نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ولو ضم امرأته إلى نفسه، وبينهما حائل، [فأنزل] 1، ففي المسألة وجهان ذكرهما شيخي.
وهذه [الصور] 2 عندي تدار على القاعدة التي مهدتها في وصول الواصل إلى الجوف مع التسبب إليه، فالاستمناء يُخرج مادة الزرع لا محالة، فكان كاعتماد الأكل والشرب، والنظر والفكر كالأسباب العامة التي لا يغلب وصول الواصل بها إلى الجوف، والضم والالتزام، مع الحائل، في مرتبة المضمضة، والتقاء البشرتين عندي قريب من المبالغة، فيتجه فيه تخريج خلاف لا محالة، وقد وجدت رمزاً إليه للشيخ أبي علي في الشرح.
ثم قال الأئمة: إن كانت القبلة تحرك الشهوة، كرهناها للصائم، وإن كانت لا تحركها تحريكاً يخاف منه الخروج عن الضبط، فلا بأس بها؛ قالت عائشة: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل إحدانا، وهو صائم، وكان أملككم لإرْبه، بأبي هو وأمي " 3 وقيل: سأل سائل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القبلة في الصوم فأباحها له، [فسأله آخر فنهاه] 4 فروجع في جوابه صلى الله عليه وسلم، فقال: كان الأول شيخاً، والثاني شاباً 5. وعن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن قبلة الصائم، فقال: " أرأيت لو تمضمضت " 6 وهذا منه قياس حسن، وفيه إشارة إلى تنزيله القبلة على المضمضة والمبالغة.

فصل [قال:] 1 " وإن أغمي على رجلٍ ... الفصل إلى آخره " 2. 2318 - إذا نوى الرجل الصوم من الليل، فأغمي عليه نهاراً، فقد اختلفت النصوص: قال هاهنا: إذا [أفاق] 3 في شيء من النهار، صح صومُه.
وإن دام الإغماء جميعَ النهار، فلا.
وقال في كتاب الظهار: إن دخل في الصوم وهو يعقل، ثم أغمي عليه أجزأه، فاشترط الإفاقة في أول النهار.
وقال في كتاب اختلاف العراقيين: إن حاضت المرأة، أو أغمي عليها، قضت، فجمع بين الإغماء والحيض، فظاهره أن حدوث الإغماء في شيء من النهار يفسد الصومَ.
والمزني جعل الإغماء كالنوم، وقال: لا يضر أن يستغرق الإغماء جميعَ النهار، بعد تقدم النية ليلاً، فجعل كثيرٌ من أصحابنا ذلك القولَ مُخرَّجاً.
وذكر بعض الأصحاب اشتراط الإفاقة في طرفي النهار.
=هذا قياساً حسناً من عمر، وهو حديث مرفوع يُروى عن عمر رضي الله عنه، وقد رواه إمام الحرمين مرفوعاً في البرهان: فقرة 717، و1544. فهل رُوي هذا الحديث موقوفاً عن عمر؟ لم نصل إليه بهذا اللفظ موقوفاً، ولكن رووا عن عمر أن زوجته عاتكة قبلته وهو صائم فلم ينهها، ابن أبي شيبة: (3/ 61)، عبد الرزاق: (4/ 187 ح 8429) فلعل إمام الحرمين أخذ الأثر عن عمر من هذا وأخذ القياس على المضمضة من الحديث المرفوع.
والحديث المرفوع مروي من حديث جابر عن عمر، رواه أحمد: (1/ 21) وأبو داود: الصيام، باب القبلة للصائم، ح 2385، وابن أبي شيبة: (3/ 61)، والدارمي: (1724)، وابن حبان: (3544)، والبيهقي: (4/ 218)، والحاكم: (1/ 431)، وصححه ووافقه الذهبي.

ثم من الأصحاب من جعل المسألةَ على خمسة أقوال: ثلاثةٌ منصوصة، وقولان مخرجان.
2319 - التوجيه: من قال: إن استغراق الإغماء يبطل، والإفاقة في لحظة من النهار لا بد منها -وهذا ما نقله المزني- فوجهه أنا لو رددنا إلى قياس النيات وآثارها، اقتضى أن يُشترطَ ذكرُها، وانبساطُها على جميع أجزاء العبادة؛ (1 فإن النية قصد، والقصد الحقيقي هو المقترن بالمقصود، ولكن استصحاب ذكر النية 1) عَسرٌ غيرُ يسير، والغفلات [لا دفْعَ لها] 2، فاكتفى الشرع رخصةً بتقديم العزم.
وإذا لاح ذلك، فلا أقل من [أن] 3 يقع المعزوم عليه بحيث يُتصور القصد إليه، حتى ينزل منزلة ما يقترن القصد به، والمغمى عليه لم يقع إمساكه مقصوداً، حتى يصرف إلى المعزوم عليه، وينزل منزلة المقصود، فإذا استغرق [الإغماء] 4، فقد عم ما ذكرناه، فإذا وجدت الإفاقةُ في لحظة -والعبادة لا تنقسم- أتبعنا زمان الإغماء زمانَ الإفاقة.
2320 - ثم ينقدح للناظر مراتب: إحداها - الجنون، وهو يسلب حكم الاختيار بالكلية، ويستأصل قاعدةَ التكليف؛ فيعظم أثره، حتى يصير طريان القليل منه مفسداً للعبادة؛ فإنه يكاد يقلب الإنسان عن خاصية الإنسان، ويلحقه بالأحكام البهيمية.
والمرتبة الثانية - الإغماء 5، وهو تغشية العقل على وجهٍ لا يبقى اختيارٌ في دفعه، ما لم يندفع بنفسه، وليس كالجنون، فاتجه أن نتُبعَ زمانَ الإغماء زمانَ الإفاقة، ونجعلَ مستغرِقه مفسداً.
والمرتبة الثالثة - النوم، وهو مزيلٌ للتمييز، ولكنه معرض للإزالة على قصدٍ فَخفَّ 6 أمرُه.1

والمرتبة الرابعة - اطراد الغفلة، وهي محطوطة بالكلية.
هذا الذي ذكرناه هو الأصل، أما الغفلة، فلا خلاف فيها.
وأما النوم، فالمذهب فيه ما قدمناه، ومن أصحابنا من جعل مستغرِقَه كمستغرِقِ الإغماء، ويعزى هذا إلى أبي الطيب بن سلمة 1. وألحق بعضُ أصحابنا طارئ الجنون بالإغماء، وهذا في نهاية البعد.
فأما نص الظهار، فموجَّهٌ بأن الإفاقة إذا ثبت شرطُها، حلّت في وضعها محل القصد الحقيقي، وهو النية، والنيات محالّها أول 2 العبادات.
ومن قال: طريان الإغماء كطريان الحيض، فوجه قوله 3 التشبيهُ، والإغماءُ كالحيض وجوداً؛ من جهة أن [واقعه] 4 لا يُدفع، ثم هو لا يدوم دوام الجنون، فكان كالحيض، ولهذا شابَهه في إسقاط 5 قضاء الصلوات دون قضاء الصوم، وإذا ثبت الشبه وجوداً وحكماً، ألحق به.
وأما وجه القول المخرج الموافق لمذهب المزني، فظاهرٌ 6، ومستنده الاكتفاء بالنية السابقة، وحصول الإمساك.
وإذا لم يكن ذكرُ النية شرطاً، فلا يظهر بعد ذلك اشتراطُ الإفاقة.
ومن اعتبر الطرفين وهو أضعف الأقوال، اعتقد ما بينهما محتوشاً بهما وحكم بمقتضاهما على ما بينهما.
فهذه طريقة الأصحاب 7.

ومنهم من رأى القطع بما نقله المزني من اشتراط الإفاقة في لحظة -وقد وجهناه- واطَّرح القولين 1 المخرجين، وحمل نصّ الظهار على الإفاقة في اللحظة الأولى على التنصيص على لحظةٍ وفاقاً، من غير اعتناء بتعيينها، وقد يعتاد أمثال ذلك في مجاري الكلام.
2321 - وأما نصه في اختلاف العراقيين، حيث جمع بين الحيض والإغماء، فقد قال بعض الأصحاب: يصرف 2 جوابه إلى الحيض.
وهذا سخف في 3 طريق التأويل؛ فإن من ذكر شيئين وعقبهما بحكمٍ، استحال أن يُعتقد ذكر أحدهما، فالوجه حمل ذكر الإغماء على المستغرِق، وهذا أمثل، وإن كان بعيداً.
وقد نجز غرض الفصل.
2321/م- ثم ذكر الشافعي بعد هذا: أن الحائض منهيّةٌ عن الصوم، ولو قصدته وأوقعت الإمساك منوياً عَصَت ربَّها، ثم تَقضي الحائض ما امتنع من الصوم بسبب حيضها، ولا تقضي الصلاةَ.
وقد ذكرنا ذلك في كتاب الحيض.
فصل قال: " وأحب تعجيل الفطر، وتأخير السحور ... إلى آخره " 4. 2322 - والمتبع في ذلك الخبر، قال صلى الله عليه وسلم: " عجلوا الفطر، وأخروا السحور " 5 وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم السحورَ غداء، فروي أنه

كان يتسحر، فقال لطائفةٍ من أصحابه: " هلموا إلى الغَدَاء المبارك " 1. وقال زيد بن ثابت: " كان بين تسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاة الصبح قدرُ خمسين آية " 2. وفي الحث على تعجيل الفطر أخبارٌ.
ولا ينبغي لمؤخر السحور ومعجِّل الفطر أن يوقع فعلَه في مظنة التشكك، ودركُ اليقين في الطرفين أهمُّ من كل شيء، وإن جرى الأمر على ظن أو اجتهاد، فقد تفصل هذا فيما مضى.
فصل قال الشافعي: " وإذا سافر الرجل ... إلى آخره " 3. 2323 - السفر الطويل يبيح الفطرَ، ولا يبيحه القصير، فالفطر من الرخص المختصة بالسفر الطويل، وقد ذكرنا السفرَ الطويلَ والقصيرَ.
ثم الفطر رخصة، والصوم صحيحٌ مجزىء، خلافاً لداود.
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام في سفره، وأفطر.
وعن أنس قال: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا الصائم، ومنا المفطر، ومنا القاصر، ومنا المتم، ولم يعب بعضنا على بعض " 4 وعن عائشة أنها لما انقلبت عن سفرة حجة الوداع، قال لها

رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا صنعت؟ فقالت: " صمت ما أفطرت، وأتممت ما قَصَرت ". فقال: " أحسنت " 1. وقوله صلى الله عليه وسلم: " الصوم في السفر كالفطر في الحضر " 2. 3 محمول على مكابدة الصوم، مع ظهور الضرر.
وروي: " أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في السفر، يُظَلّلُ، وينضح بالماء ويهادَى بين رجلين، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا أنه صائم، فقال عليه السلام: إن الله عز وجل عن تعذيب هذا نفسَه، لغني " 4. وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: " ليس من البر الصيامُ في السفر " 5 وينزل قوله العام على السبب، ولا يبعد ذلك.
فإذا ثبت الأصل، فالمسافر بالخيار بين الصوم والإفطار، والصوم أفضل من الفطر، إذا لم يظهر ضررٌ ظاهرٌ، والقول فيه أنه إن كان يخاف إفضاءه إلى مرض، فهو

الذي نعنيه، وعنده يُستحث 1 على الفطر، وإن كان ضررٌ لا يغلب إفضاؤه إلى المرض، فهو من التعب 2 الذي يكثر به الأجر.
والمفضي إلى المرض في حكم تعجيل عبادة تُفضي إلى تعطيل أمثالها.
وحيث قطعنا بأستحباب الصوم، اختلف القول في القصر والإتمام، وقد قيل: السبب في الفصل عدمُ الاعتداد بخلاف داود، وقيل: " الفاصل أن القاصر ليس مخلياً وقتَ العبادة، بخلاف المفطر "، وترقب القضاء تعويلٌ على أمرٍ مُغَيَّب.
2324 - ثم يتصل بالقول في السفر: أن من أصبح صائماً، ثم أنشأ السفر، لم يجز له أن يفطر، لأن الصوم تأكد بالإقامة، وإتمامه ممكن، من غير ضرار، كما وصفناه.
ولو أصبح المسافر صائماً، وقدم الوطنَ، لم يفطر.
ومهما اشترك في الصوم الحضرُ والسفرُ، فالتغليب للإيجاب [و] 3 حكم الحضر.
ولو أصبح صائماً مسافراً، ثم بدا له أن يترخص بالفطر في دوام السفر، فالذي سمعته من شيخي، ووجدته في فحوى الطُّرُق جوازُ ذلك.
وكان من الممكن أن يقال: إذا خاض فيه، التزمه، كما لو نوى الإتمام؛ فإنه لا يقصر.
ولو نوى الإتمامَ، ثم فسدت تلك الصلاة، والوقت باقٍ، فيلزمه الإتمام، ويمتنع عليه القصر.
ويظهر مما أبديناه من الإشكال: أنا لو قدرنا دوامَ السفر، كدوام المرض، والمريض إذا أصبح صائماً، فله أن يفطر، فلو صح هذا التشبيه، للزم أن يقال: من أصبح صائماً مقيماً، ثم سافر، جاز له أن يفطر، كما لو كان صحيحاً في أول النهار، ثم مرض.
وهذا مذهب أحمد 4 والمزني 5 فكأن السفر على رأي الشافعي بين

المرض والترخّص بالقصر، وتواصله يلحقه [بالمرض] 1، وطارئه لا يجرُّ من 2 المشقة والعسر ما يجره طارئ المرض؛ فإن المرض في عينه يورث العسر.
فافهموا مواقع المذهب.
وقد احتج المزني في طريان السفر، وجواز الفطر، بسببه بما روي " أن النبي صلى الله عليه وسلم، صام حتى بلغ كراع الغميم 3، ثم أفطر " فظن المزني أن ذلك كان في يوم واحد، واعتقد أنه صلى الله عليه وسلم، كان مقيماً في أوله مسافراً في أثنائه، وما ذكره وهمٌ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة، وبينه وبين كراع الغميم مسيرة ثمانية أيام، فالمراد بالحديث أنه صام أياماً في سفره، ثم ابتدأ الترخّص 4 بالإفطار لما انتهى إلى كُراع الغميم، و [قد] 5 قيل: تبين هذا للمزني بعد الاحتجاج، فقال للكتبة: خُطّوا عليه، وقد [يُلفى] 6 في [بعض] 7 النسخ استدلاله بالحديث مخطوطاً عليه.
فصل قال الشافعي: " ولو قدم من سفره نهاراً مفطراً ... الفصل " 8. 2325 - مقصود هذا الفصل القول 9 في الإمساك عن المفطرات، بعد جريان الفطر في أول النهار.

وأصل [الفصل] 1 أن من أفطر عاصياً عامداً، فالشرع يُلزمه الإمساكَ عن المفطرات في بقية النهار.
وهذا يختص بأيام رمضان، فليس على العاصي بالفطر في صوم القضاء، والنذر إمساكٌ.
ثم الأمر 2 بالإمساك مشبه بالتغليظ، وطرفٌ من العقوبة، ومضادّةُ القصد، ثم الممسك متشبه، وليس في عبادة، وليس كالمحرم إذا أفسد إحرامه؛ فإنه بعد الفساد في عبادةٍ فاسدة.
ويظهر أثر ذلك بأن المفسد للإحرام لو ارتكب محظوراً في إحرامه بعد الفساد، التزم الفدية، والمأمور بالإمساك لا يلتزم بالإقدام على المفطر شيئاً، وإنما يناله المأثم بتركه الأمرَ الجازم، وارتكابه النهي 3 المحرم.
وقد ذكر العراقيون وجهين في أن الإمساك المأمور به بعد الإفساد هل يسمى صوماً؟ ولست أرى في الاختلاف فائدة.
ويقرب من ذلك أن من أصبح في يومٍ من رمضانَ غيرَ ناوٍ، فلا نجعله صائماً، ويلزمه الإمساك، فلو نوى التطوع بالصوم، وكان ذلك قبل الزوال، فالذي ذهب إليه الجماهير أن الصومَ لا يصح، وذهب أبو إسحاق إلى صحة الصوم، ووجه الرد عليه ينقسم: فيجوز أن يقال: إن كان الإمساك واجب، ومن نعت التطوع التخير، فلو صح تطوّعه بالصوم، والصوم إمساك منوي، لوقع الإمساك واجباً عن جهة الوجوب، متطوَّعاً به عن جهة التطوع، وهذا متناقض.
فهذا وجه.
والمسافر عندنا لا يتطوع بالصوم في سفره، وإن كان يسوغ له الإفطار، فليس الصوم مستحَقاً عليه، والتطوع ممتنع، [وسببه أن الذي] 4 حط عنه وجوبَ الصوم الترخيصُ بالفطر، فإن لم يُفطر، فقد 5 ترك الترخص، وليس بين إقامة 6 الصوم

وبين الترخص بالفطر مرتبة، والشرع لم يجعل شهر رمضان في حق المسافر كسائر الشهور، حتى يضع فيه أيَّ صومٍ شاء، وأبو إسحاق المروزي لما جوز للمقيم الذي أصبح غير ناوٍ أن يتطوع بالصوم، فإنه على قياسه يجوز للمسافر أن يتطوع، وهذا [حَيْدٌ عن] 1 مذهب الشافعي وقياسِه.
2326 - فإذا ثبت [أن العاصي] 2 بفطره يلزمه الإمساكُ، وتبين أصلُ المذهب فيه، وتعليلُه ومأخذُه، فلو أصبح الرجل في يوم الشك مفطراً، ثم ثبت بالشهادة أنه من رمضان، فظاهر المذهب وجوبُ الإمساك عن المفطرات، ووجه تخريج هذا على القاعدة التي مهدناها في الإمساك إذا 3 قلنا: إنه على مضاهاة العقوبة -والمفطر في يوم الشك ليس يستوجب 4 عقوبة- أنا 5 وجدنا في الشرع تنزيل المخطئ في الشيء الذي يأثم العامدُ فيه منزلة العامد، في بعض الأحكام، لانتسابه إلى ترك التحفظ.
وعلى قريب منه يخرج حرمانُ القاتل خطأ الميراثَ.
هذا وجهُ ظاهر المذهب.
وحكى [البويطي وحرملة فيما نقله] 6 العراقيون قولاً عن الشافعي أن المعذور بالفطر في يوم الشك لا يلزمه الإمساك عن المفطرات، وهذا خارجٌ على القاعدة التي مهدناها خروجاً [ظاهراً] 7. 2327 - فلو أفطر المسافر في سفره، ثم أقام في أثناء اليوم، أو أفطر المريض، ثم زال ما به، فلا يجب عليهما الإمساك، وإن تغيرا إلى الإقامة والسلامة، خلافاً لأبي حنيفة 8. ولو أصبحا مع العذر صائمين، ثم أقام هذا، وصحّ ذلك، تحتم إتمام الصوم.

ولو أصبحا ممسكين غيرَ ناويين، ثم انتهينا إلى الإقامة والسلامة، ففي بعض التصانيف وجهان في وجوب الإمساك، ولست أرى لإيجاب الإمساك وجهاً.
2328 - [و] 1 مَنْ ترك النية وأصبح وهو 2 مفطرٌ، فإذا لم يختلف المذهبُ في نفي وجوب الإمساك إذا كان أكل المريضُ والمسافر، فإذا أصبحا غير صائمين، فهو كما لو أكلا.
2329 - ولو أسلم الكافرُ في أثناء يومٍ، وبلغ الصبي، وأفاق المجنون، فهل يلزمهم الإمساكُ في بقية النهار؟ فعلى أربعة أوجهٍ مجموعةٍ في بعض التصانيف، وهي مفرقة في الطرق: أحدها - أنه يجب الإمساك عليهم؛ لأنهم إن لم يدركوا وقتَ العبادة، أدركوا وقتَ الإمساك، وليسوا كالمسافر يفطر مسافراً، ثم يقيم، فإنه خوطب بالترخص، وهؤلاء كانوا مستأخرين 3 عن التكليف، و [الآن] 4 كلفوا.
والوجه الثاني - أنه لا يجب عليهم الإمساك، وهو الأصح؛ فإن وجوب الإمساك تَبِعَ لزومَ الصوم، وهؤلاء لم يلتزموا الصومَ؛ فإنهم لم يدركوا وقتاً يسع الصومَ الشرعي، وشرط التكليف الإمكان.
والوجه الثالث - أن الكافر إذا أسلم مأمورٌ بالتشبه؛ فإنه كان متمكناً من تَرْك الكفر، والتوصل إلى الصوم، فإذا لم يفعل، كان في حكم تاركٍ لفريضة الصوم في أول النهار، وهو يلتفت على مخاطبة الكفار بالفروع.
والوجه الرابع: أنه يلزم الكافر كما ذكرناه، والصبي أيضاًً، فإنه كان مأموراً بالصوم [أمر] 5 تدريب حسب ما يؤمر بالصلاة.
أما المجنون فلا سبيل إلى أمره بالإمساك؛ فإنه لم ينتسب في جنونه إلى تقصير الكافر، ولم يتجه في حقه أمرٌ بالصوم حسب ما تحقق في الصبي.

2330 - ثم قال الأصحاب: الأمر بالقضاء في هذا اليوم فرعُ الأمرِ بالإمساك، فمن أمرناه بالإمساك نأمره بالقضاء.
وقال الشيخ أبو بكر: من يوجب التشبه يكتفي به، ولا يوجب القضاء، ومن أوجب القضاء، لم يوجب التشبه.
وهذا ليس خلياً عن الفقه، والظاهر 1 عندنا إسقاطُ القضاء، والتشبهِ جميعاً.
أما إسقاط القضاء، فلأنه بسبب إدراك الوقت للأداء، وهؤلاء لم يدركوا وقت إمكان الأداء، وكانوا على صفاتٍ في أول النهار لو استمروا عليها تمامَ النهار، لم يُلزموا القضاء.
2331 - وأما الحيض، فإنه خارجٌ عن القانون؛ فإنه منافٍ لإمكان الأداء، ولا ينقدح عندي في أمر الحائض بالقضاء إلا الحملُ على أنه [بأمرٍ] 2 مجدد.
ولو أصبحت المرأة حائضاً، ثم طهرت، فلا يلزمها الإمساك بلا خلافٍ 3، على المذهب.
ولا فرق بين أن تصبح ممسكةً أو مفطرة.
ومن ذكر وجهين في المسافر إذا أصبح ممسكاً غيرَ ناوٍ، ثم أقام، قطع في الحائض بما ذكرناه؛ لأن الحيض ينافي الصومَ منافاة الأكل، بخلاف السفر، والمرض.
فهذا منتهى الغرض في الإمساك، وما يتعلق به في محل الوفاق والخلاف.
فصل قال: " إذا أفطر في أول النهار، ثم مرض ... الفصل " 4. 2332 - مقصود هذا الفصل متصلٌ بما تقدم، فإذا أصبح الرجل صائماً، وجامع من غير عذر، ثم مرض في آخر النهار مرضاً يبيح مثلُه الفطرَ، أو جُنّ في آخر النهار، أو أصبحت المرأة صائمةً ومكّنت، وقلنا: عليها الكفارة، ثم حاضت في بقية

النهار، فهذه أسباب طرأت، لو [اقترنت] 1 بالوقاع، لتضمنت إسقاطَ الكفارة، وانتهضت معاذيرَ في الفطر و 2 منافيةً للصوم، كالجنون، والحيض، ففي سقوط الكفارة في هذه الصورة أقوالٌ ثلاثة: أحدها - أنها لا تسقط، فإنّ الجماع جرى مفسداً؛ فلا أثر لطريان ما طرأ بعده، وكأن هذه الأسباب كانت 3 تنتهض مقتضياتٍ للترخص بالفطر، لو دام الصوم، فإذا تقدم الجماعُ المفسد، فكأن المجامع كما 4 أفسد الصومَ سد على نفسه باب الترخص.
والقول الثاني - أن الكفارة تسقط [للشبهة] 5 وتوجيه ذلك لائح.
والقول الثالث - أنا نفصل بين طريان ما ينافي الصوم كالجنون والحيض، وما لا ينافي، بل يُثبت رخصةَ الفطر، كالمرض، فتسقط الكفارة بما ينافي؛ إذ تبينا أن الصوم كان لا يتصوّر تمامه، ووضح أنه بالجماع لم يعترض على صوم كان يتم، والمرض [من] 6 أسباب الرخص، وقد تختص [الرخصة] 7 بمن [لم] 8 يفسدها على نفسه.
2333 - ولو أصبح مقيماً صائماً، [وجامع] 9 عاصياً، ثم سافر، لم يختلف قولنا في أن الكفارة لا تسقط؛ فإن طريان السفر لا يرخّص في الإفطار بخلاف، طريان المرض.
ولم يجعل أئمتنا مذهبَ أحمد، والمزني -حيث صارا إلى جواز الإفطار في هذا الموضع- شبهةً 10، فإن ما صارا إليه في مناقضة أصلٍ متمهدٍ ظاهر، وهو

تغليبُ حكم الحضر في العبادة، التي يشترك فيها السفر، والحضر.
وذكر صاحب التقريب: أن من أصحابنا من خرّج سقوط الكفارة، عند طريان السفر على قولين أيضاًً كالمرض، وهذا بعيد، ولكنه ذكره على ثبت.
واختلفت الرواية [في السفر] 1 عن أبي حنيفة 2 وموجَب هذه الطريقة: أنه لو سافر، ثم جامع لم تلزمه الكفارة؛ بناء على درئها بمذهب من لا يوجب 3 الصوم، وهذا تخليط، والأصل القطع بأن طريان السفر لا يؤثر.
فصل 2334 - إذا طبق الجنون أياماً من رمضانَ، ثم كانت الإفاقة في بقيةٍ من الشهر، فلا يجب عندنا قضاء الأيام التي مرت في زمن الجنون.
وكذلك إذا مضت أيامٌ في الصبا، ثم طرأ البلوغ في أثناء الشهر، أو أسلم الكافر الأصلي.
وإنما التردد في اليوم الذي تزول فيه هذه المعاني، كما تقدم ذكرنا له في الإمساك، والقضاء.
ووافق أبو حنيفة 4 في الصِّبا والكفر، وخالف في الجنون.
وذكر العراقيون عن ابن سريج مثلَ مذهب أبي حنيفة [في الجنون] 5 ثم زيفوا هذا الذي حكَوْه، وقالوا: هو غلط عليه، ولعله لا يصح نقله عنه أصلاً.

والإغماء إذا استمر أياماً أو طبق جميعَ الشهر، فيجب قضاء الصوم في الأيام المارّة فيه، وهو كالحيض في أنه لا يُسقط قضاءَ الصوم، ويسقط قضاء الصلاة.
فصل قال الشافعي: " ولو كان عليه يومٌ من شهر رمضان ... إلى آخره " 1. 2335 - نجمع في هذا الفصل تفاصيلَ الفدية، ومواضعَها.
ونبدأ بما تعرض له الشافعي الآن، فنقول: من فاته صيام أيامٍ من رمضان، وتمكن من قضائها، فلا يجوز له أن يؤخر قضاءها إلى شهر رمضانَ في السنة القابلة، وليس ما نذكره استحباباً، بل يتحتم ذلك، مع القدرة، وزوال المعاذير.
ولو فرض تأخير القضاء إلى السنة القابلة، من غير عُذرٍ، فيجب مع القضاء لكل يوم مدٌّ من طعام، والمعتمد في أصل التأقيت، وفي الفدية عند الإخلال بالوقت الخبرُ، والأثر، وهما مذكوران في مسائلِ الخلاف، ولا نرى قضاء عبادة يتأقت على الاستحقاق إلا هذا.
ولو أخر القضاء سنتين أو سنين، ففي تضعيف الفدية وجهان: أحدهما - أنها لا تتضعّف، ولا يجب بالتأخير سنين إلا ما [وجب بالتأخير] 2 في السنة الواحدة.
ثم يجوز أن يكون هذا قضاءً بالتداخل 3، كما مهدناه في كفارة الوقاع، على قولٍ.
والأصح تعدد الفدية، وتجدّدها، فيجب على مقابلة التأخير في كل سنة مدٌّ، فإن أخر سنتين، وجب مع قضاء كل يوم مدان.
وهكذا زائداً، فصاعداً؛ فهذا مقامٌ في الفدية.
ومما يتعلق بذلك أن التأخير إن كان بعذر، فلا فدية أصلاً، مثل أن يدوم المرض طول السنة، أو يدوم السفر، وكل ما يجوز تأخير أداء الصوم به، يجوز تأخير القضاء به، ثم لا فديةَ.

ومن صُور الفدية أن الشيخ إذا بلغ الهَرَم، و 1 عجز عن الصوم لهَرَمه، لا لمرضٍ زائد عليه، فلا شك أنه لا يصوم، ويلزمه أن يُخرج بدلَ كلِّ يوم مُداً، إذا قدر عليه.
وظاهر المذهب: أنه واجبٌ.
وحكى العراقيون قولاً عن الشافعي أن الفدية ليست بواجبةٍ، ونسبوا القولَ إلى رواية البويطي، وحرملة، ووجه هذا في القياس بيّن؛ فإن الهَرِم معذور، وقد قال الأئمة بأجمعهم: لو مرض الرجل مرضاً يبيح له الفطر، ثم دام المرضُ حتى مات، لم تجب الفدية في تركته، ولا أعرف في ذلك خلافاً، فلا يبعد أن يعد الهَرَم عذراً دائماً 2، ولكن هذا القول، مع اتجاهه في القياس، لا يُعوّل 3 عليه في المذهب.
ومن صور الفدية إفطار الحامل، والمرضع، وقد تفصّل القول فيهما، فيما تقدم، وذكرنا اختلافَ الأصحاب في إيجاب الفدية على من يتعمد الإفطارَ بالأكل عاصياً.
2336 - ومما يتصل بالفدية أن من مات وعليه قضاءُ أيامٍ من رمضان، وكان متمكناً من القضاء، ولا عذر، فالمنصوص عليه في الجديد أنه يُخرَج من تركته في مقابلة كل يوم مد، وهذا فيه إذا لزمه القضاء، وانتفى العذر، ومات في خلال السنة.
فأما إذا أخّر القضاءَ مقصِّراً إلى شهر رمضان في القابل، والتزم [لذلك الفدية] 4، ثم مات قبل القضاء، وإخراجِ الفدية، فالذي ذهب إليه الجماهير إيجاب مُدَّيْن، في مقابلة كل يومٍ: مدٌّ في مقابلة الصوم نفسه، ومد في مقابلة التأخير.
وحكى العراقيون وجهاً عن ابن سريج أنه قال: يتداخل المدان، ويكتفى بواحد.
وهذا بعيدٌ جداً، لا ينقدح له وجه.
هذا تفريعنا على القول الجديد.

2337 - وللشافعي قولٌ في القديم: أن من مات وعليه صومٌ، صام عنه وليُّه، وقيل نُقل في ذلك خبرٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على هذه الصيغة 1، ولست أدري أن الشافعي ترك العمل بالخبر في الجديد؛ لأنه استبان ضعفَه أو ثبت عنده نسخٌ.
ثم التفريع في هذا مما لم يتعرض له الأصحاب، فلا سبيل إلى [التحكم] 2 به، والذي يصوم عن الميت الولي، كما ورد في الخبر، أو الوارث أو القريب من غير اعتبار وراثة، أو يناط ذلك بالعصوبة؟ لا نقل عندي في تفصيل هذا.
وقد وجدت الأصحاب مضطربين فيمن يرث حدَّ القذف، وذلك بعيد عما نحن فيه.
وإن نزلنا هذا القولَ على لفظ الولي، فإنه المنقول، فليس معنا في معناه ثبت نعتمده، والميت في غالب الأمر لا يكون مَوْلياً عليه.
وكان شيخي يقول: لا خلاف أنه لا يجب على الولي أن يصوم، وإنما الخلاف في أنه لو صام عن الميت، هل يعتد به.
والعلم عند الله تعالى.
2338 - وإذا أردنا جَمْعَ التراجم، قلنا: الفديةُ تتعلق بنفس الصوم تارةً، فتحل محلَّه، وقد تنضم إلى الصوم ولا تبدله، فأما ثبوتها بدلاً عن الصوم [ففي] 3 الشيخ الهِمّ، والذي مات وعليه صومٌ، كان قصر في تأخير قضائه.
وأما الفدية [المنضمة] 4 إلى القضاء، فالمتفق عليه منها ما يجب بسبب تأخير القضاء من سنةٍ إلى سنة، والمختلف فيه الفدية في حق الحامل، والمرضع.
وفي المتعمد العاصي بالإفطار الخلافُ المقدم.
2339 - ثم جنس الأمداد جنسُ صدقةِ الفطر، والكفارات الواقعة بالإطعام.
وكل

مدٍّ بمثابة كفارة تامّة، فلو أراد من لزمته أمدادٌ جَمْع عدد منها في مسكين واحد، جاز له ذلك؛ إذ لا يجب تفريق المدّ الواحد، وكل مدٍّ كفارة.
فصل قال: " فإن بلع حصاةً، أو ما ليس بطعامٍ ... إلى آخره " 1. 2340 - نجمع في هذا الفصل مفسداتِ الصوم، وقد مضى صدرٌ منها، فنرسمها على هيئة الترجمة، ونستقصي ما لم يجرِ ذكره.
ونبدأ به.
فنقول: وصول الواصل إلى باطن عضوٍ يعد مجوفاً مفطرٌ، على الاختيار والذكر، كما تفصل ذلك.
وإذا جاوز شيءٌ الحلقومَ فطَّر، وكذلك ما يجاوز الخيشومَ في الاستعاط.
والحقنةُ مفطرةٌ، وكذلك إيصال الشيء إلى المثانة.
والمذهب أن ما تجاوز ظاهر الإحليل يُفطر، وإن لم ينته إلى فضاء المثانة.
وفيه وجهٌ بعيدٌ، لا أصل له.
ولو قطّر شيئاً في أذنه، فانتهى إلى داخل الأذن الباطن، فقد كان شيخي يقطع بأنه مفطر، والذي قطع به الشيخ أبو علي، وطوائفُ من علماء المذهب أنه لا يفطر.
وكان الشيخ يراعي الوصولَ إلى ما يُعدّ باطناً، والآخرون يرعَوْن أن يكون في الباطن الذي إليه الوصول قوةٌ تُحيل الواصلَ إليه غذاء، أو دواءً، وداخل الأذن ليس فيه ذلك، والتردد في داخل الإحليل، فوق المثانة، قريب من هذا التردد.
ولو [وجأ] 2 الإنسان نفسَه بسكين، فإن انتهى طرفُ السكين إلى باطنٍ كما وصفناه، حصل الفطر، وإن كان نصابُه 3 ظاهراً، وكذلك إذا بلع طرفاً من خيط، وطرفٌ منه بارزٌ، فالفطر يحصل بوصول الطرف [الواصل] 4، وخالف أبو حنيفة 5 في ذلك.
ولو أوصل السكينَ إلى داخل لحم الساق، والفخذ، فلا فطر، فإن [ما

وراء] 1 البشرة، وإن كان من الباطن، فليس جوفاً، وكذلك إن انتهى طرفُ السكين إلى مكان المخ، فلا فطر؛ إذ العضو لا يعد مجوفاً.
ولو أوصل الدواء [من شجة آمَّة 2 إلى ما وراء القِحْف 3، حصل الفطر، ولا يتوقف حصولُه على الوصول إلى ما وراء خريطة 4 الدماغ.
وإن أوصل الدواء] 5 إلى جرح نافذٍ إلى الباطن، فإن وصل إلى داخل البطن، حصل الفطرُ، وإن لم ينته إلى الأمعاء.
ولو جاوز الدواءُ سطحَ البَشرة، ولم ينته إلى فضاء البطن، فالوجه القطع بأنه لا يفطِّر، فإن الوصول إلى هذا المكان لو كان يفطِّر، لفطَّر وصولُ السكين إليه في ابتداء الجرح، وفي بعض التصانيف غلطٌ ظاهر في الحكم [بالفطر] 6 بمجاوزة الدواء البشرة، وهذا محمول على [تثبّج 7] 8 العبارة، وسوء الإيراد، والمراد الوصول إلى الباطن كما وصفناه.
وقد ينفصل وصول اللبن إلى الباطن في حكم الرضاع، عما يحصل [الفطر] 9 به في بعض التفاصيل، حتى جرى في حصول الرضاع بحقنة اللبن قولان، إلى غير ذلك، على ما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى.
2341 - وداخل الفم والأنف إلى منتهى الخيشوم والغلصمة 10 في حكم الظاهر.
والريق السائل من داخل الفم، فالواصل إلى الجوف واصلٌ من ظاهرٍ إلى باطن،

ولكن لما عسر التحرز منه، عُفي عنه.
ولو انقلع شيء من أسنانه، فازدرده الصائم، أو سال من العُمور 1 دم، فتجرعه على قصدٍ، أفطر.
ولو جمع الصائم ريقه، ولم يتركه يجري على الخلقة، ثم ازدرده جملةً، ففي حصول الفطر وجهان: أصحهما أنه لا يفطر، وإنما نشأ الوجهان من لفظ الشافعي، فإنه قال: وأكره العِلْك 2، فإنه يحلب الفم، فكأنه 3 حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة.
وقال الأئمة: لو أخرج الصائم لسانه، وعلى طرفه ريقٌ، ثم ردّه، فلا بأس، وإن فارقت عذَبَة 4 اللسان الشفتين، فإن اللسان معتبر بداخل الفم، كيف تقلّب.
ولو أخرج شيئاً من ريقه، وتركه على طرف الشفة بارزاً، ثم ردّه إلى فيه، فهو بمثابة ما لو ألقاه على كفه، ثم رده، ثم الفطر يحصل به، وهو المذهب في البلل المتصل بالخيط المجرور، إذا رُدّ، فإن [القلة] 5 فيه 6 لا أثر لها في منع الفطر.
وما يقدّر وصوله بالمسام، فلا يتعلق الإفطار به، كالأدهان إذا تطلّى الصائم بها، أو صبها على رأسه.
وإدراك الذوق مع مجّ جِرْم 7 المذوق لا يؤثر في الصوم.
ولا يفطِّر الاكتحالُ والاحتجامُ، خلافاً لبعض السلف.
ولا خلاف أن الافتصاد 8 لا يفطِّر.
وما يجري من النخامة من الدماغ إلى الحلقوم، فلا مؤاخذة به.
هكذا كان يذكره شيخي، ولو تكلف صرفَه عن سَنَن الخلقة إلى فضاء الفم، ثم ازدرده، فهذا يفطّره.

وأنا أقول: إن كانت النخامة لا تظهر في الفم، وكان لها مَسْلك 1 متردد في الباطن، فلا شك أنه لا مؤاخذة بها.
وليس الأمر كذلك؛ فإنها تظهر إذا برزت من الثقبة النافذة إلى الدماغ في أقصى الفم، ثم تجري إلى داخل الحلقوم.
فالوجه أن نقول: ما لا يَشعر الصائم به، فهو محطوط عنه، وما يجري منه، وهو على علم وخُبْر، فإن لم يقدر على رده، فلا فطر، وإن قدر على صرفه ومجِّه، ففيه خلافٌ بين الأصحاب: منهم من لم يؤاخِذ به، وحَسَم الباب، ما لم يتكلف صرفَه عن مجراه إلى الفم؛ فإنه إذا فعل ذلك، ثم ردّه، وازدرده، أفطر.
ومنهم من حكم بالفطر إذا تركه في مجراه، مع القدرة على مجِّه، وهذا يلتفت على المراتب التي ذكرناها في غبار الطريق وغيره.
ومما يلتحق بهذا الفن، القولُ في سبق الماء من المضمضة، والاستنشاق، وفيما قدمناه من البيان مقنع تامٌ فيه.
وكان شيخي يحكي عن الأصحاب أن من بلل خيطاً بريقه، وجرّه، ثم ردّه، وغلبه الريق، ولم يمجه بعد حصول ذلك، أفطر.
وكان يقول: لست أرى الأمر كذلك؛ فإن ذلك القدر النزر أقلُّ مما يبقى من أجزاء الماء في داخل الفم، بعد المضمضة.
والاحتمال في هذا محال 2. فهذا بيان هذا النوع من المفطرات، تأصيلاً وتفصيلاً.
2342 - ومن المفطرات الجماعُ، وقد فصلنا، وألحقنا الاستمناء في الإفساد والإفطارِ بالجماع؛ من حيث كان مقصودَ الجماع.
والقيءُ على ما فصلناه.
والردة تُفسد كلَّ عبادة، والحيض، والجنون، ينافيان العَقْدَ، ويقطعان الدوامَ.
وفي الإغماء ما سبق 3. فهذه جوامع المفسدات.

فصل قال: " وإن اشتبهت الشهور على أسير، تحرَّى ... إلى آخره " 1. 2343 - الأسير المحبوس إذا اشتبه عليه شهر رمضان، تحرى، وراجع التواريخ المنسلكةَ في ظنه، وقرَّب نظرَه جُهدَه، وصام شهراً.
والمسألة مفروضة في استمكانه من معرفة الهلال، فإذا صام شهراً من الهلال إلى الهلال، فإن وافق شهرَ رمضان، فهو المُنى، وإن وافق شهراً بعده، وكانت أيامه قابلةً للصوم، وقع الاعتداد بما جاء به.
2344 - واختلف الأئمة في أن صومه في ذلك الشهر قضاء أم أداء؟ فمن جعله قضاءً، لم يَخْفَ توجيهُ قوله، ومن جعله أداء، تمسك بإجزائه [بنية] 2 الأداء.
ثم لا يمتنع أن يفارق حكمُ المضطر [حكمَ] 3 المختار.
وخرّج الأئمةُ على هذا الخلاف أن شهر رمضان في تلك السنة لو كان ثلاثين يوماً، وكان ما صامه تسعةً وعشرين، فهل يكفيه ما جاء به، أم نكلفه بعد التبين 4 قضاء يوم؟ فعلى ما ذكرناه من الخلاف في الأداء والقضاء: فإن [جعلنا صومَه أداء، فكان ذلك الشهر شهرَه، فلا نظر إلى غيره، وإن] 5 جعلناه قضاء، فقد صام تسعةً وعشرين، وبقي عليه يومٌ، فليقضه.
2345 - ولو صادف الشهرُ الذي صامه شهراً متقدِّماً على شهر رمضان، فإن انجلى الإشكالُ وشهر رمضانَ بين يديه، لزمه صومُه، بلا خلاف.
وإن زال الإشكالُ بعد مضي شهر رمضان، ففي إجزاء صوم الشهر المتقدم قولان

للشافعي: أحدهما - لا يجزىء، فإن العبادة البدنية إذا تقدمت على وقتها، لم يعتد بها.
والثاني - أنها تجزئ للضرورة.
وكان القفال يبني هذين القولن على أنه لو وافق صومُه شهراً بعد شهر رمضان، فصومه أداءٌ، أم قضاء؟ ووجه البناء أنا إن قدرناه قضاءً، فالقضاء لا يتقدم، وعبادة البدن لا تتقدم على وقتها، وإن قدرنا الصومَ في الشهر المتأخر أداء، بناء على ظنه فتخيُّلُ 1 ذلك في التقدم والتأخر على وتيرة واحدة.
فإن قيل: هل يناظر ما ذكرتموه من صور الخلاف والوفاق القولَ في خطأ الحجيج، فإنهم لو أخطئوا، فوقفوا يوم العاشر أجزأهم الوقوفُ، وإن اتفق غلطٌ في أهلّةٍ وترتب عليه الوقوف في الثامن، ففي إجزائه وجهان، وهذا يناظر تقدمَ شهر الأسير على شهر رمضان؟ قلنا: هذا تشبيهٌ من حيث الصورة؛ فإن الذي أوجبَ الفرقَ بين الثامن والعاشر عمومُ تصوّر الغلط في العاشر، وندور ذلك في الثامن، وأما غلط الأسير، فإنه على وتيرة واحدة في التقدم والتأخر، فلا ينبغي أن يُعتقد اتحاد مأخذ المسألتين.
2346 - ولو انجلى الإشكال، وقد بقي بعضُ شهر رمضان، فيجب صوم البقية، وفي إجزاء ما مضى طريقان: منهم من خرّجه على القولن، وهو 2 الوجه، ومنهم من قطع بأنه يجب استدراكه إذا اتفق إدراك شيء من الشهر.
وكان شيخي أبو محمد يقول: الاجتهاد في وقت الصلاة، في حق المحبوس، على الترتيب الذي ذكرناه في الصوم، في صورة الخلاف والوفاق.
فأما المجتهد القادر على أن يَصْبر حتى يستيقن، إذا تقدمت [صلاته، لم يعتد] 3 بها قولاً واحداً.
2347 - ثم ذكر الشافعي: أن من فاته صوم أيامٍ من رمضان، لا يجب عليه رعاية الموالاة في القضاء، وقصد به الردّ على مالك 4؛ فإنه أوجب المتابعةَ في القضاء

[ظاناً] 1 أن الأداء متتابع، وهذا غلط؛ فإن ما تخيله من التتابع في الأداء تواصل الأوقات، وليس تتابعاً راجعاً إلى صفة العبادة، بدليل أن من أفطر اليوم الأخير من رمضان، لم يلزمه قضاء ما تقدم عليه، بخلاف الصيام المتتابع في الكفارة شرعاً، أو الصوم الذي نذر الناذر التتابعَ [فيه] 2. فصل قال: " وأحب للصائم أن ينزه صيامه ... إلى آخره " 3. 2348 - ظاهر التكليف في الصوم متعلق بالإمساك والنية، ولكن المقصود غضُّ الهوى حتى تقوى النفس على التقوى، ولو كُلِّف الخلق هذا المقصودَ تصريحاً، لما استقل به الأكثرون.
وهذا من لطائف الشريعة، وكلّفوا ما يفضي إلى طرفٍ من التقوى في الغالب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الصوم جُنّة، وحصن حصين، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، وإن شاتمه رجل، فليقل: إني صائم " 4 ومعنى الحديث أن [يحدّث] 5 نفسه بصومه، حتى يزجره ذلك عن المشاتمة؛ إذ لا معنى لذكر الصوم لمن شاتمه.

فصل قال: " ولا أكره في الصوم السواكَ ... إلى آخره " 1. 2349 - استعمال السواك في النصف الأول من النهار إلى زوال الشمس حسنٌ، على شرط التحفّظ من تجرع حِلابه، وازدراد شَظِيِّه، فإذا زالت الشمس، لم نر استعمالَ السواك استبقاءً للخُلُوف 2، وفيه الحديث المشهور 3. ولا فرق بين صوم التطوع والفرض.
...

باب صيام التطوع

2350 - لا يلزم صوم التطوع بالشروع عندنا، وكذلك الصلاة، وللشارع فيهما قطعُهما، ثم لا يلزم القضاء.
وكان شيخي يقول: الإفطار بالعذر مسوّغ، ومن جملة المعاذير في ذلك أن يعز على من أضافه امتناعُه عن الطعام، فإن لم يكن عذر، فهل يكره قطع الصوم، والصلاة؟ فعلى وجهين كان يذكرهما، ولا بُعد في ذكرهما مع الخلاف في تحريم القطع.


باب النهي عن الوصال

2351 - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل في العشر الأخير، فواصل عمرُ وغيرُه، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: " وددت لو مُدّ لي الشهر مدّاً، ليدع المتعمقون تعمُّقَهم، يقوى أحدكم على ما أقوى عليه؟ إني أبيت يُطعمني ربي ويسقيني " 1. وغرض الباب أن الوصال كان قُربة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرّم على أمته، والوصال يزول بقطرةٍ يتعاطاها كلَّ ليلة، ولا يكفي اعتقادُه أن من جَنَّ عليه الليلُ، فقد أفطر 2. ...

باب صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء

2352 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صوم يوم عرفة كفارةُ السنة والسنة التي تليها، وصوم يوم عاشوراء كفارةُ السنة " 1. فقوله السنة التي تليها يحتمل معنيين: أحدهما - السنة التي قبلها، فيكون إخباراً أنه كفارةُ سنتين ماضيتين، ولا يمتنع حملُها على السنة المستقبلة، وكل ما يرد في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمولٌ على الصغائر، دون الموبقات.
وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم التاسوعاء، والعاشوراء، فيحتمل أنه لم يؤثر إفرادَ يومٍ بالصوم، ويحتمل أنه احتاط لمصادفة العاشر.
ثم لا يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم صائماً فيه في حجة الوداع، وتبين ذلك لأصحابه، بتناوله لبناً في قدحٍ وقتَ العصر، ومناولته سَوْدة أم الفضل بنت الحارث 2، ولعل السبب فيه أن لا يعجز عن الدعاء عشية عرفة، فلا يَعدِلُه فيما نظن دعاءٌ وذكرٌ في غيره.
...

باب الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها

2353 - أما العيدان، فلا يقبلان الصومَ، ويلغوا نذر صومهما.
2354 - فأما أيام التشريق، فالمنصوص عليه في الجديد أنها لا تقبل صوماً؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: " إنها أيام أكل وشرب وبِعَال " 1. وقال في القديم: للمتمتع أن [يوقع] 2 فيها صيامَ الأيام الثلاثة الثابتة في كفارة التمتع.
ثم اختلف أصحابنا في التفريع على القديم، فقال بعضهم: إنها لا تقبل غير صوم التمتع، لضرورةٍ تخصه، وقال آخرون: إنها كيوم الشك، على ما نصف حكمَه.
2355 - أما يوم الشك، فقد سبق تصويره، [واعتماد] 3 صومه من غير سبب منهيٌ 4 عنه، وفي صحته وجهان، كالوجهين في إيقاع الصلوات التي لا أسباب لها في الأوقات المكروهة، ونَذْر صومه يخرج على ذلك، فإن لم نصحح فيه صوماً بلا سبب، لغا نذْر صومه، وإن صححنا صومه مع الكراهية، صح النذر.

وذكر القاضي حسين مسلكاً يفضي إلى تنزيل يوم العيد، منزلة يومِ الشك.
وما نراه قاله عن عَقْدٍ، وإنما ذكره في تقدير كلامٍ تقديراً، لا تحقيقاً.
وأصل المذهب لا يُزال بمثل هذا.
ولو أوقع في يوم الشك قضاءً، أو صوماً منذوراً، أو صادف وِرداً له، فلا بأس، ولا كراهية.
ولو أراد أن يصوم شعبان كله، فصام يومَ الشك على قصدِ استكمال شعبان، فلا بأس أيضاًً، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله " 1 والله أعلم.
...

باب الجود والإفضال في شهر رمضان

2356 - قال ابن عباس: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الخلق، فإذا دخل شهر رمضان كان أجود بالخير من الريح المرسلة " 1 معناه في العموم، أو في التسرع 2. وبالجملة شهر رمضان شهر البركات، والبدار إلى الخيرات، والحسناتُ فيه مضاعفة، فليبتدرها الموفقون.
والله وليّ التوفيق.
...

باب (1) الاعتكاف وليلة القدر

2357 - صدّر الشافعي كتابَ الاعتكاف بالقول في ليلة القدر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتمسها في العشر الأواخر، ويعتكف فيها ليلاً، ونهاراً.
واختلف العلماءُ: هل كانت ليلة القدر في الأمم؟ والمختار عندنا أنها مختصة بهذه الأمة؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس لأْمَتَه 2، وقاتل في سبيل الله ألف شهر، لا ينزِعها 3، فاستعظمت الصحابة، [ذلك] 4 وتمنَّوْا أن يكون لهم مثلُ هذا العمر، وهذه القوة؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] إلى قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، فدل هذا على تخصيص هذه الأمة [بها] 5. 2358 - ثم اختلف الناس في وقتها: فذهب بعضُهم إلى أنها في السنة، وعندنا أنها في الشهر، ومذهب أبي حنيفة 6 أنها في الشهر، لا يختص بها عشر، وذهب الشافعي إلى أنها في العشر الأخير، وميله إلى أنها ليلةُ الحادي والعشرين، وفيه الحديث الصحيح، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أريت هذه الليلةَ، فخرجت لأخبركم، فتلاحا فلانٌ وفلان، فأُنسيتها، ولعله خيرٌ لكم، ورأيتني أسجد في صبيحتها إلى ماءٍ وطين " قال راوي الحديث، أبو سعيد الخدري:1

" أبصرت عيناي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته وأنفه أثرُ الماء والطين، في صبيحة إحدى عشرين " 1. وفي الحديث: إن المسجد كان على عريش، وأمطرت السماء فوكف 2. وقال الشافعي -رحمه الله- في بعض المواضع: هي ليلةُ الحادي والعشرين، أو ليلةُ الثالث والعشرين.
وذهب طوائفُ من الناس إلى أنها ليلةُ السابع والعشرين، وإليها صَغْوُ 3 الناس، وهو مذهب ابن عباس.
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " اطلبوها في العشر الأواخر، واطلبوها في كل وتر " 4 وروي أنه قال: " اطلبوها لتسع بقين، أو لخمسٍ بقين، أو لثلاثٍ بقين، أو الليلةَ الأخيرة " 5. وذهب بعض العلماء إلى أنها رُفعت، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبعد المذاهب.
2359 - فإن قيل: فعلى ماذا التعويل؟ وما المعتبر في هذا؟ قلنا: للشافعي مذهبان: أحدهما - في انحصار ليلة القدر في العشر الأخير، والآخر: تعيينه الحاديَ والعشرين، والثالثَ والعشرين.
وبين مذهبيه فرقٌ، تبينه مسألة، وهي الكاشفة لغائلة الفصل.
[قال الشافعي] 6: لو قال لامرأته: أنت طالق ليلة القدر، لم تطلق حتى ينفضي

العشر، ولو انقضت، طُلّقت، ولا نحكم بوقوع الطلاق بانقضاء الحادي والعشرين، ولا بانقضاء الثالثة 1 والعشرين؛ فمذهبه ثابتٌ في أنها في العَشر، وهو على تردد في التعيين من العشر، والحديث الذي يتكرر في متن كل مروي قوله: " التمسوها في العشر الأخير " وفي الحديث تأكيدُ الأمر بالألتماس في الأوتار، من غير إغفال الأشفاع.
فإن قيل: الانحصار في العشر مقطوعٌ به؟ قلنا: لا، ولكنه [مذهبٌ] 2 ثابت، والطلاق يناط وقوعه بالمذاهب المظنونة 3. وذكر صاحب التقريب في كتابه تردداً، في أنه يجوز أن تكون في النصف الأخير من رمضان.
وهذا متروك عليه، ولا نعرف له متعلَّقاً.
وفي العلماء من قال: إنها تنتقل.
هذا نجاز القول في ذلك.
2360 - ثم حق من يتأسّى برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المعتكَف قبل غروب الشمس يومَ العشرين، حتى تغرب عليه الشمس، وهو في معتكفه، ثم يستمر إلى استهلال هلال شوال، ولو أحيا ليلةَ العيد، تعرّض لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أحيا ليلتي العيد، لم يمت قلبُه يوم تموت القلوب " 4.

والاعتكاف كان في الشرائع المتقدمة، قال الله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]. وعن عائشة أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف، فيدني إليّ رأسَه، فأرَجِّله " 1. فصل قال: " والاعتكاف سنة حسنة، ويجوز بغير صوم ... إلى آخره " 2. 2361 - المنصوص عليه للشافعي في الجديد أن الاعتكاف يصح بغير صوم، ويصح في الليلة الفردة، والعيد وأيام التشريق.
وقال أبو حنيفة 3: " لا اعتكافَ إلا بصوم "، ثم ناقض، وقال: لو اعتكف يوماً محتوشاً بليلتين، صح اعتكافه في اليوم والليلتين، وإن كانت الليلةُ لا تحتمل الصوم.
وحكى الأئمة قولاً للشافعي في القديم، في اشتراط الصوم في الاعتكاف.
ثم قال الأئمة: إذا فرعنا على القول القديم، لم نصحح الاعتكاف في الليل، لا تبعاً، ولا مفرداً.
2362 - فإن قلنا: الصومُ شرطُ الاعتكاف، لم نشترط الإتيانَ بصومٍ لأجل الاعتكاف، بل نصحح الاعتكافَ في رمضان، وإن كان صومُه مستحَقاً شرعاً، مقصوداً.
وإن قلنا: الصوم ليس بشرط في الاعتكاف، فلو نذر أن يعتكف صائماً، فهل يلزمه الجمع بين الصوم والاعتكاف، [أم يجوز له أن يعتكف بلا صوم، ويصومَ

بلا اعتكاف] 1، فعلى وجهين، وربما كان يقول: على قولين: أحدهما - لا يجب الجمع؛ فإنهما عبادتان، كلُّ واحدة مقصودةٌ في نفسها، فلا يجب الجمع بينهما بالنذر، كما لو قال: لله عليّ أن أعتكف مصلياً؛ فإنه لا يلزمه الجمع بينهما.
والثاني - يلزمه الجمع، لاستواء العبادتين في المقصود؛ إذ الغرض من كل واحد منهما الإمساك، والانكفاف، وإذا تقاربتا، لم يبعد التزام جمعهما، كما لو نذر أن يُقرن بين الحج والعمرة.
وكان شيخي يقول: لو نذر أن يصوم معتكفاً، لم يلزمه الجمع بينهما، وجهاً واحداً.
وهذا لا أرى له وجهاً، فلا فرق بين أن ينذر الاعتكاف صائماً، وبين أن ينذر الصوم معتكفاً، فالوجهان جاريان.
قال القفال: إذا قال: لله عليّ صلاةٌ، أقرأ فيها السورة الفلانية، فهل يجب عليه الوفاء بذلك جمعاً، حتى لو قرأ تلك السورة في غير الصلاة المنذورة، وأقام الصلاة دونها، يجوز؟ قال: هذا يخرّج على الخلاف في أنه هل يجب الجمع بين الاعتكاف والصوم بالنذر.
فصل قال: " ومن أراد أن يعتكف العشرَ الأواخر ... إلى آخره " 2. 2363 - الأَوْلى فرض هذا الفصل في النذر.
فإذا قال الرجل: لله عليّ أن أعتكف العشر الأواخر من الشهر، فإن ابتدأ الاعتكافَ مع 3 انقضاء العشرين من الشهر، ثم خرج الشهر ناقصاً، فقد خرج عن موجَب نذره؛ فإنه وإن نذر العشرَ في لفظه، فالمراد به 4 افتتاحُ الاعتكاف في الوقت الذي ذكرناه، إلى انقضاء الشهر، ثم الشهر قد يكمل، وقد ينقص، فلا حكمَ لذكر العشرِ مع تعيين الآخر من الشهر.

ولو قال: لله عليّ أن أعتكف عشرةَ أيامٍ، ثم افتتح الاعتكاف، في الوقت الذي ذكرناه من الشهر، ثم نقص الشهر، لزمه اعتكافُ يومٍ آخر؛ فإنه اعتبر بالعشر، وجرَّد القصد إليه، فلا بد منه، ووضوح ذلك يغني عن الإطناب فيه.
فصل 2364 - لا بد من ذكر الاعتكاف المتطوّع به، والمنذور، وتمييزِ أحد القسمين عن الثاني، على الجملة.
ثم المسائل الموضوعة في الباب تفصِّل ما نجمله [فيهما] 1. فالاعتكاف يقع تطوعاً، ومنذوراً، فأما التطوع، فعماده النيّة، وقد اختلف -أولاً- أئمتنا في أن حضور المسجد من غير مُكث: هل يكون اعتكافاً معتداً به؟ فمنهم من قال: لا بد من لُبث، وهو الاعتكاف.
ومنهم من قال: الحضور يقع قُربةً، معدودة من قبيل الاعتكاف، وإن لم يقع لُبث.
فهذا 2 بمثابة حضور عرفة، فإنه يُغني ويَكفي في تحصيل الركن، وإن كان قد أُوجب باسم الوقوف، وهو مشعر بالمكث إشعار العكوف 3. التفريع: 2365 - إن حكمنا بأن الحضور كافٍ، فحضور المسجد اعتكافٌ مع النية، حتى لو نوى من يدخل من بابٍ ويخرج من بابٍ الاعتكافَ، كان ما جاء به قُربةً، من قبيل الاعتكاف.
وإن قلنا: لا بد من لُبث، لم يكفِ فيه ما يكفي في الطمأنينة في الركوع؛ فإنا قد أوضحنا أنه يكفي في إقامة الفرض منها، انفصالُ آخرِ حركةِ الهُويّ عن أولِ حركة الرفع عن الركوع، وكأن الغرض تحصيلُ صورة الركوع، مع فصله عما قبله وبعده.
وأما هذه القُربة، فشرط تصويرها عند هذا القائل المُكث، فليكن محسوساً.

ولو كان المعتكف متردّداً 1 في أرجاء المسجد، فهو معتكف، وقد يكون زمان تردد من يصح اعتكافه أقلَّ من زمان من يدخل من بابٍ، ويخرج من باب، والبابان متحاذيان.
2366 - ثم إذا ثبت أن الاعتكافَ المتطوعَ به يعتمدُ النيةَ، فالنيةُ لا يخلو إما أن تثبت مرسلة، من غير ربط بأمدٍ معلوم، وإما أن تتعلق بمدة معلومة.
فإن نوى من دخل المسجدَ الاعتكافَ، بقي معتكفاًً ما بقي في المسجد، طال الزمان، أو قصر.
وكان شيخي يتردد في مثل هذه الصورة، في 2 الصلاة ويقول: إذا نوى المتطوع الصلاةَ مطلقةً، ولم يربط قصدَه بأعدادٍ معلومة من الركعات، فالوجه تصحيحُ ركعةٍ؛ إن اقتصر عليها، أو ركعتين، أو أربع 3، فأما المزيد -ولم يرد فيه ثبتٌ على الاسترسال- ففيه نظر.
ووجدت لغيره القطعَ بأنه لو نوى الصلاةَ وأراد إقامةَ مائةِ ركعة في تسليمةٍ، فلا بأس.
وهذا هو القياس.
ولا ينبغي للمحصل إذا هاب شيئاً أن يتخذ هيبته معوَّل نظره.
فإذا كان الاعتكاف كذلك، فمهما اتفق خروجٌ، انقطعَ، ولا بد في العَوْد من تجديد النية، ثم يكون اعتكافاً مبتدأً، والذي مضى اعتكافٌ تام [إن] 4 كان لُبثٌ، وإن لم يكن، فعلى ما قدمناه من الخلاف.
و 5 لا فرق بين أن يخرج لقضاء الحاجة، أو لغيرها فيما ذكرناه.
فلو ربط النيةَ بأمدٍ، ارتبطت به.
قال شيخي: إذا خرج، وعاد، فإن قرب الزمان، لم يحتج إلى تجديد النية في المدة المعينة.
وإن بعد الزمان، ففي البناء على

النية المتقدمة، والاكتفاءِ [بها] 1 قولان مأخوذان من تفريق الطهارة، وما ذكرناه فيه إذا لم يكن الاعتكافُ منذوراً.
2367 - قال الإمام: لو نذر اعتكافَ أيام، ولم يشترط التتابعَ، فدخل المعتكَف، ونوى إقامة الوفاء بالنذر، فإذا خرج، وعاد، وقرب الزمان، لم يحتج إلى تجديد النية.
وإن بعد، فعلى القولين؛ فإن التتابعَ إذا لم يكن مستحَقاً، قامت النية في إقامة الوفاء بالنذر، مقام 2 النية في التطوع بأصل الاعتكاف، ولا يختلف النوعان بالاستحقاق، [والاستحباب] 3، وإنما المتبع النيةُ، وصفة التتابع غيرُ مرعية.
ولم يفصل شيخي 4، لمّا قال: " إذا قرب الزمان، فلا حاجة إلى تجديد النية "، بين أن يكون الخروج لقضاء [الحاجة] 5، أو غيرها، وإنما اعتبر قربَ الزمان.
وفي 6 كلام أئمتنا في الطرق: إن الخروج إن 7 كان لقضاء الحاجة، فلا حاجة إلى تجديد النية عند العَوْد، وإن لم يكن لقضاء الحاجة، ففي التجديد عند العود خلافٌ، وإن قرب الزمان؛ لأن الخروج مناقضٌ للاعتكاف، وليس كالتفريق في الزمان اليسير، في الطهارة.
وهذا محتملٌ.
2368 - وفي بعض التصانيف أن مَنْ كان يعتاد دخولَ المسجد، لإقامة الجماعة، أو غيرها، وكان لا يظهر ما يخالف عادته في الدخول والخروج، فلو نوى كلما دخل الاعتكافَ، لم يكن اعتكافاً عند بعض الأصحاب، لأنه غيرُ مخالفٍ لعادته، في دخلاته وخرجاته.
وهذا معدود من سقطات الكتاب 8؛ فإن المكث، والحضور،

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل