نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 265-289
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب القَسْمِ والنشوز

صفحات 265-289
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وإنما وقع لهذا المصنف هذا من قول الأصحاب: إنه إذا قصد الإقامة، لزمه القضاء من هذا الوقت؛ فظن أن قصد الرجوع في قطع الإقامة كقصد الإقامة في قطع السفر، وهذا ظاهر السقوط، ولا مصدر له عن فكرٍ؛ فإنَّ الإقامة تحصل بمجرد القصد، كما تحصل [القِنية] 1 في البضائع لمحض النية، ولا تنقطع الإقامة إلاَّ بفعل السفر، كما لا ينعقد حول التجارة إلا بإنشاء عقد التجارة، فليس هذا إذاً معدوداً من المذهب.
وقد ذكر العراقيون اختلافاً للأصحاب على مناقضة هذا، فقالوا: إذا سافر الرجل ببعض نسائه عازماً على الانتقال إلى البقعة المقصودة، فهذا ظلم منه، وإذا انتهى إلى البقعة [المأمومة] 2، فالأيام التي تتفق الإقامة فيها 3 بها مقضية، والأيام [التي] 4 قطع [فيها] 5 المسافة من الوطن إلى البقعة، فعلى وجهين: أحدهما - أنها لا تُقضى؛ فإنها أيام سفر، والمسألة مفروضة في الإقراع واتباع خروج القرعة لا محالة.
والثاني - أن تلك الأيام مقضية؛ فإنها قصدُ ظلم، فكانت في معنى الظلم، وهذا [أوجه] 6، والوجه الأول مزيف، وليكن ميل الفقيه في الباب إلى القضاء، مهما وجد فيه مستمسكاً.
8658 - وإذا أقام في البقعة التي قصدها، وثبت له حكم الإقامة، وانقطعت رخص المسافرين، ثم إنه أنشأ سفراً من تلك البقعة قُدُماً، وهو مُستدبر وطنَه مثلاً، فإن قلنا: أيام رجوعه إلى الوطن مقضية- فهذه الأيام مقضية، وإن قلنا: أيام الرجوع

لا تُقضى، فالحال ينقسم في تقدمه بالسفر، فإن بدا له هذا السفر الآن، ولم يكن [عازماً] 1 عليه في خروجه الأول، فهذه الأيام مقضية؛ فإنه أنشأ السفر عن إقامةٍ، وما كان عزم عليه قبلُ.
وإن كان نوى أن يمتد إلى بغداد، فأقام بالرَّي الإقامة التي وصفناها، ثم استتم سفرته إلى بغداد؛ فهذا فيه احتمالٌ، على قولنا: أيامُ الرجوع غيرُ مقضية، والأوجه هاهنا: وجوب القضاء.
ويجوز أن نَفْصل بين أن يقطع نيةَ السفر، ثم تبدو له فيعود، وبين أن يكون مستديماً لنية السفر الأقصى، ولكن نوى إقامة أيامٍ في بقعة، فتنتظم أوجه، وجهان عامَّان في النفي والإثبات، ووجه مُفَصَّل، كما نبهنا عليه.
ولو نوى مُقام المسافرين، فهو مسافر، لا يتغير من الحكم الذي ذكرناه في القسم شيء.
8659 - وذكر العراقيون أنه إذا سافر ببعض نسائه سفراً قصيراً، فيلزمه القضاء، وزعموا أن القضاء إنما يسقط في السفر الطويل عند فرض القرعة المسقطة للاختيار، وكأنهم عدُّوا سقوط القضاء في مقابلة المشقة التامة.
وكان شيخي يتردد في هذا ويقول: من الرخص ما يتعلق بالسفر القصير والطويل وفاقاً، أو على قولٍ، وأحراها بالذكر الجمع بين الصلاتين تقديماً وتأخيراً.
والوجه عندي: القطع بما ذكره العراقيون 2؛ فإنَّ ما نحن فيه يضاهي إسقاط العبادات، أو تخلية الأوقات منها.
وهذا الفن لا يثبت إلا في السفر الطويل، والله أعلم.
فهذه المسائل أطلقها الأصحاب وما أحوجَها إلى رباط يحويها.

8660 - وقد أجرى الأصحاب في صدر الباب النُّقلة، وهذا قد يخيِّل أن إقامة أيام وإن جرى العزم عليها لا توجب القضاء، ثم صرحوا بأنه لو أقام أربعة أيام على قصد وعزم- فهذه الأيام مقضية.
وكل ما [ذكروه] 1 صحيح.
والضبط فيه أنَّ سفر النُّقلة ببعض النساء محرَّم، يعني تخصيصَ المخرَجة.
والسفرُ إذا لم يكن سفرَ نُقلة، وكانت الحاجة تَمَسُّ إلى إقامة أيام بالقصد، فهذا النوع من السفر مما يسوغ فيه تخصيص بعض النسوة بالقرعة، وليس كسفر النقلة، ويجب قضاء أيام الإقامة؛ لمكان التودّع 2 وزوال المشقة.
وإن كان السفر عرياً عن قصد النقلة، ولم تكن [فيه] 3 إقامة تزيد على مدة المسافرين؛ فيجوز الخروج ببعض النسوة بالقرعة ولا يلزمه القضاء.
8661 - فالأسفار إذن على ثلاث مراتب.
[المرتبة الأولى:] 4 سفر النقلة، وهذا هو الذي لا يجوز الخروج فيه ببعض النسوة؛ فإنه لا يتصور أنْ يجمع من يقصد الانتقال بين قصد الانتقال وقصد القضاء، فيجرد قصدَه ظلماً، فكان مقصودُه محرماً.
والمرتبة الثانية: سفرةٌ 5 فيها تودّع يُسقط رخص المسافرين، فالخروج ببعض النسوة على شرط تحكيم القرعة جائز، ثم أيام الإقامة إذا انقضت مقضيةٌ؛ لما فيها من التودّع.
والمرتبة الثالثة -[هي] 6 سفرة طويلة لا [يتخللها] 7 ولا يتصل بمنتهاها،

[إقامة] 1 في أيام تزيد على مدة إقامة المسافرين، فيجوز تخصيص بعض النسوة [بالإقراع] 2، والقضاءُ منتفٍ في جميع الأيام، فإنَّ حكم السفر مطرد فيها.
8662 - ثم ننعطف ونقول: إذا خرج بالبعض وقصدُه النقلة، وأقرع، فعلى أيام خروجه إلى الانتهاء إلى المقصد خلاف، ذكره العراقيون وإذا كان على قصد إقامة أيام في منتهى السفر مثلاً، فأيام خروجه إلى الانتهاء إلى المقصد غيرُ مقضية بلا خلاف.
وأما المرتبة الثالثة، فلا كلام فيه؛ فإنَّ جُملة الأيام عرية عن التودّع، وفيها دقيقة لطيفة، وهي: أنَّ المسافر [إن] 3 كان لا يقيم بمقصده إلاَّ يوماً واحداً؛ فإنه لا يقصر في المقصد ولا يفطر؛ إذ لو عُدَّ ذلك منزلاً، لكانت مرحلة واحدة كافية؛ لأجل أنها إذا حسبت ذهاباً ومجيئاً، صارت مرحلتين، [فإنا نميز] 4 الرخصة في السفر من غرض القَسْم؛ فإنَّا لا نوجب القضاء إذا لم يُقم في مقصده، وإن كان لا يقصر، لأن [مبنى] 5 هذا الباب على زوال التودّع، ومبنى الرخص على انتهاء السفر، والرجوع ابتداءٌ آخر.
والذي يقتضيه هذا القياس أنَّ السفر إذا كان مرحلة واحدة، فيجب أن يكون في إسقاط القضاء [كمرحلتين] 6 في التقصير 7، فإنَّ مدة الكون في خاصية الباب في منتهى السفر كالإقامة في مرحلة من المراحل، وهذا لطيفٌ حسن، والاحتمال مع ذلك قائم.
8663 - ومما بقي في الفصل: الكلام في أيام الرجوع، فنبدأ بالمرتبة الثالثة، ونقول: أيام الرجوع في السفرة التي لا تودّع فيها كأيام الذهاب، وأيام الرجوع من

السفرة المبنية على قصد النقلة على وجهين، والأصح فيها: القطع بوجوب القضاء؛ فإنه لم يجر إقراع له حكمٌ في ابتداء الأمر، ولست أرى لنفي القضاء وجهاً، ولكنه مشهور.
فأما أيام الرجوع من المقصد الذي أجرى فيه قصدَ الإقامة لا قصدَ الاستيطان، ففيه وجهان: أصحهما - أنَّا لا نقضي؛ فإنَّ السفرة جائزة بسبب القرعة، وإذا اطَّرد الجواز؛ فلا يُستثنى من سقوط القضاء إلاَّ أيام التودع.
8664 - ومما يعترض في الباب أنَّ المسافر إذا قصد بقعة ولم يُزمع الإقامة في مدة، ولكن ربط أمره بانتجاز حاجة، فالقول في أنه هل يترخص إذا زادت إقامتُه على مدة المسافرين مذكور في الصلاة.
فإن أدمنا الرُّخَصَ، فالأيام غير مقضية، وإن أسقطناها وألحقناه بالمقيم؛ فالقول فيه كالقول في إبرام العزم على الإقامة أربعة أيام، فإن قيل: لا تودّع بمن يبرم عزمه [على الرحيل بانتجاز حاجته] 1، قلنا: أُلحق هذا الشخص بالمتودّع [بدليل] 2 سقوط الرخص.
8665 - ومما يجري ركناً في الباب أنه لو خرج بواحدة من غير قرعة، فإذا آب، قضى للمخلفات إجماعاً، وينضم إلى وجوب القضاء عصيانُه بالخروج بالتي اختارها؛ فإنه أظهر الميل إليها، فاقتضى ذلك تعصيتَه وإلزامَه بالقضاء، فلا نظر -مع ما ذكرناه- إلى مقاساتها المشقة.
8666 - ولم يختلف العلماء في أنه إذا أقام عند واحدة من نسائه في الحضر ليمرضها، فهذه الأيام مقضيةٌ للأخريات، فإن ماتت المريضة، خرجت من البين 3، ولم يظهر أثرُ وجوبِ القضاء في حق الباقيات، فالوجه أنْ نقدر كأنَّ التي

ماتت لم تكن.
وإن استبلّت وبرئت، قضى تلك الأيام [للباقيات] 1؛ فإنَّ قيامه بتمريضها يقع [محضاً] 2 لها، وليس كذلك الخروج ببعضهن سفراً؛ فإنها وإن حظيت من وجه، شقيت من وجه.
ثم لا يجوز للرجل أن يقوم بالتمريض ويقطع النُّوبَ إلاَّ عند حاجة.
وقد رأيت في هذا تردداً للأئمة، فالذي ظهر من كلام المعظم أنَّا نشترط أن يكون المرض مخوفاً، وأشار مشيرون إلى أنَّ الحاجة الحاقّة كافية، حتى إذا عظمت الآلام -وإن لم تبلغ مبلغ الإخافة [ولم] 3 تجد ممرضاً- فللزوج أن يقوم بتمريضها.
وإذا كان المرض مخوفاً، ووجدت المرأةُ من يقوم بتمريضها ففي جواز قيام الزوج بتمريضها تردد.
وحاصل المذهب أنَّ المرض إذا اشتدَّ ألمُه، [ولم تجد] 4 المرأة غيرَ الزوج، فللزوج تركُ النوب لتمريضها، [وإن وجدت] 5 غيرَه، فعلى التردد.
وللزوج القيام بتمريضها في المرض المخوف إذا لم تجد من يقوم مقامه، فإن وجدت، فعلى التردد.
وقد نجز مضمون الباب تأصيلاً وتفصيلاً، ونحن نذكر على إثر ذلك فروعاً مرتّبة المآخذ .. فرع: 8667 - إذا سافر بواحدة بالقرعة -حيث يسقط القضاء- فلو تزوج بجديدة في خلال الطريق، فإنه يخصها بحق العقد ثلاثاًً أو سبعاً، ثم يَقْسِمُ بينها وبين التي سافر بها، فلو أراد أن يخلّف إحداهما ببلد، لم يجز إلا بالقرعة، وإذا فعل ذلك بالقرعة، فالتفصيل على ما قدمناه.

ولو خرج بامرأتين بالقرعة، جاز، فلو بدا له أن يخلِّف إحداهما ببلد، لم يجز إلاَّ بالقرعة.
ولو ظلم إحداهما في الطريق لصاحبتها، قضاها في الطريق، فإن لم يتفق القضاء حتى رجع، قضى للمظلومة من حق [التي] 1 ظلمها بها دون حق صاحبتها المتخلفتين.
ولو خرج منفرداً، ثم تزوج في الطريق، لم يلزمه أن يقضي للمخلَّفات [كل الأيام] 2 التي صحب فيها المُتَزَوَّجَةَ في السفر؛ لأنه خرج ولا حقَّ لهن، ثم تزوج في السفر، ولا يتصور عليه القَسْم بينهن، وإنما يجب الإقراع في اللواتي يجتمعن تحته حالة السفر، فإذا كان الإقراع يُسقط حق المتخلفات، فابتداء [الزواج] 3 بذلك أولى.
فرع: 8668 - إذا كان تحته زوجتان، فنكح جديدتين، فقد ثبت لهما حق العقد، فلو أراد سفراً وأقرع، فخرجت القرعة على إحدى الجديدتين، فإذا سافر [بها] 4، فلا شك أن أيامها تندرج تحت صحبة السفر، إذا كان يصحبها.
فإذا عاد، فهل يلزمه أن يوفي الجديدةَ الأخرى حقَّ العقد -إذا لم يكن وفاها من قبل؟ والمسألة فيه إذا زُفَّت إليه، فلم يُقم عندها؟ اختلف أصحابنا في المسألة فيما نقله العراقيون، فمنهم من قال: لا يوفيها حق العقد؛ فإنَّ أيام حق العقد قد انقضت في سفره، كما انقضت نُوبُ القديمتين، ثم لا يجب قضاءُ نوب القديمتين، فلا يجب تدارك حق العقد.
ْومن أئمتنا من قال: يجب أن يوفيها حقَّ العقد، ولا يقاس حقُّ العقد في ذلك بالقَسْم، وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي؛ والسبب فيه أن معنى التوحش قائم، وحق القَسْم قد يسقط بأسباب، وهو يجب شيئاً شيئاً، فإذا كان الرجل مسافراً على

شرط الشرع، فلا يجب للمخلَّفات حقُّ القَسْم.
وحق العقد يجب دفعةً واحدة، لا على قياس القسم؛ فإنَّ القسم [للتسوية] 1، وحق العقد حق مستَحقٌّ في الذمة، فلابد من الوفاء به.
وعندنا أنَّ ما ذكروه في المزفوفة.
فأمَّا التي لم يزفها بعدُ إذا أدخلها في القرعة، ولم تخرج القرعة عليها، فإذا عاد وزفها؛ فيجب القطع بأن حقها -والحالة هذه- قائم.
ولو نكح جديدةً وزفها على قديمة، وخرج مسافراً، ولم يستصحب واحدة منهما، فإذا عاد، فالذي أراه أنه يلزمه أن يوفي المزفوفةَ حق العقد هاهنا، فإن مضت أيام في السفر غيرُ محسوبة عليه، وفي المسألة احتمال على حال، والعلم عند الله تعالى.
...

باب نشوز المرأة على الرجل

8669 - للمطيعة المنقادة النفقةُ والقَسْمُ على زوجها.
والناشزة هي الممتنعة من التمكين، والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34].
وقد ذكر الشافعي [للآية] 1 تأويلين: أحدهما - أنَّ هذه الخصال مرتبة على أحوالٍ تصدر منها، فإن خاف الزوج نشوزَها، ولم يبدُ بعدُ عينُ النشوز، بل بدت أماراته، [فيعظها] 2 حينئذٍ.
فإن لم تتعظ وأبدت النشوز، هجرها في المضجع، فإن أصرت وتمادت ولم تحتفل بالهجر في المضجع، ضرَبَها، واقتصد، عالماً بأنه لو أفضى الضربُ إلى الهلاك، أو إلى فساد عضو، ضمن.
وقد يرد لفظُ الجمع والمراد به ذكْرُ المراتب، والتخييرُ فيها على حسب وقوعها، قال الله تعالى في آية المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، فاللفظ للتخيير، والمراد به الترتيب على قدر الجرائم، هذا أحد التأويلين.
والثاني - أن [يحصر] 3 معنى الآية فيما بعد وقوع النشوز، وعند ذلك يجمع بين الوعظ والهجر والضرب، فإذا أمكن حمل هذه الخصال على الجمع -وظاهر الصيغة مُشعرٌ بالجمع-، فالأولى أن يحمل على ذلك، فعلى هذا معنى قوله: تخافون، أي: تعلمون النشوز.
وقد يرد الخوف والمراد به العلم.

8670 - واختلفت الأخبارُ في ضرب النساء، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تضربوا إماء الله" 1 فجاء عمر وقال: "يا رسول الله [ذَئِر] 2 النساء أي [نشزن] 3 واجترأن، فأذِن في ضربهن، فبسط الرجال أيديهم إلى ضرب النساء، وجاوزوا الحد، فأطاف بآل محمد أي: بحُجَرِ نسائه وأهل بيته صلى الله عليه وسلم نساءٌ كثيرات كلهن يشتكين أزواجهن، فخرج صلى الله عليه وسلم وقال: لقد أطافَ الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلُّهن يشتكين أزواجهن!! خيارُكم خيارُكم لنسائكم، لا يضربن أحدُكم ظعينتَهُ ضربه أَمَته" 4. ثم تكلم الشافعي في ترتيب الكتاب والسنة، فذكر وجهين: أحدهما - أنه يحتمل أن تكون الآية وردت بإباحة الضرب، ثم نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه تنزيهاً، ثم لمَّا استطالت النسوة [بأذاهن] 5 على الأزواج أذنَ في ضربهن، فلما بالغوا، قال آخراً: خياركم خياركم لنسائكم، واستحث على الصبر على أذاهن والإعراض عن مجازاتهن على شكاسة الأخلاق وشراستهن، وهذا [لعمري] 6 هو الأصل.

8671 - فإذا تبيَّن أصل الباب، فَسِرُّه وأهمُّ ما فيه: تصوير النشوز، ونحن نذكر فيه ما يشفي الغليل -إن شاء الله عز وجل-، ثم نذكر طرفاً من الكلام في ضربهن، ثم نذكر حكم النشوز.
8672 - فنقول أولاً: لسنا نشترط في النشوز أن تمتنع المرأةُ امتناعاًً لا يدخل في إمكان الزوج ردُّها إلى الطاعة قهراً، بل إذا نشزت وتمكن الزوج من ردها، فهي ناشزة، هذا طرف أطلقناه، ويعارضه أنها لو كانت تمتنع امتناعاً يمكن عده من فنون التدلل والمجاذبة لتكون أشهى، فليس هذا من النشوز، وليس من شرط طاعتها المبادرةُ التي تُخرج من [خَفَر] 1 الحياء إلى تشوُّف التوقان، فما المعتبر إذن في تصوير النشوز؟ فنقول: إن خرجت عن مسكنه، فهي ناشزة على تحقيق، وإن استمكن من ردها.
وإن كانت معه، ولكن كانت تمتنع على الزوج امتناعاً يحوجه إلى تأديبها، فقد يتعرض الرجل بسبب امتناعها لضررٍ؛ بسبب تخلف قضاء النَّهْمة والشهوة، فهذا نشوز؛ فإنَّ النشوز ضدُّ الطاعة.
والطاعة معلومة في المنقادة على حسب العادة، وقد تختلف بالبكارة والثيابة، وعلو المنصب، والتوسط في الدرجة، وهذا على تصوير لزوم المرأة أُبهة الحياء، والامتناع هو الذي يلحق إضراراً بالرجل بسبب تأخر الحاجة، أو يحوجه إلى أن ينتصب مؤدِّباً، والنكاح للإيناس والاستئناس، والذي يحقق ذلك: أن الطاعة تمكينٌ منها، وهي تستفيد به تقرير حقها، فإذا احتاج الزوج في تحصيله إلى تضرر أو مقاساة [كُلفة] 2، فله أن يتركها حتى يضيع حقها.
8673 - والترتيب في ذلك أنها إذا خرجت من مسكن النكاح، فهي ناشزة كيف فرض الأمر، وإن لم تخرج وعُدّت مطيعةً، والزوج لا يحتاج في تحصيل الغرض منها إلى مقاساة كلفة، أو تعرض لضرر أو إقدام على ضرب؛ فهي مطيعة.
وإن كان

يحتاج إلى كُلفة أو ضرب أو تعرض لضرر، فهي ناشز.
ولو كانت تمكن من الوقاع، وتمنع مما عداه من جهات الاستمتاع، فكيف السبيل وهي ممكِّنةٌ من المقصود؟ فهذا نوع من النشوز، وأقرب أصلٍ إلى ذلك ما ذكرناه في الأَمَة، إذا كان السيد يسلمها ليلاً ولا يسلمها نهاراً، فذاك أولاً سائغ للسيد.
ثم في وجوب النفقة خلاف، وما ذكرناه في الحرة غير سائغٍ لها، وهي مُمكَّنةٌ 1 من المقصود، ففي استقرار النفقة تردد، ولكنها مجبرة على ما يحاوله الزوج منها إذا كان لا يكلفها ما لا يسوغ.
فهذا قولنا في تصوير النشوز.
8674 - وليس من النشوز أن تبذو 2 على زوجها، وتستطيل عليه سبَّاً وشتماً، فإنها إذا كانت تُمكِّن مع ذلك، فالتمكين [جارٍ] 3 ولا نشوز، وهي ممنوعة عن المسابّة مزجورة عنه، وإنْ أفضى الأمر إلى التعزير عُزِّرت، وفيه فضل نظر أذكره في فصل الضرب.
8675 - فأما القول في الضرب؛ فالأولى ألاَّ يضرب، وليس كالولي في حق الطفل [العرِم] 4، فإنَّا نؤثر له أن يؤدبه، والفرق أنَّ الولي يؤدبه لاستصلاحه، والزوج يؤدب زوجته لتصلح له، والضرب ليس فيه توقيف، والجبلاَّت تختلف باختلاف الأحوال في احتمال الضرب، فالأولى ألاّ يتعرض للضرب المفضي إلى الغرر لحظّ نفسه [ففيه] 5 الحيدُ عن الصفح وحُسن المعاشرة.

وإذا أراد الضربَ، ففي وقته تردد، ذكر العراقيون وجهين في أنَّ الزوج هل يُبادر الضرب بأول نشوز، أم لا يجوز له الضرب حتى يستمر أو يتكرر منها النشوز؟ [وتلقَّوْا] 1 ما حكَوْه من الاختلاف عن ظاهر القرآن؛ فإنَّه عز من قائل قدم ذكرَ الوعظ، ثم عقّبه بالهجر، ئم اختتم بالضرب، فنبّه سياقُ الخطاب على رعاية تدريج، ثم ظاهر كلامهم -[في] 2 هذا إذا نصروا المنع من الهجوم على الضرب- يشير إلى أنَّ الضرب يقع في الثالثة، [فإنهم] 3 لما نصروا الوجه الثاني رأَوْا هذه الخصال مجموعة كما 4 ظهر النشوز.
8676 - وتحقيقُ القول في هذا يعطف الفقيه على النظر في حال من يقصد الإنسان في بدنه أو ماله، فإنَّ الدفْعَ يقع على التدريج، على ما سيأتي مشروحاً -إن شاء الله تعالى- حتى إذا كان الدفع ممكناً بتهييبٍ وزجرٍ في المنطق، لم يجُز الانتهاء إلى الفعل، ثم الأفعال تترتب على أقدار الحاجة، والقول في ذلك متيسرٌ سنضبطه في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
ويجوز أن يقول القائل: المنع من النشوز يجري على ترتيبِ دفع الصائل في رعاية التدريج، [ونهايته] 5 في أنَّ الصائل لا يُدْفع إلا بما يأتي عليه، فيجوز دفعه إلى ما يُفضي إلى هلاكه، وهذا المعنى لا يتحقق هاهنا، فانَّ [للتأديب] 6 موقفاً من طريق التقريب، لا يُتعدّى، كما سنصفه، إن شاء الله تعالى.
ويجوز أن يقال: ليس ضربُ الناشزة في معنى الدفع، وإنما هو في معنى إصلاحها في مستقبل الزمان.
وإذا كانت تنزجر في كل نوبة من النشوز، نقول: فقد تعتاد ذلك؛ فلا يمتنع أن يقال: إذا نشزت وظن الزوج أنَّ الوعظ يصلحها والهجرَ،

فيقتصر.
وإن ظن أنها ستمرن 1 وسيفسد حقه منها، فيضربها لتصلح له في المستقبل، وهذا هو الحق لا غير، وعليه يجري تأديب الأب ابنه، غيرَ أن الأب يصلحه له، والزوج يصلحها لنفسه.
8677 - ثم المتبع في ذلك الظن، فإن ظهر للزوج سوء خلقها بنشوزٍ واحدٍ، ضربها، وإن قدر النشوز الواحد نادرة، لم يضربها، ويختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص، ولا نطلب في ذلك يقيناً، ولا يجوز الإقدام على الضرب من غير ظن في أنَّ الاستصلاح يحصل به.
وإنْ أبت المرأةُ وتمادت؛ وكانت لا تنكفّ [إلا] 2 بالضرب المبرِّح، فليس للزوج أن يبرِّح بها، وينتهي إلى حالة توقع الخوفَ عليها؛ فإنَّ الغرض إصلاحُها، فإذا ظن أنها لا تصلح فَضَرَبَها، كان ذلك [حَنَقاً] 3 وشفاءَ غليل، وهو غير مسوّغ، هذا هو السر المتبع، ولو أفضى الضرب إلى الهلاك، وجب الضمان، وإنْ أفضى إلى نقيصةٍ ثبتت لمثلها حكومة، فعلى الزوج أن يضمنه.
وإن جرَّ الضرب شيئاً، ثم زال نوجب على الجاني 4 في مثل ذلك شيئاً على وجهٍ بعيد، والوجه هاهنا: القطع بأنه لا يجب على الزوج شيء.
فإن قيل ضرب الزوج إذا أفضى إلى نقيصة، فالبعض من هذا لو اقتصر عليه، لما كان موجِباً ضماناً، فهلاَّ جعلتم النقيصة بمثابة أثر يترتب على مستحِق وغير مستحِق؟ قلنا: إذا جاوزَ الزوجُ الحد، أَخرجَ بآخر فِعْلِه أوّلَه عن كونه إصلاحاً، فصار جميع ما صدر منه جناية، وسنصف هذا في أبواب التعزيرات من كتاب الحدود، إن شاء الله عز وجل.

8678 - ومما أطلقه الأئمة ونطق به القرآن الهجرُ، وكان شيخي يهجرها في المضجع، ولا يترك [مناطقَتَها] 1 وراء ثلاث ليال؛ فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
وهذا فيه نظر عندنا؛ فلو رأى استصلاحها في مهاجرتها في المنطق، فلست أرى ذلك ممنوعاً، وهو أهون من الضرب.
والذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو تَهَاجُر الأخوين من غير سبب يقتضيه في الشرع.
هذا بيان الهجر والضرب.
8679 - [ويتصل] 2 به أنها إذا كانت تؤذيه في المنطق ولا تمتنع عليه، فهل له أن يؤذيها، أو يرفعها إلى السلطان؟ فيه ترددٌ بين الأصحاب، قال قائلون: هي فيما تأتي به وراء التمكين من موجبات التعزير، كالأجنبية، كما أنها في منعها حق الزوج من مال أو غيره مما يتعلق بحقوق الزوجية كالأجنبية.
وقال قائلون: يؤذيها الزوج على استطالتها، وبذاءة لسانها؛ فإنها وإن كانت ممكِّنةً مع ذلك، فهذا ينكِّد المعاشرة، ويكدّر الاستمتاع، ولسنا ننكر تعلقه بما يوجب استصلاحَ الزوجة في الحقوق الخاصة في النكاح.
فأما الحكم في سقوط النفقة، ففيه 3 تفاصيل تتعلق بكتاب النفقات.
...

باب الحكمين في الشقاق بين الزوجين

8680 - الأحوال الدائرة في هذه الفنون بين الزوجين تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها - أن يصدر العدوان من الرجل في إيذائها والإضرار بها، فإذا تحقق ذلك منه، منعناه من الإضرار، واستوفينا منه ما يمتنع عنه من الحقوق، وإن كان جسوراً لم نأمن أن يضربها ضرباً مبرِّحاً، وقد يفضي ذلك إلى هلاكها، فنحول بينها وبينه؛ فإنَّا إنْ ضربناه لضَرْبه إياها تعزيراً، فقد يضم لذلك [حنقاً] 1 ويبلغ منها مبلغاً لا يستدرك.
ثم إذا استشعر الوالي ذلك وضَربَ الحيلولة، لم يردّها إليه حتى تلين عريكتُه، وتظهر عاطفته، وذلك لا يتبين بقوله، وإنما يتضح بأن يُختبرَ ويوكلَ به في السر من يبحث عن مكنون ضميره فيها، فإذا غلب على الظن أنه مأمون في حقها رُدَّت إليه، وهذا يُضاهي البحثَ عن الإعسار وغيره من الأمور الباطنة المتعلقة بالنفي، ويتصل به استبراؤنا الفاسقَ إذا تاب.
وإن لم يتحقق إيذاؤه إياها، بل ظننا ذلك ظناً، فالوجه أن يأمر الحاكم من يراقبهما في السر والعلن، ولا يشترط أن يتحقق ذلك، ولا يضرب القاضي حيلولة بينهما بمجرد الظن إذا لم تبدر منه بادرة، فإذا بدرت، فقد يديم الحيلولة إلى ظهور الظن بالأمر، وإذا تحققنا الإضرار بها، فليس إلاَّ الحيلولة، فأما إلزام الطلاق، فلا.
8681 - وإن تحقق العدوان منها، فهو النشوز، وقد مضى فيه باب، وإن توهمنا نشوزاً، فلا يدَ للقاضي، ويدُ الزوجِ متسلطة عليها، فإن بلغ الأمرُ مبلغاً يُعجز الزوجَ، استعان بالسلطان.

8682 - وإن نشبت خصومة بين الزوجين، وأشكل الأمر، فلم ندر من 1 الظالم منهما؟ وكان الزوج لا يصفح، والمرأة لا تفتدي، واشتبه حال الزوجين، فهذا موضع بعثة الحكمين، فيبعث الإمامُ حكمين عدلين حَكَماً من أهله، وحَكَماً من أهلها، حتى يخلوَ كل واحد من الحَكَمين بصاحبه، فيستطلعَ رأيه، ويعرفَ مكنونَ غرضه، ورغبته في صاحبه أو عنه، ثم [يلتقيان] 2، ويُثبتُ كلُّ واحد ما عنده؛ وإنما استحببنا أن يكونا من الأهلين؛ لأن انبساطهم أكثر، واطلاعهم على حقائق الأمور أمكن.
فهذا تصوير بعثة الحكمين.
والأصل في الباب نص الكتاب لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]، [وفي الآية] 3 وجهان من التأويل.
قيل: معناه إن [يُرد] 4 الزوجان إصلاحاً، يوفق الله بينهما.
وقيل: معناه إن يُرد الحكمان إصلاحاً وجرَّدا قصدَهما في ذلك يوفق الله بين 5 الزوجين ببركةِ قصدِهما.
وهذا ما فهمه عمرُ من الآية 6، فروي أنه بعث حكمين فرجعا، وقالا: لم يتم الأمر بينهما، فَعَلاَهُمَا بالدِّرةِ وقال: "الله أصدقُ منكما، لو أردتما إصلاحاًً، لوفَّق الله"، فرجعا واعتقدا إصلاحاً، فلما بلغا مكانهما، كانا قد أغلقا الباب [وتلاوما] 7 واصطلحا 8. 8683 - ثم [إن] 9 اتفق التئام الحال واصطلاح الزوجين، فذاك.

وإن [رأيا] 1 الحال بينهما [أبعد] 2 عن قبول الصلاح ورأيا الخصومة [ناشبة] 3 لا تنفصل، وظنا أن الوجهَ التفريق [بينهما] 4، فهل ينفذ الفراق بينهما إذا رأياه؟ للشافعي قولان في أن التحكيم من الولي [تولية] 5 أو هو توكيل من الزوجين، أحد القولين- أنهما وكيلان لا ينفذان أمراً إلا [برضا] 6 الزوجين، فالذي هو من جانب الزوج وكيله لا يطلِّق ولا يخالع ولا [يثبت أمراً بغير] 7 إذن الزوج، والذي من جانب المرأة لا يختلع عن المرأة بشيء من مالها إلا بإذنها.
وهذا [أحد] 8 القولين، وهو اختيار المزني، ووجهه أن الطلاق للرجال، ولا يتعلق به تصرف [متبرع] 9 دون الزوج، إلا في حق المولَّى كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وهو في حكم [المستثنى] 10 المخصوص الذي لا يقاس عليه، هذا في جانب الطلاق.
أما بذل مالها من غير [إذنها] 11 [بطلقة] 12 فعلى نهاية البعد عن قاعدة القياس.
8684 - ومن قال بالقول الثاني قال: للحكمين أن يفرقا [إن] 13 رأيا التفريق،

وهو الذي نصّ عليه في أحكام القرآن 1، واحتج بأن الله تعالى سماهما [في كتابه] 2 حكمين، والحكم هو الذي يحكم وينفذ ما يراه قهراً، ووكيلا الزوجين لا يسميان [حكمين] 3. فإن قيل: قيَّد اللهُ تنفيذَ الأمرِ بإرادتهما، قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: 35]، قلنا: إن حملناها على الحكمين، سقط السؤال، وإن حملنا قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا﴾ على الزوجين فالمعنى: إن [لاحت] 4 إرادةُ الصلاح مِن الزوجين، وفّق الله 5 بينهما.
وعن علي أنه بعث الحكمين بين [الزوجين] 6 وقال: "أتدريان ما عليكما، ما عليكما إن رأيتما أنْ تُفَرِّقا أَنْ تُفرقا، وإن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا [قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي] 7، فقال الزوج: أمَّا الطلاق فلا، فقال عليٌّ: كذبت حتى تقر [بما أقرّت به] 8 " 9. ووجه التعلق بقول علي: أتدريان ...

الحديث، [أنه] 1 فوض الفراق إلى [رأي الحكمين] 2 ولما قال الزوج: أمَّا الطلاق فلا، رد عليٌّ عليه وقال: كذبت.
فما معنى تكذيبه؟ لعله أبدى في الابتداء رضاً بما يستصوبه الحكمان، ثم رجع عنه، [فكان] 3 ذلك [منه] 4 خُلْفاً في الوعد فورد التكذيب عليه.
وإنْ تعلَّق ناصرُ هذا القول بأنَّ [الضرر] 5 مدفوع، ولسنا نرى للخصومة [الناشبة] 6 الملتبسة مدفعاً، وترك النزاع [والشقاق] 7 8 يخالف مبنى الشرع، فهذا كلام كلي لا يتعلق به على السداد غرض جزئي في محل النزاع.
والذي يقتضيه القياس تقرير النكاح وضرْب الحيلولة بينهما؛ حتى لا يتنازعا.
ولا معتمد لهذا القول إلاَّ التمسك بظاهر القرآن والأثر.
التفريع على القولين: 8685 - إن قلنا: الحكمان كالوكيلين، فسيأتي -إن شاء الله تعالى- تفريعُ القول في الوكالة في الخلع والطلاق، والفدر الذي ننجزه لإيضاح التفريع: أنَّا إذا جعلنا الحكمين في منزلة الوكيلين، فإذا لم يجر من الزوجين توكيل، فليس إليهما من الأمر شيء، إلاَّ التفقد والبحث عن محل اللبس، حتى يتبين للقاضي الظالمُ منهما من المظلوم، ثم مضى حكم الإنصاف 9 والانتصاف.
ولو وكَّلاَ ثم عَزَلا، أو عزل أحدهما، انعزل المعزول، ولو جُنَّا أو جنَّ أحدهما،

فمن جُنَّ ارتفع التوكيل في حقه، وإذا أفاق عن الجنون، فالتوكيل زائل، فإن أراد أن ينفذ أمراً، فليبتدىء توكيلاً.
8686 - وإن فرَّعنا على القول الثاني، وجعلنا ابتعاث السلطان تحكيماً، فلهما أن ينفذا ما يريان الصلاحَ فيه، فإنْ رأيا الطلاقَ، طلَّقَا على السخط من الزوج.
وذكر الأئمة أنهما يختلعان المرأةَ بشيء من مالها، وإنْ لم ترض.
وهذا متفق عليه في التفريع على هذا القول.
فإن أنكر مُنكر بذلَ مالِ مطلقة في الافتداء بغير إذنها، فهو كتطليق زوجة إنسان من غير إذنه، والأموال قد تدخل تحت الحجر، والطلاق لا يدخل تحت الحجر، فإذا احتكم الحَكَمُ في الطلاق، لم يبعد فرض الاحتكام على مال الزوجة في طلب الصلاح.
8687 - ثم نتكلم وراء هذا في أمور مهمة بها تمام البيان، فنقول أولاً: نصُّ القرآن مشعر ببعثه الحكمين، وهذا فيه تأمل على الطالب، فإنَّا إن اعتقدنا التحكيم [منهما في مرتبة] 1 الولاية، فالعدد يبعد اشتراطه في الوالي، وإن نزّلناهما منزلة الوكيلين، فالعدد ليس بشرط أيضاًً، وسنذكر في وكالة الخلع -إن شاء الله تعالى- أنَّ الشخصَ الواحدَ يجوز أن يكون وكيلاً في الخلع من الجانبين على أحد الوجهين، فإن كان يتجه رعاية العدد على قول التوكيل عند مسيس الحاجة إلى الخلع، فيلزم من مساق هذا الاكتفاءُ بوكيل من جانبه إذا كانت هي تختلع بنفسها.
فإذا جعلنا ذلك تحكيماً، ففي المسألة احتمال ظاهر، يجوز أن نتبع القرآن ولا نعقد لظاهره تأويلاً، ونشترط حكمين، ويجوز أنْ نحملَ العدد على الاستحباب، بدليل اتصاله بوصفٍ ليس مشروطاً، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾.
﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] وهذا مستحَب غيرُ مستحَق إجماعاً.
وقد يشهد للاكتفاء بالحاكم الواحد حديثُ حبيبة 2 بنت سهل، فإنَّ الرسول قطع النكاح بينهما بتّاً لما اطلع على

أمرهما، كما سنذكر ذلك في صدر كتاب الخلع -إن شاء الله عز وجل-، ويقوى التمسك بتلك القصة في تنفيذ الطلاق حكماً وفي [الاتحاد] 1 الذي أشرنا إليه، والله أعلم.
8688 - ومما يجب النظر فيه أنَّ الحكمين ينبغي أن يكونا على عقلٍ ودراية واستقلال بالاطلاع على خفايا الأمور، هذا لا بد [منه] 2. والعدالة لا شك مشروطة، فلا ثقةَ بمن يخون نفسَه ودينه.
ثم لم يشترط أحدٌ من أصحابنا أن يكونا مجتهدين، وكيف سبيل اشتراط ذلك؟ وقد لا يتصدى للفتوى في سعةِ رقعة إقليم إلاَّ الشخص الواحد، فكيف نرقبُ مجتهداً من أهله ومجتهداً من أهلها.
ولكن لا بُدَّ أن يكونا عالمين بحكم الواقعة، فالعقل يرشدهما إلى وجه الرأي والتحويم على الأسرار والخفايا، وحكم الواقعة تقريرٌ أو تفريقٌ على حسب الاستصواب.
وينشأ من هذا أنَّ الحاكم إذا ولّى حاكماً، وكان ما يتعلق به أمورٌ خارجة عن الضبط والنهاية، فلا بد من كون مولاّه مجتهداً؛ فإنه بالإضافة إليه بمثابته بالإضافة إلى الإمام الأعظم، فأمَّا إذا كان الحاكم خاصاً، فلا يشترط الاجتهاد من المحكّم، ويشهد له الحكمان، وهذا رمز إلى مراتب الولاة، وسنأتي فيها بالعجائب والآيات في أدب القضاء، إن شاء الله عز وجل.
فالذي تَنَخَّلَ من مجموع ما ذكرناه القول في العدد وصفة الحَكَمَيْن.
8689 - ثم قال الأئمة: لا يبعث الحكمين بمبادىء الشر والشقاق، حتى يظهر =وسيأتي حديث ثابت بن قيس قريباً، في أول الخلع.
(ر.
الإصابة: ترجمة حبيبة بنت سهل).

التشاتم والتواثبُ والأمورُ المستكرهةُ المنكرة، وتنشب الخصومة على [التباسٍ] 1 لا يُفك ولا يُدرك في ظاهر الأمر.
ثم إذا كان رأي الحكمين أن يُفَرِّقا، فالتفريق يقف على استدعائهما، وإن كانت هي [المعنة] 2 فهذا ما يجب الوقوف عليه.
ثم إنْ قدرناهما وكيلين، لم يقف نفوذ حكمهما على حضور الزوجين، قياساً على تصرف الوكلاء.
وإذا جعلناهما حَكَمين وقد اطلعا على حقيقة الحال، فلو رأى الحكمان الطلاق، فغاب الزوجان، فهل ينفذ تطليقهما مع قطعهما بشكايتهما؟ اختلف أصحابنا في المسألة، فمنهم من قال: لا يشترط هذا والمتبع الصواب الذي يريانه.
ومنهم من قال: لا قطع إلاَّ إذا كانا مكبين على الشكاية، ولا يشترط أحدٌ استدعاء الطلاق والاختلاع؛ فإن هذا لو شرط، فهو تنفيذ الفراق على حسب إذنهما، بل يكفي قيام الشكاية.
8690 - ولو تراضيا وأظهرا الوفاق، فقال الحكمان: إنهما لا يفيئان، وسيرجعان إلى التنازع الذي ألفناه منهما مراراً، فلا تعويل على هذا، ولا سبيل إلى [الفراق] 3. 8691 - فالأحوال إذاً ثلاثة: إحداها - إبداء الوفاق، فلا فراق معه.
والثانية - في إدامة [التلاوم] 4 والتخاصم، عند ذلك للحكمين أنْ يُطلّقا إذا رأيا.
والحالة الثالثة - أن [يغيبا] 5 بعد الشكاية أو يسكتا مع الحضور، وفيه التردد، والمسألة فيه إذا راجعهما الحكمان فآثرا السكوت.

فصل قال: "ولو استكرهها على شيء أخذه منها ... إلى آخره " 1. 8692 - هذا الفصل من مسائل الخلع، ولكنه اتصل بتنازع الزوجين [بأخراه] 2. وصورة المسألة: أنَّ المرأةَ إذا قبلت الطلاقَ على مالٍ في ظاهرِ الحال، ثم ادعت [على] 3 الزوج أنه يلزمه ردُّ ما أخذ منها؛ لأنها كانت مُكرهة على الاختلاع، والزوج [ساكت] 4، وأقامت بيِّنة على الإكراه، وإنما فرضنا سكوته لغرض [يبين] 5. قال: فالمال مردود عليها، والطلاق يُحكم بوقوعه رجعياً؛ لأنه لم يقر بطواعيتها.
ويمكن فرض المسألة فيه إذا كانت الدعوى على الوكيل من جهة الزوج، فأنكر الطواعية 6 [فالزوج] 7 لا يلزمه حكم إنكار الوكيل، وهذا فيه إذا قامت بيِّنةٌ على إكراهها على الخُلع قصداً.
فأمَّا إذا لم يكرهها على الخلع ولكن [كان] 8 يُسيء العشرةَ معها، ويؤذيها بالمشاتمةِ والضرب، فلو اختلعت وزعمت أنها كانت تبغي الخلاصَ من أذى الزوج، فلا يكون هذا إكراهاً، وإن كان ما يجريه الزوج من الضرب لو خوَّف المرأةَ به، لكانت مُكرهةً، وهذا بيِّن.
وستأتي حقيقة هذه المسألة في كتاب الخلع، إن شاء الله عز وجل 9.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... =إمساك الأواخر) وجاء في خاتمة هذا الجزء ما نصه: تم الجزء العاشر من نهاية المطلب في دراية المذهب.
يتلوه الجزء الذي يليه -إن شاء الله تعالى- كتاب الخلع.
والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً.
فرغ من نسخه عبد الصمد بن مرتضى بن رحمة بن رفاعة الكندي بتاريخ العشر الأول من شعبان المكرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل