كتاب المساقاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
إن شاء الله عز وجل، ولم يبالِ الشافعيُّ بخلاف من يخالف في المساقاة، لما وثق باتجاه الخبر، وانقطاع التأويل عنه، ولم يتكلف 312
إلا الجمعَ بين المعاملتين.
وقد ذكرتُ في (الأساليب) 1 طريق الجمع، وحظُّ المذهب 2 منه: أنه يكثر في الناس ملاك النخيل الذين لا يحسنون العملَ عليها، [وإن أحسنوه، لم يريدوا تعاطيه، وفوائد النخيل تتعلق بعمل المتفقِّدين وتعهد القائمين عليها] 3 ولن يحرص العامل على توفية العمل، حتى يكون له حظٌّ من الثمار، وهذا المعنى يتحقق في الاتِّجار، فإنه يقلّ في الناس من يستقلّ بمعرفة التجايرِ 4 والكَيْس فيها، فكانت المقارضة مَرْفقاً بين مَنْ لا مال له، وبين من لا علم له بالتجارة.
وقال قائلون: مستند الإجماع في القراض حديثُ عبد الله وعبيد الله ابني عمر، قيل: رجعا من غزوةِ (نهاوند) فمرّا بالعراق، وعليها أبو موسى الأشعري، فقال: إني أريد أن أصلَكما بشيء، وليس في يدي ما أصلكما به، وإنما معي مائة ألف درهم من مالِ بيت المال، أدفعها إليكما، اشتريا بها سلعة، وتبيعانها بالمدينة وتردّان رأس المال على أمير المؤمنين، والربحُ لكما، فأخذاها، واشتريا بها من أمتعة العراق، فربحا عليها بالمدينة ربحاً كثيراً؛ فقال لهما عمر: أَوَ أسلف كلَّ الجيش مثلَ ما أسلفكما؟ فقالا: لا.
فقال: أنْ كنتما ابني أمير المؤمنين، لا أراه فعل ذلك إلا لمكانكما مِنِّي! رُدَّا الربحَ في بيت المال، فسكت عبد الله بنُ عمر، وراجع عبيد الله أباه، وقال: يا أمير المؤمنين أليس لو تلف، لكان من ضماننا؟ فقال: بلى، فقال عبيد الله: الربحُ لنا إذاً، أشار إلى أن الخراج بالضمان، فسكت عمر، ثم قال مِثلَ قوله الأول، فراجعه عُبيد الله ثانياً، وأعاد قوله الأول، فقال عبدُ الرحمن بنُ عوف: لو جعلته قراضاً على النصف يا أمير المؤمنين، فأخذ منهما نصفَ الربح، وترك النصف في أيديهما 5 وتعلق العلماء بقول عبد الرحمن: لو جعلته قراضاً، وقالوا: التقريرُ على ذلك، والعملُ بحكمه يدل على أن القراض كان معلوماً فيهم.
وليس في
هذا كثير تعلق عندنا، ولا يجوز أن يكون للإجماع مستندٌ يحتاج الناظر إلى الغوص عليه، وتدقيق النظر في دَرْكه إلى هذا الحد، ولا بدّ وأن يكون للإجماع صَدَرٌ عن أصلٍ، ويبعد في مطّرد العرف خفاؤه، فلا وجه فيه إلا القطعُ بأنهم ألفوا هذه المعاملة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شائعةً بين [المتعاملين] 1 وتحققوا التقرير عليها شرعاً، وكان شيوع ذلك في الخلق أظهرَ من أن يُحتاج فيه إلى نقل أقاصيص، فكان الإجماع عن مثل هذا.
واستقصاءُ ذلك في الأصول.
4848 - ثم تكلّم الفقهاءُ على القصة التي جرت، وتنزيلها على وجهها، فمنهم من قال: استقرضا المائة ألف استقراضاً صحيحاً، وللوالي أن يُقرض مالَ بيت المال إذا رأى المصلحةَ فيه، فكان الربح بكماله لهما غيرَ أن عمر استطاب أنفسَهما عن بعض الربح، فلم يخالفاه، وكان هذا بمثابة استطابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفسَ الغانمين عن سبايا هوازن لما أراد ردََّها عليهم، بعد قسمتها، وجريانِ ملك الغانمين فيها.
وقال بعض العلماء: ما جرى كان قراضاً فاسداً؛ فإن أبا موسى شرط عليهما ردَّ المال بالمدينة، فكان قرضاً جر منفعةً، وقد ذكرنا فسادَ السفاتج 2 في مثل ذلك.
ثم يجوز أن يقال: كانا اشتريا الأمتعة في الذمة، فوقع الملك فيها لهما، والربح على الأمتعة، غيرَ أنهما لما ارتفقا بمالِ بيت المال في تأدية أثمان الأمتعة رأى عمر رضي الله عنه استطابة أنفسهما عن بعض الربح.
وقيل: كان ما جرى قراضاً فاسداً بين أبي موسى وبينهما؛ فإنه شرط عليهما وراء التصرف النقلَ إلى المدينة، وسنذكر فسادَ القراض بمثل هذا، فكان الربح بكماله لبيت المال، ولكن رأى عمر نصف الربح موازياً لأُجور أمثالهما.
فهذا ما أردناه في رسم القراض، وتأصيله، ومستندِ الإجماع فيه، ونحن نذكر
بعد ذلك فصلاً جامعاً يحوي أركان القراض، والشرائطَ المرعيةَ في صحته، ونحرص على أن نستوعب في هذا الفصل معظمَ قواعد الكتاب.
حتى يُلفيها الناظر مجموعة في مكان واحد.
فصل
قال الشافعي: "ولا يجوز القراض إلا في الدنانير، أو الدراهم التي هي أثمانٌ للأشياء وقيمتها ... إلى آخره" 1.
4849 - فنقول: أركان القراض ستة [أشياء] 2 نأتي بها مفصلة مع مسائلها إن شاء الله عز وجل، ونبدأ بما صدّر الشافعي الكتابَ به، فنقول: عقْدُ القراض يختص بالدراهم والدنانير المطبوعتين من النُّقرة الخالصة [والتبر] 3 الجاريَيْن أثماناً وقيماً، وهذا لا نعهد فيه خلافاً.
وقد تردد الأصحاب في المعنى الذي اقتضى تخصيصَ القراض بالنقدين، فاكتفى بعضهم بما أشعر به ظاهرُ النص، وقال: هذه معاملة احتمل الشرعُ فيها جهالاتِ وأغراراً؛ إذْ لا تُضبط أقدار العمل فيها، وليس لها مدّةٌ في وضع الشرع، وغرضُ 4 العامل فيها تعلَّقَ بالغرر؛ فإن الربح قد يكون، وقد لا يكون، وسبب احتمال هذه الجهات والجهالات مسيسُ الحاجة إليها، ولمثل ذلك صحت الإجارة، ثم كان الغرض منها التوصل إلى تنمية المال، فاقتضى الشرعُ تخصيصَ المعاملة بالنقد الذي هو وسيلةٌ إلى تحصيل كل غرض في التجارة.
ولو كان رأس المال عَرْضاً فربما يكسد سوقُه، ولا يخرج على 5 إرادة العامل، وتتفق متجرةٌ رابحة، ولو كان النقد عتيداً 6،
لحصلت، فكان التخصيص بالنقد لتحصيل الغرض الذي احتُمل ما في هذه المعاملة من الجهالة لأجله.
هذا تعليلٌ على الجملة.
والأصول إذا حاولنا تعليلها، لم نعثر إلا على مصالحَ كلية، قد لا تُحرّر على مراسم [الحدود] 1.
ومن أصحابنا من قال: المعنى فيه أنه لا بد من رد العروض إلى النقد عند المفاصلة على ما سيأتي، إن شاء الله في أثناء الكتاب.
4850 - ثم شرْطُ هذه المعاملة أن لا يستبد رب المال بجميع الربح، وأن لا يأكل
العامل جزءاً من رأس المال.
والقراض على غير النقد قد يؤدي إلى أحد هذين، وبيان ذلك أن رأس المال لو كان وِقراً من حنطة، واتفق القراضُ في غلاء السعر، فكانت قيمةُ [الوِقر] 2 عشرةَ دنانير، فلو باعه العامل في الحال مثلاً، فانخفض سوق الحنطة، وعاد قيمةُ كل وِقر إلى دينار، فسنقول: إذا تفاسخا، فالرجوع إلى جنس رأس المال، فيردُّ العاملُ على رب المال وِقراً من الحنطة يشتريه بدينار، والباقي بينهما، فيأخذُ العامل أربعةَ دنانيرَ ونصف من رأس المال، من غير كُلفة وتصرف.
ويُمكن فرض ذلك على العكس بأن يقال: قيمةُ الوِقر يوم العقد دينار، فباعه وتصرف فيه حتى بلغ عشرة دنانير، ثم ارتفع سوق الحنطة، فبلغ الوِقرُ قيمتُه عشرة دنانير، فإذا تفاسخا، فعلى العامل تحصيلُ رأس المال، وهو وِقرٌ من حنطة، ولا يمكنه ذلك، إلا بصرف جميع العشرة إلى الوِقر، فيستبد ربُّ المال بجميع الربح.
4851 - فإن قيل: قد تتفاوت أسعار الدراهم والدنانير أيضاً؛ لأن الأسواق فيهما ترتفع وتنخفض.
قلنا: يقل وقوع التفاوت في الدراهم والدنانير المطبوعة، مع خلوص النُّقرة، وقد يتمادى الزمان، ولا يعرض فيها تفاوتٌ.
فإن قلّ، احتُمل.
نعم، الدراهم المغشوشة قد تتفاوت بالرواج والكساد، والقراض لا يصح إيرادُه إلا على المطبوع من النُّقرة الخالصة، فإن لم يمكن ذلك في الدراهم، فالدنانير المطبوعةُ من الذهب الإبريز عتيدةٌ، غيرُ مُعْوزةٍ، فلتقع المعاملة عليها.
فإن قيل: ما المانع من إيراد المعاملة على الدراهم المغشوشة؟ قلنا: أما البيع بها إشارةً إليها أو إطلاقاً لذكرها، فقد فصَّلنا المذهبَ فيه في كتاب البيع، وفرقنا بين أن يكون مقدار النُّقرة مجهولاً، وبين أن يكون معلوماً.
فأما تفصيل القول فيها في القراض، فنقول: لا يمتنع بيع الدراهم المغشوشة إذا انضبط مقدارُ العيار، ولا يقع الاكتفاء بهذا في القراض؛ فإن مقدار النُّقرة، وإن كان مضبوطاً، فالنحاس المضمومُ إليه سلعةٌ، وإيرادُ القراض عليه بمثابة إيراده على نقدٍ وسلعة، وذلك ممتنع، فالوجه منعُ إيراد القراض على المغشوش.
قال القاضي: أبعد بعضُ أصحابنا، فجوز إيرادَ القراض على المغشوش إذا جرى نقداً؛ فإن المعنى المتبعَ ما ذكرناه من كون النقد وسيلةً إلى أغراض التجارات، فإذا جرى المغشوشُ، وعم جريانُه، تحقق ذلك.
ولم يسمح أحد من الأصحاب بإيراد القراض على الفلوس.
وإن عمّ جريانُها في بعض الأقطار، وكذلك القول في الغِطْرِيفية 1 فيما وراء النهر، والسبب فيه أن الفلوس لا يعم جريانها في البلاد الكبيرة، وإنما يتواطأ عليها أهل ناحيةٍ، ثم تكون عرضةً للكساد، ولو كسدت وركدت أسواقها، لتفاوتت تفاوتاً عظيماً.
والذي جوزه الأصحاب في الدراهم المغشوشة فيه إذا كانت قيمتُها قريبةً من مبلغ النقرة، وقيمة النحاس، ومؤن الطبّاعين.
وأمثال هذه الدراهم لو فرض في جريانها ركودٌ، لقلّ المقدار الذي يفرض فواتُه، وإن كانت الدراهم المغشوشة جاريةً على مبلغٍ من القيمة لا يدنو مما فيه من النقرة، والغش، ومؤن العَمَلة، فهي على التحقيق جاريةٌ جريان الفلوس، فلا جواز لإيراد القراض عليها.
على أن من جوّز إيراد القراض على الدراهم المغشوشة فهم الأقلون من المتأخرين، والمذهب المبتوت ما قدمناه.
وكان شيخي أبو محمد يقول: لا نلتزم ذكر علة [معتمدةٍ] 1 في اختصاص القراض بالنقدين، ونكتفي بانعقاد الإجماع.
وهذا وإن كان يجري في مسالك الجدل، فلا سبيل إلى التعلق [بمثله، في مقام المباحثات، عن أصول المذهب.
4852 - فإذا تبين اختصاص القراض بالنقدين] 2، فقد كان شيخي يقول: إذا وردت المعاملةُ على الدنانير في ناحيةٍ 3، لا تجري الدنانير فيها نقداً في العقود، فالمعاملة صحيحة، ولا معول على عدم جريان الدنانير؛ فإنها على حالٍ ليست كالسلع التي يُتربص بها، ويُفرضُ فيها تفاوتُ القيم وارتفاعُ الأسواق وانخفاضُها.
ولو كنا لا نصحح القراض إلا على نقدٍ جارٍ، لامتنع القراض في كثيرٍ من البلاد؛ إذ لا يعم فيها إلا المغشوش، وقد أوضحنا امتناع ورود القراض على المغشوش.
ثم يتصل بتفصيل هذا الركن أن إيراد القراض على النقرة التي لم تطبع بَعْدُ غيرُ جائز؛ فإن النقرة لا تعد من النقود، بل تعد من السلع قبل جريان الطبع، ولا يحصل بها التوصل إلى الاسترباح.
هذا بيان الركن الأول.
4853 - والركن الثاني - في صحة القراض ألا يُشترطَ على العامل عملٌ، سوى التجارة، وما يتعلق من هذه الجهة بالاسترباح والاستنماء، فلو وُظّف عليه عملٌ لا يجانس ما ذكرناه، فسد القراض به، وهذا [تبيّنه] 4.
مسائل
4854 - منها أن الرجل إذا قارض رجلاً بمَرْو، وشرط عليه أن ينقل المال إلى نَيْسابور، ويشتري من أمتعتها، ثم ينقلها إلى مرو، أو يتركها بنيسابور، فهذا فاسدٌ؛ من جهة أن نقل المال من قُطر إلى قُطر عملٌ زائد على التجارة، وقد يُفرَضُ نقلٌ مجردٌ
من غير تجارة، فإذا ضُم شرطُ النقل إلى التجارة، كان عملاً ممتازاً عن التجارة، فيفسد القراض.
وسنذكر أن رب المال لو أذن له في السفر، فلا بأس، ولكن هذا جرى رفعاً للحرج عنه، من غير اشتراط عملٍ سوى التجارة.
هذا ما ذهب إليه جماهير الأصحاب.
وكان شيخي يحكي عن طوائفَ من المحققين، منهم الأستاذ أبو إسحاق: أنَّ شرط المسافرة في الثمار الثقيلة 1 والأموال التي لها قدر، ليس مما يؤثِّر في القراض، بل الباب الأعظم في التجارة المسافرة، وهذا حَسنٌ متجه إذا لم يُبْنَ الأمرُ على نقل المال مقصوداً إلى موضعٍ؛ فإن التجارة ليست بيعاً وشراءً فحسب، وقد يتصل بها أعمال من الطي والنشر [والحرز] 2 ونفض الثياب، والحفظ، وما في معانيها.
وهذه الأعمال يمكن [تقدير] 3 إفرادها من غير تجارة، ولكن إذا اتصلت بالتجارة، عُدّت من توابعها، فليكن المسافرةُ منها.
فتحصَّل مما ذكرناه اختلافٌ بين الأصحاب، فمنهم من أبى شرط السفر، واعتقده مُفسداً، وجوّز ذكرَ السفر في معرض رفع الحجر، ومنهم من جوز شرطَ السفر، كما ذكرناه، إذا كان السفر معدوداً من توابع التجارة.
4855 - ومن المسائل أنه لو دفع إلى العامل ألفاً وقال: اشتر بها حنطةً، واطحنها، واخبزها، وبع الخبز، والربحُ بيننا، فلا يصح القراض؛ لأنه شرط عليه 4 عملاً وراء التصرف، والمطلوبُ من عقد القراض التصرفُ، وما يقع تابعاً له، كالحفظ والحَرْز وما في معناهما، والطحنُ والخَبزُ عملان مقصودان، وقد أوضحنا انحصار هذه المعاملة في ابتغاء الربح، بالحذاقة في التصرف والكَيْس في التجارة، فأما أن يعمل عملاً آخر يتعلق بالحِرف، فليس ذلك من مقاصد القراض.
وإذا اشترط في القراض أفسده، وهذا متفق عليه.
وكذلك لو دفع إليه ألفاً ليشتري به السِّمسمَ ويعصرَه ويبيعَه، لم يصح القراض كذلك.
4856 - ثم أجرى الأصحاب في ذلك كلاماً نأتي به، ونذكر ما فيه.
فقالوا: لو أورد القراض على النقد، ورأى العامل أن يشتري به حِنطةً، فلا امتناع فيما يفعل، فلو اشتراها، وطحنها، فقد قال القاضي: يخرج ذلك الدقيق عن كونه مالَ القراض، ولو لم يكن في يده غيرُه، لانفسخ القراض؛ فإنه بعمله أخرجه عن جنسه وصفته، ولو باعه، لم يقع بيعُه للدقيق على وجه بيع العامل للسلع التي يُتربص بها ويُبغى ارتفاعُ أثمانها، فإذا كان ما يُفرض من فائدةٍ لا يحال على البيع والشراء، وإنما يحال على التغيير الذي وقع بفعلٍ، لو شرط في القراض، لأفسده، فخرج ذلك المالُ بذلك الفعل عن المقصود المرعي في [معاملة] 1 القراض، فإذا اختبط الأمرُ فيه، وأمكن حمل فائدةٍ -إن كانت- على التجارة وعلى التغيير الذي أحدثه، فلا وجه إلا الحكمُ بارتفاع المعاملة.
هذا ما ذكره القاضي، وطوائف من المحققين.
وقال بانياً عليه: إذا أقر ربُّ المال العاملَ بطحن حنطةِ القراض، صار بذلك فاسخاً للعقد؛ لأن الحنطة تخرج بالطحن عن المعنى الذي نبهنا عليه، وينقسم النظر في الفوائد، فيجوز أن تُحمل على التجارة، ويجوز أن تُحمل على التغيير الواقع.
وهذا متجه حسن، وفي القلب مثه شيء إذا لم يقع الطحن شرطاً في المعاملة، ولا يبعد عن وجه الرأي الحكمُ بأن ما يتفق 2 من هذه التغييرات لا يوجب انفساخ المعاملة؛ فإنا لا نعرف خلافاً أن من اشترى عبداً صغيراً فكبر، وشب، وباعه يافعاً، وكان اشتراه رضيعاً، فما يُفرض من فائدةٍ تحمل على التغيير الذي لحق المملوكَ، ثم لا يؤثر ذلك وفاقاً، ولا يجب القضاء بأن المملوك إذا تغيّر، خرج عن كونه مال قراض، فكذلك إذا جرى الطحن من غير شرط.
ويجوز أن يقال: التربص لا بد منه في التجارة، وهو يؤدي إلى تغايير تلحق الحيوان، فكان هذا في معنى الضرورة التي لا يتأتى دفعها، وليس كذلك التغيير الذي يلحق بفعل ينشأ.
هذا ما أردنا التنبيه عليه.
4857 - ومما يتصل بهذا الركن أنه لو كان له ألفُ درهمٍ على إنسان، فقال لآخر: قارضتك على مالي على فلان، فاقبضْه، وتصرفْ، فلا يصح القراض باتفاق الأصحاب على هذا الوجه؛ لأن النقد لم يكن عتيداً حالةَ العقد، واحتاج العامل إلى تحصيله، وتحصيلهُ ليس من أعمال التجارة.
وقد ذكرنا أنه لا يجوز ضمُّ عملٍ إلى عمل التجارة في معاملة القراض.
ولا يصفو هذا حتى نبيّن معه أمراً آخر، فنقول: إذا أحضر ربُّ المالِ المالَ، وقال: إذا جاء رأسُ الشهر، فقد قارضتك على هذا المال، فالمعاملةُ فاسدةٌ، باتفاق الأصحاب، وإن كنا قد نجوّز تعليق الوكالة؛ فإن القراض ليس وكالة محضة، ولكنها معاملةٌ ضمنُها معاوضة، وقد احتمل الشرع فيها جهاتٍ من الجهالات على حسب الحاجات، فلا تحتمل ما لا حاجة إليه، والتعليقُ [منه] 1.
ولو قال: قارضتك الآن على هذه الدراهم، ولكن افتتح التصرفَ بعد شهر، ففي صحة القراض وجهان ذكرهما القاضي: أحدهما - المنع؛ لأن حاصل هذا يؤول إلى تعليق القراض أيضاً إذا 2 كان لا ينتجز تسلُّط العامل على العمل في الحال.
فإذا ثبت هذا الذي ذكرناه، عُدنا إلى ما كنّا فيه من قوله: عاملتك على مالي على فلان، فاستوفِهْ، وتصرف، فهذه المعاملة ناجزةٌ، ولكن التصرف موقوف على الاستيفاء والقبض، فالمعاملة فاسدة، لم يختلف الأصحاب في فسادها، وإن اختلفوا فيه إذا كان النقد حاضراً، فقال: قارضتك الآن عليه، وتصرف بعد شهر، والسبب فيه أن معتمد القراض نقدٌ حاضر، والدَّيْن في الذمة، وإن كان مملوكاً، فهو أبعد عن إمكان التصرف من العروض.
4858 - ولو كان لرجل على رجلٍ ألفُ درهم، فقال مستحق الدين لمن عليه الدين: قارضتك على ما لي عليك، فانقده، وتصرف، فلا تصح هذه المعاملة؛ فإنا إذا كنا نمنع صحتها، والدَّيْنُ على الغير، فلأن نمنع صحتَها في هذه الصورة أولى،
والدليل عليه أن ما على الغير إذا كان استوفاه المأمور، فإنه يحصل في يد المستوفي ملكاً للآمر، وما على الإنسان إذا أحضره لا يصير ملكاً لمستحق الدين، فلا وجه لصحة المعاملة.
ويتصل بهذا أنه إذا قال: عاملتك على ما لي على فلان، فاقبضْه، وتصرف فيه، ولك من الربح كذا، فالمعاملة فاسدة، كما تقدم، ولكن إذا قبض ما على فلان، وافتتح التصرفَ فيه، نفذ تصرفُه لوقوعه على حسب الإذن، والقراض الفاسد أثرُ فساده في خروجه عن الوضع، وبطلانِ ما وقع التشارط عليه في تجزئة الربح، أما التصرف، فمعتمدُ نفوذِه الإذنُ من المالك، فلا فساد منه، ثم ما يحصل من ربح في المعاملة الفاسدة، فهو بجملته لمالك أصل المال، وللعامل أجرُ مثل عمله، كما سنذكر ذلك على أثر نجاز القولِ في الأركان، إن شاء الله عز وجل.
هذا فيه إذا قال: قارضتك على ما لي على فلان، فاقبضه وتصرف فيه، فأما إذا قال: عاملتك على ما لي عليك، فحصّله، وتصرف فيه، فما يحصّله ويحضره لا يدخل في ملك الآمر، ويبقى ملكاً له.
فإذا تصرف فيه، [لزم] 1 تخريجُ ذلك على أصلٍ قدمناه.
4859 - ونحن نذكر مزيدَ تفصيل فيه، ثم نعودُ إلى غرضنا من هذه المسألة التي انتهينا إليها.
فإذا قال الرجل لصاحبه: اشتر لي بثوبك هذا الحمارَ، وأشار إلى حمارٍ لإنسان، فإذا اشترى ذلك الحمارَ بذلك الثوب، فلا يخلو إما أن يسمي في العقد الآمرَ، وينسبَ الشراء إليه، أو ينويه ولا يسميه.
فإن سماه، ففي وقوع الشراء له وجهان: أحدهما - يقع له؛ لأنه اشتراه له بأمره، فعلى هذا ما حكم الثوب الذي يتعين في العقد؟ وجهان: أحدهما - أنه هبة، فكأنه وهب منه الثوب، في ضمن هذا التصرف، وأقْبَضه، ثم توكّل عنه في شراء الحمارِ به.
