نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 5-44
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القسامة

صفحات 5-44
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 10883 - القسامة من القَسم 2، وهو اسم استعمل مصدراً للإقسام على خلاف القياس الجاري بين الفعل والمصدر، فإن المصدر المنقاس كقولك: أفعلَ يُفعل الإفعال، فإذا زادت حروف الفعل على الثلاثة، اطرد قياس مصدره، وإنما تضطرب مصادر أبنية الأفعال الثلاثية، فمصدر أقسم يُقسم الإقسامُ، واستعملت القسامة، وهذا تُسميه النحاة الاسم المقام مقام المصدر، ونظيره أكرم إكراماً وكرامة، والفَعالة تقع في أبنية مصادر الأفعال الثلاثية [المجرّدة] 3، وهو يكثر في مصادر فعُل يفعُل كالعبالة، [والضخامة]، 4، والقسامة، والوسامة حسنُ الوجه مع الوضاءة والتلألؤ.
ولا اختصاص في اللغة والشرع للقسامة بالأيمان الجارية في الدماء، ولكن تواضع الفقهاء على استعمال هذه اللفظة في الأيمان المتعلّقة بالدماء، واستعملها أصحابنا في الأيمان التي تقع البداية فيها بالمدّعي.
10884 - واعتمد الشافعي رضي الله عنه في الكتاب بقصة عبد الله بن سهل، روى بإسناده عن سهل بن أبي حَثْمة أن عبد الله بن سهل [ومُحَيِّصة بن مسعود] 5 خرجا إلى خيبر نهاراً، وتفرقا في حوائجهما بعد العصر، فأخبر محيصة أن عبد الله بن سهل قتل

وطرح في فقير 1 أو عين، ورآه يتشحط في دمه، فأتى اليهود [وقال] 2: إنكم قتلتموه، فأنكروه، وقالوا: ما قتلناه، فرجع إلى قومه وأخبرهم [بالقصة] 3 فقام حُويِّصة ومُحَيِّصة وهما عمّا المقتول ومعهما عبد الرحمن بن سهل أخو المقتول ولقوا النبي صلى الله عليه وسلم في رجال من قومهم، فذهب مُحَيِّصة ليتكلم، لأنه كان صاحب القصة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كبِّر كبِّر " يريد السنَّ، أي يتقدم الأكبر منكما، فتكلم حُويّصة، ثم أخوه محيّصة، ثم عبد الرحمن بنُ سهل، فقال النبي عليه السلام: " إما أن يدوا صاحبكم أو يؤذَنوا بحرب " فكتبوا إلى اليهود، فكتبوا في الجواب: " والله ما قتلناه "، فقال صلى الله عليه وسلم لحويّصة ومحيّصة: " أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " فقالوا: كيف نحلف على أمرٍ لم نشاهده؟ فقال عليه السلام: " تبرئكم اليهود بخمسين يميناً " فقالوا: إنهم ليسوا مسلمين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من الإبل، قال سهل لقد ركضتني منها ناقةٌ حمراء " 4. فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن القتل إذا وقع وظهر اللوث كما سنصفه، فالبداية في التحليف بالمدعي، [وكانت البداية بالأيمان] 5 مشروطة بالعلامات الدالة على صدق المدعي، وهذا هو الذي يسمى اللوث؛ [والمرعيُّ] 6 في ذلك حقنُ الدماء، وكفّ أيدي المغتالين، وأكثر ما يقع القتل -والرعايا تحت الإيالة والسياسة- اغتيالاً، وَيعزّ إثباته بالشهادة، فاحتاط الشرع، وأثبت البداية [بالأيمان] 7 مشروطة

بظهور اللوث المصدِّق، ثم غلّظ الأمر بتعديد الأيمان، حتى [لا يجازفَ] 1 المدَّعي [ولا يهجم] 2. 10885 - وهذا يناظر في قاعدة الشريعة اللعان، وقد ذكرنا في كتابه أن اعتماد الزوج في القذف واللعان بَعدَه على لوثٍ يظهر عنده تلطيخ المرأةِ الفراشَ، وألفاظ الملاعن على صيغ الأيمان، وقد وقعت البداية بمن هو في مقام المدَّعي.
ولكن بين القسامة وبين اللعان فرقٌ، وذلك [أن لا ابتداء] 3 بالمدعي ما لم يظهر اللوث عند القاضي، ولا يشترط إظهار [الأسباب] 4 الدالة على الزنا عند القاضي، والسبب فيه أن الإقدام على الخبائث يخفى غالباً، ولا يطلع عليه إلا مُداخل، فوقع الاكتفاء باطلاع الزوج، ثم بَعُدَ أن يفضح الزوج نفسَه، فحلّ ذلك محل ظهور اللوث عند القاضي، حتى يحل في حق المدعي محل اليد، في حق المدعى عليه في الخصومات المالية.
وكان اللوث بيّناً في قصة عبد الله بن سهل، فإن اليهود ما زالت [تضمر غوائلها] 5 للمسلمين، وقد جرى القتل في حيطتهم المحيطة بهم.
10886 - ثم ذكر أصحابنا صوراً في اللوث نرسلها حتى يتعلق بها فهم الطالب تعلقاً كلياً، ثم [نستقبل] 6 تفصيلها وضبطها جهدنا، فمما ذكره الأصحاب في صور اللوث أن يتفرق جماعة [فينحصرون عن قتيل] 7، فيغلب على القلب أنهم قتلوه، أو بعضهم.
ومن دخل على جماعة من الأعداء [ضيفاً] 8 فوُجد قتيلاً فيما بينهم، كان

ذلك لوثاً.
وإذا تقابل صفان فوجد قتيل في أحد الصفين، فهذا لوث في لواء الذين كانوا يقاتلون هؤلاء.
وقال بعض المتصورين: إذا وجدنا قتيلاً في سكة [منْسَدّة] 1 الأسفل وفيها أعداء للقتيل، فهذا لوث، وإذا وجدنا قتيلاً في صحراء، وعلى رأسه رجل قائم متشحط 2 بالدم وبيده سكين، فهذا لوث.
وإذا وجدنا قتيلاً في شارع [منفتح] 3، أو في صحراء، ولم نجد بالقرب منه أحداً، فلا لوث في هذا القتل.
10887 - فإذا فهم اللوث على الجملة، فإنا نخوض بعد هذه التوطئة في إيضاح اللوث، وأول ما نرى البداية به أنه إذا ظهر عند الحاكم لوثٌ مع جماعة محصورين، وكان المدعي يدعي القتل على واحد منهم، فالقاضي يبدأ بالمدعي ويحلّفه، ولا يشترط أن يظهر عند القاضي [عين] 4 المدعى عليه بالقتل، [بل] 5 يكتفى أن يكون العين من جملة اللوث، والسبب فيه أن اللوث الذي أطلقناه آيل إلى علامة ظاهرة في تصديق المدعي، ولا يشترط أن يبلغ مبلغ التحقيق؛ فإن القاضي لا يتحقق عنده أمرٌ إلا [ببيّنة] 6 أو إقرار، فلو قامت بينة، لثبت القتل بها، [وكذلك] 7 الإقرار من القاتل.
وإذا كاِن كذلك وقد شملت العلامة المسماة باللوث جماعة، ففي حق كل واحد قسط من اللوث، وذلك كافٍ، والتعيين [تخصيص] 8، والأيمان مشروعة لإثباته.

والذي يحقق ذلك أن اللوث لو تعلق بواحد، فلا يقين، [والبداية] 1 بالمدعي، [فكذلك] 2 إن اشتمل اللوث جماعة.
ووراء ذلك سر مصلحي 3، وهو أن تعيين واحدٍ من جمع مما يعسر إظهار اللوث فيه على التخصيص، وإذا ثبت أصل اللوث -والتغليظ على المدعي، [بتعدد] 4 اليمين- كفى [وأقنع] 5، وهذا ذكرناه نقلاً من كلام صاحب التقريب، وصرح به القاضي، ودل عليه فحوى كلام الأئمة، والتعليل ظاهر فيه [ممّا] 6 أوضحناه، والقتلُ الذي جرى في خِطة اليهود [لوث تعلق] 7 بجمع، والرسول صلى الله عليه وسلم أثبت التحليف بدايةً بالمدعين، ولو آل الأمر إلى الحلف وإقامة الخصومة، لعينوا.
هذا ما يقتضيه ترتيب الخصام، وكان اللوث معلوماً مع جمع اليهود القاطنين [لتلك الحِلّة] 8. 10888 - فإذا تمهد ما ذكرناه، فلو علم القاضي اللوثَ بنفسه بأن [عاين] 9 بعضَ ما نصصنا عليه في تصورات اللوث، [بنى] 10 عليه، ولا يخرّج هذا على اختلاف القول في أن القاضي هل يقضي بعلمه؛ فإن هذا ليس قضاء منفذاً، وإنما هو إقامة حجة معتضدة بظاهرٍ مغلِّب على الظن.
10889 - ثم قال الأئمة: لو شهد جمع من النسوان والعبيد عند القاضي بوقوع

القتل، على حسب ما يدعيه المدعي، فهذا لوث، وإن كانت شهاداتهم لا تقبل، وهذا الذي ذكره الأصحاب فيمن يعتمد [قولهم من] 1 النسوة والعبيد.
ولو أنهى القتلَ إلى القاضي جمعٌ من الصبيان، وظهر من [كثرتهم] 2 [وإتيانهم] 3 من كل صوب أنهم ليسوا محمولين على مقالهم، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن هذا إظهار اللوث والثاني - أنه لا عبرة بأقوالهم، فإنا [لو] 4 كنا نكتفي بالغلبة على الظن من غير ضبطٍ في المسلك المغلِّب، للزم أن يقال: العدل الرضا [المرموق] 5 بالأمانة الذي لم نجرب عليه [خيانة] 6 على طول الزمن إذا ادعى وعيناه [منهملتان] 7، فقد يغلب على الظن صدق مثله، ومن أحاط [بما ذكرناه] 8 في قرائن الأحوال من كتاب الأخبار 9 لم يخف عليه ما رمزنا إليه.
ولكن لا تعويل على هذا.
ولا ينتهي الأمر إلى الاكتفاء بكل ظن.
وتردد الأئمة في جمع من الفسقة لا يفرض [منهم التواطؤ] 10 على الكذب، فقال بعضهم: إذا [أخبروا] 11 القاضي بوقوع القتل، ثبت اللوث وجهاً واحد؛ فإن

أقوالهم على الجملة معتبرة، وعباراتهم صالحة [للعقود] 1 والحلول، والصبي [مسلوب] 2 العبارة، لا حكم للفظه، ولا أثر لقوله.
ومن أصحابنا من ذكر في إخبار الفسقة وجهين.
[وإذا] 3 جمعنا الفسقة إلى الصبيان، انتظم [فيهم] 4 ثلاثة أوجه: الأول - القبول.
والثاني - الرد.
والثالث - الفصل بين الفسقة وبين الصبيان.
10889/م- وهذا الفصل عندي يحتاج إلى مزيدٍ في الكشف، فأقول: إن [أخبر القاضي عدلٌ] 5 واحد -تقبل شهادته- بوقوع القتل على صيغة الإخبار، فهذا يُثبت اللوث؛ فإنا لا نشترط في ثبوته مراسم الخصومات، ورعايةَ ترتيبها، وكنت أود لو قيل: كل من تقبل روايته يَثْبت اللوث بقوله، ويخرج منه الاكتفاء بقول امرأة ثقة، وعبدٍ موثوق به، فإن لم يظهر الثقة ولا نقيضها، [فنُحْوَج] 6 إلى تظاهر الأخبار على وجه يغلِّب انتفاءَ التواطؤ، هذا [إذا ما] 7 أطلق أصحابنا في النسوة والعبيد العددَ، والبعدَ عن إمكان [التواطؤ] 8، ولم يأتوا بالتفصيل الذي ذكرته.
وليس فيما ذكروه أيضاً الاكتفاء بإخبار عدلٍ، فإنهم ذكروا شهادة شاهد، والشهادة تختص بصفة وترتيب محل مخصوص في المنازعة، وإذا كان [التسامع بصدور القتل من] 9 شخصٍ عند وجود [القتيل] 10 بالقرب منه لوثاً كافياً، فإخبار عدل واحدٍ عن

وقوع القتل في عينه ليس ينحط [عنه] 1، ولو روى [خبراً أجرى فيه حكما قُبل، واعتمد] 2 في تأسيس الشرع 3. وينتظم من مجموع ما ذكرناه مسلكٌ أحببتُه واخترتُه، ومسلك الأصحاب شهادة ولو من واحدٍ، أو ما يقرب من حد التواتر من جمع ليسوا من أهل الشهادة والله أعلم بالصواب.
10890 - ثم قسم الأصحاب اللوث قسمين: فقالوا: قسم يظهر اللوث في معين، وهذا بمثابة أن يرى القاضي شخصاً متضمخاً بالدم، قائماً على قتيل وبيده سلاح فالذي ثبت مختص بمعين، كما قدمنا تصويره، وبنينا عليه أن القاضي يكتفي به ولا يُحوِج المدعي إلى إثبات ظهور اللوث مختصاً بمن يدعي عليه.
ولو شهد شاهدان على أن فلاناً قتل أحد هذين المقتولين، لم يكن ذلك لوثاً يسوِّغ اليمين للمدعي، ولو شهدا أنه قتل القتيلَ أحدُ هذين الرجلين، فقد قال القاضي: هذا لوث يسوّغ للمدعي القسامة فيه، إذا عين أحدهما.
وهذا فيه نظر، وفي الطرق ما يخالف هذا؛ من جهة أنهما لم يثبتا للرجلين سبباً حاملاً على القتل، بخلاف ما لو ثبتت عداوةٌ منهما [ثم] 4 استبهم القتل بينهما؛ فإنهما شهد الشاهدان على قتل [منهما] 5: من أحدهما، وهذا لا يظهر لوثاً ثابتاً [حيالهما] 6، والمسألة محتملة.

[وذكر] 1 العراقيون وجهين فيه إذا ثبت أصل اللوث في القتل، ولم يثبت لوث في وقوعه عمداً، وذلك بأن نرى مزدَحماً، ثم يفرض تفرقهم عن هلاك، ولم يتحقق منهم عداوة، وجوزنا أن يكون القتل عن ضغط وزحمة من غير عمد: أحد الوجهين -[أن له أن] 2 يحلف على أصل [القتل] 3 والثاني - ليس له ذلك؛ فإن القتل يتردد [بين أن] 4 يغرم الدية فيه، كما يتردد [هو] 5 في نفسه [بين أن] 6 يكون عمداً أو خطأ، فعلى هذا يعسر منه إثبات القتل المطلق؛ فإن الضرب على العاقلة مشروط بنقيض العمد، كما أن الضرب على القاتل مشروط بالعمد المحض.
و [يردُّ] 7 الوجهَ الثاني - أن أصل القتل يثبت لتحقق اللوث.
ولا خلاف أنه لو أراد أن يحلف على العمد، ولم يظهر في العمد لوث لم يمكن [من] 8 ذلك.
وفي هذا الفصل بقية سنشرحها عند ذكرنا صفات الدعوى.
10891 - ثم إن ادعى المدعي القتل خطأ، وحلف، فالدية على العاقلة، وإن ادعى العمدَ المحض، فالدية مغلظة في مال المدعى عليه إذا حلف.
وهل يُسلَّط [على] 9 الدم بأيمان القسامة إذا حلف المقسِم على العمد المحض؟ فعلى قولين: المنصوص عليه في القديم أن القود يثبت بأيمان القسامة إذا حلف المقسِم؛ لأنها حجة من المدعي في إثبات القتل، فأشبهت البيّنة، وهذا قد يعتضد

بأن الغرض من إثبات حق البداية عصمةُ الدماء عن اغتيال المغتالين، وإنما تتحقق العصمة بإيجاب القصاص، وإذا كنا نوجب الرجم على المرأة بلعان الزوج، لم يبعد أن يناط القصاص بأيمان القسامة.
والمنصوص عليه في الجديد أن القود لا يثبت، ولا ينبغي أن ننتهي في الاحتياط للدم إلى سفكٍ من غير ثَبَتٍ، وليس ما نحن فيه كاللعان؛ فإنها [بامتناعها] 1 عن اللعان حققت من نفسها الزنا، مع ما تحقق من لعان الزوج، ولو ثبت القصاص بأيمان القسامة، لم يجد المدَّعى عليه ما يدرؤه.
وقد [ينتهي] 2 الكلام في قواعد اللوث [إلى القضاء] 3 على الخصم بقول المدعي من غير أن نُثبت للمدعى عليه ما يدرؤه 4. وقد انتهى الكلام في قواعد اللوث، وموضع البداية.
10892 - فإن لم يظهر لوث عند القاضي، جرينا على قياس الخصومات، وحلّفنا المدعى عليه، ثم اختلف قول الشافعي في أنا نحلّفه خمسين يميناً، أو نكتفي بيمين واحدة قياساً على سائر الخصومات التي تجري الأيمان فيها.
[أحد القولين - أنا] 5 كما نجري على القياس في البداية بالمدعى عليه، وجب أن نجري على القياس في الاكتفاء باليمين الواحدة، وليس هذا كما إذا بدأنا بالمدعي؛ فإن اليمين [حادت عن] 6 ترتيبها، وصورتُها تصْديقُ المدعي بقول المدعي، فاحتيج فيه إلى تغليظ وتأكيد.
والقول الثاني - أنا وإن بدأنا بالمدعى عليه، فإنا نحلّفه خمسين يميناً، ونطرد هذا العدد في الخصومات المتعلقة بالدماء، سواء يجري التكليف على ترتيب سائر الدعاوى أو وقعت البداية بالمدعي.

وإذا حلّفنا المدعى عليه، فنكل عن اليمين، فاليمين مردودة على المدعي، واختلف القول في أنا هل نكتفي بيمين واحدة إذا هي رُدت على المدعي، أم نقول: لا بدّ وأن يحلف خمسين يميناً على نحو ما تقدم؟ والضابط أن اليمين متعددة على المدعي إذا وقعت البداية [به] 1، فإن البداية مخالفةً في وضعها ترتيبَ الخصومات، وفي تعددها والاكتفاء بواحدة منها قولان، وهذا يجري في اليمين الموجهة على المدعى عليه، وفي اليمين المردودة على المدعي بعد [نكول] 2 المدعى عليه.
ولو كان القتل المدعَى خطأ، فأقام المدعي شاهداً عدلاً، فأراد أن يحلف معه لإثبات الدية؛ فإن المال يثبت بالشاهد واليمين، فإذا كان القتل خطأ، فالمقصود منه المال، وإذا أراد أن يحلف مع الشاهد، فيحلف يميناً واحدة أم خمسين يميناً؟ فعلى القولين المقدّمين.
10893 - وذكر الأصحاب على الاتصال [بهذا] 3 أمراً في ظاهره اختلاط، ونحن نورده على وجهه، ثم نبين طريق التحقيق فيه.
قالوا: إن أقام المدعي شاهداً واحداً وأراد أن يحسبه ويقدرَه لوثاً [وما] 4 كان ثبت اللوث عند القاضي بجهةٍ أخرى، فإنه يحلف بعد ظهور اللوث بالشاهد الواحد خمسين يميناً، وإن أراد ألا [يُقيمه] 5 لوثاً، ويحلف معه على قياس اليمين مع الشاهد، فله ذلك.
فهذا فيه اضطراب: فأما إن قلنا: إنه يحلف مع الشاهد الواحد خمسين يميناً، فلا فائدة في هذا التقسيم، ولا معنى لإرادته إثباتَ اللوث، أو إقامة اليمين مع

الشاهد؟ فإذا كانت الألقاب [تتم] 1 ولا تقبل مزيداً، فلا حاصل لها ولا معنى لنفيها وإثباتها 2، فإن قلنا: إنه يحلف مع الشاهد يميناً واحدة والقتل خطأ، فلا معنى لتقسيم إرادته، ويكفيه يمين واحدة، فإذا [رغب في مزيد] 3، لم يحلِّفه القاضي؛ فإن الحجج إذا قامت، ثبت نتائجها، ولم يختلف الأمر بمقصود المدعين إذا كانوا مصرّين على الدعوى.
نعم، إن كان المدعَى قتلاً عمداً، وقلنا: القصاص يناط بأيمان القسامة، فيثبت اللوث بالشاهد الواحد، فإن أراد القصاص حلف خمسين يميناً، وإن اقتصر على يمين واحدة، لم يثبت القصاص.
ثم من ادعى قتلاً عمداً، وأقام شاهداً وامرأتين، أو أقام شاهداً وحلف يميناً واحدة تفريعاً على [أن] 4 اليمين الواحدة كافية مع الشاهد، فالقصاص لا يثبت، وفي ثبوت المال تردد، سيأتي في باب الشهادة على الجناية.
فهذا مما يجب تحصيله في ذلك، ووضوحه مغنٍ عن الإطناب فيه.
10894 - ثم ذكر الأصحاب على الاتصال بنجاز القول في اللوث ومعناه أصلاً، ونحن نذكره موضّحاً، فنقول: إذا أقام اللوثَ، ونكل المدعي عن أيمان القسامة لما عُرضت عليه، فيحلف المدّعى عليه، وفي تعديد اليمين عليه قولان، فإن حلف، انقطعت الخصومة إلا أن يقيم المدعي بيّنة، فنقدم البينة العادلة على اليمين الفاجرة.
وإن نكل المدعى عليه في اليمين، فهل ترد اليمين على المدعي؟ فعلى قولين - أطلق الأصحاب حكايتهما: أحدهما - أنا لا نرد عليه؛ فإنه قد نكل عن اليمين في هذه الخصومة، ولو رددنا عليه، لكانت صيغة يمين الرد كصيغة أيمان القسامة، والخصومة متحدة، والمقصود واحد.

والقول الثاني - أنا [نرد] 1 عليه اليمين، فإنه نكل عن اليمين عن تكلف، وهذا مقام آخر، فصار تعدد المقام كتعدد الخصومة وتعدد المقصود.
وكان شيخنا يقول: هذان القولان مبنيان على أن يمين الرد هل تتعدد أم لا؟ فإن قلنا: إنها لا تتعدد، فاليمين مردودة عليه، فإن نكوله عن أيمان القسامة محمول على [رغبته] 2 عن كثرة الأيمان، وطلبِه الاقتصارَ على يمين واحدة.
وإن قلنا: إن يمين الرد تتعدد كما تتعدد أيمان القسامة، [فلا] 3 ترد اليمين عليه لما ذكرناه من اتحاد المطلوبِ والخصومةِ، [واستواءِ] 4 كيفيات الأيمان.
وقال قائلون: [إن] 5 قلنا: [يمين]، 6 الردّ [يتعدد] 7 فالقولان جاريان.
ثم هؤلاء سلكوا مسلكين: أحدهما - أن المقام يتعدد كما ذكرناه في توجيه القولين.
والثاني - أن المدعي معتمده في أيمانه اللوث، فربما يبغي استظهاراً بنكول المدعى عليه، فإن نكوله من العلامات الواضحة على صَدَرِ القتل منه.
فانتظم مما ذكرناه مسلكان: أحدهما - تطبيق القولين في الرد على القولين في أن يمين الرد هل تتعدد.
والمسلك الثاني - أنا إن قلنا: يمين الرد تتّحد فَتُردُّ، وإن قلنا: [تتعدّد] 8 فعلى قولين.
وقال قائلون: إن قلنا: يمين الرد تتعدد، فلا رد قولاً واحداً، وإن قلنا: تتحد، ففي الرد قولان: أحدهما - أنها تُرد [لغرض] 9 الاتحاد.
والثاني - أنها لا ترد؛ فإن

تكرير الأيمان على الصدق لا يضر، وإن فرض ردٌّ، فاليمين الواحدة في معنى الأيمان.
10895 - والذي أراه في هذا -وفيه تحقيق واضح يستدعي تقديم مقدمة- وهو أن المدعى عليه في سائر الخصومات إذا ظهر نكوله عن اليمين، فاليمين مردودة على المدعي، ولو أظهر النكول، ثم رغب في اليمين -قبل اتفاق الرد- لم نبال برغبته، وسيأتي معنى ظهور النكول في موضعه، إن شاء الله، فإن رددنا اليمين، وأظهر المدعي النكولَ عن يمين الرد، ثم رغب فيها، فهل نحلّفه؟ فيه اختلاف بين الأئمة.
والضابط الذي تمس الحاجة إلى ذكره أن كل نكول يتعلق به حق حلف حالف بعد النكول، فذلك النكول إذا ظهر، فلا عوْد من الناكل، وكل يمين لا يمين بعدها في مراتب الخصومات، فالنكول عنها هل يُبطل حقَّ الناكل؟ فيه خلاف.
10896 - عدنا إلى غرضنا من المسألة فنقول: تُعدّ أيمان القسامة يمين المدّعي [فإذا نكل عنها، رُدت إلى] 1 المدعى عليه، فينفذ حكمُ النكول عن أيمان القسامة [بتحليف] 2 المدعى عليه، وإذا نكل المدعى عليه، فترتيب الخصومة يقتضي أن يكون بعد نكوله ردٌّ، فهل نعود للمدعي وقد جرى [منه] 3 النكول أولاً؟ والردُّ آخراً إلى من ترد عليه اليمين فينكل، ثم يحلف، والسر فيه أن الشرع لما حلَّف المدعي، فكأنه ردّ اليمين عليه، ولكنه يحمل نكوله [لحق] 4 حلف المدعى عليه، فإذا أسقط المدعى عليه حقَّه، فهل يعود إلى حقه؟ فيه الخلاف الذي قدمته، ولولا هذا، لما استقام إلى اليمين بعد النكول عنها.
ولو ادعى القتلَ حيث لا لوث، ونكل المدعى عليه عن اليمين، وعرضنا اليمين على المدعي، فنكل عن يمين الرد، ثم ظهر اللوث، فهل له أن يحلف يمين الابتداء؟ ذكر الأصحاب في ذلك قولين، ووجهوهما على ما تقدم.

ولو أقام شاهداً واحداً في دعوى مال، فلم يحلف معه، وحلّفنا المدعى عليه، فهل ترد اليمين على المدعي، وقد امتنع عن اليمين مع الشاهد؟ فعلى قولين.
وكذلك إذا لم يكن في دعوى المال شاهدان، رددنا اليمين على المدعي بعد نكول المدعى عليه، فنكل عن يمين الرد، ثم أقام شاهداً وأراد أن يحلف مع شاهده، فهل له ذلك؟ فعلى ما تقدم من القولين.
قال الأصحاب: الأصل في هذه المسائل أن من نكل عن يمينٍ في خصومة لا يحلف تلك اليمين بعينها، في ذلك المقام من تلك الخصومة، وهل يحلف في مقامٍ آخر من تلك الخصومة مع اتحاد المقصود؟ فعلى الخلاف المقدم.
هذا ما ذكروه ولا يحيط الناظر بحقيقة القولين في هذه المسائل، ما لم يُحط علماً بما قدمته، وسيأتي ما رمزت إليه موضّحاً في الدعاوى والبينات، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: " وللولي أن يقسم على الواحد وَالجماعة ... إلى آخره " 1. 10897 - إذا عين المدعى عليه في دعوى القتل، استمرت الخصومة على نحو ما تقدم، واستمر الأمر إلى ظهور اللوث [وثبوته] 2، ووضعُ الباب على أن تعيين المدعى عليه لا بد منه، وقال أبو حنيفة 3 لا يشترط تعيين المدعى عليه في صحة القسامة ويُحضر خمسين من صلحاء المَحِلة في خبطٍ لسنا نذكره.
فإن ادعى على جماعة، وزعم أنهم اشتركوا في القتل، عيّنهم؛ إذ نيطت الدعوى بهم.
ولو ادعى القتل على جمع لا يتصور اجتماعهم على القتل، فالدعوى باطلة؛ لأنه ادعى ما يحيله الحس.

ولو ادعى وقد أشار إلى جمع محصورين- أعلم أن قاتل أبي منكم، [ولا] 1 أدري [أيكم] 2، فأحلفكم واحداً فواحداً، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - ليس له ذلك؛ فإن اليمين تترتب على الدعوى، وإذا لم تتعلق الدعوى الجازمة بالمحلَّف، لم ينتظم تحليفه، والثاني - له أن يحلفهم كذلك، لأنه يتطرق به إلى إظهار غرضه، ومن كان صادقاً منهم، فلا عليه لو حلف.
وقال بعض المصنفين: إن قال: قاتل أبي واحد منهم، فليس له أن يحلّف أحداً منهم، فإن قال: قتل أبي هؤلاء أو واحد منكم، ففي المسألة وجهان حينئذ.
وهذا لا أصل له، ولم يصر إلى هذا التفصيل أحد من الأصحاب، بل اتخذ الوجهين فيه إذا قال: قاتل أبي واحد منهم، والذي يُبطل التفصيل الذي حكيناه [أنه] 3 إذا لم يعلق دعواه جزماً، بل رددها بين الجمع والواحد، فلا فائدة في ربط الدعوى بالجمع، إذا كان على الترديد.
10898 - ثم طرد الأصحاب هذا الخلاف في غير الدم، على تفصيل سنذكره الآن، فإذا قال: استلف مني واحد من هؤلاء ديناراً أو ثوباً وَصَفَه، وأعلم أنه فيهم، ولست أعرفه بعينه، فهل له أن يحلِّفهم؟ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
وكذلك إذا أضلَّ متاعاً بين جماعة [فاختزله] 4 واحد منهم، فأراد أن يدعي على الإبهام، فهو على الخلاف.
فأما إذا أقرض ماله إنساناً، ثم سها عنه، فقال: المستقرض منِّي في هؤلاء، وقد

نسيت عينه، فليس له أن [يخصّ] 1 واحداً منهم؛ فإن القتل، والإتلاف، والغصبَ [والاختزال] 2 مما لا يتعلق باختياره، ولا يبعد ألا يحيط [بعي]، 3 من فعل، فأما الإقراض [فصدوره] 4 عن اختياره، وكذلك المبايعة وما في معناهما، فإذا نسي وهو المقصر؛ فليس له أن يحلّف من غير تعيين.
هذه هي الطريقة المرضية.
وذكر الأئمة طريقين أُخريين: إحداهما- أن ما ذكره من التحليف والدعوى [لهم] 5 مختص بالدم؛ لأن للشرع اعتناء [بصيانة الأنفس لتعرضها للاغتيال وعِظم قتلها] 6 واشتداد العناية بحفظها؛ ولهذا بدأنا بالمدعي عند ظهور اللوث، ولا نبدأ بالمدعي في مالٍ عند ظهور اللوث، وتصوير اللوث في الأموال ممكن.
ومن أصحابنا من أجرى الخلاف في الخصومات المتعلّقة بالأموال، كما أجراه في الدم، وطرد هذا الخلاف فيه إذا قال: استقرض واحد منهم وأنسيت عينَه؛ فإن النسيان ليس بدعاً.
فانتظم مما ذكره الأصحاب طرقٌ: إحداها - طردُ الخلاف [في الخصومات الأخرى] 7 [والثانية -] 8 إجراء الخلاف في الدم فحسب، والأخرى - 9 إجراء الخلاف في الدم وغيره إلا في الإقراض، وما يتعلق بالاختيار من المعاملات، وما حكيناه عن بعض التصانيف مزيف غير معتد به.

10899 - ونعود إلى تفريع الخلاف في الدم، فنقول: إذا أبطلنا الدعوى، فلا كلام، وإن جوزنا تحليفهم واحداً واحداً، فإن حلف الكل، انتهت الخصومة من هذه الجهة، وإن حلف الكل إلا واحداً منهم، فقد أطلق الأصحاب القول بأن للولي إظهار اللوث 1، ولو أراد المدعي أن يقسم على [الناكل] 2، أقسم عليه، وليس هذا [ردّاً لليمين؛ حتى يجيء القولان في تعديد يمين الرد] 3، لأن يمين الرد إنما تفرض في الدعوى الجازمة، إذا توجهت على المدعى عليه، وهذا المعنى [مفقود] 4 في هذه الصورة.
ولو نكلوا من عند آخرهم، فلا يتبين اللوث في حق المدعي؛ فإنه ذكر أن القاتل واحد منهم، وقد استوَوْا في النكول، فإن ظهر عنده على الاختصاص لوثٌ في حق واحد، وعجز عن إظهاره في مجلس الحكم، فله أن يقسم بأن النكول الصادر منهم لوث في حق الجميع، وإذا ظهر لوث في حق [جمع] 5، فلا نشترط ظهورَه في حق من يعينه المدعي، وهذا فيه احتمال 6، لأنه في الابتداء أبهم الدعوى، ولم يظهر ما يوجب تعيّن واحد منهم للاختصاص بلوث، ولا يبعد أن يقال: ليس له أن يقسم على واحد منهم، ما لم يُظهر عند القاضي لوثاً مختصاً به، وليس كما لو عين المدعى عليه ابتداء، وكان اللوث شاملاً للجميع.
وهذا الذي ذكرناه فيه إذا تعيّن عنده لوث في حق واحد، وقد نكلوا، فماذا يفعل هذا المدعي؟ فإن قلنا: لا يقسم المدعي، فلا فائدة في عرض الأيمان عليهم؛ فإنهم

لا يعجزون عن النكول 1، إذ ليس [في] 2 مذهب الأيْمان الإجبار [على] 3 اليمين، والقضاءُ بالنكول لا وجه له، وقد عسر الرد، فلا يبقى لفرض اليمين فائدة.
وإن كان الأمر كذلك، [فنتبيّن] 4 من هذا المنتهى في التفريع بطلانَ أصل المذهب في عرض اليمين، ولاح وجوب القطع بأن المدعي إذا لم يعيّن المدعى عليه، بطلت دعواه [فيما إذا] 5 قال قائل: إذا نكلوا، فللمدعي أن يقسم على من شاء منهم، فهو 6 ناكل.
وإن قال: كنت أظن أن القاتل منهم واحد، فإذا نكلوا، [كان] 7 نكولهم لوثاً عندي في أنهم مشتركون في القتل، فهذا يخالف قولَه الأول، ويجوز أن يقال: دعواه جرت على الترديد، وأشعرت بإشكال الأمر عليه، ولا يمتنع أن نقول: يُثبت الآن نكولُهم أنهم مشتركون، وهذا بعيد جداً.
ولكن لا يستقيم التفريع على الوجه الضعيف في قبول الدعوى على الإبهام إلا على الالتزام.
هذا منتهى التفريع.
10900 - ثم قال الشافعي رضي الله عنه: " وسواء كان به جرح أو لم يكن ... إلى آخره " 8. لا يشترط وجود الجراحة في ثبوت القسامة، فإذا صوروا هالكاً لا جرح به، ثبت للولي أن يقسم عليه، إذا ظهر اللوث.
وأبو حنيفة 9 يشترط وجود الجراحة ليحلف رجال المحِلة، وإياه قصد الشافعي بالرد.

ومعتمد المذهب أن القتل ممكنٌ من غير جرح، ولو كان يقول: إن لم يكن عليه أثر من جرح، أو ضغطٍ في مجرى النفس، أو [تورّم] 1 في الخصيتين، فالهلاك محمول على الموت حتف الأنف، لكان ذلك مذهباً يجب البحث عنه، فأما مذهبه إنه 2 لو بدا أثر التعلّق والتخنيق في رقبته، فلا حكم لذلك ما لم نجد جرحاً.
فإن قيل: ما قولكم فيه إذا صودف ميتاً، ولا أثر أصلاً؟ وقد قيل: الأخذ على الفم والأنف إلى انخناق النفس [يسوّد] 3 وجه الميت [ويثور] 4 الدم صُعُداً، فإذا لم نفرض أثراً أصلاً، فالحمل على الموت الوفاقي ممكن.
قلنا: هذا فيه بعض النظر، ولم أر انتهاء تفصيل الأصحاب إليه، والموت فجأة ليس أمراً بدعاً، فيخرّج على هذا الاحتمال أن اللوث في القتل [شرطُه] 5 ظهورُ أثرٍ، [والمعنى] 6 المتلقى من فحوى كلام الأصحاب حملُ الأمر على القتل 7، ولئن كان الدم [قد ينعكس إلى مقرّه، بعد أن فاضت الروح، فالأمر] 8 محتمل، والعلم عند الله.

فصل قال: " وإن أنكر المدعى عليه أن يكون فيهم ... إلى آخره " 1. 10901 - مقصود الفصل أنه إذا ثبت اللوث على الحدّ الذي ذكرناه، فقال المدعَى عليه: كنت غائباً في الوقت الذي عينتَه للقتل، فقد قال الشافعي والأصحاب رضي الله عنهم: لا يقسم المدعي ما لم يَثْبُت حضور المدعى عليه، فإن أقام بينة على حضوره [ساعة قد ظهر] 2 اللوث، أقسم حينئذ، والسبب فيه أن اللوث وإن كان ظاهراً، فالغَيْبة ممكنة، ومن نيط به لوث لا يقتضي ذلك اللوثُ استمرارَه على الإقامة والحضور.
وفي هذا سؤال: فإن قائلاً لو قال: إذا كان بحيث يبعد [تقدير] 3 القتل إلا من جهة المدعى عليه، لاختصاصه بمعاداته، فينبغي أن يكون ذلك لوثاً في [غيابه] 4 أيضاً، هذا [المقيسُ] 5، فأدنى ما يلزم عليه أن يقال: إذا [وجدنا] 6 في مَدْرجةٍ أو شارعٍ ميتاً [فنحيل] 7 قتله على من عهد معادياً له.
وليس الأمر كذلك وفاقاً؛ فإن الحكم بأن هذا لا يقتله إلا من يُعرف معادياً له =وعلاجاً لما قد يكون من قلقٍ في العبارة، ثم لنرى كيف يتصرّف الرافعي في عبارة الإمام، قال الرافعي رضي الله عنه: " وقال الإمام: إذا صودف ميتٌ لا أثر عليه أصلاً، وقد قيل: الأخذ على الأنف إلى انخناق النفس يُسوّد الوجه، ويثور الدم صعداً، فإذا لم يظهر أثر، فالحمل على الموت الوفاقي ممكن، فهذا فيه بعض النظر، وإذا فاضت النفس، ففد ينعكس الدم إلى مقرّه، والأمر محتمل والعلم عند الله، وهذا السياق يشعر بأن الظاهر أنه لا يعتبر ظهور الأثر أصلاً، وكذلك ذكر القاضي الروياني، والمتوجه ما مرّ " (ر.
الشرح الكبير: 11/ 24).

لا معنى له؟ إذ [قد] 1 يتفق القتل من سكران، أو ممن يتهمه على أمر، وقد يحاول إنسانٌ سلبَ ثوبه فيمتنع، فيأتي عليه بسلاح، ووجوه القتل شتى، وإنما تخصيصه بأهل المعاداة في محلّهم الخصّيصة بهم لاقتضاء اللوث هذا المعنى، والغيبةُ والحضور أمران يجريان على التناوب [من] 2 الناس.
وخرج من مجموع ذلك أن القاضي لا يتركه يقسم، [وإن] 3 ظهر اللوث حتى يظهر عنده حضور المدعى عليه، [فإن صرّح] 4 بدعوى الغَيْبة أُحوج المدعي إلى إثبات الحضور، وإن لم يكن مع المدعي بينة على حضوره، فالقول قول المدّعى [عليه] 5 في الغيبة مع يمينه، فإن حلف، فلا قسامة، ولكن دعوى الدم قائمة واليمين معروضة على المدعى عليه 6. 10902 - ولو ادعى رجل على رجل قتلاً في [غير] 7 مقام اللوث، فقال المدعى عليه: أَثْبت حضوري، ثم حلّفني، ليس له ذلك؛ فإن الدعوى المرسلة يجب الجواب عَنها، والجواب عنها إذا لم يكن إقراراً، كان إنكاراً مضاداً للدعوى، فليحلف.
نعم، لا بد من إثبات الحضور في القسامة ليثبت اللوث.
ولو أقام المدعي في مقام اللوث بينة على الحضور، فأقام المدعى عليه بينة على الغيبة، فقد قال الأصحاب: بينة الغيبة مقدمة، واعتلّوا بأن بينة الغيبة معها مزيد علم، وبينة الحضور يحمل قولها على دوام الحضور.
وهذا ليس بشيء؛ فإن الغيبة معناها [كونٌ] 8 في مكان آخر، والحضور معناه

[كونٌ] 1 في هذا المكان، ومن ضرورة [لكون] 2 في مكان تعيّن انتفاء [لكون] 3 في غيره، فإذاً كل بينة تشتمل على إثباب من ضرورته نفيٌ، فلا يجوز ترجيح بيّنة الغيبة لذلك.
نعم، يجوز أن يقال: لو تداعيا حضوراً وغيبة، فالقول قول من يدعي الغَيبة مع يمينه.
ومهما 4 أقام متداعيان بيّنتين -ولو لم تكن البينة، لصَدَق أحدُهما- فبينة [من] 5 يُحلَّف ويصدَّق تقدم، كبينة الخارج والداخل، ثم سنذكر اختلاف الأصحاب في بينتي الخارج والداخل: فمنهم من يرجح بينة الداخل لقوة جانبه، ومنهم من يحكم بتساقط البينتين، ومرد الأمر إلى تحليف المدعى عليه، وهذان الوجهان جاريان في الغيبة والحضور من مسألتنا، وترتب على جريانهما أن المدعى عليه هل يحلَّف على الغيبة مع قيام البينتين؟ فعلى وجهين كما ذكرناه في الداخل والخارج.
10903 - ومما يتصل بهذا أن المدعى عليه لو كان محبوساً أو مريضاً، لا حراك به، سيما في مثل القتل، إذا [أظهر] 6 المدعي اللوثَ، وكان المدعى عليه في ذلك الوقت على ما وصفناه، ففي هذا طريقان: من أصحابنا من قال: إن اقترن هذا والعلمُ به بأيمان القسامة، فلا قسامة، فإن اللوث يضعف بها جداً.
وإن فرضت القسامة، ثم تبين بعد جريان الأيمان أن المدعى عليه كان محبوساً، فهل نحكم ببطلان القسامة تبيُّناً؟ ذكر الأصحاب في ذلك [وجهين] 7: أصحهما - أنا نتبين بطلان القسامة.
ومن أصحابنا من أجرى الوجهين [وإن] 8 اقترن العلم بكونه [محبوساً] 9 بإنشاء الأيمان.

ولسنا نعني بهذا العلم تحققَ بقائه في الحبس؛ فإن ذلك لو كان كذلك، لانتفى القتلُ قطعاً، ولكن المعنيّ به أن يكون [حبسه] 1 ظاهراً في تلك [اللحظة] 2، كما نطلق أن فلاناً محبوس، ويجوز أن يكون [معلناً بالحبس] 3 في وقت إطلاقنا لذلك، فليفهم ذلك على هذا الوجه.
فإن لم يكن من إجراء الخلاف بدٌّ، فلا معنى للفرق، والوجه طرده في الصورتين؛ فإن ما يمنع من الإقدام على الأيمان يوجب بطلانَها إذا تبين من بعدُ.
هذا والوجه القطع بسقوط اللوث بهذا؛ فإن ما يظهر من لوث فالبقاء في الحبس أظهر منه، وإذا ظهر ذلك [يسقط] 4 اللوث بمعارضة ما يضاده.
ومن أسرار الفصل أنه إذا ادعى -واللوث ظاهر- القتلَ على الشخص، فلم يتعرض المدعى عليه للحضور والغيبة بالنفي والإثبات، ولم يتعرض المدعي للتصريح بذكره، فكيف الوجه في ذلك؟ أولاً - إذا ادعى أنه قتله، فقد ادعى حضوره، [وإنما] 5 النظر في سكوت المدعى عليه عن دعوى [الغيبة] 6 [وهل] 7 يُظهر حضورَه، فلو كان غائباً لذكر [ذلك،] 8 وفي المسألة احتمال على حال.
10904 - ثم قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا أنظر إلى دعوى الميت ... إلى آخره" 9. أراد بذلك الرد على مالك 10 فإنه قال: لو وجدنا جريحاً متشحِّطاً في الدم،

مشرفاً على الهلاك، فقال: خذوا فلاناً بدمي، فإنه قاتلي.
قال: يقبل قوله، ويؤخذ ذلك الشخص بقوله، ونحكم عليه بالدم، فإنه لا يكذب في هذه الحالة.
وهذا كلام عري عن الإحاطة بقواعد الشرع " فإن الكذب ممكن، والحكم على الغير بالدعوى المجردة محال، ولو كان يقول: هذا لوث، فيقسم الولي، لكان أمثل، على أنه لو قُتل به، فهو باطل، [فإن اللوث لا يثبت] 1 بالدعوى 2. 10905 - ثم قال: " ولورثة القتيل أن يقسموا وإن كانوا غُيّباً ... إلى آخره " 3. إذا كان الولي المقسم غائباً، ثم حضر وأراد أن يقسم عند ظهور اللوث، فله ذلك " لأن معتمده اللوث، ولا يشترط أن يكون [فرعاً] 4 من القتيل، وإذا كان كذلك، فقد يثبت عنده بقول الأثبات والثقات ما يقسم عليه، أو باعتراف القاتل، وغيرِ ذلك من الوجوه، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن المقسم لا يكتفي باللوث الذي يكتفي القاضي به، بل ينبغي أن يعتمد أمراً أقوى من اللوث.
ثم الذي يمكن ضبط هذا الكلام به أن يثبت عنده ما لو كان قاضياً، لقضى بالقتل به، وهذا إقرارٌ أو قولُ عدلين، ولا يشترط مقامُ الشهادة، فإن الشهادة لا تقوم إلا في مجلس القاضي، ولا يشترط لفظُ الشهادة أيضاً، [وإن] 5 كنا قد نشترط لفظ الشهادة =3/ 1347، القوانين الفقهية: 343، حاشية الدسوقي: 4/ 288.

في الإشهاد على الشهادة، فليتأمل الناظر هذه المضايق.
فإن قيل: هلا قلتم: يقع الاكتفاء باللوث الذي تبنى عليه [البداية] 1؟ قلنا: البداية نقلُ حجة من جانب إلى جانب، والأمر فيه [قريب] 2، والإقدام على الإقسام تعرّضٌ لإثبات القتل.
هذا ما لاح لي في كلام الأصحاب.
وفي كلام بعضهم ما يشير إلى الاكتفاء باللوث، وهو ساقط غيرُ معتد به.
ثم ألحق الأئمة بهذا الوليَّ لو كان جنيناً وجرى القتلُ، أو كان نطفةً قارّةً في الرحم، لم تتخلق، ثم انفصل وأراد الإقسام، فله ذلك، ثم البناء فيه على ما قدمناه.
10906 - ثم قال رضي الله عنه: " وينبغي للحاكم أن يقول: اتق الله ... إلى آخره" 3. إذا أردنا البداية بالمدعي، ينبغي أن يحذِّره القاضي ويقول: اتق الله، ولا عليه لو استقرأ قارئاً قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ... ﴾ الآية [آل عمران: 77] ونؤثر في اللعان [تحذير المتلاعنين] 4، وذكرنا [من قبل] 5 تخصيصَ كلمة اللعن والغضب [بالأخذ] 6 على فم من يريد الجريان [بها] 7. فأما ما عدا هاتين الخصومتين، فهل نؤثر للقاضي أن يحذر الخصم من الإقدام على اليمين الفاجرة؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنا نؤثر ذلك في كل يمين معروضة.
والثاني - أنا نؤثر للقاضي ذلك في الدماء، والفروج، [والأمور] 8

الخطيرة، والضابط أن تكون الأيمان مغلّظة 1، على ما سيأتي كيفية التغليظ في موضعه من الدعاوى إن شاء الله، وما قل قدره من الأموال بحيث لا يسوغ التغليظ فيه [فلا] 2 خلاف أنا نؤثر للقاضي التحذير من اليمين 3، وهذا على ظهوره فيه [جريان] 4 التحذير من اليمين في الأمر الحقير [مما] 5 قد يراه الناظر أهمّ، ولكن التحذير ركن 6 التغليظ، وهو في معنى التفخيم والتعظيم 7، وإلا فلا منع للإنسان من حجته التي أثبتها الشارع له، بحيث لا [يسوغ] 8 إلا شرع التحذير من اليمين.
فصل 10907 - إذا ادعى على رجل أنه قتل موروثه مع عدد لم يذكر مبلغهم، فإن كان القتلُ قَتْلَ مالٍ، فلا خلاف أن دعواه مردودة، فإنه لم يبيّن [ما يخص] 9 المدعى عليه من المال، وإن كان القتل قتل [عمد] 10، بحيث يوجب القود لو ثبت بالإقرار أو البينة، فإن قلنا: [لا يُستحق] 11 الدم بأيمان القسامة، فلا تسمع الدعوى؛ فإنه لا غرض والحالة هذه إلا إثبات المال، [والقدر] 12 المدعى مجهول.

وإن قلنا: يثبت القود، فهل تُقبل الدعوى والحالة هذه؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - أن الدعوى مسموعة، فإن [القصاص] 1 يثبت على هذا للمدعي كثر الشركاء أو قلّوا، عُرف عددهم أو جُهل.
والوجه الثاني - أن الدعوى لا تسمع؛ فإن الأمر قد يؤول إلى المال.
والوجه عندي في هذا أن ينبني الخلاف على أن موجب العمد القود المحض، أو القود أو الدية: أحدهما - لا بعينه؟ فإن قلنا: موجبه القود المحض، فالوجه القطع بقبول الدعوى؛ فإن الموجب هو القود لا غير، فإن ثبت المال، فعن تصرّفٍ في القود، وإن قلنا: موجب العمد أحدهما لا بعينه، فيحتمل الوجهان حينئذ.
فصل 10908 - إذا قال المدعي: جرح فلانٌ موروثي فلاناً، ومات من جرحه، فاعترف المدعى عليه بالجرح، وزعم أنه مات بسبب آخر، فإن سلّم قصر الزمان، فعليه أن يثبت سبباً، وإن لم يُثبت، قضي عليه بالقتل.
وإن ادعى طولَ زمان [لا يكون] 2 فيه الجرح [سبباً] 3، فلا يخلو إما أن يكون الجرح في محل اللوث، وإما ألا يكون، فإن لم يكن الجرح في محل اللوث، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القول قول المدعي؛ فإن الجرح سبب الموت على الجملة، فمن ادعى [تعليقه] 4 به، ظهر صدقه مع يمينه.
والوجه الثاني - أن القول قول المدعى [عليه] 5، فإن الأصل عدم الموت وبراءة الذمة.
وإن كان اللوث ظاهراً، فقد قطع العراقيون بأن المدعي مصدَّق، وهذا عندي [هَوَسٌ] 6؛

فإن الجرح متفق عليه 1، وليس المدعي يدعي غيرَه، ويدعي إفضاء الجرح إلى الموت، وقصر الزمان وطوله لا يختلف بقيام اللوث، فلو قال عدل واحد: مات على قرب من الزمان، [ثبت] 2 اللوث في موضعه، ولا يثبت قرب الزمان إذا قلنا: القول قول من يدعي التراخي، فلا وجه لهذا التفصيل كيف فرض، والوجه إجراء الخلاف من غير تفصيل.
وهذا الذي ذكروه طرفٌ من اختلاف الجاني والمجني عليه في هذه الأنواع، وقد مضت هذه الفصول مستقصاة في موضعها على أبلغ وجه في البيان، فلا حاجة إلى الإعادة.
فصل 10909 - إذا ادعى رجل على رجل أنه انفرد بقتل أبي في الوقت الفلاني، فأقام المدعى عليه بينة أنه كان غائباً في ذلك الوقت، اندفعت الدعوى عنه، فلو أقر أحدٌ: بأني كنت شريكه في القتل، أو قال: أنا كنت المنفرد بقتله دون من ادعى عليه، فلو أن المدعي صدق هذا المقِرّ، وأراد مؤاخذته، بإقراره، وزعم أنه غلط في دعواه الأولى، فهذا ينبغي أن يدرج في تمهيد قاعدةٍ، فنقول: إن ادعى عليه أنه منفرد بالقتل، ثم ادعى مشاركةً أو انفراداً على خلاف دعواه الأولى، فالدعوة الثانية مردودة.
ولو أقر شخص بما يخالف الدعوى الأولى، فصدَّقه المدعي ونسب نفسه إلى الزلل أو تعمد الكذب، فالمذهب أن له مؤاخذة المقر؛ فإنهما اجتمعا على التصادق، وكذبه ليس أمراً بدعاً.
ومن أصحابنا من قال: ليس له مطالبة المقر؛ لأن دعواه إقرار منه ببراءة هذا المقر، فنؤاخذه بموجب قوله الأول، وسيأتي استقصاء ذلك في الدعاوى والبينات، إن شاء الله عز وجل.

فصل قال: " ولسيد العبد القسامة من عبده ... إلى آخره " 1. 10910 - اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في أن العبد إذا قُتل، فهل للسيد أن يقسم عليه إذا كان القتلُ قَتْلَ لوث، فقال في أحد القولين: لا يقسم عليه؛ لأن مطلوبه المال.
وقال في القول الثاني: يقسم عليه؛ فإن القسامة أثبتت تغليظاً لأمر الدم، واحتياطاً فيه، ودم العبد مضمون بما يصان به دم الحر؛ فإنه يتعلق القصاص به، ويُثبت خاصية النفس وهي الكفارة.
والقائل الأول قد يعارض ما ذكرناه بالأطراف؛ فإن القسامة لا تجري فيها وإن كانت مصونة عن الجناة بالقصاص، وسبيل الجواب عن الأطراف ما ذكرناه، من تعلق الكفارة بقتل العبيد.
وهذان القولان يقربان من القولين في أن [قيمة] 2 العبد المقتول خطأ هل تضرب على عاقلة القاتل؟ وقد مضى ذكر ذلك.
ويجوز أن يقال: ليس هذا مأخوذاً من الضرب على العاقلة؛ فإن العواقل يتحملون أروش الأطراف، وإن كانت القسامة لا تجري فيها.
وذهب بعض أصحابنا إلى القطع بإجراء القسامة في قتل العبيد، نظراً إلى تعلق الكفارة بقتلهم.
ثم القول في الإقسام على بدل المدبّر، وأم الولد إذا قتلا كالقول في العبد القنّ، والمكاتبُ إذا قُتل، فإنه يموت رقيقاً والكتابة تنفسخ.
10911 - ثم قال الشافعي: " ويُقْسم المكاتب في عبده ... إلى آخره " 3.

إذا فرعنا على الأصح، وهو أن القسامة تجري في قتل العبد، [فالمكاتَب] 1 إذا قُتل عبدُه [قَتْل] 2 لوثٍ، كان له أن يقسم، فإن أقسم ثم عجز ورَقَّ، اكتفى سيده بأيمانه وأخذ [القيمة] 3، وإن نكل المكاتب عن اليمين، ثم عجز، لم يكن له أن يُقسم، ولو لم يتفق منه إقدام على الإقسام [ولا نكول] 4، فقد قال الأصحاب: للسيد أن يقسم، وشبهوا ما ذكرناه من الأحوال بنظائرها في الوارث والموروث، فقالوا: إذا قُتل عبد لإنسان، فأقسم عليه، فقد ثبتت قيمته، فإذا مات المقسِم، قام ورثته مقامه في استيفاء ما استحقه.
وإن نكل السيد عن أيمان القسامة ومات، وأراد ورثته أن يقسموا، لم يكن لهم ذلك، ولو لم يتعرض السيد حتى مات، [فللورثة] 5 أن يبتدروا القسامة.
وعلى الناظر في ذلك أدنى توقف؛ فإن القسامة مقصودها إثبات القتل، ولقد جرى القتل ولا حق للورثة يُنزلهم منزلة الموروث لو بقي، وعلى هذا الأصل أثبتت عُهد العقد، فإن وارث المشتري يرد المشترَى بالعيب، وإن لم يكن هو المشتري، وإنما استفاد الملك بالإرث، [وملكُ] 6 الإرث لا مرد له، ولكن الحقوق تورث كالأملاك على تفاصيلَ يعرفها أهلها، والمشتري كما يورّثهم الملكَ ورثهم حقوق العقد، كذلك كانت القسامة حقاً للموروث، [فإذا] 7 مات قبل الإقدام عليها ورث الورثةُ حق القسامة، وإذا كان هذا في المواريث، فالسيد في عبد مكاتَبه أقربُ إلى خلافة الموروث؛ فإن المكاتب رقيق السيد قنّاً، فإذا عجز، قام السيد مقامه، وليس كذلك إذا نكل، فإن الحق بطل بنكوله حيث كان الحق له.
10912 - ومما يجب التعرض له ضبط ما يساوي العبد فيه الحر، وما يختلف فيه

فيما يتعلق بالقتل، والغرض التساوي في القواعد لا التكافؤ في الأشخاص، فنقول: قتل العبد كقتل الحر في القصاص والكفارة، والعبد كالحر في أن إقراره مقبول فيما يوجب القصاص عليه، وأطرافه في القصاص كأطراف الحر، واختلف القول في ضرب قيمته على العاقلة، وكذلك اختلف القول في جريان القسامة، وظاهر النص أن أطراف العبد من قيمته، كأطراف الحر من ديته، وفيه قول خرجه ابن سريج أن الواجب في أطرافه نقصان القيمة، وبدله غير مقدّر شرعاً، بخلاف بدل الحر، فهذا ما أردنا أن نذكره في ذلك.
فصل قال: " ولو قُتل عبد لأم ولدٍ ... إلى آخر الفصل " 1. 10913 - نُقَدِّم على الغرض تجديدَ العهد بأن العبد هل يملك بالتمليك؟ وفيه قولان ذكرناهما توجيهاً وتفريعاً في كتاب البيع، ونحن نفرع على القولين في غرضنا، ثم نخوض في مقصود الفصل، فنقول: إذا ملّك السيد عبده عبداً فقُتل العبد الثاني قتلَ لوثٍ، فإن قلنا: لا يملك العبدُ، [فإذا] 2 ملّك السيد عبدَه عبداً يُقسم 3 على القول الأصح، [فمن] 4 قُتل عبدٌ من عبيده.
وإن قلنا: العبد يملك بالتملّك، فأول ما نذكره أن من ملّك عبده عبداً أو عَرْضاً من العروض، فأُتلف ذلك الذي يملكه العبد، والتُزِمت القيمة بالإتلاف، فهل نقول: يزول ملك العبد المملّك، وتكون القيمة ملكاً للسيد؟ فعلى وجهين: أحدهما - وهو الأفقه أن القيمةَ ملكُ السيد، [فإنه لم يملك عبده] 5 إلا العينَ، وقد [فاتت] 6 العين، والقيمةُ مملوك آخر تَخْلُفُ العينَ المتلَفة، وملك العبد عُرضةُ

الاسترداد 1، فلو لَحِق العبدَ تغيّر [بعتقٍ] 2 أو بزوال الملك إلى متملك آخر، فما كان ملّكه مولاه يتخلّف عنه، وينقلب إلى ملك المولى 3، فقياس هذا أن [التغير] 4 في العين [بالإتلاف] 5 والرجوع إلى القيمة يوجب انقطاع ملك العبد.
ومن أصحابنا من قال: لا ينقطع ملك العبد، وحقه قائم في قيمة العين المتلفة إلا أن يرجع السيد فيها.
فإن قلنا: لا ملك للعبد في قيمة العبد المقتول، فيثبت للمولى حقُّ القسامة؛ فإن القيمة تثبت له، وانقطع ملك العبد عنه.
وإن قلنا: القيمة ملكُ المالك 6، فهل له أن يقسم؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون: أحدهما - أنه يقسم لبقاء ملكه في القيمة، والثاني - أنه لا يقسم لضعف ملكه، والقسامة تستدعي ملكاً قوياً وسلطنة واستيلاءً، وليس القِنّ في هذا بمثابة المكاتب؛ فإن المكاتب له حق الاستقلال في تصرفاته، وإنما يمتنع عليه التبرعات على تفاصيلَ مشهورة.
ثم فرع العراقيون على الوجهين وقالوا: إذا قلنا: لا يقسم، فالسيد لا يقسم أيضاً، فإن [حصل] 7 القتل كما ذكرناه، فاسترجع المولى القيمة، فإنها تنقلب إلى ملكه، فإذا عادت [القيمة] 8 إلى ملكه، فقد قالوا: لا يقسم السيد؛ فإن العبد لما قتل، لم يكن ملكاً للسيد، فلم تنقلب [القيمة] 9 إليه، ولما رجعت، فهذا حق جديد يثبت له، فلا يقسم.

وفي المسألة أدنى احتمال، فيجوز أن يجعل السيد كالخَلَف عن العبد كما ذكرناه في الوارث والموروث.
وهذا فيه نظر: يجوز أن يقال: إن جوزنا للعبد أن يقسم، فإذا استرد السيد [القيمة] 1، فله أن يقسم على مذهب الخلافة، وإن قلنا: ليس للعبد أن يقسم، فليس للسيد أن يقسم أيضاً؛ فإن هذا الحق لم يثبت للعبد، فكيف يخلفه السيد فيه بخلاف الوارث والموروث، وليس من الفقه أن نصور موروثاً ليس من أهل القسامة [يورث] 2، فإن حق القسامة ثابت له، ولكنه عاجز عن استيفائه 3، فيخلفه الوارث ويستوفيه إذا كان أهلاً للاستيفاء، فإذا ثبتت هذه المقدمة، عدنا إلى مسألة الكتاب.
10914 - لو قتل عبدٌ لأم الولد، ولم نُرد عبداً تملكه أمُّ الولد؛ فإنه على الجديد نُفرّع، ومذهبه أن أم الولد لا تملك، وإن ملّكها المولى، فالمعنيُّ بقوله: لو قتل عبدٌ لأم الولد أن يقتل [عبدٌ] 4 هو برسم أم الولد يُدعى بها ويعزى إليها، فإذا قتل مثل هذا العبد -والتفريع على الجديد- فإنها لا تقسم، ويقسم المولى؛ فإن العبد مملوكُه، وإن قتل عبد من عبيد المولى -ولا أثر لكونه برسم أم الولد إذا قلنا: إنها [لا] 5 تملك -[فلو] 6 أوصى السيد بقيمة ذلك العبد لأم الولد، والثلث وافٍ، فالوصية صحيحة؛ لأنها تستحقها بوفاة المولى، [وهي] 7 تَعتِق بالوفاة، فلو أقسم المولى، ثم مات، صرفت [القيمة] 8 إليها.

وإن لم يقسم حتى مات، ولم يفرض منه نكول، قال الشافعي: والأصحاب معه: للورثة أن يقسموا، وإذا أقسموا، صرفت القيمة إليها.
فإن قيل: كيف يقسم الورثة وأم الولد إذا قبلت الوصية، ملكت القيمة، والورثة إذا [أقسموا بالوراثة، كانوا مقسمين] 1 على قيمة هي ملك غيرهم، فكيف ينتظم هذا؟ وهذا السؤال ليس مما يستهان به، وسبيل الجواب عنه أن الورثة خلفوا الميت، ولا تختص خلافتهم عنه بما يملكون إرثاً 2؛ فإنه لو مات ولم يخلف تركة، وكان عليه دَيْنٌ فإذا قضاه الوارث، فعلى مستحق الدين أن يقبله، بخلاف ما لو تبرع أجنبيّ بقضاء دين الميت؛ فإنه لا يجب على مستحق الدين قبوله.
وغالب ظني أني رأيت لبعض الأصحاب خلافاً في الوارث أيضا -إذا لم يخلِّف مَنْ عليه الدين شيئاً- وينزله منزلة الأجنبي المتبرع بقضاء الدين.
فيرجع تحصيل القول في تعليل إقسام الورثة [إلى] 3 أن الموروث إذا أوصى، فيظهر في غرض الوارث [التشهِّي] 4 في تحقيق مراده، وتنفيذ وصيته، فثبت لهم - لظهور هذا الغرض بحق خلافة الوراثة- الإقسامُ، والدليل عليه أنهم يقسمون إذا لم تكن وصية، مع القطع بأنهم لم يكونوا ملاك العبد لما قتل في حياة الموروث، ويقسمون [ويستحقون، وما كان ثبت شيء من استحقاقهم بالقتل] 5، وإذا ثبت

القتل، [تضمّن] 1 ثبوتُه استنادَ ثبوت حق الموروث إلى حالة القتل، وكأنهم تم ترتيب [إرثهم] 2 على ثبوت حقه، وهذا لا يحال إلا على حق الخلافة.
هذا هو الممكن في تعليل إقسام الورثة.
10915 - وأمُّ الولد وإن كانت قد قبلت الوصية، وملكت [القيمة] 3 لا تقسم ابتداء، لأنه ليس تستحق [القيمة] 4 بخِلافةٍ، [وإنما] 5 تستحقها بوصية، وقتُ نفوذها الموتُ، ولسنا ننكر أن الوصية يترتب نفوذها على ثبوت ملك الموصي، ولكن انتفت الخلافة، فلو حلفت [حلفت] 6 على أمرٍ ناجزٍ لا استناد له.
ومن ظن أن إقسام الورثة يؤخذ من ثبوت الملك لهم في الموصى به أولاً، فقد أبعد، فإنّ الشافعي قطع القول بإقسام الورثة، واتفق الأصحاب على ذلك، وأقوالهم مختلفة في ملك الموصى به قبل قبول الوصية، ثم يلتزم هذا القائل أن يقسموا قبل القبول، ولا يقسموا بعده 7، وهذا [لا] 8 صائر إليه، ولا قائل به.
ثم لو فرعنا على أن الملك للورثة قبل القبول، فهو أضعف الأملاك حتى قيل: إنه تقدير ملك، وليس يتحقق، وسبب التقدير أنا لا نجد بداً من إسناد الملك إلى مالك قبل القبول، والإقسام على تقدير الملك بعيد، ولم نذكر هذا ليكون مذهباً، ولكن [كشفنا] 9 إمكاناً وأبطلناه، وانتظم اتفاق الأصحاب على أن الورثة يقسمون قبل القبول وبعده.

فإن قيل: لو أوصى رجل لرجل بعين من أعيان ماله، ثم مات الموصي، وادعى مدَّعٍ استحقاقاً في العين الموصى بها، فهل يحلف الوارث لتنفيذ الوصية، أم كيف السبيل فيه؟ قلنا: هذا فيه تردد، وفضل نظر: يجوز أن يقال: الوارث يحلف حتى إذا انتهت [الخصومة] 1، [استُحقّت] 2 الوصية.
ويتجه أن يقال: إذا قبل الموصى له الوصية، ثم ظهرت الدعوى، [فالخصومة] 3 تتعلق بالموصى له؛ فإنه مَلَك العين، واستبدَّ بها في ظاهر الحال، فيتعلق النزاع به، وتتوجه الدعوى عليه، وليس كصورة القسامة [، فإنها] 4 من خواص القتل 5، وحقها أن تستند إلى القتل، ولا ترتبط [دعوى] 6 [الاستحقاق] 7 إلى ما تقدم، فيحمل الأمر على الحال، وهذا فقيهٌ حسن 8. وإذا قلنا: تتعلق الخصومة بالموصى له بعد القبول، فيتردد الرأي في تعلق الخصومة بالورثة قبل القبول.
وهذا الآن يُحوج إلى مزيد نظر، وستأتي الدعاوى في

الوصايا وغيرها في موضعها -إن شاء الله عز وجل- وإنما نجّزتُ هذا القدرَ لتميز مسالة القسامة عما عداها.
10916 - ويعود -الآن بنا- الكلامُ إلى القول في القسامة، فإن أقسم الورثة، صرفت القيمة إلى أم الولد، ولو نكل الورثة عن أيمان القسامة، فهل لأم الولد أن تُقسم وتأخذ القيمة؟ فعلى قولين: أحدهما - ليس لها ذلك؛ لأنها تأخذ ما يثبت ملكاً للموصي وليس إليها إثبات ملك الموصي.
والثاني - لها أن تحلف؛ [لأن] 1 مآل الاستحقاق إليها.
وهذان القولان يجريان فيما لو أقام الوارث شاهداً واحداً على إنسانٍ بدين لأبيه، وكان الأب [مديناً] 2، فإذا لم يحلف الوارث، فهل يحلف الغرماء؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يحلفون؛ لأن إثبات الملك ليس إليهم، والثاني - أنهم يحلفون؛ لأن مصير الملك إليهم؛ فإن ما يثبت تركةً للمديون، فهو مصروف إلى ديونه، فإن قيل: هلا رتبتم تحليف أم الولد على تحليف الغرماء، وجعلتم أم الولد أولى بالحلف من جهة أن استحقاقها تعلق [بعين القيمة] 3، فهي تقسم على ما ملكته، وهذا لا يتحقق في التركة وحقوق الغرماء؛ فإن الغرماء لا يملكون التركة، بل للورثة أن يؤدوا ديونهم من أموال أنفسهم ويستخلصوا التركة؟ قلنا: هذا على حالٍ وجهٌ في الفرق، ولكن لا فقه فيه؛ فإن حصول الملك في القيمة لا يوجب حق الإقسام، ولو كان على هذا معول، لأقيمت أم الولد ابتداء دون الورثة، ولكن القسامة تُثبت القتل؛ إذ هي من خصائصه، ولا حق للمستولدة حال أثبتنا للورثة القسامة، فليس يتحتم عليهم أن يحلفوا، وإن كانوا على بصيرة وعلم 4، ولا تجب الأيمان قط.
ولو ظن ظان أن في إقسامهم تنفيذَ وصية، وعليهم القيام بتنفيذها، كان ذلك كلاماً

مضطرباً، فإن الذي على الورثة ألا يمنعوا ولا يمتنعوا، فأما أن يسعَوْا ويبذلوا من عند أنفسهم أمراً بالتنفيذ، فهذا غير محتومٍ عليهم.
10917 - ثم قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو لم يقسم الورثة، لم يكن لهم ولا لها شيء إلا أيمان المدعى عليهم " 1 هذا لفظ الشافعي مست الحاجة إلى إيراده لتعلق الأصحاب به لاستتمام الكلام في المسألة: فإذا لم يقسم الورثة، وقلنا: لا تقسم أم الولد، أو قلنا إنها تقسم، فمن الذي يوجه اليمين على المدعى عليه، ويثبت له حق الانتصاب في مقام الدعوى والطلب؛ فإن القسامة وإن لم تجر، فالخصومة لا تتعطل؟ ظاهر النص أن لأم الولد الطلبُ، وللورثة الطلب، ونصُّ الشافعي في صدر الفصل يدل على أن أم الولد لا تقسم، وإن نكل الورثة عن القسامة، فليفهم الطالب هذين من كلام الشافعي.
10918 - وإذا ثبت هذا، عدنا إلى تصرف الأصحاب في الدعوى وتوجيه الطلب، قال طوائف من المحققين: الدعوى وتوجيه اليمين على المدعى عليه مأخوذ من القسامة، وقد قلنا: للورثة أن يقسموا، فلهم أن يطلبوا اليمين من المدعى عليه؛ فإنهم إذا تسلطوا على أيمان القسامة للعلّة التي ذكرناها، فلهم حق الدعوى وطلب اليمين لتلك العلة، هذا قولنا في الورثة.
فأما أم الولد، فإن قلنا: إنها تقسم لو نكل الورثة، فيثبت لها حق الدعوى والطلب، [وإن] 2 قلنا: إنها لا تقسم، فليس لها حق طلب اليمين؛ فإن طلب اليمين إنما يثبت لمن نحلِّفه يمينَ الرد لو فرض نكول المطالَب، فإن قلنا: أم الولد لا تحلف، لم يكن لطلبها اليمين معنىً، فإنها لو طلبت، لنكل الخصم، ثم لا يُقضى بالنكول، ولا ترد اليمين.
وإن قلنا: اليمين مردودة عليها، فينبغي أن تكون من أهل أيمان القسامة أيضاً.
هذا مسلك الأصحاب.

والمسلك الحق عندنا أنه يثبت حق الطلب لأم الولد، وهذا نصّ الشافعي، فإنه قال: " ليس لها ولا لهم إلا أيمان المدعى عليهم " وقد ذكرنا أن النص دال على أن أم الولد لا تقسم، فاقتضى مجموع ذلك أنها وإن كانت لا تقسم، فلها طلب اليمين من المدعى عليه، وتعليل ذلك من جهة المعنى أن القسامة مقصودها إثبات القتل، وهي من خواص القتل لا يثبت بها غيره، وأما إذا استقر الملك في القيمة، فادعته أم الولد بعد قبول الوصية، فإنما تدعي ملكاً لها محققاً، ولا حاجة في تجويز الدعوى إلى إثبات جهة الاستحقاق، ثم الوجه إذا جوزنا لها أن تحلّف المدعى عليه أن تردّ اليمين عليها إذا نكل المدعى عليه، وليس تحليفها يمين الرد بمثابة أيمان القسامة؛ لما أشرنا إليه من أن القسامة لا تُثبت إلا القتل، ويمين الرد يثبت الملك الناجز من غير حاجة إلى الالتفات على سابق.
والذي يكشف الحق فيه أن الدعوى في الملك تُسمع مطلقة، ودعوى [الدم] 1 لا تسمع مع أيمان القسامة مطلقة، بل يجب التعرض في أيمان القسامة [للتفصيل] 2، وإذاً الصحيحُ عندنا أن أم الولد تطلب يمين المدعى عليه، وإذا نكل، ردت اليمين [عليها] 3 ولا تعلق لهذا بالقسامة؛ فإن أيمان القسامة من خصائص القتل، وطلب يمين المدعى عليه والإقدام على يمين الرد بعد نكوله من أحكام الخصومات المتعلقة بالملك الناجز وهي المالك للقيمة.
ثم من تمام الكلام في هذا أن من بنى حق طلبها على أنها تقسم، لزمه أن يقول: إنما تدعي المستولدة وتطلب اليمين إذا لم يطلب الورثة، حتى يترتب طلبها على تركهم، كما أنها لا تحلف أيمان القسامة ابتداء، وإنما تحلف إذا نكل الورثة، هذا لابد منه.
وإذا قلنا: لها حق الطلب، وإن كانت لا تقسم، وهي الطريقة المرضية، فتبتدىء

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل