نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 405-444
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 405-444
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

3327 - ومما ذكره الشافعي من أنواع الغرر بيعُ الطائر في الهواء.
والتفصيل فيه أنه إذا لم يكن مملوكاً للبائع، فلا شكّ في فساد العقد، وإن كان مملوكاً للبائع، لكنه أفلت، وكان الوصول إليه متعذراً، فبيعُه فاسدٌ؛ لما قدمناه من فساد بيع ما لا يقدر على تسليمه.
وأما الحماماتُ التي تكون مملوكةً والتي تطير نهاراً وتأوِي إلى أوكارها ليلاً، فالمذهب صحة بيعها نهاراً؛ بناءً على عوْدِها الغالب، وهو كتصحيحنا بيعَ العبدِ الغائب الذي نرجو إيابه.
وأبعد بعض أصحابنا، فمنع بيعها قبل أن تأوي؛ فإن عودها على حكم عادة والآفات كثيرةُ الطروق، ولا ثقة بما لا عقل له.
والصحيح التصحيح.
ومما يذكر في ذلك، وبه تمام البيان أن الشيء الذي يتوصل إلى تسليمه، ولكن بعد تعذّرٍ وعُسرٍ ظاهرٍ، كالطَّائر في دار فيحاءَ متسعةِ الرقعة إذا لم يكن لها منفذ، فالوصول إليها مع تحمل العسر متصوّر، فإذا بيع ما وصفناه، ففي صحة البيع وجهان: أحدهما - لا يصح، لتحقق التعذّر حالة العقد.
والثاني - أن البيع يصح لتحقق الإمكان، وإن كان مع عسرٍ بيّن، وهذا بمثابة تصحيح بيع العبد الآبق 1 الغائب الذي هو على مسافةٍ بعيدةٍ من المشتري.
فرجع حاصل القول إلى أن التعذر إذا تحقق حالةَ العقد، ولم يكن التمكن موثوقاً به، فالبيع فاسد قطعاً، وإن كان التسليم ممكناً مع أدنى عُسر محتمل في العادة، فالبيع صحيح.
وإن تحقق التعذر، ولكن كان التمكن موثوقاً به مع معاناة عُسر، ففي المسألة وجهان.
ومما ذكره الأصحاب بيعُ البرجِ وفيه الحمامات المملوكة.
أما القول في الحمامات، فعلى ما فصّلناه، وبيع البرج صحيح، والتسليم فيه التخليةُ، وهل يتم التسليم في الحمامات إذا أَوَتْ إلى البرج بالتخليةِ تبعاً للبرج، والتفريع على أن

لا يكفي في تسليم المنقولاتِ التخليةُ؟ في المسألة وجهانِ.
وقد تقدَّم نظيرُهما في بيع الدار مع أقمشةٍ فيها.
وبيع النحل في الكُوَارَة 1 جائز.
وإن كانت خارجةً من الكُوَارَة، ولكنها تَؤوبُ في العادة، فالقول فيها كالقول في الحمامات الهادية.
3328 - ومما [يُذكر] 2 في ذلك بيعُ السمك في الماء.
والتفصيل فيه كالتفصيل في الطير في الهواء.
فإن لم يكن مملوكاً، فلا خفاءَ بفساد بيعه، ولو كان مملوكاً، فسبيل التفصيل ما مضى من كونه مقدوراً، أو غير مقدور.
وقد يتصل بذلك أن السمكة إن كانت مرئيةً تحت الماء الصافي، فتفصيل القول ما تقدَّم.
وإن كانت غير مرئيَّةٍ، فينضم إلى ما ذكرناه القولُ في بيع ما لم يره المشتري.
وذكر أصحابنا طرقاً 3 من الكلام في أن السمكة كيف تملك، وما وجه ثبوت اليد عليها؟ والقول في ذلك يتعلق بكتاب الصيد، على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
فرع: 3329 - من اصطاد سمكةَّ فَخرج من بطنها دُرَّةٌ، فإن كانت مثقوبةً، فهي لُقطةٌ؛ لقَطْعِنا بأنه لا يثقب الدرّةَ إلا مالكٌ.
وإن كانت غير مثقوبة، فهي للصياد؛ لأنها بمثابة أجزاء السمكة في أنها مصادَفةٌ موجودة 4 وليس عليها علامةُ ملك مالكٍ.
وإن قدِّر فيها ملكٌ، لم يبعُد تقدير الملك في السمكة أيضاً، بأن تفرض مُفلِتةً بعد القبض عليها.
ولو باع واحد تلك السمكة، وفي بطنها الدرَّة، لم يملك المشتري تلك الدرة؛ لأن حكم البيع أن يَرِدَ على أجزاءِ ما قُصدَ بالبيع، وليست الدرة من أجزائها، ولا فضلة [منفوضة] 5 منها بخلاف البيضة في جوف الدجاجة، واللبن في ضرع الشاة.

فصل قال: "ومما يدخل في هذا المعنى أن يبيع الرجل عبداً لرجل ... إلى آخره" 1. 3330 - ألحق الشافعيُّ بيع الرجل مالَ غيرهِ بالغرر الذي يجب اجتنابه، وغرض الفصل الكلامُ في وقف العقود.
وهو ثلاثة أصنافٍ عندي: أحدها - أن يبيع الرجل مال غيره بغير إذنٍ منه ولا ولايةٍ.
والمنصوص عليه للشافعي في الجديد أن البيع باطل.
ونص في القديم على أنه منعقدٌ ونفوذه موقوف على إجازة المالك، وهو مذهبُ أبي حنيفة 2. ثم من مذهبه أن العقدَ إنما يقف إذا كان له مجيزٌ حالة الإنشاء، فلو باع الرجل مالَ طفل، فبلغ الطفل وأجازه، لم ينفذ العقدُ.
نعم، يقف بيع مال الطفل على إجازة الوصي والولي والوالي العام، على حسب مراتبهم، والوقوف على إجازة من يملك الإنشاء منهم.
ولو باع الرجل مال غيره، ثم ملكه بعد ذلك العقد، لم ينفذ عند أبي حنيفة 3؛ فإنه لم يكن حالة العقدِ مالكاً للإجازة.
قال شيخي: إذا فرعنا على القديم، لم نخالف أبا حنيفة في هذه التفاصيل.
ومما نذكره تفريعاً على القديم أن أبا حنيفة 4 قال: من اشترى شيئاً وقصد به شخصاً، لم يقف الشراء على إجازته، بل ينفذ على الذي تعاطى الشراء، وزعم أن الشراء إذا أمكن تنفيذه على الذي قال: اشتريت، فلا حاجة إلى وقفه على إجازة غيرِه.

وذكر بعض المحققين من أصحابنا أنا إذا وقفنا بيعَ مال الغير على إجازته، فيقف الشراء أيضاً على إجازَةِ من قصده المشتري؛ فإن التوكيل يجري في شقي العقد.
ومن قُصد بالشراء ممن يصح منه التوكيل في تلك الحالة، فلا فرقَ بين الشراء والبيع.
هذا فيه إذا اشترى في الذمّة شيئاً، فأما إذا اشترى شيئاً بمال غيره، فهو بيعُ مال الغير بغير إذنهِ، فلا نشكُّ أنه يُخرَّج على القولين.
وإن فرَّعنا على الجديد وأبطلنا بيعَ مال الغير، فمن اشترى شيئاً في الذمّةِ، وقصد به غيرَه، فلا شك في نفوذ العقد على الذي باشر الشراء.
وإن قال: اشتَريتُ هذا العبدَ لفلانٍ، والتفريع على الجديد، فلا شك أن الشراء لا يقف على إجازة ذلك المسمَّى.
ولكن في نفوذه على هذا المشتري، وقد سمَّى غيرَه وجهان: أحدهما - أنه ينفذ عليه، وتلغو تسميتُه الغيرَ.
والوجه الثاني - أنه يفسد العقد، ولا ينفذ على الذي تعاطى، ولا يقف على إجازة الذي سمى.
هذا الذي ذكرناه صنف واحد من الأصناف الثلاثة في الوقف.
والعراقيون لم يعرفوا القول القديم في هذا القسم، وقطعوا بالبطلان.
3331 - فأما الصنف الثاني - فهو كبيع الرجل مالاً يحسبه لأبيه، ثم يَبين أن أباه قد مات وانتقل المال إليه ميراثاً، ففي صحة البيع ولزومِه قولان مشهوران نقلهما العراقيون، كما نقلهما المراوزةُ.
أما وجه قول التصحيح فلائح.
وأما وجه قول الإفساد، فهو أن هذا العقدَ وإن كان منجَّزاً في صيغته فمحلّه التعليق، والتقدير فيه: إن مات أبي، فقد بعتك هذا العبدَ.
وللشافعي في الجديد مرامزُ إلى القولين في هذا النوع.
3332 - والصنف الثالث - من الوقف يداني الصنف الأول في وضعه، ولكن يمتاز عنه بما نصفه.
فإذا غصب الرجل أموالاً وباعها، وتصرَّف في أثمانها، وأوردَ العقودَ على العقود، وعَسُرَ المستدرَكُ، ولو نفذ المالكُ تلك العقود، لسلمت له تلك الأثمان بأرباحها.
ولو كلّف نفسه تتبعَ تلك العقودِ، لشق عليه التدارك، ففي جواز تنفيذها

قولان، نص عليهما في كتاب الغصوب، على ما سيأتي ذكرهما، إن شاء الله.
وإنما تمتاز هذه الحالة على القسم الأول بعسر التدارك، وطلبِ مصلحة المالك.
فهذا جوامع القول في الوقف.
3333 - ثم وقف العقود يطّرد في كل عقد يقبل الاستنابة، كالبياعاتِ، والإجارات، والهبات، والعتق، والطلاق، والنكاح، وغيرها.
والضابط ما ذكرناه من قبول الاستنابةِ.
ثم إذا صحَّحنا العقدَ في القديم، نجَّزْنا صحّتَه، بَيْدَ أن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة.
ولو وهب وأقبضَ، لم يحصل الملك، فإذا أجاز المالك، استعقبت الإجازةُ حصولَ الملك، ولم يتقدم الملك عليها تبيناً واستناداً.
هذا ما أراه وليس يخرج في هذا القول الغريب في أن الهبة إذا تأكّدت بالقبض، فيتبين أن الملك استند إلى حالة العقد.
كما سيأتي في الهبات.
فصل قال: " ولو اشترى مائةَ ذراع من دَارٍ لم يجز ... إلى آخره " 1. 3334 - مضمون الفصل مسائلُ، منها: أن يقول: بعتُك ذراعاً من هذه العَرْصة، فإن كانت معلومةً الدُّرعان، صح البيع، وكان الذراع بالإضافة إلى الدُّرعان بمثابة جزءٍ شائعٍ كالعُشرِ ونحوه، إلا أن يَعني بالذراع معيناً، لا على تأويل الإشاعَةِ، فلا يصح العقد حينئذٍ.
ولو اختلف البائع والمشتري، فقال المشتري: أردت جزءاً شائعاً فيها.
وقال البائع: بل أردتَ ذراعاً معيناً، لا على مذهب الإشاعَة، بل نحوتَ بذكر الدار 2 نحو قول القائل: بعتُ شاةً من القطيع.
فهذا فيه احتمال عندنا: يجوز أن يقال: الظاهرُ حملُه على الإشاعة، ولا يقبل

من البائع العدول عنه.
ويجوز أن يقال: يقبلُ قولُه؛ فإن اللفظ الصريح في الإشاعة الجزءُ المنسوبُ إلى الكل، كالنصف والربع، وما في معناهما.
ولو كانت العرصة مجهولة الدُّرعان، فقال: بعتك منها ذرَاعاً، فالبيع مردود.
وليس كما لو قال: بعتك صاعاً من هذه الصُّبرة، وكانت الصبرة مجهولة الصيعان؛ فإن البيع صحيح على ظاهر المذهب.
والفرق أن الصُّبرةَ متساوية الأجزاء، بخلاف ذرعان الأرض؛ فإنها متفاوتة الأجزاء.
3335 - ولو وقف على طرفِ الأرض وقال: بعتك عشرةَ أذرع من موقف قدمي في جميع العرض 1 إلى حيث ينتهي في الطول.
فهذا إعلامٌ.
وقد اختلف أصحابنا في صحة البيع تعويلاً عليه: فذهب الأكثرون إلى الصحة، ووجهه بيّن.
وقال قائلون: لا يصح البيع؛ فإنه لا يدرى منتهى القدر المبيع حتى يُذرعَ.
وهذا ساقطٌ لا أصل له.
ولو وقف في وسط الأرض وقال: بعتك عشرةَ أذرع من موقفي في جميع العرض إلى حيث ينتهي في الطول، ولم يشر إلى الجهة التي يقع المبيع فيها، وكان موقفه محفوفاً بالأرضِ من قدامه، وورائه، فلا شك في فساد العقد.
ولو رسمَ في وسط الأرض مقداراً منها يحيط به خطوط هي أضلاع له.
أَوْ رَسَم مقداراً على شكل التدوير، يحتوي عليه محيط الدائرة، وباعه، فإن كان قطرٌ منه ْيُتاخم الشارَع أو يتصل بملك المشتري، فالبيع صحيح.
وإن كان لا يتصل ذلك المقدار المعين بشارعٍ، ولا بملك المشتري نُظر: فإن قال: بعتك هذا المقدارَ بحقوقه، صح، وثبت للمشتري حقُّ الممرِّ.
(2 وإن أطلق البيعَ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن مطلقَ البيع يقتضي حقَّ الممرّ في 2) الذي لم يبعه.
والثاني - لا يقتضي الإطلاقُ ذلك.
فإن حكمنا بأن الإطلاقَ يقتضي حقَّ الممر، فالبيع صحيح.
وإن قلنا: لا يقتضيه، ففي البيع وجهان: أصحهما - البطلان؛ لأنه لا ينتفع ببقعةٍ لا ممرَّ لها.2

وكذلك اختلف أصحابنا فيه إذا باع الرجل بيتاً من داره، ولم يتعرض لإدخال حق الممر في العقد، ففي صحة البيع التفصيلُ الذي ذكرناه، بناءً على أن الإطلاق هل يقتضي حقَّ الممر.
ومما يتم به البيان أنه إذا عيّن مقداراً مشكَّلاً من وسط الأرض.
وِقلنا: يثبت للمشتري حقُّ المرور، وكان الممرّ يُفرض من الجوانب؛ فالوجه إثباته من جميع الجوانب؛ إذ ليس جانب أولى من جانب.
وحقيقة هذا يرجع إلى أنا نُثبت للمشتري في تلك القطعة ما كان ثابتاً للبائع قبل البيع، من حق الممر.
ولو قال بعتك هذه القطعةَ بحقوقها، فحق الممر من الجوانب يدخل في استحقاق المشتري، فكذلك المطلق عند هذا القائل محمول على ما يقتضيه إطلاق شرط الحقوق.
وإن كان الشكل المقدّر متاخماً للشارع، فالذي يقتضيه كلام الأصحاب أنه لا يثبت للمشتري حق طروق الملك بل ممرُّه إلى صوب الشارع؛ والسبب فيه تنزيل العقد على موجب العرف، وليس من موجبه أن يتردد المشتري فيما أبقاه البائع لنفسه إذا كان طرف من المبيع متصلاً بالشارع.
ولو كان يتصل طرف من المبيع بملكِ المشتري، فالظاهِر أنه لا يملك طروقَ ملك البائع، بل ينزل العقدُ على اكتفاء المشتري بأن يوسع بالمبيع رَبْعَه والممر من ملكه القديم إلى ما اشتراه الآن.
فلو قال البائع في هذه الصورة الأخيرة بعتك هذا المقدارَ بحقوقه، فالوجه أن يستحق المشتري طروقَ ملك البائع.
وإذا كان مُطلقاً، فالظاهِر ما ذكرته.
وفيه احتمال.
والعلم عند الله تعالى.
ولو قال بعتك هذه القطعةَ، وكانت محفوفةً بما أبقاه لنفسه، وشرط في البيع ألا يكون له إلا ممرٌ واحد، فإن عيّنه، جاز.
وإن أبهمه، فالوجه الحكم ببطلان العقد؛ فإن الجهالة في الحقوق مؤثرةٌ في العرف تأثيرَ الجهالة في المعقود عليه، فإنا لو لم نفعل هذا، وصححنا العقد، لكان بعده نزاعٌ في صوب الممر، وكنا لا ندري من المتبع.
والعلم عند الله تعالى.
هذا تفصيل القول في أطرافِ هذا الفصل.

فصل 3336 - إذا أشارَ الرجل إلى قطعةٍ من الأرض وقال: بعتك هذه القطعةَ على أن تكسيرها مائةُ ذراع، فخرجت القطعةُ مائةً وخمسين، أو نقصت فخرجت خمسين، فإذا أخلف المقدار المشروط بالزيادة أو بالنقصان، ففي صحة البيع في الصورتين قولان: أحدهما - أنه يصح تعويلاً على الإشارة، وخُلف الشرط في المقدار يقرب عند هذا القائل من خُلف الشرط في الصفة.
ولو قال: بعتك هذا العبدَ على أنه تركي، فإذا هو من جنسٍ آخر، فالبيع صحيح.
والقول الثاني - أن البيع باطل، نظراً إلى لفظ العقد.
ومقتضاه أن المبيع مائة، فإذا كان زائداً، لم يكن المقدارُ الزائد معنياً بالبيع، فكأن الصفقة اشتملت -من جهة أن الإشارة احتوت على جميع الأرض واللفظُ اختص بالبعض- على مبيع وغير مبيع.
3337 - وهذه المسألة تلتفت إلى أصولٍ وتتردّد بين قواعدَ، ونحن ننبه عليها.
فمنها أن من أشار إلى شاة وقال: بعتك هذه البقرة، فاللفظ يتضمن جنساً مخالفاً للمشار إليه، والإشارة مغنيةٌ عن ذكر الجنس؛ فإنه لو قال: بعتك هذا كفى ذلك.
وقد ظهر خلاف الأصحاب في صحة البيع: فمن اعتمد على الإشارة، صحح.
ومن اعتمد العبارة أفسد.
ومن الأصول التي تستند هذه المسألة (1 إليه تفريق الصفقة، ولا يتحقق التحاقُ هذه المسألةِ 1) بقاعدة التفريق إلا بعد تمييزها عن الخُلف في الصفات المشروطة.
فإذا قال: بعتك هذا العبدَ على أنه كاتب، فالكتابة لا تجوز أن تعتقد مورداً للبيع.
والمقدار يجوز أن يفردَ بالبيع ويقدَّرَ مورداً له، كالعبدين أحدهما مملوك للبائع والثاني مغصوب.
والصورة التي نحن فيها ممتازةٌ عن قاعدة التفريق؛ من جهة اشتمال الإشارة على استغراق القطعة المعيّنة بالبيع، وليس في صيغة البيع جمع بين موجود ومعدوم؛ فنشأ الخلافُ في صحة البيع من جهة التردد بين هذه الجهات.1

وإذا كنا نقول: الخُلف في الصفات في النكاح يوجب تخريج صحته على قولين؛ من جهة أن المقصود من النكاح على الجملة الصفاتُ، كما سيأتي، فالخُلف في المقدار في المبيع أَوْلى بالخلاف، والبيع أقبل للفساد بالشرط، والنكاح أبعد منه.
فالذي يقتضيه الترتيبُ بعد تمهيد ما ذكرناه ترتيبُ مسألتنا في الصحة والفساد على التفريق في الصفقة.
وهذه المسألة أولى بالصحة.
وإن رتَّبناها على خُلف الصفاتِ في النكاح، فمسألتنا أولى بالفسادِ.
والذي به الفتوى صحةُّ البيع.
وذكر العراقيون هذه المسألةَ في الزيادة والنقصان، وحكموا بأن الساحة إذا نقصت عن المقدار المذكور، صح البيع قولاً واحداً.
وإن زادت، ففي صحة البيع قولان.
ولا يكاد يظهر فرق بين النقصان والزيادة.
وطرد صَاحبُ التقريب وشيخي القولين في الصورتين.
وإذا ثبت أصلُ الكلام في الصّحة والفساد، فنحن نفرع صورة الزيادة، ثم نفرع صورة النقصان.
3338 - فأما تفريع الزيادة: فإذا قال: بعتك هذه الأرضَ على أنها مائةُ ذراع، فخرجت عن المساحة مائةً وخمسين ذراعاً.
فإن قلنا: بفسادِ العقد، فلا كلامَ.
وإن قلنا: يصح العقدُ، لم يختلف الأصحاب في تخيّر البائع، ثم لا يخلو إما أن يفسخ، وإما أن يُجيز.
فإن أجازَ العقدَ، فليس له مع الاختيارِ للإجازة مطالبةُ المشتري بشيء زائدٍ؛ فإنَّ قول التصحيح مأخوذ من اعتماد الإشارة والإشارة محيطةٌ بالأرض ولا سبيلَ إلى إلزام المشتري شيئاً لم يسمّ ثمناً.
ولو أراد الفسخ، فله ذلك.
فلو قال المشتري: لا تفسخ العقدَ، حتى أزيدك ثمنَ الخمسين على نسبة الثمن المسمى.
والمسألة مفروضة فيه إذا كانت الأرض لا تختلف قيمتها في تلك البقعة.
فلا سبيل إلى هذا.
فإن ما يريدُ 1 إثباته ثمناً في حُكم ملحقٍ بالعقد، والزيادة لا تلحق العقد عندنا في الثمن والمثمن.

ولو قال المشتري: لا تفسخ العقد، فإني أقنع من هذه الأرض بمقدار مائة ذراع، فقد ذكر صاحب التقريب قولين في المسألة: أحدهما - أن الخيار يبطل، وينزل العقدُ على ذلك، ويجاب المشتري إلى ما يقول.
وهذا هو الذي قطع به شيخي.
والقول الثاني - أن البائع يبقى على تخيّره.
ووجه القول الأول زوالُ الغَبينَةِ 1 عن البائع.
ووجه القول الثاني أنه يقول: ثبوت حق المشتري على الشيوع يلحقَ ضرراً فيما يبقى لي.
هذا ما ذكره صاحب التقريب.
والذي أراه أن تنزيلَ المبيع على مائةٍ شائعةٍ في المائة والخمسين لا وجه له، وهو مخالفٌ لموضوع العقد وصيغةِ اللفظ؛ فإن التعويل في التصحيح على الإشارة وموجبها 2 الاحتواء.
فإذا رددنا العقدَ إلى شائعٍ، فهذا في التحقيق تغيير لموجب العقد.
ولو ساغ هذا النوع، لساغ أن يزيد المشتري في الثمن على حسب ما ذكرناه قبلُ؛ فلا وجه إذاً لهذا التغيير، وإن فرض الرضا به.
والوجه إفساد العقد، أو تصحيحه وإثبات الخيار للبائع؛ فإن فسخ، فذاك.
وإن أجاز سلَّم جميع الأرض.
فإن قيل: هلا حققتم تنزيل العقد على بعض الأرض للمصلحة، [والصفةُ] 3 بمثابة قسمةِ الأملاك المشتركة، مع العلم بأنه إذا أُفرزت حصة كل شريك، فليس ما يسلم [لآحاد] 4 الشركاءِ على قياس الملك الذي كان قبلُ؟ قلنا: لهذا قُدِّرت القسمةُ بيعاً على الأصح.
وبالجملة ليس ما نحن فيه من ذاك بسبيل.
نعم إن كان يناظر شيئاً، فهو قريبُ الشبه مما مهدناه من غرامات الأروش القديمة والحادثة.
ولكن كان يجب أن يجوزَ بذل مزيدٍ من الثمن على مقابلةِ الزيادة، ولم أرَ أحداً من الأصحاب يسوّغ ذلك.
فهذا وجهُ التنبيه على مجاري الكلام في المسألة نقلاً واحتمالاً.

وهذا كله إذا زادت الأرض.
3339 - فأما إذا نقصت الأرضُ عن المقدار المذكور، فإن حكمنا بفساد العقد، فلا كلامَ، وإن حكَمنا بصحته، فلا خيارَ للبائع، وللمشتري الخيارُ في فسخ البيع.
وتعليله بيّن.
فلو قال البائع: لا تفسخ البيع، وأنا أحط عنك من الثمن مقدار النقصان، فلا يسقط خيار المشتري بهذا.
والدليل عليه أن الصفقة إذا جمعت عبداً مملوكاً وآخر مغصوباً، وحكمنا بالصحة، وأثبتنا الخيار للمشتري، فخياره ثابت، سواء قلنا: إنه يجيز العقد في المملوك منهما بقسط من الثمن.
أو قلنا: إنه يجيز العقد في المملوك بتمام الثمن.
ثم المشتري لا يخلو: إما أن يجيز العقد وإما أن يفسخه.
فإن فسخه، فلا كلام.
وإن أجازه فبكم يجيزه؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يجيزه بتمام الثمن.
والثاني - أنه يجيزه بقسط من الثمن.
والقولان في هذا مرتبان على نظيرهما في تفريق الصفقة.
والأوْلى في التفريق الإجازةُ في المملوك بالبعض.
وهذه الصورة أوْلى بالإجازة بجميع الثمن؛ من جهةِ احتواء الإشارة، واستناد صحة العقد إليها، كما تقدم.
وحق الفرع أن يُلاحَظ أصلُه.
وأيضاً يكاد المقدار على قولي التصحيح مع تغليب الإشارة يضاهي صفة المبيع.
فهذا مجموع القول في ذلك تأصيلاً وتفريعاً.
فصل 3340 - إذا باع الرجل ذراعاً من كرباس، فهو كما لو باع ذراعاً من أرضٍ إن أرادَ الإشاعة، والتفصيل في عدد الذُّرعان إذا كانت مجهولة أو معلومة كما مضى في الأرض حرفاً حرفاً.
وإن أراد ذراعاً لا على مذهب الإشاعة، فهو على الفساد، كما ذكرناه في الأرض.

وغرض هذا الفصل أنه لو اشترى ذراعاً معيّناً من أحد طرفي الثوب على أن يقطعه ويَفْصله، فالأصل المرجوع إليه في ذلك أن القطعَ إن كان يُحدث نقصاً فيما يبقى للبائع يُحتَفل بمثله، فالذي ذكره الأصحاب بطلان البيع في هذه الصورة، ولم يُشبِّب أحد بالخلاف وإن رضي البائع بالتزام النقص.
ثم ذكروا لذلك صوراً: منها - أن يشتري نصفاً من فصل 1 على التعيين وشَرْطِ الفصلِ 2. ومنها أن يشتريَ ذراعاً من ثوب نفيسٍ يَنقُصه التفصيل والقطع.
وإن كان القطع لا يَنْقُص نقصاً يعتبر مثله أو يؤثر، كالكرباس الصفيق، ففي صحة البيع وجهانِ: أحدهما - الصحة.
والثاني - لا يصح؛ لأنه لا يخلو من تأثيرٍ، وتغييرٍ فيما ليس مبيعاً.
وقيل: هذا اختيارُ صَاحب التلخيص.
وإذا باع جزءاً معيناً من خشبة على حكم التفصيل، فيختلف ذلك باختلافِ الصور.
فإن كانت الخشبة تُعنى لطولها ولو قُطعت، ظهر نقصان القيمة، فهذا يلتحق بصور القطع بفساد البيع.
وإن كانت لا تعنى لطولها ولا يظهر بسبب القطع نقصان قيمتها، فهذا يلتحق بصور الوجهين.
وفي القلب من القطع بفساد البيع في صورة التأثير البيّن شي.
ولكن الممكن فيه، أنا لو صححنا العقد، وألزمنا البائع القطعَ، كان بعيداً؛ لأن هذا إلزامُ تنقيصٍ فيما ليس مبيعاً.
وإن لم نُلزمه، فالحكم بصحة العقد -وليس على البائع الوفاءُ بالتسليم- محالٌ.
فهذا تعليل الفساد على حسب الإمكان.
والصور التي لم أذكرها تخرّج على ما ذكرناها، وتنقسم انقسامها.

فصل قال: " ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، لأنه مجهول ... إلى آخره " 1 3341 - اتفق أئمتنا على منع بيع اللبن في الضرع، والعلّةُ السليمة أنّ اللبن يتزايد على ممر اللحظات، سيّما إذا أُخذ في احتلابه فلا يتأتى تسليم المبيع الكائن حالة العقد.
وتعرّض الشافعي لتعليل منع البيع بكونه مجهولاً، وهذا يهون تقريره؛ فإن الضروع مختلفةٌ: فمنها ضرع سمين مكتنزٌ ضيقُ المنافذ، يقل ما يحويه من اللبن.
ومنه ضرع متسع المنافذ، غير مكتنز، يكثر ما يحويه من اللبن، فَضِمْن 2 الضرع مجهول.
والمس من ظاهره لا يفيد علماً بمقدار اللبن وهذا تقريره هيِّن 3. ولكن يرد عليه أن يُخرَّج على بيع الغائب؛ فإنا على قول تجويزه نجوّز بيعَ الشيء في ظرفٍ مع الجهل بصفته وقدره، فالأولى أن تستعمل الجهالة في مقدار المبيع على معنى أنه لا يتأتى التسليم غير ممتزج، فاستعمال الجهالة على هذا منساغ؛ ولا يلزم تخريجُ المسألة على بيع الغائب.
وإن حلب قدراً من اللبن، فأبداه 4 نموذجاً، وقال للطالب: بعتك من هذا اللبن الذي في الضرع، فقد ذكر الأئمةُ وجهين في أن هذا هل يكون سبيلاً يتوصّل به إلى تصحيح البيع.
وهذا يحتاج إلى فضل نظرٍ: فإن باع مقداراً لا يتأتى حلبه إلا [ويتزايد] 5 اللبن مع

حلبه، فلا ينفع إبداء النموذج؛ فإن المانع قائم.
وذكْرُ الوجهين مطلقاً يشير إلى أن المحذور -حيث لا نموذج- عدمُ الرؤية أو عدمُ الإحاطة بالصفة.
ومن سلك هذا المسلك يلزمه التخريج على بيع الغائب.
وكان شيخي يتأنق في التصوير، ويفرضُ بيعَ مقدارٍ إذا ابتدر حلبه واللبن على كمال دِرّته لم يظهر اختلاطُ شيء له قدرٌ به مبالاة.
وإن فرض شيء على بُعدٍ، فمثله محتمل، كما إذا باع [جِزةً] 1 من قُرْط.
فإذا قلّ مقدارُ المبيع وتُصوّر بالصورة التي ذكرناها، وفرض إبداءُ النموذج، فينقدح ذكر خلافٍ هاهنا؛ فإن هذا المقدارَ يُمثل ببيع جِزَّةٍ من قُرطٍ يبتدر جزها.
وإذا كثر المقدار، كان مشبَّهاً ببيع ما يتزايد على شرط التبقية؛ فإن الحلب وإن ابتُدر إذا كثر القدرُ، ظهر التزايد؛ فإنّ سبيل تزايد اللبن من منافذه كسبيل بيع الماء من عيون البئر.
والجَمةُ 2 إذا كملت لا تزيد، وإذا أخذ في نزحها، فارت 3 العيون.
ومن حقيقة هذا الفصل أن الخلاف إذا رد إلى تعليل المقدار، فلا حاجة إلى ذكر النموذج في التخريج على الخلاف.
وحاصل القول: أنه إذا ظهر الزائد والاختلاطُ، امتنع البيع قولاً واحداً.
وامتاز 4 اللبن في الضرع في هذه الصورة عن قاعدة بيع الغائب بما ذكرناه من الاختلاط.
وإن قل المقدار وكان الاختلاط فيه غيرَ معتد به، فمن أصحابنا من يرى إلحاقَ هذا ببيع الغائب، وقد تقدم التفصيل فيه، والنموذج من أطرافِ تفريعه.
ومنهم من حسم الباب ورأى إلحاق القليل بالكثير؛ فإنه لا ضبط للقدر الذي يقال فيه: إنه مبيع 5 خالصٌ غيرُ مختلطٍ؛ فالوجه حسم الباب بالمنع.
هذا تحقيق المذهبِ.

3342 - وذكر بعض أصحابنا لمَّا جرى ذكرُ النموذج فصلاً فيه، لا اختصاص له باللبن.
وهو أن من أبدى نموذجاً من لبنٍ، أو حنطة، أو غيرِهما وأراه الطالبَ، وقال: التزمت لك على هذه الصفة كذا رَطلاً 1، فقبله الطالبُ ونقدَ الثمنَ، فهل يكون هذا سلَماً صحيحاً؟ وهل يجري إبداء النموذج مجرى استقصاءِ الوصف؟ كان شيخي يقطع بأن هذا لا يصح، ويخرّجه على أن التعويلَ فيه على التعيين، والنموذج يُعرَّض [للضياع] 2، فقد يجرّ التعيينُ عليه خبالاً.
وهذا ممتنع في السلم.
وقال طوائفُ من المحققين: لفظُ الأنموذج لا يكفي من غير تدبّر، وإن كان يُكتفَى باللحظ في بيع العِيان؛ فإن الملحوظ إذا كان هو المسلَم، لم يعد مجهولاً.
وإن كان الملحوظُ عِبرةً لموصوفٍ في الذمةِ، ثم لم يتأمَّل، عُدَّ الثابتُ في الذمة مجهولاً.
وإن تأمّل العاقدُ النموذجَ وضبط أوصافَه على وجهٍ لو فات، لاستقل بتلك الأوصاف.
قالوا: إن كان كذلك، انعقد، وكان ما جاء به وصفاً كافياً.
وهذا حسن.
وامتنع شيخي منه، وقال: السلم يعتمد الأوصاف المذكورة، والإحاطةُ بالأوصاف لم يجر ذكرها.
فصل 3343 - منع الأصحاب بيعَ الصوف على ظهر الغنم؛ لأن مطلقَ البيع يتناول الصوفَ إلى الأصل المتصل بظاهِر الجلد.
وتسليمُه على هذا الوجه ممتنع؛ فإن فيه إن قصده القاصد تعذيبَ الحيوان، على أنه مع الإيلام غيرُ ممكنٍ، ولا عادةَ في بيعِ الصوفِ على الغنم، حتى ينزل ذلك على المعتادِ في مثله.
فإن قيل: في الجزّ عادةٌ فلُينزَّل عليها البيعُ.
قلنا: ليس في الجزِّ عادةٌ مضبوطة، بل الأمر يتفاوت.
ومن يجز غنم نفسه لا يبالي بتفاوته.
فإذا رُدّ الأمرُ إلى البيع، أثار ذلك تنافياً.

ولو أشار إلى كتلة من الصوف، وأعلم على موضعها، وباع ذلك المقدار، لم يمتنع بيعُها، وليس كالقصيل 1 والفث؛ فإن استيعابه ممكن بالقطع.
فصل قال: " ولا يجوز بيعُ المسك في فأرة ... إلى آخره " 2. 3344 - الفأرة تنفصل عن الظبية خِلقةً، وحشوها المسك.
وهذا مخصوصٌ بذلك الجنس، وهي على موضع السرة منها.
والرب تعالى يربّي في كل سنة فأرةً وينميها، وتُلفَى ملتحمةً ثم تستشعر أطرافها قشفاً، ويُبْساً، واحتكاكاً فتحتك الظبيةُ بالصرار 3، والمواضع الخشنة، فتسقط الفارةُ وحشوها المسك.
وقد يقطرُ في احتكاكِهَا المسك أيضاً كالدم العبيط، فَيتبَع ويُلْقَط.
هذه صورة الفأرة.
ولا يكون فيها فتق إلا أن يلحقها خَرق، وقد تُفْتَق الفأرةُ، ويخرج مسكها، ويعاد مع أمثاله ويخاطُ موضع الفتق.
فإن كانت الفأرة على الفطرة الأصلية، فهي في الصورة، كالجوزة وحشوُها اللّب المقصود.
وإن فُتقت وأعيد المسك إليها بعد الإخراج منها، فالفأرةُ على صورة الظرف.
هذا بيان الصورة.
وأما الحكمُ، فنذكر المذهبَ في الفأرة التي لم تفتق، ثم نذكر التفصيل في المفتوق.

3345 - فأمّا التي لم تفتق، فقد ذهب صاحب التقريب إلى أنها كالجوزة، فإذا بيعت مع قشرتها، نفذ البيع قولاً واحداً، نَفاذَ بيع الجوزة؛ فإن الفأرةَ صوانُ المسك، والحاجة إلى صوان المسك ماسة ظاهرة؛ فإن الهواء يخطَفُ ما يلقُط 1 منها ويغيّر رائحتَها.
وليس الصوان المخلوقُ كالمفتوق والمخيط.
فإن كان في حشو الفأرة جهالة، فهي محتملة عند الحاجة؛ إذ يُفرض مثل ذلك في لب الجوز والرانج 2 وغيرهما.
وقال طوائفُ من أئمتنا: الفأرة غيرُ المفتوقة ليست كالجوزة؛ فإن حشوَ الفأرة يختلف اختلافاً بيناً على نفاسته وعِظم خطره.
وإذا أخرج المسكُ من فأرة، أمكن صونُه بالرد، أو بالظروف المصممة.
وليس كاللبوب؛ فإنه لا يَسُدّ ظرفٌ في صونها مسدَّ قشورها.
وإذا تبيَّن مفارقتُها للجوز وما في معناها.
فقد قال بعض أصحابنا على هذه الطريقة: البيع [فاسد] 3 لاستتارِ 4 المبيع بما ليس من صلاحه.
والوجه عندنا تخريج البيع على بيع الغائب؛ فإن بيع المسك في فأرة مع فأرة لا يزيد على بيع الثوب في الكتم.
فإن كان ما ذكره الأصحاب جواباً عن منع بيع الغائب، فصحيح.
وإن كان قطعاً بفسادِ البيع والتزاماً للفرق بين هذا وبين بيع الغائب، فهذا لا سبيل إليه.
وهذا كله في الفأرة التي لم تفتق.
3346 - وتمام بيان القول فيها يستدعي شرحَ شيءٍ آخر.
وهو أن الأكثرين من الأئمة ذهبوا إلى أن الفأرة طاهرة.
وقال قائلون: إنها نجسة؛ فإنها بانت من حيٍّ، وما يبين من الحي، فهو ميت.
وهذا وإن كان ظاهِراً، فلا حقيقة له لإطباق الخلق أولاً على خلاف ذلك.
ثم ما ذكرناه من تصدير الفصل

بالتصوير يبيِّن أن ما ينمو ويسقط يضاهي البيضةَ التي تنفصل من الدجاجة، فهي طاهرةُ العين، وإن كان نموها في الحيوان.
وقد يقول من يحكم بنجاسة الفأرة: البيضةُ لا تتصل بالدجاجة قط اتصال التحام، إنما يخلقها الباري مودعة في البطن، والفأرة تكون ملتحمةً، ثم تسقط.
هذا سبب الخلاف.
فكأَنَّ ما يقطع من الحيوان أو يسقط على ندور يحكم بنجاسته.
وما يُخلَق مودَعاً، وينفصلُ إذا تكامل خلقُه لا نحكم بنجاسته كالبيض.
وما يخلق ملتحماً، وهو إلى السقوط، فليس عضواً أصلياً، فيتردَّدُ وجهُ الرأي فيه.
فإن حكمنا بطهارة الفأرة، فبيعها صحيح، كما يصح بيعُ البيضة.
واختلافُ الأصحاب في نجاسةِ ظاهر البيضة أخذاً من ملاقاتها الرطوبةَ النجسة في داخل المنفذ لا يؤثر في منع البيع؛ فإن المانع من البيع نجاسةُ الأعيان، لا النجاسات المجاورة لها.
فإن حكمنا بطهارة الفأرة، فالأمر في البيع كما مضى.
وإن حكمنا بنجاستها، فالمسك في حشوها طاهرٌ وِفاقاً، وكان أحب الطيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقالت عائشة: " طيبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحُرْمِه 1 حين أحرم، فرأيتُ وبيص 2 المسك في مفارقه بعد ثلاث ". فإذا باع الفأرة والمسك الذي فيها، فينتظم إلى ما ذكرناه من خبطِ الأصحاب في الجهالة، أن الصفقة جمعت نجساً لا يجوز بيعه وطاهراً، فيتولّج في المسألة تفاريعُ تفريق الصفقة.
3347 - فأما إذا فتقت الفأرة ورُدّ المسكُ إليها، فلا كلام في بيع المسك فيها دونها ومعها، كالإعلام في بيع السمن في البُسْتوقة.
وقد مضى ذلك مستقصىً.

وبيع اللبوب دون قشورها باطل وإن أجزنا بيع الغائب؛ فإنه لا يتوصل إلى تسليمها إلا بكسر القشور، وهو من باب تغيير عيْن المبيع لأجل تسليم المبيع.
وقد ذكرنا تمهيد هذا الأصل في اقتضاء الفساد، وقد يخطر من طريق الاحتمال مع القطع في النقل أن صحة القشور ليست مطلوبة واللب للغير.
ولكن الأمر على ما ذكرناه.
3348 - وفي بيع بيض ما لا يؤكل لحمُه وجهان مخرجان على الطهارة والنجاسة.
والخلاف في طهارة بيض ما لا يؤكل لحمه يخرّج على الخلاف في منيّ الحيوان الطاهر العين، المحرَّمِ اللحم.
وفي بيع بِزْر دود القز وجهان؛ فإنه من الدود كالبيض من الطائر.
و [في] 1 بيع القز وفي أدراجه الدودُ الميتةُ تفصيل.
فإنْ بيع جزافاً، جاز؛ تعويلاً على الإشارة.
وإن بيع وزناً، لم يجز؛ فإنّ الدّودَ لا يقصد بالوزن، والقزُّ المقصودُ بالوزن يكون مجهولاً بسبب الدود.
فصل في تملك الكافر المسلم 3349 - وكفر الكافر لا ينافي ثبوتَ الملك له على العبد المسلم؛ فإنه لو ملك عبداً كافراً، فأسلم، لم ينقطع ملكه بإسلامه، بل هو مقَرٌّ على ملكه إلى أن يتفق بيعُه عليه.
والكافر إذا كان في ملكه عبد مسلم على التقدير الذي ذكرناه، فإذا مات، ورثه وارثه الكافر، فلا يمتنع إذاً كونُ المسلمِ مملوكاً للكافر.
وإذا صادفنا ذلك، أمرناه بإزالةِ ملكه بهبةٍ أو ببيع أو عتقٍ، فإن أجاب، وإلا بعناه عليه بثمن المثل، فإن لم نجد راغباً يشتريه بثمنه في الحال، صبرنا إلى الوجود، وحُلنا بينه وبين السيد، ولا نبيعه بالغبن.
ثم لا نعطّل منفعته في زمان التربص، بل نستكسبه.
ونفقته واجبة على سيده الكافر.
ولو كاتبه كتابةً يصح مثلها، فهل يخرج عن عهدة المطالبة؟ فعلى وجهين:

أحدهما - أنه لا يخرج عن العهدة، لاستمرار ملكه على رقبة المكاتب، والمحذور دوامُ ملكه مع إمكان الإزالة، لا تسلطهُ بالاستخدام؛ إذْ لو كان المحذور ذلك، لأجبنا السيد الكافرَ إلى إبقاء ملكه عليه، مع إيقاع الحيلولة بينه وبينه.
والوجه الثاني - أنه يخرج بالكتابة عن عهدة المطالبة؛ لأن الكتابة تُثبت للعبد رتبة الاستقلال والانقطاعَ عن تحكم السيد.
وهذا هو الغرض.
فإن اكتفينا بالكتابة، حكمنا بصحتها.
وإن لم نكتف بالكتابة، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من أفسدها، وباع العبد، ومنهم من صححها وسلط الشرعَ على فسخها.
وكل ذلك إذا منعنا بيعَ المكاتَب.
فإن جوزنا بيعَه كما سيأتي بيانُ ذلك، نفذنا الكتابة، وبعناه مكاتَباً.
وتفصيل ذلك في الكتابة.
ولا خلاف أن الكافر لا يتخلص بالرهن والتزويج عن المطالبة.
هذا كلام في الملك الدائم للكافر على المسلم مع مطالبتهِ بإزالته.
3350 - فأما إذا أراد الكافر أن يتملك عبداً مسلماً اختياراً بعقد يفيد الملك، مثل أن يشتري أو يتهب عبداً مسلماً، ففي صحة العقد وترتب ثبوت الملك عليه قولان مشهوران موجهان في الخلاف.
وإذا منعنا العقد وأفسدناه، فقد اختلف أصحابنا في مسائلَ نُرسلها، ثم ننظمها في ترتيب.
فإذا اشترى الكافرُ أباه المسلم أو ابنَه، والتفريع على فسادِ الابتياع، ففي ابتياع من يَعتِق عليه وجهان: أحدُهما - المنعُ، لاختيارِ 1 الشراء.
والعتق واقع بعد حصول الملك لو صححنا الشراء؛ فالوجه المنع ليطرد امتناع اختيار التملّك.
والثاني - يجوز توصّلاً إلى العتق.
ومن صحح ذلك، زعم أن هذا العقدَ عقدُ عتاقة، وليس عقداً ينبغي به التملك والإنشاء، فالملك إذن يثبت ذريعة إلى العتق، لا مقصوداً.
والدليل عليه أنه يصح من المسلم ابتياع والده، وإن كان لا يحل له

إذلالُه.
والردتى أعلى درجات الإذلال.
فإذاً جاز على الجملة أن يشتري الولدُ والدَه باعتبار أن الرق غيرُ مقصودٍ فيه.
ومما ذُكر من هذا الجنس أن الكافر إذا قال لمسلم: أعتق عبدك هذا عني، فأعتقه عنه بعوضِ أو بغير عوض، ففي نفوذ العتق عن الكافر المستدعي خلافٌ، على مَنْعنا الكافرَ من شراء العبد المسلم، ووجه التجويز ما ذكرناه من أن العتق عنه وإن كان يفتقر إلى تقدير الملكِ له قبيل نفوذ العتق، فليس ذلك ملكَ قرار، ويتضح أن يقال: الممنوع اختيار الملك.
والملك في هذا العقد، وفي الذي تقدم غير مختار، وإنما المقصود المختارُ العتقُ، فلم يكن الملكُ الحاصل في حكم الملكِ الدائم.
وقد ذكرنا أنه غير ممتنع مع الكفر.
ومما ذكره الأصحاب أن الكافر لو قال: العبد الذي في يد فلانٍ المسلمِ قد أعتقه، فلو أن الكافر اشترى هذا العبدَ، فلو قدّرنا الصحةَ، لكان يعتِق عليه بحكم الإقرار السابق.
فذكر الأصحاب وجهين في تصحيح ابتياعه، كما تقدم.
فهذا بيان المسائل، التي أطلقها الأصحاب.
والوجه أن نرتبها.
3351 - فنقول: أما شراؤه أباه المسلم، فعلى وجهين، وفي استدعائه إعتاقَ عبدٍ مسلم عنه وجهان، مرتبان على شراء الأب، وهذا أولى بالنفوذ من شراء الأب؛ فإن الملك لا يجري فيه إلا ضمناً مقدراً، وشراء الأب بيعٌ على حقيقة البياعاتِ، يُبطله التعليق بالإغرار، ويفسد بفساد العوض، حتى إذا فسد، فلا عتقَ.
وهذا يشعر بأن الملك مقصودٌ فيه والعتقُ بعده، واستدعاء العتق يقبل التعليق.
ولو ذكر عِوضٌ فاسد، نفذ العتق، ورجع إلى بدلٍ آخر، على قياسِ فساد البدلِ في الخلع، فاقتضى ذلك ترتيباً.
وأما مسألة الإقرار وبناء الشراء، فالأوجه فيها المنع؛ فإنه بيعٌ.
والعتق إن حكم به فهو ظاهر، وليس كعتق الأب؛ فإنه واقعٌ تحقيقاً.
فهذا بيان هذه المسائل.
3352 - ومما نفرعه على منع اختيار التملّك أن الكافر إذا باع عبداً مسلماً كان أسلم في يده أو ورثه، بثَوْبٍ، فلا شك في صحته.
ولو وجد بالثوب الذي أخذه بدلاً عن

العبد المسلم عيباً قديماً، فهل له ردُّه واسترداد العبد المسلم؟ فعلى وجهين: أحدهما - له ذلك؛ فإن الرد يَرِد على العقد، وارتداد العبد يترتب على انفساخ العقد، وله في رد الثوب غرضٌ سوى اختيار تملّك العبد، فلا يتجرد القصد إلى تملكه.
ومن الدليل على ذلك أن الفسوخ وإن تضمنت ترادّاً في العوضين، فإنها لا تنزل منزلة إنشاء العقود، بدليل أنه لا يترتب على الفسوخ حقُّ الشفعة، ولا يلحق الفسخ فسخٌ؛ إذ المقصود من الفسخ ردُّ الأمرِ إلى ما كان قبل العقد.
ومن أصحابنا من منع ذلك؛ فإنه يقتضي تملك العبد المسلم على سبيل الاختيار، وذلك ممتنعٌ.
هذا إذا أراد الكافر ردَّ عوض العبد المسلم.
فأما إذا وجد مشتري العبدِ المسلمِ به عيباً قديماً، فأراد ردّه، واسترداد الثمن، فقد قطع بعض المحققين بنفوذ الرد في هذا الطرف؛ من جهة أنه لا اختيارَ للكافر فيه، والعبد يرتد عليه من غير قصده.
وكان شيخي يطرد الخلافَ في الطرفين؛ فإنا كما نمنع الكافر من اختيار تملك عبد مسلم نمنع المسلم من اختيار تمليك كافرِ عبداً مسلماً؛ فليمتنع الرد على المسلم.
ثم إذا امتنع الرد، فليكن رجوعه إلى أرش العيب القديم.
وما ذكرناه من الاختلاف في الرد في هذا الحكم يبتني على اختلافٍ في نظير ذلك: وهو أن من اشترى بعضاً ممن يعتق عليه، سرى عتقه إلى الباقي إذا كان موسراً.
فلو فرض رد عوض واسترداد بعض من يعتق عليه في مقابلته، وهذا يفرض في المواريث بأن يرث الرجل عوض نصف أبيه، ويجد به عيباً، فإذا رده وارتد إليه نصف أبيه وعتق عليهِ، هل يسري العتق؟ فيه خلاف.
وسيأتي مشروحاً في موضعه، إن شاء الله تعالى.
3353 - ومما نفرعه على قول منع الشراء أن الكافر لو وكَّل مسلماً حتى يشتري له عبداً مسلماً، أو توكل عن مسلم حتى يشتري له عبداً مسلماً.
فكيف السبيل؟ أما إذا وكَّل مسلماً حتى يشتري عبداً مسلماً، فلا يقع الملك للموكِّل قطعاً عندنا؛

فإن هذا مسلك لائح في قصد تملك العبد المسلم، وهو ممنوع منه، على القول الذي نفرع عليه.
فالشراء ينفذ على الوكيل، ولا يتعداه إلى الموكِّل.
فأما إذا كان الكافرُ وكيلاً لمسلم في شراء عبد مسلم له، فإن سمى موكله، وصححنا البيع بصيغة السفارة، صح ذلك؛ فإن عُهدة العقد لا تتعلق بالسفير.
فأما إذا أضاف العقدَ إلى نفسه، ونوى به موكِّلَه، ففي المسألة وجهان مبنيان على (1 أن عهدة العقد تتعلق بالوكيل أم لا؟ على ما سيأتي شرح ذلك في كتاب الوكالة.
3354 - وإذا اشترى الكافر عبداً مرتداً، ففي صحة الشراء على قولنا بمنع شراء المسلم وجهان، مبنيان على 1) أن المرتد لو قتل ذمياً هل يُقتل به؟ وفيه خلاف سيأتي.
وأصل التردّدِ في ذلك مرتب على أن من الأصحاب من يرعى الكفر، ومنهم من يرعى تبقيةَ الإسلام في المرتد.
وعليه يخرّج الخلاف في ولد المرتد من مرتدة، أو كافرة أصلية.
فإن أثبتنا عُلقَةَ الإسلام في المرتد، حكمنا بإسلام ولده.
وسيأتي ذلك في أحكام المرتدين، إن شاء الله تعالى.
وإذا أسلمت أم ولد الكافر، فظاهر المذهب وهو المنصوص عليه أنه لا يجبر على إعتاقها، بل يحال بينه وبينها، وتستكسبُ، ويؤمر بالإنفاق عليها.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يجبر على إعتاقها.
وهذا بعيد، ووجهه على بعده أنها مستحقة للعتاقة، فإذا طرأ الإسلام، أُمر بتحقيقه.
3355 - وإذا اشترى الكافر عبداً كافراً، فأسلم في يد البائع، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: ينفسخ البيع؛ لأن بطريان الإسلام يعسر القبض.
وهذا بعيد؛ فإن الانفساخ يترتب على سبب لا يرجى زوالُه، كالتلف والضلال الذي لا يُرتقب بعده وجدان، وأُلحق به اختلاطُ المبيع بغير المبيع في قول، وزوال التعذر ممكن بفرض الإسلام من المشتري.
والوجه الثاني - أن البيع لا ينفسخ، ولكن اختلف أصحابنا على هذا الوجه.1

فقال بعضهم: يقبضه المشتري، ثم يباع عليه، أو يبيعه بنفسه.
وقال آخرون: لا يقبضه كما لا يشتريه؛ فإن القبض أمر اختياري يؤثر في تأكيد الملك؛ فينبغي أن يمتنع.
فالوجه أن يأمر القاضي من يقبضُ المبيعَ عنه، ثم يبيعه عليه.
ولا يخفى على هذا الوجه أن يتخير في فسخ البيع؛ فإن ما جرى من التعذر طارئاً لا ينقص عن إباق العبد قبل القبض.
فهذا ما ذكره الأصحاب.
والمسألة تستدعي مزيد تفصيل عندنا: فإن كان البائع مسلماً، فالأمر كما ذكرناه.
وإن كان كافراً، فلو حكمنا بانفساخ العقد، لقلبناه من كافر إلى كافر، فلا ينقدح وجهُ الانفساخ إلا على بعد.
وهو أن الانفساخ يقع قهرياً، وقد ثبت للكافر ملكٌ قهري، على المسلم.
وهذا كلامٌ مطلق؛ فإنا حيث نثبت الملك القهري على المسلم، فسببه ضروريٌّ؛ فإن العبد إذا أسلم في يد الكافر، فلا سبيل إلى تخيره، والقضاءِ بانبتات مِلكه.
وكذلك إذا فرض إرث؛ فقَطْعُ التوريث مستحيل.
فأمّا فيما نحن فيه، فالمطلوب من الانفساخ رعايةُ حرمة الإسلام.
وهذا المعنى لا يزول بالانفساخ.
3356 - ومما يفرع على قول المنعِ أن الكافر لو ألزم ذمة المسلم بطريق الاستئجار عملاً، جاز ذلك؛ فإن الاستحقاق لا يتعلق بعين المسلم، وله أن يحصله بغيره.
وهل يستأجر الكافر عينَ المسلم على منع الشراء؟ وجهان: أحدهما - لا يجوز ذلك، كما لا يشتري مسلماً.
والثاني - يجوز؛ لأن الإجارة لا تفيد ملكاً في الرقبة، ولا يتحقق بها الذِّلة.
ولو كان فيها ذلةٌ، لما جاز استئجارُ الحر 1 المسلم.
ثم للإجارة منتهى محدود بخلاف الشراء.
فإن قلنا: تصح الإجارة، فهل يؤاجر عليه كما يباع عليه عبده المسلم؟ فعلى وجهين: وتوجيههما يقربان من توجيه الإجارة في الأصل.
وللمسلم أن يعير عبده المسلم من كافرٍ، وله أن يودعه عنده.
وذكر الأئمة وجهين

في منع ارتهانِ الكافر عبداً مسلماً.
وهما قريبان من الخلافِ في الاستئجار الوارد على العين.
3357 - وأجرى الأئمة قولين في شراء الكافر المصحفَ والدفاترَ التي فيها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فرأَوا ترتيبَ القولين على القولين في شراء العبد المسلم، وزعموا أن شراء المصحف والكتاب المحترم أولى بالفساد من شراء العبد المسلم؛ من قِبَل أن العبدَ لو أهانه مولاه، تمكن [من الاستعانة، ثم تمكُّنُه من هذا يزع مولاه] 1 من الإقدام على الاستهانةِ، والمصحف لو جوّزنا شرَاءه وقبضَه، فقد يستهين به المشتري، ولا يُطلع عليه.
فرع: 3358 - إذا اشترى المسلم عبداً، فخرج كافراً، نُظر: فإن اشتراه في بلاد الإسلام، فله ردّه؛ فإن الكفر في العبيد نادرٌ في هذه الديار.
وإن اشترى عبداً في دار الحرب، فخرج كافراً، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يرده؛ فإن الرد بالعيب يبنى على ظن البراءة منه فإذا أخلفَ الظنُّ، ثبت الخيارُ.
ولا يغلب على الظن إسلامُ العبد في دار الحرب.
وكان شيخي يقول: يثبت الخيار؛ لأن الكفر عيب، فمهما اتفق الاطلاع عليه ثبت الخيار.
فصل 3359 - لو اشترى قطيعاً من الغنم مشار إليه كل رأسِ بدرهم، جاز وإن لم يكن عددُ الرؤوس معلوماً عنده حال العقد إذا أحاطت الإشارة بالقطيع.
ومنع أبو حنيفة 2 ذلك.
ولو قال: بعتُك عشرة أرؤس من هذا القطيع، لا يجوز؛ فإنها مختلفة، وإيراد

العقد على هذَا الوجه مجهول، وليس كما لو اشترى آصعاً من صُبرة، ففيها التفاصيل المقدمة ولا خفاء بالفرق.
فصل 3360 - إذا وكَّل المسلم ذمياً بشراء خمر له، لم يصح، ولم تصر إذا اشتراها الذمي للمسلم بمثابة الخمرة المحترمة المتخذة لأجل الخل.
وجوّز أبو حنيفة 1 ذلك.
وإن منعنا شراء الغائب، فوكَّل إنسان وكيلاً حتى يشهد شيئاً ويشتريه بعد المعاينة، صح الشراء للموكل؛ فإنه استعانَ بمعاينة الموكَّل، وأحلَّها محلَّ معاينة نفسه، وأجرى التوكيل فيها، فصح ذلك كما يصح التوكيل بأصل الشراء.
وليس ذلك كالتوكيل بشراء الخمر؛ فإن الخمر ليست مالاً في اعتقاد الموكّل.
والله أعلم.


بَابُ بيع حَبل الحَبَلَةِ والملامسة والمنابذة

3361 - صدر الشافعي رحمة الله عليهِ البابَ 1 بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم " عن بيع حَبَل الحبَلة " 2. وللحديث تأويلان: أحدهما - أن يبيع الناقة بثمن مؤجل إلى نتاج نتاجها، ولا شك في فسادِ العقد، وسببه جهالة الأجلِ.
والتأويل الثاني أن يبيع نتاجَ النتاج قبل أن يخلق.
وهذا ممنوع، وهو المعتاد في العرب 3، وظاهر اللفظ أيضاً.
ومال الشافعي إلى التأويل الأول.
واختار أبو عبيد 4 التأويل الثاني.
وقيل: فسر الراوي الخبر بمَا ذكره الشافعي وتفسير الراوي عنده مقدم 5. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملاقيح والمضامين 6. فالملاقيح جمع الملقاح، وهو ما في أرحام الأمهاتِ، والمضامين ما في أصلاب الفحول.

3362 - ومما ذكره الشافعي: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة " 1 فأما الملامسة، فلها تأويلان: أحدهما - أن يجعلا نفس اللمسِ بيعاً، فيقول صاحب الثوب لطالبه إذا لمست ثوبي، فهو مبيعٌ منك بكذا.
هذا أحد التأويلين، ولا شك في فساد البيع عليه.
وقيل: الملامسة معناها أن يتبايعا سلعة في ظلمة الليل، وجعلا لمسها قاطعاً لخيار الرؤية، فيقيما اللمس مقامَ الرؤية.
وهذا باطل؛ فإنا إن منعنا بيع مالم يره المشتري، فلا كلام.
وإن صححنا بيع الغائب، فتعليق خيار الرؤية باللمسِ باطل.
ويتطرق إلى هذا احتمال؛ من جهة أن من اشترى شيئاً على شرط قطع خيار الرؤية، ففي صحة العقد خلاف ذكرناه.
فلا يمتنع تركُ هذا القول في الصورة التي ذكرناها.
3362/م- والمنابذة أن تنبذ الشيءَ إلى غيرك وينبذ الغيرُ إليك.
ثم ينقدح لها التأويلان المذكوران في الملامسة.
قال الأئمة: المنابذة في العوض والمعوّض مع القرينة الدالة على إرادة البيع هي المعاطاة بعينها.
فظاهر المذهب والنص أن المعاطاة لا تكون بيعاً، وإن اقترنت قرائن أحوال بها.
ولا بد من لفظٍ في العقد.
وسأصف تفصيلاً في ألفاظ البيع في باب تجارة الوصي.
وقال أبو حنيفة 2: المعاطاة بيع من غير لفظ في المستحقراتِ، وذكر ابنُ سريج قولين في أن المعاطاة مع القرائن في إرادة البيع هل تكون بيعاً، وخرجهما على القولين في أن من ساق هدياً، فعطب في الطريق، فغمس نعله في دمه، وضرب به صفحة سنامه، فمن رأى تلك العلامةَ، هل يحل له الأكل منه؟ فعلى قولين.
ولعلنا نعقد في قرائن الأحوال وآثارِها ومواقع الخلاف والوفاق فصلاً جامعاً، في آخر كتاب البيع إن شاء الله تعالى.

ومما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم " بيع الحصاة " 1. وله تأويلان: أحدهما - أن يجعل رمي الحصاة بيعاً.
وهذا فاسد.
والآخر - أن يقول: بعتك ما يقع عليه حصاتك من هذه الأمتعة.
وهذا فاسد.
والثالث - أن يبيع من أرضٍ قدرَ ما يبلغه حصاة يرميها المشتري؛ فيكون المبيع من موقفه إلى منتهى الحصاة، وهذا فاسد أيضاً.
فصل قال: " ولا يجوز شراء الأعمى ... إلى آخره " 2. 3363 - ما ذهب إليه جماهير الأصحابِ أن شراء الأعمى وبيعَه فاسدان.
وخرَّج بعضُ أصحابنا بيعه وشراءه على بيع ما لم يره البائع، وشراء ما لم يره المشتري.
ثم من صحَّحه من الأعمى، فسبيل لزوم العقد عنده أن يوكّل من يرى له العينَ المشتراةَ، ثم إذا امتنع منه البيع والشراء، يجوز له أن يوكل في كل واحدٍ منهما بصيراً.
فإن كان بصيراً ورأى شيئاً، ثم كُفَّ بصره، فاشتراه، جاز ذلك إذا لم يتقادم الزمن، أو تقادم وكان الشيء ممّا يبعد تغيُّره، كالحديد والنحاس، وغيرهما.
وإذا اشترى شيئاً لم يره، ثم كُفَّ بصره قبل أن يراه.
فمن أصحابنا من قال: ينفسخ البيع من قِبَل أنا أَيِسْنا من قرار العقد عند الرؤية.
وذكر الشيخ أبو علي ما هو أصلُ الفصل وبه يتبيّن مشكلُه، فقال: البصير إذا اشترى شيئاً لم يره، وصححنا العقد، فلو وكل وكيلاً وفوض الأمر إليه في الفسخ والإجازة عند الرؤية، قال: في صحة الوَكالة وجهان: أحدهما - يصح، كتفويض الأمر في خيار العيب والخُلف.
والثاني - لا يصح؛ فإن الخيار ليس مربوطاً بغرضٍ،

وإنما هو إلى إرادة من له الخيار، ولا تعقلُ النيابةُ إذا انتفى الغرضُ.
قال: وهذا كما إذا أسلم كافر على عشر نسوة، وأسلمن، فإنه يختار أربعاً منهن.
ولو وكل في هذا الاختيار، لم يجز.
ثم قال: إن صححنا التوكيلَ في خيار الرؤية فيبتنى عليه قياسُ شراء الأعمى على شراء الغائب من البصير.
وإن لم نصحح التوكيلَ في خيار الرؤية من البصير، قطعنا 1 بفساد شراء الأعمى؛ فإنه لو صح، لم يُفضِ إلى قرار.
وهذا الذي ذكره حسن.
وفي التوكيل باختيار أربع نسوة أيضاً احتمال.
ولكن حكى الوفاق.
وللأعمى أن يؤاجر نفسه، ويشتري نفسه من سيده للخلاص، كما له أن يقبل الكتابة إذا كاتبه مولاه.
3364 - وأمّا عَقْدُ السلم، فقد استثناه الشافعي من شراء العين 2، وصححه من الأعمى التزاماً وإلزاماً.
قال المزني: ظني بلطف الشافعي أنه [إنما] 3 يصحِّح السلم ممن كان بصيراً، وعاين ما لا تدرك حقيقته إلا بالعِيان كالألوانِ، وما في معانيها.
فإذا طرأ العمى صَدَرَ وصفه عن علم.
فأما الأكمه، فلا علم معه بحقائق الأوصاف وإن كان يذكرها.
واختلف أصحابنا في التفصيل الذي ذكره المزني، فمنهم من وافقه ونزَّل نصَّ الشافعي عليه.
ومنهم من لم يفصل بين الأكمه ومن كان بصيراً عاقلاً ثم عمي، وصحح السلم مع العمى التزاماً وإلزاماً؛ فإن الأوصاف إذا كانت تجري من الأكمه على حد الإعلام، والإعلام هو المقصود، فعدم إحاطته بنفسه وقد جرى مسلكٌ في الإعلام غير ضائر.

وهو بمثابة توكيل الأعمى بصيراً وإقامتِه مقام نفسه.
3365 - ومما يتعلق بحكم الأعمى أنه إذا أسلم وصححنا منه السَّلَم، وحان وقتُ القبض، فهل يصح منه القبض؟ قال معظم أئمتنا: قبضُه بمثابة شرائه عيناً؛ من جهة أنه يتعلق بمعيَّن، وهو لا يحيط به.
وقد ذكرنا في شراء الأعمى تفصيلَ الأصحَاب.
ومن أصحابنا من رأى قبضَه بالصحة أولى.
وفي المسألة احتمال.


بَابُ بَيعتين في بَيْعَة

3366 - روى أبو هريرةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيعتين في بيعة " 1. وذكر الشافعي تأويلين: أحدُهما - أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقداً، أو بألفين إلى سنة، فأيهما شئت أنت، أو أنا، وجب البيع به.
فهذا باطل بالنص والإجماع.
ومعناه ظاهر.
والتأويل الثاني - أن يقول: بعتك عبدي هذا على أن تبيعني فرسَك، فالبيع باطل.
يعني البيعَ الذي شرط فيه البيع.
وهذا خارج على قياس الشرائط الفاسدة.
وأما البيع الثاني إن اتفق جريانه خلياً عن شرط، فهو صحيح.
3367 - وجمع الشافعي في الباب مناهي عن الشارع، فترك كلَّ خبر على معناه.
فمنها: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النَجَش " 2 وهو ضرب من الخديعة.
قال الشافعي: ليس من أخلاق أهل الدين، ومعناه أن يتقدم الرجل إلى سلعةٍ تباع فيمن يزيد، وربما عُرف بالحذاقة في التجاير، فيزيد في ثمنها وهو لا يريدها، ولكنه يبغي أن يغترّ الناس ويحرصوا على شرائها؛ فيعطوا أكثر ممَّا كانوا يعطون لولا تغريره.
وهذا حرام منه.
وهو اللَّبس المحظور.
ولكن إن جرى العقد على مبلغٍ من الثمن، صح، فإن التلبيس لا يمنع صحة العقد.
والتفصيل في الخيار.
فإن جرى ذلك من غير مواطأةٍ مع صاحب السلعة، يصح العقد، كما ذكرناه.
ولا خيار، والحرج على الناجش.
وإن جرى النَّجَش في مواطأة صاحب السلعة، فالعقد صحيح وفي الخيار وجهان:

أحدهما - يثبت الخيار للتلبيس؛ اعتباراً بالتصرية، وما في معناها.
والوجه الثاني - لا خيار؛ فإن هذا الخداع غيرُ راجع إلى صفة المبيع.
ولكنه متعلق بالعين.
وليس في قَبيله خيارٌ.
والنجش المنهي عنه معناه في اللغة الرفعُ، والناجش الرافع للسعر.
3368 - ثم ذكر الشافعي نَهْيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: " لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه ولا يسومن على سوم أخيه " 1. وصورة البيع على البيع أن يجري العقد ويكون المتعاقدان في مجلس العقد مغتبطين غيرَ نادمين، فيتقدم واحد إلى المشتري ويعرض عليه سلعة خيراً من السلعة التي اشتراها بمثل ثمن سلعته، أو سلعة مثل سلعته بأقلَّ من ثمنها، ويرغّبه في فسخ البيع الأول بهذا السبب.
هذا هو البيع على البيع، وهو محرم باتفاق الأصحاب، غيرَ أن البيع يصح؛ فإن التحريم لا يرجع إلى معنى في البيع، وإنما يرجع إلى معنى كلِّي في محاذرة الإضرار بالغير.
وكل نهي جرى هذا المجرى، كان في معنى النهي عن البيع في وقت النداء حين يُخشى فواتُ الجمعة.
وأما السوم على السوم، فصورته أن يساوم سلعةَ غيره، ويتفقا على قدر الثمن ويهُما بالعقد، ويرجع أحدهما لإحضار الثمن، فإذا جاء إنسان وساومه السلعةَ بأكثرَ من ذلك الثمن، أو عرض على المشتري سلعة بأقلَّ من ذلك الثمن، وتسبب إلى دفع ما كاد يتفق، فهذا منهي عنه محرّم، وهو المعنى بالسوم.
ولو كانت السلعة معروضة فيمن يزيد، فإذا طلبها طالب بثمن، فللغير أن يطلبَها بأكثر؛ [إذ] 2 لم يتحقق توافقٌ على مقدارٍ.
والسلعة إنما تعرض على من يزيد للتزايد.
فكان الذي يجري ليس سوماً.
ثم قال أصحابنا لو خطب الرجل امرأة، فرُدَّ، فللغير أن يخطِبها، وإن أجيب،

فيحرم على الغير الخِطبة.
ولو خطب إلى الأبِ ابنته، فسكت، ولم يجب، ولم يرد، فهل يحرم الخِطبة؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما، إن شاء الله تعالى - في النكاحِ.
ولو اتفق السكوت في السوم، فللغير أن يستام قولاً واحداً، عند المراوزة؛ فإن السكوت في باب النكاح قريبٌ من التصريح بالرضا في مقام الخطبة؛ فإن المخطوب يستحي في أول مجلس ولا يصرح.
وذَكر العراقيون في السوم طريقةً أخرى فقالوا: إن سكت من خُطب إليه أو من طلب منه متاع، ولم يقترن بالسكوت ما يدل على الرضا، فلا يحرم بهذا السكوت الخِطبةُ، ولا السوم، والسكوت يقدر على وجوه، وإنما يدل على الرضا بعضُها، ولو اقترن بالسكوت ما يدل على الرضا، ففي الخِطبة والسوم جميعاً قولان.
فلم يفرقوا بين السوم والخِطبة في الطريقة التي رتبوها.
وما ذكروه منقاسٌ.
ولكن لا يمكن أن [نُنكر] 1 الفرقَ بين السوم والخِطبة.
فالوجه أن يقال: الدال على الرضا مع السكوت في الخطبة، ربما يخالف الدالَّ على الرضا في السوم، في مجاري العاداتِ، فيقع الفرق في أصناف القرائن.
وإطلاق القول بأن السكوت دليل الرضا في الخطبة ليس كذلك.
فهذا تمام الغرض في هذا الفصل.
ثم قال الشافعي: صاحب البيع على البيع والسوم على السوم يَحْرَجُ إذا كان عالماً بالخبر، والناجش يعصِي وإن لم يبلغه الخبر المخصوص في النجش.
وسبب ذلك أن تحريم البيع على البيع والسوم على السوم لا يدركه عامةُ الناس، وأما النجش، فخداعٌ، وقد استفاضَ في الناس وشاع تحريمُ الخداع.
والقول فيه قريب.


باب لا يبيع حَاضِرٌ لبَادٍ

3369 - ذكر الشافعي رحمة الله عليه في صدر الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يبيع حاضر لبادٍ " 1. والحديث وارد في القرويّ أو البدوي يدخل البلد بسلَعٍ وأمتعة، وهو يبغي بيعَها بسعر اليوم خائفاً أن تعظم المؤنةُ عليه لو أقام.
فإذا تقدم إليه حضريٌّ والتمس منه أن يترك أمتعته عنده حتى يبيعها على مر الزمن، وقد يتضيق بهذا السبب الأمرُ على أهل البلد.
فهذا منهي عنه.
وإن كان البدوي عازماً على الإقامة والتربص بالأمتعة وبيعها على مر الأوقاتِ، فإذا أعانه حضريٌّ على عزمه، والتمس منه أن يفوّض الأمرَ إليه، لم يلحقه بذاك حَرجٌ، وكان ما جاء به من باب التعاون.
وكذلك إذا طلب البدوي ذلك ابتداء من الحضري، فأسعفه، فلا بأس ولا حرج.
وكل ما ذكرناه إذا كان يظهر بسبب التربص ضيقٌ على المسلمين.
فإن لم يكن كذلك والأسعار رخيصة، وأمثال تلك السلعةِ موجودة، وكان لا يظهر بالتربص بها أثر محسوس، فهل يَحرَج من يحمل البدويَّ على التربص؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يحرَج بمطلق النهي.
والثاني - لا يحرَج؛ لأنَّ معنى الضرار مقصود من النهي، فإذا لم يكن، فلا بأس.
ثم إذا باع حاضر لبادٍ، فلا شك في انعقاد العقد؛ فإن النهي ليس يتمكن من مقصود البيع.

3370 - ثم ذكر الشافعي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تتلقوا الركبان للبيع، فمن تلقاها، فصاحب السلعة بالخيار بعدَ أن يقدَم 1 السوق " 2. وصورة ذلك: أن يعلم إنسان بقدوم رُفقة تحمل سلعاً وأمتعة، فيستقبلَهم على قصد أن يشتريَ منهم، ويتقدم إليهم، ويَكْذِبَهم في سعر البلدِ، ويشتري منهم شيئاً من سلعهم أو جميعها بغبنٍ.
هذا مورد الخبر.
ولا شك أن صنع هذا المتلقي حرام إذا كان عالماً بالحديث.
والعقد ينعقد.
وللبائع الخيار لنص الحديثِ.
هذا إذا كذب في السعر واسترخص، فأما إذا صدقَ في السعر، واشترى منهم بأقلَّ من ثمن المثل، أو بمثل الثمن، ففي الخيار وجهان: أحدهما - يثبت لظاهر الحديث؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم، أطلق إثباتَ الخيار، ولم يفصّل بين أن يكذبَ أو يصدق.
ومما يتعلق بذلك أنه لو لقي الركبَ وفاقاً، وما قصد تلقِّيَهم على نحو ما وصفناه، ولكن اتفق الالتقاء بهم، فإن صدق في ذكرِ السعر، واشترى، نفذ، ولا خيار.
وإن كذب في السعر، ففي ثبوت الخيار وجهان: أحدهما - لا خيار؛ فإن الحديث وارد في تلقي الركبان وهذا ليس متلقِّياً والثاني - يثبت الخيار؛ لأن معنى الحديث النهي عن المخادعة، وهذا جار في هذه الصورة؛ فهي في معنى مورِد الحديث.
فصل في بيع الجارية والبهيمة على شرط الحمل وفي بيعها مع استثناء الحمل 3371 - فإذا باع جارية على أنها حُبلى، أو شاةً على أنها لَبون، أو جُبة وشرط حشوَها؛ ففي المسائل طرق: من أصحابنا من قطع بفساد البيع في هذه المسائل؛ فإن البيع تضمن شرطَ مجهولٍ لا إحاطةَ به.
ومنهم من قال: في جميعها قولان في صحة البيع.
ومنهم من قال:

يصح البيع في مسألة الجبة وفي الباقيتين قولان.
وقطع بعضُ أصحابنا بصحة البيع في اشتراط كون الشاة لبوناً.
وقال: هذا صفةٌ في الشاة، وليست تقتضى ثبوتَ لبني في الضرع، فأما إذا اشترط اللبن في ضرعها حالةَ البيع، فيكون ذلك كاشتراط كونها حاملاً.
فهذه طرق الأصحاب.
قال الشيخ أبو علي: لو قال: بعتك هذه الجاريةَ، وما في بطنها.
أو بعتك هذه الشاةَ، وما في ضرعها.
أو هذه الجُبةَ وما فيها من الحشو، فيبطل البيع في هذه الصور قولاً واحداً؛ فإنه تعرض لمجهولات وأثبتَها مبيعةً مقصودةً.
وليس كما لو قال: بعتُها على أنها حامل؛ فإنه ما جعل الحمل مبيعاً مقصوداً، بل ذكره وصفاً.
والوصف قد يكون وقد لا يكون، فكان كما لو اشترى عبداً على أنه خبازٌ.
وهذا الذي ذكره حسن.
وما ذكره الأصحاب -مع ما ذكر الشيخ أبو علي- يلتفتُ على أن المذكور على صيغة الشرط هل يكون كما يذكر على صيغة الضم إلى المبيع.
وقد ذكرنا أمثلة هذا فيه إذا قال: اشتريتُ منك الزرعَ على أن تحصده.
فإن جعلنا المفهومَ من الشرط كالمضموم لفظاً، فيقرب الحكمُ بالبطلان.
والظاهر ما قاله الشيخ إلا أنه ضمَّ حشوَ الجبة إلى الحمل، وفيه بعضُ النظر: فلا يبعد أن يُجعل كبيع الغائب.
ثم يتطرق إلى ما قاله نوعٌ آخر من الاحتمال: وهو أن البيع إن بطَل في الحمل واللبن، فالوجه تخريج البيع في الجارية والشاة على قولين في تفريق الصفقة.
وقد تعرض الشيخُ 1 لهذا.
ثم قال: الوجه: القطع بالبطلان؛ فإن المضموم مجهولٌ لا يتأتى توزيع الثمن عليه وعلى المبيع.
والقياس ما ذكره.
لكنَّا أجرينا قولَيْ تفريق الصفقة في صورةٍ لا يتأتى التوزيع فيها، كما في بيع شاةٍ وخنزير.
وذلك يُخرّج على القولين في أن العقد إن أجيز بكم يجاز؟ فإن قلنا: يجاز العقدُ في الذي يصح فيه بتمام الثمن، فلا حاجة إلى التوزيع، ولا يضر تعذر التوزيع؛ إذْ لا حاجة إليه.

3372 - ومما يتعلق بتمام القول في هذا أن من اشترى جاريةً حاملاً، وأطلق العقدَ، فالبيع صحيح، والحمل مستحَق للمشتري، والخلاف في أنه هل يقابله قسط من الثمن.
وسيجري تحقيق ذلك في كتاب الرهن، إن شاء الله تعالى.
ولو باع جاريةً إلا حملَها، ففي صحة الاستثناء والبيع وجهان: أحدهما - يصح، كما يصح استثناء الثمار قبل بدو الصلاح؛ فعلى هذا يبقى الحمل للبائع.
والوجه الثاني - يبطل الاستثناء؛ فإن الحمل بمثابة جزءٍ من الجارية في حكم البيع.
هذا في التصريح بالاستثناء.
فأما إذا باع جارية وهي حامل بولد حُر، فالأصح صحةُ العقد، وإن وقع الحمل مستثنىً عن البيع شرعاً.
وأبعد بعضُ أصحابنا؛ فذكر وجهاً في منع بيعها إلى أن تلد.
وكذلك إذا كان الحمل بالوصية لزيد.
وكانت الجارية لعمرو.
فإذا باع مالك الجارية، فهو كما لو فُرض البيع وهي حامل بولد حُر.


باب النهي عن بيعٍ وسلفٍ جرّ منفعة

3373 - صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع وسلف " 1، وصورته أن يشترط في البيع أن يُقرضه مالاً.
وهذا يلتحق بشرط عقدٍ في عقد.
ثم لو قال البائع: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أقرضك ألفاً، وقبل المشتري، فالبيع باطل.
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن تقرضني ألفاً، فالبيع فاسد.
أما إذا اشترط على المشتري أن يقرضه، فهذا ضمُّ منفعةٍ إلى الثمن، واشتراط ارتفاق، ولا يثبت ما شَرَطَ، فيصير الثمن مجهولاً به.
وكأن التقديرَ بعتك هذا العبدَ بألفٍ وارتفاقٍ بشيءٍ آخر غيره.
وإذا قال البائع: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أقرضك، فكأنه لم يقنع بأن يقابلَ العبدَ بالألف، فقابلَ العبدَ ورفقاً بألف، فلم يصح.
وما ذكره معتضدٌ بنص الرسول صلى الله عليه وسلم.
فصل 3374 - تعرض الشافعي لإفساد القرضِ الذي يجر منفعة.
والوجه عندنا أن نذكر أصلَ القرض ووصفَه، وقواعد الأحكام فيه، ثم نذكر فساده إذا شرط فيه جرَّ منفعةٍ.

فالقرض في نفسه متفق عليه.
وليس عقداً تاماً على قياس المعاوضات؛ فإنه لو كان مردوداً إلى قياسها، لما صح اقتراضُ مالٍ من أموال الربا لشَرْطِ التقابض في بيع بعضه بالبعض.
ومعلوم أن من أقرض إنساناً دراهمَ فإنما يبذلُها ليأخذ منه مثلَها، وهذا على القطع مقابلةُ عوض بعوض.
وقياسُ هذا يقتضي التقابضَ في مجلس العقد؛ فإن كل عوضين جمعتهما علةٌ واحدة في تحريم ربا الفضل إذا اشتمل العقد عليهما، وجب التقابُض فيهما.
فليس القرضُ إذاً على قياس العقود، وليس خالياً عن [تقابل] 1 العوضين مقصوداً.
وامتنع الشافعي من إثبات الأجل في القرض؛ من قِبَل أن الأجل إنما يثبت في حقائق العقود المشتملةِ على حقيقة المعاوضة.
فإذا لم يكن القرض كذلك، لم يكن في إثبات الأجل معنى، ووافق أبو حنيفةَ على هذا.
وكان القرض معروفٌ أثبته الشارع رخصةً مستثنى من قياس المعاوضات، وما فيها من التعبدات؛ فإن القرض لو روعي فيه التقابض، لم يكن فيه معنى.
وغرض الشارع بإثبات القرض استثناؤه عن تصنيفات المبيع، وإيصال المقترض إلى القرض من غير أن يُنجز له عوضاً.
وهذا لا خفاء به.
3375 - وينشأ من هذا الأصل خلافٌ عظيمُ الوقع مع مالك 2، فإنه قال: ليس للمُقرض أن يسترد ما أقرضه على الفور، حتى يقضي المقترضُ وطراً، أو يمضي زمانٌ يسع ذلك.
وزعم أنا لو ملكنا المقرضَ استرجاع القرض في الحال، لم يكن للقرض فائدةٌ.
وبنى هذا على إثبات الأجل، ولزوم الوفاء به إذا ذُكر، وحمل [هذا] 3 على موافقة مقصودِ القرض.
وهذا الذي ذكره فيه تخييل إذا نظر الناظر إلى مقصود القرض.
ولكن لا وجه لما

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل