كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(1)
باب قتال أهل البغي
قال الشافعي: " قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الآية [الحجرات: 9] 2.
10990 - هذه الآية تنبه على أحكام البغاة، وإن كان الكتاب في الخارجين على الإمام، ومضمون الآية في الطائفتين تبغي إحداهما على الأخرى، والإمام يرد الباغية منهما وليس بغيها على الإمام، وإذا كانت الباغية [طائفة تقاتل أخرى] 3، فالباغية على الإمام [أولى بذلك.
ومقصود الكتاب بيان أحكام الله تعالى في فئة تفارق الجماعة، وتسل اليد عن ربقة الطاعة، وتبغي على الإمام الحق] 4 ولا مطمع في ذكر أوصاف الأئمة وما تنعقد1
الإمامة به؛ فإن القول في هذا يتعلق بفنٍّ مقصود، والقدر الذي يجب الاكتفاء به ذكرُ الإمام العادل، والخروج عن طاعته الواجبة.
ثم أول ما نصدر الكتاب به نقلُ ما ذكره الأصحاب في صفة البغاة، وقد نُحْوَج 1 في هذه التوطئة إلى الخروج عن ترتيب مسائل (السَّواد) حتى إذا انتظمت القاعدة، عدنا بعدها إلى الترتيب.
وقد قال الفقهاء: البغاة هم الذين يستجمعون أوصافاً: إحداها - التمسك بتأويل مظنون يزعمون أنه حاملهم على الخروج على الإمام والانسلال عن متابعته، هذا لا بد منه.
والثاني - أن يرجعوا إلى شوكة ومَنعة، فهذان معتبران.
وقال معظم الأئمة في الطرق: يشترط أن ينصبوا إماماً بينهم، ويُسندوا إليه أحكامَهم، ويصدر عنه نصبُ القضاة والولاة، وذكر العراقيون هذا وحكَوْه عن بعض الأصحاب، ثم زيّفوه، وزعموا أنه لا يشترط أن ينتهى بَغْيُهم إلى نصب إمام.
وذكروا وصفاً آخر فقالوا: من أوصاف البغاة ألا يكونوا في قبضة الإمام، ثم فسروا ذلك بألا يكونوا بمكان يحيط بهم جند الإمام من جوانبهم، والشرط أن يكونوا على طرفٍ لا يحيط به نَجْدة الإمام.
هذا ما ذكروه.
10991 - ولا بد من تتبع ما ذكره الأصحاب: فأما النجدة، فقد اعتبرها الكافة، ولا احتفال بفئة باغية، لا شوكة لها، فإن فرض ذلك، فهم معرضون لعقابٍ يرّدهم إلى سمت الطاعة، ولا اطلاع على ما نحاول أو نُنجز الفصلَ؛ فإنا في ذكر أوصافٍ مرسلة.
[ونحن نتعرض بعدُ للأحكام] 2 التي يتميز بها البغاة عن غيرهم، وإذا أشبعنا القول في الأوصاف أتبعناها جملاً من أحكام البغاة، فإذ ذاك يتمهد أصل الكتاب.
ثم الشوكة المرعيّة عُدّةٌ يفرض مقاومة الإمام بها، ومن أحاط بالسياسات، لم يخف [عليه] 3 أنه إذا تجمع آلاف من أهل النجدة 4، فإن القتال والظفر والهزيمة فيه
لا تجري مجرى سياقة رجلين في صراع أو غيره من وجوه التقاوم؛ فإن ذلك في الآحاد على قدر القوى [والجرأة] 1 والنصرة، وإذا التقى الجند، لم تكن النصرة والهزيمة على قياس تقاوم الآحاد، سيّما إذا اتفقت طائفة ضخمة ذات شوكة، واتحدت كلمتها، وصحت طاعتها لمتبوعها.
هذا معنى الشوكة.
ثم الذي يجب القطع به أن الشوكة لا يعقل ثبوتها إذا لم يَقْدُم القوم متبوعٌ مرجوع إليه؛ فإن رجال النجدة وإن كثروا، فلا شوكة لهم إذا كانوا لا يجتمعون على رأي، فهذا معنى الشوكة.
10992 - وأما التأويل فينبغي أن يكون [محتملاً] 2، ثم تحقق [عندنا اضطراب المحققين من أهل الأصول] 3 في أن ذلك التأويل يجب أن يكون مظنوناً لا يتطرّق إليه قطع 4، ويقع في مثله اختلاف الأصوليين في تصويب المجتهدين أم يجوز أن يكون بحيث نعلم 5 بطلانه، ولكن وجه القطع مشتبه عليهم.
فقال قائلون: إذا كان التأويل باطلاً قطعاً، فليسوا بغاة، وإن كان يتوصل القطع إلى بُطلانه فهم بغاة، وقال آخرون: يثبت لهم أحكام البغاة وإن كان ما استمسكوا به من التأويل باطلاً قطعاً.
وهذا يلتفت الآن إلى مقام عظيم، فيما كان معاوية وأصحابُه مستمسكين به، مع إطلاق العلماء أقوالهم بأنهم بغاة، وهذا مخاض [لا نخوض] 6، ولسنا للتشاغل
به.
فإن قلنا: يشترط أن يكون التاويل مظنوناً لا يتطرق العلم إلى درك فساده وصحته، فيلزم لا محالة الحكم بأن ما تمسك به معاوية في [سلّ اليد] 1 عن الطاعة كانت إصابته مظنونة فيه.
وإن جوزنا أن يكون التأويل باطلاً قطعاً، فيشترط أن يكون البغاة المتمسكون به على اعتقاد الصحة فيه، (2 ولا يمتنع اجتماع فئةٍ 2) كثيرة على معتقدٍ باطل.
فلو تبين لنا أن أهل البغي عالمون ببطلان ما يظهرونه، فليسوا متمسكين بالتأويل.
وأما ما ذكره العراقيون من اشتراط كون البغاة على طرفٍ 3، فلست أرى لذلك تحصيلاً، إلا أن يحمل على وَهاء الشوكة؛ فإن إحاطة الأجناد ببلدة البغاة قد توهي شوكتهم من حيث إنهم يؤتون من جوانبهم، ولو كانوا على طرفٍ، لم يتأتَّ هذا، فيؤول ذلك إلى اعتبار الشوكة، فهي المعتبرة إذاً.
10993 - ولو بلغ عددهم مبلغاً كثيراً بحيث لا يبعد مقاومتهم أجناد البلاد من جوانبهم، فيجب الحكم بثبوت الشوكة وإبطال أثر الإحاطة.
وينشأ من هذا المنتهى مسألة اضطرب فيها رأي الخائضين في أحكام الإمامة والبغاة، والخارجين على الأئمة، وهي أن طائفة لو بغَوْا، وكانو في عدد لا يقاومون به أجناد الإسلام الحالّين 4 تحت راية الإمام، ولكنهم تقوَّوْا بمكانٍ حصين يعسر استنزالهم منه، فهل يثبت لهم حكم الشوكة على قلة عددهم، لاعتضادهم بحصونهم وصياصيهم؟ فقال قائلون: يثبت لهم حكم الشوكة لتصور استقلالهم بأنفسهم، ولا فرق بين أن يعتضدوا بكثرة في العدد وبين أن يستمسكوا بمكان، وقال آخرون: لا يثبت لهم حكم البغاة؛ نظراً إلى قلّتهم.
والتحقيق فيه أنهم إذا قلّوا في أنفسهم لم يعظم خطر ما يتعطل فيهم من الأحكام،2
وإنما غرضنا بإثبات مرتبة البغاة تنفيذ الأحكام والأقضية، على ما سيأتي في أثناء الفصل، وإنما ينفذ ذلك منهم إذا عظم العدد، واستولَوْا على قُطر 1 كبير من الخِطة يحوي أمماً، فلو تعطلت أحكامهم، لعظم الضرر، وتفاقم الخطر على من لا يتصف بالبغي من الرعايا الواقعين في قبضة المستَوْلين.
والأولى عندنا أن نفصّل القولَ في ذلك: [ونقول] 2: إن تحصنوا بحصن على فوهة الطرق، وهم [يحوون ما وراءهم من القطر المتسع] 3، فالحصن نجدةٌ عظيمة نازلة منزلة العدد والقوة والعدة، والنظر إلى إثبات الضرار في جمع من المسلمين، وإذا وقع ما تحصنوا به ببلدة من البلاد، وكانوا لا يستولون على خِطة بسبب الحصن [فلا] 4 يثبت لهم حكم البغاة، وسنذكر أحكام أمثالهم 5 إن شاء الله تعالى، ولا خلاف أنه لو [تحزّب] 6 من رجال القتال المرموقين 7 عدد يسير، وكانوا [يقوون] 8 بفضل القوة على مصادمة الجموع الكثيرة، فهم على عدة تامة.
هذا قولنا في التأويل والشوكة.
10994 - فأما اشتراط نصبهم إماماً فهذا فيه اضطراب عظيم لأرباب الأصول، وقد حكيت اختلاف الفقهاء فيه، ولا مطمع في إنهائه إلى الحدود التي ينتهي الكلام إليها في هذا الكتاب، ولكنا نذكر مقداراً يقع الاستقلال به: فأما من شرط أن ينصبوا إماماً، فمعتمده في ذلك أن الإمام إذا لم يكن، فتولية الولاة والقضاة لا مصدر لها؛
فإن القاضي لا ينتصب بنصب الرعايا، وإنما إلى الناس نصب إمام، ثم تصدر 1 التفاصيل عن رأيه، فانعقاد الإمامة بطريق التبعية، ولا يتصور [تولية] 2 قاضٍ ببيعة، وهذا [القائل] 3 يلتزم أمراً تثور فيه نفوس الخائضين في الإمامة، وهو أن يدعي أن معاوية كان تصدّى للإمامة في زمن علي رضي الله عنه.
وقد استفاض أنه ما باح بالتصدي لإمرة المؤمنين إلا بعد قتل علي رضي الله عنه.
ومن قال: لا يشترط أن ينصبوا إماماً، احتج بأنهم ربما لا يَلْقَوْن بين أظهرهم من يستجمع شرائط الإمامة، فيؤدي اشتراط نصب الإمام إلى تعطيل حقوق المسلمين، ثم هذا القائل يحمل جميع أحكامهم وقضاياهم على ما تحال عليه الأحكام عند شغور الدهر عن الإمام، وفيه كلام طويل، فيجب الانكفاف عنه، والاكتفاء بهذا المقدار.
هذا قولنا في طوائف البغاة، والمقصود بعدُ منهم لا يتبين إلا بأن نذكر مجامع أحكام البغاة، ثم يتبيّن مجاري تلك الأحكام عند اختلال الشرائط المرعية في البغاة، ثم نذكر بعد ذلك تفصيلَ الكلام فيمن يقاتلهم الإمام، ثم نبين الأسباب المثبتة للقتال.
10995 - فأما جوامع القول في أحكام البغاة، فمنها أنه ينفذ قضاء قاضيهم إذا وافق الشرع، وإذا استوفَوْا حدوداً وأقاموها على مستحقيها بحقها، وقع الاعتداد بها، وإذا استوفَوْا الزكوات، وقعت موقعها، وكذلك إذا استوفَوْا الجِزَى 4 والأَخْرجة، فالحكم ما ذكرناه، وكذلك استيفاء أخماس الغنائم، والفيء.
أما الحدود، فلا تثنّى بعد إقامتها، والزكوات مصروفة إلى مستحقيها، فلا كلام فيها، والأموال المرْصدة للمصالح إذا صرفت إلى وجوهها بحقها، فهي واقعة موقعها، وأما المغانم والزكوات، فأربعة الأخماس منها للغانمين، لا تعلّق لها بالولاة، والخمس منها، ومن الفيء ينقسم القول في مصارفها، فما يصرف إلى مستحقين موصوفين في كتاب الله تعالى، فسبيله سبيل الزكوات، وأما ما يصرف إلى
المرتزقة إذا فرقها والي البغاةِ على جنود أهل البغي، فقد اختلف العلماء فيه، وللفقهاء تحويمٌ على هذا التردد، فقال قائلون: لا تقع تلك الأموال موقعها؛ فإنا لو حكمنا بوقوعها الموقع، لكان ذلك إعانة على البغي، وتمهيداً للاستعداد لمخالفة الإمام.
ومنهم من قال: إنها تقع الموقع؛ فإنهم جنود الإسلام، ولو ثارت طائفة من بلاد الكفر، لطاروا إليها، والرعب 1 منهم قائم في نفوس الكفار.
وهذا في نهاية الاحتمال [وقرّب] 2 بعضُ المحققين القول فيما يتلفونه 3 على أنفسهم على ترتيب صرف المال إلى المرتزقة من القول فيما يتلفون على الإمام [وجنده] 4 في الحروب، فإنا بإسقاط الغرم [عنهم] 5 في حكم [من] 6 يقرّرهم على ما هم فيه، ويخفف عنهم عناء المغارم.
فهذه جمل من أحكامهم.
10996 - ثم إنا نذكر بعد ذلك [بيان] 7 ثبوت هذه الأحكام وانتفائها إذا اختل شرط من الشرائط المعتبرة، فنقول: إذا تمسك قوم بتأويل ولا نجدة لهم، فلا يثبت لهم القتال بالأمور التي ذكرناها أصلاً.
نعم، لو كان منهم من يصلح لأن يحكم فحكّموه، فهذا مما اختلف القول فيه، وهو جارٍ في آحاد المسلمين الذين هم تحت الطاعة، والفقه فيه إذا لم يكن لهم نجدة، فالطاعة مستمرة عليهم، وما يبدونه إذا استخلَوْا بأنفسهم هذيان [يُعزَّرون] 8 عليه.
وغرضنا الآن أن نبين انتفاء الأحكام عنهم وسنذكر ما يتصل بهم من رأي الإمام.
فأما إذا عظمت الشوكة، ولم يكن لهم تأويل أصلاً، فالذي أطلقه الفقهاء أنه
لا تنفذ أحكامهم؛ فإن عماد البغي التأويل، وكأنهم إلى أن يُكشف الحق لهم معذورون [فيما] 1 أضمروه من التأويل، وليس هذا الطرف مضطرب 2 الفقهاء، فإنا إذا فرضنا خلوّ ناحية عن نظر الإمام بسبب [استيلاء] 3 أصحاب العُدَد، فلو عطلنا أحكامهم، لتفاقم الضرر، وهذا في القطر بمثابة ما لو خلا العصر عن صالحٍ للإمامة، وقد مهدنا أصول ذلك في المجموع الملقب (بالغياثي).
فأما إذا لم ينصبوا إماماً، فقد أشرنا إلى ما فيه مقنع في هذا الطرف.
فهذا بيان أحكام الذين لا يستجمعون الشرائط المعتبرة في أهل البغي.
10997 - ثم نذكر بعد هذا تمهيد القول في الذين يقاتلهم الإمام من طوائف المسلمين، أما أهل البغي، فإنه يقاتلهم على تدريجٍ نَصفُه، فالوجه أن يبعث إليهم عاقلاً فطناً رقيقاً، ويقول لهم عن الإمام: ماذا ينقمون؟ فإن ذكروا مظلمةً ردّها، ولا يألوهم نصحاً، ويقول: عودوا إلى الطاعة، تكن كلمتكم وكلمة أهل الدين واحدة، فإن فاؤوا، فذاك، وإلا آذنهم بقتال، ولا يحل له أن يَبْغَتَهم به، لما سنصفه.
وهذا الترتيب بيّن في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: 9] والمراد إن طلبت مزيداً بعد وضوح حجة الله، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، على ما سيأتي الشرح في دفع الصائل، في بابٍ، إن شاء الله، ومن آثار قتال الدفع 4 الاقتصارُ على الأدنى 5 فالأدنى، فإذا أمكن الدفع بالقول، فلا معدل عنه، وإذا أمكن الدفع باليد من غير شهر السلاح، فيجب الاقتصار على الأقل.
وظاهر هذا قد يخيّل إلى المبتدي أنا لا نسير لهم، وليس كذلك؛ فإن الإمام إذا
آذنهم بالحرب، سار إليهم، والسبب، فيه أنه يدفعهم عن 1 القطر الذي استولَوْا عليه.
هذا وجهٌ ظاهر، فإن انكشفوا عنه -وكلمتهم واحدة بعدُ- اتبعهم بنفسه أو بجنوده، فإن قيل عن ماذا يدفعهم وقد انكشفوا؟
قلنا: الطاعة محتومة عليهم، وهم مطلوبون بها، وعليهم بذلُها للإمام، فإذا أبدَوْا صفحة الخلاف، كانوا منزَلين منزلة مانعٍ أمراً للإمام طلبه منهم، وإذا فرض الامتناع فيما هذا 2 سبيله، فليس إلا أن يستسلموا أو يقاتلوا، وقد جعل الرب سبحانه وتعالى منتهى القتال مع الفئة الباغية الفيئة إلى الطاعة، فقد قال عز من قائل: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] وسنعقد فصلاً مفرداً في كيفية مقاتلتهم، وإنما نحن الآن في عقد الجُمل وتوطئة الضوابط.
10998 - والذي يقتضي الترتيب ذكرَه الآن القولُ فيما 3 تتلفه الفئة العادلة في القتال على البغاة، وفيما تتلفه 4 الفئة الباغية على أهل العدل، فنقول: لا خلاف أن ما يتلفونه على أهل العدل في غير حالة القتال، فهم ضامنون له مطالبون به بعد تقدير الفيئة والرجوع به إلى الطاعة؛ فإنهم ملتزمون للأحكام، وليسوا كأهل الحرب، وكذلك ما يتلفه أهل العدل في غير حالة القتال، فالسبيل فيه ما ذكرناه؛ فإن الطائفتين لا يرَوْن إتلاف الأموال 5 في غير حالة القتال، وإنما تعتقد كل طائفة أنها محقة في القتال غيرُ ضامنة لما يُفضي إليه ترتيب المقاتلة، فإذ ذاك يظهر الوفاق والخلاف على ما سنفصله.
فأما ما تتلفه إحدى الطائفتين على الأخرى في حالة القتال، فلا تضمن الفئة العادلة؛ فإنها مقاتلة بحق، وهل تضمن الفئة الباغية ما تتلفه على الفئة العادلة؟ فعلى قولين: أظهرهما - أنه لا ضمان عليهم، وهذا مذهب أبي حنيفة 6، وتعلق الشافعي
بما روى ابنُ شهاب الزهري أنه قال: " كانت في تلك الفتنة دماءٌ يُعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأتلفت فيها أموال، ثم سكنت الحرب، وجرى الحكم على الممتنعين، فما علمته اقتص من أحد، ولا غرّم أحداً ما أتلفه " 1.
وهذا القول يتوجه بمصلحة كلية، وهو أن الفئة الباغية مدعوون إلى الطاعة رفقاً وعنفاً 2، والذي تقتضيه الإيالة تقديم الرفق وتأخير العنف، وهو ترتيب الدفع، وإذا جرت معارك واقتتال جنود، فلو 3 علم الممتنعون أنهم مطالبون بالتبعات إذا فاؤوا واستسلموا، فقد يكون هذا داعيةً لهم إلى الاستمرار على العصيان 4؛ ولهذه الحكمة حُطت الطلبات عن أهل الحرب إذا أسلموا، وإذا كان جريان الكلام في الإيالات، فهذه الفنون أحرى بالتمسك [بها من] 5 الأقيسة الجزئية، وبمثل هذا نفذنا 6 أحكام البغاة حتى لا يعظم الضرار 7.
والقول الثاني - أنهم يضمنون ما يتلفون في حالة القتال؛ فإنهم ليسوا محقين في إقامة القتال وما أتلفوه [يوصف] 8 بأنه متلَفٌ بغير حقّ، صَدَر إتلافُه من ملتزمِ الأحكامِ، والذي يُعارِضُ به هذا القائلُ ما قدمناه من الأمر الكلي: أن ما أتلفته الفئة الباغية [في] 9 غير القتال في بَيَاتٍ وشن غارات من غير فرض قتال، فهم مطالبون به، وإن كان قد يؤدى هذا إلى ما ذكرناه في نصرة القول الأول.
وهذا القائل يقول: إنما قبلنا شهاداتهم، لأن ردها يأتي [من] 10 ناحية تمكّن
التهمة، والتهمة تأتي من ناحية ارتكاب محظور العقيدة 1.
وأما تنفيذ قضاء قاضيهم، فليس فيه كبير متعلّق؛ فإنا في الرأي الأظهر قد نصحح التحكيم من الذين هم تحت الطاعة.
والأصح القول الأول.
10999 - ثم إن لم نوجب ضمان الأموال، فلا شك أنا لا نوجب القصاص لأنه أولى بالاندفاع.
وهل نوجب الكفارة على الباغي بقتل من يقتله من أهل العدل؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يجب؛ طرداً للإهدار وقطْع التبعات، والوجه الثاني - أنها تجب؛ إذ هي أسرع وجوباً من القصاص والدية؛ ولذلك أوجبناها على القاتل بسهم الغرب، كما تفصّل في موضعه، وإن لم يلتزم قصاصاً ولا دية، فإن قلنا: يجب على البغاة الضمانُ فوجوب الكفارة ظاهر.
وفي القَوَد وجهان: أحدهما - لا يجب لتعرضه للسقوط بالشبهات، وما تمسكوا به من التأويل شبهة.
ثم إن أوجبنا القصاص وآل الأمر إلى المال، فالدية في مال القاتل.
وإن لم نوجب القصاص لمكان التأويل، فلا شك في وجوب الدية على هذا القوله الذي نفرع عليه، والدية سبيلها سبيل دية العمد التي لا تتأجل وتتعلق بمال القاتل، أو سبيلها سبيل دية شبه العمد، حتى تتأجل وتضرب على العاقلة؟ هذا أصل مهّدته في كتاب الجراح والديات، وهو يناظر ما لو قتل الرجل إنساناً على زيّ 2 الكفار رآه في دار الإسلام،
ففي القصاص قولان، فإن لم نوجبه، ففي ضرب الدية على العاقلة قولان، فإن ضربنا عليهم، فلا شك في تأجيلها.
والرأي الظاهر أنها مغلّظة كدية شبه العمد.
ومن أصحابنما من ألحقه بالخطأ المحض.
وهذا بعينه -يجري حيث انتهى التفريع إليه- في قتل [العادلِ الباغيَ] 1.
ولا خلاف في أن ما حصل بأيديهم من أعيان أموال البغاة مردود عليهم.
ومما يجب الاعتناء به أن أصل التردد في الضمان مختص 2 بما يجري إتلافه بالقتال، حتى لو فرض إتلافٌ في القتال ليس من ضرورة القتال، فهو ملتحق بما يجري إتلافه قبل القتال.
فهذا بيان جملة من مقاتلة أهل البغي وأحكام ما يجري حالة القتال من إتلافٍ وقتلٍ.
11000 - وقد ضمِنّا أن نذكر وجوه قتال الإمام مع طوائف المسلمين، فنذكر مقاتلة أبي بكر رضي الله عنه مع أهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي: " أهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربان: قسمُ 3 مانعي الزكلاة أهل ردّة، لا من جهة ارتدادهم عن الدين، ولكن من جهة ارتدادهم عن الطاعة " 4 وتأسى في إطلاق لفظ الردة بما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
" مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب النفاق ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات، لهاضها " 1
ولقد كان الذين سُموا أهلَ الردة قسمين: قسم كفروا بالله عز وجل بعد إيمانهم، مثل طليحة، والعنسي، ومسيلمة، وأصحابهم، وقسم ارتدوا عما لزمهم من حق أداء الزكاة، والردة لفظة عربية، وأطلقها المتقدمون على مانعي الزكاة.
ثم الذين منعوا الزكاة ما كانوا خارجين عن الإيمان، وقاتلهم أبو بكر، والمناظرة التي جرت بينه وبين عمر رضي الله عنهما مشهورة، إذ قال عمر: كيف تقاتل أقواماً يقولون: لا إله إلا الله، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم " فقال أبو بكر: " أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلا بحقها " والزكاة من حقها، والله لا أفرق بين ما جمع الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ والله لو منعوني عقالاً وفي بعض الروايات عَناقاً مما أدوا إلى رسول الله، لقاتلتهم عليه " 2.
ثم استدَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأي أبي بكر، وتبين أنه قاتلهم، وهم مؤمنون، وقال بعض من وقع في الأسر منهم: والله ما كفرنا بعد إيماننا، ولكن شححنا على أموالنا، وأشعارهم وأراجيزهم في هذه المعاني 3.
وكان يقول بعضهم: أدينا الزكاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت 4 صلاته سكناً لنا، وليست صلاة غيره سكناً لنا.
وترتب على هذا الأصل أن كل من امتنع عن أداء حقٍّ إلى الإمام استيفاؤه، فالإمام يستوفيه منه، وإن لم يكن فيه امتناع 1، حبسه وأرهقه إلى أداء الحق.
وإن تجمع قوم وامتنعوا عن أداء ما إلى الإمام استيفاؤه، فالحال يُفضي إلى دعائهم إلى الطاعة، فإن أصروا، فليس إلا القتال؛ إذ لا سبيل إلى تركهم على تمردهم وتفردهم وخروجهم عن الطاعة.
وكذلك إذا توجهت تبعات وغرامات، ففُرض الامتناع.
11001 - فالقول الضابط: أن من يمتنع عن بذل الطاعة فإن لم يكن ذا منعة، قهره السلطان وحَمَله على توفية ما عليه، فإن تجمعوا وصاروا أصحاب شوكة ومَنَعة، فلا سبيل إلى الترك.
ولا طريق إلى تحصيل الطاعة إلا بالقتال، وإنما يُقاتَل أهل البغي لهذا؛ من حيث إنهم امتنعوا عن الانقياد، وأبدَوْا الاستقلال والاستبداد.
ثم لو فرض: الامتناع من أقوام، وأفضى الأمر إلى القتال، نُظر: فإن لم يكونوا أصحاب امتناع، ولكنهم استجرؤوا، واستقتلوا بلا تأويل، أو تمسكوا بتأويل، فما أتلفوه في القتال مضمون عليهم، والقصاص 2 واجب إذا [استدّت] 3 الطاعة، فعلى من يقتل منهم القصاص، وهذا مقطوع به في قاعدة المذهب؛ قال الشافعي رضي الله عنه: قتل ابنُ ملجم عليّاً متأولاً، فاقتُص منه، وقيل: تأويله أن امرأةً ذكرت له- تسمّى قطام- أن علياً قتل طائفة من أقربائها، ووكّلته بالاقتصاص منه وبنى عبد الرحمن [ابنُ ملجم] 4 على مذهب مشهورٍ لأهل المدينة في أن طلب القصاص
لا يتوقف على رضا جميع الأولياء- هذا معنى تأويله.
وإن كان في الفئة الممتنعة مَنَعة، فما يتلفونه في القتال، إن كان عن تأويل، فهم بغاة، وقد مضى التفصيل فيهم، وذكرنا أن الأصح أنا نكتفي بالتأويل والمنعة، ثم من
ضرورة المنعة [اتباع] 1 مُقدّم، فأما نصب الإمام، فالرأي الظاهر عندنا أنه ليس من شرائط البغاة.
وإن لم يكونوا متمسكين بتأويل به مبالاة، ولكن كانوا أصحاب شوكة، [ففيما] 2 يتلفونه في القتال على أهل القتال طريقان: من أصحابنا من قطع بأنهم يضمنون، إذ لا تأويل معهم، ومن أجرى القولين، وهو ظاهر النص، فإن المعتمد من جهة المعنى في إسقاط الضمان عنهم تسهيلُ الأمر عليهم، وتيسيرُ طريق الدعوة 3 بقطع التبعات، وهذا متحقق في أهل المنعة دون شرذمة لا منعة لهم.
11002 - وأجرى الشافعي رحمه الله ترديد القول في أهل الردة إذا اجتمعوا واستمسكوا بعُدة، فأتلفوا في القتال ما أتلفوا، فإذا أسلموا واستكانوا، ففي تضمينهم ما أتلفوه قولان.
ثم قال قائلون: هم أولى بنفي الضمان عنهم لمضاهاتهم أهل الحرب، وهذا وإن ذكره طوائف من الأئمة غيرُ مرضيّ؛ فإن المرتد في التزام الأحكام كالمسلم، ولم يوجد منهم إلا المنعة، ولو صح التعويل على ما ذكرناه، لوجب أن يقال: ما يتلفونه في غير حالة القتال لا يضمنونه كأهل الحرب، وليس الأمر كذلك، فلا خلاف أنهم يضمنون ما يتلفون في غير حالة القتال، فالوجه تلقي هذا من عُدّة أهل الردة، لا من كفرهم.
ثم ينقدح طريقان: أحدهما - القطع بأنهم يضمنونه.
[والثانية - إجراء القولين، ومانعوا الزكاة لم يكونوا على تأويل، ولا حاصل لما نقل عن بعضهم] 4 أنه لا سكن في صلاة أبي بكر؛ فإن أخْذ الزكاة لا يعتمد سكون قلب المؤدِّي إلى صلاة الآخذ.
11003 - ونحن الآن ننظم قولاً وجيزاً، فنقول: القتالُ يتبع 5 الامتناعَ عن الطاعة.
وتنفيذُ القضاء، والأحكامِ التي قدمنا ذكرها يتبع الشوكةَ والتأويلَ.
وإجراءُ الخلاف في ضمان ما يُتلَف في حالة القتل يتبع الشوكة المحضة، فإذا لم تكن شوكة، قطعنا بالضمان مع التأويل، وعليه استشهدنا بقتل ابن ملجم علياً.
ومن أبدى من آحاد الناس طعناً في الإمام، عُزِّر على قدر سوء أدبه، وإن شبب بذلك ولم يَبُح، فهل يعزّر؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: للإمام أن يعزره إذا أدى اجتهاده إليه، حسماً للمادة وردّاً لأوائل الأمور، والدليل عليه أنه يحرم عليه أن يشبب، وإذا حرم عليه، ساغ منعه 1.
ومن أصحابنا من قال: لا يعزره ما لم يصرح، واستدل بما روي " أن رجلاً قال وعليٌّ في الصلاة: لا حكم إلا لله ولرسوله " 2 وشبب بإسقاط طاعة عليّ رضي الله عنه، فلما تحلل عن صلاته، قال: " كلمة حق أريد بها باطل " ولم يعزره.
وأما الخوارج إذا أظهروا آراءهم، وأكفروا الإمام وأتباعَه، فإن لم يكن لهم منعة، فالكلام فيهم، وفي أهل الأهواء ليس بالهيّن، وهو من أعظم [أركان] 3 الإيالة الكبيرة، ولعلنا نجمع فيها قولاً، وإن نابذوا الإمام، فقد اختلف أصحابنا فيهم: فمنهم من جعلهم كأهل الردة، ومعناه أنا لا نقيم لما استمسكوا به من عقدهم وزناً، ولا نقول: إنهم متعلقون بتأويل حتى تَنفُذَ أحكامُهم، كما تنفُذ أحكامُ البغاة، وهذا هو الأصح.
ومنهم من جعل ما تعلقوا به بمثابة تأويل البغاة، وهذا ساقطٌ لا أصل له؛ فإن فساد عقدهم كفساد عقود أهل الردة، وإن كنا لا نكفرهم على الرأي الظاهر.
وقد انتجز ما أردنا أن نصدّر الكتاب به من التوطئة وتمهيد الأصول.
11004 - ثم إنا نعود إلى ترتيب (السواد) 1 قال الشافعي رضي الله عنه في فصل المرتدين: " وسار إليهم أبو بكر بنفسه حتى لقي أخا بني بدر الفزاري، فقاتله ومعه عمر، وعامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " 2 وإنما أراد عيينةَ بنَ حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، واختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: كان هو من جملة الموافقين لأبي بكر، ولما سار أبو بكر يريد قتال أهل الردة، التقى به، فقال له: أنت إمام المسلمين، فإن صدرت 3 فلا إمام بعدك، فارجع أنت لنقاتلهم دونك، فمن قال [بهذا قرأ 4: فقاتل ومعه عمر: أي قاتلهم عيينة مع عمر، ومنهم من قال: كان عيينة من المخالفين المانعين الزكاة، ومن قال بهذا، قرأ: فقاتله ومعه عمر: أي قاتل أبو بكر عيينة ومعه عمر 5] 6. فصل قال الشافعي: " والفيئة الرجوع عن القتال ... إلى آخره " 7. 11005 - وهذا مما قدمناه، فالقتال مع الفئة الباغية مردود إلى رجوعهم إلى أمر الله، واستمساكهم بالطاعة، والغرض من عقد هذا الفصل الكلامُ في كيفية
مقاتلتهم، وقد تمهد أن قتالهم مبنيٌّ على الدفع.
ومن آثار هذا الأصل أن من انهزم منهم، لم يتبع، ومن أثخن بالجراح، لم يذفّف عليه، وقال أبو حنيفة 1: يتبع مدبرهم ويذفف جريحهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود يوماً: " يا ابن أم عبد! أتدري ما حكم الله تعالى فيمن [بغى من] 2 هذه الأمة؟ فقال: الله ورسوله أعلم.
فقال عليه السلام: ألا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم ولا يقتل أسيرهم " 3. ودخل حسين بن علي على مروان فقال له ما رأيتُ أكرم من أبيك: [ما ولَّينا] 4 ظهورنا يوم الجمل حتى نادى مناديه: " ألا لا يتبع مدبر، ولا يذفّف على جريح ".
ومعتمد المذهب أن القتال للامتناع، ولا امتناع في منهزم، ولم يصدر منه ما يوجب القتل، ولذلك لا امتناع في مثخن.
ولو انهزم البغاة في ظاهر الأمر، وقصدُهم التحرّف للقتال، فإن القتال قائم، وحكمه دائم، وإن قصدوا التحيّز إلى فئة، فهذا مما يجب إنعام النظر فيه: فنقول: ما قدمناه من أنه لا يتبع منهزم أردنا به الأفراد إذا تبدّدوا مفلولين، فأما إذا ولّى الجند تحت الراية، وما انفلّوا، ولكنهم ولّوْا ظهورهم، فلا ينكف الإمام عنهم، [ولكن لا ينكأ فيهم] 5 بالسلاح، بل يطلبهم إلى أن يؤوبوا إلى الطاعة، والواحد إذا انفلّ، فقد سقطت منعته وشوكته، واعتضاده بالجمع، وكذلك [لو تشتّتوا] 6 بدداً،
وارفضّ 1 الجمع حتى لا يتوقع اجتماعهم، فلا يتبعهم.
فانتظم مما ذكرناه أن التعويل على ردّهم إلى الطاعة، أو فلّ شوكتهم وإبطال عُدتهم.
ولو ولّوْا متحيزين إلى فئة، فإن كانت قريبةً منهم، اتبعناهم، وإن كانوا أفراداً وأسرناهم، فلا يتعرض لهم بالأسلحة، كما ذكرناه، وإذا كنا نتبعهم وهم متحيزون إلى فئة قريبة، فلأن نتبعهم وهم مجتمعون تحت رايةٍ أولى، فإنا جعلنا تفرقهم في الانهزام وصوبُهم فئة يتحيزون إليها بمثابة استمرارهم على القتال.
ولو بعدت الفئة التي إليها التحيز، فقد ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنهم يتبعون (2 كما لو قربت الفئة، والثاني - لا يتبعون 2)، والوجهان يجريان فيه إذا تفرقوا مفلولين.
وإذا كانت الصورة كذلك، فلا يكادون يلتامون 3 إذا بعد المُعَرِّي 4.
11006 - ونحن من هذا المنتهى نذكر كيفية المقاتلة، فقد يظن من لا يطلب حقائق الأشياء أنا نصطف في مقابلتهم، فإذا قصدونا، ندفعهم، وقد رأيتُ هذا لطائفة من المعتبرين، وهذا زلل منهم، لم أذكره لبعده من المذهب، وذلك أنا وإن أطلقنا أن قتالهم دفعٌ، فالمراد دفعهم عن العصيان، والاستعدادُ له؛ فإذا رأيناهم مُعدِّين، سرنا إليهم (5 وزحفنا إليهم، ومن ضرورة هذا مفاجأتهم.
ومما يتصل به أنا لو اصطففنا حتى يلْقَوْناْ)، فقد يُفضي [هذا] 6 إلى أن25
يتغشَّوْنا، [وقد ذكرنا أن القتال ليس على] 1 صورة قتال رجل ودفعه، وربما يكون تارك البداية معرِّضاً نفسه [للهلاك] 2، وإليه أشار عليّ رضي الله عنه إذ قال: " حدِّدوا سيوفكم، وقاربوا بين الخطى، ولاحظوا شذراً، وعليكم بالرواق والمقيت " 3.
والذي يجب مراعاته أنه إن أمكن الأسر، فلا قتل، وإن أمكن الاقتصار على الإثخان، فلا تذفيف، وهذا الفن من التدريج تجب مراعاته، وإذا التحمت الفئتان، فلا ضبط، وهذا المعنى يتحقق في تساوي الصائل والمصول عليه، فما الظن بالتحام فئتين عظيمتين.
وخرج مما ذكرناه أن المنهزم ينقسم إلى من يُتبع وإلى من لا يُتبع، وهم مستوون [في] 4 أنهم لا يقصدون بالأسلحة، وترتيبُ القتال على ما بيّناه.
فإن قيل: [كيف قتل عليّ أهل النهروان؟] 5 قلنا: " كانوا خوارج نابذوه وانسلّوا عن طاعته وتوثبوا على [واليه] 6، وقتلوه، فبعث إليهم أن يسلموا قاتله، فقالوا: كلنا قتلة، فبعث إليهم، فقال استسلموا، نحكم عليكم، [فأبَوْا] 7، فسار إليهم بنفسه، وقتل أكثرهم " 8 قيل: لم يفلت منهم أكثر من اثنين، وبلغ القتلى أربعة آلاف وقتل ذا الثُّدَيَّة، وصدق الله وعد رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ قال في القصّة المشهورة: " سيخرج من ضِئْضِئ هذا الرّجل 9 أقوام ...
الحديث " 1 إلى أن قال: " وأنت قاتلهم يا عليّ وآياتهم أن فيهم رجلاً ذا ثُدَيّة عليها شعيرات تتدَرْدر 2 فلما [صُرع القتلى] 3 أمر عليّ بطلبه، فطلبوه، فلم يجدوه، فنزل عليّ بنفسه، وكان يفتش القتلى، فوجد ذا الثديّة على طرف وادٍ، فكبّر وكبّر المسلمون معه ".
11007 - ومما يتصل بذلك أن طائفة إذا خرجوا عن طاعة الإمام وقتلوا [واليه] 4 فالقاتل مقتول، والذي ذهب إليه الجماهير أنه يقتل قصاصاً، وذكر العراقيون وجهاً أنه يقتل حدّاً، لأنه لم يجن على رجل واحدٍ، بل خرق حجاب الهيبة، ومقامه هذا فوق مقام من يقتل في المحاربة.
وتمام البيان في هذا أن من قاتل الوالي، ولم يقصد استبداداً بالنفس ورجوعاً إلى [عُدَّة] 5 المخالفة، فسبيل مثله سبيل القصاص، وإن انضم إلى ذلك الخروج عن الطاعة والرجوع إلى استعداد المخالفة، ففيه الخلاف، والأصح القطع بأن القتل الواجب قصاصٌ.
فصل
في أَسْر البغاة
11008 - إذا أسرنا منهم أسيراً، لم نقتله صبراً، خلافاً لأبي حنيفة 1، ولكنه يحبس حتى تضع الحرب أوزارها، فإن بايع الإمامَ خُلِّي، وإن أصر على غُلَوائه، فرجعت الفئة الباغية إلى الطاعة، خلّينا سبيل هذا الأسير؛ فإنه لا يتأتى منه الاستقلال بالمخالفة بعد تفرق كلمة الفئة الباغية، ولو أسرنا منهم أسيراً، فانجلى ذلك القتال، وما زالت شوكتهم، وكنا على اتباعهم، وعلى انتظار الكرّة منهم، فلا يُخلَّى الأسير والحالة هذه.
ولو ظفرنا بنسائهم، لم نتعرض لهن بالأسر، وإن وقعن في ضبط 2 الجند، خلّينا سبيلهن، هذا هو المذهب الظاهر.
وذهب أبو إسحاق المروزي فيما نقله العراقيون إلى أنّا نحبسهن؛ فإن في حبسهن كسر قلوبهم، وحملهم على الطاعة.
ولو انهزم البغاة متحيزين إلى فئة، فإن كانت كلمتهم واحدة، وكان مسيرهم تحت الراية الجامعة، فقد ذكرنا أنا لا نخلّي الأسرى، وإن تحيّزوا إلى فئة قريبة، فكذلك، وإن تفللوا أفراداً وتحيزوا إلى فئة بعيدة، ففي وجوب تخلية الأسرى وجهان، وذكر العراقيون وجهاً عن بعض الأصحاب أنه مهما انقضى القتال خُلِّي الأسرى من غير فرق، وهذا بعيدٌ، لا أصل له، ولا بد من التفصيل الذي ذكرناه.
ولو وقعت بأيدينا أموال، لم تكن من قِبَل الأسلحة، فهي مردودة عليهم، وإن ظفرنا بخيلهم وسلاحهم، لم نردها حتى ينقضي القتال، كما ذكرناه في تخلية الأسرى، والعبيدُ من أقوى العُدد، فسبيلهم كسبيل الأسرى والأسلحة.
والمراهقون إن كانوا يقاتلوننا، فسبيلهم كسبيل العبيد، وإذا لم يبلغ الصبيان مبلغ
القتال، فهم ملتحقون بالنسوان، وقد سبق القول فيهن، ولا يطلب من الصبيان بيعةٌ؛ إذ لا قول لهم، وليس على النسوان بيعة إلا بيعة الإسلام.
فصل
قال: " ولو استعان أهل البغي بأهل الحرب ... إلى آخره " 1.
11009 - مضمون الفصل مسألتان: إحداهما- استعانة أهل البغي على أهل العدل بأهل الحرب، واستعانتهم بأهل الذمة على أهل العدل.
فأما إذا استعانوا بأهل الحرب علينا، فلا أمان لأهل الحرب في حقوقنا؛ فإنا وإن كنا ننفذ أحكام البغاة، فشرط تنفيذها أن تكون موافقة لموجب الشرع والدين، ولا أمان مع القتال، فيستحيل أن ينفُذ أمانهم علينا.
ثم ما يتلفه أهل الحرب لا تضمين به؛ لأنهم في حقوقنا أهل حرب، ثم قال الأئمة المراوزة: يُتبع منهزمهم يعني أهل الحرب، ويذفّف على جريحهم، وتُغنم أموالهم، وحكي عن القاضي أنه قال: لا يتبع مدبرُهم ولا يذفّف على جريحهم، لأنهم صاروا من أهل البغي بالأمان، فيثبت لهم حكمُ أهل البغي، وهو عندنا زلل ولا يثبت لأهل الحرب في حقوق أهل العدل أمان، ولا عُلْقة أمان، وهم بمثابتهم لو انفردوا بمقاتلة المسلمين.
واشتهر اختلاف الأصحاب في أنه هل ينعقد لهم أمان في حق أهل البغي: فمنهم من قال: ينعقد لهم الأمان؛ فإنهم أمّنوهم، ومنهم من قال: لا ينعقد الأمان على الصحة في حقوق البغاة أيضاً؟ فإنه معقود على الفساد، والأمان لا يتبعّض، ثم إن صحّحنا الأمان لهم، فلا كلام، وإن لم نصحّحه، فليس للبغاة أن يغتالوهم؛ فإن ما جرى منهم أمان فاسد، والأمان الفاسد يمنع الاغتيال لهم، فهم مردودون إلى مأمنهم.
ولو قال أهل الحرب -وقد وقعوا في الأسر-: ظننّا أنه يحل لنا مقاتلتكم والاستعانةُ
بنا، وهؤلاء حسبنا أنهم الفئة المحقة، وقالوا: ظننا أنهم استعانوا بنا في مقاتلة الكفار، وما حسبناكم مسلمين، فهذا موضع الخلاف المشهور: قال قائلون من أئمتنا: نصدّقهم إذا احتمل ما قالوه، ونعاملهم معاملة البغاة، فنقتلهم مقبلين ولا نقتلهم مدبرين، ونُبلغهم المأمن، وهذا هو الظاهر.
ومن أصحابنا من قال: نقتلهم حيث ثقفناهم، ومجرد ظنون الكفار لا يؤمّنهم، وقد ذكرنا أنه لا أمان على أهل العدل.
هذا كلامنا 1 في استعانة أهل البغاة بالكفار الحربيين.
11010 - فأما إذا استعانوا بجماعة من أهل الذمة، فإن قالوا: قد علمنا حقيقة الحال، ولم نرد بالقتال إلا أن ننال منكم [ونستأصلَ] 2 شأفتكم، فينتقض العهد بهذا، ويُقتلون مدبرين ومقبلين، وتُغنم أموالهم، ولا يُبْلَغون المأمن، ولا يضمّنون ما أصابوا؛ فإنهم أهل حربٍ.
وإن قالوا: ظننا أنه يحل لنا مقاتلتكم، وذكروا حالةً يمكن صدقهم فيها، فللأصحاب في هذا تردد: أولاً - قالوا: إن ادّعَوْا أنهم كانوا مكرهين على حضور المعركة، فلا نحكم بانتقاض عهدهم، ونقاتلهم مقاتلةَ البغاة: مقبلين غير مدبرين، وإن لم يدَّعوا الإكراه، وزعموا أنا اتبعنا هذه الفئة على علم، ولم نخرج عن متابعة المسلمين كلهم، فحاصل ما ذكره الأئمة في ذلك يستدعي تقديم أصولٍ.
وهذا فصل ألحقه معظم الأصحاب بالظواهر، وفيه تشعيث 3 وغوص في أعماق الفقه، لا يتأتى الانتهاء إليه من غير تمهيد أصول، وتفصيل فصول، [فنقول] 4: الكلام فيما يوجب نقض عهود أهل الذمة يأتي مستقصىً في كتاب الجزية، إن شاء الله تعالى، ونحن نذكر من ذلك المقدارَ الذي تَمَس إليه حاجتنا في بيان ما يختص بهذا الكتاب:
فما يصدر منهم ينقسم أولاً 1 قسمين: أحدهما - أن يؤثروا الالتحاقَ بدار الحرب، ونبذَ العهد إلينا، فلهم ذلك ولا نجبرهم على الوفاء بالذمة، هذا متفق عليه، وكان من الممكن من طريق المعنى أن نقول: الذمة إذا انعقدت فكما يلزمنا إدامتها لهم واستدامتها عليهم، فيلزمهم الوفاء بها، حتى إن حاوبوا نقضها، لم يُمكَّنوا، ولكن اتفق الأئمة على أنه لا مُعتَرض عليهم إذا نبذوا العهود، وسنذكر شرّ ذلك في الجزية، إن شاء الله عز وجل.
ثم من أثر رفع الحجر عنهم ألا نغتالَهم، ولا نتعرضَ لأموالهم وذراريهم، ونبلغهَم في حكم الأمان مأمنهم، فإذا انتهَوْا إلى مكانٍ يقطنه ذوو نجدة من الكفار فتنقطع آثار الأمان حينئذ.
هذا قسم.
11011 - والقسم الثاني - ألا ينقضوا العهود، ولكن يأتوا بأمرٍ يخالف العهد، وهذا ينقسم قسمين:
أحدهما - أن يخرجوا عن الطاعة، ويُبدوا صفحة الخلاف، وذلك بأن يمتنعوا عن إجراء الأحكام عليهم، ونهايتُهم في هذا أن يجتمعوا وينصبوا علينا قتالاً، ويلتحق بهذا القسم امتناعُهم عن أداء الجزية، وليس هذا من غرضنا الآن.
والطرف الذي هو مقصودنا من هذا القسم خروجُهم عن المؤالفة والاستسلام لما يجري عليهم من الأحكام، والمشاقّةُ نهايتها أن يبدوا القتال، فلا خلاف أن هذا ينقض العهد.
والقسم الثاني - جنايات عظيمة تصدر منهم متعلقةً بأهل الإسلام، كالزنا بالمسلمة، أو قتل مسلم، أو جرحه، ففي انتقاض عهدهم بصدور هذه أوجه، وغرضنا أن نذكر ما يضبطها، فإذا أتَوْا بجرائم عظيمة، ولما ينتهوا بسببها إلى سلّ اليد عن ربقة الطاعة، ولم يُبدوا امتناعاً عن إجراء الأحكام عليهم، [فهذا محل] 2 التردد في انتقاض العهد، وما لا يبلغ هذا المبلغ من سوء أدب، وإظهار خمر، وتظاهر
بإبداء شعار، فلا ينتقض العهد به على تفاصيلَ ستأتي، إن شاء الله.
فإن كان انتقاض العهد بالجهاد والخروج عن الطاعة، ونصب القتال، فالمذهب الذي عليه التعويل أنا نقاتلهم على أماكنهم، ونغنم أموالهم ونقتلهم، ولا نبلغهم مأمناً، ولا خلاف أنهم إذا استشعروا ظلال السيوف، ووقعَ الحتوف، [فطلبوا] 1 ذمةً مبتدأة، عقدناها لهم، وسنعطف على هذا القسم.
11012 - ولو انتقض عهدهم بسبب لا يمكن نسبتهم فيه إلى قصد الهتك والتهجم على حريم الإسلام، كما سنصفه من بعدُ، إن شاء الله ولكنهم على الجملة أوصلوا أذى إلى المسلمين عن جهل؛ فإذا نفذ الحكم بانتقاض الذمة، فهل نغتالهم أو نبلغهم مأمنهم؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما في الجزية إن شاء الله.
ولو انتقض عهدهم -على مذهبٍ - بسببِ عظائمَ صدرت منهم في آحاد المسلمين، فلا خلاف أن موجب تلك القضية يجري عليهم، حتى إن قَتلوا، اقتصصنا منهم، وإن أتلفوا، غرّمناهم.
وكان لا يبعد من طريق القياس أن يقال: إذا حكمنا بانتقاض عهدهم، صاروا حرباً لنا، ولا حُكم على الحربي وقد حصل نقض العهد مع موجِب القصاص، ولكن أجمع الأصحاب على استيفاء حقوق المسلمين منهم، ولو لم نسلك هذا المسلك، وفرعنا على المذهب الذي انتهينا إليه، للزم ألا يستوجب ذمي قصاصاً بقتل مسلم، فإذاً إجراء الموجبات والقضايا في الجرائم من أحكام الذمة السابقة، وإن كان لا يبعد أن نبلغهم المأمن -وقد نبذوا العهد- لآثار الأمان السابق، وإجراء الأحكام -وإن انتقض العهد- من بقاء الذمة السابقة، وهذا مما يلزم، فلا سبيل إلى دفعه.
نعم، لو نبذوا العهد وأظهروا الخلاف ونصبوا القتال، فصاروا 2 حرباً لنا، ثم قتلوا، فلا قصاص حينئذ ولكن نتبعهم ونقتلهم حيث نثقفهم.
ثم إذا حصل انتقاض العهد، [بهذه] 1 الأمور الخاصة، فهل [نغتالهم] 2 أو نبلغهم المأمن؟ فعلى قولين مرتبين على القولين فيه إذا انتقض عهدهم بسبب أبدَوْا فيه جهلهم عذراً كما سنصفه إن شاء الله، وهذه الصورة أولى بألا يُبلغوا فيها المأمن لما ارتكبوه من الجرائم، وإن كانت في وقائع خاصة.
فانتظم من ذلك أنهم لو نبذوا 3 إلينا العهد من غير أذى، فنقطع بتبليغهم مأمنهم، ولو نقضوا العهد وآذنوا بقتالٍ وأمرٍ 4 يشعر بالخروج عن الطاعة الكلية، فالمذهب أنا لا نبلغهم مأمنهم ونغتالهم وأموالهم.
وأبعد بعض أصحابنا فذكر هاهنا قولاً أنا نبلغهم إذا انكفوا عن الأذى، وهذا [أخذوه] 5 من أنهم لو طلبوا الذمة 6 نجيب إليها.
وإن حكمنا بانتقاض عهدهم بسبب أظهروا فيه عذراً ممكناً، ففي تبليغهم مأمنهم قولان، (7 وإن نقضنا عهدهم لجرائمَ خاصة فأحكام تلك الجرائم مجراة عليهم في حقوق المسلمين، وفي تبليغهم مأمنهم قولان 7).
هذه مقدمات مست الحاجة إليها.
11013 - ونحن نعود بعدها إلى استعانة البغاة بأهل الذمة في مقاتلة أهل العدل، ولا بد من ذكر الأقسام وباستيعابها يحصل استيفاء الأحكام، فنقول: إن كانوا مكرهين، فالذمة لا تزول، ولكنا نقاتلهم مقاتلةَ البغاة، وينقدح في هذا القسم غامضةٌ لا يتأتى شرحها الآن.
وإن قالوا: علمنا بأن الذين استعانوا بنا بغاة، وما كنا مكرهين، فلا شك أنه ينتقض عهدهم لِما أظهروا من القتال على علم من غير عذر.7
وإن قالوا: ظننا أن الفئة المستعينة بنا هي العادلة، وقدّرنا أنهم المحقون -ومن الممكن أن يخطر ذلك لهم؛ فإن الفئة العظيمة من بغاة المسلمين على هذا العقد- فهل ينتقض عهدهم وهم على جهلهم؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه ينتقض بصورة القتال، وهذا هو الذي وعدنا أن نذكره؛ إذ أجرينا في المقدمات إمكانَ انتقاض العهد مع التمسك بعذر، وكذلك لو قالوا: ظننا أنهم استنجدوا بنا على الكفار، وما حسبناكم مسلمين -وأمكن صدقهم- ففي انتقاض عهدهم قولان: فإن قلنا: ينتقض العهد لصورة القتال، فلو كان الإمام شرط عليهم ألا يقاتلوه، فإذا قاتلوه عن جهلٍ، فهل ينتقض عهدهم؟ فعلى وجهين: أحدهما - ينتقض؛ لأن العهد كان مشروطاً بشرط؛ فلا يبقى مع تخلف الشرط.
والثاني - لا ينتقض؛ فإنّ شرطَ الانكفاف عن القتل محمول على الإقدام عليه عمداً على علم.
ولو قالوا: ظننا أن المسلمين إذا تفرقوا واستعان بنا فئة منهم على فئة، فعلينا أن نذب عن الناحية التي نحن قاطنوها، ولم نعتقدهم 1 مبطلين، فهذا الاحتمال أبعدُ؛ فإن في النفوس التمييزَ بين المحق والمبطل.
وإن [كان فئة]، 2 لا يقاتلون، وإنما يقاتل البعض دون البعض، فإذا ذكروا مثل هذا، فالأوجه انتقاض العهد، وأجرى بعض أصحابنا القولين في الانتقاض على التفصيل الذي ذكرناه.
11014 - ونعود الآن إلى أوائل الكلام، فنقول: إن انتقض عهدهم على علم من غير عذر، فلا خلاف أنا نقتلهم مقبلين ومدبرين، وقد ذكرنا أن القول 3 الذي عليه التفريع أن هؤلاء يُبلغون المأمن، ثم ما أتلفوا بعد إظهار القتال لا يضمنونه، لأنهم أهل حربٍ، وقد انتقض عهدهم قبل صدور الإتلاف منهم، وإن حكمنا بانتقاض العهد في صور الجهل -حيث يقيمون عذراً- فقد ذكرنا قولين في أنهم هل يُبلغون المأمن؟
فإن قلنا: لا يبلغون المأمن على أحد القولين، فنقتلهم مقبلين ومدبرين، ونذفِّف على جرحاهم، فإنه يُفعل ذلك بهم بعد انقضاء القتال.
وإن قلنا: نبلغهم مأمنهم، فهل نقتلهم منهزمين؟ اختلف أصحابنا في المسألة؛ فمنهم من قال: لا نقتلهم منهزمين، كما لو انقضى القتال، والتفريع على أنا لا نغتالهم، ومن انهزم، فقد ترك القتال، ومن أصحابنا من قال: نقتلهم منهزمين، ونذفّف؛ فإن هذا من بقايا القتال، وكأنه عقوبة لهم في مقاتلتهم، وقد ذكرنا أن العقوبات تقام عليهم، وما أتلفوه في القتال -والتفريع على أنهم يبلغون المأمن- فهل يضمنونه؟ الظاهر عندنا أنهم يضمنونه؛ فإنهم في بقية من الأمان؛ ولهذا نبلغهم مأمنهم؛ ويستحيل أن نلتزم أمانهم، ولا نلزمهم ما يتلفون، فيخرج من ذلك أنهم ما صاروا أهل حرب على الإطلاق، وقد نرى في بعض المجموعات أنا إذا حكمنا بانتقاض عهدهم لا يضمنون ما يتلفون، وهذا لا يعد من المذهب، ويحمل على هفوة صادرة عن قلة الفكر.
وإن قلنا: إن عهود أهل الذمة لا تنتقض في صورة الجهل، فهم على ذمتهم إذا انقضى القتال، والكلام في أنهم هل يلتزمون ما يتلفون في حالة القتال؟ قال الأئمة رضي الله عنهم: يلزمهم ضمان ما يتلفونه حالة القتال ولا يخرج فيهم القولان المذكوران في أهل البغي، فإنا حططنا الغرم عنهم في قولٍ؛ استعطافاً لقلوبهم؛ وقَطْعاً للتبعات الثقيلة التي تمنع من الرجوع إلى الطاعة، وهذا المعنى لا يتحقق فيهم، وبالجملة ليسوا من المؤمنين، والله أمرنا بالإصلاح بين المؤمنين، ولم يذكر تَباعةً بدمٍ ولا مال، فيختص هذا التخفيف بهم، ولكنا لا نقتلهم مدبرين؛ فإنا نفرّع على أن ذمتهم باقية، والذمة حاقنة للدم، فسبيلهم في القتل كسبيل أهل البغي لا نتبع مدبرهم ولا نذفف على جريحهم، ولكنا نضمّنهم ما يتلفون.
ثم إن أوجبنا القصاص على أهل البغي، ففي إيجابه على أهل الذمة -والتفريع على أن ذمتهم غير منتقضة- وجهان: أحدهما -[أنا نوجب القصاص عليهم، كما قطعنا بإيجاب الغرم فيما أتلفوه.
والثاني - أنه لا يجب القصاص عليهم لمكان الشبهة المقترنة بأحوالهم.
فهذا نجاز الفصل في أحكام أهل الذمة] 1 إذا أعانوا البغاة على أهل العدل.
وقد انتهى بانتهاء هذا الفصل مقصود الكتاب، ونقل المزني فصولاً سهلة المُدرك قريبة المأخذ نجمعها في فصل واحد.
فصل
قال الشافعي رحمه الله: " ولو أتى واحد منهم تائباً، لم يقتص منه ... إلى آخره" 2.
11015 - هذا عَطَفه على أهل الذمة، وأراد المسلمين من أهل البغي، والدليل عليه أنه علّل فقال: " لأنه مسلم محرم الدم "، ثم ذكر سؤالاً وناظر به مناظرةً، وليس فيه أمر يتعلق بمقصودنا، وذكر طرفاً من الكلام في كيفية دفع الواحد يصول على الإنسان في نفسه أو ماله، هذا يأتي في باب الصيال، إن شاء الله.
11016 - ثم قال: " لا ينبغي أن يستعين الإمام على أهل البغي بمن يرى قتلهم مدبرين " 3 -كأصحاب أبي حنيفة 4 ومن يوافق مذهبه مذهبهم-.
إذا كان الإمام يرى رأينا ويذهب إلى ما نذهب إليه، فلا ينبغي أن يستعين بمن يخالفه في كيفية مقاتلة أهل البغي، فإنهم لا يتحاشَوْن إذا احمرّ البأس أن يتجرؤوا على ما يستحلون، وكذلك لا يستعين الإمام بالكفار عليهم، لأنهم يستحلون قتلهم على الوجوه كلها، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] ولهذا لا يجوز للإمام أن يتخذ جلاّداً مشركاً لإقامة الحدود على المسلمين.
وأما الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين، فهي جائزة على الجملة، وفي تفصيلها كلام سيأتي في السِّيَر، إن شاء الله.
ثم قال رضي الله عنه: " لا يُرمَوْن بالمنجنيق ولا بالنار ... إلى آخره " 1
11017 - منع الشافعي مقاتلتهم بالأسباب العظيمة الفاحشة 2 التي تصطلمهم، وتأتي عليهم من غير بُقيا، وإنما يجوز نصب المنجنيق وما في معناه والمقاتلة بالنيران مع الكفار؛ فإنا نستحل قتل الكفار جرياً على موجب قوله عز من قائل: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] والمقاتلة مع أهل البغي ينبغي أن تكون مع الإبقاء عليهم.
وهذا مما يجب التنبه له، فإنا ذكرنا فيما تقدم أنا إذا اصطففنا في مقاتلتهم، لم يكن القتال على حد دفع صائل على مصول عليه، حتى لا نبدأ بهم، وإن بدؤوا بنا، اقتصرنا على حد الدفع، هذا مما لا يمكن، ولو فرضنا افتتاح ذلك، كان استقتالاً، وتعرّضاً للهلاك، ولكن للقتال مع محاولة الاستيلاء والإبقاء عليهم مبلغاً يُنْتَهى إليه، ويوقف، فلا يزاد عليه.
ولقصد الاستئصال والاصطلام حد يعرفه أهله، فرأى الشافعي رضي الله عنه نصبَ المنجنيق وإرسالَ السيل على معسكرهم يبعد أن يقاتلوا به، وإضرامُ النيران فيهم من قصد الاصطلام.
فإذن ليتخيل الفقيه مراتب: إحداها - الاصطلام، وهو مع الكفار، [والأخرى -] 3 الاقتصار قدر الحاجة في الدفع، وترك الابتداء 4، هذا بين الصائل والمصول عليه، كما سيأتي، إن شاء الله.
والآخر - القتال مع أهل البغي، وفيه الإبقاء، وفيه 5 قصد كسر شوكتهم لردهم إلى الطاعة، ولو ابتدؤوا فنصبوا علينا مثل ذلك، قاتلناهم، ولو أحاطوا بنا وعلمنا أنهم يقعون بنا إن لم ندفعهم، فندفعهم، فإنا نبيح هذا في دفع الصائل الواحد إذا كان لا يندفع إلا به.
ومما يتعلق بهذا أنهم لو تحصنوا ببلدة مسوّرة 1 وكان لا يتأتى الاستيلاء عليها إلا بالأسباب التي ذكرناها، فنقول: إن كان في البلدة رعايا والأسباب التي [ذكرناها] 2 تأتي عليهم، فلا نستحل إقامةَ الأسباب المصطلمة.
وإن لم يكن في البلدة إلا المقاتلة، فإن تمكن الإمام من هدم السور، فليفعل، وإن 3 كان لا يتأتى ذلك -وهم يدافعون على السور- إلا بأن يقتلوا بأسباب [تنافي] 4 المعنى الذي ذكرناه من الإبقاء، فالذي أراه أنه لا يجوز قتلهم بهذه الأسباب العظيمة، كالإحراق ونصب المنجنيق، وفتح السيول الجارفة؛ فإن الإمام إنما ينظر للمسلمين فيما يفعل، وتركُ بلدة في أيدي طائفة من المسلمين -وقد يستمكن من حيل في محاصرتهم، والتضييق عليهم- أقربُ إلى الإصلاح العام من اصطلام أمم.
فإن قيل: كان عليّ رضي الله عنه يقاتل البغاة مقاتلة من يصطلم، فلا يُبقي، وقيل: إنه قتل ليلة الهرير بنفسه ألفاً وخمسمائة.
قلنا: كان البغاة على حد من الجد في القتال لو لم [يقابلوا] 5 بما كان يفعله علي رضي الله عنه لاصطُلم وأتباعه، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه: ومعاوية جاد في القتال منتصفاً أو مستعلياً.
11018 - ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه تنفيذ أقضيتهم، وقد قدمنا هذا، والقولُ الجامع فيه أن ما وافق من قضائهم إجماعاً، أو مذهباً مجتهداً فيه مظنوناً، فهو منفّذ غيرُ مردود.
والذي نزيده تفصيلُ القول في كتب قُضاتهم، والذي يعتمد في ذلك أنهم إذا أبرموا قضاء، وكتبوا إلى قاضينا باستيفاء ما ثبت عندهم، فإنا نقبل الكتاب، ونعمل بموجَبه على وفق الشرع.
وإن سمع قاضيهم بينةً وكتب إلينا يلتمس تنفيذ الحكم بها، ففي قبول كتابهم على
هذا الوجه قولان: أحدهما - أن قاضينا يقبل، ويحكم على حسب ما يعمله القاضي من أهل العدل إذا كتب إليه قاضٍ من أهل قضاة بلاد أهل العدل، وهذا هو القياس؛ فإنا إذا 1 نفّذنا أقضيتهم، فلا معنى بعد ذلك [للتلوّم] 2 والتردد 3 والامتناع في التفاصيل.
والذي يوضح ذلك أن الكتب إنما ترد في الذين يتصلون بديارنا، فإذا كنا ننفّذ أقضيتهم حتى لا تتعطل أحكام الرعايا في ديار البغاة، فلو رددنا كتب قضاتهم، لتعطلت أحكام المتصلين بنا.
والقول الثاني - أنا لا نقبل كتب قضاتهم إذا لم يكونوا قد أبرموا الأحكام، فإنا لو قبلناها، لكنا معهم متعاونين، وليس لأهل العدل أن يعاونوا أهل البغي فيما يقيم مناصب قضاتهم وولاتهم، والأقيس الأول.
وذهب بعض أصحابنا إلى طرد القولين فيما أبرموه واستعانوا فيه بالاستيفاء، وهذا ذكره شيخنا وصاحب التقريب
[وكنت أودّ] 4 لو فصل فاصلون بين الأحكام التي تتعلق بالبغاة وأصحاب النجدة والامتناع، وبين ما يتعلق بالرعايا.
11019 - ثم ذكر الشافعي أن شهادة أهل البغي مقبولة، فإنهم يعتقدون بتأويل، كما تقدم ذكره، واستثنى الخطّابية، ولا تعلق لهذا بأحكام البغاة، والخطابية يرون الكذب كفراً، ويعتقدون أن من أخبرهم من أهل دينهم باستحقاق شيء، فلهم أن يشهدوا له جزماً، والقول في ذلك يأتي في كتاب الشهادات، إن شاء الله، وفيه نتكلم في أهل البدع والأهواء.
11020 - ثم قال الشافعي: " وإن قُتل باغ في المعترك غُسّل وصُلِّي عليه " والأمر
على ما ذَكر، أنا إذا ظفرنا بقتيل من البغاة، غسلناه وصلينا عليه ودفناه، ولا نُثبت له رتبة الشهادة.
وأبو حنيفة 1 لا يرى غسلَهم والصلاةَ عليهم؛ تغليظاً عليهم، وأما القتيل من أهل العدل، ففيه قولان: أحدهما - أنه تثبت له مرتبة الشهادة كقتيل المشركين.
والثاني - لا تثبت له مرتبة الشهادة المسقطة للغسل والصلاة.
وقد ذكرنا [هذا] 2 في كتاب الجنائز عند ذكرنا الشهداء ومراتبهم.
11021 - ثم قال: " يكره لأهل العدل أن يتعمدوا قتل ذوي الأرحام " والأمر على ما ذكر، فحقّ على الإنسان أن يجتنب قتل ذوي الأرحام ما وجد إليه سبيلاً، ولا فرق بين أن يكونوا من المحارم، أو لا يكونوا منهم، ونحن نكره ذلك في الكفار، فلا نرى للمسلم أن يختار قتل من هو من ذوي أرحامه، " وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه عتبة، ونهى أبا بكر عن قتل ابنه يوم أحد " 3.
وما ذكرناه كراهية متأكدة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته " 4، وروي أنه عليه السلام كان يقول يوم دخل المدينة على بعير: " يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.
فسمع عبد الله بن سلام ذلك فأسلم، وقال: هو نبي حق " 5.
فإن قيل: خصصتم تغليظ الدية بقتل ذي الرحم المحرم، وهاهنا علقتم الكراهية بقتل ذي الرحم؟ قلنا: ما قدمناه في التغليظ تفصيل المذهب، ثم ذلك أمرٌ محتوم مخالف للقياس، اتبعنا فيه آثاراً، وهذا بيان كراهية في [التوقي] 1، ربطناه بالأخبار الواردة في صلة الأرحام.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]
ثم ذكر التوارث بين من يقتل من إحدى الفئتين قتيلاً من الفئة الأخرى، وقد استقصينا هذا في الفرائض فلا نعيده.
ثم ذكر فصولاً تتعلق بالأمان، وهذا يأتي في كتاب السير على أبلغ وجه، إن شاء الله عزوجل.
... =ح 3251، أحمد: 5/ 451، الدارمي: 2/ 275، الحاكم؛ 3/ 213، 16014، إرواء الغليل: 3/ 239 ح 777).
باب حكم المرتد
قال الشافعي رضي الله عنه: " من ارتد عن الإسلام إلى أي كفر كان ... إلى آخره " 1.
11022 - [كلمة] 2 الردة إذا صدرت ممن ليس بمكلَّف كالصبيان والمجانين، فلا حكم لها، وسبيلها كسبيل صدور الإسلام منهم على ما تقدم ذكرهم 3 في كتاب اللقيط.
فأما المكلف من المسلمين إذا صدرت منه الردة، أُجبر على الإسلام بالسيف، فإن امتنع، ضربت رقبته، ولا فرق بين الرجل والمرأة، والحر والعبد.
وخلاف أبي حنيفة 4 في ردة المرأة مشهور.
11023 - والسكران إذا ارتد، فردته مُجراة على قياس أقواله في العقود والحلول، وقد ذكرنا طرق الأصحاب فيها.
والحاصل المتعلق بغرضنا قولان على طريقة مشهورة: أحدهما - أن ردته كردة الصاحي.
والثاني - أن ردته ملغاة.
والقولان جاريان في جميع أقواله.
ومن أصحابنا من رأى التغليظ [عليه] 5، وخصص القولين بما لا يتعلق بالتشديد والتغليظ، فعلى هذا تثبت الردة منه إذا تلفظ بكلمة الردة، ثم الصحيح إجراء القولين
في عوده إلى الإسلام.
ومن أصحابنا من قال: لا يصح منه ما لَه، ويصح منه ما عليه، فلم يصحّح إسلامه وصحّح ردته.
ثم قال الشافعي رحمه الله: إذا حكمنا بردته، فينبغي ألا نقتله 1 حتى يُفيق، ونعرض الإسلام عليه، فعساه يرجع، فلو تاب ورجع في السكر، فإن قلنا: لا تصح توبته، فوجودها كعدمها.
وإن قلنا: تصح توبته، فلو أفاق، عرضنا عليه التوبةَ مرة أخرى حتى يأتي بها على ذُكر وخُبْر وبصيرة.
فلو ابتدره إنسان وقتله؛ فقد ذكر بعض الأصحاب خلافاً في أنه هل يضمنه كما يضمن به المسلم إذا قتله؟ فالذي ذهب إليه المحققون: أنه يضمنه؛ فإنه قتله بعد التوبة المحكوم بصحتها، وذكر بعض الأصحاب قولاً في إهداره، وزعم أنه مأخوذ من مسألة، وهي إذا حكمنا بإسلام مولود، وكان علوقه على الكفر، ولكن أسلم أحد الأبوين أو كلاهما، فإذا بلغ فقتله إنسان قبل أن يعرب عن نفسه بالإسلام، ففي وجوب الضمان، خلاف ذكرناه في كتاب اللقيط، ووجه التقريب عند هذا القائل أن الإسلام الحاصل بالتبعية إسلام حُكميّ، وكذلك الإسلام الحاصل في السكران إسلام
حُكميّ، لم يصدر عن ثَبَتٍ في الاعتقاد.
وهذا ليس بشيء.
فإنا إذا صححنا إسلامه، [فهو متأصل في الإسلام ليس تابعاً لأحد، فإن قيل: لم يصدر إسلامه] 2 عن عقد ثابت، قيل: كذلك صدرت الردة منه في سكره، فلا فرق بينها وبين التوبة عنها، وإن ذكر هذا القائلُ [هذا القولَ] 3 البعيد فيه إذا كان قد ارتد صاحياً، ثم سكر وأسلم، فقد يتضح الكلام هاهنا بعض الاتضاح، ولكن لا معول عليه مع حكم الفقيه بتصحيح الإسلام من السكران، وتنزيل أقواله وأفعاله منزلة أقوال الصاحي وأفعاله، ولسنا نفرع على هذا القول الضعيف؛ فإنه لا مستند له من القوانين.
وقد نجز الكلام فيمن تثبت الردة بقوله 1.
11024 - ولا حاجة إلى تفصيل القول فيما يكون ردة من الأقوال، وإنما يغمض الكلام في تكفير المتأولين من أهل البدع، وليس ذلك من فن الفقه.
ونحن نقول بعد هذا: الأفعال إذا دلت على الكفر، كانت كالأقوال، وذلك إذا رأينا من كنا نعرفه مسلماً في بيت الأصنام وهو يتواضع لها تواضع العبادة، فهذه عبادة 2 كفر.
وقد يُجري الأصوليون الأفعالَ المتضمنة استهانةً عظيمة مجرى عبادة الأصنام، كطرح المصحف في الأماكن القذرة، وما في معناه.
والقول في ذلك يطول، وهو من صناعة الأصول.
وفي بعض التعاليق عن الأمام شيخي: أن الفعل المجرد لا يكون كفراً، وهذا زلل من المعلِّق، أوردته للتنبيه على الغلط فيه 3.
11025 - وسبيلنا بعد ذلك أن نتكلم في التوبة على 4 الردة، فنقول: أولاً التوبة مقبولة عن كل كفرٍ، وتقبل توبة الزنديق، ومن كان يُظهر مذهب الباطنية، وإن كان يبوح بوجوب التقيّة، وما يظهره من التوبة يمكن تنزيله على قاعدة التقية، ولكن
مذهب الشافعي أن توبة الزنادقة والباطنية مقبولة، ولا يبقى بعد الحكم بإسلام الكفار تحت السيف لمفصِّل رأيٌ في التفصيل، مع أن الظاهر القريب من اليقين أن الكفار لم يحدثوا اعتقاد الحق، [إذ يغشاهم] 1 المسلمون.
وكذلك من ارتد إلى دين اليهود أو النصارى، ثم عصبناه لنضرب رقبته، فتاب، فتوبته مقبولة، والظاهر أنه جاء بها لِما استشعره من الخوف، وقد روي أن أسامة أشرف على جمع من الكفار في العُدّة التامة، فأسلم واحد منهم لما سلّ السيف عليه، فقتله أسامة؛ فاشتد نكير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة؛ فقال: إنما قاله فرقاً مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هلا شققت عن قلبه؟ " 2.
وقال مالك 3: توبة الزنديق مردودة، وأضاف الأصحاب هذا إلى الأستاذ أبي إسحاق رضي الله عنهما، والصحيح عندنا من مذهبه: أن الزنديق إن حُمل على التوبة، فتوبته مردودة.
وإن رأيناه في استخلائه يظهر تخضُّعاً للإسلام وتعظيماً له وتندماً عما كان تقدم منه من انتحال 4 الزندقة، وتبين بقرائن الأحوال، والأمر كذلك أنه لا غرض له، إلا الرجوع إلى المسلك الحق، فالتوبة مقبولة على هذا الوجه إذا اطلعنا عليه منه.
وهذا التفصيل حسن؛ فإنه لو رُدّ رجوع الزنديق من كل وجه، فلا يبقى له طريق إلى الرجوع.
وليس يمتنع أن يظهر الحقُّ لزنديق، كما لا يمتنع أن يتزندق مسلم.
ومذهب الشافعي قبول توبة الزنديق وإن كان مجبراً عليها اعتباراً بتوبة كل مرتد، فلو ارتد المسلم، ثم عاد، ثم ارتد مرة أخرى؛ فمذهب الشافعي وأصحابه قبول
توبته، وإن تكرر ذلك منه، ولا ضبط في أعداد المرات.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إنما تقبل التوبة في الكرة الأولى، فإذا ارتد مرة أخرى، لم تقبل توبته أصلاً.
وهذا من هفواته الفاحشة، ولا مبالاة بها.
11026 - ونحن نذكر بعد ذلك استتابةَ المرتد، والتفصيلَ فيها.
فنقول: الوجه مراجعتُه وعرضُ التوبة عليه، وهل نمهله ثلاثة أيام لعله يتوب؟ فعلى قولين: أحدهما - أنا لا نمهله، وهو مذهب المزني؛ فإنه محمول بالسيف على الإسلام، وإسلامه يناقض هذا المعنى، ولا حياة في لحظة في الإصرار على الردة.
والقول الثاني - أنا نمهله ثلاثة أيام، وهو فيها محبوس، ولا نمنعه الشراب والطعام.
ومعتمد هذا القول مذهب عمر رضي الله عنه، روي أن رجلاً قدم عليه من الشام، فقال له: هل من مَغْرَبَةِ خبرٍ؟ 1 فقال: لا، إلا إن نصرانياً أسلم، ثم ارتد، فقتله أبو موسى الأشعري.
فرفع عمر يديه نحو السماء، فقال: " اللهم إني أبرأ إليك مما فعل أبو موسى، هلا حبستموه 2 في بيت ثلاثاً تلقون إليه كل يوم رغيفاً، لعله يتوب "؟ 3، ووجهه من جهة المعنى أنا نرجو عوده إلى الإسلام، وهو أقرب إلى الصلاح من ابتدار قتله.
ثم التقييد بالثلاث مأخوذ من قول عمر، ثم هي مدة ثابت بها خيار الشرط، ومال إلى التأقيت بها أقوال في مسائل: كإمهال تارك الصلاة، وكالفسخ بسبب العتق تحت