والثاني - أن يقدره قرضاً، فكأنه أقرضه، ثم التقدير بعده على ما ذكرناه، هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - في الأصل أن
العقد لا ينصرف إلى الآمر؛ لأن الثمن غيرُ مملوكٍ له، فعلى هذا في المسألة وجهان: أحدهما- أن العقد يبطل؛ لأنه لم ينصرف إلى من سماه، فأبطلناه.
والوجه الثاني - أن العقد يقع لمالك الثوب، وتلغو التسمية.
هذا إذا سماه، فأما إذا لم يسمِّ الآمر، ولكنه نواه، ففي انصراف العقد إلى ذلك الآمر من الخلاف ما ذكرناه، ثم إذا حكمنا بانصرافه إليه، فالتفريع في الثوب المجعول ثمناً على ما قدمناه.
وإن لم نقض بانصراف العقد إلى من نواه، فينصرف العقد إلى هذا المأمور العاقد، وجهاً واحداً؛ إذْ لم تجر تسميةٌ تخالف وضعَ الشرع.
4860 - فإذا تمهّدَ هذا، عُدنا بعده إلى غرضنا، وقلنا: إذا قال: حصِّل الألفَ الذي عليك، وتصرف فيه، فإذا حصله، فهو ملكه بعدُ إلى أن يَقْبض عنه قابضٌ، وما يقع من تصرفٍ بعد هذا على نية الآمر، فهو خارج على ما مهدناه من التصرف للغير، بعين مالِ المتصرف، فليجر هذا ذلك المجرى؛ فإنه عينُ المسألة التي أوضحناها.
4861 - ومما يتصل بتمام البيان في ذلك أن الرجل إذا قال للغير: اشتر لي الخبز بدرهمٍ من مالك، فإذا اشتراه في الذمة، وقع الشراء للموكّل، ولا يلزم هذا المأمور أن ينقد الدرهمَ من ماله، فإذا نقده من ماله، كان مأخذ هذا من أصلٍ آخر، وهو أن من أدى دين غيره بإذنه على شرط الرجوع عليه، فإنه يرجع عليه، وإن أذن له في الأداء مطلقاً، ولم يُقيِّد بشرط الرجوع، ففي الرجوع وجهان، تكرر ذكرهما، كذلك إذا اشترى الخبز بأمره، فقد وجب الثمن على الآمر، فإذا أداه من مال نفسه بإذنه، ففي الرجوع ما قدمناه.
ولو اشترى الخبز بدرهم عيَّنه من ماله، فهذه المسألة هي التي مضت؛ فإنه 1 اشترى للآمر شيئاً بعين مال نفسه.
فإذا تمهَّد ذلك، عدنا إلى مسألتنا عودةً أخرى، وقلنا: إذا قال: عاملتك على ما لي عليك، فحصِّله، وتصرف على سبيل القراض، فإن اشترى شيئاً في الذمة للآمر، ثم نقد الثمنَ، فهو بمثابة ما لو اشترى الخبز في الذمة، ونقدَ الثمن من عند
نفسه، وإن حصّل الدراهم واشترى بأعيانها شيئاً، فهو بمثابة ما لو اشترى للآمر مالاً بعين مال نفسه، [وقد تفصَّل] 1 القولُ في هذه المسائل.
4862 - ولو قال: خذ هذه العين، وأشار إلى سلعة، فبعها، وقد قارضتك على ثمنها، فقد نص الشافعي على فساد القراض، والنص يعضد ما قدمناه.
ولو قال: قارضتك على ألف درهم، وذكر شرائطَ القراض، وأحضر الألفَ في المجلس، فقد قال القاضي رضي الله عنه: يصح ذلك، وتُحتمل غَيْبةُ الألف حالة العقد، إذا حصل التَّنْجيزُ في المجلس، ولو فارق المجلسَ، ثم حصّل الدراهم، لم يصح، ولا بد من تجديد عقدٍ بعد تحصيلها.
وما ذكره حقٌّ، لا دفع له، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف؛ فإن من باع درهماً بدرهم، وأجرى ذكرهما على الإطلاق، ثم أُحضر الدرهمان، وجرى التقابض فيهما قبل التفرق، صح العقدُ.
ولا يجوز بيعُ الدراهم بالدراهم ديناً بدين، ولكن إذا جرى التعيين في المجلس، فالحكم له.
كذلك القول في إحضار الدراهم في المجلس في غرضنا من القراض.
وقد تم بيان هذا الركن.
4863 - الركن الثالث من أركان القراض: أنه يجب تسليم مال القراض إلى العامل
وتثبت اليد له فيه على التمحُّض من غير مشاركة.
وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
فلو قال رب المال: يكون الكيس في يدي، وأنت تتصرف وتشتري، وإذا احتجت إلى الثمن، جئتني فنقدتُه، فلا يصح القراض على هذا الوجه.
والسببُ فيه أن مبنى هذه المعاملة على الاتساع في طرق تحصيل الربح، والشرعُ إنما احتمل ما في القراض من الجهالة لهذا السبب وإذا لم يكن المال في يد العامل، لم يحصل غرض الاستنماء على الاتساع المطلوب في بابه، والاستمكان المشروط في أسبابه؛ فإن السلعةَ قد تحضر فيتخيّل العامل فيها منفعة، ولو وقف صاحبها حتى يطلب المالَ، لفات المتجَرُ.
وهذا ظاهرُ الوقوعِ، ولو انفرد العامل باليد، وكان المال حاضراً معه، لم تفته هذه الأسباب.
والتجايرُ فُرَصٌ تمر مرّ السحاب.
ولو قال المالك: أتصرف معك، كان هذا مفسداً للقراض؛ من جهة أن تصرف المالك يُضعفُ ويوهي يدَ العاملِ، ويخرجه عن الاستقلال ويحوجه إلى المراجعة.
وكل ذلك يَنْقُص من بسطته في التصرف.
4864 - ومما يتصل بهذا الركن قول الشافعي: "ولو قارضه، وجعل معه غلامَه ... إلى آخره" 1.
فنقول: إذا شرط ربُّ المال أن يعمل مع العامل، فهذا فاسدٌ لما ذكرناه، ولو شرط أن يعمل مع العامل غُلامُه؛ يعني غلامَ المالك، فالنص في القراض والمساقاة أن ذلك جائز، أما المساقاة فنتركها إلى موضعها.
وأما القراض، فتفصيل القول فيه أنه إذا لم يشترط أن يكون المال في يد عبده، وأثبت للعامل منصبَ الاستقلال بالتصرف، ولم يشترط عليه مراجعةَ العبد، وأقام العبدَ مُعيناً له ليخدمه في الجهات التي يحتاج إلى خدمته فيها، فظاهر النص أن شرط ذلك لا يُفسد العقدَ؛ لأنه ليس مناقضاً لمقصود المعاملة، وفي تصوير المسألة تقرير ذلك.
ومن أصحابنا من قال: إذا شرط أن يكون عبده معه في تصرفاته، وإن كان لا يراجعه فيما يريد الاستقلال به، فالشرط فاسد مفسد؛ من قِبل أن يدَ العبد يدُ مولاه، فيكون العبدُ معه بمثابة كون السيد معه، ولو شرط أن يكون معه بنفسه، لفسدت المعاملة؛ لأن اليد يتطرق الانقسام إليها، فكذلك القول في العبد.
ومن أصحابنا من قال: لا يضرُّ كون العبد معه؛ فإنه مستخدَمُ المقارض، ومن استأجر عبداً، أو استعاره، فيدُ العبد المستخدَمِ بجهة الاستعارة، أو جهةِ الإجارة يدُ المستخدِم بالجهتين، لا يدُ مالكِ العبد، ولهذا تُجعل الدار المستأجرة والمستعارة حرزينِ للمستأجر والمستعير، في أحكام السرقة.
ومحل الخلاف فيه إذا لم يكن على المقارض حجرٌ من جهة العبد ولم يُلزمْه مالكُ العبد مراجعةَ العبد في [حَرْز] 2 المال، ولا في التصرفات، فلو جرى حجر من هذه الفنون، لفسد القراض بسبب
الحجر، كما سنصفه في الركن الذي يلي هذا الركن.
4865 - الركن الرابع: في بيان التعرض للتصرف المقصود بالقراض، ووضع هذا العقد على الاتساع في الاسترباح والاستنماء، كما قررناه مراراً.
والتصرف من قبيل التجارة لا غير؛ فإن سائر الجهات في المكاسب يتيسر تحصيلها بالاستئجار، بخلاف التجارة، فليكن مقصود القراض التجارة المتسعةَ المضطرب من غير حجرٍ يتضمن تضييقاً ظاهراً، ولسنا نشترط التفويض المطلق الذي لا احتكام فيه للمالك، فإنه لو قال: عاملتك على هذه الدنانير على ألا تتّجر إلا في الثياب، جاز؛ لأن فيها متسعاً رحباً، وكذلك قد يُعيّن صنفاً من الثياب يعم وجوده، ويظهر توقع الاسترباح فيه، فيجوز القراض.
ولو عيّن شيئاً يعزّ وجودُه، ولا يتسع المتجر فيه، لم تصح المعاملة.
والتعويل في النفي والإثبات على ما نبهنا عليه.
ومما يجب التنبيه له الآن أن القراض يشتمل على معنى التوكيل في التصرف، وإن كان يؤول في منتهاه إلى الشركة عند ظهور الربح، كما سنصف ذلك.
وقد ذكرنا في كتاب الوكالة أن الوكالة الخاصة أولى بالصحة من الوكالة العامة، حتى لو أفرط العموم، فقد نقول: لا يصح التوكيل، والسبب في البابين أن الوكيل يقول ويعمل لموكِّله نائباً عنه، لا حظ له [في تصرفه] 1، والقياس أن يتصرف المرء لنفسه بنفسه، وإنما أقام الشرع الوكلاء مقام الموكِّلين لمسيس الحاجة إلى الاستنابة [في بعض الأمور، وهذا إنما يظهر في الأشغال الخاصة، والقراضُ لا ينبني على الاستنابة] 2 المحضة، وإنما هي معاملةٌ مالية يتعلق بها غرض رب المالِ والعاملِ، فحصولُ الغرضِ فيه يستدعي انطلاقاً في التصرف، وانبساطاً في جهات الاسترباح، وانتهى الأمر فيه إلى [تخصيص] 3 المعاملة في أول الوضع بما هو ذريعة إلى تحصيل المقاصدِ جُمَعٍ، من غير تربصٍ لارتفاع الأسواق.
وقال الأئمة في تمهيد هذا الأصل: لو قال رب المال لا تبع إلا من فلان، أو لا تشتر إلا من فلان، فهذا يفسد القراض؛ فإنه حَجْر بيّن، وإذا تبين ذلك المعيَّن أن الأمرَ مرْدودٌ إليه، احتكم بائعاً ومشترياً، وفسد نظام المعاملة.
وقالوا: [لو] 1 قال: لا تتصرف حتى تستشير فلاناً وتستضيء برأيه، فالمعاملة تفسُد؛ من جهة أنه قد لا يصادفه إذا حانت متجرةٌ وتعرضت للفوات، ولهذا شرطنا في صحة المعاملة انفرادَ العامل باليد، وكذلك لو قال: لا تنفرد بشيء من التصرف حتى تراجعني، فهذا مفسدٌ.
والقراض كما يقتضي انفرادَ العامل باليد يقتضي انفراده بالتصرف؛ فإن اليد لا تُعنى لعينها، وإنما شرطنا استقلاله بها، ليكون مادة لانبساطه، فكيف يسوغ الحجر عليه في عين 2 التصرف؟ فإن قيل: قد أطلق الأصحاب جواز مقارضة الرجل الواحد رجلين، وسيأتي ذلك في تفاصيل المسائل، إن شاء الله تعالى؟ قلنا: هذه المسألة فيها تفصيل، فإن قارض رجلين وشرط أن لا يستقل واحدٌ منهما بالتصرف دون صاحبه، فالذي يدل عليه ظاهرُ كلام الأصحاب أن ذلك فاسدٌ، وإذا كنا نفسد القراض بأن يشترط على العامل أن يراجع رجلاً بعينه، فلا شك أن هذا المعنى يتحقق فيه، إذا ارتبط التصرف برجلين لا ينفذ دون اجتماعهما.
ولو قارض رجلين وأثبت لكل واحد منهما الاستقلالَ بالتصرف، فهذا هو الذي جوزه الأصحاب، وفيه كلامٌ وإشكالٌ، ليس هذا موضعه.
وسيأتي ذلك مفصلاً في أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى.
هذا قولنا في إطلاق تصرف العامل على الانبساط، مع منع الحجر عليه، بما يؤدي تضييق المجال في [طريق] 3 المتاجر 4.
4866 - الركن الخامس في القراض: في التعرض للإطلاق والتأقيت:
لم يختلف الأئمة في أن إطلاقَ القراض، وتركَ التأقيت فيه موضوع المعاملة، وأول ما نذكره أن التأقيت ليس شرطاً في هذه المعاملة، بخلاف المساقاة، والسبب فيه أن المقصود من أعمال المساقاة تحويه المدة، فلا بد منها لحصول الإعلام، والمقصود من القراض تحصيل الربح، ولا ضبط له، وهو في غالب الأمر يتعلق باتفاقاتٍ، لا تنضبط، وتوقعات لا تنحصر.
هذا قولنا في أن التأقيت ليس شرطاً في القراض.
ونحن نتكلم وراء ذلك، في أن التأقيت هل يبطل القراض؟ وقد اضطربت طرق الأصحاب، ونحن نأتي بترتيب يجمع ويحوي الغرض.
قال العراقيون: إن أقّت ربُّ المال بيعَ المقارض للسلع، فالتأقيت فاسدٌ مفسد، مثل أن يقول: تبيعُ العروضَ وتردها إلى الناضّ في سنة، ولا تبعْ بعدها.
هذا فاسدٌ؛ من جهة أنه قد لا يجد للعروض زبوناً في المدة المضروبة.
فإذا فرض ارتفاع القراض بالتفاسخ، فيبقى العامل مطالباً ببيع العروض، وتنضيضها؛ إذ لا تتأتى المفاصلة إلا كذلك، فلا وجه إذاً للمنع من البيع، ولا لتأقيته.
وإن ذكر التأقيت في شراء الأمتعة، مثل أن يقول: تشتري من الأمتعة ما تراه في سنة، فإذا انقضت، لم تزد في الشراء وتفتتح البيعَ - من غير مدة، ففي ذلك وجهان ذكرهما العراقيون: أصحهما- أن القراض يصح على هذا الوجه؛ فإنه ليس في هذا التأقيت ما ينافي مقصودَ العقد، ولا حجراً، ينقص من البسطة المرعية.
والوجه الثاني- أن القراض يفسد بالتأقيت؛ فإن مبناه في وضع الشرع على الإطلاق، وهذا أسنده العراقيون إلى أبي الطيب بن سلمة.
ولو قال قارضتك [سنة] 1 ولم يتعرض لتأقيت البيع، ولا تأقيت الشراء، ولكن ذكر التأقيت مضافاً إلى القراض، ففي المسألة وجهان: من أصحابنا من جعل هذا كالتصريح بتأقيت البيع، حتى يفسد القراض.
ومنهم من جعله كالتصريح بتأقيت الشراء حتى يُخرَّجَ على الوجهين المذكورين.
هذا هو الترتيب الجامع في الباب.
4867 - ومن تمام البيان في ذلك أنّا إذا صححنا تأقيت الشراء، فالشرط أن يذكر وقتاً يتأتى فيه الانبساط في الشراء على موافقة غرض الاسترباح، حتى لو قال: قارضتك على أن تشتري في ساعةٍ من نهار، لا يصح، فإن هذا المقدارَ من الزمان لا يسع من الشراء ما يوافق في غالب الأمر، ويُثبت متسعاً في التجارة.
ومما نُلحقه بهذا الركن أن المالك لو عيّن للعامل شراء ضربٍ من العروض يوجد غالباً في فصول السنة، فذاك.
وإن عيّن ما يختص وجودُه ببعض فصول السنة، كالرطب والفواكه الرطبة، ففي الاتجار في هذا الضرب متسع لا ننكره، ولكن إذا انحصر وجوده في بعض الأزمنة فينحصر البيع فيها لا محالة، وذكرها مع هذا التنبيه يتضمن تأقيت البيع.
وقد ذكرنا أن تأقيت البيع ينافي صحة القراض، فاختلف لذلك أصحابنا، فذهب بعضهم إلى منع القراض، لما أشرنا إليه، وذهب آخرون إلى صحة القراض؛ فإن بيع الرطب في أوانه يتنجَّزُ، وليس مما يُبنى الأمر فيه على تربص، حتى يُحملَ تأقيتُ البيع على تضييقٍ في التجارة، من حيث يخالف التربصَ المعتاد في السلع، فإذا كان الغالب انتجاز البيع، وإن فرض وقوفُه في بعض السنة، فهو غير مُكترَثٍ به في العادة، فلا حكم لتأقيت البيع، ولم يختلف أصحابنا أنه لو قال: اتَّجِرْ في البطيخ مادام، فإذا انقضى، ففي غيره، جاز ذلك، ولم يمتنع.
وإن كان الرطب متأقتَ البيعِ على ما ذكرناه ولكن لم يحمل ذلك على تضييق، وصح لأجله القراض، وهذا يقتضي تصحيح القراض مع الاقتصار عليه.
4868 - الركن السادس من أركان القراض: قسمةُ الربح على جُزئية صحيحة وحصر عِوض المقارض فيما يسمى له من الربح.
وبيان ذلك: أن رب المال والعامل ينبغي أن يتشارطا الربح بينهما على جزئيةٍ معلومة حالة المعاقدة، ويذكرا ذلك ذكْرَ العوض في مقابلة المعوَّضِ المطلوبِ من العامل، وهو عملُه، وعِوضُ عمله الجزءُ الذي يسمى له من الربح.
فيقول رب المال: قارضتك، أو ضاربتك، أو عاملتك، على التصرف في هذا المال، ولك من ربحٍ يرزقه الله نصفه، ولي نصفه، أو لك ثلثه، ولي ثلثاه، على ما يتفقان عليه.
فلو ذكر للمقارض أجراً معلوماً، لم يكن ما جاء به قراضاً، ولا إجارةً صحيحة؛ فإن شرط الاستئجار إعلامُ العمل، والعملُ في معاملة القراض لا ينضبط، ومحاولة تقديره يخالف مقصود العقد.
كما أن طلب تأقيت النكاح يخالف موضوعَه، والإعلام حيث يشترط لا يُعنَى لعينه، وإنما يُطلب منه نفيُ الجهالة على وجه يليق بمقصود العقد.
ولو قال المالك: قارضتك على أن لي النصف من الربح، ولم يتعرض لإضافة النصف الآخر إليه، أو قال: على أن لك النصف من الربح، ولم يتعرض لإضافة النصف الآخر إلى نفسه.
أما إذا أضاف إلى نفسه جزءاً، فظاهر ما نقله المزني أن ذلك غير صحيح؛ فإن الأصل أن الربح بكماله لمن الملك له في رأس المال، وإنما يثبت للمقارض جزءٌ منه، بأن ينسب إليه ولم يَجْر لنسبة جزءٍ إلى العامل ذكرٌ.
وذكر ابن سُريج قولاً مخرّجاً أن القراض يصح، ويقع الاكتفاء بإضافة جزءٍ إلى المالك؛ فإن هذا مع جريان المعاملة صريحٌ في إضافة الباقي إلى العامل من طريق الفحوى، والمعاني هي المقصودة، لا صيغُ الألفاظ.
هذا إذا أضاف إلى نفسه وسكت عن الإضافة إلى العامل، فأما إذا أضاف جزءاً من الربح إلى العامل، وسكت عن إضافة الباقي إلى نفسه فالذي قطع به الأئمة الحكمُ بصحة القراض، بخلاف الصورة المتقدمة؛ فإن المعاملة تقتضي ذكر عوضها والمعوّض من الربح ما يسمى للعامل، وما عداه لا يثبت للمالك بحكم الشرط.
وإنما يثبت له بحكم ملك الأصل، فإذا اشتملت المعاملة على ذكر عوضها، يكفي ذلك في الحكم بتصحيحها، وليس كالصورة الأولى.
وذكر العراقيون وجهاً عن بعض الأصحاب أن العقد لا يصح حتى تجري الإضافة في الجزأين إلى الجانبين.
ونظموا من تخصيص الإضافة بأحد الجانبين ثلاثةَ أوجه: أحدها- الصحة.
والثاني- الفساد.
والثالث- الفصل بين أن تقع الإضافة إلى العامل وبين أن تقع الإضافة إلى المالك.
وليس لما ذكروه من الخلاف في الإضافة إلى العامل وجهٌ.
4869 - ولو قال: قارضتك على أن لك الربحَ كلَّه، فلا يصح القراض على هذا الوجه؛ فإن هذه المعاملةَ إنما جوّزت لارتفاق ملاك الأموال بأعمال الذين لهم كَيْسٌ
في التجارة.
فأما إذا صُرف جميعُ الربح إلى العامل 1، سقط غرض المالك بالكلية،
وعاد النظر إلى أن هذا الذي صدر من المالك منحة، أو هبة متعلقة بالربح الذي سيكون.
فاذا ثبت ما ذكرناه، فمن أصحابنا من قال: هذا إقراضٌ، والعامل يملك رأس المال مِلْكَ [القرض] 2، وإذا اتفق ربحٌ، فهو له، وهذا ضعيف لا شيء؛ فإن المعاملة على الأصل 3 مصرَّحةٌ باستبقاء 4 الملك في رأس المال، وتحصيلُ الملك فيه للمستقرض لا وجه له.
ومن أصحابنا من قال: الذي جرى قراضٌ فاسد، وسنختم نجاز الأركان بحكم القراض الفاسد على الجملة.
4870 - والذي ننجزه الآن أنّ تصرف العامل نافذٌ لصَدَره عن إذن المالك، وكمالُ الربح للمالك؛ فإن العامل إنما يستحق جزءاً منه بمعاملةٍ صحيحة، وهي فاسدة، فيما نحن فيه، وللعامل أجرُ مثل عمله، ربحَ أو خسر؛ فإنه خاض في العمل على أملٍ في العوض، فإذا لم يحصل ما أمّله، لم يحبَط عمله.
فلو قال: قارضتك على أن لي تمامَ الربح، فالقراض لا يصح على هذا الوجه، ولكن ينفد تصرفُ العامل، لصدوره عن إذن المالك.
وهل يستحق أجرَ مثلِ عمله؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يستحقه، حملاً على أن القراض فسد، فرُدَّ الرّبحُ إلى أصله، وقوبل العمل بأجر مثله.
والوجه الثاني - أنه لا يستحق شيئاً؛ لأنه خاض في العمل من غير أن تُشعر المعاملةُ بإثبات عِوضٍ له على مقابلة عمله.
والقائل الأول يُجيب عن هذا، ويقول: نفس جريان المعاملة يدل على أن لا يحبَط عملُ العامل، ومقصود المالك أن يخلص الربح له، وللعامل أجرُ عمله.
وهذا يمكن تقديرُه في نظْم الكلام، ولو أراد استخداماً مجرداً، لما ذكر المعاملة والقراض، وما في معناهما.
4871 - فإذا تمهد ما ذكرناه من نسبة الربح إلى جزئية إليهما، واتضح أن إثبات الربح بكماله لأحدهما منافٍ لمقصود العقد، فنقول بعد ذلك: لو شرط المالك لنفسه درهماً مثلاً، ثم قال: الربح بعده نصفان بيننا، فهذا مفسد للمعاملة؛ من جهة أنه قد لا يتفق الربح أكثر من درهم، فيؤول حاصل الأمر إلى اختصاص المالك بجميع الربح المتّفق، وكذلك لو وقع الشرط على أن يختص العامل بدرهم، ثم قسمةُ الربح بعده، فهذا مفسدٌ؛ لأن الربح قد لا يزيد على درهم، فيُفضي مقصودُ العقد إلى شرط تمام الربح للعامل.
ولو قال: لك درهم من عُرض المال، والربح إن اتفق نصفان بيننا، فهذا يُفسد لا من جهة الفساد الذي ذكرناه الآن، ولكن ذكر الأجرة للعامل من غير الربح مفسدٌ للعقد كما مهدناه.
وعلّل بعضُ الأصحاب الفسادَ فيه إذا قال المالك: لي درهم أختص به من الربح، والباقي مقسوم بيننا، بأن قال: الجمع بين التقدير وبين الجزئية يُفسد ضبط التجزئة؛ فلا ندري أن المشروط للمالك من الربح كم.
ولا حاجة إلى هذا التعليل عندنا.
وفيما قدّمناه مَقْنع.
واستشهد القاضي في محاولة تحقيق هذه العلّة بمسألة في المذهب فيها نظرٌ عندنا، وهي أنه قال: لو قال مالك الصُّبْرة لمن يخاطبه: بعتك صاعاً من هذه الصُّبرة، ونصفُ الباقي منها بكذا، فالبيع باطلٌ لضمه التقديرَ إلى الجزئية، ولو قال: بعتك نصفَ هذه الصُّبرة، لصحَّ.
هذا ما ذكروه.
وفيه احتمالٌ؛ فإن الصاع معلومٌ، ونصف الباقي معلوم.
فإن كانت الصبرة مجهولة الصِّيعان، فقد نقول: لا يصح بيع الصاع منها، فإن جرينا على الأصح، وصححنا بيعَ صاعٍ من الصُّبرة المجهولة المقدار، فذكْرُ نصفها بعد أخذ الصاع منها، كذكْر نصفِها من غير أخذ الصاع، فليتأمل الناظر، وليكتف في مسألة القراض بالمسلك الذي قدمناه.
4872 - ولو قال: قارضتك على أن تتصرف في الثياب والحبوب، وما يتفق من
ربح على الثياب، فهو لي، فهذا فاسد؛ إذ قد لا يتفق الربحُ إلا على الثياب، فيؤدي
حاصل الشرط إلى اختصاص المالك بجميع الربح.
وكذلك إذا شرط للعامل ربح صنفٍ، فقد لا يتفق غيرُه فيُفضي الشرطُ إلى اختصاص العامل بجميع الربح.
وعلى هذا لو دفع إلى العامل ألفاً، ثم دفع إليه بعد ذلك ألفاً، وشرط تمييز أحدِ الألفين عن الثاني، فيما يتصل به من المعاملات، وقال: ما يتفق من الربح على الألف الأول، فهو لي.
هذا غير جائزٍ، لما ذكرناه، وكذلك لو فرض تخصيص العامل.
ولو دفع إليه الألفين معاً، ثم قال: ربح أحد الألفين بكماله لي وربح الثاني لك.
قال ابن سريج: لا يصح هذا.
وقال القاضي: الوجه عندي القطعُ بتصحيحه؛ إذ لا تمييز بين الألفين، ولا فرق بين أن يقول: نصفُ الربح لك، وبين أن يقول: ربح الألف من الألفين لك.
وهذا الذي ذكره متَّجه حسنٌ، ولا وجه لما ذكره ابنُ سريج إلا فسادُ اللفظ؛ فإن الذي يقتضيه موجَب العقد قسمةُ الربح على الشيوع بين المالك والعامل، من غير تعرض في اللفظ لربح جزءٍ من رأس المال، فإذا قال: نصف ربح الألفين لك، فهذا جارٍ على الإشاعة.
وإذا قال ربح أحد الألفين لك، فهذا يتضمن تخصيصاً غيرَ مُفيدٍ، فيفسد اللفظُ، والمعول في العقود على الألفاظ.
4873 - ولو قال: ثلث الربح لي، وثلثه لعبدي هذا، وثلثه لك، فقد أجمع الأصحاب على صحة العقد، وقَضَوْا بأن إضافة الثلث إلى العبد بمثابة إضافته إلى السيد، فكأنه قال: الثلثان من الربح لي والثلث لك.
ولو قال: الثلث من الربح لي والثلث لزيد، وذكر شخصاً آخر، لا تعلق له بالمعاملة، فهذا الشرط فاسد؛ فإنه تضمَّن شرطَ الربح لمن ليس مالكاً لرأس المال، ولا عاملاً فيه.
وكذلك لو شرط جزءاً من الربح، لمكاتبه، فهو فاسد أيضاً للمعنى الذي ذكرناه.
فإن قيل: إذا تبين ما يستحقه العامل، فقد وضح عِوضُ عمله، وحُكم الشرع صرفُ الباقي إلى المالك، فإن فرض فيما ليس عوضاً لعمل العامل فسادٌ، فليس لذلك الفساد تعلقٌ بمقصود العقد، فليرتفع ذلك الفساد، وليصح العقدُ.
قلنا: لو شرط العاملُ جزءاً من الربح لثالث، لم يخفَ على الفقيه كوْنُ ذلك فاسداً مفسداً إذا نشأ الشرط من جهة العامل، وإنما ينتفي الإشكالُ في هذا الطرف من جهة إمكان صدور الشرط عن غرضٍ للعامل، وإذا لاح هذا، ابتنى عليه التشارط من
الجانبين؛ فإنّ في جريان التشارط ثبوت الشرط من جانب العامل لا محالة.
فلو وجد شرطٌ من جانب المالك، وقبولٌ من العامل، فهو التشارط بعينه، فإن قبول الشرط من [العامل] 1 شرطٌ، وسرّ ذلك أن الربح في هذه المعاملة وإن كان مستنده رأسَ المال، فهو في حكم المحصَّل بعمل العامل، فإذا قُسم، فليقسم على وفق الشرع، وذلك بأن يُفرضَ بين المالك والعامل، فإن فرضت قسمةٌ، على خلاف هذه القضية، كانت مجانبةً لوضع الشرع، فالشرع إنما سوغّ هذه المعاملة للحاجة التي صدرنا الكتاب بها.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أثبت الملك في مقدارٍ لثالث بحكم الشرط.
فأما إذا قال: الثلث لك، والثلثان لي، وأنا أصرف أحد الثلثين إلى فلان، فهذا الآن شرطٌ منه وراء مقصود العقد، وهو في حكم وعدٍ منه، لم يتحكم به أحد عليه، فإن وفّى به كان جميلاً، وإن أبى، فهو على ملكه في القسط المشروط له.
4874 - ومما يتعلق بتمام البيان في هذا الركن: أن المالك لو شرط لنفسه سوى الجزء المسمى من الربح انتفاعاً ببعض أصناف الأموال، مثل: أن يقول: أركب دابةً تشتريها، أو ما جرى هذا المجرى، فهذا فاسدٌ؛ من جهة أنه ضم إلى الربح ما ليس في معناه.
وإذا لاح هذا في جانب المالك، فهو في جانب العامل أوضح؛ فإن استحقاقه عن جهة [عوض] 2 عمله، فإذا ضمَّ إلى الجزء المسمَّى له شيئاً، فسد العوض، فالمالك يستحق بأصل ملكه، فإذا فسد من المالك شرطُ مزيدٍ، فلأن يفسدَ هذا من جانب العامل أولى.
وهذا الفصل يتضح عند ذكر تفصيل القول في أن المالك هل ينتفع بمال القراض انتفاعاً لا يضرُّ به.
وسنأتي في ذلك بفصلٍ جامع، إن شاء الله عز وجل.
وقد نجزت الأركان التي أجريناها توطئةً للكتاب، وتمهيداً للقواعد، والمسائلُ بعدها نردُّها إلى ترتيب (السواد) 3.
فصل
قال: "وإذا سافر كان له أن يكتري من المال مَنْ يكفيه بعضَ المؤنة ... إلى آخره" 1.
4875 - إذا كان القراض مطلقاً ولم يجرِ من المالك إذنٌ في المسافرة، لم يكن للعامل المسافرةُ بمال القراض، اتفق الأصحاب عليه، وإن كانت التجارة قد تقتضي السفر إذا كسدت البضائع في موضع المعاملة؛ لأن الأسفار مظِنة الأخطار، فلا ينبغي أن يهجم عليها من يتصرف بالإذن، فالمقارض في هذا كالمودَع، فإن سافر دون الإذن، دخل المالُ في ضمانه، والعقد قائمٌ لا ينقطع، فلو سلمت البضائع، فباعها في بلدةٍ أخرى، لم يمتنع نفوذ البيع وإن لم يتفق في مكان 2 المعاملة.
فإن قيل: إن تقيدت المعاملة بمكانها، فليتقيد جوازُ البيع بالمكان.
قلنا: الإذن عام، لا ينكر عمومه، ولولا أخطار الأسفار، لما منعنا منها، والبيع لا خطر فيه.
ثم قال العلماء: إن باع المال بمثل ثمن البلد الذي جرت المعاملة فيه أو أكثر، فجائزٌ، وإن باعه بأقلّ من ذلك الثمن، وظهرِ النقصان، وبلغ مبلغاً لا يتغابن الناس بمثله، كان هذا كما لو باع في مكان المعاملة بغبْنٍ.
ثم إذا صححنا البيعَ منه، وقد تعدى بالسفر، فالثمن الذي يقتضيه من ضمانه
أيضاًً، كالأصل.
ولو وكل وكيلاً في بيع ماله، فتعدّى فيه، دخل في ضمانه، فلو باعه، لم يكن الثمن من ضمانه؛ لأن عدوانه اختص بما تعدى فيه، ولم يوجد منه تعدٍّ في الثمن.
وسبب عدوان العامل في مسألتنا المسافرةُ، وهي حاصلة في الثمن حصولَها في الأصل.
فإن قيل: هذا يستقيم لو سافر بالثمن، وزايل مكانه، فأما إذا تلف الثمنُ في البلدة التي اتفق البيع بها بآفة سماوية، لا تعد من أخطار الأسفار، فما رأيكم فيها؟
قلنا: الضمان واجبٌ، لأنه في تلك البلدة مسافرٌ، وإذا ضمَّنا المسافر، لم يقف وجوب الضمان على حصول التلف بما يختص بأخطار السفر، وإن فَرض علينا من لا يهتدي إلى مأخذ الفقه إقامتَه بتلك البلدة، فالإقامةُ في غرضنا شرٌّ من السفر؛ فإنّ الذي عنيناه بالسفر المضمِّن مزايلةَ مكان المعاملة، وهذا المعنى حاصل نوى الإقامة، أو لم ينوها.
وكل ذلك فيه إذا لم يأذن له المالك في السفر.
4876 - فأما إذا أذن له في المسافرة، فلا شك أنه يسافر بالإذن أميناً غيرَ ضامنٍ.
والكلام يقع وراء ذلك في مؤن السفر، فنقول أولاً: الأعمالُ في حق المقيم قسمان: أحدهما - ما يتولاه العامل بنفسه، وهو ما جرت به عادة التجار، كطي الثياب ونشرها، وردها إلى الأسفاط 1، وإخراجها منها.
إذا كان من هذا القبيل، فلا يستأجر العامل عليه بأجرة يُخرجها من مال القراض.
نعم.
إن أراد أن يستأجر بأجرةٍ يبذلها من خاصِّ ماله، فله أن يفعل ذلك.
والقسم الثاني من الأعمال، ما لا يتولاه التاجر بنفسه غالباً، وقد جرت عادةُ التجار بالاستئجار عليه، وهو كالكيل والوزن، والنقل من مكانٍ إلى مكان، فالمقارض يستأجر على هذه الأعمال، ويؤدي الأجرةَ من مال القراض، ولو تولاه العامل بنفسه، وأراد أن يأخذ أجرةَ نفسه من مال القراض، لم يكن له ذلك، ونجعله متبرعاً بتلك الأعمال.
وأما نفقة العامل في الإقامة، فلا نحتسب شيئاًً منها من مال القراض.
وكذلك أجرةُ المسكن الذي يسكنه العامل محسوب عليه من ماله.
وأجرة الحانوت الذي يتَّجر عليه مأخوذةٌ من مالِ القراض.
وإذا أراد السفر بالإذن فإنه يخرجُ من مال القراض مؤن الجمال وكذا الجَمّال، وما تمس إليه الحاجة في نقل المال وصيانته.
فأما نفقة العامل في نفسه، فالذي نص
عليه هاهنا أن له النفقةَ بالمعروف، ونص في رواية البويطي على أنه لا يستحق النفقة في مال القراض، فاختلف أصحابنا على طريقين، فمنهم من قطع بأنه لا نفقة له في مال القراض، وحمل نص الشافعي على المؤن المتجددة الراجعةِ إلى المال، كمؤنة الجمال وكذا الجمّال.
ومن أصحابنا من جعل المسألة على قولين: أحدهما - أنه لا يستحق النفقة من مال القراض، قياساً لحالة السفر على حالة الحضر.
والثاني - أنه يستحق، لأنه بسفره هذا، احتبس عن سائر مكاسب نفسه، فانحصرت حركاته وسكناته في غرض مال القراض، بخلاف حالة الإقامة.
التفريع:
4877 - إن حكمنا بأنه لا يستحق النفقة، فلا كلام.
وإن حكمنا بأنه يستحقها، ففي القدر قولان: أحدهما - أنه لا يستحق من النفقة إلا ما يزداد بسبب السفر؛ فإن هذا الزائد هو المتجدد بسبب السفر، وما سواه كان يطّرد في الحضر والسفر.
والقول الثاني- أنه يستحق جميعَ النفقة من مال القراض؛ فإنه سلم نفسه بالكلية إلى هذه الجهة، وقد ثبت أنها جهةُ استحقاق النفقة، فينبغي أن يستحق تمامَها، كالزوجة الحرة تُسلم نفسها إلى الزوج.
ثم هذا القائل إنما يُثبت للعامل كمالَ النفقة، إذا كان سفره مقصوراً على مال القراض، فلو كان حمل مع نفسه مالاً لنفسه، أو لغيره، فالنفقة تقسط على مقدار المالين، فينفق من مال القراض قدر ما يخصّه، والباقي عليه في مال نفسه.
ثم اعتبر أئمتنا في هذا المنتهى مقدارَ المالين، ويجوز أن يعتبرَ مقدارُ العمل على المالين.
وقد يكون المال المحمولُ مع مال القراض قليلَ المقدار من حيث القيمة، ولكنه ثقيلٌ كثير [التعب] 1 فيتجه التوزيع على أجرة المثل في العملين.
والله أعلم.
فرع:
4878 - إذا سافر بمال القراض إلى بلدة، فاتفق أن التقى العامل ورب المال
في تلك البلدة، وتفاصلا وأخذ رب المال رأسَ المال وحصته من الربح، فلو قال العامل: لو بقيت المعاملة، وبقيت الأموال، أو أثمانها في يدي، لرجعت إلى وطني بها، ونفقتي فيها، والآن إذا تفاصلنا، فاغرَم لي ما يردّني إلى وطني، فهل له ذلك، تفريعاً على قول استحقاق النفقة؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون: أحدهما - له ذلك؛ فإن بقيةَ السفر عليه من أعمال القراض، التي كانت تقابَل بمزيدٍ على ما شُرط للعامل من الربح.
والوجه الثاني- أنه لا يستحق شيئاً من ذلك؛ فإن القراض قد انفصل، وخرج المال من يده، وإذا انكف، فليس مسافراً بمال القراض.
فرع:
4879 - إذا رجع العامل من سفره، وكان قد بقي معه فضلُ زادٍ، كان أعده للسفر، أو بقيت آلات كان أعدها للسفر، كالمِطهرة، ونحوها، فقد ذكر شيخي وجهين: أحدهما - أنه يجب عليه ردُّ الآلاتِ، وفاضلِ الزاد إلى مال القراض؛ فإن السبب الذي كان يُستحق به قد زال، وهذا هو القياس الذي لا ينقدح غيره.
والوجه الثاني- أنه لا يرد؛ فإن هذا يعد مستوعباً بحاجة السفر، وكان يُقرِّب 1 هذا الخلافَ من تردد الأصحاب في أن جند الإسلام إذا انبسطوا في طعام المغنم، وعُذروا، لكونهم في ديار الحرب، لو انتهَوْا إلى دار الإسلام، ومعهم بقايا من تلك الأطعمة، فهل يلزمهم ردُّها إلى عُرض المغنم؟ فيه وجهان مشهوران.
وعندنا أن ذلك محمول على توسُّعٍ شهدت به الأخبار في السِّيَر، ولا يسوغ أن يتخذ أصلاً في أحكام المعاملات.
ثم إذا فرَّعنا على الوجه الضعيف هاهنا في فاضل الزاد، فلا بد من الانتهاء إلى ضبطٍ فيه، والوجه أن نقول: إن كان الفاضل بحيث لو ضُم إلى ما اتفق إخراجه 2، وقدِّر إخراجه، لما كان ذلك سرفاً، فهذا هو الذي أراه في محل الخلاف.
وإن كان زائداً على هذا، فذلك الزائد بضاعةٌ.
فصل
قال الشافعي: "ولو اشترى، فله الرد بالعيب ... إلى آخره" 1.
4880 - قد ذكرنا أن الوكيل إذا اشترى لموكِّله شيئاً، واطلع على عيب قديم به، فله أن يرده بالعيب، ولا يحتاج في تنفيذ الرد إلى مراجعة الموكِّل، وإن كان لو رضي الموكل بذلك العيب، لامتنع من الوكيل الرد بعد رضاه.
والسبب في هذا أنه لو أخر الرد، وهو ينتظر رأي موكِّله، فقد يرى الموكل الرد، ولو أراد الوكيل بعد الاطلاع على ذلك أن يرد، لامتنع عليه الرد، ولصار متطوّقاً لما اشتراه، والذي عامله قد لا يصدّقه في أنه وكيل، فيخرج منه أنه يصير ملتزماً لحكم العيب، فأثبتنا له الابتدارَ إلى الرد، لما ذكرناه.
ولو قال المردود عليه: قد رضي موكلك، فالقول قول الوكيل مع يمينه، يحلف بالله: أنه لا يعلم رضاه.
وهذا قد ذكرناه، وقدمناه في أحكام عهدة الوكيل.
ولو اشترى المقارض شيئاً، واطلع منه على عيبٍ قديم، فالأولى عندنا بناءُ الأمر على تقسيمٍ، فنقول: إذا خرج المشترَى معيباً، لم يخل: إما أن تكون الغبطة في الرد وكان الإمساك ينافيها، أو كانت الغبطة في الإمساك مع ظهور العيب، فنذكر ما يتعلق بالقسمين ثم نذكر استواء الأمرين، في الرد والإمساك في جهة الغبطة.
فأما إذا كانت الغبطة في الرد، فللعامل أن ينفرد بالرد، فإذا كنا نجوز للوكيل الانفرادَ بالرد، فهذا في حق المقارض أولى؛ من جهة أن للمقارض غرضاً يخصه في تحصيل جهات الغبطة، والتوقِّي عن نقيضها، ثم يَنْفصل المقارضُ في هذا المقام عن الوكيل من حيث إن الموكل لو رضي بالعيب، لم يملك الوكيل الردَّ، ولو رضي المالك بالعيب، فللمقارض الردُّ، وليس من حصافة الرأي أن يقول القائل: إذا كان المبيع لا يتمحّض حقاً للعامل، فينبغي أن يملك ربُّ المال إلزامَ العقد في بعضه؛ فإن هذا في هذا المقام غيرُ مبني على أقْدار 2 الحقوق، والنظر في التوزيع عليها.
وقد
تقع هذه الواقعة، ولم يظهر بعدُ في المال ربحٌ، فالحكم على ما ذكرناه، فلسنا نُثبت للمقارض حقَّ الرد لملكٍ له في الرقبة ناجزٍ، حتى يقدَّرَ مع ملكه ملكٌ ونبني عليه ما قدرناه، ولكنَّ الحقَّ الذي أشرنا إليه أمرٌ يعم هذا المشتري في وجه الرأي من طريق التوقع، والأمور تنفصل في العاقبة.
ولو رضي هذا المقارض بما اشتراه، وأبى المالك، فلا ينصرف المشترَى إلى
جهةِ مال القراض.
ومهما كانت الغبطة في الرد، فلا يتصور بقاء المبيع لجهة القراض
إلا بتراضيهما، وسنعود إلى ذلك في آخر هذا الفصل، إن شاء الله عز وجل.
4881 - فأما إذا كانت الغبطة في الإمساك، وتصوير ذلك أن يشتري العامل عبداً يساوي -مع ما به من العيب- ألفاً بتسعمائة، فالغبطة في إمساكه، فلو أراد العامل أن يرد، لم يكن له ذلك؛ لأن تصرفه منوط بطلب الفوائد، وهو برده في هذا المقام مفوّتٌ حظّاً مالياً لا خفاء به.
وكذلك لو أراد المالك الرد، لم يكن له ذلك، فالنظر إلى الغبطة من الجانبين.
وهذا الفصل لا يصفو عن شوائِب الإشكال، ما لم نذكر في هذا المنتهى حكمَ الوكيل، فنقول: إذا اشترى الوكيل لموكله عبداً بتسعمائة، ثم اطلع منه على عيبٍ، وكان يساوي العبد مع ذلك العيب ألفاً، فهل للوكيل -والحالة هذه- أن ينفرد برد العبد قبل مراجعة الموكل؟ اختلف أئمتنا في هذه المسألة: فذهب الأكثرون إلى أن للوكيل أن يرد، وإن كانت الغبطة في الإمساك، واعتقد هؤلاء الردَّ من حق الوكيل، وقالوا: لا سبيل إلى منعه منه، مادام هو متعرضاً لالتزامه وتطوّقه، كما صورناه في صدر الفصل، والإنسان له غرض في رد المعيب، وإن لم يتعلق به غرضٌ مالي؛ فإن من اشترى عبداً، واطّلع منه على عيبٍ قديم، وكان يساوي مع ذلك العيب أكثر من الثمن المسمى، فحق الرد ثابت إجماعاً، وإن لم يكن للراد غرضٌ مالي، فكذلك الوكيل إذا كان يتعرض لالتزام العيب، كما نبهنا عليه، فله أن يبتدره على خلاف الغبطة، فيردّه، هذا وجهٌ.
ومن أصحابنا من منع الوكيل من الرد في هذا المقام؛ فإن في الرد -لو ابتدره الوكيلُ- تخسيراً للموكِّل وإحباطَ جزءٍ من المالية عليه، وعيافةُ الوكيل عيبَ
العبد بتقدير أنه قد يلزمه، لا يعارض ناجز ملكِ الموكل، وينبني عندنا على هذا الأصل أن الوكيل بشراء العبد لو اشترى عبداً معيباً، مع العلم بعيبه، ولكنه كان مغبوطاً غيرَ مغبون، وقد وكله موكله بشراء العبد مطلقاً، فهل يصح منه شراءُ هذا العبد لموكِّله؟ هذا يخرّج على الوجهين في النظر إلى العيب والغبطة، ففي وجهٍ يجوز، ثم للموكل حقُّ الرد إن أراد، وفي وجهٍ لا يقع العقد عن الموكِّل؛ لمكان العيب المعلوم.
وكان شيخي يذكر وجهاً ثالثاً ويقول: إن كان يشتريه للتجارة، فينعقد البيع عن الموكل، وله الخيار، وإن كان يشتريه للقُنية والخدمة، فلا يقع العقد عن الموكل.
وهذا حسن لا بأس به.
4882 - ونحن نعود بعده إلى المقارض، فنقول: ما ذهب إليه معظم الأئمة في الطرق أن المقارض لا يملك الردَّ إذا كانت الغبطة في الإمساك؛ فإن تصرفاتِه مُدارةٌ على رعاية الأغراض المالية.
ومن أصحابنا من ألحق المقارض بالوكيل فيما ذكرناه من أنه هل يملك الرد؟ وهذا متِّجه؛ فإن حطّ رتبته عن الوكيل لا وجه له فيما رتبناه، ونظمناه، وإلى هذا مال جوابُ القاضي رضي الله عنه.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت الغبطة في الرد، أو كانت الغبطة في الإمساك.
4883 - فأما إذا استوى الأمران، ولم يترجح أحدُهما على الثاني في غرضٍ ماليٍّ، فلا شك أن المقارض له أن يرد؛ فإنه مالكٌ للتصرف، فإذا كان يملك بيعَ هذا العبد بثمن مثله، فينبغي أن يملك ردّه واستردادَ الثمن المبذول.
4884 - ومما يتعلق بتمام البيان في هذا الفصل: أن الغبطة إذا كانت في الإمساك، كما تقدم تصويره، فإذا قلنا: للمقارض الردُّ مع ذلك، وهو مسلكٌ بعيدٌ، لما فيه من التخسير، ولكن إذا فرعنا عليه، فيجب أن يملك ربُّ المال الردَّ أيضاًً؛ إذْ هو أولى بذلك، وهو مالك الأصل، غيرَ أن العامل إذا ردَّ، ارتد الملك وانتقض العقدُ، وإذا ردّ المالكُ، ولم يرض العامل بالردّ، نظر: فإن كان وقع العقد بعينٍ من أعيان مال القراض، فالرد يتضمن نقضَ العقد من المالك أيضاًً، وإن كان العقد وارداً على الذمة مصروفاً بالنية إلى جهةِ القراض، فردُّ المالك لا يتضمن نقضَ العقد،
ولكنه يتضمن صرفه إلى المقارض، فعليه الثمن، وله المبيع.
فلو فرض مثل ذلك في الموكِّل والوكيل، فإن لم يعترف البائع بكون المشتري وكيلاً، فالأمر على ما ذكرنا في المقارض العامل، وإن اعترف بكونه وكيلاً، ولم يردّ الوكيلُ مقصراً، أو راضياً، ففي المسألة وجهان: أحدهما- أن العقد ينفسخ؛ فإنه لا [حظ] 1 للوكيل فيه.
والثاني - أنه يرتد إلى الوكيل، وينقلب العقد إليه؛ فإن العقد ورد على ذمته، ثم لم يوجد منه ردُّه مع تمكّنه منه، ولم يجد نفاذاً على الموكل.
وهذا الوجه يشير إلى أن الوكيل بالشراء الوارد على الذمة عرضةٌ لأن يكون هو المتملّك، وينقدح إذا حكمنا بأن العقد يرتد إلى الوكيل أن نقول: نتبين أن العقد وقع له إذا انعقد؛ فإنّ صَرْفَ الملك من الموكل بعد حصوله له إلى الوكيل من غير عقدٍ جديد بعيدٌ، وظاهر القياس أن الملك ينقلب إلى الوكيل على نعت التجدّد ولقد 2 كان واقعاً للموكل.
هذا حاصل الغرض فيما يتعلق برد العامل ورد المالك.
4885 - ومما جرى الرسم بذكره أن المردودَ عليه لو قال للوكيل: قد رضي موكلك، فلا ترد، فلا يملك الوكيل الردَّ، ما لم يحلف على نفي العلم، كما أشرنا إليه، وهو مستقصىً في كتاب الوكالة.
ولو قال المردود عليه للعامل: لا ترد؛ فإن المالك قد رضي به، فقد قال
الأئمة: يردُّ المقارض من غير يمين؛ فإنه يملك الرد، وإن اعترف برضا المالك، وهذا متجه إذا كانت الغبطة في الرد، فأما إذا كانت الغبطة في الإمساك، فالتفصيل فيه ما قدمناه.
فليتبع الناظرُ تأصيلَنا، وتفصيلنا في ذلك، يَرْشُد، إن شاء الله.
فصل
قال: "لو اشترى وباع بالدين، فضامنٌ إلا أن يأذن له ... إلى آخره" 3.
4886 - فأما بيعُ سلع القراض نسيئةً، فممتنعٌ، لا شك فيه، لما في النسيئة من
الغرر، ولسنا ننظر إلى غرض التجارة في ذلك، صائرين إلى أن البيع إذا كان من مليء، وفيٍّ، وحصل مع ذلك التوثّقُ برهنٍ، أو كفيلٍ، فهذا مما يعتاده التجار، من ضروب التجارة؛ فإن هذا تصرفٌ مستفادٌ بالإذن، فكان محمولاً على مطلق الإذن.
وأمرُ الوكيل بالبيع والابتياع إذا جرى مطلقاً، نافى النسيئة، ونزل منزلة العقد لو فرض مطلقاًً، ولو كان البيعُ والشراء مطلقين، تضمَّنا حلولَ العوض.
وهذا فيه ضربٌ من التلفيق؛ فإن معتمدنا في بيع الوكيل العرفُ، ولأجل ذلك منعنا بيعَه بدون ثمن المثل، إذا كان موكلاً بالبيع مطلقاً، فكان لا يمتنع أن يتعلق متعلق بقرينة الحال في قصد التجارة: ويسوِّغُ من المقارض في استصلاح المال ما يجوز من أب الطفل، ولكنّ المانعَ منه أن الولاية تُثبت رتبةَ الاستقلال للولي، والشفقةُ المعتضدةُ بالعدالة والديانة تُؤَمَّنُ من [بوائقِه] 1؛ فقيل له: تصرف في مال طفلك تصرفَك في مال نفسك، إذا كنت ترعى الغبطةَ، وصلاحَ المال.
والقراضُ دائرٌ بين مستقلّيْن، لا ينتظم التصرف بينهما إلا باللفظ، والأغراض تختلف اختلافاً بيناً؛ فلم يمكنا أن نترك اللفظ على عُرفٍ مطّردٍ؛ فمن التجار من لا يبيع نسيئةً أصلاً، ولا يشتري نسيئة ويُعدُّ صاحبَ النسيئة على مجازفةٍ وغرر.
وهذا يغلب في معظم الأزمان.
فإن لم يتّحد الغرض، ولا متعلّق إلا اللفظ، فمطلقه يقتضي الحلولَ في البيع، والشراء.
فإن قيل: إن ظهر تفاوتُ الأغراض في البيع نسيئةً؛ من جهة أنه يتضمن إزالةَ اليد عن الملك، وانتظارَ الثمن، والطوارقُ تطرق، والعوائق تطرأ فهذا متَّجهُ.
أما الشراءُ بالنسيئة، فما المانع منه؟ قلنا: قد لا يؤْثر أصحابُ الديانات بقاءَ التبعات، واشتغال الذمم، وهذا غير مُنْكَرٍ في عادات كثير من الناس.
هذا منتهى القول.
ثم إذا أبطلنا البيعَ نسيئة، ولم يصر المقارض متعدياً بنفس البيع حتى يسلّمه، فإذا سلمه صار غَاصباً، والمشتري منه مشترٍ من الغاصب، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصىً في كتاب الغصب.
فأما إذا اشترى شيئاًً مؤجلاً، فمن ضرورةِ التأجيل وقوعُ
الثمن في الذمة، فلا ينصرف ما اشتراه إلى جهة القراض، ولكنه ينفذُ عليه.
وهذا واضح.
فصل
قال: "وهو مصدَّق في ذهاب المال، مع يمينه ... إلى آخره" 1.
4887 - لم يختلف علماؤنا في أن يد المقارض يدُ أمانة فيما يتلف في يده من غير تقصير، فلا ضمان عليه فيه.
ولو ادّعى تلفاً، وكان ما ادعاه ممكناً، فأنكر رب المال، فالقول قول المقارض مع يمينه.
ولا يشترط في تصديقه مع يمينه أن يغلب على القلب صدقه، بل يكفي إمكانُ صدقِه، وبيان ذلك: أنه لو ادَّعى احتراقَ شيء من المال، وكان حانوته، أو مسكنهُ في مَحِلَّةٍ وقع فيها حريقٌ ظاهر، فالظاهر صدقه، ولكنّا نحلّفه لو ادّعى ذهابَ المال بجهةٍ لم تظهر، كسرقةٍ ونحوِها، ولكن كانت الجهةُ ممكنة، فإنه يصدّق مع يمينه.
ولو نسب الضياعَ إلى جهةٍ يُعلم أنها 2 لم تكن، مثل أن يدعي احتراق ثياب نهاراً في حانوتٍ بارزٍ للناظرين، وذكَر وقتاً لو جرى فيه حريق، لم يخف وقوعُه، فقوله مردود؛ إذ لا إمكان على الوجه الذي قال.
ولو ادعى ضياعَ المال مطلقاً من غير أن يذكر جهة، صُدِّق مع يمينه، ولم يكلَّف ذكر جهةِ الضياع.
والقول في المقارض في ذلك كالقول في المودَع.
4888 - ولو ادعى المقارض ردَّ طائفةٍ من المال على رب المال، فالذي قطع به القفال أنه مصدّقٌ مع يمينه، ومذهب القفال طردُ ذلك في الأمناء كلَّهم.
4889 - وقد قدمنا ترتيبَ العراقيين وتقسيمهم في الأمانات.
ونحن نعيدُه لغرضٍ لنا.
قالوا: إن لم يكن للمؤتمن أرَبٌ في الأماناتِ، ولا منفعةٌ، وإنما كانت المنفعةُ كلُّها في الحفظ لرب المال، فإذا ادعى هذا المؤتمن ردَّ الأمانة صُدِّق مع يمينه.
وإن كان للأمين منفعةٌ فيما في يده كالمرتهن في العين المرهونة، فإذا ادّعى ردَّ الرهن، لم يصدَّق إلا أن يقيم بينةً، والقول قولُ الراهن مع يمينه، وطَردوا هذا في يد المستأجِر في العين المستأجَرة؛ فإنه قبضها لمنفعةِ نفسه.
وإن تردد الأمر، فكان [للمؤتمن] 1 غرضٌ فيما في يده، وكان للمالك غرضٌ أيضاًً، فإذا ادّعى مَنْ هذا وصفُه الردَّ، فقد ذكروا وجهين: أحدهما- أن القول قولُ المؤتمن الذي يدعي الردَّ؛ لأن المنفعة ليست خالصةً له.
والوجه الثاني- أن القول قول المردود عليه، وضربوا في هذا القسم مثالين: أحدهما - الوكيل إذا قبض شيئاًً لبيعه بأجرةٍ، ثم ادعى ردَّه، ففي المسألة وجهان.
والثاني - المقارض، إذا ادّعى الردَّ على رب المال.
ولم يختلفوا أن الأمناء بجملتهم لو ادّعَوْا تلفَ المال في أيديهم، صُدِّقوا مع أيمانهم.
وإنما هذا التفصيل للعراقيين فيه، إذا ادعى المؤتَمنُ الردَّ على المالك.
ثم بنَوْا على هذا، وقالوا إذا لم يصدقوا المؤتمن في دعوى الرد، فمؤنة الرد [عليه، وإن كنا نصدقه في دعوى الرد، فمؤنةُ الرد على المالك؛ فأتبعوا مؤنةَ الرد] 2 وجوبَ التصديق عند دعوى الرد، وطبقوا الوفاق على الوفاق في النفي والإثبات، والخلاف على الخلاف.
هكذا حكاه القاضي عن طريقهم، وهذا بعيد جداً، ولم يصح عندنا من طُرقهم إلا الترتيبُ الذي ذكرناه في 3 أن من ادّعى الرد هل يصدق؟ فأما إيجابُ الردّ ومؤنته، مع القطع بأن اليدَ يدُ أمانة، فبعيدٌ عن قانون المذهب، ويبعد كل البعد أن يجب على المرتهن والمستأجر مؤنةُ الرد.
4890 - وأما القفال، فإنه قطع بتصديق كل مؤتمن في دعوى الرد إذا لم تكذبه المشاهدة.
وأجرى المرتهن والمستأجِرَ والمقارضَ والوكيلَ مجرى المودَع، ونزَّل دعوى الرد في جميع هؤلاء منزلةَ دعوى التلف، وسلم العراقيون دعوى التلف،
والتصديقَ فيها مع اليمين، وإنما خالفوا في دعوى الرد، كما ذكرناه.
4891 - فحاصل 1 المذهب أن طريقة المراوزة التسويةُ بين الأمناء وبين دعوى الرد والتلف، والقطعُ بأنه لا يجب على أمينٍ ردٌّ، وإنما عليه التخلية بين المالك وبين ملكه.
وإذا كان هذا أصلَهم، فيستحيل عندهم إلزامُ مؤنة الرد على أمين.
والعراقيون وافقوا المراوزة في المودَع، ووافقوهم في دعوى التلف من سائر الأمناء، ورتبوا كلاماً في دعوى الرد، ولم ينقل أحدٌ عنهم التزامَ مؤنة الرد، إلا القاضي، كما تقدم.
والذي يدور في النفس من ترتيبهم شيئان: أحدهما - أن المستأجر ليس يتمحض انتفاعُه مع بَذْله العوض، وفي انتفاعه تقريرُ الأجرة، وكان لا يبعد عن أصلهم إلحاقُ ذلك بما لا يتمحض فيه انتفاع صاحب اليد، وعندي أني قدمت هذا فيما سبق.
والذي نجدَِّدُه الآن أن قياس طريق المراوزة أن المقارض لو قال: رددتُ على المقارض رأسَ المال، وحصتَه من الربح، وهذا الباقي في يدي حصتي أنه يصدق، وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن الذي يبقى في يده عِوضُ عمله، ولا يسلّم له عوض عمله إلا بأن يثبت التسليمُ في رأسِ المال، وقسطِ الربح، فيؤول الخلاف في هذا إلى حكم المعاوضة، وهذا إن طُرد فيه قياسُ تصديق المقارض في نهاية الإشكال.
نعم، لَوْ لم يتفق ربحٌ، وادّعى المقارض ردّ رأس المال بكماله، فتصديقه حكم الائتمان.
ولا شك أن المراوزة يطردون قياسهم في تصديق المقارض؛ فإن ما ذكرناه من التصاق 2 حكم المعاوضة بالأمانة لم يوجب إثبات حكم الضمان [بعلقة المعاوضة، وكأن المشروط للمقارض ليس له حقيقةُ المعاوضة.
وقد قال] 3 العلماء: القراض في ابتدائه وَكالة، وفي انتهائه إذا ظهر الربح شركة.
وسيأتي ذلك [مشروحاً في المسائل إن شاء الله] 4.
فصل
قال: "ولو اشترى من يعتق على رب المال بإذنه عَتَق ... إلى آخره" 1.
4892 - العامل إذا اشترى ابنَ ربِّ المال أو أباه، فلا يخلو: إما أن يشتريه بإذنه، أو دون إذنه، فإن اشتراه بغير إذنه، لم ينصرف الشراء إلى جهة القراض، ولم يخل إما أن يشتري بعين المال، أو يشتري مطلقاً في الذمة.
فإن اشتراه بالعين، فالشراء باطل؛ لأنه مأذونٌ في التجارة المربحة، وهذه صفقة إن حكمنا بها خاسرة، فينبغي أن يكون المرعي في القراض [أعواض] 2 المال، لا غيرها.
ولو اشتراه في الذمة، صح الشراء، وانصرف إلى العامل.
وخرج من مجموع ذلك أن التسليط على التجارة، والإذنَ فيها، لا يملّك العامل شراء من يعتق على الآمر.
ولو أراد العامل أن يشتري جاريةً كانت زوجة رب المال، أو أراد أن يشتري زوجَ ربةِ المال، فهل يصح ذلك تلقياً من مطلق الإذن في التجارة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يصح لما فيه من الإضرار، ونحن نعلم خروج ذلك عن إرادة الآمر وإذنه، من طريق المعنى؛ فإنه لو أراد ذلك، لنص عليه، ونبه عليه، والألفاظ العامة في هذه المسالك تُخصَّصُ بقضايا العرف، ولهذا قلنا: لا يبيع الوكيل بالإذن المطلق ما وُكّل ببيعه بالغبن الفاحش، وإن كان لفظ البيع شاملاً من طريق اللسان لكل بيع.
وهذا القائل يستشهد أيضاًً بامتناع ابتياع من يعتِق على رب المال.
والوجه الثاني- أن الشراء صحيح، في الزوج والزوجة؛ فإنه يُفيد مقصودَ المالية فيهما حَسَب إفادته ذلك في سائر المماليك، والمرعيّ فيما ينصرف إلى جهة القراض، الغرضُ 3 الذي وُضع القراض له.
وإذا كان ذلك 4 يحصل، فلا نظر
إلى 1 ضررٍ آخر يلحق من جهةٍ أخرى؛ لا مِن ماليةِ المعقود عليه ابتداءً وبقاءً؛ وبهذا ينفصل ما نحن فيه من 2 شراء الأب [وكل من يَعتِق] 3 على رب المال؛ فإن ذلك الملك لا يبقى، لو قدرنا حصولَه.
4893 - فإذا تبين ما ذكرناه، فليقع الفرضُ بعده فيه إذا اشترى العامل من يعتِق على المالك بإذن المالك، فإذا جرى الشراء بإذنه، صحّ، ونفذ، ثم ينقسم القول وراء هذا؛ فلا يخلو: إما أن يكون في المال ربح، وإما أن لا يكون في المال ربح، فإن لم يكن في المال ربح، فلا يخلو: إما أن يشتريه بكل المال، أو ببعضه، فإن اشتراه بكل المال عَتَق عليه، وانتهى القراض، وكان كما لو استرد المال؛ إذْ الإتلاف أو التسبب إلى التلف الحُكمي محل الاسترداد، ثم إذا نفذ العتق في الجميع، فلا شيء للعامل؛ فإن القراض صحيح والعامل في القراض لا يستحق إلا الربح، إن كان، فإن لم يكن، واتفق استردادُ المال قبل ظهور الربح، فلا شيء للعامل.
وسنذكر هذا في أثناء فصول الكتاب، إن شاء الله -نعم، لو كان القراض فاسداً، وكان 4 للعمل الذي جاء به العاملُ أجرُ مثلٍ، فله أجر مثل عمله، إذا استرد رأس المال قبل الربح، أو بعده، ولم نفصل فيما أجريناه بين أن يكون الشراء وقع بعين المال، وبين أن يقع في الذمة؛ فإن الشراء إذا كان على وَفْق الإذن، فإنه ينصرف إلى الجهة المنوية حسَب وروده عليها، لو فرض تعيين الأعيان عوضاًً، وهذا بيّن.
وما ذكرناه فيه إذا اشترى بكل المال، ولا ربح.
فأما إذا اشتراه ببعض المال، ولا ربح، فيصح الشراء، وينفذ العتق، ويصير ذلك القدرُ مسترداً من رأس المال وسنذكره مفصلاً 5، إن شاء الله.
4894 - فأما إن كان في المال ربح، فلا يخلو: إما أن يشتري بالكل أو بالبعض،
فإن اشتراه بالكل، [و] 1 كان رأس المال ألفاً، فربح العامل ألفاً، ثم اشترى من يعتِق على المالك بالألفين، فلا شك في نفوذ العتق في مقدار رأس المال فيه 2. وهو يقع نصفاً من العبد.
وأما الربح إن كانا شَرَطَا وقوعَه شَطْرين، فيَعْتِقُ من الربح المقدارُ المشروط للمالك، ويحصُل من رأس المال ومن حصةِ الربحِ العتقُ في ثلاثة أرباع العبد، والربع الباقي يُنظر فيه، فإن كان المالك موسراً، ذا وفاءٍ عَتَق عليه من طريق السِّراية الربعُ الباقي، وغرِم للعامل مقدارَ حصته، وهو خمسمائةٍ في الصورة التي فرضناها، والتفريع على تعجيل السِّراية.
فإن قيل: لم تتعرضوا للقولين في أن العامل هل يصير مالكاً للربح المشروط له بالظهور، أم يتوقف جريان ملكه على المفاصلة؟ قلنا: لا حاجة في هذا المقام إلى هذا الأصل؛ فإنا وإن حكمنا بأن الملك للعامل، فالعتق يسري لا محالة، إذا كان من حصل العتق عليه موسراً.
فإن قيل: هلا خرّجتم حكماً آخر على هذين القولين، وقلتم: إذا صرنا إلى أن العامل لا يملك ما شرط له إلا عند المفاصلة، فالعتق يسري في الجميع، ولا شيء للعامل؟ قلنا: لا سبيل إلى ذلك؛ فإن نفوذ العتق في مقدار رأس المال ينزل منزلة المفاصلة باسترداد رأس المال، ولو استرد ربُّ المال رأسَ المال، وقد ظهر الربح، فيثبُت حصةُ العامل من الربح لا محالة، فإنا نُنزِل الإتلافَ والتسببَ إليه بمثابة استرداد رأس المال، واستردادُ رأس المال مفاصلةٌ، ومقاسمةٌ.
ولو كان رأس المال ألفاً، وما زاد قبل الإقدام على شراء من يعتق على المالك، ولكنه لما [اشتراه كان] 3 يساوي ألفين على [مكانته] 4 لو بقي رقيقاً، فهذا ربحٌ حصل بهذا العقد، فكان 5 التفريع فيه كالتفريع على ما لو حصل الربح قبل هذا العقد 6.
وكل ما ذكرناه فيه إذا اشترى من يَعْتِق على المالك بما يساوي رأسَ المال والربحَ الحاصلَ.
4895 - فأما إذا وقع الشراء ببعض مال القراض، وقد ظهر الربح [كأن] 1 كان رأس المال ألفاً، والربحُ الظاهر ألفٌ، وقد وقع الشراء بألفٍ، فالذي قطع به الأئمةُ أنه إذا عيّن هذا المقدار من مال القراض في العقد، أو كان اشترى في الذمة، ونقد الثمنَ، فالعتق ينفذ، ولا نحكم بانحصار ثمن العبد في جهة رأس المال، بل نقضي بأنه يقع شائعاً؛ فإن الربحَ شائعٌ في رأس المال، ورأسُ المال شائعٌ في الربح، والاسترداد يقع على الشيوع، فكأنه استرد نصفَ رأس المال، ونصفُ الربح على هذا الوجه يقع 2. ثم لا يخفى تنفيذ العتق، ولا حاجة إلى تقديرِ السِّراية، [وتنزيلِ] 3 ما جرى منزلة استرداد نصفِ المال، مع اعتقاد الشيوع بين رأس المال والربح، وسنذكر على أثر هذا الفصل فصلاً جامعاً في الاسترداد، ووقوعِ المسترد على حكم الشيوع، إن شاء الله.
هذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يُعتقدَ غيرُه.
وحكى القاضي عن العراقيين طريقةً أخرى، لم أطلع عليها من مسالكهم، على بحثي عنها، وذلك أنه قال: ذكر العراقيون أن العامل إذا اشترى من يعتِق على رب المال بإذنه، وقد ظهر الربح في المال، فإن اشتراه بقدر رأس المال عَتَق، وكأنّ 4 المالكَ استرد رأس المال، والباقي بينهما ربحٌ، يتقاسمانه على موجَب الشرط.
وإن اشتراه بأقلَّ من رأس المال، فالثمن محسوب من رأس المال، مُنحصرٌ فيه، لا يُحسب شيءٌ منه من الربح.
وإن اشتراه بأكثرَ من رأس المال، حَسَبْنا من رأس المال على كماله، ثم حَسَبْنا
الزائد من حصة المالك من الربح، ثم إن استوفى حصتَه، فالباقي للعامل، وإن أبقى من حصته شيئاً، فله البقية.
ثم لما حكى القاضي هذا قال: هذا الذي ذكروه غلطٌ، ولا شك أن ما حكاه غلطٌ، ولكن أخشى أن يكون الناقل غالطاً؛ فلا يستجيز المصير إلى ما حكاه عن العراقيين من أحاط بأطراف الكلام في أحكام هذه المعاملة.
هذا كله تفصيل القول فيه إذا اشترى العامل بإذن رب المال من يعتق عليه، وقد بان من سرّ الفصل أن مغزاه يرجع إلى استرداد طائفة من المال، وتفصيلُ الاسترداد، وتحقيق الشيوع فيه سنذكره متصلاً بهذا الفصل.
4896 - والعبد المأذون له في التجارة إذا اشترى أبَ المولَى، فلا يخلو: إما أن يشتريَه بإذنه، أو دون إذنه، فإن اشتراه بإذنه، نُظر: إن لم يكن عليه ديْن، صحَّ شراؤُه، وعَتَق على المولى، وإن كان عليه دَيْن، ففي عتقه عليه قولان.
وقرّب الأصحاب ما في يد المأذون إذا ركبته الديون، قبل أن يحجر القاضي عليه، من المال المرهون، وذكروا قولين في أن السيد لو أعتق عبداً مما في يد عبده المأذون، وقد ركبته ديون، فيكون كما لو أعتق الراهن العبد المرهون، وكذلك العبد في التركة التي تعلق الدين بها، فإذا أعتق الوارث عبد التركة، فهو بمثابة الراهن، فإذا اشترى العبدُ بإذن المولى من يعتِق عليه، وعليه ديون، فإن جرى ذلك برضا الغرماء، صحّ، ونفذ العتق، وكذلك القول فيه إذا أعتق المولى عبداً بإذن الغرماء، والعبدِ المأذون، فالعتق ينفذ نفوذَه من الراهن في المرهون، عند إذن المرتهن.
وقد ذكرت مجامع أحكام المأذون فيما تقدم، وأخرت جملاً من أحكامه إلى كتاب النكاح.
ولو اشترى العبد المأذون بغير إذن مولاه من يعتق عليه، فليقع الفرض فيه إذا لم يكن عليه دَيْن، ففي صحة الشراء قولان منصوصان للشافعي رضي الله عنه: أحدهما - لا يصح، وهو اختيار المزني، لأنه مأمور بالتجايرِ 1 المربحة، والذي اشتراه ليس