كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فصل
قال: "فإن قال الجاني: جنيت عليه وهو موجوء ... إلى آخره" 1.
10511 - فإذا اختلف الجاني والمجني عليه في صفة العضو المقطوع، فادعى المجني عليه أنه كان سليماً، فقطعه على السلامة، وادعى الجاني أنه كان أشل، وغرضه درء القصاص، أو تنقيص البدل، فالذي ذكره المرتبون: أن الأعضاء تنقسم إلى الأعضاء الظاهرة، وإلى الأعضاء الباطنة، ثم قالوا: إن كان الخلاف في الأعضاء الظاهرة، لم يخل الأمر من شيئين: أحدهما - أن لا يسلم الجاني للمجني عليه أصلَ السلامة في عضوه، والآخر أن يسلّم أصل السلامة ويدّعي زوالها بشللٍ طارىء، فإن لم يسلّم أصلَ السلامة وأنكرها، فظاهر المذهب أن القول قول الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته، والأصل عدم السلامة أيضاً.
هكذا ذكره الأصحاب.
أما قولهم: الأصل براءة الذمة، فسديد، والأولى أن نعبر عن المعنى بعبارة أخرى فنقول: ادعى المجني عليه أن الجاني أتلف عنه السلامة وفوّتها، والأصل أنه لم يفعل.
هذه العبارة أمثل.
وذكر بعض أصحابنا قولاً بعيداً أن المصدّق المجنيُّ عليه؛ فإن الأصل في [الاعتياد] 2 سلامة الأعضاء، والمصدَّق في الشرع من يظهر صدقُه في الظنون، وعلى هذا بنينا ثبوت حق الرد بالعيب مع إطلاق البيع؛ من جهة أن الغالب السلامة.
وهذا القول ضعيف؛ فإن إلزام الذمم وتثبيت الجناية بناء على اطرادٍ في العادة بعيد، والرد بالعيب ليس مما نحن فيه بسبيل، وقد ذكرنا مأخذه في (الأساليب) وغيرها.
وهذا إذا لم يسلِّم الجاني أصل السلامة.
فأما إذا سلم الأصل وادعى طريان شلل، ثم زعم أنّ قطعه كان بعد الشلل، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أن القول قول الجاني، لما ذكرناه من استصحاب
براءة ذمته، ولما ذكرنا [من] 1 أن الأصل عدمُ تفويته للسلامة.
والقول الثاني - أن القول قولُ المجني عليه، لأن الجاني واقف موقف المدعين في ذكر طريان الشلل بعد تسليم السلامة.
هذا إذا كان النزاع في الأعضاء الظاهرة.
10512 - فأما إذا كان في الأعضاء الباطنة، فقد ذهب طوائف من أصحابنا إلى طرد القولين، سواء سلّم الجاني السلامة الأصلية، وادعى الخلل الطارىء، أو أنكر أصل السلامة، [ففي] 2 قولٍ: القول قول الجاني لما سبق تقريره في القسم الأول، وفي قولٍ: القول قول المجني عليه، وتوجيه هذا القول مبني على أصلٍ يتعلق بالمصلحة، ويميل عن اعتبار استصحاب الأصول، وذلك أنا نقول: إقامةُ الشهادة على صفات الأعضاء الظاهرة ممكنة، لا عسر فيها؛ فإن الأعضاء التي تظهر من الإنسان يطلع عليها الناس غالباًً، وإذا استُشهدوا فيها شهدوا، ولئن لم نصدِّق المجني عليه، فسببه تمكنه من إثبات مراده لو كان صادقاً، وهذا عسر في الأعضاء الباطنة، فإذا انسدّ مسلك الإشهاد، لم يبعد الرجوع إلى قول المجني عليه مع يمينه 3.
وهذا يقرب من تصديقنا المودَع في رد الوديعة وتلفها؛ فإن مصلحة الائتمان تقتضي هذا، كما ذكرناه في أحكام الأمانات والودائع.
وجمع صاحب التقريب الأعضاءَ الظاهرةَ والباطنةَ، وأرسل الخلاف عليها، وحصل من مجموعها أربعة أقوال: أحدها - أن القول قول الجاني من غير فصل.
والقول الثاني - أن القول قول المجني عليه من غير فصل.
والقول الثالث- أنه يفصّل بين الأعضاء الظاهر والباطنة، فقال: القول قول الجاني [في] 4 الأعضاء الظاهرة،
والقول قول المجني عليه في الأعضاء الباطنة.
والقول الرابع - أنه يفصل بين أن يسلّم الجاني أصل السلامة ويدّعي الخلل بعدها، وبين ألا يسلم أصل السلامة.
هذا بيان ما قيل، ووراء ذلك بحثٌ واستدراك.
10513 - فأما البحث، فقد أطلق أصحابنا ذِكْر الأعضاء الظاهرة والباطنة، ولم يفصلوا، فتلقيت من مرامز كلام الأصحاب وجهين: أحدهما - أن الباطن ما هو عورة يجب ستره عن الأعين.
والوجه الثاني - أن الباطن ما يعتاد ستره إقامة للمروءة، وهذا أليق بفقه الفصل من التعويل في الكلام على الظاهر والباطن، وما ذكرناه من [يسر] 1 إقامة الشهادة لظهور العضو، فما لا يُظهره الإنسان غالباً لا يتعذر إقامة البينة فيه على [يسر] 2، والدليل عليه أن الحاجة لو مست إلى استشهادٍ، جاز الاطلاع على العورات بسببها.
هذا هو البحث.
فأما الاستدراك، فقد أطلق بعض أصحابنا الخلاف في أصل العضو، وقالوا: إذا قال الجاني: ما خُلقت لك اليد، فقال المجني عليه: خُلقت وقطعتها.
أو سلّم الجاني أصل الخلقة، وادعى سقوطها قبل الدعوى عليه، وهذا فيه استدراك؛ فإنه إذا أنكر [الجاني] 3 أصلَ العضو خلقة، أو زعم أنه كان، فبان بسبب [آخر، فهو مُنكِر] 4 لأصل الجناية؛ ومن ادعيت عليه جناية، فأنكرها، فالقول قوله في إنكارها.
نعم، لو فرض قطع الكف، ورُدّ النزاع إلى وجود الأصابع، فلا يندرج هذا تحت الأقوال والتفاصيل.
وليس هذا الذي ذكرته إلا تحقيقاً لمراد الأصحاب، فإني لا أشك أن ما ذكره
الأصحاب مفروض فيه إذا جرت جناية، ثم فرض النزاع بعدها.
10514 - ولو جنى على الذكر، أو الأنثيين، أو عليهما، فقال المجني عليه: قطعهما، وقال الجاني: بل قطعت أحدهما؛ فإنا نقطع بأن القول قولُ الجاني، وإن المعترِفَ به ثابت، والزائدُ عليه دائر بين النفي والإثبات، وهو محل الخصومة، والقول قول من ينفي الجناية، وليس الذكر مع الأنثيين بمثابة الأصابع مع الكف، فإن قطع الكف يُسقط الأصابع إن كانت، وليس كذلك الذكر مع الأنثيين.
10515 - وفي لفظ (السواد) إشكال سهلُ المُدرك لا بد من التنبيه عليه، قال الشافعي على أثر الكلام في الذكر والأنثيين: "فإن قال الجاني: جنيت عليه وهو [موجوء] 1، وقال المجني عليه: بل صحيح، فالقول قول المجني عليه [مع يمينه] 2، لأن هذا يغيب عن أبصار الناس" 3، والموجوء هو المرضوض، والوجأ في الأنثيين رضهما، وهذا إذاً خلاف [في] 4 صفة الأنثيين مع الاتفاق على قطعهما، وفي الحديث: "معاشر الشباب عليكم بالباءة من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فمن لم يستطع، فعليه بالصيام، فإن الصيام له وجاء" 5.
10516 - ومما يتعلق بهذا الفصل أن الرجل إذا خرم 6 [ملفوفاً] 7 في ثوب بنصفين، فقال ورثة المجني عليه: كان حياً فقتلته، وقال الجاني: كان ميتاً فقددتُه،
ففي المسألة قولان: أحدهما - القول قول الجاني؛ لأن الأصل براءةُ الذمة، والقول الثاني - قول ورثة المجني عليه؛ فإن الأصل الحياة.
وهذه الصورة تناظر الاختلاف في الأعضاء الظاهرة مع تسليم أصل السلامة، وذكر بعض الأصحاب فرقاً بين أن يكون ملفوفاً فيما هو على صورة [الكفن، وبين أن يكون ملفوفاً فيما هو على صورة] 1 ثياب الأحياء.
وهذا لا أصل له، والتعويل على ما ذكرناه في قاعدة التوجيه.
فصل
قال: "ويقاد أنف الصحيح بأنف [الأجذم] 2 ... إلى آخره" 3.
10517 - [الجذام علةٌ] 4 تظهر بالأطراف، ويغلب وقوعها -إذا كانت-[بالأذن] 5 والأنف، ففرض الشافعي حلولَها بالأنف، ثم معنى كلامه أن الأنف وإن اعتلّ [بالجذام] 6 حتى احمرّ، ثم اسودّ بعد الحمرة، فلا يخرج عن كونه عُضوَ قصاص، وإن استحكمت العلة، وقَطَع أهل البصائر بأنها لا تُدفع بعلاج؛ فإن العلل السماوية لا تؤثر وإن صارت مأيوسةَ الزوال، ومن انتهى بسبب علةٍ به إلى حالةٍ قطع أهل الخبرة أقوالهم بأنه -لِما به 7 -[لا] 8 يُتصور خلاصُه، ولو قتله أيّدٌ في عنفوان
شبابه، قتل به؛ فالعضو مع ما به من علّة كالنفس العليلة، غيرَ أن العضو [الأشل] 1 لا يقابله عضو صحيح في القصاصِ، ومقدارِ الأرش، كما تمهد القول في ذلك.
فلو قال قائل: فهلا كان [الجذام] 2 المستحكم في الأنف بمثابة الشلل في اليد، وزوالُ الشلل مرجوّ [على بُعدٍ أَوْ قُرب؟] 3 قلنا: الشلل يجرّ إسقاط منفعة العضو، والعضوُ يُعنَى لمنفعته؛ هذا سبب ردّ اليد الشلاء إلى الحكومة، ومنفعة الأنف لا تسقط بالجذام.
وانتهى نظر الأئمة في هذا الباب إلى أن ذكروا في الأذن المستحشفة الساقطةِ الحسّ وجهين في أن الدية تكمل فيها أم لا؟ وسبب ذلك ما أشرنا إليه من أن المنفعة المعقولة في الأنف والأذن لا تزول بالاستحشاف، بخلاف اليد؛ فإن منفعتها البطش، وهذا يزول بالشلل.
[والذي] 4 يجب ضبطه في ذلك أن الأنف ما دام على نعت الحياة، فله حكم الصحة في إيجاب القصاص على القاطع، وتكميل الدية، فإن قيل فيه: إنه قد زايلته الحياة، وهو إلى [العفن] 5 والسقوط على القرب، ولم يبق إحساس، وتحقق اليأس من العَوْد إلى الصحة، [فهذا] 6 هو الاستحشاف الذي أشرنا إليه في الأذن.
10518 - وقد قال الشافعي رضي الله عنه: "لو سقط بالجذام من الأنف شيء، لم يقطع به الأنف السليم" وسبب ذلك أنا لو قطعنا الأنف السليم به، لقطعنا الشيء الكاملَ ببعضه، وقد ذكرنا أن القصاص يجري في أبعاض الأنف، كما يجري في الأصابع، فإذا سقط من الأنف ما يتعلق القصاص بمثله لو قُطع، فلا بد وأن يكون سقوطه معتبراً، وهو بمثابة ما لو سقطت إصبع من اليد بالجذام.
[فإذا سقط جزء من
أنفه] 1، فقطعه رجلٌ أجدع، قد قُطع ذلك الموضع من أنفه، فيجب القصاص عليه لإمكان المساواة، وهو كما لو قطع رجلٌ [يدُه] 2 ناقصةٌ بإصبع [يداً مساويةً يده] 3 في النقصان، فالقصاص [جارٍ] 4، فظن بعض أصحابنا أن الشافعي أسقط القصاص عن الأنف إذا سقط شيء منه بالجذام؛ من جهة أنا إذ ذاك نعلم استحكام الجذام، ومساق هذا الظن يقتضي أنا لا نقطع أنفاً [جُدع] 5 بعضه به وهو سليم في باقيه، وهذا غلط، وإنما التعويل على ما ذكرناه.
وإنما نحكي أمثال هذا حتى [لا] 6 نُخلي الكتاب عما مر بنا سماعاً أو نظراً في تصنيف، ثم لا نقصر في التنصيص على ما هو المسلك الحق.
10519 - ثم قال الشافعي: "ويقطع أُذن السميع بأذن الأصم، وأنفُ المدرك بأنف الأخشم" هذا صحيح لما مهدناه من أن حكم العضو لا يختلف بسقوط منفعةٍ ثابتة في غيره، وإن كان ذلك العضو سبيلاً إلى تلك المنفعة، وقد تعطل معظمُ المنفعة بتعطل السبيل، فالتعويل على النظر إلى [عين] 7 العضو وما يحله من منفعة، وما ذكره الشافعي رضي الله عنه في أذن الأصم وأنف الأخشم خارجٌ على هذا الأصل خروجاً بيّناً.
ونحن نشير إلى جوامع القول في ذلك: أطلق الفقهاء القولَ بأن النظر في العين، كما أن البطش في اليد والرِّجل، وهذا قد يبعد عن قانون الأطباء بعضَ البعد؛ من جهة أن لطيفة البصر عندهم في الطبقة المسماة الجليدية، وهي وراء طبقات من الحدقة، ولكن الحكم الشرعي لا يُلحق بالأمور الخفية، بل يُحمل على ما تبتدره
الأفهام، ويظهر في طبقات الخلق، ومما ظهر أن [ضوء] 1 الباصرة من العين، والكلام في اللسان، كما سنصف حكمه في كتاب الديات -إن شاء الله عز وجل- ولا حاجة إلى تعديد جميع الأعضاء؛ فما ذكرناه يُعدّ تمهيدَ الأصول.
وقال الأئمة: [الأنثيان] 2 تجريان من [المني] 3 مجرى الأذن من السمع، والأنف من الإدراك، وإن كانت أوعية المني وعصبُها [اللحمة] 4 [الغروية] 5 البيضاء من الأنثيين، فلو قطع أنثي رجل وانقطع ماؤه، يلزمه ديتان جرياً على ما ذكرناه، ولو كسر صلبَ إنسان، فزال مشيُه وماؤه، لزمته دية واحدة بسبب كسر الفقار وتعطيل المشي، واختلف أصحابنا في أنه هل يجب بسبب إزالة الماء ديةٌ أخرى؟ قال بعضهم: لا تجب؛ فإن محل الماء الظهر، والأصح أنه تجب دية أخرى؛ فإن الماء لا يختص بمحلٍّ من البدن وإنما هو مادة تسيل من جملة الحيوان، وكذلك تكون مادة الحيوان.
ولو قطع رَجُلٌ يدي رَجلٍ، فزال عقله، فالمذهب إيجاب ديتين، وفي المذهب قول آخر: أنا ندرج دية العقل تحت دية اليدين، وسيأتي في هذا تفصيلٌ في كتاب الديات، إن شاء الله عز وجل.
فصل
قال: "فإن قلع سن من قد أثغر ... إلى آخره" 6.
10520 - إذا قلع الرجل سنَّ من لم يُثغر، فلا نوجب في الحال قصاصاً ولا ديةً، لأنها تنبت غالباً؛ فإن نبتت، فلا قصاص ولا دية، ثم إن أعقبت [شَيْناً] 7، وجبت
الحكومة، فإن لم تُعقب شيناً، فوجهان سنجريهما في نظائر ذلك في كتاب الديات، إن شاء الله عز وجل.
وإذا قلع سن من قد ثُغر، لزم القصاصُ أو الدية، وفصول الأسنان ستأتي مستقصاةً في الديات، فإن لم تنبت، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن السن المثغورة إذا عادت، فلا حكم لعودها، وهو متجه، [فهي نعمة] 1 مبتدأة، فلا يتغير بعودها حكمٌ مضى، والقول الثاني -أن عودها- وإن كان نادراً بمثابة عود سنِّ من لم [يُثعر] 2. ثم إن لم نثبت للعَوْد حكماً، فإن عاد من المجني عليه، لم يسقط القصاصُ ولا الدية، واستوفينا القصاص، [ولم] 3 يتغير حكمه.
وإن قلعنا سنَّ الجاني، فعاد [فلا] حكم للعود، وقد تم استيفاء القصاص.
ولو قلعت السنّ العائدة، تعلق القصاص بقلعها، وكذلك لو عادت مراراً، وهو يقلع في كل مرة، فيجب القصاص في قلعه.
وإن جعلنا العَوْد معتبراً، فلو لم نستوف القصاص حتى عاد السن من المجني عليه، سقط القصاص والدية، وبقي الكلام في الحكومة، كما ذكرناه [في سنّ من لم] 4 يُثغر.
فإن عاد سن المجني عليه بعد ما قلعنا سن الجاني قصاصاًً، تبينا أن الذي مضى لم يكن قصاصاًً، [فإن] 5 لم يعد من المقتص منه، ضَمِنَّا [سنّه] 6 بالدية، وبقي النظر في الحكومة التي تتعلق بقلع سنٍّ عاد بعد [القلع] 7.
ولو لم يعد سنُّ المجني عليه، ولكن لما اقتصصنا سنَّ الجاني، عاد سن المقتص منه، ولم يعد سنُّ المجني عليه، فالقلع الأول لا يقع قصاصاً، واختلف أصحابنا في
أنا هل نقلع سنه مرة أخرى؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنا نقلع، وكلما عادت، عدنا، إلى فساد المنبت.
والوجه الثاني - أنا لا نقلع، ولكن نعود إلى الدية، ثم لا يخفى النظر في الحكومة؛ فإن القلع الأول لم يقع عن جهة القصاص، وشفاءُ الصدر في هذا يأتي في كتاب الديات.
ثم إن لم نجعل للعود حكماً، ابتدرنا القصاص، ولم نؤخره، وإن جعلنا للعود حكماً، لم نستوف القصاص إلى تحقق فساد المنبت من المجني عليه.
10521 - قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن اقتص بغير سلطان عُزِّر" 1.
قد ذكرنا أن مستحق القصاص لا يستبد باستيفائه، بل يتعين عليه رفعه إلى السلطان، فإن استبد ورأى الإمام تعزيره عزَّره، ووقع القصاصُ موقعه.
ثم ذكرنا أن القصاص في النفس يجوز أن يكله الإمام إلى الولي.
وفي القصاص في الطرف خلافٌ، وقطع الأئمة بأنه لا يكل حدَّ استيفاء القذف إلى المقذوف؛ فإن التفاوت في الجلدات عظيمٌ، فالمراتب إذاً ثلاث: نفسٌ، وقطعُ طرف، وجَلْد.
ولكل مرتبة حكمها.
ومن عليه القصاص إذا أتى بصورة العقوبة من نفسه، فإن كان بغير إذن المستحِق، لم يقع الموقع، وإن كان بإذنه، ففي وقوع القصاص الموقعَ وجهان، ولعل الأصح وقوعه موقعه، ولو استناب المستحقَ بالحضرة أجنبياً، [فمن] 2 زعم أن القصاص لا يقع الموقع، قال: فهَلْكُ نفسه يخرج عن كونه نائباً لغيره، وما يظهر منه يقع على حكم الاستبداد 3، وينمحق فيه أثر الإذن.
وشبه الأصحاب هذا بما لو قال المكرِه: إن قتلت نفسك وإلا قتلتك، فقتل نفسه، لم يكن مكرهاً، وهذا تشبيه باطل؛ فإن معنى الإكراه أن يُحمَل المرءُ على أمرٍ بسبب عظيم الموقع عنده، وهو يبغي الخلاص عما خُوِّف به، وإذا كان التخويف بالقتل والمستدعَى القتل الذي به التخويف، لم يتحقق الإكراه.
فصل
قال: "ولو قال المقتص: أخرج يمينك، فأخرج يساره ... إلى آخره" 1.
10522 - إذا قال مستحق القصاص لمن عليه القصاص في يمينه: أخرج يمينك أقطعْها، فأخرج يساره، فقطعها، فالمسألة يأتيها الانقسام" من جهة قصود المخرج، ومن جهة قصود القاطع، والأَوْلى أن نجعل قصود المخرج أصولَ الصور، ويتشعب عن كل قصد [للمخرج صور] 2 تتعلق بقصد القاطع، ونأتي على مقصود الفصل بهذا الترتيب، إن شاء الله عز وجل.
فإن قال المخرج: قصدت بإخراج اليسار إباحةَ قطعها ابتداء، قلنا للقاطع: بان لنا قصدُ المخرج [فما] 3 قصدتَ؟ فإن زعم أنه استباح يدَه اليسرى، فقد أجمع الأصحاب على أن قطع [اليسار] 4 يقع هدراً، والقصاص باقٍ في اليمين.
فإن قيل: كيف أثبتم الإباحة، ولم يتلفظ [بها] 5 المخرج، وقرائنُ الأحوال يبعد أن تؤثر في الأمور الخطيرة؟ كيف وإخراجه ليس قرينة دالة على قصده في الإباحة؟ وهذا فيه إشكال كما ترى، وهو متفَقٌ عليه بين الأصحاب، والنص في [السواد] 6 وغيره على موافقة الإجماع من الأصحاب؟ قلنا: القرينة أوّلاً كافية في هذا الباب.
ولو قال الرجل لمن لا قصاص عليه: أخرج يدك أقطعها، أو قال: ملكني قطعها، فلو أخرج يده، ولا إكراه، فالذي جرى إباحةٌ منه.
فإن قيل: حكيتم في باب الوليمة وجهاً أن الضيفان لا يستبيحون الطعام ما لم يتلفظ بالإباحة، وهذا القائل ليس يكتفي بقرائن الأحوال.
قلنا: لا تعويل على مثل هذا الوجه، وسبيل المتدرب
في المذهب أن يستدلّ بموضع الوفاق على فساد الوجوه الضعيفة، ولا يعترض بالوجوه الضعيفة على محالّ الوفاق، وكيف وذلك أظهر والإجماعُ فيه عملاً أشهر؟، ولا يأمن أن يَطْرد صاحبُ ذلك الوجه مذهبه الفاسد فيما ذكرناه.
ولا عود إلى هذا بعد التنبيه عليه.
وقال الأئمة: إذا قصد الرجل قَطْع يد الرجل ظلماً، وقلنا: لا يجوز له أن يستسلم [فإذا استَسْلم] 1، ولم [يدفع] 2، [فهل] 3 يكون سكوته بمثابة الإباحة؟ فعلى وجهين مأخوذين من تردد الأصحاب في أن الزانية لا تستحق المهر، ولم يوجد منها إلا التمكين المجرد.
فمن الأصحاب من قال: سبب سقوط المهر سقوط الحرمة، [والبُضع] 4 لا يتقوّم إلا إذا كان محترماً من جهة الموطوءة، ومهر البغي يُحطّ بنص قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن أصحابنا من قال: سبب سقوط المهر أن التمكين رضاً منها في حكم العرف منزلٌ منزلة الإباحة، على هذا الخلاف خرّج الأصحاب وجهين في الجارية المغصوبة إذا طاوعت الغاصب حتى زنا بها، فمن أسقط مهر البغي لعلّة سقوط [الحرمة] 5، لم يثبت المهر لمالك الجارية، ومن علل سقوط المهر بنزول التمكين منزلة الرضا، قال: يجب مهر المغصوبة [فإنها] 6 لا تملك إسقاط حق المولى.
فقال الأئمة: إذا وجد التمكين من قطع الأطراف -والتمسك بمذهب الاستسلام-[فالتمكين] 7 هل يكون كالرضا؟ فيه خلاف، والمسألة محتملة؛ فإن التمكين من الزنا لا محمل له إلا الرضا في عادة الخلق، والسكوت على الجناية لا يتجرد هذا التجرد.
وهذا في السكوت المحض، فأما إذا قال المتقدم إليه: أبح لي يمينَك وأَخْرجها أقطعْها، فوافقه، وأخرج، فهذا إباحةٌ ولا محمل له غيرُ الإباحة.
فإذا تمهد هذا، عدنا إلى مسألتنا، وقلنا: الإخراج فعلٌ، [ومثله] 1 يُعدّ إباحة، فإذا كان يتصور [اتضاح الغرض] 2 فيه، فهو كقولٍ ليس بصريح في مقصود، بل هو كنايةٌ فيه، فإذا انضم القصد إليه، نزل منزلة [كناية] 3 تقترن النية بها.
فهذا منتهى الكلام.
10523 - ولو قال القاطع: دَهِشت، ولم أدر، والمخرج زعم أنه مُبيح، فلا ضمان على القاطع أصلاً؛ فإن التعويل في [إحباط] 4 اليسار على إباحة مخرجها.
10524 - ولو قال القاطع: ظننت أن اليسار [مجزئةٌ] 5 عن اليمين، فاكتفيت بها على هذا القصد، فهل يسقط حقُّ القصاص عن يمين المخرج؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسقط القصاص، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وقد ارتضاه القاضي وقطع به، ووجهه أنه بقصده دل على إسقاطه القصاص في اليمين، فإذا كنا نجعل إخراج المخرج بمعنى قصد [الإباحة] 6، فقَطْع القاطع مع إسقاط القصاص عن محله يجب أن يكون نازلاً منزلة التصريح بالقصد.
والوجه الثاني - أن القصاص لا يسقط؛ فإنه لم يُسقطه، ولم يقتص منه اعتياضاً صحيحاً، وليس كالإباحة؛ فإنها لا تستدعي عقداً، أو معاملةً ذاتَ أركان وشرائطَ، وذكر أئمتنا أن من عليه قصاصٌ إذا جاء بالدية إلى مستحق القصاص متضرّعاً، طالباً منه أن يأخذ الدية ويقنَع بها، فلو أخذها، ولم ينطق بالعفو، ثم عاد إلى طلب القصاص، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين، وما ذكرناه في صورة قطع اليسار على أنه
يغني عن اليمين أولى بأن لا يُسقط القصاصَ في اليمين؛ فإن هذا الاعتياض فاسد، وأخذ المال بدلٌ عن الدم [مشروع] 1 لا فساد فيه.
التفريع على الوجهين:
10525 - إن حكمنا بأن القصاص لا يسقط عن اليمين، فقطْع اليسار هدرٌ بناءً على إباحة المخرِج؛ فإن إباحته كافيةٌ في الإهدار، وإن حكمنا بأن القصاص يسقط في اليمين، فالرجوع إلى المال، ولا تقع اليسار عن اليمين قطّ لمستحق القصاص في اليمين، [فتبقى] 2 اليمين، واليسارُ فيه هدرٌ، ولا يتعلق بما جرى إلا سقوطُ القصاص، وهذا واضح، ولكنه على وضوحه [مزِلّة] 3. فليقف الناظر عنده.
والجملة في هذا أنا كيفما صدقنا قصود القاطع، فقطْع اليسار يجري على الإهدار، وإنما التردد في أن القصاص في اليمين هل يسقط إذا كان المخرج على قصد الإباحة؟
10526 - ومن تمام الكلام في هذا القسم -وهو إذا قصد المخرِج الإباحة- أن القاطع لو قال: جعلت اليسار باليمين إنشاء من عندي، وهذا يتميّز في التصور عما قبله؛ فإنه في الصورة المتقدمة على هذه ظن أن حكم الشرع وقوع اليسار عن اليمين، وهو في هذه الصورة يجعل الأمر كذلك، وهذا عندي يخرج على الخلاف في أن القصاص في اليمين هل يسقط [له تلف] 4، وهذه الصورة أولى بأن يسقط القصاص فيها، [فإنا إن حملنا ما صدر من القاطع على معاوضة فاسدة، لكان قريباً] 5؛ فإنه
لم يجر في الصورة المتقدمة إلا ظنٌّ، وقد تبين أنه على مخالفة الشرع، وظنُّ الإنسان قد يدرأ القصاص عنه، [فيما] 1 يقطعه على موجب الظن، فأما أن يتضمن إسقاط قصاص له في محلٍّ [برضا] 2، ففيه بُعْد ظاهر.
وحُكي عن القاضي أنه في صورة الظن، وهي الصورة المتقدمة يُسقط القصاص في اليمين، وقال في الصورة الأخيرة -وهي إذا قال: قصدت جَعْل اليسار قصاصاً عن اليمين-: لا يَسقُط القصاصُ عن اليمين، وهذا كلام مضطرب.
وهذا كله انشعبت 3 فيه إذا قال المخرج: قصدت الإباحة بالإخراج.
10527 - فأما إذا [قال:] 4 دهشت ولم أدر ما أصنع؛ فإذا قال المخرِج ذلك، رددنا الأمر إلى قصد القاطع، وراجعناه في قصده؛ فإن زعم أني علمت حقيقة الحالى، وأقدمت على قطع يساره قصداً، قلنا: عليك القصاص في يسارك للمخرِج، وقصاصك باقٍ في يمين المخرِج، فإن آثر كلُّ واحد منهما إلاّ استيفاء حقه من القصاص، لم يبق لواحد منهما يد، وإن عفَوا عن القصاص، رجعنا إلى الأرشين، ولم يخفَ حكم التقاصّ، ولا يُشكل التفصيل فيه إذا عفا أحدهما دون الثاني.
10528 - ولو قال القاطع: حسبت أنها تقوم مقام اليمين، فهل يسقط القصاص عن اليمين؟ فيه الخلاف المقدم، وكذلك إذا قال: جعلت اليسار باليمين، ففي سقوط القصاص عن اليمين التردُّدُ المقدم، ولكن النظر في اليسار -والمخرِج ليس [مبيحاً] 5 - على وجه آخر يقع: أما القصاص، فالذي رأيناه في الكتب أنه لا يجب = الإمام هذه الصورة أول بالسقوط؛ لأن ما صدر منه والحالة هذه، يظهر حمله على معاوضة فاسدة، وهناك ظن حكمها وهو مخطىء فيه، فإسقاط حقه بذلك الظن كالمستبعد".
(ر.
الشرح الكبير: 10/ 284).
على القاطع قصاص في يساره، وظنُّه ينهض عذراً في إسقاط القصاص عنه، وفي هذا مستدرك سنذكره الآن في أثناء الكلام، وننبه على انعطافه على هذا المحل، وإذا لم نوجب القصاص، فالوجه إثبات الضمان على القاطع، وفيه شيء أيضاً سنذكره من بعدُ.
10529 - ولو قال القاطع: ظننت أن اليد المخرجة هي اليمين؛ فقطعتها على هذا الظن، قال العلماء: لا يسقط قصاصه عن اليمين؛ فإنه لم يقصد إسقاطَه، بل ما حسبه حقَّه لم يكن حقَّه، وهل يجب القصاص على القاطع في قطع اليسار؟ ذكر القاضي قولين سيأتي ذكرهما على أثر هذا الفصل، إن شاء الله عز وجل.
[ووجهُ الشبهِ بَيِّنٌ: حَسَبُه أن اليدَ المخرجة مستحَقة] 1، ثم تبيّن أن الأمر على خلاف ما حَسِبه 2، وقد يخطر للناظر أن إسقاط القصاص 3 أولى في هذه المسألة؛ من جهة أن المخرِج [هو] 4 الذي تسبب إلى التقصير حيث أخرج، ولم يوجد من الذي [قطعه] 5 على ظن أنه [قابل منه تقصيراً] 6 أصلاً؛ فإذا ظهر الخلاف في وجوب القصاص في اليسار فيه إذا قال القاطع: حسبتُ اليد المخرجة يميناً، فاحتمال وجوب القصاص ينعكس على الصورة التي ذكرناها قبل هذه، وهي إذا حسبها تجزىء عن اليمين؛ فإن قوله هذا بعيد عن الإشكال مع العلم بتعدد المحل، وهو بمثابة ما لو قتل رجل رجلاً كان أمسك أباه حتى [قتله] 7 إنسان، ثم قال: ظننت قَتْله حقاً، فالرأي الظاهر أن القصاص لا يندفع بأن يدعي القاتل أمثال هذه الظنون، وسنجمعها في فصلٍ، إن شاء الله عز وجل.
10530 - فلو قال القاطع: دهشت، فلم أدر ما أصنع، ولا معنى لهذا القسم في هذه الحالة؛ فإن الدهشة السالبةَ الاختيارَ لا تليق بالقاطع المختار، ولا بد وأن يكون قطعه صادراً عن عمدٍ أو ظن اعتياض، أو ظنٍّ بأن المخرَج يمينٌ، أما المخرِج [فلا يبعد] 1 أن يدهش.
وقد نجز تشعيب الكلام في هذا القسم، وهو إذا قال المخرج: دهشت.
10531 - فأما إذا قال: قصدت إخراج اليسار أن تقع عن اليمين، فنقول للقاطع: أنت ماذا قصدت بالقطع؟ فإن زعم أنه ظنّ أن المخرِج أباح اليد [بذلاً] 2، فقد قال الأصحاب: لا يجب القطع عليه في [اليسار] 3؛ فإن ما قاله محتمل مع [إيهام المخرِج] 4.
وهذا يتطرق إليه احتمال؛ فإنه ظنٌّ بعيد، والظنون البعيدة لا تدرأ القصاص، درءاً مقطوعاً به، ولكن [منها] 5 ما لا يدرأ، ومنها ما يُخرّجُ على الخلاف، كما سيأتي، ووجه البعد بيّن؛ فإن اللائق بالحال الدهشةُ، أو قصدُ الاعتياض، فأما الإباحةُ، فبعيدة، ولهذا تكلّفنا تحقيقَها عند قول المخرِج: قصدتُ الإباحة.
10532 - ولو قال القاطع: ما دهشت، ولكن ظننت أن اليسار تُجزىء عن اليمين، كما قال المخرج، فالكلام في سقوط القصاص باليمين كما مضى، [والسقوط أولى هاهنا] 6 بتأويل تنزيل الفعلين مع التوافق في القصدين منزلة اعتياض، فاسد 7.
ثم إن قلنا: يسقط القصاص عن اليمين، [فلا شك] 1 أن القصاص لا يجب في اليسار.
وإن قلنا: لا يسقط القصاص عن اليمين [فلا يجب] 2 القصاص في اليسار؛ لأن ما يجرى [من] 3 المخرِج تسليط على القطع، وحكى العراقيون عن ابن 4 الوكيل من أئمتنا أنه أوجب القصاص على قاطع اليسار في هذه الصورة، وهذا بعيد جداً مع ما جرى من قصد المخرج في التسليط على القطع: نقلوه وزيفوه، وهو كما قالوه.
ثم إذا لم نوجب القصاص، بقي النظر في الضمان في اليسار: والوجه عندنا القطعُ بثبوته؛ فإنه لم تجر إباحةٌ من المخرج ولا وجه لإهدار اليسار.
10533 - قال العراقيون: لو قال: أردت أن تكون اليسار باليمين، وقال القاطع؛ ظننت المخرَج يميناً، قالوا: لا قصاص على القاطع قولاً واحداً، والأمر على ما ذكروه 5، ولا يخرّج هذا على الخلاف السابق، فإنه وجد في هذا القسم تسليط على القطع من المخرِج، ثم قالوا: هل يجب على القاطع الضمان في اليد؟ فعلى وجهين: أحد الوجهين - لا ضمان عليه، واليسار هدرٌ؛ لأن المخرج قصّر حيث [لم يتثبّت] 6 وسلَّط على القطع.
= يخرّج على الخلاف المذكور في الحالة الأولى، والظاهر سقوطه تنزيلاً للفعل مع توافق القصدين منزلة اعتياض فاسد".
(ر.
الشرح الكبير: 10/ 285).
والوجه الثاني - أن اليسار لا يكون هدراً؛ فإن مخرجها لم يخرجها باذلاً مبيحاً؛ فينبغي أن تكون مضمونة، كما لو باع مالك العين العينَ بيعاً فاسداً، وسلّمها، فإنها تكون مضمونة على المشتري.
وقد نجزت المسألة بأقسامها.
وحق من ينتهي إليها أن يُلزم نفسه حفظ أوائلها؛ فإن خللها في انسلال ما سبق منها عن [الحفظ] 1 المنتهي إلى الأثناء والآخر.
10534 - ثم إذا قطع القاطع اليسار وبقّينا له حق القصاص في اليمين في بعض الصور المقدمة -أيتها كانت- فهو على حقه من القصاص في اليمين، فلو أراد استيفاءه ناجزاً، والمقطوع يساره على قرب العهد، بقطع اليسار، فظاهر النص أنه لا يمكّن من قطع اليمين في الحال، فإن الموالاة بين القطعين قد تُفضي إلى الهلاك، ومستحق القصاص في اليمين هو الذي قطع اليسار، ولم يتأمل.
ومن أصحابنا من خرج قولاً آخر أنه لا [يُمنع] 2 من استيفاء حقه في اليمين؛ فإن القصاص لا يتأخر بسبب ظُلمٍ جرى، أو بسبب خطأ.
ولو قطع يدي رجل ورجليه، فقد ذكرنا أن القصاص لا يؤخر [في] 3 الأطراف، ولكن لو ظهر في الظن أنا لو قطعنا [يدي] 4 الجاني ورجليه وِلاءً ولا شك أنه يهلك، فالمذهب أنه تقطع ولاءً إن أراد ذلك.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً بعيداً أنه يمنع عن الموالاة في الاقتصاص، وهذا لا أصل له، وإن ذكر هذا الوجه فيه إذا اندملت جراحات الجاني 5، فأراد بعدها
الاقتصاص، وإلا فالمنع الآن قد يتجه على بعد، ولست أعد هذا من المذهب.
وقد انتهى الكلام فيما يتعلق بالقصاص.
10535 - فأما إذا قال الجلاد [للسارق: أخرِج] 1 يمينك اقطعها، فأخرج يساره فقطعها، فالتفصيل فيه أن [السارق إن] 2 قال: دهشت، وزعم القاطع أنه دهش أيضاً، وقد ذكرنا أن القطع في اليمين المستحَق قصاصاًً لا يسقط في مثل هذه الصورة بسبب ما جرى من الدهشة، وهل يسقط قطع اليمين عن اليسار في الصورة [التي] 3 نصصنا عليها؟ ظاهر النص أن القطع يسقط عنه؛ فإن الشافعي فيما نقله المزني صوّره من [صور] 4 النظر، ثم قال: "ولو كان [ذلك] 5 في سرقة، لم تقطع يمينه، ولا يشبه الحدُّ حقوقَ العباد ... إلى آخره" 6 وهذا يُوجَّه بما أشار إليه الشافعي ومن ابتناء حق الله تعالى في العقوبات على الدرء والدفع؛ فلا يمتنع -وقد جرت هذه الغلطةُ- أن [يسقط] 7 الحد، فإنه حصل بما جرى الردعُ والنكال.
وذكر بعض أصحابنا قولاً مخرّجاً أن القطع لا يسقط عن اليمين، وهذا وإن كان ينقاس، فهو مجانب لوضع حدود الله، ثم إن قيل به، فلا خلاف أن اليمين لا تقطع على الفور بل يمهل حتى يندمل.
ولو قال المخرِج: حسبت اليسار تجزىء عن اليمين، فالقول كما مضى، ولو قال المخرج: علمت أن اليسار لا تجزىء عن اليمين، ولكني غالطت الجلاد، وقال الجلاد: غلطت، فهذه المسألة [تخرج] 8 على الخلاف أيضاً، وبقاء القطع في اليمين أظهر.
ولو اعترف القاطع والمخرج بالتعمد، فالوجه القطع بأن القطع في اليمين يبقى، ويبقى النظر في أن القطع هل يجب على الجلاد في قطع اليسار، ويعود هاهنا تصوير الإباحة [والبذل] 1.
ومما يجب التنبه له أن الاستبدال قصداً لا يُجزىء في حد الله.
فهذا منتهى القول في المسألة، والله المستعان.
فصل
10536 - إذا قطع الرجل يدَ مجنونٍ واستوجب القصاصَ، فلا شك أن المجنون ليس من أهل الاقتصاص، ولكن لو وثب المجنون على الجاني، وقطع يده، فهل يقع ذلك القطع قصاصاً؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه يقع؛ فإنه المستحِق للقصاص، وقد جرى القطعُ على صفة الاستحقاق.
والثاني - أن القطع الذي صدر منه لا يقع عن جهة القصاص؛ فإنه لا حكم لفعله، وليس هو من أهل استيفاء حقوقه.
فإن قلنا: [لا يقع] 2 قطعُه قصاصاًً، ولا يهدرُ القطع؛ فإنه وإن لم يكن من أهل استيفاء الحقوق، فإتلافه مضمون، ثم إن جعلنا له عمداً، فالغرم في ماله، وإن لم نجعل له عمداً، فالغرم [مضروب] 3 على عاقلته، وسقط القصاص الذي كان [يستحقه] 4 بسقوط المحل، لا بطريق الاستيفاء، فيثبت له أرش يده في مال الجاني عليه.
وهذا إذا لم يصدر من الجاني تمكين من القطع، فأما إذا أخرج الجاني على المجنون يدَه حتى قطعه قصاصاً، فقد قال العراقيون: لا يقع القطع قصاصاً وجهاً واحداً هاهنا، فإن التفريط من المخرِج الجاني، وليس كما إذا قطع المجنون من غير تمكينٍ من الجاني، ثم قالوا في الصورة الأخيرة إذا جرى القطع، كان هدراً؛ من جهة
انتساب الجاني إلى التقصير في تمكينه المجنون من القطع.
هذا ترتيب العراقيين، وليس لما ذكروه ذكرٌ من طريق المراوزة، وليس يبعد ما أوردوه عن قياسهم.
والصبي ينبغي أن يكون فيما رتبوه كالمجنون.
10537 - ولو جرى القطع من المجني عليه خطأ، وكان من أهل الاقتصاص لو تعمد، وذلك مثل أن يتّفق منه إشارةٌ بسيف في الظلمة في جهةٍ، وفيها الجاني عليه، فإذا حصل القطع، [فهو] 1 يقع قصاصاًً، فإن القطع قد وقع والرجل من أهل الاستيفاء، وقد ذكرت هذا مجموعاً إلى مسائل فيما سبق.
فصل
يجمع وقوع القطع على ظنون
10538 - ونحن نصفها ونرسل مسائلها، ثم نرتبها.
فإذا قتل الرجل رجلاً في دار الإسلام، ثم زعم أنه حسبه قاتلَ أبيه، ففي وجوب القصاص على القاتل قولان: أحدهما - لا قصاص عليه، لظنه، وإنما القصاص على من يتعمد القتلَ ظلماً؛ فإن القصاص مزجرةٌ عن الظلم، ولا يتصور زجرُ المخطىء.
والقول الثاني - يجب القصاص؛ فإن القتل معمودٌ، وإنما الظن من جهته، وليس القاتل معذوراً في ابتداره القتلَ، بل كان مأموراً بالبحث ونهاية التثبت، ثم حُكم الشرع ألا يستقلّ بالقصاص، بل يرفعه إلى السلطان، وإذا تحقق التعمد بأصل القتل، ولم [يقع] 2 في الجهة التي ظنها، وجب القصاص.
ومن الصور للفصل [أن يقتل رجل رجلاً في زي الكفار الحربيين] 3، ثم يتبيّن أن المقتول كان مسلماً، والواقعة في دار الإسلام، ففي وجوب القصاص على القاتل قولان، والتوجيه يقرب مما تقدم.
ومن الصور أن يقتل رجلاً كان ارتد، فحسبه فيما زعم مصراً على ردته وقد كان عاد إلى الإسلام، ففي القصاص القولان.
وهذه [الصور يجمعها] 1 وقوع القتل عمداً صادراً عمن لا يبعد وقوعه [منه] 2، وصاحب الظن مزجور عن المبادرة والإقدام.
[وإنما] 3 يجري الخلاف إذا كان للظن وجه ظاهر في الوقوع، فلو قتل رجلاً، وقال: حسبته كان ارتد أمس، وتبين أنه ما كان ارتد قط، فالقصاص يجب قولاً واحداً، وكذلك لو قال: حسبته قاتل أبي، ثم تبينتُ أن أبي حيٌّ ما قُتل، يجب القصاص عليه؛ فإن أمثال هذه الظنون لا تصدر عمن على قوله معوّل.
10539 - [وإذا] 4 ذكرنا هذه المسائل مرسلة نذكر في [معارضتها] 5 مسائل، فلو قتل الغازي في دار الحرب إنساناً لا يبعد عن زيّ الكفار، وقال: حسبته كافراً، لم نلزمه القصاص، وفي لزوم الدية قولان، وهذا يجري على الشرط الذي ذكرناه في كل من يقصده الرجل بالقتل في دار الحرب، على ظن أنه كافر، والظن ممكن.
فأما إذا رمى إلى صف الكفار، فمرق إليهم وأصاب أسيراً وراء الصف، لم يقصده الرامي، فهذا هو الذي سماه الفقهاء قتيل سهم الغرب، فلا دية، وتجب الكفارة، وهو المعنيُّ بقوله تعالى: (﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... ﴾ [النساء: 92].
والمسائل التي ذكرناها في دار الحرب، تتميّز عن مسائل دار الإسلام بظهور عذر القاتل في دار الحرب، وعدم تعرضه [للتقريع والتوبيخ] 6 ثم مسائله تنقسم: فمنها ما لا قصد [فيها] 7 إلى عين [القتيل] 8، فموجب القتل فيه الكفارة المحضة، ومنها ما
يقصد فيها شخصاً على الحدّ الذي ذكرناه، ففي الدية قولان، وتيك [المسائل] 1 مجتمعة في نفي القصاص.
والمسائل التي فرضناها في دار الإسلام يجمعها بوجهٍ التقريع واللائمة، وأدنى الدرجات النسبة إلى التقصير، وأصلُ الضمان ثابت في جميعها وفي القصاص قولان.
هذا إذا كان الذي يدعيه القاتل مما لا يبعد وقوعُ مثله لأصحاب العقول، وإذا بعد مأخذ الظن، اتحد القول في وجوب القصاص.
10540 - ثم مهما 2 أوجبنا الدية حيث نقطع بأن لا قصاص، ففي محل الدية قولان: أحدهما - أن محلها مال القاتل.
والثاني - أنها مضروبة على العاقلة، وقد قدمنا طرفاً من هذا سنعيده مقرراً في باب العواقل من كتاب الديات، إن شاء الله عز وجل.
وحيث قطعنا القول في وجوب القصاص، فحكم المال إذا آل الأمر إليه على طريقين: من أصحابنا من قال: في المسألة قولان كمسائل دار الحرب، ومنهم من قطع بأن المال في ذمة الجاني، والطريقان على قول نفي القصاص.
فإن فرعنا على وجوب القصاص، فلو آل [الأمر] 3 إلى المال، فلا خلاف أنه يتعلق بذمة الجاني.
وهذه المسائل التي أدرناها على الظنون التي ذكرناها، اختلف المحققون في معناها، فذهب بعضهم إلى أن مأخذ الكلام فيها أن هذه الظنون لو وقعت، وحصل الوفاق على وقوعها، فكيف القصاص، وكيف الغرم.
ومن أصحابنا من قال: لو حصل الوفاق على وقوعها أثّرت، وإنما التردد في أن من يدعيها هل يصدق فيها؟ من جهة أن الظان، وإن كان أعرف بظنه، فوقوع أمثال هذه الظنون بديعة قلّما تكون.
10541 - وإذا طلبنا ترتيب هذه المسائل، قلنا: المرتبة العليا في تمهيد العذر لصاحب سهم الغرب، وقد كان يليق بالرامي ألا يلتزم الكفارة أصلاً من حيث لم يقصد معيّناً، وكان الرمي الذي جاء به جهاداً في سبيل الله، ولو قيل: إنه حتمٌ في حق الواقف أو واقع فرضاً على الكفاية لم يبعد، ولكن اتفق الأئمة على وجوب الكفارة وتنزيلها على ظاهر الآية.
ويلي تلك الرتبة قصدُ شخصٍ على زي الكفار بعينه، ثم تبين إسلامه، فالقصاص يندفع وفي الغرم قولان، ثم إن يثبت، ففي محلّه قولان.
[ويلي] 1 هذه المرتبة الصور التي قطعنا فيها بثبوت الغرم، وردّدنا القول في القصاص.
وما ترتيب هذه المسائل [للدارَيْن] 2، فإنه لا تأثير لها عندنا، [ونزيد بيان] 3
ذلك: إنه 4 لو قَتَل إنساناً في دار الحرب، ثم زعم أنه حسبه قاتلَ أبيه، وتبين أن الأمر بخلاف ذلك، ففي وجوب القصاص قولان، وإن جرى ذلك في دار الحرب، كان كما لو جرى في دار الإسلام، فإن الدار لا تثير مزيّةً في هذا النوع من الظن، ولو وطىء الكفار بلاد الإسلام، ولقيناهم، فالقول في إصابة سهمنا أسراهم 5 على ما ترتب في دار الحرب.
10542 - ثم إذا تمهد الأصل، فإنا نذكر بعده صوراً: منها أن الرجل إذا كان عهد ذمياًً، ثم لقيه فقتله، وبنى على أن المسلم لا يقتل بالذمي، ثم تبين له أن الذمي كان أسلم، فقد ذكر الأئمة قولين في وجوب القصاص على القاتل، وهما
[مرتّبان] 1 على بعض ما تقدم، وهو إذا ظن المقتولَ حربيَّاً دخل دار الإسلام [غلبةً] 2، وتوصل إلى دخولها غلبةً، ووجه الترتيب أنه اشتد ظنه فيمن ظنه حربياً إلى جهةٍ يجوز القتل فيها أو يجب، بخلاف ما لو حسبه مستمراً على الذمة؛ فإن قتل الذمي محظور، والإحقان بالذمم محذور، فكأنه اعترف بالهجوم على محظور، وظنَّ مسقطاً.
ومن هذا القبيل ما لو كان رأى عبداً أو ظفر به يوماً فقتله، [وبنى] 3 النجاة من القتل على أن الحر لا يقتل بالعبد، فلو تبين له أنه أعتق، وجرى قتلُه بعد الحريّة، فهو كمسألة الذمي.
ثم تردد أئمتنا في الكلام في هذا [الضرب] 4 الذي نحن فيه وفي مسألة أخرى، وهو إذا لقي مرتداً كان حسبه مصرّاً على ردته، فقتله، ثم بان أنه تاب عن الردة، ففي وجوب القصاص القولان المشهوران، فمن أصحابنا من جعل مسألة المرتد أولى بسقوط القصاص؛ من قِبل أنه ظنه هدراً، ونَهْيُ آحاد الناس عن قتله أدبٌ وسياسة، وليس كالذمي؛ فإن قتله محظور ديناً، وهو معصوم مضمون.
ومن أصحابنا [من جعل] 5 مسألة الذمي والعبد أولى بسقوط القصاص من مسألة المرتد، والسبب فيه أن ظن بقاء الذمة والرق أوجه من ظن بقاء الردة، وترك المرتد ينقلب بين ظهرانَي المسلمين.
وهذه المسائل في أصولها وتفرعها وتركبها وترتبها ينبغي أن تؤخذ من قوة الظنون وضعفها، فهذه جملةٌ حوت فنوناً من الظنون واشتملت على أحكام مراتبها، وسنعود إلى بعض قضاياها عند الكلام فيما يُضرب على العاقلة وما لا يضرب عليهم، إن شاء الله تعالى.
فصل
يجمع مقاصد في اختلاف الجاني والمجني عليه وورثته
10543 - إذا قطع رجل يدي رجل ورجليه، فلو اندملت الجراحات، وجبت ديتان، ولو سرت إلى الروح، صارت الجراحُ نفساً 1، فلو مات المجني عليه، فقال الجاني: مات بجراحي، وعادت الأروش ديةً واحدة، وقال ورثة المجني عليه: بل مات حتف أنفه، وقد اندملت تلك الجراحات أولاً 2، نظر: فإن طال الزمان وكان يظهر الاندمال في مثله، ولا يظهر نقيض ذلك، فالقول قول الورثة مع أَيْمانهم، والمعتمدُ فيه أن الجاني اعترف بثبوت ما يوجب الديتين، وهو قطع اليدين والرجلين، ثم ادّعى وراء ذلك [تصيير] 3 الجراح نفساً، فكان في حكم من يعترف بلزوم الدَّيْن المدّعى عليه ويدعي سقوطَه بإبراءٍ أو غيره، نص الشافعي على ذلك، وأطبق الأصحاب على موافقته.
هذا إذا تمادى الزمان.
وفي تصوير ذلك سر، وهو أنا لانشترط أن يظهر كذب الجاني بسبب طول الزمان، مثل إن كان بقي عشرين سنة، بل نكتفي بألا يظهر ضدُّ ما يدعيه الورثة، بحيث يتقابل القولان في الإمكان، وإذا كان كذلك، بقى ما ذكرناه من ثبوت موجب الديتين مستمسكاً للورثة.
ولو قصر الزمان وبعُد الاندمال فيه، على خلاف ما يدّعيه الوارث، فإن بلغ الظهور منه اليقين، فلا حاجة إلى تحليفٍ ويمين مع شهادة الشاهد، [فإن جرى ما ذكر
في زمان] 1 قد يقع في مثله اندمالٌ على بُعدٍ، والظاهر خلافه، والنزاع كما صورناه، فالقول قول الجاني.
اتفق عليه الأصحاب.
هذا إذا دار النزاع على دعوى الاندمال.
10544 - فلو قال الوارث: مات المجروح بسبب طَرَى كتردٍّ من عُلوّ أو قتلٍ [مذفِّف] 2 من غير الجارح، فإذا كان منشأ النزاع على هذا الوجه، وكان السريان ممكناً، والاندمال ممكنٌ، أو كان الاندمال غيرُ ممكن لقرب الزمان، فإذا كان دوران النزاع على ادعاء الوارث سبباً، وإنكارِ الجاني إياه، وحملِه -على المذهب- على السريان مع الإمكان، فإذا تصورت المسألة بهذه الصورة، فقد ذكر صاحب التقريب تردداً واحتمالاً، وقال: يحتمل أن يُقبل قولُ الوارث مع يمينه، ولا نكلّفه إقامةَ البينة على السبب الذي ادعاه؛ فإن الأصل بقاء الديتين، [وما قاله] 3 محتمل ممكن.
وهذا يخرج على إضافة المودَع دعوى تلف الوديعة إلى سبب لا يمتنع إثباته بالبينة، وإذا هو ادعى ذلك، لم نكلفه إقامةَ البينة، بل قلنا: القول قوله مع يمينه، قال: ويحتمل ألا يُقبل [ما ادّعَاه] 4 إلا ببينة؛ من جهة [أنه لا عجز] 5 عن إثبات الأسباب بالبينات على الجملة، ولا ينبغي أن [نتعلل] 6 بالكليّة في تصاريف المسائل إلى براءة ذمة الجاني، وإذا قلنا: ثبت موجب الديتين، ففيه مستدرك؛ فإن الأمر موقوف على المآل.
وذكر الصيدلاني -حيث انتهينا إليه- تفصيلاً نأتي به على وجهه، وذلك [أنه قال] 7: إن قصر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال، فقال الوارث: مات بسبب آخر، ولم يمت بالجرح، ولم يذكر سبباً مفصلاً من سقطةٍ وغيرها، فلا يقبل قوله؛
فإن تركه لتعيين السبب يشعر بأنْ لا سبب، وإن [أورد] 1 الوارث سبباً حيث لا يحتمل الاندمال، فهذه مسألة صاحب التقريب.
وفي هذا فضل نظر: فيظهر من فحوى كلامه أولاً أنه إذا لم يعيّن سبباً، وكان الاندمال محتملاً، فالجواب بخلاف ما إذا كان لا يحتمل الاندمال، وهذا له خروج حسن على التردد الذي ذكر صاحب التقريب.
فأما إذا كنا لا نكلف الوارث إثبات ما يعينه بالبينة، [فلا حاجة] 2 إلى تعيينه، وإن كنا نكلفه إثباته بالبينة، فلا بد من التعيين لتقوم البينة عليه، ولو شهد عدلان أنه مات بسبب غير الجرح وسريانه، فلست أرى لقبول هذه الشهادة وجهاً 3، هذا إذا أمكن الاندمال، وجرى ذكر سبب مطلق.
فأما إذا لم [يمكن] 4 الاندمال، فما ذكره الصيدلاني مصرَّح بأنه لا يقبل قول الوارث؛ فإنّ ترك تفسير السبب يطرِّق التهمة.
وهذا الذي ذكره [على حسنه ليس ينفي أي احتمال] 5 تخريجاً على أنه لو عيّن سبباً، لم يطالب بإثباته.
نعم، لا بد أن يتعرض في يمينه لإحالة الموت على سبب غير السريان.
هذا بيان الاختلاف في طرفٍ من المسألة.
10545 - ونحن نفرض نقيض هذا في مقصود آخر، فنقول: إذا جُرح الرجل جراحةَ عمدٍ ثم مات المجروح، فقال الوارث: مات بسراية جرحك، فعليك القصاص من النفس، وقال الجارح: بل مات بسب آخر، فلا قصاص عليّ، فهذا يفصّل حسب ما فصل الكلام في الصورة الأولى.
فإن لم يُجريا ذكرَ سبب وردّا الدعوى والإنكار إلى الاندمال، فلا يخلو: إما أن يتطاول الزمان بحيث يفرض الاندمال فيه، وإما أن يقصر، فإن طال الأمد، فالقول
قول الجاني؛ لأنه ينفي القصاصَ على وجهٍ محتمل، والأصل عدم وجوبه، وهو في وضع الشرع [مُعرّضٌ] 1 للسقوط بالشبهة.
فإن قيل: الجرح سبب القصاص، وهو معترف به، وقد ذكرتم فيما صورتموه من [الفروع] 2 في الدية أن القول قول الوارث؛ فإن موجب الديتين قد ثبت.
قلنا: لا سواء، فإن موجب الديتين كائن والسريان ردَّ الديتين إلى واحدة، وموجِب القصاص سريانُ الجرح، وهو مختلف فيه، هذا إلى أمرٍ آخر، وهو أن الدية لا تُسقطها الشبهة [بخلاف] 3 القصاص.
هذا إذا طال الزمان وأمكن الاندمال إمكاناً ظاهراً.
وإن قصر الزمان وبعُد الاندمال فيه، وادعى الجارح الاندمال، فالقول قول الوارث، لظهور صدقه، [ويحسن] 4 الآن الاقتضاء، ويكون الجرح سبباً في وجوب القصاص.
ولعلنا -إن شاء الله تعالى- نفصل القول في منازل المدعين والمدعى عليهم في كتاب الدعاوى.
10546 - وكل ذلك ولم يجر تعرض لطريان السبب: فإن قال الجاني لم [يمت] 5 بجرحي، ولكن طرى سببٌ مهلك [وعين] 6 ذلك السببَ، ففي المسألة التردد الذي ذكره صاحب التقريب، وإن لم يعيّن السبب؛ وقع الكلام فيما ذكره الصيدلاني، وقد انتجز الآن.
10547 - ومهما 7 طال الزمان وأمكن الاندمال، وصدقنا من يدعيه -إما لتعدد
الدية في الصورة الأولى، وإما لاندفاع القصاص في الصورة الأخيرة- مع يمينه، فلو أقام صاحبه بيّنةً أن المجروح لم يزل زمناً ضَمِناً لما به من الجرح حتى مات، فيلتحق هذا بما لو قرب الزمان، وَبُعد الاندمال، وقد ذكرنا أن الأمر إذا كان كذلك، فالقول قول من ينكر الاندمال.
وهذا ترتيب القول في الاختلاف على أبلغ وجهٍ.
10548 - ومما يتصل بذلك خلافٌ يُفرض بين الجارح والمجروح [في] 1 سريان الجرح، وذلك إذا شج رأس إنسان موضِحتين، فارتفع الحاجز بينهما، فقال [المشجوج: أنا رفعته] 2، فعليك أرش موضِحتين، وقال الجاني: أنا رفعته أو تأكّلت جنايتي، فليس عليّ إلا أرشُ موضِحةٍ، فهذه الصورة مأخوذة من الأصل الممهد عند فرض الخلاف في التعدد والاتحاد، فإن قال الموضح: سرت جنايتي وارتفعت الجراحة لسريانها، وقال [المشجوج: بل رفعها رافع] 3 غيرُك، فهذا يلتحق بما إذا ادعى الوارث سبباً معيناً، [فيختلف] 4 جواب صاحب التقريب، كما صورناه فيما تقدم.
وإن قال الجاني: عدتُ فرفعت الحاجز، وقال المجني عليه، بل أنا رفعته، فيجب القطع هاهنا بتصديق المجني عليه؛ فإنه [حين] 5 ذكر السبب من الجانبين، فيزول ترديدُ صاحب التقريب قولَه؛ حيث يقول: إثبات السبب ممكن؛ فإن هذا مما يستوي فيه الجانبان، ويعود الأمر إلى اعتراف الجاني بموضحتين موجبهما أرشان، ولو وقع التصادق على أن الجاني رفع الحاجز، ولكن قال المشجوج: رفعتَ الحاجز بعد الاندمال، واستقرار الأرشين، [وأُلزمك رفع الحاجز] 6 أرشاً ثالثاً، وكذلك
يكون الأمر إن [أُجريت] 1 موضحتان واندملتا، ثم رفع الموضح الحاجزَ بعد الاندمال، فيلتزم ثلاثة أروش.
فإذا قال المشجوج: كان الأمر كذلك، وقال الشاج: رفعتُ الحاجزَ قبل الاندمال، رُدّ هذا إلى تفصيل الزمان، فإن طال الزمان، وأمكن الاندمال، فالأصل إيجاب الأرش 2، فإن قرب الزمان وبعد الاندمال، فالأصل الاكتفاء بأرش واحد، وهذا بعينه ينطبق على ما تقدم من تفصيل الاندمال، وترتيب الجاني.
فإن قرب الزمان، فالقول قول الجاني، فإن طال، جعلنا القول قولَ المجني عليه المشجوج، فيثبت الأرشان، وهل يثبت الأرش الثالث الذي يتعلق برفع الحاجز بعد الاندمال؟ فعلى وجهين: أحدهما - وهو الذي ذكره الصيدلاني أن القول قولُ الشاج فيه؛ لأنه يقول: رفعته حيث لم يلزمني به أرش ثالث، بل اتحد الأولان، فإن لم يقبل قوله في اتحاد الأولين، وجب أن يُقبل في ألا يلزمه ثالث، والوجه الثاني - أنه يلزمه ثالث؛ فإنه ثبت رفع الحاجز باعترافه، وثبت الاندمال بيمين المشجوج، فيجتمع في ذلك أن من ضرورة تعدد الشجتين ثبوت الشجة الثالثة.
ولو قال الشاج: ما رفعتُ الحاجز، ولكن ارتفع بالسراية، وصدقه المشجوج، وأثبتنا الأرشين، فلا يثبت الأرش الثالث -لا شك فيه- لأن الشاج لم يعترف برفعه وفي الشجاج -فيما أظن- وجوه من الاختلاف، ستأتي في الديات.
10549 - ومما يتعلق بالاختلاف أن الجارح لو ادعى أنه جَرَح وهو مجنون، ولو قال المجني عليه: بل كنتَ عاقلاً لمّا جرحت، فهذا في التفصيل ينطبق على ما ذكرناه في كتاب اللعان من أن القاذف لو قال: قذفتُ وأنا مجنون، وقال المقذوف: بل كنتَ عاقلاً، فهذا يختلف بأن يعهد له جنون أو لم يعهد، ثم فيه اختلافُ قولٍ وترتيبٌ طويل.
ولو أقام الجارح بيّنة أنه كان مجنوناً عند الجرح، وأقام المجروح أو وليُّه بينةً أنه كان عاقلاً عند الجرح، فمن أصحابنا من قال: لا تقديم والبينتان على التناقض، ثم
سيأتي تفريع التهاتر في كتاب الدعاوى، إن شاء الله تعالى.
وإذا جرينا على تساقط البينتين، رجع الأمر إلى دعوى الجنون ونفيه، وقد مضى ما فيه في كتاب اللعان.
10550 - ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه: "أن الإمام ينبغي أن يُحضر موضع الاقتصاص عدلين ... إلى آخره" 1 وهذا احتياط لا بد منه، وينبغي أن يكونا مع عدالتهما خبيرين بمجاري الأحوال، فيتأملان حديدةَ القِصاص ويبحثان عن [كونها] 2 مسمومة، وإن اتهما وليَّ القصاص أتيا بحديدة لا تهمة فيها.
وهذا من نص الشافعي دليل على أن القصاص في الأطراف مفوّض إلى الولي؛ فإن التهمة إنما تفرض في حديدة الولي، وقد [قدمناه] 3 في فقه هذا الفصل.
فصل
قال: "ويَرْزقُ من يقيم الحدودَ ويأخذ القصاصَ ... إلى آخره" 4.
10551 - الأوْلى أن الإمام يرزقُ جلاداً من السهم الموظف للمصالح العامة حتى يتولى استيفاء الحدود والقصاص إن اتسع المال، وإن ضاق، فنذكر القول في أجرة الجلاد في القصاص، ثم نذكر أجرته في الحدود.
فأما أجرته في القصاص، فالأصح أنها على المقتصّ منه؛ فإنها من مؤن التوفية ومؤنة الإيفاء على من عليه الحق.
وذكر صاحب التقريب وجهاً آخر أن أجرته على مستوفي القصاص، وحقيقة الاختلاف عنده [ترجع] 5 إلى [أن] 6 من عليه القصاص بماذا يصير مسلِّماً
للقصاص، فكأنا في الأصح [نقول] 1 إنما يقع التسليم بالقطع، وهذا يظهر على المذهب المشهور في أن القصاص لا يتم نفوذه في العقوبات إلا بالاستيفاء.
وفي وجهٍ آخر نقول: إذا سلم اليدَ، كفى، وليس عليه تكلّف تحصيل القطع.
ثم قال صاحب التقريب: هذا الاختلاف يقرب من أن التسليم في الثمار المبيعة على رؤوس النخل هل يحصل بالتخلية، [أم لا يتم إلا بقطع الثمار؟] 2 ويمكن أن يفصل بين [البابين] 3، فيقال: الثمار ليست من جوهر الأشجار، ولا يبعد أن يحصل التسليم فيها بالتخلية، ويدُ الإنسان جزءٌ منه، ولا يتحقق التسليم فيه إلا بالفصل.
ومما يُعيّن تحقيقَ الفرق أن في وضع الجوائح، وأنها من ضمان مَنْ قولان، ويد الجاني لو بانت بعد تسليمه، فضمان الجناية عليه، ولكن ذلك محلُّ القصاص، ثم إذا قلنا: الجوائح من ضمان البائع، ففي مؤنة [الجداد] 4 وجهان: أحدهما - أنها على المشتري.
والثاني - على البائع وهذا شبيه ما نحن فيه.
هذا تفصيل القول في أجرة [الجلاد] 5 في القصاص.
10552 - فأما أجرته في استيفاء الحدود، ففيها اختلافٌ مشهور: من أصحابنا من قال: هي على ملتزِم الحد؛ فإنه الموفي [وعليه] 6 مؤنة إيفائه، كمؤنة تأدية الزكاة، حتى إذا [أخرج] 7 بعيراً شارداً، فعليه العقال، ومؤونة الإيصال.
والوجه الثاني - أن المؤنة من بيت المال، وليس هذا الوجه مأخوذاً من الوجه الضعيف الذي ذكره صاحب التقريب في أن الأجر على مستحق القصاص؛ فإن ذاك
لا يعرف إلا به، والأصحاب -على قطعهم أن [مؤنة] 1 الجلاد في القصاص على المقتص منه- يذكرون وجهين في مؤنة الجلاد على الحدّ.
والوجه توجيه قولنا: إن مؤنة الجلاد من بيت المال هاهنا.
فنقول: ليس الحد حقّاً يوفيه من يلزمه بمثابة إلزام الحقوق المالية وغيرها، فليس الحدود [حقوقاً] 2 في الذمم، وإنما هي سياسات، فليقُم بها [السائس] 3، وليلتزم مؤنتها، وليس كالقصاص الذي يثبت حقاً مستحقاً ثابتاً عوضاً في مقابلة متلَف، وهذا بيّنٌ، إن شاء الله عزوجل.
10553 - قال الشافعي: "ولو قال المجني عليه عمداً قد عفوت ... إلى آخره" 4.
الكلام في العفو يستدعي تقديمَ مقدمة في الإباحة، فإذا قال الآمر 5 نفسُه للرجل: اقطع يدي فقطعها، فإن لم تَسْر الجراحةُ، لم يضمن القاطع شيئاًً؛ فإن الإباحة [صدرت] 6 من مستحق البدل؛ فتضمنت الإهدار.
وإن لم يسلط على القطع، [بل قال] 7: اقتلني فقتله، فلا قصاص عليه، وتنتصب الإباحة شبهةً في درائه.
وفي وجوب الدية قولان مبنيان على أن الدية تثبت للورثة ابتداء، أم تثبت للمتوفى، ثم تنتقل إلى ورثته، وهذا فيه قولان: أحدهما - أنها تثبت للورثة؛ فإنها
تجب بالموت، وإذا مات المجني عليه، خرج بالموت عن تصور [حصول] 1 الملك له؛ فاقتضى ذلك ثبوتُ الحق للورثة؛ فإنها تجب [لهم] 2. والقول الثاني - أن نقدر الملك [للقتيل] 3 أولاً في ألطف زمان، ثم نقضي بانتقالها، وهذا القائل لا يمنع [تقدير] 4 الملك للميت، كما لا يمنع تقدير بقاء الدّين عليه، [وإن] 5 رمّت عظامه.
فإن قلنا: الدية تثبت له، فالإباحة تُسقطها، وإن قلنا: الدية تثبت للورثة ابتداء، فالإباحة لا تعمل فيها، فإن قيل: إذا كانت الدية تثبت 6 بعد الموت، وهي عرضة للانتقال إلى الورثة، فينبغي أن لا تؤثر الإباحة إلا في ثلثها؛ اعتباراً بما يصدر منه في مرض موته، [وبما] 7 يوصي به بعد وفاته؟ قلنا: لم يعف عن واجب، وإنما أباح سبباً لو لم يكن صادراً عن إباحته، لتضمن مالاً.
هذا تحقيق القول فيما ذكرناه.
فإن قلنا: الدية تجب على القاتل، فتلزمه الكفارة، وإن قلنا: لا تلزمه الدية، فالمذهب 8 أن الكفارة تلزمه؛ فإنها تجب للاعتراض 9 على حق الله في الدم، وذلك لا يؤثر فيه الإباحة.
وذكر ابن سريج وجهاً آخر من تخريجاته: أن الكفارة لا تلزمه، كما لا تلزمه الدية، وهذا بعيد، ووجهه على بعده أن حق [الله] 10 يتبع في وجوبه وسقوطه
[حقاً] 1 للآدمي، فإذا صار القتيل في حكم المهدر، فلا كفارة على قاتله، وإن كان يحرم عليه قتله.
فإن قيل: أوجبتم الكفارة بسبب الأسير [قتيلِ] 2 سهم الغَرْب ولم توجبوا الدية؟ قيل: لم تسقط الدية عن الإباحة، وثبوتِ حكمها، وإنما سقطت تمهيداً لعذر القاتل، وإلا، فالأسير على حرمته لم يثبت فيه حكم الإهدار، والمبيح هدَرَ 3، وإن لم نجوّز الإقدام على قتله.
وهذا ضعيف غير معتد به.
10554 - فإذا تمهد ما ذكرنا في الإباحة، استفتحنا بعده حكمَ العفو.
فإذا قطع الرجل طرف رجل قَطْع قصاص، فقال المجني عليه للجاني: عفوت عن هذه الجراح أرشاً وقوداً، [فلا يخلو] 4: إما أن تسري الجراحة وإما ألا تسري، فإن لم تسر أصلاً، ولم تتعدّ أصلاً محلَّها، سقط القود والأرش، لا شك فيه.
وإن سرى، لم يخل: إما أن تسري إلى النفس، فتقتل الجريح، وإما أن تسري إلى بعض الأعضاء، ثم تقف وتندمل.
فإن سرى إلى بعض الأعضاء، ثم وقف، فالمذهب 5 أن [آثار] 6 السراية مضمونة، فإن المجني عليه اقتصر على العفو عن موجب الجناية أرشاً وقوداً، واقتصر عفوُه على ما صرح به.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزم ضمان السراية، لأنها ترتبت على جنايةٍ غير مضمونة؛ إذ ضمان الجراحة سقط بالعفو، ثم جرت السراية [فيما بعد] 7، وشبه
هذا القائل ذلك بما لو قال الإنسان لصاحبه: اقطع يدي، فقطعها وسرت الجراحة، ثم [وقفت] 1، فإن السراية لا تكون مضمونة، وكذلك من قطع يدَ مرتدٍّ [فأسلم] 2، فسرت الجراحة [فالسراية] 3 لا تكون مضمونة.
والصحيح الوجه الأول، فإن الجراحة وقعت مضمونة أولاً، فكانت سرايتها المقدّرة مضمونة لو وقعت، ثم جرى العفو مقتصراً على الضمان الذي اقتضاه الجرح، فلا يتعداه.
وهذا إذا قال العافي: عفوت عن موجب الجناية، واقتصر عليه، فأما إذا قال: عفوت عن هذه الجناية، وعما يحدث [منها] 4، ثم جرت السراية بعد هذا، ووقفت دون الزهوق، فإن قلنا: ضمان السراية يسقط بالعفو عن الجرح، فلا إشكال في سقوط الضمان هاهنا، وإن قلنا العفو عن الجرح لا يتضمن سقوط ضمان السراية، فإذا صرح العافي بإسقاط ضمانها قبل وقوعها، كان [إبراء] 5 عما لم يجب، ولكن وجد سببُ وجوبه، وفي ذلك قولان معروفان، سبق ذكرهما.
هذا كله فيه إذا جرى العفو ولا سراية، أو جرت سراية ووقفت دون النفس.
10555 - فأما إذا قال المجني عليه: عفوت عن الجرح عقلاً وقوداً، ولم يتعرض للسراية، ثم سرت الجراحة وأدت إلى زهوق الروح، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنه لا يجب القصاص على الجاني في نفسه، ويصير العفو عن الجرح قبل السريان شبهة في إسقاط القصاص، وقال أبو الطيب بنُ سلمة: من أصحابنا من يُلزمه القودَ في النفس؛ فإنه لم يتعرض لإسقاط ضمان السراية [في الروح] 6 وقد زَهَقت بالسراية، فلئن سقط
القصاص في الطرف بالإبراء، فهو بمثابة سقوط القصاص بالاستيفاء.
ولو قطع رجل يد رجل، فقطع المجني عليه يد الجاني قصاصاً، ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه، فالقصاص يجب في نفس الجاني، وإن وقعت السراية بعد سقوط القصاص عن الطرف بطريق الاستيفاء.
والاستشهادُ الذي ذكره بعيد؛ فإن المقتص مستوفٍ، والاستيفاء لا يمنع الاستيفاء، والعافي مسقط حقَّه في أصل الجناية، فقد نهض ذلك شبهةً في سقوط ما سقط بالشبهة.
هذا قولنا في ضمان القصاص.
10556 - أما ضمان المال، فالعافي 1 لا يخلو إما إن كان قال: عفوت عن موجب الجناية، ولم يتعرض لغيره، فالكلام يقع -وقد مات العافي- في شيئين: أحدهما - في أرش اليد.
والثاني -[في] 2 ضمان السراية.
فأما أرش اليد، فسقوطه وإن صرح بإسقاطه يخرّج على أصلٍ قدمناه في كتاب الوصايا، وهو أن الوصية [لا تصح] 3 للقاتل، فالأرش واجب على الجاني، فإن قلنا: تصح الوصية له، فالعفو عن أرش اليد المقطوعة وصيةٌ معتبرة من الثلث، فتأمله وافياً أو غير وافٍ.
[هذا] 4 إن قلنا: أرش الجناية لا يسقط.
فإن قلنا: أرش الجناية يسقط، فقد ذكرنا في ضمان السراية إذا ترامت [إلى ما] 5 دون النفس أن المذهب أنه يجب، وحكينا وجهاً بعيداً في سقوطه.
قال الأئمة: الوجه البعيد لا يخرّج في ضمان السراية، وقد أدى إلى الهلاك؛ فإن تصرف
[العافي] 1 يضعف إذا هلك فيما صرح بإسقاطه، فما الظن بما لم يتعرض له؟ وإنما صار إلى ذلك الوجه صائرون، إذا وقعت السراية، هكذا ذكر من يعتمد، ومسلك الاحتمال لا ينقطع.
والذي ذكرناه فيه إذا قال: عفوت عن موجب الجراحة، ولم يتعرض للسراية.
10557 - فأما إذا قال: عفوت عن موجب الجناية، وعما يحدث [منها] 2، ثم سرت الجراحة إلى النفس، فيتصدى للتفريع [في] 3 الأرش وضمان السراية أصلان: اْحدهما- اختلاف القول في الوصية للقاتل.
والثاني - الاختلاف في أن الإبراء عما لم يجب ولكن وجد سبب وجوبه هل يصح أم لا؟ [أما قولا الوصية، فلا بُدّ منهما] 4 في الأروش وضمان السراية، وأما ضمان السراية، فيختص به الكلام في أن الإبراء قبل الوجوب هل يصح إذا وجد سبب الوجود؟
وينتظم من التفريع على هذين الأصلين في الأرش [والسراية] 5 أقوال: فإن قلنا: لا تصحّ الوصية للقاتل، فلا حاجة إلى التمسك بأصلٍ آخر، وهذا كافٍ في إيجاب الدية الكاملة، وإن قلنا: تصح الوصية للقاتل [ولا يصح] 6 الإبراء، [فيترتب] 7 على هذا المسلك أن الأرش يسقط، ولا يسقط ضمان السراية 8، فإذا كانت المسألة مفروضة في قطع [يدٍ] 9 وقد سرى القطع، فيخرج أقوال: أحدها- لا يسقط ضمان السراية، والقول الثاني - يسقط الجميع على شرط وفاء الثلث 10.