نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 111-150
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الرهن

صفحات 111-150
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

مترتب على سبب مستَحق للزوج، والمترتب على المستحقات غيرُ مضمون عندنا.
ولذلك أهدرنا سراية القصاص.
3565 - ثم إذا ألزمنا الرجلَ قيمةَ الجارية التي ماتت في الطلق، فأيةُ قيمةٍ تراعى في ذلك؛ للعراقيين ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يجبُ أقصى القيم من يوم الإحبال إلى الموت، كما يجب على الغاصب أقصى القيمة، من يوم القبض إلى التلف، وكأن الجارية في يد الواطىء منذ علقت إلى أن ماتت.
والثاني - أنه يجب قيمةُ يوم الإحبال؛ فإنه [سبب] 1 الإتلافِ، والأمة وإن بقيت مملوكة، فهي مع سبب الردى هالكة.
ولهذا نظائر ستأتي في كتاب الجراح إن شاء الله تعالى.
والثالث - وهو اختيار ابن أبي هريرة أنه يجب قيمة يوم الوضع؛ فإن التلف تحقق يومئذ، وما تقدم غير موثوقٍ به، ولا مُحاطٍ به.
وهذا كاعتبار النهايات في أروش الجنايات على الأحرار.
3566 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن الراهن إذا وطىء الجارية وأعلقها، فولدت، ونَقَصها الولادةُ، وجب على الراهن أرشُ النقص، ووضعه رهناً، وهكذا سبيل أروش جناياته على المرهون، على ما ستأتي فصول الجنايات.
ولو وطىء الجارية المرهونة وكانت بكراً، وافتضها، فعليه أرش البكارة.
وليس هذا بمثابة المهر في الثيب؛ فإن الافتضاض جنايةٌ على جزء من الجملة، والجملة بأجزائها مرهونة.
فإن قيل: لمَّا فرعتم على نفوذ الاستيلاد، قطعتم القولَ بأن الاعتبار بقيمة يوم العلوق، وردّدتم المذهب حيث انتهيتم في التفريع إليه؟ قلنا: إذا ثبت الاستيلاد، انفك الرهن، ولم يتوقف انفكاكه على الولادة، فتعين اعتبارُ ذلك اليوم، وما يفرض من نقصان أو زيادةٍ بعد الانفكاك، فلا تعلق له بحق المرتهن.

وإذا قلنا: لا ينفذ الاستيلاد، وأوجبنا القيمة بسبب الهلاك، وقد تقدم السبب المقتضي له، فتردُّدُ الأصحابِ بين السبب والتلف كما تقدم.
ومما يتفرع على قولنا: لا يثبت الاستيلاد لحق المرتهن، أنها تباع في الرهن إذا مست الحاجة إلى بيعها، ثم إذا بيعت، فلو عادت يوماً إلى المستولد، فهل تصير أم ولدٍ له؛ فعلى قولين مشهورين، ولا اختصاص لهما بهذه الصورة، بل كل جارية علقت بولد حر، من مستولد محترم، وامتنع نفوذ الاستيلاد، فإذا ثبت للمستولد الملكُ المطلقُ فيها، ففي نفوذ الاستيلاد القولان.
ومن صور القولين أن يطأ جارية الغير بالشبهة ويُعْلِقَها، ثم يشتريها.
وقد ذكرنا في التفريع على ردّ عتق الراهن أن العبد المرهون الذي أعتقه الراهنُ إذا بيع في الدَّين، وعاد ملكاً إلى الراهن، فلا ينفذ العتق المردود، والفارق ظاهر؛ فإن اللفظ 1 إنما ينفذ حيث ينفذ بصيغته، وكان [صيغة] 2 إعتاق الراهن التنجيزَ، فإذا رُدّ، ارتد، وقد زال الملك الذي كان إعتاقه تصرفاً فيه.
والاستيلاد فعل، والأفعال قد تتوقف، وكأنا نقدّر إعلاق الجارية بولدٍ حُر تسبُّباً إلى حصول الحرية يوماً من الدهر، ومبنى الاستيلاد على هذا؛ فإنه لا يُنجِّز العتاقة.
3567 - ولو انفك الرهن عن الجارية، وكنا رددنا استيلادَ الراهن، فلأصحابنا طريقان: فمنهم من قطع بنفوذ الاستيلاد في هذه الصورة لاستمرار الملك، وانقطاع المزاحم، ومنهم من خرَّجه على قولين، ورتبهما على القولين في صورة وطء الشبهة، وفيه إذا زال الملك عن المرهونة، ثم عاد.
ولا يكاد يخفى وجه الترتيب، وطريق الفرق.
والأوجه عندي القطعُ بنفوذ الاستيلاد إذا انفك الرهن.
والاستيلاد عندي على هذا القول مشبَّه بتعليق العتق على ما بعد الانفكاك.
وقد قدمنا القطعَ بنفوذ التعليق على هذا الوجه.

3568 - [وإذا] 1 أعتق الراهنُ العبدَ المرهون، ورددنا عتقه، ثم انفك الرهن، فقد أشرنا إلى خلافٍ في ذلك.
والسبب فيه استمرار الملك، وزوالُ الحجر.
وهذا يقرب من اختلاف القول في أن المحجور عليه بالفلس إذا أعتق عبداً من جملة مالِه، فرددنا عتقه، ثم انفك الحجر عنه، ولم يتَّفق بيعُ ذلك العبدِ في ديونه، ففي نفوذ العتق عند إطلاق الحجر قولان، سيأتي ذكرهما في كتاب التفليس، إن شاء الله تعالى، ووجه التشبيه بيّن.
ولا خلاف أن العتق لا ينفذ في اطراد الحجر عليه؛ فإن فائدة الحجر منعُه من التصرف في ماله.
وتفاصيل ذلك يأتي في موضعه.
والراهن مطلقٌ، وقد أبقى ملكَ نفسه في الرقبة، فظن ظانون أنه مطلق صادف عتقُه ملكَه، وسرى إلى حق غيره.
ثم سنذكر في بيع المفلس مالَه -إذا انفك الحجر عنه، ولم يتفق صرفُ مبيعه في دينه- قولين.
3569 - وأطلق الأصحاب القول بأن بيع الراهن في المرهون مردود، ولم يقفوه على انفكاك الحجر، ولا فرق عندي بين البابين، ولا محمل لتصحيح بيع المفلس مالَه على قولٍ إلا الحملُ على الوقف، ومحمل القولين لا يمتنع جريانه في الرهن.
وبالجملة لا فرق بين البابين إلا أن أحد الحجرين جرى من غير اختيار المحجور عليه في جميع ماله، والحجر الذي نحن فيه وهو الرهن جرى في مالٍ خاص باختيار مالكه، فالوجه التسويةُ بين البابين، وتنزيلُ البيع والعتقِ على ترتيب واحد، فالعتق أولى بالنفوذ، والبيع أبعدُ منه.
وهذا فنّ من الوقف زائد على الأصناف التي ذكرناها في كتاب البيع، وتقريرُه في كتاب الحجر.
والفارق بين البيع والعتق أن تنفيذ التصرف بطريق الوقف ملتفت إلى مذهب التعليق، فكأن المفلس قال: إذا انفك الحجر، فهذا العبد حر، وهذا يتطرق إلى العتق، ويبعد عن البيع، والمحجور المبذّر عتقه مردودٌ في الحال، وإذا انفك الحجر عنه، وظهر الرشد، لم ينفذ من العتق ما رددناه.

ولو قال في سفهه: إذا ظهر رشدي، فعبدي هذا حر، لم ينفذ عتقه إذا آنس رشدَه.
وأما استيلاده، فنافذ في الحالِ؛ فإنه يجري على مذهب الاستهلاك، وهذا واضح.
وقد نجز غرضنا من تفصيل القول في إعتاق الراهن واستيلاده وما يتعلق بأطراف الكلام في ذلك.
3570 - ثم قال الشافعي في أثناء الكلام تفريعاً على ثبوت الاستيلاد: " وتعتِق بموت السيد في قول من يعتقها " 1. وهذا ترديدُ قولٍ منه في بيع أمهات الأولاد.
وهذا القول مشهور في القديم، وترديده القولَ فيما نقله المزني غريب.
والاستيلاد على قوله القديم لا أثر له، وهو من ضروب الاستخدام، فكأن السيد إذا أودعها ماءه، ثم انفصل، فبقيت على رقها كالظرف يحتوي على شيء ثم يفرغ منه.
وعلى هذا لا تعتق مستولدة، ولا يمتنع بيعُها.
وهذا قولٌ لا عمل به، ولا فتوى.
وقد كان فيه اختلاف في الصدر الأول، ثم أطبق العلماء بعدهم على المنع، فالتحق هذا بإجماع بعد خلاف.
وهذا مستقصى في فن الأصول.
فإذا مهدنا هذا الأصل الكبير، فقد حان أن نرجع إلى صدر الفصل، فنقول: إذا رهن الرجل جارية، فظهر بها حمل، وقال الراهن: هذا الولد مني، وقد كانت علقت به ولم أشعر، فرهنتها: فإن صدقه المرتهن، فلا كلام، فيثبت النسب والولد حرٌّ، لا ولاء عليه، والجارية أم ولد، والرهن باطل، وليس على الراهن قيمةٌ توضع رهناً؛ من قِبل أنه لم يجن 2 على رهنٍ لازم، بل تبيّنا أن لا رهن.
نعم لو كان هذا الرهن مشروطاً في بيعٍ، وقد تبين امتناعهم 3 بالسبب الذي ظهر، فيثبت الخيار للبائع؛ من قِبل تعذر الوفاء بالشرط المذكور في العقد.
وسيأتي

هذا في موضعه من الكتاب، إن شاء الله عز وجل.
هذا إذا صدقه المرتهن.
فإن كذبه المرتهن، وقال: ليس الولدُ منك، فإن كانت للراهن بينة أقامها، أو أقامتها الجارية، والشهادة على جريان الوطء من الراهن قبل العقد، أو بعد الرهن قبل الإقباض.
والحكم ما قلناه في المسألة الأولى.
فإن قيل: يحتمل أن يثبت الوطء، ولا يثبت العلوق.
قلنا: نعم، هو كذلك.
ولكن العلوق عيبٌ، ولا شيء يدار الإقرارُ والإنكار عليه إلا الوطء، ولهذا قلنا: إن السيد إذا اعترف بوطء مملوكته وأتت بولدٍ لزمانٍ يمكن أن يكون من الوطء، فالنسب لاحق على تفصيل يأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا يعتضد باستلحاقه النسبَ، فصار مجموع هذا مثبتاً للاستيلاد.
وإن كذبه المرتهن، ولا بينة، فنقول: أما نسبُ المولود، فثبت لاستلحاق الراهن، وتثبت حريةُ الولد.
وأما الاستيلاد، فهل يحكم به حتى يبتني عليه تبين بطلان الرهن؛ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها - لا يحكم به؛ لأنه أثبت للمرتهن حقاً، ثم ادعى ما يتضمن بطلانَه، فلا يقبل.
والوجه الثاني - أنه مقبول؛ من جهة انتفاء التهمة؛ إذ إقراره لو ثبت، فمتضمنه زوال الرق، وقد يقبل الإقرار في محل حق الغير، لانتفاء التهمة، وعليه بنينا قبول إقرار العبد بما يوجب سفك دمه، أو بما يوجب عقوبةً عليه.
والوجه الثالث - أنا نفصّل بين أن تأتي بالولد لستة أشهرٍ، فما دونها من وقت الإقباض، وبين أن تأتي بالولد لأكثر من ستة أشهر؛ فإن الأمر إذا كان كذلك، اتسع مسلك الإمكان، ولم يبعد أن يُفرض العلوقُ بعد تمام الرهن.
وتحقيق الفرق أنا إذا أثبتنا العلوق حالة القبض، فإقرار الراهن يرد على غير محل الرهن، ولو كان موجوداً حالة القبض، فيقع ثبوت الاستيلاد تابعاً.
وهذا يلتفت إلى أصل سيأتي بعد هذا.
وهو أن من رهن عبداً أو باعه، ثم زعم بعد ظهور اللزوم، أنه كان أعتقه، أو كان باعه.
وهذا سيأتي في مسائل الرهن، إن شاء الله تعالى.

فإن قيل: إن قبلتم إقراره، فلا سؤال.
وإن لم تقبلوه، فهلا خرَّجتم هذا على الأقوال في أنه لو أنشأ الاستيلاد هل يثبت؛ حتى تقولوا: إن نفذنا منه الاستيلاد ابتداء، ينفذ إقراره، وإن لم ينفذ منه الاستيلاد ابتداء، فلا يقبل إقراره، تخريجاً على تنزيل الإقرار بالشيء منزلة إنشائه؛ فإن الوكيل بالبيع لو أقر بالبيع، نفذ إقراره كما ينفذ إنشاؤه البيع.
ولو أظهر الموكِّل عزله، ثم ادعى الوكيلُ البيعَ، لم ينفذ قوله.
وهذا يطرد لنا وينعكس.
قلنا: هذا جارٍ في التصرفاتِ التي يسلِّط الشرعُ على الإقدام عليها، فيجعل الإخبارَ عن الشيء بمثابة إنشائه، إذا كان إنشاؤه مملوكاً للمقر.
والراهن على كل مذهب ممنوعٌ من الإقدام على استيلاد الجارية المرهونة.
وهذا مما اختلف أصحابنا فيه، وتخريجه على أصلٍ سيأتي في كتابِ الحجر.
وهو أن المبذر لو أقر بالطلاق، نَفَذَ، اعتباراً بأنشائه، ولو أقر أنه أتلف مالاً، ففي قبول إقراره خلاف؛ فإن الإتلاف ليس ما يملكه شرعاً، ولكن يتصور وقوعه منه، وهل يقبل إخباره فيه؟ فعلى وجهين.
كذلك قلنا: لو وقع استيلاد الراهن، لنفذ، فإذا اعترف به، ففي نفوذه الخلاف الذي أشرنا إليه.
فصل 3571 - كل تصرف يمتنع نفوذُه لحق المرتهن، فإذا أذن فيه، نفذ؛ فإن المانع حقُّه.
وإذا أذن للرّاهن في بيع المرهون، أو في هبته، فباع أو وهب، نفذ.
وإذا فرعنا على أن العتق لا ينفذ من الراهن، فإذا أذن فيه المرتهن، نفذ.
وسنذكر أن الراهن لا يجوز له أن يطأ الجارية المرهونة إذا كانت بصدد أن تحبل، وفي التي لا تحبل كلام سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وإذا أذن في الوطء، فوطىء الراهن بالإذن وترتب عليه العلوق، ثبت الاستيلاد، وإن وقع التفريع على أن الاستيلاد لا ينفذ لو انفرد الراهن.

ثم الإذن المجرّد لا يرفع عقد الرهن، حتى يتصل بوقوع التصرف.
وللمرتهن أن يرجع قبل التصرف عن إذنه.
وإذا أذن في الهبة والإقباض، فوهب الراهن، ورجع المرتهن عن الإذن، لم يملك الراهن الإقباضَ، ولو أذن في البيع من غير تعجيل حق ولا شرط جَعْل الثمن رهنا، فباع الراهن على شرط الخيار، فقال المرتهن رجعت عن الإذن؟ الذي ذهب إليه المحققون أن رجوعه لا ينفعه، وللراهن إلزام العقد، وقطع الخيار، كالهبة مع القبض، وذلك لأن القبض ركنُ العقد فيه 1. وهو ينزل منزلة القبول من الإيجاب، وكأن الهبة عدلاً والوفاء بها الإقباض، والبيع مبناه على اللزوم والخيار دخيل فيه، فهو مفوّض إلى من له الخيار.
ولو أذن في الوطء فوطىء، ولم يتفق العلوق، فحق الرهن باق؛ فإن الوطء لا ينافي الرهن، وإنما ينافيه العلوق، وثبوت الاستيلاد.
فلو لم يأذن إلا في وطأة، فلم تَعْلق، فلا يعود الراهن إلى الوطء.
ولو كان أذن في جنس الوطء، ثم رجع عن إذنه، تعين على الراهن أن يمتنع.
3572 - ثم فرض الشافعي والأصحابُ صوراً في اختلاف الراهن والمرتهن في الحكم الذي نحن فيه.
ونحن نرسم مسائل تستوعب الغرض.
فمنها أن يختلفا في أصل الإذن، فيقول الراهن: أذنت في الوطء، وأنكر المرتهن، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن.
ثم إذا كان أولدها وجرى الخلاف كما وصفناه، وحلف المرتهن، عاد التفريع إلى وقوع الاستيلاد.
والأولى تفريع صور الخلاف على أن الاستيلاد لا يثبت على استبدادٍ.
فإن نكل الراهن عن يمين الرد، فأرادت الجارية أن تحلف لمكان حقها من عُلقة الحرية، فهل لها ذلك؟ على وجهين ذكرهما العراقيون: قالوا: والأصح أنها لا تحلف؛ فإنها ليست بمتأصلة في الحق، وإنما يثبت أمرها تبعاً، والأيمان لا تعرض على الأتباع، ولذلك لا يحلف الوكيل، وسنذكر نظائر ذلك في كتاب

القسامة، ثم في كتاب الدعاوى، إن شاء الله - هذه مسألة في الاختلاف.
المسألة الثانية - أن يقع الوفاق على أصل الإذن، ويعودَ الخلاف إلى جريان الوطء، فقال الراهن: قد وطئتُ، وأنكر المرتهن ذلك.
فيقول: ما وطئتَ، وليس الولد الذي جاءت به الجارية منك.
هذا أصل التصوير.
ثم ذكر الأئمة صورتين: إحداهما - أن يبتدىء الراهن فيقول: أذنتَ لي في الوطء، فوطئتُ، وأعلقتُ.
ثم يقول المرتهن: أذنت لك، وما وطئت، فالقول قول الراهن؛ فإن الإذن متفق عليه، والوطء المختلف فيه من فعل الراهن، فليكن الرجوع إليه في فعله.
هذا هو الأصح.
ومن أصحابنا من قال: الأصل عدمُ الوطء، وبقاء الرهن.
وهذا يناظر ما لو قال الرجل لامرأته: إن زنيتِ، فأنت طالق، فإذا زعمت أنها زنت، فالقول قول الزوج في إنكار زناها؛ فإن الأصل عدم وقوع الطلاق، وعدم الزنا.
هذا أصل المذهب.
وليس كما لو قال: إن حضت، فإنت طالق، فقالت: حضتُ، فالقول قولها؛ إذ لا يُطلع على حيضها إلا من جهتها، ويُطَّلع على سائر أفعالها من غير جهتها.
ولا فرق بين ما يخفى في العادة وبين ما يظهر، كدخول الدّار ونحوه.
ومن أصحابنا من صدق المرأة فيما يخفى وتطرد العادة بكتمانه، كالزنا ونحوه.
وهذا مزيف لا أصل له.
فإن قيل: لم كان ظاهر المذهب تصديقَ الراهن في الصورة التي ذكرتموها؟ وما الفرق؟ قلنا: إذا كان الوطء مأذوناً، فادّعاه من أُذن له، كان هذا ادعاءَ أمر يملك إنشاءه، وكل مأذون في شيء يدعي مع دوام الإذن إيقاعَ ما أُذن فيه، فقوله مقبولٌ، كالوكيل بالبيع إذا ادّعى البيعَ قبل أن يُعزل؛ فتصديق الراهن يؤخذ من هذا الأصل، وهو غير متحقق في تعليق الطلاق بالصفات؛ إذ ليس في التعليق تسليطٌ على أمرٍ وتولية في شيء، والطلاق يعلق تارةً بما يدخل تحت اختيار الزوجة، وتارة يعلّق بأمور ضرورية، لا اختيار فيها كغروب الشمس وطلوعها.
هذا فيه إذا قال الراهنُ أولاً: أذنت لي، فوطئت.
وقال المرتهن بعده: ما وطئتَ.

فأما إذا قال المرتهن أولاً: أذنتُ لك في الوطء، فما وطئتَ، فقال الراهن بعده: أذنت لي فوطئتُ.
ذكر الأئمة في هذه الصورة وجهين ورتبوهما على الخلاف في الصورة الأولى، وجعلوا هذه الصورة الأخيرة أولى أن يصدَّق المرتهن فيها، وعلّلوا بأن قول المرتهن إذا تقدَّم يتضمن عزل الراهن عن الإذن في الوطء، فيقع قول الراهن بعد انعزاله، وليس كالصورة الأولى إذا تقدم قول الراهن.
وهذا ليس بشيء.
وليس ما قاله المرتهن قطعاً للإذن، ولا عزلاً، وإنما هو خبر عن الإذن، واعتراف به، ثم ادعاءُ عدم الوطء؛ فلا عزل إذاً.
وحصل من الصورتين أوجه: أحدُها - أن القول قول المرتهن في الصورتين؛ فإن الأصل عدم الوطء.
والثاني - أن القولَ قولُ الراهن في الصورتين كما استشهدنا به من ادعاء الوكيل البيع الذي وكل به.
والوجه الثالث - أنه يفصل بين أن يتقدم قول الراهن وبين أن يتقدم قول المرتهن، فالمصدَّق من يقدَّم قوله.
وهذا ما اختاره القاضي، وهو ضعيف؛ فإنه بناه على العزل، وزعم أن قول المرتهن يتضمن عزلَ الراهن، وهذا غيرُ مفهوم.
ثم قال لو قال الوكيل بالبيع لموكله: أذنتَ لي في البيع، فبعتُ، وأنكر الموكِّل بيعَه، واعترف بالإذن، فالقول قول الوكيل.
ولو قال الموكل أولاً: أذنت لك في البيع، فلم تبع.
وقال الوكيل: قد بعتُ.
ذكرَ وجهين في هذه الصورة أخذاً مما تخيله من أن قول الآذن في ذلك رجوع عن الإذن.
وهذا كلام عريٌّ عن التحصيل.
3573 - ومن مسائل الاختلاف: أن يتفقا على الإذن، وجريان الوطء، ويقول المرتهن: هذا الولد الذي أتت الجارية به ليس منك، ولم تُعلقها أنت بوطئك، وإنما زنت، وأتت بولدٍ من غيرك، فالقول في هذه الصورة قول الراهن بلا خلاف؛ فإن أصل الإذن متفق عليه، وكذلك جريان الوطء، ولا يبقى بعد هذا في نفوذ الاستيلاد شيء إلا استلحاق المولود، والاستلحاق إلى الواطىء، وهو من الأمور المفوّضةِ إليه، فلا معنى لتقدير مزاحمته.
ثم وجدت الطرق متفقة على أن الراهن لا يحلَّف في الصورة الأخيرة، ويكفي استلحاقُه.
وإذا جعلنا القولَ قولَ الراهن في ادعاء الوطء، فهل يحلّف؟

ذكر الأصحاب وجهين.
والأظهر عندي أن يحلّف.
ووجهُ قول من لا يحلّفه أن حاصل كلامه يرجع إلى استلحاق المولود، وقد تقدم أنه لا استحلاف فيه.
ولو ادعى الوطء، ولم يتعرض لاستلحاق النسب، لم يثبت الاستيلاد.
والوجهان في تحليف الراهن على الوطء ذكرهما صاحب التقريب على النسق الذي ذكرناه.
وإن رأينا تصديق المرتهن في نفي الوطء، فلا يُثبت يمينُه؛ فإن كل من أراد نفيَ فعل غيره، لم يزد في يمينه على نفي العلم به، وهذا لو صح الرجوع إلى قول المرتهن أصل لا مراء فيه.
وبه يضعف أصلُ هذا الوجه؛ فإن المرتهن في الغالب لا يطلع على الوطء؛ ومهما حلف على نفي العلم بالوطء، برَّت يمينُه، فيؤدي هذا المسلكُ إلى أن لا يثبت حقُّ وطء الراهن قط إلا أن يطأ على رؤوس الأشهاد.
وهذا ينفصل عن تعليق الطلاق؛ فإن وقوع الطلاق ليس من حقها، وكذلك فعلُها الذي هو صفة في الطلاق، فإن كان لا يظهر وقوع الطلاق، فليس فيه تعطيل حق، والراهن يطأ بحق الملك؛ فإن الوطء لا يستباح بالإذن، ولكن الإذن يرفع المانع من اليمين.
وإذا كان هذا من حق الراهن، فينبغي له أن يمهّد له سبيلٌ إلى إثباته على يسر.
3574 - ثم إن المزني ذكر المسألة الأخيرةَ، وحكى عقيبها عن الشافعي أنه قال: إن كان موسراً، فعليه القيمةُ، وإن كان معسراً، فلا شيء عليه.
ذكر هذا في صورة الاعتراف بالإذن والوطء، ثم أخذ يعترض ويقول: وجب أن لا نلزم القيمة، لأن الوطء جرى بالإذن، فوجب بطلان حقه.
قلنا: الأمر على ما ذكرتَ، ولكن أخطأتَ ووهمت في النقل، والشافعي ذكر هذا في المسألة الأولى من مسائل الاختلاف: وهي إذا أنكر المرتهن أصلَ الإذن وحلف.
وقد تتبّع الأثباتُ نصوصَ الشافعي في الكتب، فلم يجدوا ما ذكره المزني من الفرق بين الموسر والمعسر، إلا على أثر إنكار المرتهن أصلَ الإذن.
فرع: 3575 - ذكر العراقيون في أثناء الكلام عند ذكرهم إذْنَ المرتهن مسألة في الإذن أحببت نقلها، وهي أنهم قالوا: لو قال السيد: اضرب عبدي، فضربه، وأتى

الضرب عليه.
قالوا: لا ضمان على الضارب.
وقالوا: الزوج مأذون من جهة الشرع في ضرب زوجته، ولو ضربها وأتى الضرب عليها، ضمنها، وفرقوا بأن الإذن في ضرب الزوجة مقيد بتوقي القتل وإبقائها والإبقاء عليها.
والإذنُ في الضرب مطلق في المسألة التي ذكرناها لا تقييد فيه.
وكأنهم رأوا الأمر بالضرب أمراً بجنسه بالغاً ما بلغ.
وهذا محتمل عندي؛ فإن الضرب يخالف القتل، فالأمر به أراه مُشعراً بالاقتصار عليه، ومن قتل إنساناً لا يقال: ضربه.
ولو قال: أدِّب عبدي، فلا يجوز أن يُشكَّ في أنه لو قتله، ضمنه؛ فإن التأديب مصرِّحُ بإبقاء المؤدَّب.
فصل قال: " ولو وطئها المرتهن ... إلى آخره " 1. قد ذكرنا فيما تقدم وطءَ الراهن بالإذن وغيرِ الإذن.
وهذا الفصل مضمونه ذكرُ وطء المرتهن الجاريةَ المرهونة.
ولذلك صورتان: إحداهما - أن يقع الوطء من غير إذن الراهن.
والأخرى - أن يقع الوطء بإذنه.
فأما إذا وطىء بغير إذن الراهن، فلا يخلو إما أن يكون عالماً بالتحريم، وإما أن يدعي الجهلَ به، فإن كان عالماً بالتحريم، فهو زان يلزمه الحد.
فإن استكره الموطوءة، التزم مهرَها للراهن.
وإن طاوعته، فهي زانية.
واختلف الأصحاب في وجوب المهر: منهم من قال: لا مهر، وإليه ميلُ المحققين.
ومنهم من أوجب المهر.
3576 - التوجيه: من قال: يجبُ المهر، احتج بأنَ مُطاوعتها إباحة منها، وإباحتها مهدرة في حق المولى، فأشبه ما لو أباحت قطع طرفها لجانٍ؛ فإن الضّمان لا يسقط بإباحتها.
ومن قال: يسقط، احتج بأن قال: هي بغيّ أوّلاً، وقد " نهى رسول الله صلى الله

عليه وسلم عن مهر البغي " ومنافع البضع تقوّمت بالشرع إذا استهلكت وهي محترمة، ولا حرمة مع البغاء.
وفيه لطيفةٌ من جهة المعنى، وذلك أنها إذا طاوعت، فهي مشاركة في العمل، وليس الزاني منفرداً بإتلاف المنفعة، ولا تمييز ولا تشطير.
والشرع لا يتقاضى إثباتَ البدل لحقٍّ حرمه، فلا شيء.
هذا إذا كان عالماً بالتحريم.
فأما إذا كان جاهلاً فيما زعم، بأن كان حديث العهد بالإسلام، وظن أن الارتهان يبيح المرهونة، فإذا ادعى الجهلَ ولم يبعُد ما قال، فلا حد.
وإذا انتفى الحد، فالكلام بعده في المهر، والنسب، والحكم برق الولد وحريته.
الظاهر أن النسب يثبت؛ لمكان الشبهة الدارئة للعقوبة.
وإذا اندفع الحد لشبهة، كان الوطء على حظ من الحرمة 1؛ فيثبت النسب.
ومن أصحابنا من قال: لا يثبت.
ثم الطريقة الصحيحة تخريج رق المولود على الخلاف في النسب، فإن حكمنا بالنسب، فالولد حر، وإن نفينا النسب، فالولد رقيق.
وقال بعض أصحابنا: النسبُ يثبت وفاقاً.
وفي ثبوت الحرية وجهان.
وهذا القائل يزعم أن النسب أسرع إلى الثبوت.
وعكس بعض من ينتسب إلى التحقيق هذا، فقطع بإثبات الحرية، وردّد القول في النسب، وصار إلى أن الولد النسيب هو المنعقد من ماء محترم، والحرمة غير متكاملة.
وهذا كله خبط.
والوجه إجراء النسب والحرية مجرى واحداً.
والمذهب ثبوتهما.
وكان شيخي يعلل الوجه الآخر بضعف الشبهة، ويقول: الحدّ يندرىء بأدنى شبهة.
والنسب يستدعي شبهة لها وقعٌ.

وقرّر القاضي في هذا كلاماً، وقال: من لا يعلم حكم الإسلام تحريم هذا الوقاع فكأن لا شبهةَ ولا بصيرة.
ثم قال: إذا زنى مجنون بعاقلة، فالقول في النسب يجب أن يخرّج على هذين الوجهين، فإن المجنون ليس ممن يدري، وليس ممن يتصف بنقيض الدراية، والشبهةُ إنما تثبت في حق من يعذر بظنٍّ وهو (بصدد) 1 الدراية، وعليه يخرّج عندي الخلاف في عمد المجنون في القتل؛ فإن إلحاقه برتبة المخطىء لا وجه له وإقدامُه معلوم حساً.
وهذا لائح في المجنون.
فأما إلحاق عاقل جهل التحريم -ومن الممكن أن يعرفه- بالمجنون، فبعيد.
فأما المهر، ففيه تردد للأصحاب؛ من جهة ضعف الشبهة، وأنها لم تورِث حرمة، والأصح ثبوت المهر.
هذا كله إذا وطىء المرتهن من غير إذن الراهن.
3577 - فأما إذا وطىء بإذن الراهن، فإذا كان عالماً بالتحريم، لزمه الحد في ظاهر المذهب.
وقيل: لا حدَّ عليه لشبهة الخلاف؛ فإن عطاء بن أبي رباح، كان يجوّز إعارة الجواري، وكان يبعث بجواريه إلى ضيفانه، فلينتهض مذهبُه شبهة في درء الحدّ.
وهذا ليس بشيء؛ فإن الحد لا يدرأ بالمذاهب، وإنما يدرأ بما يتمسك به أهل المذاهب من الأدلة، ولا نرى لفظاً في هذا متمسكاً، ولا أصل لهذا الوجه.
فإن قلنا: لا حد، فالكلام في النسب وحرية الولد على ما قدمناه في حق من وطىء من غير إذن وادّعى الجهل بالتحريم.
وإن أوجبنا الحد، فلا نسب، والولد رقيق.
وإن ادعى الجهل بالتحريم عند إذن الراهن، فالدعوى في هذه الصورة أظهر.
واتفق الأصحابُ على أنه يتعلق بها دفع الحد، وثبوت النسب، وحريةُ الولد.
ولا تصير الجارية أم ولد، وإذا ملكها يوماً من الدهر، ففيها القولان المشهوران.
وأما المهر، فقد اختلف قولُ الشافعي في وجوبه، فقال في قول: لا يجب؛ لأن الإذن من

الحرّ المستوجب للمهر قد حصل، وإذا سلطه ذو الحق على إتلاف حقّهِ، فلا ضمان.
وقال في قول آخر: يجب المهر؛ فإن الإباحة لا وقع لها في الأبضاع، وليس الوطء زنا.
قال القاضي: هذا الاختلافُ قريب من اختلاف قول الشافعي في أن المفوضة هل تستحق المهر، وسيأتي ذلك مفصلاً في كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى.
هذا قولنا في المهر.
فأما قيمة الولد وقد ثبتت حريته، ففيها طريقانِ: فالذي ذهب إليه معظم الأصحاب أنها تجب، ولا تسقط بسبب الإذن في الوطء؛ فإن العلوق لا صنع فيه للواطىء، فلا يكون الإذن في الوطء متعلِّقاً به.
هذا أحد الطريقين.
وقد ذكر صاحب التقريب طريقة أخرى في تخريج قيمة الولد على قولي المهر؛ فإن العلوق مترتب على الوطء المأذون فيه.
والدليل عليه أنّ إذنَ المرتهن للراهن في الوطء يوجب تنفيذ الاستيلاد، وسقوطَ الغرامة، وإن كان الاستيلاد ترتب على العلوق.
وليس هو من صنع الواطىء.
ولكن التسبب إلى الشيء بمثابة مباشرته.
فصل قال: " ولو كان الرهن إلى أجلٍ، فأذن للراهن في بيع الرهن ... إلى آخره " 1. 3578 - إذا أذن المرتهن للراهن في العتق، فأعتق بإذنه، بطل حقُّه من الرهن، سواء كان الحق حالاًّ أو مؤجلاً؛ فإن الإعتاق إتلافٌ للمالية، لا إلى عوض؛ فإذا أذن المرتهن به، سقط حقه بالكلية من الوثيقة.
فأمَّا إذا أذن بالبيع، فلا يخلو: إما أن يكون حالاًَ، أو مؤجلاً.
فإن كان مؤجلاً، ففيه مسائل: أحدها - أن يُطلق المرتهن الإذن في البيع، ولا يقيده بشرط، فإذا باع الراهن بالإذن، انفك الرهن، ولا يلزم البائعَ جعلُ الثمن

رهناً مكان ما باع، خلافاً لأبي حنيفة 1. هذه مسألة.
3579 - والمسألة الثانية - أن يأذن في البيع على شرط أن يعجل الدين من ثمنه، فهذا الشرط باطل؛ فإنه يتضمن إثبات حق غيرِ ثابت، وهو التعجيل.
وإذا تبين فساد هذا الشرط، فالإذن يفسد بفساد الشرط ولا ينفذ بيع الراهن، وينزل ما جرى منزلة ما لو باع مستبداً من غير إذن، وهذا يعد من مشكلات المذهب.
وذهب المزني إلى أن البيع نافذ بالإذن.
واحتج عليهِ بأن قال: الإذن في البيع لا فساد فيه، وإنما الفساد في الشرط المقرون به، فليفسد الشرط، وليصح البيع بالإذن، واستشهد عليه بالتوكيل بالبيع مع شرط فاسد، مثل أن يقول: بع عبدي هذا ولك عشرُ ثمنه، فالأجرة فاسدة؛ من جهة أن مبلغ الثمن مجهول، والجزء من المجهول مجهول.
ولكن البيع من الوكيل نافذ، والرجوع إلى أجر المثل، فليكن الأمر كذلك فيما نحن فيه؛ حتى يصح البيع، ويفسدَ الشرط.
وهذا الذي ذكره المزني في ظاهره معنى كلي.
وقد قال العراقيون: حكي عن أبي إسحاق المروزي أنه ذكر قولاً مخرجاً موافقاً لمذهب المزني، فحكم بنفوذ البيع، وبفساد الشرط.
هذا حكَوْه، ثم زيفوه.
وقالوا: التعويل فيما يُنقل عن أبي إسحاق على ما يوجد في شرحه 2. وهذا غير موجود في شرحه، فالوجه القطع بما نص عليه الشافعي.
وما ذكره المزني نقول فيه: الإذن في البيعِ في مسألتنا مُعَارض باشتراط شيء لا يستحَق، فكأن المرتهن أَذِنَ، وقابَل 3 الإذن بشرط يجر به منفعة إلى نفسه، ولم يُثبت الشرع ذلك الشرط، ففسد، وإذا فسد مقابلُ الشيء، فسد ذلك الشيء.
وهذا يمثَّل بفساد أحد العوضين في المعاملات؛ فإن من حكمه فسادُ مقابلِهِ.
وليس كذلك التوكيل بالبيع؛ فإنَ أصل الإذن لا مقابِل له، وإنما المقابلة في عمل الوكيل وما شُرط

له، والإذن في البيع خارج عنهما، فاستقل الإذن بالصحة، وتقابل العمل والشرط، فقيل لَحِقَهما الفسادُ.
أما أثر الفساد في العمل، فهو أنه لا يستحق، وأثر الفساد في العوض لائح، فيخرج منه نفوذ البيع بحكم الإذن المطلق، والرجوع إلى أجر المثل على قياس المعاوضات الفاسدة.
ونفس الإذن في مسألتنا مقابَل بفسادٍ، وذلك الفساد عوض الإذن.
هذا منتهى الإمكان في هذا.
3580 - والمسألة الثالثة - أن يأذن في البيع، ويشترطَ وضعَ ثمنه رهناً مكانه.
وفي المسألة قولان: أحدهما - أن الشرط يفسد، ثم يفسد بفساده الإذن في البيع، كما قدمناه في المسألة الثانية.
والقول الثاني - أن الشرط صحيح، والإذن في البيع صحيح، فإذا بيع المرهون، لزم جعلُ ثمنه رهناً.
وهذا في حكم نقل الرهن من العين إلى عوضه، فإذا كان يجري هذا وفاقاً؛ فإن المرهون إذا هلك تعلق حق الوثيقة بقيمته، وما يقع لا يمتنع شرطه.
وهذا يترتب على أصل سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
وهو أن من رهن ما يتسارع الفساد إليه، فهل يصح الرهن فيه والدين مؤجل؟ فعلى قولين، أحدهما - لا يصح؛ فإن مقتضى الرهن الحبسُ إلى حلول الدين، والحبس يفسد الرهن.
والقول الثاني - يصح الرهن، ويباع ويوضع ثمنه رهناً، وسيأتي ذلك.
فإن أفسدنا فيما يفسد من يومه، فذاك لمصيرنا إلى امتناع النقل، فلا يجوز إذاً شرط النقل.
وإن صححنا رهنَ ما يفسد، ونزلنا على نقل 1 الوثيقة من العين إلى ثمنها، فلا يمتنع شرطه.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الدين مؤجلاً (2 وجرى الإذن 2) من المرتهن في البيع قبل حلول الأجل مطلقاً أو مقيداً.
3580/م- وأما إذا كان الحق حالاًّ، فأذن المرتهن في البيع، نُظر: فإن كان الإذن2

مطلقاًً، نفذ البيع، ولزم قضاء الحق من ثمنه؛ لأن هذا مستحق بحكم الرهن، فمطلق الإذن محمول عليه.
فإنْ شَرَطَ قضاءَ الحق منه، فقد زاد تأكيداً، وصرح بما يقتضيه الإطلاق.
ولو أذن في البيع على شرط أن يوضع ثمنه رهناً، ففي المسألة قولان والحقُّ حالٌّ، كالقولين إذا كان مؤجلاً، فلا يختلف الترتيب في هذا الشرط في الحالّ والمؤجل، فإنَّ نقل الرهن غيرُ مستحق في الحالتين.
هذا بيان المسألة.
3581 - ثم ذكر الشافعي بعد هذا اختلافاً بين الراهن والمرتهن في كيفية الإذن، والقول مفروض في الدين المؤجل، فإذا باع الراهن الرهنَ بالإذن، ثم اختلف الراهن والمرتهن: فقال الراهن: أذنتَ في البيع المطلق، وقال المرتهن أذنتُ في البيع وشرطتُ أن يوضع ثمنُه رهناً، فظاهر المذهب أن القول قول المرتهن مع يمينه؛ فإن البائع يدعي الإذن على وجه ينقطع فيه تعلق المرتهن، والمرتهن يأبى ذلك، والأصل استمرار تعلقه بحق الوثيقة.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً آخر في ذلك، ووجهوه بأن أصل الإذن متفق عليه، و [المرتهن] 1 يدعي ضم شيء إلى الإذن، والأصل عدمه.
وهذا ليس بشيء، والمذهب الأول.
وهذا ذكره شيخي وأنا أحسبه هفوة، فلا يعتد به.
ثم أطنب المزني في التعلّق بمسألة الوكيل الذي شرط له الجعل الفاسد، وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع مذهباً وحجاجاً.
فرع: 3582 - إذا أذن المرتهن في البيع مطلقاًً والدين مؤجل، ثم رجع عن الإذن قبل جريان البيع، صح رجوعه، ونفس الإذن في البيع لا يبطل حقَّ المرتهن، بل الأمر موقوفٌ على جريان البيع على حكم الإذن.
فلو اختلف الراهن والمرتهن، وقد جرى الإذنُ في البيع والرجوعُ، فقال الراهن: بعتُ قبل رجوعك.
وقال المرتهن: بل رجعتُ قبل بيعك، فالذي ذهب إليه الأكثرون أن القول قول المرتهن؛ فإنه تقابل

هاهنا أصلان: أحدهما - أن الأصل عدم بيعه في الوقت الذي يدعيه، والأصل عدم رجوع المرتهن أيضاًً في ذلك الوقت، فيتقابلان ويبقى أصل الرهن على ما تقرر ابتداء.
ومن أصحابنا من قال: ينفذ البيع؛ فإن الأصل استمرار المرتهن على حكم الإذن الذي سبق منه.
وهذه المسألة تلتفت على اختلاف الزوجين في الرجعة وانقضاء العدة، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
فصل قال: " ولو رهنه أرضاً من أرض الخراج، فالرهن مفسوخ؛ لأنها غير مملوكة ... إلى آخره " 1. 3583 - أراد بأرض الخراج سوادَ العراق وكان غنمه المسلمون، واستولَوْا عليه عَنْوة، واقتسموا واشتغلوا بالحراثة وتعلقوا بأذناب البقر، وتقاعدوا عن الجهاد، فاستطاب أمير المؤمنين عمرُ -رضي الله عنه- قلوبَهم عنها، فاستردَّ [ها] 2 منهم بعوض وغير عوض، ثم حبّسها على المسلمين، وردَّها على سكان العراق ووظّف عليهم أجرة.
هذا مذهب الشافعي، وسيأتي شرحه في موضعه، إن شاء الله عز وجل في كتاب السِّير والجزية، والغرض من ذكره الآن تفصيل القول في رهن تلك الأراضي.
وزعم ابنُ سريج أن عمر باع تلك الأراضي من أهل العراق، وما حبسها وجعل الثمن موظفاً عليهم.
وهذا يخالف نصَّ الشافعي، فإن ابن سريج يزعم أن سواد العراق على التأويل الذي ذكره مملوك، فينفذ بيعه ورهنه.
ونص الشافعي يصرح بأن تلك الأراضي محبَّسةٌ ممتنعٌ بيعها ورهنها.
قال العراقيون: سواد العراق من عَبَّادان إلى الموصل طولاً، ومن القادسية إلى حُلوان عرضاً، فلو فعل الإمام فينا مثلَ هذا، جاز.
والقول فيه يطول، وليس هو من

غرض الكتاب، وإنما المقصود الكلامُ في أن رهن سواد العراق غيرُ جائز على النص؛ فإنه محبس.
وهو جائز على تخريج ابن سريج.
وأما بيع ما فيهِ من أبنية، فكل بناء كان من برّية العراق، فهو أيضاً غير مملوك، وما لم يكن من برّيته، فمملوك، والغراس لا شك أنه مستحدث، فإذا كان مملوكاً، فالرهن فيه جائز، وكذلك البيع.
ولو جمع بين رهن أرضٍ من السواد وغراس فيه مملوك، فهذا من باب تفريق الصفقة.
ثم مما وقع التعرض له في هذا الفصل أن بيع الأرض هل يستتبع الغراس؟ وهذا قد استقصيناه في كتاب البيع على أبلغ وجه، فلا معنى لإعادته، وشرط هذا الكتاب أن نضم فيه أطرافَ الكلام في المثنيات والمكررات.
3584 - ثم قال الشافعي: " لو أدى عنه الخراج، فهو متطوِّع ... إلى آخره " 1. فالمراد أن من رهن بناء مملوكاً أو غراساً، فالخراج على الراهن، فلو أدى المرتهن الخراج نُظر: فإن أداه من غير إذن من عليه الخراج، فهو متطوع لا يجد إلى ما أداه مرجعاً.
ولو أداه بإذن من عليه بشرط الرجوع، رجع، ولو أدّاه بإذنٍ، وما كان الإذن متقيداً بشرط الرجوع، ففي المسألة وجهان مشهوران.
ولا اختصاص لهذا بما نحن فيه.
وكل من أدى ديناً على إنسان، فتفصيله في الرجوع على ما ذكرناه.
ونصُّ الشافعي يميل إلى الرجوع إذا كان الإذن مطلقاًً.
قال الشافعي: لو فادى أسيراً دون إذنه، لم يرجع عليه، وإن فاداه بإذنه، رجع عليه، ولم يعتبر شرطَ الرجوع.
ونصَّ أيضاًً على أن من اكترى داراً وقبضها وأكراها، فأدى المكتري الثاني الكراءَ عن الأول إلى المُكري بإذنه، رجع.
وإن لم يكن بإذنه، لم يرجع، ولم يعتبر شرط الرجوع.
والمسائل كلها على الخلاف بين الأصحابِ.

فصل قال: " ولو اشترى عبداً بالخيار ثلاثاً، فرهنه قبلها، فالرهن جائز، وهو قطع لخياره ... إلى آخره " 1. 3585 - إذا شرط الخيار لنفسه دون البائع، فالمذهب أن الملك للمشتري، وخرّج فيه قولان آخران، تقدم ذكرهما في أول البيع.
والشافعي فرعّ على أن الملك للمشتري، وقال: " لو رهنه في زمان الخيار، صح الرهن، وانقطع الخيار، ولزم البيع ". وهذا مما ذكرناه في كتاب البيع على أبلغ وجه في البيان، وأحسن مساق في التفصيل، والرهن في زمان الخيار بمثابة البيع.
وحاصل المذهب ثلاثةُ أوجه: أحدها - أن الرهن فاسد والعقد على جوازه.
والثاني - أن الرهن فاسد، والخيار ينقطع.
والثالث -وهو ظاهر النص- أن الرهن يصح، وينقطع الخيار به.
وذكر العراقيون، وصاحب التقريب في الوصية اختلافاً يناظر هذا، فإذا أوصى رجل بعبد لرجلٍ، ومات الموصي، فرهن الموصى له العبدَ الموصَى به بعد موت الموصي، وقبل القبول، ففي المسألة أوجه: أحدها - يصح الرهن، ويكون قبولاً للوصية.
والثاني - لا يصح الرهن، ولا القبول.
والثالث - يفسد الرهن، ولكن يقع قبولاً للوصية.
فصل 3586 - ويجوز رهن العبد المرتد، وهذا معنى مستقصى في البيع، ثم ذكرنا المذهبَ في بيع العبد المرتد، وبيع العبد المحارب المستوجب للقتل؛ بسبب القتل والمحاربة، وأوضحنا أن من اشترى عبداً مرتداً، وقبضه، وقتل في يده بالردة، فهو من ضمان البائع أو من ضمان المشتري؟ ولا وجه لإعادة ما سبق.

والقدرُ المتعلق بكتاب الرهن أن من ارتهن عبداً مرتداً، وصححنا الرهن، فقبضه، ثم قتل في يده بالردة، نظر: فإن لم يكن الرهنُ مشروطاً في بيعٍ، فلا أثر لما جرى، وقد ارتفع الرهن بفوات المرهون.
وإن كان الرهن مشروطاً في بيع، فإذا قتل العبد في يد المرتهن، ففيه الخلاف المقدم ذكرُه في البيع: ففي وجهٍ يُجعل كما لو قتل في يد الراهن، ولو قتل في يده، لما كان وافياً بالرهن المشروط، ثم حُكمه أن يتخير البائع في فسخ البيع؛ فإن من شرط رهناً، فلم يتفق الوفاء به، ثبت له الخيار.
وسيأتي بيان هذا الأصل.
وإن قلنا: المرتد في يد المرتهن محسوبٌ عليه، فقد توفر عليه المشروط، فلا يثبت له حق فسخ البيع.
3587 - ويتصل بهذا الفصل أن الرهن إذا كان مشروطاً، ثم اتفق ضياعه في يد المرتهن، ثم اطلع المرتهن على عيب بعد فوات الرهن، فهذا من غوامض الأحْكام في الرهن.
وهو بين أيدينا.
ولكن نُنْجز منه شيئاً.
فنقول: إن اطلع على عيب وأمكن الرد ورَدَّ، ففائدة ذلك أن يتخيّر في فسخ البيع.
وإن عسر الرد بالتلف، وقد فرض الاطلاع من بعدُ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنه قد فات الأمر؛ فإن الرد غير ممكن، والأرش لا وجه له؛ فإن الأرش استردادُ جزءٍ من الثمن.
والوجه الثاني - أنه يثبت للمرتهن حق فسخ البيع؛ لأن النقصان الذي اطلع عليه في حكم جزء لم يصل المرتهن إليه، ولم يتحقق الوفاء بالشرط فيه، فهو كما لو شرط رهن أشياءَ، فاتفق الوفاء برهن بعضها دون بعضٍ، فالخيار ثابت.
ونص الشافعي يميل إلى هذا.
فإذا ارتهن مرتداً، فقتل في يده، وفرعنا أنه محسوب عليه، فلو اطلع على الردة من بعدُ، فهذا ما ذكرناه من الاطلاع على العيب بعد فوات الرد.

فصل قال: " ولو أسلفه ألفاً برهنٍ ... إلى آخره " 1. 3588 - إذا رهن من عليه ألف عبداً بالألف، ثم أراد أن يرهن بذلك الألف عبداً آخر أو ما بدا له، فليفعل، ولا منع من هذا؛ والسببُ فيه أن الرهن هو المشغول بالدين، والدين غيرُ مشغولٍ بالرّهن؛ فإنه ليس عوضه، ولا موثقاً به، فالزيادة في الرهن لا منع منها.
فأما إذا أراد أن يزيد في الدين، ويرهن ذلك المرهون بدين آخر، ضما إلى الدين الأول، فإن فسخا الرهن الأول وأعاداه بالدينين، فلا شك في جوازه.
ولو قررا الرهن الأول، وأرادا ضم دين آخر إليه، ففي جواز ذلك قولان: أحدهما - يجوز، وهو القديم، واختيار المزني.
والثاني - لا يجوز.
وهو الجديد.
ومذهب أبي حنيفة 2. 3589 - توجيه القولين: من منع ذلك، احتج بأن قال: إذا أُقر الرهنُ الأولُ، وزيد في الدين بذلك الرهن، فهذا رهنُ مرهونٍ، ورهنُ المرهون لا يجوز، كما لو فرض رهنه من آخر.
ومن قال: إنه جائز، فلا وجه لقوله إلا اعتبارُ 3 الدين بالرهن.
وقد قدمنا أن الزيادة في الرهن جائزة؛ فإذا لم يمتنع هذا في أحد الجانبين وحكمُ العقود التساوي، لم يمتنع في الجانب الآخر.
ولمَّا منعنا الزيادةَ في الثمن بعد لزوم العقد، منعناها في المثمن.
ومن بدائع الأمور اختيار المزني جوازَ هذا الإلحاق، مع ميله إلى القياس في اختياراته، وأبدعُ من هذا منعُ أبي حنيفة لهذا الإلحاق، مع مصيره إلى أن الزيادة

تلحق الثمن والمثمن، بعد لزوم العقد.
3590 - ومما يتعلق بالمسألة أن العبد المرهون لو جنى جنايةً، وتعلق الأرش برقبته، وسنذكر أنه يباع في الأرش، ولا يبالَى بحق المرتهن إذا لم يَفْدِه الراهن، فلو قال المرتهن: أنا أفديه، ويكون ما أفديه به ديناً على السيد، ويصير 1 العبد مرهوناً بما أُقرضُ الراهنَ في فدائه، ففي جواز ذلك قولان مرتبان على القولين في الأصل.
وهذه الصورة أولى بالجواز، من قِبل أن هذا الفداء من مصلحة الرهن، وهو سبب استبقائه، فكان ما قدرناه فيه أقربَ إلى الجواز.
وقرب الأئمة هذا من أصلٍ رمزنا إليه في كتاب البيع، وهو أن المشرف من الحقوق على الزوال إذا استدركت يُجعل استدراكها بمثابة زوالها وإعادتها أم يحمل الاستدراك على موجب الاستدامة فيها؛ فعلى قولين، مأخوذين من معاني كلام الشافعي.
وعليه بنينا استثناء الثمار عن مطلق بيع الأشجار قبل بدوِّ الصلاح، حيث قلنا: إنها إن كانت كالزائلة العائدة، فلا بد من شرط القطع في استثنائها، وإن بنينا الأمر فيها على الاستدامة، وهو الصحيح، فلا معنى لشرط القطع.
فإذا جنى العبد المرهون، فقد أشرف الرهن على الزوال، بتقدير أنه يباع في أرش الجناية، فإذا فدى المرتهن بالإذن على الشرط الذي ذكرناه، فهل يجعل هذا كما لو انفك الرّهن ثم أعيد؟ ولو كان كذلك، لصحّ فيه الخلاف الذي ذكرناه.
فصل قال: " ولو أشهد المرتهن أن هذا الرهن في يده بألفين ... إلى آخره " 2. 3591 - صورة المسألة إذا أقر الراهن أن العبد الذي في يد المرتهن مرهون عنده بألفين، ثم ادّعى بعد ذلك أنه رهنه أولاً بألفٍ، ثم ألحق به ألفاً آخر على ما ذكرناه في صورة القولين.
فإن قلنا: الزيادة في الدين جائزة، فلا معنى لدعواه.
وإن قلنا:

لا يجوز ذلك، فلو صدّقه المرتهن، فذاك، وإن كذّبه، فالقول قول المرتهن.
وللراهن أن يحلّفه؛ فإن ما يدعيه محتمل.
وقد مهدنا فيما سبق أن جواز التحليف يعتمد الإمكان، وإنما جعلنا القول قول المرتهن؛ لظهور الإقرار في ثبوت الرهن بألفين، وظهور الإقرار، واحتمال ما قال الراهن يبيح الرجوعَ إلى قول المرتهن مع يمينه.
ولو ادعى الراهن ما وصفناه، فقال المرتهن: فسخنا الرهن الأول بالألف، وأعدناه بالألفين، وأنكر الراهن الفسخ وادعى الإلحاق من غير فسخ وإعادة، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن القول قولُ المرتهن؛ فإنه معتضد بالإقرار المطلقِ الصادر من الراهن؛ إذ قال أولاً: العبد مرهون بالألفين.
والثاني - أن القول قول الراهن؛ فإن المرتهن ادعى فسخاً وإعادة، والأصل عدم ما ادعاه.
وكل من ادعى عقداً جديداً، فهو في مقام المدعين.
3592 - ومما يتصل بهذا الفصل أنا إذا منعنا إلحاق الزيادة بالدين مع اتحاد الرهن، فلو قال الراهن لشاهدين: كان هذا العبد رهناً بألفٍ، فجعلته رهناً بألفين، فشهد الشاهدان على لفظه، ونقلاه إلى مجلس القاضي، وكان القاضي يعتقد أن الزيادة لا تلحق، فمعلوم أن اللفظة التي نقلها الشاهدان محتملةٌ لفسخٍ وتجديدٍ، ومحتملة للإلحاق، ففي المسألة وجهان ذكرهما صاحبُ التقريب: أحدهما - لا يحكم الحاكم بكونه رهناً بالألف الثاني، حتى يتبين له تفصيل الحال.
والثاني - أنه يلزمه الحكم بكونه رهناً؛ فإنه يجب على الحاكم حمل ما ينقله الشهود على الصحة.
والدليل عليه أنهم لو شهدوا على بيع مطلق، حمل على الصّحة في ظاهر المذهب.
مع اختلاف العلماء في الصحيح والفاسد من البيوع.
وهذا الذي ذكرناه فيه إذا لم يطلع الشاهدان على سر الحال، ولكن سمعا من الراهن لفظه المطلق: " إنِّي جعلت هذا رهناً بألفين ". فأمَّا إذا علم الشاهدان أنهما ما جددا عقداً بعد فسخٍ، وإنما ألحقا، وكان الشاهدان يعتقدان أن ذلك لا يجوز، والزيادة لا تلحق، فلو أرادا أن يشهدا مطلقاًً

وينقلا لفظ الراهن " إني جعلت هذا رهناً بألفين " فهل لهما أن يشهدا مطلقاًً؟ قال صاحبُ التقريب: هذا ينبني على أن القاضي هل يقبل ذلك؟ فإن قلنا: لا يقبله، فلا نظر إلى إطلاقهما.
ثم إذا استفصل القاضي، فصَّلا ما عندهما.
وإن قلنا: القاضي يقضي بالمطلق من شهادتهما من غير بحث، فعلى هذا هل يجوز لهما إطلاق الشهادة مع العلم بسر الحال؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحبُ التقريب.
قال: والأصح أنه لا يجوز الإطلاق.
والأمر على ما قال.
وليس للوجه الثاني وجه.
فصل قال: " ولو رهن عبداً قد صارت في عنقه جناية ... إلى آخره " 1. 3593 - قد تقدم في كتاب البيع اختلافُ القول في بيع العبد الجاني إذا تعلق برقبته أرشُ جنايته، فلو رهن المالك العبدَ الجاني وفي عنقه الأرش، فلأصحابنا طريقان: منهم من أجرى القولين في صحّة الرهن والقبض، كما تقدم في البيع.
ومنهم من قطع بأن الرهن مردود قولاً واحداً بخلاف البيع، واعتلَّ بأن المرهون لو جنى جناية مالية، وتعلق أرشها برقبته، وامتنع السيد من فدائه، عُرض على البيع، وبيع في أرش الجناية.
وإذا كان طريان الأرش يتضمن قطعَ حق المرتهن وتقدّمَ حق الأرش على حقه، فينبغي أن يُمْنَع إيراد الرهن على العبد الذي في رقبته أرش.
وإذا امتنع رهنُ المرهون، فالوجه امتناع رهن الجاني؛ فإن تعلق الأرش بالرقبة يوثق بها، والمتعلَّق الأظهر في الحال [لأرش] 2 الرقبة، والدين الذي به رهنٌ يتعلق أصله بالذمة، والتوثق في حكم تأكيد الأصل، فإذا امتنع رهن المرهون، وجب أن يمتنع رهن الجاني الذي في رقبته مالٌ.
ولو جنى العبد جناية توجب القصاص، ففي بيعه تصرفٌ للأصحاب، وخرّجوه

على أن موجب العمد ماذا؟ وقد مضى هذا مفصلاً في البيع.
فإذا جوزنا البيع جواباً على أن موجب العمد القودُ المحض.
(1 وجوّزنا الرهن في هذه الصورة على هذا القول 1)، والجريان على أن تعلقَ الأرض يمنع الرهن، فلو فرض بعد انبرام الرهن بالقبض عفوُ المجني عليه، على مالٍ، أو من غير مالٍ، ورأينا العفو المطلق مقتضياً للمال، فقد اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: ثبوتُ المال طارئاً في الصورة التي انتهينا إليها بمثابة جنايةٍ تطرأ على الرّهن من العبد المرهون، ولو كان كذلك، لم نحكم ببطلان الرهن، ولكن يثبت حق بيعه في الجناية، فإن اتفق ذلك، انقطع الرهن.
وإن لم يتفق بسببٍ، فالرهن باقٍ.
كذلك إذا عفا المجني عليه عفواً يوجب المال.
ومن أصحابنا من قال -وهو اختيار شيخي- نتبين أنّ الرهن في أصله غيرُ منعقد.
ولا شك أن التفريع على منع رهن الجاني جناية مالية.
ووجهُ الوجه الذي ذكرناه أن الرهن جرى مقترناً بسبب هو الذي أفضى إلى ثبوت المال في المآل، فتبين آخراً أن السبب المقترن كان مانعاً.
ومن الأصول تنزيل الأسباب إذاً أفضت إلى مسبباتها منزلة تحقق المسببات.
وليس كالجناية الطارئة التي لا استناد لها إلى سبب متقدّم.
التفريع: 3594 - إن جرينا على الوجه الأول، وهو تنزيل ثبوت المالِ طارئاً منزلة طريان الجنايةِ، فلا كلام.
وإن أسندنا 2 تبيّن فساد الرهن، فلو كان العبد احتفر بئراً في محل عدوان، فرُهن وأُقبض، وتردّى في البئر متردٍّ، فأرشه يتعلق برقبة العبد المرهون المتسبب بالحفر.
ثم كيف السَّبيل فيه على هذا الوجه الذي ذكرناه في العفو عن جناية الرهن عمداً؟ وجهان في هذه الصورة: أحدها - أنا نتبين أن الرهن كان فاسداً، كما تبينا الفساد في العفو الطارىء.
والوجه الثاني - أن هذا ليس بالعفو؛ فإن الجناية واقعة في تلك الصورة والعبد منعوت بكونه جانياً.
وليس كذلك حفر البئر؛ فإنه ليس جناية واقعة.
والفرق لائح.1

فهذا منتهى قولنا في ذلك.
3595 - ثم إن صححنا رهنه العبد الجاني جناية مالية، فنجعل السيد مختاراً للفداء، كما إذا باعه، وفرعنا على نفوذ بيعه، حتى قال الأئمة: هل يلزمه الفداء أم ننقض عليه بيعَه إذا امتنع؟ فعلى وجهين لا يخفى توجيههما.
وعلى حالٍ 1 لا يبطل حق المجني عليه.
3596 - ولو باع العبدَ الجاني، وكان معسراً ليس له وفاء بالفداء، فالمذهب الأصح الحكم بفساد البيع، وتخصيص القولين بما إذا كان السيد متمكناً من الفداء.
ومن أصحابنا من نفذ البيع من المعسر لحق ملكه، وأثبت للمجني عليه الخيارَ.
وما ذكرناه في البيع من ذلك كله جارٍ في الرهن.
فإذا رهن وأقبض، كان كما لو باع، ومهما 2 اختلف الأصحاب في فساد البيع، فالرهن أحق بالفساد لما ذكرناه في أصل الفصلِ من اختلاف طريق الأصحاب في تصحيح رهن العبد الجاني.
وإذا جرى التفريع على الفساد، فلا فرق بين أن يكون أرشُ الجاني مستغرقاً لقيمته، وبين أن يكون أقلَّ منها، فإن المانع إذا منع التعلق، فهذا المعنى متحقق في القليل والكثير، وهو بمثابة الحكم بفساد بيع المرهون دون إذن المرتهن.
ولا فرق بين أن يكون الدين في مقداره مثلَ القيمة، وبين أن يكون أقل منها.
فصل قال: " ولو ارتهنه [فقبضه] 3 ثم أقر الراهن أنه جنى ... إلى آخره " 4. 3597 - إذا رهن مالك العبد العبدَ، وأقبض، ثم أقر بأنه كان جانياً، والأرش في رقبته، لمّا رهنه، وأنكر المرتهن ذلك، ورام استمرار الرهن له، نُظر: فإن لم يذكر

الراهن المجنيَّ عليه، بل أرسل الإقرار بالجناية، وتعلّقِ الأرش، فقوله مردود؛ فإنه رام إبطال حقٍّ التزمه بقوله، ولم يسنده إلى مستحِق، فلم يبطل الحق الذي ظهر التزامُه بقول مبهم بلا ثبت، وسيتضح هذا في أثناء الكلام، إن شاء الله.
وإن أسند الراهن إقراره إلى مجنيٍّ عليه في نفسه، أو ماله، فإن كذبه المقَرُّ له، بطل إقراره، واستمر حق [المرتهن] 1. وإن صدقه المقَرّ له، فهذا موضع اختلاف النصوص واضطراب الأقوال.
3598 - وحاصل ما نقل في المذهب في تأسيس الفصل ثلاثة أقوال: أحدها - أن إقرارَ الراهن مردود لمنافاته موجَبَ رهنه وإقباضِه.
وأصل الشرع أن يؤاخذ الرجل بسابق قوله وفعله، فيما يتعلق بثبوت الحقوق وبطلانها.
ولو نفذنا إقراره، لأبطلنا مقتضى تصرفه وإقباضه، وهذا القول أَقْيس الأقوال.
والقول الثاني - أن إقراره مقبول؛ من جهة أن ملكه مستمر في المرهون، والتهمة منتفية؛ من قبل أَنَّ العاقل لا يتسبب إلى التزام مَغرم في ملكه، لإبطال حق وثيقة لغيره.
وبيان ذلك أن المعترَف به أصلُ الغرم، وحق المرتهن توثُّق وتعلُّق، فيبعد أن يلتزم أصلَ الغرم لقطع تعلُّقٍ.
وهذا يناظر قبولَ إقرار العبد فيما يوجب عليه عقوبة.
والقول الثالث - أن المقر إن كان موسراً، نفذ إقراره، ويلزم أن يغرم للمرتهن قيمةَ المرهون، ليوضع رهناً؛ فإنه بقوله تسبب إلى بطلان حق المرتهن.
وإن كان معسراً، لم يقبل إقراره؛ فإن في قبوله إبطالُ حق المرتهن، لا إلى بدلٍ.
واختلاف الأقوال في قبول الإقرار وردِّه قريب المأخذ من اختلاف الأقوال في تنفيذ عتق الراهن وردِّه.
وقد ذكرنا فيه ثلاثة أقوالٍ: أحدها - الفرق بين الموسر والمعسر.
والعتقُ على رأي من نفذه يعتمد الملكَ.
والإقرارُ عند من ينفِّذه يعتمد الملكَ أيضاً، وانتفاءَ التهمة.
ولهذا التفات على اختلاف القول في أن العبد إذا أقر بسرقة مالٍ، نفذ الإقرار في

وجوب القطع.
وهل ينفذ في ثبوت المال؛ فيه تردد أشرنا إليه.
وسيأتي تقريره في كتاب السرقة، إن شاء الله تعالى.
وعبر الأئمة عن هذه الأصول بأن قالوا: الإقرار ممن هو صحيح العبارة إذا انتفت التهمة عنه بالكلية، وتعلق بما للمقِر فيه حق، فهو مقبول، وإن تضمن بطلانَ حق الغير، كما ذكرناه في ثبوت العقوبة بإقرار العبد.
وإذا اقترن بالإقرار شيء يتعلق الإقرار المقبول به، فهل يقبل الإقرار في قرينة العقوبة؛ فيه اختلاف قولٍ.
وأصل الإقرار مقبول من السيد لا خلاف فيه، ولو انفك الرهن، كان مؤاخذاً به؛ فإن الأصل لا تهمة فيه، وهو مصادِف محلَّ حقه، وبطلان حق المرتهن قرينة مقترنة بإقرارٍ مقبول الأصل، وفي نفوذ الإقرار في القرينة التردد الذي ذكرناه.
3599 - ولو أقرّ الراهن بأنه كان أعتق العبد قبل أن يرهنه، ففي إقراره الأقوال الثلاثة.
وكذلك لو أقر بأنه كان مغصوباً عنده، وأنه رهنه متعدياً وكان غاصباً.
ولو باع عبداً وألزم العقد، ثم جرى بعد لزوم العقد إقرارٌ من البائع، لو قدر نفوذه، لبطل البيع، ولا تهمة على المقِر في ظاهر الأمر، فقد قطع الأصحاب برد هذا الإقرار في حق المشتري، وتقرِير البيع؛ والسبب فيه أن إقراره جرى وليس للمقِر ملك في ظاهر الحال، وإقرار الإنسان في ملك غيره مردود، وليس كإقرار الراهن؛ فإنه صادف محلَّ ملكه.
وقد ذكر بعض الأصحاب طردَ الأقوال في إقرار البائع فيما يتضمن بطلانَ البيع، ورمز إليه شيخي في بعض أجوبته، ثم رجع.
وهذا فيما أراه هفوة لا يعتد بها.
وقد يعترض للناظر أن الراهن إذا أقر بكونه غاصباً، فليس إقراره في محل ملكه على زعمه.
وفيه الأقوال.
وقد يقول هذا القائل: إقرار البائع له تعلق ببيعه الذي تعاطاه، وعهدته متعلقة به، وليس كقرارٍ مرسلٍ من أجنبي في ملك الغير.
ولا اغترار بهذا، ولا وجه إلا القطعُ برد إقرار البائع بعد لزوم العقد، وتخصيص الاختلاف بالرهن.

نعم.
في معناه الإجارة: فلو أجر عبده، ثم اعترف بأنه كان جانياً، والتفريع على منع إجارة الجاني قبل الفداء، فالأقوال تخرج خروجها في المرهون؛ لأن الإقرار صدر عن مالك الرقبة، فانتظم الترتيب كما ذكرناه.
3600 - ومما يتعلق بتمهيد أصل الأقوال في إقرار الراهن أنه لو أقر بتعلق أرش يقصر مقدارُه عن قيمة العبد ومبلغِ الدين، فالتهمة في ذلك المقدار تنتفي، والأقوال الثلاثة تخرج.
ولو قبلنا.
الإقرارَ، لأبطلنا الرهن في الزائد، والتهمةُ متمكنة فيه.
ولأصحابنا في ذلك الزائد طريقان: منهم من قطع برد الإقرار فيه لتمكن التهمة.
ومنهم من أجرى الأقوالَ الثلاثة في الجميع طرداً للباب.
وهذا ضعيف.
وسيخرجُ عليه في أثناء الكلام تفريع، وعنده يبينُ حاصل القول في أصل الفصل الزائد.
وقد انتهى الغرض في تأصيل الأقوال.
وحان التفريع عليها.
3601 - فإن قلنا: لا نقبل إقرار الراهن، فلا بد من فرض دعوى من المقَر له، وبذلك ينتظم الكلام، والتفريع، فإذا أصر المقَرّ له على الدعوى، ورَدَدْنا على القول الذي نفرع عليه إقرارَ الراهن، راجعنا المرتهنَ، فإن صدق الراهن، فيباع العبد في أرش الجناية أو يفدى؛ فإنا رددنا إقرارَ الراهن استبقاءً لحق المرتهن، فلا يبقى مع تصديقه إلا تنفيذ حكم الجناية.
ثم إذا بيع العبد في الأرش، وكان المرتهن شرط في البيع رهناً، فيثبت له في هذه الصورة فسخُ البيع إذا لم يتحقق الوفاء بمشروطه.
هذا إذا وافق المرتهن.
فأمّا إذا أنكر وقد رددنا قول الراهن، فلا بد من تحليف المرتهن إذا طلب المدعي ذلك، ثم لا يخلو إما أن يحلف أو ينكُل 1، فإن حلف، استقر حقه في الرهن، وبقي الكلام بعد ذلك في أن المقَر له هل يغرَم له الراهن المقِر، بسبب أنه بالرهن والإقباض حال بين المجني عليه وبين حقه من رقبة الجاني.
ثم باعترافه أقر بصنيعه.
في المسألة قولان سيأتي أصلهما في المغصوب.

والذي ننجزه الآن بناؤهما على ما لو قال صاحب اليد في الدار غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، فالدار مسلَّمةٌ إلى المقَرّ له أولاً.
والإقرار الثاني في حكم الرجوع عن الإقرار الأول، فتسلّم الدار إلى الأول.
وهل يغرم المقِر للثاني قيمةَ الدار بسبب إيقاعه الحيلولةَ بينه وبين الدار بالإقرار الأول؟ في المسألة قولان.
3602 - ثم نعود إلى ما ذكرناه في مسألتنا، فإن قلنا: لا يغرَم الراهن للمقَر له شيئاًً، فلا كلام.
وإن قلنا: إنه يغرَم، ففي القدر الذي يغرَم له طريقان: من أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما - أنه يغرَم أقلَّ الأمرين من الأرش والقيمة.
والثاني - أنه يغرَم الأرش بالغاً ما بلغ، وإن زاد على القيمة.
وهذا بعينه اختلاف القول في أن السيد إذا أراد أن يفدي عبده الجاني، فبكم يفتديه؟ وسيأتي تفصيل ذلك في آخر الديات إن شاء الله تعالى.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قطع القولَ بأن الراهن لا يغرَم للمقر له إلا أقل الأمرين، كما لا يغرم سيدُ المستولدة في فدائها إلا الأقلَّ، والجامع أَنَّ فداء المستولدة ضروري، لا تعلق له بالاختيار، فكان بمثابة مَا لو جنى العبدُ وتعلق الأرش برقبته، فقتله مولاه، وكان الأرش زائداً على القيمة؛ فلا يغرَم المولى إلا القيمةَ؛ فإن إتلافه لا ينبغي أن يزيد غرمه على غرم إتلاف الأجنبي.
وإذا وضح هذا، فالغرم على الراهن بعد تقدم الرهن، مع الحكم برد إقراره غرمٌ ضروري، فاتجه القطع باعتبار الأقل.
هذا كله إذا حلَّفنا المرتهن، فحلف.
ثم لا يخفى أنه يحلف على عدم العلم بجناية العبد.
وكل يمين يتعلق بنفي فعلِ الغير، فهي على نفي العلم.
3603 - فأما إذا نكل المرتهن، فاليمين على من ترد؛ على قولين: أحدهما - أنها تُردّ على المجني عليه المقَر له؛ فإن الحق له، ولولا حقه، لقرّ الرهنُ، وانقطع الخصام، فليقع الرد عليه.
والقول الثاني - أن اليمين ترد على الراهن المقِر؛ فإنه

المالك، وكأنه ينفي حقَّ المرتهن من الرهن، فارتبطت الخصومة به من هذا الوجه.
التفريع على القولين: 3604 - فإن رددنا اليمين على المجني عليه، نظر: فإن حلف، ثبت دعواه وانتُزع العبد من يد المرتهن، وبيع في حقه، وليس للمرتهن أن يفسخ البيع الذي شُرط الرهنُ فيه؛ لأن الراهن يقول: أنت أبطلت حقك بنكولك.
فإن قال المرتهن: وأنت أقررت أيها الراهن بانتفاء الرهن.
فالراهن يقول: لكنك لم تقبل إقراري، ولم يقبله الشرع، ولم يبطلُ الرهن إلا 1 بسبب نكولك، ولم يكن لقولي أثر.
وهذا واضح.
وإن نكل المجني عليه المقَرّ له، لم يكن له أن يغرِّم الراهنَ شيئاًً، ويبقى العبد رهناً.
والسبب فيما ذكرناه أنه بنكوله أبطل حقَّ نفسه.
ووضوح ذلك يغني عن بسطه.
هذا إن رأينا ردَّ اليمين بعد نكول المرتهن على المجني عليه.
فأما إذا قلنا: اليمين ترد على الراهن المقِرّ، فعلى هذا إن حلف، سُلّم العبد للبيع.
في حق المجني عليه، وليس للمرتهن في هذه الصورة فسخ أيضاًً؛ فإنه بنكوله أبطل حق نفسه، فكانت الإحالة على نكوله.
هذا إذا حلف الراهن.
وإن نكل الراهن عن يمين الرد، فهل للمجني عليه أن يحلف بعد نكول الراهن؟ قولان: أحدهما - له ذلك؛ لأن مصير الحق إليه، ويستحيل أن يَبطل حقُّه بنكول الراهن، كما لا يبطل حقه بسبب رجوعه عن الإقرار.
والقول الثاني - لا ترد اليمين على المجني عليه؛ فإن اليمين في الخصومات ليس لها إلا مرد واحد، ومنتهاها مردُّها.
فإذا ثبتت يمين الرد في جانب، لم تتحول عنها.
فإن قلنا: لا يرد اليمين إلى المجني عليهِ، نجعل نكولَ الراهن بمثابة حلف المرتهن، ونقرر الرهنَ.
ثم يعود

القولان في أن الراهن المقِرَّ هل يغرَم للمقَر له؛ من جهة أنه حقق الحيلولةَ؟ وقد مضى هذا.
وإن قلنا: يرد اليمين على المجني عليه، فإن حلف، ثبت حقه وبيع العبد في الأرش، وليس للمرتهن خيار الفسخ؛ فإنه أبطل حقه بنكوله عن اليمين.
وقد تمهد هذا.
وإن نكل المجني عليه عن اليمين، لم يكن له تغريم الراهن قولاً واحداً؛ فإنه كان مقتدراً على رفع الحيلولة، فلم يرفعها وأكدها، فإذا كانت الحيلولة محالاً عليه، لم يثبت له تغريم الراهن المقر.
وكل ما ذكرناه تفريع على أن إقرار الراهن غير مقبول، والقول قول المرتهن.
ثم انشعب الكلام من تحليف المرتهن إلى صور.
3605 - فأما إذا فرعنا على أن إقرار الراهن مقبول، فهل يقبل قوله من غير يمين، أم يحلَّف؟ في المسألة وجهان: أحدهما - أنه لا يحلّف؛ من جهة أنه مقر على ملكه وسبب نفوذ إقراره مصادفته ملكَه مع انتفاء التهمة، وهذا المعنى يوجب أن لا يحلّف.
ومن أصحابنا من قال: لا بد من تحليفه لتعلق حق المرتهن بمحل إقراره، فالإقرار مقبول على قاعدته، واليمين معروضة لمكان حق المرتهن.
فإن قلنا: يقبل قوله دون اليمين، سلّم إلى البيع في حق المجني عليه.
وإن قلنا: إنه يحلّف، لم يخل: إما أن يحلِف، أو ينكُل، فإن حلف، ثبت الإقرار، وبيع العبد في الجناية، وتخير المرتهن إن كان الرهن مشروطاً في بيع.
وإن نكل عن اليمين، فالمرتهن يحلف؛ من قِبل أن الخصومة بينهما تدور، وإنما حلفناه لحق المرتهن، فإذا نكل، فالرد على صاحب الحق.
ثم إن نكل المرتهن، كان نكوله بمثابة حلف الراهن، جرياً على القياس الممهد في حكم يمين الرد، ولا خيار له؛ فإنه بنكوله أبطل حق نفسه في هذا المكان؛ فلم يملك الفسخ.
هذا إذا نكل عن يمين الرد.

فأما إذا حلف المرتهن لما نكل الراهن -والتفريع على قبول قول الراهن مع يمينه- فإذا انتهى الأمر إلى ما ذكرناه، ففي المسألة قولان: أحدهما - أن العبد يَقِرُّ في يد المرتهن مرهوناً، وهذا فائدة حلفه.
وظاهر القياس هذا.
ولا يتجه غيرُه.
والقول الثاني - أن العبد يُنتزع من يده، ويباع في الجناية، ولا أثر لنكول الراهن وحلف المرتهن إلا أنه يُغرِّمه قيمةَ العبد المرهون ليوضع رهناً، وينسب في الامتناع عن اليمين إلى تفويت حق المرتهن، ولا فائدة على هذا القول لتصوير اليمين والرد، إلا بتثبيت قيمة العبد ووضعها رهناً مكان العبد.
3606 - ومما يجب التنبيه له في هذا المنتهى أنا نتخيل الأقارير ثلاث مراتب: المرتبة العليا - إقرار من مُطلق فيما يعرف حقاً له، فهو مقبول؛ فإنه صادر من مُقِر 1 مُطلق فيما يقتضي الظاهر كونَه حقه، وليس يتضمن إقرارُه إبطالاً لحق غيره.
هذه مرتبة وعليها خروج الأقارير الصحيحة.
والمرتبة الأخرى - إقرارٌ في محلٍّ هو في ظاهر الظن حق الغير، ولا ولاية للمقر.
فهذا الإقرار مردود؛ لأنه على الغير، لا في حقه، فإن اشتمل الإقرار على ما ينفي التهمة، فالإقرار قد يقبل في محل انتفاء التهمة، وهذا يظهر فيه إذا كان حق الغير يتلف بعقوبةٍ على المقِر، كالعبد يُقر بما يوجب عليه قصاصاً أو حداً.
ولو كان لما وصفناه قرينة، ففي نفوذ الإقرار فيها القولان المقدمان، وهو كإقرار العبد بسرقة مالٍ.
فهذا بيان هذه المرتبة، مع ما يستثنى منها.
ومن مراتب الإقرار أن يصادف ملكاً فيه حقٌ لازم ظاهراً، والمقر مطلق في نفسه، ففي قبول أصل الإقرار خلاف.
فإذا قبلناه، عدنا فترددنا في أنه يقبل من غير يمين أم مع اليمين؟ وسبب هذا التردد قيامُ حق المرتهن.
3607 - ثم إن فرضنا حَلِفاً من المقر، نفذ الأمر، ولم يبق للمرتهن إلا الخيارُ في البيع.
وإن فرضنا نكولَه عن اليمين، رددنا اليمين وترددنا؛ من جهة أن التفريع على

قول قبول الإقرار.
ويبعد في مسالك الأقارير أن يرد لمكان نكولٍ عن يمين، مع رد يمين، وبعُدَ علينا أن نعطِّل أثر اليمين بالكلية، فقلنا في قولٍ يستخرج العبد من يد المرتهن؛ فقول الراهن إذن ليس إقراراً، بل كأنه قولٌ مقبول ممن يظهر صدقُه، كقول المودعَ في الرد، وقول كل مدّعىً عليه، ومساق هذا يوجب تثبيت الرهن في يده إذا حَلف على خلاف قول الراهن.
وإن قلنا: العبد يستخرج من يد المرتهن، وإن [حلف] 1، فقولُ الراهن إقرارٌ في حقه.
ولكنه لو حلف، لأبان بحلفه أن أصل الرهن لم يكن، فإذا لم يحلف وحلف المرتهن غرّمنا الراهن في حق المرتهن، كالمعتِق لما انجر إليه من التهمة لما نكل، فألزمناه القيمة لهذا التخيّل 2. وهذا ضعيف، ولكن نقله الأئمة المحققون.
فإن قلنا: يبقى الرهن في يد المرتهن، فلا كلام، وإن قلنا: يغرم الراهن له القيمة، فهل يثبت له الخيار؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يثبت؛ لأنه لم يسلم له الرهن في العبد الذي عينه.
والوجه الثاني - أنه لاخيار له، كما لو سلّم العبد المشروط ثم أتلفه؛ فإنه يلتزم قيمته ولا خيار للمرتهن.
من قال بالأول انفصل عن الإتلاف بأَنْ قال: لما أقبضه، فقد وفاه حقَّه، وصار وافياً بشرطه، فانقطع الخيار لذلك.
وقول الجاني فيما نحن فيه له انعكاس على أول الرهن؛ من قِبل أنه يُشعر بأن الرهن لم ينعقد.
فليتأمل الناظر تردد الفقهاء عند تركّب الموجَبات والمقتَضيات.
ثم إن قلنا: تقر العين المرهونة في يد المرتهن، فهل يغرم الراهن للمجني عليه؛ فعلى قولين مقدمين؛ من جهة أنه بنكوله حقَّقَ الحيلولةَ بين ذي الحق وبين محل حقه.
ولهذا نظائر ستأتي مشروحة في كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى.
وكل ما ذكرناه تفريع على أن رهن العبد الجاني الذي في رقبته أرشٌ باطل.

3608 - فأما إذا صححنا رهن الجاني، والتفريع على أن إقرار الراهن مردودٌ فيما يتضمن بطلانَ حق المرتهن.
فلو قال: قد رهنت وأقبضت، ثم أقررت إقراراً لا ينافي رهني وإقباضي، فاقبلوا قولي.
قلنا: اضطرب الأئمة في ذلك؛ والقول فيه محتمل جداً.
وقد تردد الأئمةُ: فقال بعضهم: إقراره بتقدم الجناية مقبول على هذا القول؛ فإنه لا منافاة بين تصحيح الرهن والقبض وبين الجناية، وهو مُطلق أقر بأمرٍ ممكن في ماله.
وليس كما إذا فرعنا على أن رهن الجاني مردود؛ فإنه إذا رهن، وأقبض، ثم أقر، فإقراره يتضمن مناقضة ما قدمه من عقده وإقباضه.
فلم يقبل منه في قولٍ.
كما سبق.
وذهب بعض الأصحاب إلى أنا إذا رأينا رد إقراره على قولنا بفساد رهن الجاني - فيُرد إقرارُه على القول بصحة رهن الجاني؛ فإن قبول إقراره يتضمن نقضَ يد المرتهن.
والرهن إذا انبرم بالقبض، فمقتضاه لزوم حق المرتهن، فالراهن المُقبض ملتزم إلزام حق المرتهن.
فإذا أتى بما يناقض قولَه ومضمونَ فعله، رُدَّ على قولَ الرد، كما يرد إقرارُه على قول فساد رهن الجاني؛ من جهة أنه بلفظه في العقد وإقباضه التزم صحته له.
فإذا أقر بما ينافي الصحّةَ، رُدّ إقرارُه في القول الذي عليه التفريع.
فرع: 3609 - إذا رأينا قبول إقرار الراهن على قول فساد رهن الجاني، وانتهى الأمرُ إلى بيع العبد المرهون في أرش الجناية، فإذا بعناه، فلو فضل من ثمنه شيء، فقد اختلف أصحابنا في ذلك الفاضل، فمنهم من قال: هو خارج عن هذا الرهن، لا عُلْقة فيه للمرتهن.
ومنهم من قال: ذلك الفاضل مرهون؛ فإن إقرار الراهن إنما يقبل في مقدار الأرش.
وهذا يلتفت على ما أجريناه في أثناء الكلام، من أن الراهن لو أقر بأرش يقصر عن القيمة، ورأينا قبول إقراره، فهل نحكم بانفكاك الرَّهن في الجميع أم نقضي بانفكاكه في مقدار الأرش؟ فيه التردد الذي سبق.
فالقول في الفاضل ملتفتٌ عليه.
ولكن على الناظر فضلُ تدبر.
فإن حكمنا بأن الزائد على مقدار الأرش لا ينفك

الرهن فيه، فلا وجه لبيعه حتى ينتهي الكلام إلى كونه رهناً أم لا.
وإن قلنا: الرهن مردود في الجميع، فالمصير إلى أن الفاضل رهن بعيد.
فما الوجه في تنزيل هذا الخلافِ في الفاضل؟ قال شيخي أبو محمد: نحن وإن قلنا: الجاني لا يصح رهنه، فإذا أقر وقبلنا إقراره، وفضل من الثمن شيء، فلسنا نقولُ: إنه بان لنا أن الرهن بطل بإقراره.
ولكن كأَنَّا قدَّمنا حقَّ المقَر له بالأرش على حق المرتهن.
ولم نجعل الإقرارَ مبطلاً.
فإذا فضل شيء من حق المقَر له، فيبقى حق المرتهن فيه.
وهذا بعيد عندي عن النظم، والوجه القطع بأنّا نتبين بالإقرار فسادَ الرهن.
فإن كان الأرش أقلَّ، نردُّ نظرنا إلى أن بيع ما يزيد على الأرش مرود أو غير مردود.
ولا مصير إلى تصحيح البيع ورد الخلاف إلى أن الفاضل رهن أم لا.
فصل قال: "ولو جنى بعد الرهن، ثم برىء من الجناية بعفوٍ، أو صلحٍ ... إلى آخره" 1. 3610 - العبد المرهون إذا جنى في يد المرتهن جنايةً مالية، تعلق الأرش برقبته، ولم يتضمن ذلك بطلانَ الرهن؛ فإنه لو فرض عفو عن الأرش أو فداءٌ من المولى، فالرهن يبقى مستمراً.
ولكن إن لم يجر مما أشرنا إليه شيءٌ، فيباع في الأرش إن كان مستغرِقاً لقيمته.
وإذا بيع، تبين ارتفاع الرهن قبيل البيع، ولو كان الرهنُ مشروطاً في بيعٍ، ثم أفضى الأمر إلى الجناية والبيعِ فيها، فلا خيار للمرتهن في فسخ البيع؛ فإن الراهن قد وفّى بما شُرط عليه، ولا نُلزمه أن يعصم المرهون عن الجناية، كما لا نُلزمه عصمتَه من طوارق الحَدَثان.
فإن قيل: لم قدمتم حقَّ المجني عليه على حق المرتهن، وهلاّ قلتم: لا يتعلق الأرش برقبة المرتهن لكونها مشغولةً بوثيقة الرهن؟ قلنا: تكلف أصحابنا في هذا كلاماً، فنذكره أولاً.
قالوا: حق المرتهن له

محلاّن العين والذمة، فإن فاتت العين، استقل الحق بالذمة.
وحق المجني عليه ناجزاً ينحصر في العين، فقُدم، كما قدم إزالةُ النجاسة على رفع الحدث إن كان الماء لا يفي إلا بأحدهما، فإن لطهر الحدث بدلاً.
وقيل: حق المجني عليه يثبت بأصل الشرع، فكان أقوى من حق المرتهن الثابت بالعقد.
وهذا تكلُّفٌ عندي.
وقد تتعارض الأقوال، ولا يعدَم الفقيه كلاماً في ترجيح وثيقة الرهن.
ولو لم يثبت في ذلك إلا القطعُ بمنع بيع المرهون، مع التردد في بيع الجاني، لكان ذلك متنفساً.
والوجه ألا نلتزم هذا الفنَّ أصلاً؛ فنقول: حقُّ المرتهن في رقبة المرهون لا يزيد على حق المالك.
ثم الأرش يتعلق بمحل الملك، فليتعلق بمحل الرهن.
فإن روجعنا في تعليل أصل التعليق، لم نخض فيه الآن.
فصل قال: " ولو دبّره، ثم رهنه، كان الرهن مفسوخاً ... إلى آخره " 1. 3611 - مقصود الفصل الكلام في رهن المدبر.
ونحن نقدم عليه القولَ في رهن المعلّق عتقُه بالصفة، فنقول: رهن العبد المعلق عتقه بالدين الحالّ جائز، ثم إن بيع قبل وجود الصفة، فذاك، وإن وجدت الصفة قبل البيع، فهذا يبتني على أن العبرة في التعليقات بحالة التعليق، أو حالة وجود الصفة.
وقد ذكرنا طرفاً في ذلك كافياً في غرض هذا الكتاب.
وسيأتي تفصيل هذا الأصل في الوصايا والعتق، إن شاء الله تعالى.
ولو رهن المعلّقَ عتقُه بدينٍ مؤجل، ففيه مسائل: أحدها - إن تيقن أن حلولَ الأجل يسبق وجودَ الصفة، فيجوز الرهن كما يجوز بالحالّ.
والمسألة الثانية - أن يتيقن أن الصفة توجد قبل حلول الأجل، ففي جواز الرهن والحالة هذه وجهان: أظهرهما - المنع.
والثاني - أنه يجوز.
والوجهان يقربان من

قولين سيأتي ذكرهما في رهن الطعام الذي يسرعُ الفساد إليه، بدين مؤجَّل، يسبق فسادَ الرهن حلولُ أجله.
وسيأتي ذلك في مسائل الكتاب، إن شاء الله تعالى.
ووجه الشبه لائح، فتقدير نفوذ العتق قبل الأجل كتقدير فساد المرهون.
وهذا يحتاج إلى تأمل.
3612 - وإنما يَسْتدُّ ما ذكرناه من البناء تفريعاً على أن العتق ينفذ عند وجود الصفة، فيقع النّظر في أن مقصود الوثيقة يزول بنفوذ العتق قبل الحلول.
فأمّا إذا قلنا: العتق المعلَّق قبل الرهن لا ينفد في حالة الرهن، فليس يتأتى والتفريع على هذا الوجه أخْذُ هذا من رهن ما يتسارع الفساد إليه؛ فإنا إذا قدرنا ثبوتَ الرهن، ورتبنا عليه منعَ نفوذ العتق قبل الأجل، فقد خرج بنا الكلام عما تقدّم.
فالوجه أن نقول: إن كنا ننفذ العتق، نأخذهُ من تسرع الفساد.
وإن كنا نرى أن العتق لا ينفذ لو قدر الرهن، فالقول في صحة الرهن يخرّج على أصل آخر، وهو أن الراهن صار مدافعاً لعتقٍ صار كالمستحق 1 بالتعليق.
فهل يصح الرهن؟ وهذا الآن يخرّج على الخلاف الذي سنذكره في رهن المدبَّر مع القطع بجواز بيعه، وثَمَّ يتبيّن حقيقة ما نقول إن شاء الله تعالى.
ومن مسائل التعليق أنه إذا رهن عبداً معلقَ العتق بصفةٍ يجوز وجودها قبل المَحِل، ويجوز استئخارها عن المَحِل، ففي جواز الرهن وجهان مرتبان على الوجهين فيه إذا استيقنا تقدّم الصفة على الأجل.
وهذه الصورة أولى بالجواز.
ووجه الفرق بيّن.
فهذا تمام ما أردنا ذكرَه في رهن المعلّق عتقُه.
3613 - فأما رهن المدبر، فنذكر فيه اختلاف طرق الأصحاب، ثم نرجع إلى النص: فمن أصحابنا من بنى رهن المدبر على القولين في أن التدبير وصية أو عتقٌ بصفة؟ قال: إن جعلناه عتقاً بصفةٍ، فهذه الصفة يجوز أن توجد قبل المحل، ويجوز

أن توجد بعده.
فجواز الرهن يخرّج على قولي رهن العبد المعلق عتقه بصفةٍ يجوز أن توجد قبل المحل، ويجوز أن تستأخر.
ومن أصحابنا من قال: يجوز رهن المدبر قولاً وَاحداً.
وهذا هو القياس؛ لأن التدبير إن كان وصية، فالرهن جائز، وإن كان عتقاً بصفة، فهو محسوب من الثلث.
وحق المرتهن من رأس المال، فهو مقدَّم على ما يحسب من الثلث، غاية ما يُقدّر 1 أن يموت من عليه الدين، ولا يخلِّف إلا هذا العبدَ، ولو كان كذلك وكان الدين مستغرِقاً لقيمته، لصرفناه إلى الدين وأبطلنا العتق.
وليس كذلك رهنُ المعلَّق عتقه بصفة توجد في حياة المعلِّق؛ فإن ذلك العتق لو نفذ في حياة المعلِّق، لكان مقدماً على الديون، فلا تأكّدَ للعتق في التعليق، وصار في حكم الاستحقاق، والرهن تصرفٌ ضعيف منحط عن البيع، اقتضى ذلك تجويزَ البيع، ومنع الرهن.
والعتق الذي يقدر حصوله في المدبر ضعيف؛ من قبل انحصاره في الثلث، فيقدم الدين عليه.
وقال بعض أصحابنا: رهن المدبر باطل قولاً واحداً.
وهذا هو الذي قطع به الشافعي؛ إذ قال: " رهنه مفسوخ " والمراد بالمفسوخ الباطل.
وهذا يعتاده الشافعي كثيراً.
وهذا القائل يزعم أن التدبير ليس وصية محضة، فلا يلزم تصحيحَ الرهن على قول الوصية.
وهذه الطريقة وإن كانت توافق النص، فليس ينقدح لي في توجيهها شيء.
وكأن الشافعي يعتقد أن التدبير على حال عقدُ عتاقةٍ شرعي، ولا يطابق هذا مذهبَه في جواز البيع، وجواز الرجوع عن التدبير على الأصح، والمدبر على الحقيقة عندنا عبدٌ قن، فإذا مات السيد، جعلنا عتقه محسوباً من محل الوصايا.
وللشافعي في كتاب الصّداق كلام في أن المرأة إذا دبرت العبد المصْدقَ، ثم طلقها زوجهاً، فهل يرجع إلى نصف المدبر.
فلعلنا نجد ثَمَّ بسطةً في الكلام.
وقد انتهى غرضنا الآن والله أعلم.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل