نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 71-110
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الرهن

صفحات 71-110
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

3517 - الرهن توثيق الدين بعين مالٍ يسلمها الراهن إلى صاحب الدين، وحقيقةُ الرهن الإثبات، ومنه قيل: الحالة الراهنة، أي القائمة الثابتة.
والأصل في الرهن الكتاب، والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، قوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ﴾ مصدر أقيم جزاءً للشرط بحرف التعقيب، وهو الفاء، فقام مقامَ الأمرِ؛ فإن الشرط والجزاء لا يعتقبان إلا على الأفعال، فجرى ذلك مجرى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92]، وقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196]، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] أي فحرروا، وافدوا، واضربوا، وصوموا.
و" رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه من أبي [الشحم] 1 اليهودي، بشعير استقرضه منه، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهون " 2. والرهن محثوث عليه، وليس حتماً، فإنه قال تعالى في سياق الآية ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283].

وأصل الرهن مجمع عليه، وهو يشتمل على ركنين: مرهون، ومرهون به.
أما المرهون، فلا يكون إلا عيناً، لأن الغرض من الرهن التوثيق، ولا يتوثق الدين بالدين، وهو مشبه بالهبة، من حيث إنه تبرع يفتقر إلى القبول.
ثم الهبة تختص بالعين.
ولو قال: وهبت منك ألف درهم ثم نقدها عن ذمته، وأقبض لم يصح، بخلاف ما لو باع ألفاً بألف، ثم نقدا وتقابضا قبل التفرق.
هذا في المرهون.
وأما المرهون به، فلا يكون إلا ديناً؛ فإن الغرض استيفاء الدين من العين، عند فرض العسر.
ولو كان المرهون به عيناً، فاستيفاؤها من المرهون محال، وهي متعينّة.
وفي ضمان الأعيان المضمونة كلام وتردد سنفرعه على قولي كفالة الأبدان من كتاب الضمان.
وإذا جوزنا ضمان الأعيان المضمونة، فهو بتقدير ضمان قيمتها إذا تلفت، ولا يجوز الرهن بالعين على هذا التقدير في المذهب الظاهر؛ لأن الضامن لا ضرر عليه إذا امتد بقاء العين، فالذمة متسعة لالتزام الحقوق.
ولو جاز الرهن على هذا التقدير، لجر ضرراً دائماً لا نهاية له؛ فإن العين التي يقدر الرهن بها ربما لا تتلف أبداً، فيبقى الرهن دائماً، ويطرد الحجر بدوامه.
فصل قال الشافعي: " والدين حق، فيجوز الرهن به ... إلى آخره " 1. 3518 - قال الأصحاب: أراد حق لازم.
فنقول: قد تقدم أن المرهون به يشترط أن يكون ديناً.
وغرضنا انحصار الرهن في قبيل الديون.
وهذا الفصل يحوي تقاسيم الديون، فهي منقسمة ثلاثة أقسام: دينٌ لازم مستقر في الذمة، كالسلم، والقرض، والأروش، والأثمان، والمهور، والأجور، فيجوز الرهن بهذه الديون.
والقسم الثاني - دين لا يتصف باللزوم، ولا يُفضي إليه، وهو كنجوم الكتابة، فلا

يجوز الرهن بها؛ فإنها لم تتأكد باللزوم، ولا يتصور أن تنتهي إليه في نفسه.
فالتوثيق به لا معنى له.
فان قيل: إذا أدى المكاتب النجم، فقد انتهى إلى التأكد.
قلنا: نعم هو كذلك، ولا حاجة بعده إلى التوثيق.
والقسم الثالث - دين لا يتصف باللزوم في نفسه، ولكنه يفضي إلى اللزوم.
وهذا ينقسم قسمين: منه ما أصله اللزوم، والجواز دخيل فيه مرفق.
ومنه ما أصله الجواز، ولكنه يفضي إلى اللزوم.
أما القسم الأول، فهو كالثمن في زمان الخيار، [فالرهن به جائز.
وهذا يتطرق إليه خلافٌ، لا محالة، متلقى من اختلاف القول في أن البيع في زمان الخيار] 1 هل يتضمن نقل الملك في المبيع إلى المشتري، وفي الثمن إلى البائع؟ فإن حكمنا بأنه يقتضي النقلَ، فعليه قطع الأصحاب بصحة الرهن.
وإن قلنا: إنه لا يقتضي النقلَ أصلاً، فالظاهر منعُ [الرهن] 2؛ إذ لا دين، فيقع الرهن لو وقع قبل ثبوت الدين.
هذا قسم من قسمين انقسم إليهما القسم الثالث.
والقسم الثاني - الجُعْل في الجعالة 3، فمبناه في وضع العقد على الجواز، ولكنه ينتهي إلى اللزوم عند تمام العمل، ففي جواز الرهن به وجهان: أحدهما - أنه جائز كالثمن في زمان الخيار.
والثاني - لا يجوز؛ فإنه قبل اللزوم بعيد عن التوثيق؛ إذ لا يتصور من المتعاقدين في الجعالة أن يلزما الجُعل باختيارهما قبل العمل.
ويتصور من المتبايعين إلزام الثمن باختيارهما.
ومن قال بالوجه الأول، انفصل عن هذا، وقال: لو كان ثبوت الرهن مأخوذاً من اختيار اللزوم، لكان الرهن بالثمن في زمان الخيار متضمناً إلزامَ العقد.
وليس كذلك.
3519 - وكل ما جاز الرهن به صح ضمانه، وكل ما صح ضمانه جاز الرهن به، إلا العهدة فإن ضمانها جائز على ظاهر المذهب -وهو ضمان الدَّرَك- ولا يجوز الرهن

بعهدة المبيع.
والفارق بينهما أن ضمان العهدة إنما جاز مصلحة في العقد، إذ قد لا يثق المشتري بغريب يبايعه، فينكف عن معاملته.
ويلتحق بهذا السبب ضرار بالجانبين، فسوغ الشرع التوثيقَ بالضمان.
ثم لا ضرر في ذلك الضمان؛ فإن الضامن لا طَلِبة عليه قبل بدوّ الاستحقاق.
وإن جوزنا الرهن بالعهدة، لكان ذلك التزام حجرٍ 1 في المرهون لا نهاية له، وهو تنجيز ضرار لا نهاية له على مقابلة توقع ضرار.
وحكى شيخي عن شيخه القفال وجهاًً في جواز الرهن بالعهدة.
والسبب فيه أن الثقة قد لا تحصل إلا به، والرهن منصوص عليهِ في آية المداينات في طلب الوثائق دون الضمان، وما قدر من الضرار غيرُ سديد؛ فإنه إنما يعظم وقع الضرار لما يلزم من غير اختيار، وكلامنا هذا في جواز الرهن إذا وقع الرضاً به، لا في وجوبه.
قال: " وكذلك كل حق لزم في حين الرهن وما تقدم الرهن ... إلى آخره " 2. 3520 - أشار الشافعي إلى أن الآية في دين مخصوص، ثم بين أن ما سواه من الديون اللازمة في معناه.
فنقول: إذا وجب الدين وأنشىء الرهنُ بعده، فهذا رهنٌ لا كلام فيه.
ولو قدم الرهن بشقيه على وجوب الدين، لم يصح عند الشافعي.
فلو قال: رهنتك هذه العين بألف تقرضنيه، فقال المخاطب: ارتهنتُ، ولا إقراض بعدُ 3؛ فهذا مردود، وإن جرى القرضُ بعد ذلك؛ فإن الرهن توثيق الدين، ولا يعقل التوثيق قبل الدين، إلا على مذهب التعليق، وتعليق الرهن باطل.
والقول في الضمان قبل الوجوب كالقول في الرهن.
ثم في المذهب تفصيل طويل

في ضمان ما لم يجب.
سيأتي في أولِ كتاب الضمان، ونذكر ترتيبين في القديم والجديد.
ثم الرهن يجاري الضمان في محل الوفاق والخلاف، إلا في أمثال ضمان العهدة؛ فإن الرهن ينفصل في ظاهر المذهب عن الضمان، ويجري وجه مطرد للقفال في تنزيل الرهن منزلة الضمان.
هذا قولنا في طرفي الثبوت والنفي: ذكرنا تقدم الدين، وإنشاء الرهن بعده، ثم ذكرنا تقدم الرهن بشقيه وابتداء الوجوب بعده.
3521 - ونحن نذكر الآن حكم الاقتران بين الرهن والدين، ونُجري فيه حكم التعاقب أيضاًً.
ونرسم في غرضنا مسائل أرسالاً.
فلو تقدم شِقَّا الرهن على البيع، وذلك أن يتراهنا بالثمن، ثم لا يتفرقا حتى يتبايعا، فالمذهب المثبوت أن ذلك غيرُ جائز.
وأبعد بعض الأصحاب، فجوّز ذلك إذا جمع المجلسُ الرهنَ والبيعَ، وجعل اتحادَ المجلس كالاقتران بالإيجاب والقبول، كما سنصفه الآن.
وهذا ليس بشيء؛ فإن المجلس إن ثبت له حكم، فهو بعد البيع، وعقد الرهن لا [مجلس] 1 له، ولا أثر لخيار المجلس فيه، كما قدمناه.
ثم لو قدر له مجلس، فالبيع بعده ليس من لواحقه.
ونحن إن رأينا إلحاق شيء بالعقد في مجلسه، فهو في توابع العقد الذي المجلس مضاف إليه.
ولولا ذكرُ الأصحاب هذا، لأضربنا عنه.
هذا بيان اجتماع الاقتران بتقدير تقدم الرهن، وتعقب البيع.
فأما إن امتزج إيجاب الرهن واستيجابه بالتواجب في البيع، فالوجه أن نفصله.
فمن صور ذلك أن يتقدم ذكر الرهن، بأن يقول البائع: ارتهنت ثوبك هذا بألف، وبعتك هذه الدار به، فقال المشتري: رهنتُ واشتريت، أو قال: اشتريت ورهنت.
فإذا قدم المبتدىء ذكر الرهن، وعقبه في استكمال الكلام بذكر ما يليق به من شقي البيع، فظاهر المذهب أن هذا غير جائز.

ويلتحق بهذه الصورة أن يقول البائع: بعت وارتهنت، ويقول المشتري رهنت واشتريت، فسواء وجد تقدم شقي الرهن على شقي البيع على صورة الاقتران، أو وجد من أحد الجانبين تقديم شق من الرهن، فالوجه منع صحة الرهن.
ويقرب أن يرتب هذا على تقدم الشقين من الرهن.
ووقوع البيع بعدهما.
ولكن لا ينبغي أن يُعتقد ذلك الوجه الضعيف من أصل المذهب، حتى يُبتنى عليه أو يُرتَب عليه.
فلنبتدىء قائلين: الأصح أن الرهن يفسد في الصورة التي ذكرناها؛ لأنه قُدِّم شق منه أو شقاه على شقي البيع المثبت للثمن، وإذا كان الرهن يستدعي ثبوت الدين، فأحد شقيه يستدعي ذلك أيضاًً.
ووضع الرهن استئخار أوله عن ثبوت الدين.
3522 - ومن المسائل في الباب أن يتقدم مصراع البيع على مصراع الرهن، وذلك مثل أن يقول للبائع: بعت منك هذه الدار، وارتهنت هذا الثوب بالثمن.
فقال المشتري: اشتريت ورهنت، فقدم كل واحد شقَّ البيع على شق الرهن، ووقع شقا الرهن ممتزجين بشقي البيع، على ما وصفناه، وميزنا هذا النوع في التصوير عما تقدم عليه بذكر كل واحد من المتخاطبين شق البيع أولاً، فإنه لو ذكر أحدهما شق الرهن، ثم شق البيع، اتصل بالفن المتقدم على هذا.
ومن صور هذا القسم أن المشتري لو قال: بعني هذه الدار ورهنت هذا الثوب، فقال البائع: بعت وارتهنت، وجعلنا الاستدعاء قبولاً كما سيأتي في موضعه.
هذا بيان الصور.
ونصُّ الشافعي ظاهر في تصحيح البيع في هذه الصور، واتفق على القول بالصحة فيها الأصحاب.
وذكر القاضي في طريقه تخريجاً من عند نفسه، لم ينقله؛ فقال: هذا مشكل؛ فإن أحد شقي الرهن يقع لا محالة قبل ثبوت الثمن بانعقاد البيع، ووضع الرهن يقتضي استئخار إنشاء الرهن عن ثبوت الدين، فقال يظهر أن يخرَّج هذا قولاً.
ويقول: لا يصح الرهن ما لم يتقدم الدين بشقيه، ثم يُنشأ أولُ الرهن بعدهما.

وهذا يظهر تخريجه من مسألة للشافعي في الكتابة؛ فإنه قال: إذا قال السيد لعبده: كاتبتك على ألف درهم، وبعت هذا العبد منك بألف، فقال العبد: قبلت الكتابة والبيع.
قال الشافعي: لا يصح البيعُ؛ فإنه يستدعي ثبوت الكتابة أولاً، وقد جرى أحد شقي البيع قبل انعقاد الكتابة، ولا يصير العبد من أهل المعاملة مع مولاه ما لم تتم الكتابة، فيخرج منع الرهن على هذا خروجاً ظاهراً.
ثم قال: لو أردنا فصلاً بين الأصلين فقهياً، لم نجده إلا أن نتعلق بمصلحة العقد، فنقول: الرهن من مصلحة البيع، فإن نفذ مقترناً بالبيع، كان هذا لائقاً بالمصلحة؛ من جهة أن البائع ربما كان يطلب وقوع الاستيثاق بالرهن مع وقوع البيع، والوجه مزج العقد بالعقد كما ذكرناه.
والبيع ليس من مصلحة الكتابة، فجرى فساد البيع على القياس الذي مهدناه.
وكان شيخنا أبو محمد لا يفرق بين أن يقول البائع: ارتهنت وبعت، أو يقول بعت وارتهنت.
والأحسن أن نفصل بينهما كما ذكرناه.
فإن قيل: لمَ؟ وشق الرهن وقع قبل انعقاد البيع من الوجهين؟ فإذا كان كذلك فأي أثر لتقديم شق البيع أو شق الرهن؟ قلنا: قول القائل: بعت بألف، وارتهنت به، منتظم إلى أن يحكم بالصحة أو الفساد، وقوله: ارتهنت بألف وبعت، ليس له نظم صحيح؛ فإن الرهن يستدعي استئخاراً عن ذكر مرهونه، فيظهر الفرق في نظم العقد، وإن لم يظهر في الوجوب والثبوت.
فرع: 3523 - لو قال: بعتك هذه الدار بألف درهم، بشرط أن ترهنني ثوبك بالألف.
فقال: اشتريت ورهنت.
والتفريع على النص في الحكم بصحة الرهن.
قال الأصحاب: يتم الرهن بما جرى، لأنه وجد من البائع استدعاء الرهن، فكان ذلك بمثابة الارتهان والتلفظ به.
قال القاضي: الذي عندي أنه لا بد من لفظ الارتهانِ، أو القبول من البائع بعد قول المشتري: رهنت؛ لأن الذي وجد منه شرط الإيجاب، وليس باستيجاب.
وهذا يبتني على أن الاستيجاب في البيع والرهن هل يكون بمثابة القبول؛ فإذا قال الرجل:

بعني عبدك هذا بألف، فقال البائع: بعته منك بالألف، فما تقدم من الاستيجاب واستدعاء الإيجاب هل يكفي؟ وهل يحل محل التصريح بالاشتراء والقبول؟ فيه قولان وترتيبُ نصوص سنذكرها في موضعها.
فإن قلنا: الاستيجاب لا يكفي، فلا كلام.
وإن قلنا: الاستيجاب يكفي في البيع، فإنه كاف في الرهن أيضاً.
فعلى هذا إذا قال البائع: بعتك هذه الدار بألف درهم بشرط أن ترهنني ثوبك، فقال: اشتريت ورهنت.
فقوله بشرط أن ترهنني هل ينزل منزلة قوله بعت منك بألف وارهنِّي ثوبَك؛ فيه تردُّدٌ.
والأصح في القياس ما ذكره القاضي.
وإن كان الأشهر غيره.
فصل قال: " ولا معنى للرهن حتى يكون مقبوضاً ... إلى آخره " 1. 3524 - لا يلزم الرهن دون القبض، خلافاً لمالك 2 -رحمه الله- وهذا الخلاف مطرد معه في الهبة والعارية المؤقتة.
والتأجيل في القرض واعتبار الرهن بالهبة قريب؛ من قِبل أن كل واحد منهما تبرع، والمتبرع قد يتعرض للندم، والمعاوضات تبعد عن إمكان الندم.
ثم جعل الشارع لما ذكرناه من توقع الندم منتهى ومَردّاً، وهو القبض، ولسنا نتمسك بهذا المعنى تمسك من يقصد الاستقلال به، بل مقصودُنا تشبيه الرهن بالهبة، وهو ظاهر.
ثم المعتمد في الهبة حديمث لأبي بكر -رضي الله عنه- في ذلك، سنذكره في كتاب الهبات، إن شاء الله تعالى.
ثم قال الشافعي: " حتى يكون مقبوضاً من جائز الأمر حين رهَنَ، وحين أقبض ... إلى آخره " 3.

3525 - أما اشتراط الاستقلال والاتصاف بشرائطه عند العقد وعند القبض، فبيّن لا إشكال فيه، وإنما الكلام فيه إذا تخللت أحوال بين العقد وبين القبض، ثم فرض زوالها، فهل يُقضى بارتفاع العقد وانفساخه؟ أم كيف الكلام؟ الذي يقتضيه الترتيب أن نذكر موت الراهن، أو موت المرتهن بين العقد والقبض، نص الشافعي على أن الرهن يسلم إلى ورثة المرتهن، وهذا تصريح منه بأن الرهن لا يبطل بموت المرتهن قبل القبض.
وحكى بعض أصحابنا نصّاً أن الراهن لو مات قبل الإقباض، بطل الرهن.
ثم اختلف الأئمة: فمنهم من جعل في موت الراهن والمرتهن قبل القبض قولين: أحدهما - أن الرهن يبطل بموت كل واحد منهما؛ فإنه على حقيقة الجواز قبل القبض، والعقود الجائزة تنفسخ بموت أحد المتعاقدين في أثناء الجواز، والذي يحقق ذلك أن القبض فيما يشترط القبض فيه يقع موقع أحد جوابي البيع وغيره؛ فإنه ركن في تحصيل مقصود العقد.
والقول الثاني - لا يبطل العقد بموت كل واحد منهما؛ فإن مصير العقد إلى اللزوم على الحد المعلوم، فكان الموت قبل القبض كموت أحد المتعاقدين في زمان الخيار.
ومن أصحابنا من قال: يبطل الرهن بموت الراهن قبل القبض، ولا يبطل بموت المرتهن.
والفارق أن الراهن ربما يموت وعليه ديون مستغرقة، فإذا لم يلزم الرهن بالقبض، فالوجه انقطاع الرهن، وتقديم الحقوق اللازمة.
وإن لم يكن ديون، فلا نظر إلى هذا، بل النظر إلى إمكانه.
قال الشيخ أبو محمد: السديد في ذلك أن نقول: إن مات الراهن وخلَّف ديوناً مستغرقة، فلأصحاب الديون المنعُ من تخصيص المرتهن بشيء.
لا يجوز خلاف ذلك.
فأما إذا لم تكن ديون مستغرقة، أو كانت، ورضي الغرماء بالتخصيص وإنفاذ الرهن؛ فإذ ذاك يختلف الأصحاب.
3526 - والمذهب الظاهر أن الرهن لا يبطل بموت المرتهن، ولا بموت الراهن، لما ذكرناه من أن العقد مصيره إلى اللزوم، والعقود الجائزة التي تنفسخ بالموت

فمستندها أمر وقول لا لزوم له، فإذا مات القائل، انقطع أثر قوله، كالجِعالة 1، والوكالة.
ولهذا قال المحققون: لا يشترط القبول في الجِعالة والوكالة، فإذا آل سبب الانفساخ إلى انقطاع قول القائل، تضمن الموتُ لا محالة الانفساخَ.
والرهنُ عقدٌ تام يشير إلى مقصود يتوقف لزومه على القبض، فكان هذا يقتضي أن يبقى العقد على صفته بعد العاقدين.
وبعد موت أحدهما.
التفريع: 3527 - إن حكمنا أن الموت لا يُبطل الرهن، فلو فرض طريان الجنون، فهو أولى بأن لا يبطله.
ثم إن جُن المرتهن، نصب القاضي قيماً يقبض الرهنَ إن ساعده عليه الراهن.
وإن جُن الراهن، نظر القيم في صلاح الأمر، فإن رأى الأصلحَ له أن يقبض أقبض، وإن رأى الأصلح في الفسخ، فسخ.
وإن قلنا: طريان الموت يتضمن انفساخ الرهن، ففي طريان الجنون وجهان، وسنذكر تفصيل الجنون والإغماء، وما في معناهما، إن شاء الله عز وجل.
وإن طرأ السفه بين العقد والقبض، فاقتضى طريانه عود الحجر أو إعادته، فإذا طرأ 2 الحجرُ، ففي انفساخ الرهن خلافٌ مرتب على الجنون، وهذا أولى بأن لا ينفسخ الرهن فيه؛ لأنه بالسفه لم يخرج عن أن يكون من أهل العبارة لو أُذن له فيها، واستقصاء ذلك في كتاب الوكالة، إن شاء الله تعالى.
فرع: 3528 - إذا باع الراهن الرهن قبل القبض، أو وهب، أو أصدق، أو أعتق، فكل ذلك يصح منه، ويكون رجوعاً في الرهن.
فأما إذا أجَّر المرهون قبل القبض، أو زوج الجارية: أما التزويج قبل القبض، فإنه لا يكون رجوعاً في الرهن؛ فإن التزويج لا يرِد على مورد الرد 3، ولا يمتنع رهنُ المزوَّجة ابتداء.
وأما الإجارة، فإن قلنا: لا يمتنع رهن المُكرَى وبيعُه، فهو كالتزويج.
وإن

قلنا: يمتنع رهنُ المكرَى، الأصح أن الإجارة تكون رجوعاً.
ومن أصحابنا من لم يجعلها رجوعاًً على هذا القول.
وهو بعيد.
ولو دبر العبدَ قبل القبض، فالمنصوص أن ذلك رجوع عن الرهن، وخرَّج الرّبيعُ قولاً آخر أنه لا يكون رجوعاًً، وهذا منقاس؛ إذ بيع المدبَّر جائز عندنا، وهذا كاختلاف القول في أن المدبر هل يجوز رهنه.
ولو دبر عبداً، ثم رهنه، ففيه كلام يأتي بعد هذا على قرب.
وكل ذلك ينشأ من نصّ الشافعي: في أن من أصدق امرأته عبداً، فدبرته، فطلقها الزوج قبل المسيس، فهل يرجع في نصف المدبر؟ فيه كلام سيأتي، إن شاء الله عز وجل.
وسأجمع -بتوفيق الله- مراتب الكلام في الرجوع في كل فن يقبل الرجوع، في باب الرجوع عن الوصايا.
وقد قدمت طرفاً منه في أول البيع.
فصل قال: " وما جاز بيعه جاز رهنه ... إلى آخره " 1. 3529 - قال الأصحاب: الأشياء في البيع والرهنِ على أربعة أقسام: أحدها - ما لا يجوز بيعه، ولا يجوز رهنه ككل ما لا يُملَك، وكالموقوف، وأم الولد، والآبق، وما لا يتمول.
والقسم الثاني - ما لا يجوز رهنه، وفي بيعه تفصيل، ومنه الدين، فإنه لا يجوز رهنه وفي جواز بيعه خلاف، وقد يلتحق بهذا القسم المدبر والمعلق عتقُه بصفةٍ، فإن بيعهما نافذ، وفي رهنهما كلام سيأتي.
والقسم الثالث - ما يجوز رهنه على وجه، وفي بيعه خلاف، ومنه العقد على الأم دون الولد، وعلى الولد دون الأم.
هذا جائز في الرهن، وفي البيع كلام.
والقسم الرابع - ما يجوز بيعه ورهنه، وهو معظم الأعيان المملوكة على الإطلاق.
وسنلحق بكل قسم ما يليق به في مسائل الكتاب، والذي ذكرناه الآن تراجم.

وغرض الشافعي بما قال تجويز رهن المشاع، وهو مذهبنا، والخلاف فيه مع أبي حنيفة 1 مشهور.
ثم إذا جرى الرهنُ في المشاع، فالقبض فيه يتأتى بتسليم كله، ثم يرتد إلى المالك النصفُ الذي لم يرهن على مهايأة ومناوبةِ، ولا يمتنع صحة الرهن.
وإن كان القبض يتبعض بحكم الشيوع.
ونحن قد نبعض القبض لتوفير المنافِع على الراهن، على ما سيأتي ذلك، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: " ويجوز ارتهان الحاكم، وولي المحجور عليه، ورهنهما عليه في النظر له ... إلى آخره " 2. 3530 - صوّر الأئمة من ولي الطفل الارتهانَ للطفل، وصوروا منه أيضاًً رهن مال الطفل، واتفقوا على الجملةِ أن الرهن والارتهان منه متقيد بشرط الغبطة، ورعاية المصلحة.
اتفق العراقيون على أن الأب ليس له أن يبيع شيئاًً نسيئةً من مال الطفل، ولو باع بأضعاف الثمن من مليء وفي إلى أجلٍ قريب، ولم يرتهن شيئاً ولكن وثق بيسار المشتري وانتظام حاله، وزعموا أن هذا تغريرٌ بمال الطفل، ورفعٌ للملك واليد عنه لا في مقابلة عوض ناجز.
وهذا الذي ذكروه لم أر في طرقنا ما يخالفه على التصريح، ولكن في معاني طرقنا ما يجوِّز ذلك، وليس بيع ماله نسيئة من غير رهن بأكثر من الإبضاع بمال الطفل، وقد ذكرنا في تجارة الوصي في مال اليتيم أن ذلك جائز، ومعظم الأرباح ونماء التجاير يقع في النسايا 3.

أما البيع نسيئة مع الارتهان، فجائز لا منع فيه على الجملة، على شرط رعاية الغبطة.
3531 - وها نحن نفصلها بالمسائل.
فنذكر الارتهان للطفل، ثم نذكر رهن مال الطفل، فأما الارتهان للطفل، فقد يفرض في بعضِ المواضع نظراً محضاً، فالوجه القطع بنفوذه، وذلك إذا أتلف رجل مالاً من أموال الطفل، والتزم قيمتَه، فإذا رهن بما لزمه للطفل مالاً، فلا شكّ في صحة الرهن؛ فإنه يقع محض فائدة 1 مجرّدة للصَّبي؛ فإنه يتوثق دينُه إلى اتفاق القضاء وليس عليه من الارتهان غرر ولا ضرر.
ومن صور الارتهان للطفل أن الولي إذا رأى أن يبيع شيئاًً.
من ماله نسيئة على أن يرتهن، والبيع على شرط الغبطة، فالرهن صحيح.
والعراقيون لما قطعوا بمنع البيع نسيئة، قيدوا القطع في المنع بما إذا لم يكن بالثمن رهن.
فأمّا إذا كان به رهن واقترنت المصلحة بالمعاملة، فلا مانِع من الجواز.
وإذا كان الولي يخاف النهب والغارة فرأى إيقاع مال الطفل في ذمة مليء وفيّ على أن يرتهن له، كان ذلك جائزاً.
ولو باع مالَه نسيئة بمثل ما يُشترى به نقداً وارتهن، فالبيع باطل، والارتهان فاسد؛ فإن ثبوت الرهن موقوف على ثبوت مرهون به، فإذا لم يثبت، لم يصح الرهن.
ثم إذا قبض الرهن على الفساد، فهو أمانة.
هذا من الأصول المتفق عليها؛ فإن ما لا يقتضي ضماناً إذا صح، ففاسده لا يقتضي الضمان، على ما سيأتي ضبط أمثال ذلك.
وكذلك لو أقرض مال الطفل، لا في نهب ولا عند إرهاق حاجة، فالإقراض فاسد.
ثم إذا أفسدنا المعاملة على مال الطفل، فالعين مُتَّبعةٌ أينما صودفت، وإن تلفت في يد المشتري أو المستقرض، توجّه الضمانُ عليه، والضمان على كل حال متوجه على الولي لتفريطه، ورفعه اليدَ عن مال الطفل لا على جهة الغبطة.
فهذا تفصيل الصور التي يجرى فيها الارتهان للطفل.

3532 - فأما رهن مال الطفل، فهو إيقاع طائفة من ماله في حَجْر الرهن، ولا يجوز هذا إلا بغبطةٍ ظاهرة عريّة عن الغرر، أو حاجة ماسَّة على ما سنصف المسائل الآن.
فأمّا الحاجة: فإذا مست حاجة الطفل إلى ما يصرف إلى نفقته، وكان ماله عقاراً، فضن الولي بالعقارِ، ولم ير بيعه واستمكن من استقراض شيء يُتزجَّى 1 به، ولم يُبْعِد أن يتأدى ذلك الدين من رَيْع الضيعة، ولكن لا يتمكن من هذا إلا برهن ذلك العقار، فهذا جائز، وظهور المصلحة فيه بيّن.
هذا بيان الحاجة.
فأما الغبطة: فإذا رأى الولي شيئاً يباع بألفٍ نسيئة.
وكان يساوي ألفين، ولكن كان لا يستمر الأمر إلا برهن شيء يساوي ألفاً من مال الطفل، فالولي يفعل ذلك؛ فإنه يتنجز فائدةَ الطفل، وليس عليه غرر؛ فإن الرهن لو تلف وأدى الولي ألفاً، لم يخسر الطفل شيئاً؛ فإن المشترَى يساوي ألفين.
وبمثله لو كان لا يقنع في هذه المعاملة إلا برهنٍ يساوي ألفين، فلا غبطة؛ من جهة أن الحيلولة تقع ناجزة بين التصرف للطفلِ، وبين الرهن في الحال، ويجب بذل ألف في ثمن السلعةِ، فإذا بذل الألف وفُرض التلف في الرهن، فالثمن وقيمة المرهون ثلاثة آلاف، والحاصل للطفل من المعاملة ألفان.
فإن قيل: العين المرهونة كانت تتلف أيضاً لو بقيت في يد الطفلِ غير مرهون.
قلنا: نعم ولكن انتجز منعُ التصرف فيه، ولو كان التصرف سائغاً لكان ربما يسبق التصرف، فآل المنعُ إلى تنجيز الحجر وضم الثمن.
قال شيخي أبو محمد لو كان المرهون بحيث لا يتلف في مطّرد العادة كقراح من الأرض، فهذا فيه احتمال؛ من جهة أن الزيادة حاصلة في قيمة المبيع، وتحصيل الزيادة تنجيزُ ملك له على مقابلة حجر في الحال، والتسبب إلى رفعه بأداء الثمن

قريب.
وهذا الذي ذكره محتمل حسن؛ فإن الذي حقق الغرر تقدير تلفِ المرهون أمانة، كما سبق التصوير فيه.
والذي ذكره شيخنا وإن كان منقاساً، فهو على خلاف ظاهر المذهب.
هذا تفصيل القول في الارتهان للطفل، وفي الرهن من ماله.
3533 - وذكر العراقيون وجهاًً بعيداً أخرته حتى لا ينتظم في ترتيب المذهب: وذلك أنهم قالوا: ذهب بعض أصحابنا إلى أن بيع مال الطفل نسيئةَ قط لا يجوز، وإن فرض التوثق بالرهن، والتشوف إلى الغبطة الظاهرة، وإنما يجوز التأجيل في بعض الثمن إذا نقد من الثمن قيمةَ السلعة، يعني القيمة التي تشترى بها نقداً، وذلك إذا كانت السلعة تساوي مائة نقداً، ومائة وعشرين نسيئة فباع الولي بمائة وعشرين، مائة منها نقداً وعشرون نسيئة وبالعشرين رهن.
قال هذا القائل: لا تجوز النسيئة إلا كذلك في بعضٍ من الثمن.
وهذا بعيد لا أصل له، ولا ينتظر هذا عاقل.
ثم اشتراط الرهن في الفاضل من القيمة المنقودة خارج عن قياس المعاملات؛ فإن تيك الزيادة لو لم تحصل، لم يضع بتعذرها شيء من مال الطفل، فلا أصل لهذا الوجه.
والتعويل على ما رتبناه في الارتهان والرهن.
3534 - ثم قال المعتبرون من أئمة المذهب: تصرف المكاتب في الرهن والبيع بنسيئة كتصرف الولي للطفل؛ فإن تصرف المكاتب -إذا لم يشتمل على تركِ النظر- مُطلق لهُ وأقصى النظر المرعي ما نأمر به الأولياء في حق الطفل.
وذكر العراقيون والشيخ أبو علي وجهاً آخر أن المكاتب لا يبيع نسيئة، على الاستقلال، وهو على كل حال في حقه معدود من التبرعات، سواء ارتهن أو لم يرتهن.
والولي في مال الطفل أبسطُ يداً من المكاتب وعليه حجرُ الرق، فإذاً بيعه نسيئة على هذا الوجه ملحق بتبرعاته.
فإن استقل، لم ينفذ، وإن استأذن السيد، فعلى قولين قياساً على سائر تبرعاته.
ولو رهن المكاتب حيث ينفذ رهن الولي [في مال الطفل، ففي رهنه من الكلام

ما في بيعه نسيئة.
فالذي ذهب إليه أهل التحقيق أنه ينفذ رهنه حيث ينفذ رهن الولي] 1. وفي المسألة وجه آخر حكَوْه: أن رهنه تبرع، ولا يخفى حكم تبرعه.
ثم إن قلنا: لا ينفذ الرهن من المكاتب، ففي نفوذه من العبد المأذون وجهان؛ من جهة أن الرهن في نفسه حجر، وليس من عقود التجارة.
وهذا يقرب من الاختلاف الذي ذكرناه في أن العبد هل يملك إجارة الرقاب التي يتصرف فيها؟ ووجه التشبيه أن الإجارة والرهن ليس من عين التجارة، وهو مأذون له في التجارة.
فصل قال: " ولو كان لابنه الطفل عليه حق ... إلى آخره " 2. 3535 - ما قدمناه من رهن مال الصبي على شرط الغبطة، ومن الارتهان له، يستوي فيه الأب، والقيم الأجنبي، والوصي، فلا خلاف في وجوه التصرّفات ووجوه النظر.
وإنما خالف الولي الوصيَّ فيما قدمناه في كتاب البيع من حمل ظاهر تصرف الولي على المصلحة، وعلى من يدعي خلافَها الحجةُ، والوصي يطالب بإقامة الحجة على رعاية المصلحة.
وهذا الفصل يختص مضمونه بالأب والجد، فإذا كان لابنه الطفل عليه دين، فارتهن مال نفسه لطفله بالدين الذي للطفل عليه، جاز هذا.
ولو ارتهن مال الطفل من نفسه حيث يجوز له أن يرهنه من غيره، فيصح، ولا يأتي هذا في الوصي والقيّم والحاكم؛ فإن هؤلاء لا يتولَّوْن طرفي العقد.
ثم إذا باع الأب من نفسه مال طفله، أو باع من طفله مال نفسه، أو رهن منه أو ارتهن له، فهل عليهِ أن يأتي بشقي العقد الإيجاب والقبول؛ أم يكفيه الإتيان بأحد

الشقين؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - لا بد من أن يقول: رهنت وارتهنت، وبعت واشتريت، أو بعت ورهنت، وقبلت؛ لأن العقد استقلاله بركنيه وبهما كان عقداً.
والثاني - يكتفى بأحد الشقين، والتعيين إلى اختيار الولي؛ فإن التواجب تخاطب، وهذا لا ينتظم من الشخص الواحد، فيكفي الإثبات بشق لرسم العقد، والتنصيص عليه.
وإذا اكتُفي بعاقد واحد لم يبعد الاكتفاء بلفظ واحد.
وإذا باع الأب من طفله أو ابتاع من ماله، ففي ثبوت خيار المجلس خلاف: من أصحابنا من قال: لا يثبت؛ فإن المجلس منتهاه التفرق وهو بين شخصين.
ومنهم من أثبت خيار المجلس.
ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم: ينقطع الخيار بمفارقة مجلس العقد.
وقال آخرون: لا ينقطع الخيار إلا أن يختارَ إلزام العقد، ويقطعَ الخيارَ لفظاً؛ فإنه في مقام البائع والمشتري، فمفارقته المجلس كاصطحاب المتعاقدين ومفارقتهما المجلس.
وإذا رهن من طفله أو ارتهن من مال طفله، فهل يحتاج إلى إجراء قبض؟ الكلام فيه كالكلام فيما إذا رهن الوديعة عند المودعَ، وسيأتي ذلك في فصلٍ، فإذا استقصيناه، أعدنا القول في الأب.
فصل قال: "وإذا قبض الرهنَ، لم يكن لصاحبه إخراجُه من الرهن ... إلى آخره" 1. 3536 - إذا رهن شيئاً وألزم الرهنَ بالإقباض، تأكدت الوثيقة، ولا فكاك إلا بسقوط الدين إما بالأداء وإما بالإبراء، أو بفسخ المرتهن الرهنَ؛ فإن الرهن جائز في حقه.
أما الراهن، فلا يجد سبيلاً إلى الفِكاك ما بقي الدين، فلو أدى معظمَ الدين، لم ينفك من الرهن شيء، ما بقي من الدين حبة، أو أقل، ولا يتوزع الدينُ على قيمة

المرهون؛ حتى يقال: إذا أدى بعضاً، فك من الرهن بقسطه.
وإذا أثبتنا حق الحبس للبائع، فلو أدى المشتري بعض الثمن، فالذي اختاره الأئمة أنه لا يستحق تسليمَ شيء من المبيع إليه ما لم يوفِّ الثمنَ بكماله، والمحبوس في هذا الحكم بالثمن كالمرهون المحبوس بالدين.
ولو كان لرجل على رجلين دين عن جهة واحدةٍ، أو جهتين، فرهنا بما عليهما عبداً مشتركاً عند مستحِق الدين، وأقبضاه إياه، فإذا أدى أحدُهما ما عليه من الدين، انفك الرهنُ في حصته؛ إذ لا تعلّق لرهنه نصيبَه برهن صاحبه.
ولو وكلا وكيلاً حتى رهن عبدهما المشترك من مستحِق الدين، فإن علم المرتهن صورةَ الحال، فالأمر على ما تقدم.
ولا يختلف الأمر باتحاد الوكيل.
وقد ذكرنا تردد الأصحاب في اتحاد الوكيل وتعدده في البيع والشراء، وأن الاعتبار في تعدد الصفقة بالوكيل المباشر للعقد أم بالموكل، هذا ذكرناه على الاستقصاء في كتابِ البيع في الفصل المشتمل على شراء رجلين عبداً من رجل، أما الرهن، فلا أثر فيه للوكيل، والنظر إلى الموكل؛ إذ ليس الرهن عقد ضمان حتى ينظر فيه إلى من تولاه، بخلاف البيع.
ولو جرى الرهن والاقتراض من شخص واحد، ولم يشعر المقرِض المرتهن بكون المستقرض الراهن وكيلاً، ثم تبين أنه وكيل شخصين في الاقتراض والرهن، فالمذهب الأصح في هذه الصورة أن أحد الموكِّلين إذا أدى الدين، انفك الرهن في حصته.
ومن أصحابنا من قال: إذا جرى الرهن على ظن أن المتعاطي هو صاحب الأمر، لم يحصل الانفكاك في شيء ما بقي من الدين شيء.
وهذا غريب.
ولكن حكاه صاحب التقريب قولاً وكرره، في مواضع.
ومثل هذا القول يشوّش قاعدة [المذهب، فحق الناظِر أن يكتفي بمعرفته، ولا يعتده من أصل] 1 المذهب.

فرع: 3537 - إذا رهن رجل عبداً من رجل بألف درهم، ومات الراهن، وخلف ابنين؛ فأدى أحدُهما حصته، وهو خَمسمائة، فهل ينفك الرهن في نصف العبد؟ ذكر صاحب التقريب قولين 1: أحدهما - ينفك، كما لو كان الراهن في الابتداء اثنين.
وهذا ضعيف لا أصل له.
والقول الثاني - أنه لا ينفك من الرهن شيء ما بقي من الدين شيء، وهذا ما قطع به الإمام والمحققون؛ فإن الرهن في الابتداء اقتضى وثيقةً على وجهٍ، فلتدم تلك الوثيقة.
وإنما ينقدح القولان في فك تعلّق التركة، فإذا مات رجل وعليه دين متعلق بتركته، فإذا أدّى أحد الوارثين لحصته، فانفكاك تعلق الدين بحصته لا يبعد أن يخرج على قولين مبنيين على أن أحدهما لو أقر بالدين، وأنكر الثاني، فهل يلزم المقر تأدية الدين من حصته من التركة؟ فيه قولان مشهوران، كما سنذكرهما في كتاب الأقارير.
فأما وثيقة أثبتها شخص واحد على قضية، فيبعد أن تزول تلك القضية بموته، وتعدد ورثته، ولهذا التفاتٌ على موت السّيد المكاتِب وتخليفه ورثة، وأداء المكاتَب حصةَ بعضهم.
والقول في هذا طويل.
فصل قال: " ولو أكرى الرهنَ من صاحبه أو أعاره أياماً، لم ينفسخ الرهن ... إلى آخره " 2. 3538 - اختلف الأصحاب في صورة المسألة: فمنهم من قال: صورة المسألة أن يكتري الراهن المرهونَ من المرتهن، لأن الإكراء إنما يصح منه؛ إذ هو المالك والمستحِق للتصرف في المنفعة، فعلى هذا يسمَّى المرتهن صاحبَ الرهن بماله من حق الحبس.
وقصد الردَّ على أبي حنيفة 3 حيث قال: الرهن والكراء لا يجتمعان.

وإذا أجزنا، فآخرهما ينقضُ 1 أولهما.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة أن يكري المرتهن المرهون من الراهن، ويُقبضه على اعتقاد الإجارة، فلا شكّ أن الإجارة فاسدة؛ فإنها ليست صادرة عن استحقاق، ولكن الغرض أَن المرهون وإن رجع إلى يد الراهن، فلا يُقضى بانفساخ الرهن، وإن كان العود إلى يده برضا مستحِق اليد، وهو المرتهن.
ومن أصحابنا من صور إجارةً تصح من المرتهن لينتظم كلامُ الشافعي، فقال: لو أكرى رجل عبداً من رجل، ثم إنه رهنه منه، فالعقدان ثابتان، والمرتهن يتصرف في المنافع؛ فإنه مستحقها بالإجارة السابقة.
فإذا أجر ذلك العبدَ من الراهن ففي صحة الإجارة وجهان، سيأتي ذكرهما في كتاب الإجارة.
وسبب الخلاف كون المستأجر مالكاً للرقبة، فهذه صورة الإجَارة الصحيحة على وجه.
وغرضُ الفصل أن الرهن لا يبطل برجوع العين إلى يد الراهن.
فصل قال: " ولو رهنه وديعةً له في يده ... إلى آخره " 2. 3539 - إذا أودع رجل عيناً عند رجل، ثم إن مالك العين رهنها من المودَع، فالذي نص عليه هاهنا أنه لا بد في القبض من إذنٍ، ونفسُ عقد الرهن مع ثبوت اليد للمرتهن، لا يكون متضمناً إذن في القبض.
ونص على أنه لو وهبَ شيئاً وهو في يد المتهب، صار مقبوضاً من غير إذنٍ جديد.
ونصه هذا يخالف نصَّه في الرهن، فاختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من جعل في المسألة قولين بالنقل والتخريج أحدهما - لا يشترط الإذن في القبض، لا في الرهن، ولا في الهبة؛ فنفس العقد إذا صادف اليدَ من المرتهن والمتهب، كان

متضمنا إذناً في القبض.
والقول الثاني - وهو القياس أنه لا بد من الإذن في القبض في المسألتين؛ فإنه لم يَجْر له تعرض، واليدُ السابقة كانت يدَ وديعة أو يداً عن جهة أخرى.
ومن أصحابنا من أقر النَّصين في الرهن والهبة قرارَهما، وشرط الإذن في القبض في الرهن، ولم يشترط ذلك في الهبة.
وفرق بينهما بالقوة والضعف، فالهبة مملِّكة والرهن مقصوده إثباتُ اختصاص.
فإن قلنا: لا بد من الإذن، فالعقد قبل الإذن على الجواز، وهو رهن غير مقيدٍ بالقبض، وإذا جرى الإذن، لم يحصل القبض بمجرد الإذن أيضاً، حتى يمضي من الزمان ما يتأتى فيه القبض، وهو زمان يسع الرجوع إلى موضع الوديعة.
وعلة هذا أنا نريد أن نجعل دوام اليد كابتداء القبض بالإذن، ولا أقل من أن يجري زمنٌ يُتصوّر فيه ابتداء القبض لو أُريد ذلك.
وإن جعلنا نفسَ العقد إذناً في القبض، فلا بد وأن يمضي من وقت العقد زمان يسع إمكان الإقباض بتقدير الرجوع إلى المكان الذي به العين.
وقد اتفقت الطرق على اعتبار الزمان.
قال الشافعي: " لو كان في المسجد والوديعةُ في البيت، لم يكن قبضاً حتى يصير إلى منزله الذي هو فيه " 1. فإذا ثبت اعتبارُ مضي الزمان، فهل يشترط حقيقةُ الرجوع من القابض، ومعاينة العين، فعلى وجهين: أحدهما - لا يشترط ذلك، بل يكتفى بمضي زمان إمكان الرجوع؛ فإن الأمر مبني على استدامة، لا على ابتداء فعل.
والذي يليق ثَمَّ بالاستدامة الاكتفاء بزمان الرجوع.
والوجه الثاني - أنه لا بد من الرجوع حتى يصير الدوام مع الثقة بوجود العين بمثابة افتتاح إقباض.
ونصُّ الشافعي دليل عليه؛ فإنه قال: " لو كان في المسجد والوديعةُ في البيت، لم يكن قبضاً حتى يصير إلى منزله ".

وذكر بعض أصحابنا وجهاًً ثالثاً، فقال: إن كانت العين مأمونةَ التلف، فلا حاجة إلى الرجوع والمعاينة، وإن كان لا يأمن تلفه، فلا بد من الرجوع والمعاينة.
ثم ما ذكرناه من الأمر يُكتفى فيه بغلبةِ الظن، ولا يشترط اليقين في ذلك.
قال العراقيون: هذا هو المذهب.
عنَوْا مضيَّ الزمان وحَكَوْا عن حرملة من أصحابنا: أنا إذا لم نشترط إذناً، فلا نشترط مضيَّ مدة أيضاًً، ولكن يتم القبض بنفس العقد ولفظه حكماً.
فظاهر ما نقلوه عن حرملة سقوطُ اعتبار الزمان على قولنا: أنا لا نشترط إذناً في القبض.
ومقتضى نقلهم أنه يوافق الأصحابَ على قول اشتراط الإذن، ويعتبر مضي الزمان من وقت الإذن.
وقياس مذهبه إسقاط اعتبار الزمان بعد الإذن، كما يسقط اعتباره بعد العقد إذا لم يشترط الإذن.
3540 - ومن تمام التفريع على المذهب المشهور أنا إذا اشترطنا الرجوعَ إلى مكان العين، فهل يشترط أن ننقلها من مكان إلى مكان، كما يقع مثله قبضاً وإقباضاً بين اثنين؛ فعلى وجهين: أحدهما - لا بد منه، لتثبت صورة القبض.
وكأن هذا القائل ليس يقنع بدوام اليد.
وهذا ضعيف؛ فإنه إن كان يشترط إجراء قبضٍ، فكيف يكون الشخص الواحد قابضاً مقبضاً؛ وقد ذكرنا ما فيه من مسائل القبض في كتاب البيع.
ثم استكمل التفريع الشيخ أبو علي 1 فقال: إذا ثبت أنه لا بد في القبض من انقضاء زمان بعد الإذن، ولا بد من الإذن، فابتداءُ المدة من وقت الإذن، فلو كان الكلام في مبيع، فهو قبل انقضاء المدة في ضمان البائع لو تلف، ولو تلف بعد المدة، فهو من ضمان المشتري.
وإذا شرطنا الإذن في القبض في الرهن والهبة؛ فيصح الرجوع عن الإذن قبل انقضاء المدة.
ولو انقضت المدة، ولم نشترط الرجوع إلى عينه، لم يؤثر رجوعه عن الإذن.
وكل ذلك بيّن.
ولكني أحببت نقلَه منصوصاً لإمام.

وتمام بيان الفصل في شيء: وهو أنا إذا جعلنا نفسَ العقد منهما إذناً في القبض، فهل يملك العاقد الرجوعَ قبل مضي الزمانِ؟ فعلى وجهين أشار إليهما صاحب التقريب، وصرح بهما شيخي: أحدهما - أن الرجوع ممكن؛ إذ لا قبض بعدُ.
والثاني - لا؛ فإن القبض صار ضمناً للعقد.
ولعل حرملة قال ما قال عن هذا، حيث أسقط اعتبار الزمان على قول اشتراط الإذن.
هذا كشف الغطاء في الفصل.
3541 - ولم نتعرض فيما أجريناه للبيع والقبض فيه، وهذا أوانُ ذكرِه.
وقد قطع الأئمة [في] 1 الطرق أنه لا حاجة إلى إذنٍ في القبض في البيع، بل إذا باع مالك الوديعةِ الوديعةَ من الموح، ومضى زمان يحتمل الرجوعَ، فقد استقر العقد، وانتقل الضمان.
وفرّقوا بَيْن البيع، والهبة، والرهن، بأن قالوا: البيع مقتضاه وجوب الإقباض على الجملة، فإذا أورده المالك على يد المشتري فقد أوجب له القبضَ.
والقبضُ لا يستحق قط على الراهن والواهب، بل وَضْعُ العقدين على وقوف القبض على اختياره.
وهذا يتأكد بحصول الملك للمشتري، فإذا انضم ملكُه إلى دوام يده [و] 2 ورد عليه العقد، تم الأمرُ.
وعلى هذا ظهر خلاف بين الأصحاب في أن الزمان هل يعتبر بعد جريان العقد؟ فمنهم من قال: لا حاجة إلى الزمان مع تأكد الحال في اجتماع الملك واليد.
ومنهم من قال: لا بد من اعتبار الزمان، كما ذكرناه في الرهن والهبة.
هذا هو المسلك المشهور للأصحاب.
وذكر الشيخ أبو علي في الشرح وجهاًً أن القبض لا يحصل، ولا يبطل حق البائع في حبس المبيع إذا أثبتنا له حقَّ الحبس، ما لم يأذن في القبض، أو يتوفر عليه الثمن

من جهة المشتري.
وهذا غريب.
وإن كان قياسه على قبض الهبة والرهن واضحاً.
ثم لو وفر الثمن على هذا الوجه الضعيف أو أذن البائع في القبض، ففي اعتبار الزمان ما ذكرناه من الخلاف.
والذي ينقدح لنا في هذا: أنا إن لم نُحصل القبضَ حتى يتوفر الثمن، فينبغي أن تكون العين في يد المشتري بمثابة المبيع يقبضه قبل توفير الثمن، حتى لو فرض التلف، لجرى الأمر فيه كما أوضحناه في كتاب البيع.
وهذا يلتفت على قبض الطعام المشترى مكايلة جزافاً.
هذا منتهى البيان في أطراف الفصل.
3542 - وقد كنا وعدنا أن نذكر حكم قبض الأبِ إذا رهن من طفله، أو ارتهن من مال طفله.
[فنقول: إن ارتهن من مال طفله، فاليد في مال طفله له؛ فهو كالموح، ولكن الترتيب في المودَع يتعلق بإذن المالك، والمرعيّ هاهنا قصد الأب.
ثم الكلام بعد قصده في الزمان كما مضى.
هذا إذا ارتهن من مال طفله] 1. فأما إذا رهن من الطفل فيرعى أن يقصد إقباضَه، وإقباضُه أن يقبض له.
ثم القول في المدة وما يتصل بها كما مضى.
ونجز الفصل على أبلغ وجه في البيان.
فصل قال: " ولا يكون القبض إلا ما حضره المرتهن أو وكيله ... إلى آخره " 2. 3543 - قبض المرهون مما يتطرق النيابة إليه.
فإن قبض المرتهن بنفسه عند إقباض الراهن إياه، أو عند إذنه له في القبض فذاك.
وإن وكل وكيلاً حتى يقبضه له، صح.

وليكن ذلك الوكيل ممن يصح قبضُه، ولا تكون يده يدَ الراهن.
هذا عقدُ الفصل.
فلو وكل عبدَ الراهن، أو مدبَّره، أو أمَّ ولده، حتى يقبض، لم يحصل القبضُ بأيديهم؛ فإنها بمثابة يد المالك الراهن.
ولو وكل مكاتَب الراهن، صح قبضُه، فإن يدَه مستقلة، وهو بمحل أن يعامل سيدَه.
ولو وكل عبدَ الراهن المأذونَ في التجارة، فقد ذكر الشيخ أبو علي ثلاثةَ أوجه: أحدها - أن قبضه لا يصح.
وهو الأصح؛ فإنه قِنٌّ لمالكه.
والوجه الثاني - أنه يصح لانفراده بالتصرف والتزام العهد.
والوجه الثالث - وهو اختيار الشيخ أنه إن لم يكن مديوناً، لم يصح قبضه للمرتهن.
وإن كان مديوناً، صح ذلك؛ فإنه إذا أحاطت به الديون تُثبت له أحكاماً لا تثبت قبلها.
قال الشيخ: لو اشترى المأذون شقصاً وسيده شريك في الدار، فإن لم يكن عليه دين، فلا شفعة للسيد؛ فإن الشراء وقع له، فلا فائدة في الشفعة، وإن كان عليه دين، فهل تثبت الشفعة للسيد؛ فعلى وجهين.
وهذا بعيد عندي؛ من جهة أن الملك يقع له، ومن يمنعه من أداء الديون، وتخليص الشقص المشترَى لنفسه؟ ولعلِّي أعود إلى هذا في كتاب الشفعة.
ولو وكل المرتهن صبياً بقبضه، فقبضُ الصبي باطل، ولا يلزم الرهن به.
وقد ذكرنا طرفاً صالحاً منه في كتاب البيع.
فرع: 3544 - ذكر العراقيون نصّين عن الشافعي فيه إذا قال الراهن للمرتهن: قد أذنت لك في قبض الرهن، فلم يقبضه.
وقال المرتهن: قد قبضتُه.
قالوا: قال الشافعي في موضعٍ " القول قول المرتهن "، وقال في موضع: " القول قول الراهن ". ثم قالوا: ليست المسألة على قولين، ولكنها على حالين، فحيث قال: " القول قول المرتهن "، أراد إذا كان الرهن في يده.
وحيث قال: " القول قول الراهن "، أراد إذا كانت يدُه ثابتة على العين المرهونة.
فرع: 3545 - إذا رهن المودِع الوديعة عند المودع، وقلنا: لا بد من الرجوع إلى مكان الوديعة، فلو وكل وكيلاً حتى يرجع، ويشاهد، وينوب عنه، فهل يصح

التوكيل في ذلك؟ أم لا بد من رجوع المرتهن بنفسه؟ فعلى وجهين: أحدهما - يصح التوكيل فيه، وهو الأصح، كالتوكيل في أصل القبض.
والثاني - لا يصح؛ فإنه ليس قبضاً على الحقيقة، وإنما هو أمر حكمي، واليد للمودَع، فليكن الرجوع منه.
3546 - فرع متصل بقبض الصّبيان، وما يتلف في أيديهم، نقله بعض الأثبات من أجوبة القاضي عن مسائلِ الوقائع: سئل عن تلاعب الصبيان بالجوز فقال: إنه قمار، ولا حرج على الصبيان لعدم التكليف، وما يتلف في يد الصبي من جوز صبي فضمانه ثابت في مال الصبي الذي تلف في يده.
فإن كان يلاعبهم بالغ، فما يتلف في يده من جوز الصبيان مضمون عليه، وما يتلف في أيدي الصبيان من جوزه، فلا ضمان؛ فإنه المفرِّط بتسليطهم على جوزه وإثبات أيديهم عليها.
وإذا حصل في يد صبي جوزات صبي، وعلم بها القيم، أو الأب، ومن يلي بنفسه أو بتوليةٍ، فإذا لم ينتزعها، وجب الضمان على القيّم، أو الولي للتفريط.
وإن علمت به أُمُّه، ولم تنتزعها، فالأصح أنه لا ضمان عليها؛ تخريجاً على أن الأم ليست وليّة، فسبيلها ولا نظر لها كسبيل الأجانب.
ولا إشكال في شيء ممّا ذكرناه، وإنما المستفاد منه التسبب إلى تخريج مسألة مبنية على أصول هي أقطاب المذهب.
فصل قال: " والأقرار بقبض الرهن جائز ... إلى آخره " 1. 3547 - إذا أقر المالك بالرهن والإقباض، حكم عليه بموجب إقراره.
ولو قامت البينة على إقراره بالرهن والإقباض، فقال: قد أشهدت على إقراري [وما أقبضتُ] 2 نُظر: فإن ذكر سبباً لا يستنكر وقوع مثله، مثل أن يقول: ظننت أني

[أقبضتُ] 1، فأقررت على موجب ظني، ثم تبينت خلاف ذلك، أو قال: اعتمدت كتاب وكيلٍ لي، ثم تبينت أنه مزور، أو قال: ظننت أن الإقباض بالقول صحيح، فبنيت إقراري عليه، أو قدمت الإشهاد على الصك والعرف جابى بمثله.
فهذه جهات غير منكرة.
فإذا ادَّعى شيئاً منها، واقتصر على دعواه هذه، لم يلتفت إليه، وقد جرى القضاء بالإقرار.
وإن قال: حلّفوا المرتهن أنه قبض، فله تحليفه.
ثم لا يخفى طريق فصل الخصومة عند عرض اليمين وفرض الحلف أو النكول.
وإنما جوزنا تحليفه؛ لأن ما قاله ممكن، والمدعي يكتفي في ثبوت دعواه بإمكانها.
وكيفما فُرض الأمر، فغايته أن يُسعَف بتحليف خصمه.
ولو أنه أقر بالإقباض، ثم قال: كذبتُ فيما قلت.
ولم يذكر جهة يستند إليها صَدَرُ إقراره ودعواه التي يدعيها بعده، فالذي قطع به المراوزة أنه لا يقبل منه على هذه الصيغة، ولا يملك تحليفَ خصمه وهذه صيغة لفظه.
وذكر العراقيون هذه المسألة: وهي إذا كذّب نفسه صريحاً في إقراره السابق، وقالوا: ما صار إليه معظم الأصحاب أن له أن يحلِّف خصمه، ويحمل تكذيبه نفسَه على جهة من الجهات التي ذكرناها، لا على الكذبِ الصريح؛ فإن هذا ممكن.
وقد ذكرنا أن الدعوى لا تعتمد إلا الإمكان.
وهذا متحقق في التكذيب.
قالوا: قال أبو إسحاق المروزي: ليس له في هذه الصورة أن يُحلِّف، وهذا الذي قطع به المراوزة.
وكان شيخي أبو محمد يحكي عن شيخه القفال أن ما ذكره من ملك الدعوى والتحليف فيه إذا ثبت الإقرار في مجلس القاضي بالبينة.
فأما إذا ادعى الخصمُ الرهنَ والإقباضَ، فاعترف في مجلس القضاء، ثم أراد أن يذكر لإقراره محملاً ويحلّف خَصمه عند ذلك القاضي، لم يكن له ذلك.
وهذا تخييل عندي، فإنا إذا كنا نعتمد الإمكان، فينبغي أن يُكتفى به.
نعم إن اتحد المجلس، فقد يتجه أن نجعل هذا بمثابة تكذيبه نفسَه، وإن قام من ذلك

المجلس وعاد وأبدى عذراً، فيتجه تنزيل هذا منزلة ما لو أبدى عذراً في مخالفة الشهود.
وإن أقام الفقيه لما يجري في مجلس القضاء مزية، واعتضد فيه بأمر يتعلق بخرم أبهة القضاء والغض من مجالس القضاة، وذلك أن الرجل إذا أقر بين يدي القاضي، ثم قال على الفور: كذبت أو أخطأت، فحلّف خصمي، فهذا مما لا يعتمد مثله.
ولو فرض، لم نشك أن القضاة الأولين كانوا لا يسعفون بالتحليف، بل [ربما] 1 كانوا يرون ذلك لو وقع من مظانّ التأديب والتعزير.
وكل هذا والمذكور إقرار.
فأما إذا شهد عدلان على فعل الإقباض، فقال المشهود عليه للقاضي: حلّف خصمي، لم يجب إلى ذلك؛ فإنه كذبَ الشهودَ، وليس كذلك إذا شهدوا على الإقرار، فإنه في طلب التحليف ليس يكذِّب الشهود وإنما يجمع بين تقدير ذلك الإقرار وبين وجهٍ ممكن.
وهذا معترِض في هذا الباب، واستقصاء أصله وتفصيله في كتاب الدعاوى.
فصل قال: " والقبض في العبد والثوب ... إلى آخره " 2. 3548 - أراد الشافعي أن يتكلم في طرف من كيفية القبض.
وقد مضى استقصاء هذا في البيع، وبيّنا ثَمَّ ما يكون قبضاً في المنقول، وما يكون قبضاً في العقار.
والذي يقع الاكتفاء به هاهنا أن ما يكون قبضا ناقلاً للضمان في البيع، فهو قبض في الرهن؛ فإن صور القبوض لا تختلف باختلاف المقاصد.
قال القاضي: ذكرنا قولاً في كتاب البيع في أن التخلية في المنقولاتِ هل تكون قبضاً أم لا بدّ من النقل؟ وهذا لا يخرّج في الرهن والهبة؛ من جهة أن خروجه اتجه في البيع بكون القبض مستحقاً فيه، فإذا ارتفع حجر البائع -وهو مستحِق الحبس-

بالتخلية، وانضم إليه ملك المشتري واستحقاقُه القبضَ، لم يبعد أن تكون التخليةُ كافيةً.
وهذا المعنى لا يتحقق في الرهن والهبة؛ فإن القبض غيرُ مستَحق فيها.
وهذا الذي ذكره حسن.
ولكن صرح الأصحاب بذكر قولِ التخلية في الهبة والرهن؛ مصيراً إلى أن القبوض صورٌ، فلا تختلف باختلاف المحال.
فصل قال: " ولو كان في يد المرتهن بغصبٍ ... إلى آخره " 1. 3549 - مالك العين إذا صادفها مغصوبة، فرهنها عند الغاصب، فالرهن صحيح، والذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن القول في حصول القبض بنفس الرهن كالقول فيه إذا رهن المودِع عند المودعَ بلا اختلاف.
وذهب بعض أصحابنا إلى أن القول الذي يخرّج في المودعَ: في أن نفس الرهن يتضمن الإقباض لا يخرّج هاهنا؛ فإن يد المودع صدرت عن حكم المالك، فإذا صادفها الرهن، كان دوامُ اليد بمثابة ابتدائها في قولٍ.
وهذا لا يتحقق في يد الغاصب.
وهذا تخييل.
والأصح ما عليه الجمهور.
ثم إذا حكمنا بتمام الرهن على التفاصيل المقدمة، أو صرح الراهن بالإذن في الإمساك عن جهة الرهن، فمذهب الشافعي أن ضمان الغصب لا يزول بهذا، فتكون العين مرهونةً في يد الغاصب مضمونة عليه بحكم الغصب، وبناء المذهب على أن الضمان يثبت بيد الغاصب، فلا يزول ما لم تزل يد الغاصب إلى المالك، أو يزول ملك المالك إلى الغاصب.
وقنع بعض أصحابنا بأن أطلقوا إمكان اجتماع الرهن والغصب إذا فرض طريان العدوان.
وهذا غير سديد؛ فإنّ طريان العدوان سببه إحداث المرتهن ما لم يكن له أن يحدثه، وليس يشبه هذا إذنَ المالك للغاصب في الإمساك.
ومن لا يستشعر

غموضَ هذه المسألة فليس من [الفقه] 1 في شيء؛ فإن ضمان الغصب سببه عدوانُ الغاصب.
وقد انقطع العدوان بالإذن في جهة غير مضمِّنة.
ولو أودع العينَ المغصوبة عند الغاصب، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في انقطاع ضمان الغصب، فمنهم من قال: لا ينقطع ما لم تتبدَّلُ اليد.
ومنهم من قال: يزول ضمان الغصب؛ فإن الائتمان مقصود في الإيداع، وليس الائتمان مقصوداً في الرهن، بل مقصوده التوثيق.
ثم الأمانة من موجَبه ومقتضاه.
3550 - ولو أجر المالك العين المغصوبة من الغاصب، والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، فهل يُقضَى بأن المغصوب ينقلب أمانة في يد الغاصب بالإجارة؟ فعلى وجهين مرتبين على الوجهين في الإيداع.
والإجارة أولى بأن لا تُسقط ضمان الغصب؛ لأن الائتمان ليس مقصوداً فيها.
ولو وكل المالكُ الغاصبَ بالبيع فإن استحفظه في الحال مودَعاً، ثم أذن له في البيع إذا وجد طالباً، فالاستحفاظ إيداع، وقد مضى الكلام فيه.
وإن لم يجر استحفاظٌ، فالوكالة المطلقة في البيع نازلةٌ منزلة الإجارة؛ لأن الائتمان غيرُ مقصود فيها، بخلاف الإيداع؛ وكانت الوكالة من هذه الوجوه كالإجارة.
ويجوز أن يقال: الوكالة المطلقة أولى بأن لا تُبطل ضمان الغصب؛ من قِبل أن الإجارة في ضمنها تسليط القبض والإمساك، والتوكيل في البيع ليس كذلك، فيتجه ترتيب الوكالة المطلقة على الإجارة.
فإن قيل: اعتمدتم في ترتيب المذهب أن الأمانة ليس مقصوداً في الإجارة، وإن كانت الأمانة من حكمها، فهلاّ نزلتم الرهنَ منزلة الإجارة؛ فإن الرهن في وضعه لا يقتضي ضماناً كالإجارة؟ قلنا: نود لو كان كذلك، ولكن لم نطلع في هذا على خلافي للأصحاب معتبرٍ، والاعتبار بما يُجريه أئمةُ النظر في مسائل الخلاف، إذا كان لا يستند إلى أصل في المذهب من طريق النقل.

والذي ينتظم في محاولة الفرق بين الرهن والإجارة أن بناء بقاء الضمان على أنه حكم ثابت باليد؛ فلا يزول مع دوام اليدِ والملكِ.
والإيداعُ خرج على الخلاف، والظاهر أنه يقطع الضمان؛ لأن يد المودع مقصورةٌ على غرض المالك وحظه، فنزِّل الإيداع منزلة الرد.
ويد المستأجر (مستأجرة) 1 من يد المودع؛ من حيث إن الحظ فيها ليس للمالك على التمخض، ولكن الحظ مشترك، فحظّ المستأجِر استيفاءُ المنفعة، وحظ المالك تقرير عوض المنفعة، فاقتضى ذلك فرقاً ظاهراً بين يد المستأجر ويد المودع.
فأما يد الرهن، فلا حظ فيها للمالك أصلاً، وإنما الحظ كله للمرتهن.
وإذا كان كذلك لم تنزل يدُ المرتهن منزلة الرد على المالك.
فإن قيل: إذا كان الحظ للمرتهن، فهلا جعلتم يده يد ضمان كيد المستعير؟ قلنا: إنما كان ذلك لأن المقصود من الرهن الوثيقةُ، والتعرضُ لغرر الضمان لا يطابق الوثيقة.
فإن قالوا: نفيُ 2 الضمان إذاً 3 مقتضى الرهن، فاجعلوا الأمر كذلك، فأسقطوا ضمان الغصب أو لا تصححوا 4 يدَ الراهن.
قلنا: ذلك لأنا لا نرى الأيدي الطارئة على الغصب منقسمة، ويدُ المرتهن لو لم يسبقها عدوان لا تقتضي ضماناً، ولكنها لا تقوى على إزالة ضمان.
وهذا في نهاية الإشكال.
وهو من فنون الاحتيال التي نكرهها من أصحاب أبي حنيفة في مدافعات الكليات الجلية.
والأصل الذي يبتدره الفقيه المنصف أن يزول الضمان عند انقطاع 5 العدوان.

فهذا منتهى الإمكان.
ومعتمد المذهب النقل.
3551 - ومما يتعلق بأطراف المسألة أن المالك إذا قال للغاصب: أبرأتك عن ضمان الغصب، ففيه وجهان: أحدهما - أنه لا يبرأ.
والثاني - أنه يبرأ؛ وتصير يدهُ يدَ أمانة، والوجهان مأخوذان من الأصل المشهور في أن ما لم يجب ووُجد سببُ وجوبه هل يصح الإبراء منه؟ وفيه قولان.
وبيان ذلك أن القيمة إنما تجب على الغاضب، إذا فاتت العين، وامتنع ردها، والغصب سببٌ ناجز لاقتضاء هذا الضمان، عند تعذر الرد.
3551/م- ثم ذكر الشيخ أبو علي للرهن المغصوب ترتيباً، هو تتمة الكلام، فقال: إذا رهن المالك المغصوبَ من الغاصب، وأذن في القبض، وتم القبض كما فصلناه فيما تقدم، فقد انبرم الرهن، حتى لو أراد الراهن الفسخ، لم يجد إليه سبيلاً.
ولو أراد المرتهن أن يزول عنه ضمان الغصب، فليرد العين إلى الراهن، فيخرج عن ضمان الغصب، ولا ينقطع حقه من الوثيقة.
ثم إنه كما رده على المالك يملك استردادَه.
ويخرج من ذلك أن له أن يجبر الراهن على قبض الرهن؛ ليزول عنه الضمان، وليس للراهن أن يمتنع من ذلك.
ثم ما قبضه يلزمه أن يردّه على المرتهن؛ لأن الرد لازم.
وجرى في أثناء كلام الشيخ ما يدل على أن للراهن أن يسترد العين المغصوبة، ثم يردها، حتى إذا امتنع المرتهن من ذلك أجبر على الرد، ثم يرد عليه.
هذا ما أجراه.
والقياس عندي أن الراهن لا يملك هذا؛ فإنه أثبت للمرتهن يداً لازمة، ونحن إنما جوزنا للمرتهن أن يجبر الراهن على استرداد العين، ليحصّل غرضَه في الخروج عن الضمان، وهذا لا يتحقق في جانب الراهن؛ فإنه لا غرض له في تبرئة ذمة المرتهن عن عهدة الضمان.
وقد صرح القاضي بهذا في " الأسرار " 1، والمسألة ظاهرة.

فرع: 3552 - العارية مضمونة في يد المستعير، فلو رهن العينَ العاريَّةَ من المستعير، وأذن له في قبضه عن الرهن، فهل يزول ضمان العارية؛ فعلى وجهين: ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما - لا يزول، كما لا يزول ضمان الغصب.
والثاني - يزول؛ فإن ضمان العارية أخف من ضمان الغصب، وهذا الْتفاتٌ منه على الخلاف المشهور في أن العارية هل تضمن ضمان الغصوب؟ وأنا أقول: المرتهن مراعٍ حظَّ نفسه وعلةُ الضمان في حق المستعير أنه قابض لحظ نفسه من غير استحقاق.
فلما ثبت الاستحقاق في حق المرتهن، وانطبق هذا على الإذن، ظهر فيه زوال الضمان، وليس كذلك ضمان الغصب.
ولست أذكر هذا عن اعتقاد؛ فإن مضادة الرهن للعدوان أوقع مما تكلفناه في الرهن والعارية.
فصل قال: " ولو رهنه دارين، فقبض إحداهما ... إلى آخره " 1. 3553 - إذا رهن عبدين أو دارين بدَين، وأقبض إحداهما دون الأخرى، فالتي جرى القبض فيها مرهونة بجميع الدين عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 2. ومعوّل المذهب أن الدين لا يتعلق بالمرهون تعلق التقسيط، بل كل جزء من الرهن مرهون بكل الدين، ولا خلاف أنه لو تلف أحدهما في يد الراهن، وأقبض الثاني، كان مرهوناً بالجميع.
وإذا باع الرجل عبدين بمبلغ من الثمن، ثم انفسخ البيع في أحدهما، لم يكن الباقي في مقابلة جميع الثمن؛ لأن انفساخ العقد في المعوض يوجب انفساخه في العوض الذي يقابله، ومساق هذا يتضمن سقوطَ مقدارٍ من الثمن، فكيف يُتخيل والحالة هذه أن يكون الباقي محبوساً بجميع الثمن، وقد تحقق سقوط قسط من

الثمن.
وليس الدين عوضاً للرهن حتى يفرض بانفساخ الرهن في بعض المرهون سقوط بعض الدين.
وقد ذهب الأئمة المعتبرون إلى أن من باع مقداراً من المكيل بثمن معلوم، وتوفر عليه معظم الثمن، والتفريع على أن حق الحبس ثابت للبائع، فلا يلزم تسليم شيء ما بقي من الثمن شيء.
فلما كان الثمن باقياً، جرى حبس المبيع على قياس حبس الرهن، وآل افتراق البابين إلى سقوط بعض العوض في البيع عند فوات بعض المبيع.
وهذا لا يتصور في الدين بالإضافة إلى الرهن.
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن توفير بعض الثمن يوجب على البائع تسليمَ مقدارِه من المثمن، إذا كان المبيع قابلاً للقسمة.
وهذا رديء غيرُ معتد به، والأصل ما قدمناه.
وهذا الوجه ليس بأبعد في القياس عن قول مشهور في الحكاية في تفريع تفريق الصفقة: وهو أن كل الثمن يبقى وإن انفسخ العقد في معظم الثمن، ورب وجه منقاس لا أعده من المذهب؛ إذ لم يشتهر نقله، وأعد قولاً أضعف منه لاشتهار النقل فيه.
3554 - ثم ذكر الشافعي أن من ارتهن داراً وقبضها، وانهدمت في يده، فالرهن باقٍ على الساحة، والنقض المنهدم رهن؛ فإنَّ تغيّر صفة المرهون لا يخرجه عن كونه رهناً.
وهذا مستبين.
فصل قال: " ولو رهنه جارية ... إلى آخره " 1. 3555 - هذا الفصل يقتضي تأخير ما قدمه الشافعي، وتقديم ما أخره، فنبدأ باستقصاء القول في عتاق الراهن العبدَ المرهون، واستيلادِه الجاريةَ المرهونة، حتى إذا استوفينا أطراف الكلام، انعطفنا حينئذ على صدر الفصل.
فإذا رهن الرجل عبداً وسلمه، وانبرم الرهن فيه، ثم أعتقه من غير إذن المرتهن،

ففي نفوذ عتقه أقوال: أحدها - أنه ينفذ لوروده على الملكِ الثابت للمعتِق، وكون المعتِق من أهل العتق، ومبنى العتق على النفوذ.
والقول الثاني - أنه لا ينفذ العتق؛ فإن الرهن يتضمن حجراً لازماً على الراهن، فلو سلطناه على الإعتاق، لكان مناقضاً للحجر المحكوم بلزومه.
والقول الثالث - أنا نَفْصِل بين كون الراهن موسراً، وبين أن يكون معسراً، فإن كان موسراً، نفذ عتقه، وغرِم قيمةَ العبد المرتهن ليكون رهناً.
وإن كان معسراً لا ينفذ عتقه أصلاً.
وهذا القائل يشبه جريانَ العتق وسريانَه إلى حق المرتهن بمثابة سريان عتق أحد الشريكين إلى نصيب صاحبه من العبد المشترك.
وقد تحقق أنا نفصل في عتق الشريك بين الموسر والعسر.
ثم قال العراقيون: إذا فرعنا على قول التفصيل، فلو كان الراهن موسراً وأعتق، فكيف الترتيب في نفوذ عتقه؟ قالوا: اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: يخرّج في وقت نفوذ عتقه ثلاثة أقوال: أحدها - أنه يتعجل نفوذ العتق، وبعده يتوجه الغرم، كما نفصله.
والثاني - نفوذ العتق يقع مع غرامة القيمة للمرتهن.
والثالث - أن الأمر موقوف.
وهذا القائل يُجري هذه الأقوال من الأقوال المشهورة في وقت نفوذ عتق الشريك سرياناً إلى نصيب الشريك.
هذه طريقة.
قالوا: ومن أصحابنا من قطع بأن العتق ينفذ عاجلاً قولاً واحداً، وليس على قياس سريان العتق إلى ملك الشريك.
والسبب فيه أن عتق الراهن صادف ملكَه، والعتق الذي نُسرِّيه في العبد المشترك ينفذ في ملك الغير، فيجوز أن يتوقف انتقالُ الملك فيه إلى المعتِق على تقرير ملك الشريك على العوض، وإنما يستقر الملك على عوض التلف إذا بُذل، وثبتت يدُ المتلَف عليه على ذلك العوض.
وهذا القائل يقول: لو كان عتق الراهن على قياس سريان العتق، لقطعنا بالفرق

بين الموسر والمعسر.
ولا قطعَ، بل الأصح أن لا فرق.
التفريع: 3556 - إن حكمنا بأن العتق ينفذ، فعلى الراهن أن يغرَم القيمةَ للمرتهن، والاعتبار بقيمة ساعة الإعتاق؛ فإنها ساعةُ الإتلاف.
ثم إذا بذل القيمة وسلّمها، لم يشترط عقد رهن فيها، بل نفس التسليم إلى المرتهن على قصد الغُرم يجعل المسلَّم رهناً، ولا شك أنه لا يتم ذلك ما لم يقصد الراهن المعتِق التسليمَ عن جهة الغُرم.
وهذا جار في كل مالٍ يلزم الذمةَ، ثم يسلّمه ملتزمُه.
حتى لو سلَّم، ثم قال: قصدت الإيداعَ عندك، فالقول قوله، ويقع المقبوض وديعة.
3557 - وإن قلنا: لا ينفذ العتق، فيبقى الرهن، فإن مست الحاجة إلى بيعه في الدين، بعناه.
ثم إذا بيع، فلو عاد إلى الراهن المعتِق يوماً بعد زوال ملكه، فلا ينفد عتقه الآن، وإن زالت الموانع.
وإن انفك الرهن، ولم يزل ملك الراهن عنه بأن يفك المرتهن الرهن، أو بأن ينفك بأداءٍ أو إبراء، فهل ينفذ العتق الآن؟ فعلى وجهين: أقيسهما - أنه لا ينفذ؛ فإنه وجه على العبد منجزاً، فرأينا ردَّه، واللفظ إذا رُدّ وأُبطل حكمه، لم يبق له بعد بطلان أثره حكم.
وسيكون لنا إلى هذا الفصل عودة من وجه آخر، وعنده نفصل الأمر، ونبين الحقيقة المطلوبة.
3558 - ولو علق الراهن عتقَ العبد المرهون، نُظر: فإن علق عتقه على انفكاك الرهن [فانفك الرهن، نفذ العتقُ المعلّق؛ لأن التعليق لا يزاحم حقَّ المرتهن.
وإذا نفذنا العتق بعد انفكاك الرهن،] 1 لم يكن نفوذ العتق وارداً على حق المرتهن.
وليس تعليق العتق على ما وصفناه بمثابة تقديم تعليق العتق على حصول الملك.
ولو علق عتق العبد المرهون بصفة قد توجد قبل انفكاك الرهن، فنقول: إن وجدت في استمرار الرهن، فالعتق مردود تفريعاً على رد تنجيز العتق؛ فإن التعليق

والصفة اجتمعا في دوام لزوم الرهن، وكانا كتنجيز العتق، ولو وُجدت تلك الصفة بعد انفكاك الرهن، ففي المسألة خلافٌ، والأصح النفوذ إذا كان لا يفضي الحكم بالنفوذ إلى إبطالِ حق المرتهن.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح التعليق أصلاً، كما لا يصح التنجيز.
وهذا يقرب من خلاف الأصحاب فيه إذا قال العبد لزوجته: إن دخلت الدار، فأنت طالق ثلاثاً.
ثم عَتَقَ العبدُ، فدخلت الدار، ففي وقوع الطلقة الثالثة خلاف.
وبين القاعدتين فرق؛ فإن العبد لو قال لزوجته: إن عَتَقتُ، فأنت طالق ثلاثاً، جرى الخلاف في هذه الصورة.
ولو قال الراهن: إذا انفك الرهن، فهذا العبد حر، نفذ العتق بعد انفكاكه.
والفارق أن الطلقة ليست مملوكة للعبد، ومحل العتق مملوك للراهن.
وسبب امتناع العتق حق المرتهن؛ إذ لو أَذِن، نفذ العتق.
فهذا ما أردناه.
3559 - ولو علق عتق عبده بصفة، ثم رهنه، فوجدت الصفة بعد لزوم الرهن، ففيه اختلاف مشهور.
وللمسألة نظائر، يجمعها أن الاعتبار بحالة التعليق، أو بحالة وجود الصفة.
وعليه يخرّج خلاف الأصحاب في أن الصحيح إذا علق عتق عبد بصفة، ثم مرض مرض الموت، ووجدت الصفة، فالعتق من رأس المال، أو هو محسوب من الثلث؟ فيه خلاف مشهور.
وسيأتي أصل ذلك وفرعه في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى.
3560 - ومما يتفرع على العتق أن الرجل إذا رهن نصفاً من عبد مملوك له، واستبقى منه نصفاً، فالرهن صحيح.
فلو أعتق النصفَ الذي لم يرهنه، نفذ العتق فيه.
وفي سريان العتق إلى النصف المرهون على القول الذي نفرع عليه وجهان: أصحهما - النفوذ؛ فإن العتق إذا كان يسري من الملك إلى [ملك الغير] 1، فلأن يسري إلى محل حق 2 الغير أولى.

والوجه الثاني - أنه لا يسري؛ لأن العبد بجملته مملوك للراهن، فلا يحمل عتقُه على مذهب السريان، بل إن نفذ التنجز، فذاك.
وإلا فلا نفوذ.
وهذا يعتضد بأن الراهن هو الذي حجر على نفسه، فليس له التسبب إلى مناقضة الحجر.
ولا يلزم عليه ما لو باع النصف من عبده؛ فإن ذاك ليس حجراً، إنما هو خروج منه في المبيع عن رتبة الملاّك.
ولو نفذنا سريان عتقه على الأصح، فإنْ وجّه العتقَ على المرهون قصداً، وقال: أعتقت ما رهنت من هذا العبد، فالوجه القطع برد عتقه، إذا كان التفريع على الرد.
ثم قال المحققون: إذا رأينا تنفيذ سريان العتق في صورة الوجهين، فنقطع بالفصل بين الموسر والمعسر؛ فإن سبب نفوذ هذا قياسُ السراية، وقياس السراية في مذهب الشافعي يقتضي الفصْلَ بين الموسر والمعسر، كما سيأتي في كتاب العتق.
وأما إعتاق المشتري العبدَ في يد البائع على قولنا بثبوت حق الحبس، فقد مضى مفصلاً.
ولا شك أن عتق المشتري أولى بالنفوذ من عتق الراهن؛ فإن حق الحبس في المبيع لم يثبت بعقدٍ مقصود في إثبات الحجر، والرهنُ عقد متضمنه حجر مقصودٌ على المالك.
هذا كله بيان القول في إعتاق الراهن.
3561 - ونحن نبتدىء بعد ذلك التفصيل في استيلاده.
فنقول: إذا أقبض الجارية المرهونة -إن صححنا رهن الجواري، كما سيأتي، وهو الأصح- فإذا استولدها الراهن بعد انبرام الرهن: أما الولدُ فلا شك في انعقاده حراً؛ فإنه لا حق للمرتهن في ولد المرهونة رقيقاً فُرِض أو حراً، ولا يغرَم قيمة الولد؛ لما ذكرناه من انقطاع حق المرتهن عن الولد، والمهر لا ريب في أنه لا يلزم؛ فإنه عوض منافع البضع، ولا حق للمرتهن في المنافع.
والكلام وراء ذلك في ثبوت الاستيلاد.
3562 - وقد خرّج الأئمة نفوذ الاستيلادِ على الأقوال المتقدمة في نفوذ العتق، ثم رأَوْا أن يرتبوا الاستيلادَ، ويجعلوه أولى بالنفوذ؛ من قِبَل أنه فِعْل، والأفعال بعيدة

عن الرد، والأقوال عرضة الإفساد والتصحيح، والفسخ بعد النفوذ؛ ولذلك ينفذ الاستيلاد ممن هو محجور عليه في تصرفاته، كالسفيه والمجنون، واستيلاد المريض جاريتَه نافذٌ، والعتق يحسب من رأس المال، وهو بمثابة الاستهلاك الحسي.
فإن حكمنا بأن الاستيلاد ينفذ، فينفسخ الرهن، وعلى الراهن قيمةُ الجارية معتبرةً بوقت العلوق، ففيه حصل الاستيلاد، والخروج عن الرق المطلق.
وقد مضى القول في القيمة.
3563 - وإن قلنا: لا ينفذ الاستيلاد، فالجارية مرهونة كما كانت، فإن حل الحق وهي حامل، فالذي أطلقه الأئمة قطعُ القول بأنه يمتنع بيعها؛ لمكان اشتمال رحمها على الولد الحر، وزعموا أن مطلق البيع لا يقصر عن الولد، وتناوله للجنين الحرّ محالٌ.
وقد قدمت في هذا خلافاً في كتاب البيع، ونزّلته منزلة ما لو باع الرجل جاريةً حاملاً بولدٍ مملوك، واستثنى حملَها، ولا فرق بين أن يقع الاستثناء شرطاً، وبين أن يقع استثناؤه شرعاً.
ولكن المذهب المنع كما ذكره الأصحاب، وإن كان تجويز البيع منقاساً.
ولو ولدت المرهونة وماتت في الطلق، فالذي صار إليه جماهير الأصحاب أن الراهن يلتزم قيمةَ الجارية للمرتهن، فيضعُها مرهونة، كما لو قتل الجارية المرهونة.
والسبب فيه أن الطلق مترتب على العلوق، وهو مترتب على وطء الراهن، والضمان يناط بالأسباب تارة، وبالمباشرات أخرى.
وفي بعض التصانيف أن ضمان القيمة لا يجب؛ من جهة أن إحالة التلف على العلوق فيه بعد، وقد تفرض أسباب جِبِلِّية، هي التي جرّت الطلق الشديد.
ولا خير في هذا الوجه، فلا تعتبروا به، والتفريع على وجوب الضمان، كما ذكرناه.
3564 - فلو وطىء جاريةَ إنسان بشبهة، فولدت، فماتت في الطلق، التزم قيمتها، تفريعاً على الأصح.

ولو وطىء حرة بشبهة، وأعلقها، فماتت من الطلق، ففي وجوب الدية وجهان: أحدهما - أنها تلزم اعتباراً بالأمة؛ فإن التسبب حاصل، كما تقدم.
والثاني - لا تلزم الدية؛ فإن الأمةَ يتُصوّر الاستيلاء عليها، فيصير الوطء في حكم الاستيلاء 1 فيها أوّلاً، ثم العلوق أثرٌ باقٍ من الاستيلاء 2 السابق، كالسراية تستند إلى الجراحة، وكالصيد يُنفِّره المحرم، فيبقى نِفارُه إلى العشار، والموت، والحرة لا يتصور الاستيلاء عليها، أولاً، وليس الوطء في نفسه سبباً قويّاً.
وهذا وإن كان مشهوراً، وقد قطع به طوائف من أصحاب المذهب 3، فالقياس الأول؛ فإن طريق الضمان التسبب إلى الإتلاف.
وهذا لا يختلف بالحرية والرق، بمثابة احتفارِ البئر في محل العدوان، وغيرِه من أسباب الضمان.
ولو زنا بامرأة فعلِقت منه، وطُلِقَت، وماتت، فالذي ذكره الأصحاب أن الضمان لا يجب 4، وإن فرض ذلك في الأمة.
وكذلك إن قدرت [مضبوطة] 5 غيرَ ممكِّنة، والسبب فيه أن الطلقَ مترتب على العلوق، والولد المنتسب إلى الواطىء يُسبب الطلقَ، وولد الزنا لا انتساب له، وليس العلوق من هذا الشخص المعيّن معلوماً؛ حتى يحمل هذا على جناية متحققة.
ولولا حكم الشرع بانتساب الأولاد إلى الآباء، لما وثقنا بكون ولد من رجل.
وإذا علقت امرأة الرجل منه، وماتت في الطلق، فلا ضمان من قِبَل أن العلوق

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل