعترفت بالزنا حاملاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حتى تضعي"، ثم لما وضعت "حتى تفطمي"، ولم يحبسها في هذه المدد، وحق الله على المسامحة، ولذلك يقبل فيه الرجوع عن الإقرار، وذهب

ذاهبون إلى أن من استوجب حد الله وهرب، لم يُتّبع مع إمكان اتباعه، كما سنذكره في كتاب الحدود، إن شاء الله عز وجل.
ومن أصحابنا من قال: تحبس الحامل لأجل الحد، كما تحبس للقصاص، وإطلاق هذا بعيد، والأقرب إن قيل بذلك أن الحد إن ثبت بالإقرار، فلا معنى [للحبس مع العلم بأنه] 1 مهما 2 رجع سقط الحد في ظاهر الحكم.
فإن ثبت بالبينة، فالحبس قد يتجه، والأصح ما قدمناه.
10417 - ومن تمام القول في ذلك أن الرجل إذا قتل رجلاً قَتْل قصاص، وكان أولياء القتيل أغنياء، فرأى السلطان حبس القاتل، ومراجعةَ الأولياء، فله ذلك [فإنه يحبس من يسيء أدبه مؤدباً،] 3 ويحبس من يخاف غائلتَه على المسلمين، فكيف يُطلِق من يقتل [قاتلَ] 4 غيره 5، وليس هذا كالحبس في دَيْنِ غائبٍ دون استدعائه؛ فإن ذلك لا يتعلق بالسياسة، بخلاف ما ذكرناه.
10418 - [ومن] 6 مقاصد الفصل أن الحامل كما لا تقتل حداً وقصاصاًً لا تقطع يدها، ولا يقام عليها حد بالجلد، فإن ذلك كله يُفضي إلى الإجهاض في الغالب.
وتمام الغرض أن المرأة إذا استوجبت القصاص، ثم ادعت أنها حامل أننكف عنها

بدعواها؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنا لا ننكف عنها ما لم تَقُم بينةٌ على ظهور مخايل الحمل بها، وهذا اختيار الإصطخري.
والوجه الثاني - أن ننكف عنها؛ لأنها أعرف بذلك من نفسها، وقد تستشعر الحمل من ذاتها، وتظهر العلامات بعد مدة، وإذا كان كذلك، فالهجوم على ما يُفضي إلى الجناية على الجنين لا وجه له، ولعل الإصطخري يقول: لا حكم للنطفة -وهي تستشعرها [مدّة] 1 - وإنما [الحمل] 2 هو الذي لا نهجم عليه، والعلم عند الله.
ثم إذا رجعنا إلى قولها، فلست أدري أن هؤلاء يصبرون إلى انقضاء أقصى مدة الحمل، أم يقولون: نحبسها إلى مدةٍ تظهر في مثلها العلامة لو كان حمل؟ وهذا هو الأشبه؛ فإن تأخير القصاص أربعَ سنين من غير ثبت -بل على خلاف الظاهر- بعيد.
ومن لا يشترط ظهور علامة الحمل لست أدري ما مذهبه فيه إذا استوجبت المرأة القصاص، ثم وطئت والوطء [عِلّة] 3 الإعلاق؟ ولو اعترف السيد بالوطء، ترتب عليه طرق 4 نسب المولود الذي تأتي به.
فهذا مسالك المنقول.
ما قدمته.
فصل "ولو قتل نفراً، قُتل بالأول ... إلى آخره" 5. 10419 - الواحد إذا قتل جماعة، وكان بحيث يستوجب القصاص بقتل كل واحد منهم، فمذهب الشافعي أنه يقتل بواحدٍ، وللأولياء الباقين الدياتُ في تركته.
ثم لا يخلو إن كان قَتَلَهم ترتيباً، قُتل بالأول، فإن عفا ولي الأول، قتل بالثاني، وإن عفا ولي الثاني، قتل بالثالث، وهكذا إلى تمام العدد.
ولو لم يعف ولي القتيل

الأول، ولم يقتص، وأخر الأمر، فلا معترض عليه، وليس لولي القتيل الثاني أن يبادره [فيقتله] 1. هذا إذا قتل جماعةً ترتيباً.
وأما إذا قتلهم جمعاً بسبب يجمعهم، فلا نقتله بهم، بل نقتله بواحد، والسبيل إذا تنازعوا أن نُقرع بينهم، فمن خرجت قرعته، قُدِّم، وهذا التقديم استحقاقٌ، ويحرم على من لم تخرج له القرعة مبادرتُه بالقتل، كما يحرم بسبب الترتيب على ولي الثاني أن يقتل ما لم يعف ولي القتيل الأول.
ولو قتل جماعةً معاً، فرضي أولياء القتلى بتقديم واحد، جاز؛ فإن الحق لا يعدوهم، ولو قدموه، ثم بدا لهم، رُدّوا إلى القرعة، ثم القرعة متبعة، كما تقدم.
ولو رضوا بأن يُقتل القاتل بهم، ويرجعوا إلى ما تبقّى لكل واحد من الدية عند فضّ القصاص عليهم، [واستنابوا نائباً] 2، فلا يجابون إلى ذلك، لم يختلف المذهب فيه 3. 10420 - وإن جرى القتل ترتيباً، وقد تمهد أن ولي القتيل الأول يتقدم، فلو ابتدر ولي الثاني وقتله، فهل يغرم لولي القتيل الأول ديةَ قتيله؟ فوجهان ذكرهما القاضي: أحدهما - يغرم، ثم هو يتبع [تركة] 4 الجاني بدية قتيل نفسه.
والثاني - لا يغرم، ويقع قتلُه عن القصاص في حقه، والأول يتبع الجاني بدية قتيله.
وهذا هو المذهب، والوجه الأول مزيفٌ، لا أصل له، ثم فيه تضمين القصاص؛

فإن وليّ الثاني فوّت بقتله حقَّ القصاص الثابت لولي القتيل الأول، فأحلنا عليه دية قتيله؛ [تقويماً] 1 للقصاص عليه.
ويلزم من مساق هذا أن يقال: إذا قتل الأجنبيُّ شخصاً لزمه القصاص في نفسه، يغرَم بما جرى منه ديةَ قتيلِ مستحِق القصاص.
وسر المذهب في هذا، وفي كل ما يتصل به يبين في فصلٍ بين أيدينا، وهو إذا قتل أحد الأولياء [لقتيلٍ] 2 واحد الجانيَ، فكيف سبيله؟ والمذهب الذي عليه التعويل في هذا الفصل أن من بادر وقتل الجاني من أولياء القتلى، وقع القصاص عن حقه وللباقين الديات في تركة القتيل، [فكل] 3 واحد من الأولياء مستحِقٌّ للقصاص التام، ولكن المحل لا يفي بعددٍ من القِصاص، فإن قدمنا بعض الأولياء، فذاك بحق تقديمٍ وأصل استحقاقٍ قائم في حق كافة الأولياء.
10421 - ولو ازدحم الأولياء وتمالؤوا على الجاني وقتلوه، ففي وقوع القتل وجهان: أحدهما - أنه [يقع عن الأولياء] 4 مفضوضاً عليهم، ولكل واحد الرجوع إلى حصته من الدية على ما يقتضيه التقسيط والتوزيع، [ووجهُ] 5 هذا الوجه أن القتل وقع عن جميعهم، ويستحيل أن ينسب مستحِق القصاص إلى القتل، ثم لا يقع غيرُ ما انتسب إليه؛ فإن كل واحد لو قدر منفرداً بالقتل، لكان ما صدر منه واقعاً عن حقه على المذهب الذي عليه التفريع، ولا عوْد إلى غيره، فإذا انتسبوا إلى القتل، وجب صرف القتل إلى الجمهور 6.

والوجه الثاني - أن القتل يصرف بالقرعة إلى واحد منهم؛ إذ لا سبيل إلى توزع القتل؛ فإنه مما لا ينقسم، وهذا مشهور في الحكاية، ولكن لا اتجاه له.
فهذا ما حكاه أئمة المذهب.
وحكى شيخي عن الحليمي وجهاً ثالثاً، وهو أن القتل يقع عن جميعهم، ثم يُكتفى بالقتل، فلا يرجع واحد منهم إلى الدية، واعتل بأن قال: لو قتل جماعة معتدين [واحداً] 1، لجعلنا كلَّ واحد منهم كالمنفرد بالقتل [في] 2 استيجاب القصاص، فنجعلهم في الاستيفاء كذلك.
وهذا لا أعتد به من المذهب، فإن قتل الجماعة بالواحد ليس هو على قياس المقابلة، وإنما سببه أمرٌ جَليّ [لا تعتريه] 3 الأقيسة الجزئية، ولو قتل جماعةٌ [جماعةً] 4، فاجتمع الجمع على كل واحد من المقتولين؛ فإن ترتب الأمر، قتلوا بالأول، كما يقتل الشخص الواحد، وإن جرى ذلك منهم على صورة الاجتماع من غير ترتيب، أقرع بين أولياء القتلى، فمن خرجت قرعته قتل الكلّ بقتيله؛ فإن الكل في حق كل قتيل كقاتلٍ واحد.
10422 - ولو قتل جماعةً عبدٌ، فالمذهب أنه يقتل بواحد منهم على الترتيب المقدم، وديات الباقين في ذمته، وهو كالحر المعسر.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن العبد يقتل بالجميع؛ إذ لا مرجع إلى شيء بعد رقبته، وزعم هؤلاء أن هذا يخرّج على خلافٍ سيأتي ذكره في أن العبد هل له ذمة في الجنايات.
10423 - وإذا قتل المحاربُ جماعةً في المحاربة، فلا شك أن قتله محتوم، ثم

فيه قولان: أحدهما - أنه يقتل بجميعهم، والثاني - أنه يقتل بالواحد قصاصاً، وللباقين الديات، وهذا يخرج على قولين استنبطهما ابن سريج في أن من قتل في الحرابة هل يتعلق حق الآدمي بقتله أم قتله متمحّض لله تعالى كالحدود؟ فإن جعلناه حدّاً محضاً، [فلا] 1 معنى لصرف قتله إلى واحد، ولا حقيقة لصرفه إلى الجميع إلا على مذهب إضافة الحد إلى الزنا، وإن لم يكن [الحدّ] 2 عوضاً عن الزنا، وإن أثبتنا للآدمي حقاً في القتل، قلنا: [يقتل] 3 المحارب بواحد وللباقين الدياتُ في تركته.
فهذا منتهى القول في ذلك.
فصل قال: "ولو قطع يدَ رجلٍ وقتلَ آخر ... إلى آخره" 4. 10424 - نذكر في مقدمة مقصود الفصل تفصيلَ القول في سراية القصاص، فنقول: من قطع طرفاً قَطْع قصاصٍ، واستوجب القصاصَ في طرفه، فإذا اقتصصنا من الجاني، فسرى القصاصُ إلى نفسه وهلك [منه] 5، واندمل الجرح الواقع بالمجنيّ عليه أولاً، فسراية القصاص مهدرة لا يقابلها ضمان، خلافاً لأبي حنيفة 6. ولو قطع يد إنسان، فمات المجنيّ عليه، فقطعنا يد الجاني قصاصاًً، فمات هو أيضاًً، فالنفس بالنفس، وكأن القطع الأول لم يكن جناية على الطرف، وإنما صار طريقاً في القتل، كذلك لما قطعنا يدَ الجاني، ثم أفضى إلى قتله بعد هلاك المجني عليه، فقد صار قطع اليد طريقاً في الاقتصاص، كما كان قطع يد المجني عليه طريقاً في القتل، على سبيل العدوان، وهذا بيّن فيه إذا جنى بالقطع، فمات المجني عليه،

فابتدأنا بعد موت المجني عليه قطع يد الجاني، فأدى إلى هلاكه.
ولو قطع الجاني اليد، فقطعنا يده قصاصاًً، ثم مات المجني عليه، ومات بعده المقتص منه، فالنفس بالنفس أيضاً، وإن وقع القصاص قبل زهوق روح المجنيّ عليه، والمرعيّ فيما نرتبه أن يستأخر موت الجاني المقتص منه عن موت المجني عليه، حتى يكون القصاص المحكوم به بعد موت المجني عليه.
ولو قطع اليدَ، فقطعنا يده، فمات المقتص منه أولاً، ثم مات المجني عليه آخراً ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن نفس المقتص منه بنفس المجني عليه، كالصورتين المذكورتين قبل هذه.
والوجه الثاني - أن النفس لا تقع بالنفس؛ [فإن] 1 زهوق روح الجاني تقدم على هلاك المجني عليه، والقصاص يستحيل وقوعه قبل وجوبه.
ومن قال بالوجه الآخر، انفصل عن هذا، فقال: لا ننظر إلى ترتيب المرتِّبين؛ فإن الموت خارج عن الاختيار، وهو من فعل الله تعالى، فلا نظر إلى التقدم والتأخر فيه، والذي يتعلق بالاختيار هو القطع، وقد جرى مرتباً، إذ سبق القطع ظلماً، وترتب عليه الاقتصاص.
ويمكن بناء هذا الخلاف على أنا هل نجعل الجرح قتلاً إذا أدى إلى القتل؟ وهذا قد سبق ذكره في أول الجراح في صورٍ: منها أن العبد إذا جرح عبداً، ثم عَتَق العبدُ الجارح قبل زهوق روح المجروح المظلوم، فهل نجعل العتق بعد الجرح قبل الموت كالعتق بعد [القتل] 2 المجهز؟ فعلى وجهين.
وكذلك القول فيه إذا جرح كافر كافراً ثم أسلم الجارح، ومات المجروح.
10425 - فإن قيل: قد تمهد من أصلكم أن سراية القصاص غيرُ مضمونة، وأن قَطْع يد المظلوم لو اندمل، وسرى قطعُ يد الجاني قصاصاً، فالسراية مهدرة، فلم أوقعتموها قصاصاًً في بعض الصور التي قدمتموها؟ قلنا: وقوع السراية [هدراً] 3 ليس أمراً مستحَقاً؛ فإن جرى لنا على القياس صرفُ

تلك السراية إلى قصاصٍ، لم نمتنع من صرفها إليه، وإن عَدِمنا صرفَها إلى القصاص، فلا سبيل إلى تبقيتها مضمونة؛ فإنها في الأغلب تقع ويستحيل التسليط على ما يقتضيها غالباًً بشرط الضمان فيها؛ فإن هذا لو [قيل] 1 به، [لأدّى إلى عسر الاقتصاص، وتخويفِ المقتص] 2 وتعريضه للخطر الذي يغلب وقوعه.
10426 - فإذا ثبت ما مهدناه في السراية قلنا: إذا قطع رجلٌ يد رجل ظلماً، وسرى إلى نفسه، فقطعنا يد الجاني قصاصاً، فإن سرى القطعُ، فالنفس بالنفس كما قدمناه، وإن لم يسر، بل اندمل، فلوليّ المظلوم أن يضرب رقبة الظالم، فإن فعل، فذاك، وإن عفا على مال، لم يثبت له إلا نصف الدية؛ فإن اليد التي استوفاها قصاصاًً تقابل نصفَ الدية.
وقد يعرض لما نحن فيه أمران: أحدهما لا اندراج فيه - وهو ما يتعلق بالقصاص.
والثاني مبناه على الاندراج - وهو ما يتعلق بالدية على ما سيأتي شرح ذلك من بعدُ، فإذا أراد القصاص، فالطرف والنفس 3، وإذا أراد المال، فلا يجب في الطرف والنفس، وقد صار الجراح نفساً [فلا يجب] 4 في المظلوم إلا ديةٌ واحدة، واليد التي استوفاها تقابل نصف الدية، ولا سبيل إلى إهدار ما قبض عوضاً، فيقتضي مجموع ذلك نصفَ الدية عند العفو عن القصاص في النفس.
ولو قطع الظالم أولاً اليدين، وسرى قطعهما إلى النفس، فقطع الولي اليدين من الظالم قصاصاًً فاندمل قطعهما، فإن أراد الولي القصاص، ضَرَب رقبةَ الظالم، وإن أراد الرجوع إلى مال، فلا مال له؛ [لأنه] 5 استوفى ما يقابل الدية الكاملة، وهو

القصاص في اليدين، فهذا قصاصٌ ثبت في النفس، ولو أسقطه مستحقه، لم يرجع إلى مال، ويشبه ما رتبناه من مخالفة أمر المال للقصاص وابتنائه على التداخل بخلاف القصاص.
وقد ذكر صاحب التقريب أن من أصحابنا من جوز لمستحقي القصاص في النفس الرجوع إلى مال، فهذا وهذا قد قدمناه في تفريع القول في أن موجب العمد [ماذا؟] 1. 10427 - وحقيقة هذا ترجع إلى أن القصاص لا يحسب من المال إذا آل الأمر إليه.
وهذا أثر قولنا: لا يندرج القصاص، فإن جرينا على هذه الطريقة البعيدة، فالنفس في هذا المقام تقابل بالدية الكاملة.
10428 - وإن جرينا على ظاهر المذهب، فلو أراد من له القصاص أن يصالح عن حقه من القصاص على مالٍ، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين من المصالحة عن حد القذف، فإن جوزنا المصالحة عن الحد على مال، فالقصاص بذلك أولى، وإن لم نجوّز ذاك، ففي القصاص وجهان، والفرق أن الأعراض ليست متقوّمة شرعاً، بل لم تتلف بالقذف بدليل تصور قذف بعد القذف، ولا قتل بعد القتل.
فإن جوزنا لمستحق الدم أن يصالح من عليه القصاص، فهل يجوز لأجنبي أن يصالح مستحقَّ القصاص بمالٍ يبذله، فعلى وجهين: أصحهما - المنع، ومجوزها يلتفت على [مخالعة] 2 الأجنبي الزوجَ في طلب تخليص المرأة، ولعل المصالحة عن الدم أقربُ إلى المصلحة؛ [فإن] 3 إسقاط القصاص على كل حال محبوب محثوث عليه، وجواز خلع الأجنبي لا يختص بضرار يلحق الزوجة من زوجها.
10429 - ومما يتعلق بمنتهى الكلام أنا إذا قلنا: موجب العمد القود أو الدية، فلو

جرت مصالحة عن تراضٍ على مائتين من الإبل، فهي باطلة؛ فإن المال [متأصل] 1 على هذا القول، فترجع حقيقة المصالحة إلى المصالحة عن مائة على ما نبين.
وهذا لا امتناع له.
وإن قلنا: موجب العمد القود المحض [فلو جرت] 2 المصالحة عن تراضٍ على مائتين [من] 3 الإبل، ففي صحة المصالحة وجهان: أحدهما - الصحة؛ فإن المصالحة وردت على الدم، ووقع المال بدلاً عنه، فلا يبعد أن يزيد المالُ المبذول على أصل الدية.
والثاني - يمتنع ذلك؛ فإن المال على حالٍ يتطرق إلى الجناية وإن كانت عمداً.
وهذا الخلاف متردد بين أصول: منها أن ما ذكرناه من أن القصاص المحض الذي لا يرجع مستحقه إلى مال باختيار نفسه هل يجوز المصالحة عنه.
والثاني - أن العفو المطلق هل يوجب المال، على قولنا إن موجب العمد القودُ المحض؟ 10430 - ومما نجريه في تمام الفصل أن رجلاً لو قطع يدي رجل ظلماً وقتل آخر، [فإنا] 4 نقدم القصاص في الطرف على القصاص في النفس، [ولا] 5 نقدم القتلَ الموجب للقصاص في [النفس] 6؛ وذلك أنا لو قدمنا القصاص في النفس، أسقطنا القصاص في الطرف، فلا ينبغي أن نسعى لأجل تقديم وتأخير في إسقاط قصاصٍ مقصود في الشرع، فنقطع اليدين منه، ثم نقتله على أثر قطعهما بمن قتله.
وغرضنا بما ذكرناه الآن تركُ قياس التقديم والتأخير فيما قصصنا عليه.
10431 - ولو قطع أصبعاً من إنسان وقطع يداً كاملة من آخر، فنقدم القصاص في الأصبع لتقدّمه، وإن قطع اليد الكاملة أولاً، ثم قطع أصبعاً، فنقطع يده باليد

الكاملة، ولا نقطع [منها] 1 الأصبع، [لمكان] 2 الأصبع [ويُرعَى] 3 في ذلك التقديم والتأخير وليس كمسألة الروح والطرف؛ فإن النفس لا تنتقص بقطع طرف منها، والمستحق في اليد [اليدُ] 4 كاملةَ الأصابع والكف، وهذا بيّن.
10432 - ثم قال الشافعي رضي الله عنه: "لو قتله عمداً ومعه صبي أو معتوه ... إلى آخره" 5 فتعرّض لأحكام الشركة، وقد قدمنا ذلك عند ذكرنا معالجةَ المجروح نفسه بخياطة جرحه، وتنزيلنا إياه شريكاً في دم نفسه، فثمَّ نظمنا تقاسيم القول في الشركة، فلا نعيده.
فصل قال: "ولو قتل أحدُ الوليين القاتل بغير أمر صاحبه، ففيها قولان ... إلى آخره" 6. 10433 - إذا خلَّف القتيل ظلماً وليّين والقصاصُ واجب على من ظلمه بالقتل، فليس لأحد الوليين الانفرادُ بقتله دون رضا صاحبه؛ فإن القصاص واحد في هذا المقام، وهو من جهة التقرير مفضوض على الورثة، ولو كان مُشَقَّصاً 8، لقيل: [لكل] (8) واحد من الورثة حصته، فالأمر كذلك، وإن عسر تقدير التبعيض في الاستيفاء.7

ولو عفا أحد الأولياء عن القصاص، سقط حقه وترتب عليه سقوط حقوق الباقين؛ فإن القصاص واحد، فإذا سقط بعضه، استحال استيفاء باقيه [مع] 1 الاقتصار على القدر المستحق، والسقوط أغلبُ في العقوبات إذا اجتمع فيها المسقط ونقيضه.
وذهب طائفة من علماء المدينة إلى أن القصاص من حقوق الورثة ينزل منزلة حد القذف، فلو ابتدره واحد منهم دون مراجعة أصحابه، جاز، ووقع الموقع، ولو عفا جميع الورثة إلا واحداً منهم، فله الانفراد باستيفاء القصاص، اعتباراً بحد القذف في مثل هذه الصورة.
وإنما ذكرنا مذهب هؤلاء لمسيس الحاجة إليه في ترتيب مذهبنا.
فلو قتل أحد الوليين قاتلَ أبيه منفرداً، ولم يراجع أخاه، لم يخل: إما أن يفعل ذلك قبل عفو أخيه عن القصاص، وإما أن يفعله بعد عفوه عن القصاص، فلو ابتدر واقتصّ قبل العفو، فقد نص الشافعي على قولين في أن القصاص يجب عليه؛ فإن استيفاء حق نفسه من القصاص غيرُ ممكن، ولا سلطان له في استيفاء حق أخيه، فلا يمكن [أن] 2 يقع قتله عن جهة الاستيفاء، لا في حقه، ولا في حق أخيه، وإذا لم يقع عن جهة القصاص، فإن قتله إياه بمثابة قتل أجنبي، ولو قتل أجنبي رجلاً استوجب القصاصَ، وجب القصاصُ عليه بقتله؛ فليكن الولي كذلك.
القول الثاني - وهو الأصح أنه لا يجب القصاص على الولي [المبادر] 3 القاتل، لمعنيين: أحدهما - أن القتل قصاصاًً مشترك بينه وبين أخيه، ولو كان الكل مستحَقاً لهذا المستوفي، لكان مستوفياً حقّ نفسه، فإذا ثبتت الشركة، فلا أقل من أن تنهض الشركةُ شبهةً في إسقاط القصاص عنه.
هذا أحد المعنيين، وهو أظهرهما.
والمعنى الثاني - التعلق بمذهب فقهاء المدينة [وهو] 4 أنهم جوزوا لكل واحد من

الورثة أن ينفرد بالقتل، فينبغي أن ينتهض بمذهبهم شبهة في درء القصاص عن هذا المبتدر.
التفريع على القولين: 10434 - إن حكمنا بأن القصاص يجب على الولي المبتدر، فلا يخلو ولي القاتل المقتول من أن يقتص منه أو يعفو، فإن اقتص من هذا الولي، فدية المقتول الأول ظلماً تتعلق بتركة القتيل القاتل: نصفها للولي [الثاني] 1 ونصفها لورثة الولي المبتدر.
فإن عفا ولي القتيل القاتل عن الولي المبتدر على مال، تعلقت دية القتيل المظلوم بتركة القتيل القاتل: النصف منها للولي الذي لم يقتل، والنصف للولي الذي قتل، وعلى الولي [المبتدر] 2 لورثة القتيل القاتل تمام الدية: النصف منها يرتفع بالنصف قصاصاًً والنصف الآخر على الولي المبتدر.
وقد تختلف الأقدار باختلاف أقدار الدية في القتل في القتيل القاتل والقتيل ظلماً، بأن يكون المظلوم رجلاً والمرأة قاتلة وهي القتيلة القاتلة، وقد يكون الأمر على الضد، فلينظر الناظر، وليجر على ما يقتضيه الحال.
هذا تفريعٌ على أن القصاص يجب على الولي المبتدر، وكل ما ذكرناه يأتي من تنزيل قتله منزلةَ قتل الأجنبي، والحكم بأنه ليس استيفاءً، لا لحق المبتدر ولا لحق أخيه.
10435 - فأما إذا فرعنا على القول الآخر، وهو أن القصاص لا يجب على الولي المبتدر، فكيف الكلام في الدية؟ وعلى من يرجع الأخ الذي لم يأمر بالقتل؟ فسبيل افتتاح الكلام في هذا أن بعض القتل يقع عن حق المبتدر على هذا القول الذي نفرع عليه، فهو إذاً مستوفٍ حقَّ نفسه بطريق الاقتصاص.
والنظرُ في حق أخيه، وفيه قولان: أحدهما - أن حقه يتعلق بتركة القتيل القاتل،

فلا رجوع له على أخيه، والقول الثاني - أن حقه يتعلق بأخيه المبتدر.
قال الأصحاب: القولان مبنيان على [المعنيين] 1 اللذين ذكرناهما في توجيه إسقاط القصاص عن المبتدر، فإن قلنا: المعنى شبهه [بالشركة] 2، فمقدار حقه واقع له، وهو في الزائد [معتدٍ] 3 غيرُ مستوفٍ؛ فإن مستحق الحق لم يستنبه، والشرع لم ينصبه [وليّاً] 4 عليه، [فوقع] 5 قتله في حق صاحبه إتلافاً، فعلى هذا يرجع أخوه على تركة القتيل القاتل؛ فإنه بقتله في حق أخيه ينزل منزلة الأجنبي إذا قتله.
وإن عللنا مذهب أهل المدينة، فكأنا نقول: القتل وقع استيفاء بكماله، ولكن المبتدر لما استبد بنفسه، كان مفسداً على أخيه حقه، فيضمنه له.
هكذا كان يرتبه شيخي.
ولست أرضى هذا المسلك، ولكن الوجه أن نقول: هذا المبتدر استوفى حق نفسه، والقتلُ لا يتبعض، فينشأ القولان من هذا من غير بناء على المعنيين، فالقول المنقاس حملُ القتل على [التبعيض] 6 وصَرْفِ بعضه إلى جهة الظلم، فيكون المبتدر كالأجنبي فيه، وموجب هذا تضمين المبتدر لورثة القتيل القاتل، وإيجاب حق الأخ الآخر في تركة القتيل القاتل؛ قياساً على ما إذا كان القاتل أجنبياً.
ووجه القول الثاني: أن القصاص لا يمكن تبعيضه، فيُجْعل المبتدر [مستوفياً] 7 لحق أخيه، وليس [كالأجنبي] 8، فإن أصل قتله ظلم، وليس القصاص مما يغرم

غرامة المتقوّمات، فاتجه على بُعدٍ تضمين المبتدر؛ من جهة أنه يبعد تبعّض القتل قصاصاًً وظلماً، فيبعد الحكم بوقوع القصاص [لمن لم يأذن فيه] 1 فاضطررنا في هذا المقام إلى تضمين المبتدر لأنه في حكم من قبض [حق] 2 غيره، ولم يوفِّه عليه، فهذا هو الوجه عندنا في توجيه القولين.
التفريع عليهما: 10436 - إن قلنا: رجوع الولي الذي لم يأذن على تركة القتيل القاتل، فيرجع بنصف دية أبيه، ثم هم يرجعون بنصف دية القتيل القاتل على الابن المبتدر؛ فإنه في هذا النصف ظالمٌ بالقتل غيرُ مستوفٍ، ثم قد تختلف أقدار الديتين كما نبهنا عليه.
فإن قلنا: رجوع الابن الذي لم يأذن على أخيه المبتدر، فلا طلبة على تركة القتيل القاتل، ويطالِب من لم يأذن أخاه المبتدر بنصف دية أبيه المقتول ظلماً أولاً، ثم إذا غرم هذا المبتدر لأخيه، فلا يرجع بما ضمنه على تركة القتيل القاتل، فإنا نزلنا [قتله] 3 استيفاءً، فكيف نجمع بين القتل المحكوم بكونه استيفاء، وبين الرجوع في المال؟ وقد جرى في أثناء الكلام قَطْعُ الأصحاب أولاً بأن الأجنبي إذا قتل مَنْ عليه القصاص، فليس القصاص مما يُضمن بالتفويت، فإن قيل: ألستم ذكرتم وجهين فيمن قتل جماعةً ترتيباً، وجعلنا حق استيفاء القصاص لولي الأول فابتدره ولي الثاني وقتله - في أن هذا الولي هل يغرم لولي الأول ديةَ قتيله؟ قلنا: ذاك بعدُ لا اتجاه له، وإنما أشار إليه بعض أصحاب القاضي، ولا ينبغي أن [تشوش] 4 قواعدُ المذهب بمثل ذاك الوجه.
ثم هو على بعده منفصل عن الأجنبي؛ من جهة أن قتله وقع مستحَقاً له، فكان تفويته من جهة الاستيفاء، لا من جهة الإتلاف المحض.
فهذا ما أردناه في ذلك.
وكل هذا في ابتدار أحد الوليين قبل عفو الثاني.

10437 - فأما إذا عفا أحد الوليين، فابتدر الثاني، وقتل، فلا يخلو: إما أن يكون ذلك [بدون العلم] 1 بالعفو، وإما أن يكون عالماً به، فإن كان مع العلم بالعفو، ففي وجوب القصاص على هذا المبتدر قولان مرتبان على القولين فيه إذا ابتدر أحدهما وقتل قبل عفو الثاني، ثم القولان بعد الترتيب مبنيان على المعنيين المذكورين في توجيه أحد القولين.
فإن قلنا: المسقط للقصاص عن المبتدر الشركة، فهي زائلة بالعفو، وإن قلنا: المسقط خلاف العلماء، فهو قائم؛ فإن الذين صاروا إلى جواز انفراد أحد الوليين باستيفاء القصاص [نحَوْا به نحو حدّ القذف] 2 وزعموا أنه لا يسقط حق من لم يعف بعَفْو من عفا.
وكان شيخي يقول: الخلاف في نفس الشيء لا يوجب درءَ العقوبة سواء كانت لله أو للآدمي، فإنا لو جعلنا الخلاف في ثبوت العقوبة وانتفائها شبهةً دارئة للعقوبة، لما تصور الخلاف [في] 3 العقوبة، ولاقتضى إيجاب العقوبة مدركاً مستيقناً حتى لا تفرض عقوبة في مجال الظن.
فأما إذا كان الخلاف في إباحة السبب، فالمذهب الأصح أنه إذا كان 4 مساغٌ ولم يصادم أمراً مقطوعاً به، فإنه يدرأ العقوبة الثابتة لله، وهذا كخلاف ابن عباس في إحلال المتعة، وإن كانت العقوبة للآدمي كالقصاص في الصورة التي نحن فيها، فالخلاف هل يدرأ العقوبة؟ فعلى قولين؛ فإن حقوق الآميين أبعد عن السقوط من حقوق الله تعالى، ولا [يعدم] 5 الفقيه تقدير هذا.
ومما [نؤثر للفقيه] 6 التنبه له أن إسقاط القصاص مع العلم بالعفو في الصورة التي نحن فيها أقرب مأخذاً من إيجاب القصاص على المبتدر إذا لم يكن عفوٌ.

هذا إذا كان القاتل عالماً بعفو أخيه.
10438 - فأما إذا ابتدر ولم يعلم بعفوه، فهذا يترتب على ما إذا علم بالعفو، فإن لم يلزمه القصاص مع العلم، فلأن لا يلزمه إذا كان جاهلاً أولى، وإن ألزمناه القصاص في حالة كونه عالماً، ففي حالة الجهل قولان مبنيان على أصلٍ سيأتي تمهيده، وله صور: منها أن من رأى مرتداً [وتعدى] 1، ثم رآه بعد زمان، فحسبه مصراً على ردته وقتله، ثم تبين أنه كان أسلم، ففي وجوب القصاص على قاتله قولان، ووجه [التشبيه] 2 أن المقتول معصومٌ، والقاتل غير عالم بعصمته، وليس هو معذوراً في الإقدام على قتله، وادعاء القاتل هذا الأمر على إباحة قتله ظاهر، فانتظم القولان [وفي هذا الأصل معاصات سننبه عليها] 3، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: "ولو قطع يده من مفصل الكوع، فلم يبرأ القطع حتى جاء آخر وقطع ذلك الساعد من المرفق، ثم مات المجني عليه ... إلى آخره" 4. 10439 - فمذهب الشافعي أن القصاص في النفس يجب على القاطعين جميعاً، وأوجب أبو حنيفة 5 القصاص على الثاني، واعتقد أن سراية القطع الأول انقطعت بزوال محل القطع.
فإذا ثبت من أصلنا وجوب القصاص عليهما، فالولي يقطع يدَ الأول من مفصل الكوع، ويُنظر في الثاني، فإن صادف له ساعداً بلا كف، قطع يده من المرفق، فإن

صادف يد الجاني مع الكف، فهل يقطع يده من المرفق؟ اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: له ذلك، وهو الأظهر؛ فإن نفس هذا الجاني مستحَق، وقطع يده من المرفق طريقٌ في قتله، وليس في القطع من المرفق مزيد مَثُلة، وإن كان عليها كف، فلا جُنّة بالكف، فإنها هالكة بالقتل المستحق.
ومن أصحابنا من قال: لا نقطع يد الجاني وعليها الكف من المرفق.
وليس لهذا الوجه اتجاه عندي إلا من جهة أنا نقدّر العفو عن النفس من المستحِق، ولو فرض ذلك، لكان القطع من المرفق مع الكف زيادةً غيرَ مستحَقه.
وحمل بعض أصحابنا هذين الوجهين على وجهين سيأتي ذكرهما في أصلٍ قريب مما نحن فيه، وهو أن من أجاف غيره وقتله، فالجائفة لو اندملت، فلا قصاص فيها، وإذا حصل القتل بها، فهل يجوز الاقتصاص بالإجافة عن النفس؟ فعلى وجهين، ووجه [الشبه] 1 أن الجائفة لو لم يحصل القتل بها لا قصاص فيها، ولا يُقطع مرفق وعلى الساعد كف بساعدٍ قُطع من المرفق ولا كف عليه، فإذا حصل القتل بهما، وصارت الروح مستحقة، فالأمر على الخلاف، وهذا التشبيه ليس [بمرضيٍّ] 2 عندي؛ فإن سبب الخلاف في الجائفة أنها غيرُ منضبطة، فلا نأمن أن يتعدى إلى الحد مَثُلة؛ هذا هو الذي أثار الخلاف ثَمَّ، وهذا المعنى مفقود في قطع المرفق، فالطريق في التوجيه ما نبهنا عليه في [توقع] 3 العفو.
فصل قال: "وإذا تشاحّ الولاة ... إلى آخره" 4. 10440 - إذا ثبت القصاص بين جماعة ورفعوا أمرهم إلى السلطان، فرآهم السلطان أهلاً لاستيفاء القصاص، فإن فوضوا الأمر إلى واحد منهم حتى تعاطى

الاقتصاص، جاز، وإن تشاحّوا، فالوجه أن يُقرع بينهم، فإذا خرجت القرعة لواحد، فهل يجوز له أن يبتدر الاقتصاص دون رضا أصحابه؟ فعلى وجهين ذكرهما مشايخنا: أحدهما - أنه لا ينفرد ما لم يرضَ أصحابُه 1، فإن الانفراد بالاقتصاص غير سائغ عندنا.
والوجه الثاني - أنه يجوز له أن يبتدر، فيقتصَّ؛ إذ لو لم نقل ذلك، لما كان للقرعة معنى وفائدة، ولرجع الأمر إلى امتناع الاقتصاص حتى يعينوا واحداً، ولو عينوا واحداً، فلا حاجة إلى القرعة.
وهذا يحتاج إلى فضل نظر: فإن خرجت القرعة، فصرح الذين لم تخرج [القرعة] 2 لهم بالمنع من الاقتصاص، [فهذا] 3 غير جائز 4، وإن ظهر منهم قصد القتل قصاصاً، وردّوا نزاعهم إلى [تخيّر] 5 من يقتل، فحكّمنا القرعة، ولم يُبْد أحد منعاً، فهل يجوز لمن خرجت قرعته الابتدار بناء على ما ظهر من حالهم من قصد القتل؟ فيه الخلاف الذي قدمناه 6. وليس اختلاف الولاة في القصاص بمثابة اختلافهم في التزويج؛ فإن الولاة في [حقه] 7 إذا اختلفوا فيمن يزوج المرأة واقترعوا، فمن خرجت قرعته لا يحتاج إلى مراجعة أصحابه إذا رضيت المرأة ذلك، والأصل على الجملة بعيد [عن] 8

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل