كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
تُطْلِع، وتثمر، وتُجَدّ، فقد قطع الشافعي، واتفق الأصحاب على أنه لا يضم الحَمْل الثاني إلى الحَمل الأول، حتى لو كان كلُّ حَمْلٍ ناقصاً عن النصاب، وكانا نصاباً، فلا عشر، والحَمْلان في السنة الواحدة كالحَمْلين في سنتين إجماعاً.
2005 - ثم إذا تمهد هذا قلنا: نخيل تِهامة أسرع إدراكاً من نخيل نجد، فإذا أطلعت نخيل الرجل بتهامة، ثم أطلعت نخيله بنجد، فقد يضم ثمار نجد إلى ثمار تِهامة، وقد لا يضم.
ونحن نذكر الوفاق في طرفي النفي والإثبات، ونذكر موضع الخلاف.
فنقول: إن أطلعت نخيلُ تهامة، ثم أطلعت نخيل نجد قبل بدوّ الزهو والصلاح، في ثمار تهامة، فلا خلاف أنا نضم ثمارَ نجدٍ إلى ثمار تهامة، في تكميل النصاب.
ولو [جُدّت] 1 ثمارُ تهامة، ثم 2 أطلعت النجديّات، فلا خلاف أنا لا نضم، ثم نفرد ثمرةَ كل ناحية بحكمها.
ولو بدا الصلاح في التهاميّات، ولم تُجَدّ بَعْدُ، فأطلعت النجديات، فقد اختلف أئمتنا، فمنهم من يرى الضمَّ، وهو الذي قطع به الصيدلاني، ومنهم من لا يضم؛ فإن النجديات أثمرت بعد وجوب الزكاة في الثمار التهامية؛ إذ الزكاة تجب ببدوّ الصلاح، كما سنصفه إن شاء الله تعالى، فإذا تلاحقت قبل الوجوب، تضامَّت، وإذا وجد آخرها بعد وجوب الزكاة في أولها، فلا ضم وهذا اختاره بعض المصنفين، وزعم أنه المذهب.
فإذاً اعتبر بعض الأئمة الزهوَ، واعتبر بعضهم الجِداد، ووجهه أن الثمرة ما دامت على الشجرة، فله حكم التلاحق في العادة، والأحكام تتبع العادات فيما يتعلق [بالمعاملات] 3.
ثم الذين اعتبروا الجداد، اختلفت عبارتهم، والمحصَّل منها وجهان: أحدهما -
أن الاعتبار بوقوع الجداد، فإن لم يقع، فالثمار النجدية المطلقة 1 تلحق، والثاني - أن الاعتبار بدخول وقت الجداد، فلا ضم ولا إلحاق بعده، وإن تركت الثمار على الأشجار أياماً، فهي في ترك الضم كالمجدودة.
2006 - ثم تمام البيان فيه أنه قد يدخل وقت الجداد، بحيث لو فرض، لم يكن بعيداً، وإن كان تركه أياماً أَوْلى بها، فمن 2 يعتبر وقت الجداد لا عينَه، فالأمر فيه متردد عندي بين أول الوقت في الجداد وبين أوْلى الوقت فيه.
ولعل النهاية التي هي الأولى أحق بالاعتبار، حتى تصير الثمار كأنها مجدودة.
والله أعلم.
2007 - ثم فرع الشافعي مسألة وقال: إذا كانت له تِهاميّة تثمر في السنة مرتين، فلو أطلعت نجدية قبل جداد الثمرة الأولى، والتفريع على اعتبار الجداد، فثمرة النجدية مضمومة إلى الثمرة الأولى التهامية.
فإذا [جُدّت] 3 التهامية، وبقيت ثمار النجدية، ولم تجد، حتى أطلعت تلك التهامية مرة أخرى، قال الشافعي: لا أضم الثمرة الثانية إلى ثمار النجدية، وعلل بأنه لو ضمها إلى ثمرة النجدية، (4 وهي مضمومة إلى الحَمل الأول للتهامية، فيلزم من ذلك ضمُّ الثمرة الثانية إلى التهامية الأولى منها بواسطة النجدية 4)، وذلك ممتنع لا سبيل إليه عنده.
وبمثله لو [جُدّت] 5 التهامية في حَملها الأول، ثم أطلعت بعدها نجديّة، فلا تضم إلى الحَمل الأول للتهامية، فلو أطلعت التهامية مرة أخرى، والنجدية لم تجد بعدُ، فالحمل الثاني من التهامية مضمومة إلى ثمار النجدية، على قياس الضم؛ إذ ليس [في هذا الضم] 64
ما استبدعناه 1 في المسألة الأولى، من ضم حَمْل شجرة إلى حملها.
وهذا بيّن.
فصل
قال الشافعي: "ويُترك لصاحب البستان جيّدُ الثمر ... إلى آخره" 2.
2008 - إذا اشتمل البستان على أنواع محصورة من الثمار، وكان الأخذ من كل نوع بقسطه متيسراً، فإنا نفعل هذا؛ فإن التبعيض فيها لا يجرّ ضرراً.
وليس كما إذا تعددت أنواع الماشية، مع اتحاد الجنس؛ فإنّ القول اختلف فيها، ففي قولٍ نعتبر الأغلب، وفي قولٍ نعتبر قيمَ الأنواع ونقسطها، ونأخذ ما يتوزع من قيمتها، ونصرفه إلى نوعٍ.
والتشقيصُ على كل قولٍ في الحيوان مجتنب، ولا تعذّر في تشقيص الثمار؛ فإنها قابلة للتجزئة.
فأما إذ كثرت الأنواع، وعسر تتبعُ كل نوع، وإخراج العشر من كل واحد، فقد اتفق الأئمة على أنا نعتبر الوسط، فنترك الجيد البالغ من البَرْنيِّ 3 والكَبيس، ولا نأخذ الرديء كالجُعْرور 4 ونحوه، فنرتاد نوعاً وسطاً بين الجيد والرديء، والغرض في الحيوان والمعشرات توفيةُ الوسط على أيسر وجه على المستحقين.
...
باب كيف تؤخذ صدقة النخل والكرم والخَرْص
2009 - أولاً - نصدّر الباب بأن الخرص ثابتٌ شرعاً، وقد خرص عبدُ الله بنُ رواحة نخيل خيبر على أهل خيبر، في قصة مشهورة 1، وكيفية الخرص أن يأتي الخبير بأقدار الثمار، وما تصير إليه إذا جفت الأشجار، ويحزر قدرَ كلِّ نوع على الأشجار، ثم يستبين أن كل نوع إذا جف، فإلى أي مقدار يرجع، ثم يضبط المبلغ ويخبر عنه، فهذا صورة الخرص.
ثم اختلف القول في أن الخارص الواحد يكفي أم لا بد من خارصين؟ كما اختلف القول في القاسم، وسأجمع في ذلك قولاً شافياً، أذكر فيه مواقع الوفاق والخلاف، فيما يُشترط العدد فيه، وفيما يكتفى فيه بالواحد، في كتاب الشهادات، إن شاء الله تعالى.
2010 - فإذا ثبت أصلُ الخرص، فالذي نرتبه عليه بيانُ القول في أن العُشر متى يجب في الثمار والزروع؟ فالذي ذهب إليه الأئمة، وشهدت به النصوص أن حق المساكين يتعلق بالثمار إذا بدا الصلاحُ فيها، كما سنصفُ (2 معنى بدو الصلاح في كتاب البيع -إن شاء الله تعالى- وبدو الاشتداد في الحب بمثابة 2) بدو الصلاح في الثمار، وتمام الاشتداد في الحب، ليس شرطاً، كما أن تمام الصلاح غيرُ مرعي في الثمار.
ثم إذا وجب حق المساكين، فيجب حقُّهم تمراً وزبيباً، وحباً مشتداً منقًّى، ولا خلاف أن الخطاب بالتأدية لا يتوجه قبل انتهاء مدة المعشَّرات نهاياتِها، التي يتأتى تأدية العشر كما وصفناه منها.2
فهذا حكم الوجوب من غير إيجاب التأدية، وإن كان تأدية الثمر وما في معناه ممكناً، باعتبار الخرص.
2011 - وذكر صاحب التقريب قولاً غريباً في كتابه: أن حق المساكين إنما يجب عند جفاف التمر والزبيب، وتمييز الحب، وزعم هذا القائل أن وجوب الزكاة في وقت وجوب تأديتها، لا يتقدم الوجوب على الأمر بالأداء.
وهذا شبيه بالقول الذي حكيناه في أن الإمكان من شرائط الوجوب، ولعل ما ذكره أقرب في ظاهر النظر من قول الإمكان؛ فإن الواجب التمرُ، وإيجاب التمر قبل وجوده أبعد من الحكم بوجوب زكاة المواشي والنقود في الذمة، مع ارتقاب من يسلّم إليه.
وهذا الذي نقله بعيد 1 غير معدود من المذهب عندي.
2012 - ومن أجرى الأبواب كلَّها على قياسٍ، ولا 2 يُجوِّز أن يتميز كل باب بخاصية، فليس مِن طلب الحقيقة في شيء، فليعلم الناظر أن الثمار يخلقها الله تعالى على تدريج، وفيها منتفع عظيم قبل الجِداد والتجفيف؛ فإن الانتفاع بالأعناب، والأرطاب، لا ينقص عن الانتفاع بالتمور والزبيب، وأصل الوضع مشعر بأن الله تعالى إذا أفاد الموسر ثمرةً، وانتهت إلى الانتفاع، فيلزمه أن ينفع المساكين، فهذه القضية تقتضي لا محالة ثبوتَ حق المساكين 3 عند بدو الصلاح، ولكن لو كلفنا أربابَ الأشجار إخراجَ العشر، لعسر عليهم، فقد يريدون 4 أن يجففوا، وحقوق المساكين 5 لا تنقص بالتجفيف قدره 6، بل تزيد؛ فأوجب الشرع حقَّ المساكين،
وأخر -لما ذكرناه- التأدية، ثم ألزم [رب] 1 النخيل أن يقوم بمؤنة الجداد والتجفيف في [حصة] 2 المساكين، كما يفعله بحصته، وليس هذا كالإمكان الذي أشرنا إليه؛ فإنه قد يتفق الإمكان مع الوجوب، فإن اتفق تأخّره، ففي الذمة متسع.
وليس بدعاً أن يثبت الوجوب مع عسر الأداء، كما في الديون.
2013 - ونحن الآن نذكر آثار الوجوب عند بدو الصلاح، فنقول: من اشترى الأشجار والثمار قبل بدو الصلاح، ولزم له الشراء، ثم بدا الصلاح، فقد تعلّق حق المساكين، فلو رام ردّه بعيب قديم، فهو كما لو اشترى أربعين من الغنم، وحال عليها الحول، ووجبت الزكاة، ثم اطلع على عيب قديم.
وقد بان تفريع مثل هذا عند ذكرنا الأقوالَ في متعلق الزكاة في الذمة والعين، وكذلك لو بدا الصلاح، ثم أراد بيعَ الثمار، فهذا بيعُ مالٍ تعلق به حقُّ المساكين، ثم القول في تغليب الذمة والعين [وتخريج] 3 البيع في قدر الزكاة وتفريق الصفقة وراءه على ما مضى، حرفاً حرفاً.
2014 - ومما يجب أن يكون على ذُكر من الناظر في ذلك أن الأوقات التي تجري من بدو الثمرة إلى بدو الزهو، ليست في حكم الحول الذي ينقضي على الأموال الزكاتيه، حتى يقال: من لم يكن ابتداء بدو الثمار في ملكه، وكان ابتداء الزهو في ملكه، لا تلزمه الزكاة، بل لو ملك المالك بجهةٍ من الجهات الثمارَ في أيامٍ قليلة، [وبدا] 4 الزهو، وجبت الزكاة، فبَدْوُ الزهو في حكم استهلال هلال شوال في وجوب فطرة العبيد 5.
2015 - ثم قال الأئمة: إذا أوصى بثمارٍ، ومات، فقبل الموصَى له، ثم أزهت، فالعشر على الموصَى له، وإن كان وُجد الزهو في حياة الموصي، فالعشر واجب عليه، يؤدَّى من تركته.
وإن بدا الزهو بعد موته، وقبل قبول الوصية، فهذا يخرج على أن الملك في الموصَى به، بين موت الموصي وقبول الموصى له لمن؟ وفيه خلاف سيأتي في موضعه.
فإن قلنا: الملك في ذلك الزمان للموصى له، نظر: فإن قبل الوصية، فقد تأكد الملك، فالعشر واجب عليه، وإن رد، فقد زال ملكُه بعد ثبوته، ففي وجوب العشر عليه وجهان، وسنذكر نظيرهما في صدقة فطرة العبد الموصى به في فروع ابن الحداد، وإنما لا أستقصيه لأنه بين أيدينا 1.
وإن قلنا: الملك موقوف، فإن قبل، بان أنه حصل بموت الموصي، فعلى هذا يلزمه العشر، وإن ردّ، بان أنه لم يحصل بالموت له ملك، فيرد.
فعلى هذا لا يلزمه، ويلزم الورثةَ.
وإن قلنا: الملك بين الموت والقبول للورثة، فهو ملك ضعيف، فإن رد الموصى له، لزم الورثةَ العشرُ، وإن قبل، فوجهان: أحدهما - يلزمهم؛ لمكان وقوع الزهو في ملكهم.
والثاني - لا يلزمهم؛ فإن الملك الذي أضيف إليهم ملكُ تقدير، لا يفيد ارتفاقاً وانتفاعاً، فلا يوجب إرفاقاً.
وإن قلنا: الملك للميت إلى قبول الموصَى له، فلا زكاة؛ فإن إيجاب الزكاة ابتداءً على الميت محال، وإذا لم نوجب على الموصَى له والورثة، أسقطنا العشر رأساً.
وسنعود إلى ذلك في مسألة الوصية بالعبد، وجريان الاستهلاك 2 بعد الموت.
ونذكر -إن شاء الله تعالى- الخيارَ في البيع، والتفريع على أقوال الملك، والقول في عُشر الثمار عند الزهو، وفي زكاة الفطر على وتيرة واحدة.
فهذا بيان القول في وقت وجوب العشر.
ثم وراء ما ذكرناه دقيقةٌ، بها ينكشف الغطاء، وسيأتي بابٌ في الزكاة في الأملاك في زمان الخيار، وما يجري فيها من زهو وغيره، وفيه نستقصي هذا إن شاء الله عز وجل.
2016 - فنقول إذا جرى الخرص، فقد اختلف قول الشافعي في أن الخرص هل يُثبت حكماً لا يَثبت دونه؟ فقال في أحد القولين: لا حكم له، إلا أنا نضبط المقدار، ونطلبُ العشرَ في أوانه بحسبه.
والقول الثاني - أنا نُثبت حكماً على ما سنصفه، فنقول: الخارص يُضمِّن المالكَ حصةَ المساكين تمراً، ويُطلق تصرفَ المالك في جميع الثمار بما بدا له، وينقلب حق المساكين إلى ذمته.
وفي القول الأول لا يتغير بالخرص في ذلك حكم، وحكم تصرف المالك في الثمار، كما سنوضحه الآن.
وعبّر الأئمة عن القولين بأن قالوا: الخرص في قولٍ عِبرة 1: أي يفيد الاطلاع على المقدار ظناً وحسباناً، ولا يغيّر حكماً، وفي قول هو تضمين، أي يضمَّن المالك حق المساكين، ويُطلَق تصرفُه في الثمار.
فإن قلنا: الخرص عِبرةٌ، فربُّ الثمار يتصرف في تسعة الأعشار، ولا يتصرف في العشر، الذي هو حق المساكين.
2017 - وهاهنا وقفةٌ طال فيها نظرنا، فليأخذ الناظرُ المقصودَ عفواً صفواً، فرب ساع لقاعد.
فنقول: أما إذا وجبت الزكاة في المواشي أو غيرِها، ففي قول الذمة يتصرف في الجميع، كما مضى، وفي قول العين لا يتصرف في مقدار الزكاة، فإن تصرف في الجميع، ففيه التفريق والقول الطويل كما مضى، ولو أبقى مقدار الزكاة، وتصرف في الباقي على منعنا التصرفَ في مقدار الزكاة، ففي نفوذ تصرفه فيما يزيد على مقدار
الزكاة كلامٌ وخلافٌ ألحقته بالحاشية 1 فيما تقدم، والعشر عندنا يتعلق [بالمعشَّر] 2 على حسب تعلّق الزكاة بالنُّصُب، من غير فرق، فما معنى قطع الأصحاب بالتصرف في تسعة أعشار الرطب والعنب؟.
والغرض يَبينُ في ذلك بذكر ثلاثة منازل: إحداها - إذا وجبت الزكاة، وتحقق الإمكان، فأرادَ التصرف في بعض المال، على قولنا: يُرَدُّ تصرُّفُهُ في مقدار الزكاة، وقد ذكرنا فيه خلافاً.
ووجه المنع شيوع واجب الزكاة في الجميع.
[المرتبة الثانية] 3 - ولو حال الحول، ولم يتمكن 4 المالك من تأدية الزكاة، وقلنا بوجوبها، فالتصرف -على المنع- في مقدار الزكاة مردود، وفي الباقي خلاف، فالأولى تنفيذه إذا أبقى مقدارَ الزكاة؛ فإنه غير منسوب إلى التقصير في التأخير، فلو سددنا عليه التصرف فيما يزيد على قدر الزكاة؛ لكان ذلك حجراً مضراً.
فهذه المرتبة الثانية.
والمرتبة الثالثة - الحكم في الثمار بعد الزهو، على قول العِبْرة، فالذي رأيته للأئمة القطع بنفوذ التصرف في الزائد على قدر الزكاة؛ فإن المنع من التصرف في الثمار بالكلية خروجٌ عن الإجماع، وهو خلاف ما درج عليه السلف، وفيه منع الناس من أكل الرطب والعنب؛ فإن تأدية الزكاة لا تقع إلا من التمر والزبيب، وفيه طرف من المعنى وهو أن مالك الثمار ملتزم مؤنة تربية الثمار إلى جفافها، وهو في ذلك يُرَبِّي حقَّ المساكين، فقوبلت هذه المؤنة بإطلاق تصرفه في التسعة الأعشار، فهذا إذن مقطوع به كما ذكرناه.
2018 - ونعود بعد ذلك إلى تفريع القولين في أن الخرص عِبْرة، أو تضمين؟ فأما
حكم التصرف على قولنا إنه تضمين؛ فإنه يتفرع على أصلٍ نذكره مقصوداً، ثم نفرع عليه التصرف، فإن قلنا: الخرص تضمين، فلو حصل التضمين كما سنذكره؛ فإن فيه تفصيلاً، فلو تلفت الثمار بعد بدو الصلاح وجريان التضمين، فإن أتلفها هو بنفسه، فعليه للمساكين عشرها تمراً؛ فإنه قد ضمن حقَّهم.
وإن قلنا: الخرص عبرة، (1 فإن أتلف الرطب، لم يضمن إلا يضمنه متلفُ الرطب على غيره 1)، فليلتزم قيمةَ العُشر لما أتلفه؛ فإنه لم 2 يضمن للمساكين حقهم تمراً.
فهذا إذا أتلف وقد جرى الخرص، فأما إذا دخل وقت الخرص، ولم يتفق بعدُ جريانه، فلو أتلف رب الثمار الثمارَ، فإن قلنا: الخرص لو جرى، لكان عبرة، فالجواب كما تقدم.
وإن قلنا: الخرص تضمين لو جرى، فإذا أتلف الثمر قبل الخرص، ففيما يلزمه وجهان مشهوران: أحدهما - يلزمه قيمة العشر رطباً، كما أتلفه؛ فإن التضمين لم يجر بعدُ بالخرص.
والثاني - يضمن التمرَ؛ فإن العشر قد وجب، ولا يجب العشر إلا تمراً، فيما يقبل التجفيف.
وحقيقة هذا ترجع إلى أن الشرع يُلزم التمرَ الجاف، والخرصُ يُظهر مقداره، فأما أن يتضمن الخرص بنفسه إلزاماً لا يقتضيه نفسُ بدو الصلاح، فلا.
وهذا حسن في التوجيه.
فإذا قلنا: الخرص عِبْرة، فلو جرى التضمين من الخارص صريحاً، والضمان من صاحب الثمار قبولاً، فهو لغو على قول العبرة، ولو أتلف الثمارَ، لم يلتزم إلا قيمة عشر ما أتلف.
2019 - ومما يتعلق بإتمام القول في ذلك أن من أئمتنا من قال: الخرص يتضمن التضمين إذا جرى ذكر ضمان (3 التمر صريحاً، بأن يقول الخارص: ألزمتك حصة المساكين تمراً جافاً، فإن جرى الخرص المجرد من غير ذكر ضمان 3)،13
فلا يلزمه عند صدور الإتلاف منه إلا قيمةُ ما أتلف.
فإذا جمعنا ما قيل في التضمين إلى قول العبرة، انتظم منه أقوال في أنه إذا أتلف الثمار ماذا يلزمه؟
أحدها - أنه يلتزم التمر، وإن لم يجر خرص، إذا كان الإتلاف بعد بدو الصلاح، مصيراً إلى إلزام الشرع.
والثاني - أنه يلتزم التمر (1 إن جرى الخرص، مطلقاً كان، أو مقيداً، ولا يلتزم إلا قيمة ما أتلف إذا لم يجر خرص.
والثالث - أنه يضمن التمر 1) إذا جرى ذكر التضمين.
وإن لم يجر ذكره، فأتلف لم يلتزم إلا قيمةَ ما أتلف.
2020 - ثم الذي أراه أنه يكفي تضمين الخارص، ولا يشترط قبول المخروص عليه.
فإن فرعنا على قول العبرة، فلا يلتزم إلا قيمةَ ما أتلف، ولو جرى التضمين والقبول مثلاً.
فهذا بيان الحكم في الإتلاف.
ولا يخفى أن الإتلاف قبل بدو الصلاح لا حكم له؛ فإنه قبل وجوب حق المساكين، فهو بمثابة إتلاف مال الزكاة قبل حولان الحول.
وكل ما ذكرناه مفروض في الإتلاف.
2021 - فأما إذا تلفت الثمار بآفة سماوية، قبل أوان الجداد، فينبغي أن يعلم الناظر أنا إذا فرعنا على قول العبرة، فلا يخفى القطع بسقوط حق المساكين؛ فإنه تلف حقُّهم، وفات بفوات الثمار، من غير تقصير من المالك، فكان هذا بمثابة تلف مال الزكاة بعد الحول، وقبل الإمكان.
وإن قلنا: الخرص تضمين، فالذي أراه أن يسقط الضمان بالتلف؛ فإنه ضمان على شرط ألا تكون جائحة، ولو قيل: تسليطه على التصرف في حق المساكين يُلزمه1
الضمان وإن تلف، وكأنه قبض حقهم، وألزم ذمته التمرَ إلزامَ قرار -والعلم عند الله تعالى- فهذا 1 احتمال معنوي.
والذي قطع به الأصحاب سقوطُ الضمان بالجائحة.
فهذا بيان حكم التلف والإتلاف.
2022 - فأما التصرف، فعلى قول العبرة يتصرف فيما يزيد على حقوق المساكين، كما تقدم ذكره، وفي تصرفه في مقدار حق المساكين من التفصيل ما في تصرف مالك المال الزكاتي في حق المساكين، بعد وجوب الزكاة.
وإن قلنا: الخرص تضمين، فحيث ثبت ضمان التمر، على ما تقدم تفصيله، نفذ تصرفه في حق المساكين.
وحيث قلنا: لا يثبت الضمان، فتصرفه في حق المساكين كتصرفه على قول العبرة.
فهذا تمام ما أردناه في ذلك.
2023 - ثم ذكر صاحب التقريب في التفريع على وجه حكاه وجهاً بعيداً، لم أذكره؛ حتى لا يختلط بالمذهب ونظمه، وأنا أذكره الآن.
فإذا جرى الخرصُ، ولم يجر ذكرُ الضمان، فقد قال بعض الأصحاب: لا ضمان بمجرد الخرص، فإذا أتلف في هذه الحالة الثمارَ، والتفريع على هذا الوجه الذي انتهينا إليه، فالمذهب أنه يلتزم قيمة ما أتلف.
وذكر وجهاً آخر هاهنا، أنه يضمن أكثر الأمرين من مكيلته تمراً جافاً، أو قيمةِ العشر كما 2 أتلفه.
وهذا غريب لا أصل له، فليسقط.
وبالجملة إذا لم يثبت الضمان على قول التضمين، التحق التفريع بقول العبرة.
فرع:
2024 - إذا كان بين رجلين رطب مشترك على النخيل، فخرص أحدهما على الثاني، وألزم ذمتَه حصةَ نفسه تمراً جافاً، فقد قال صاحب التقريب: يتصرف المخروص عليه في الجميع، ويلتزم لصاحب التمر، على قولنا: الخرص تضمين، كما يتصرف في نصيب المساكين بالخرص.
وإن قلنا الخرص عبرة، فلا أثر للخرص في حق الشركاء.
وهذا الذي ذكره بعيد جداً في حق الشركاء، وما يجري في حق المساكين، لا يقاس به تصرف الشركاء في أملاكهم المحققة؛ فإن المذاهب على التردد، في أن المساكين هل يستحقون من عين الثمار، ولا شك أن المالك مطالب بحقهم، وحقوق الشركاء في أعيان الثمار لا مطالبة لأحد على أحد.
ثم إن ثبت ما قاله صاحب التقريب، فمستنده عندي خرصُ عبدِ الله بنِ رواحة على اليهود؛ فإنه ألزمهم التمرَ، وكان ذلك الإلزام في حقوق الملاك والغانمين.
والله أعلم.
والذي لا بد منه في مذهب صاحب التقريب في ذلك، أن الخرص في حقوق المساكين يكفي فيه إلزام الخارص، ولا يشترط رضا المخروص عليه، فأما في حق الشركاء، فلا بد من رضا المخروص عليه لا محالة.
فرع:
2025 - سنذكر في كتاب المساقاة اختلاف القول في أن الخرص هل يجري في سائر الثمار؟ وفائدة الخلاف جوازُ المساقاة، أو منعها فيما عدا النخل والكرم، فأما أمر الزكاة، فلا حاجة إلى الخرص في غير النخيل والكروم من الأشجار؛ إذ لا عشر إلا في النخل والكرم، كما سيأتي، ورأيت الأصحاب قاطعين بأن الخرص لا يجري في الزروع أصلاً؛ فإن الحبوب لا يضبطها الخرص، فلا خرصَ، وإن جرى، فلا حكم له أصلاً.
فصل
2026 - إذا ادّعى أصحاب الثمار جائحة، وسبباً في ضياع الثمار، فإن كان ما ادَّعَوْه ممكناً غيرَ بعيد، مثل أن يدّعوا اختلال الثمار ببَرَدٍ، ولقد كان البرد وأثره يختلف في الأشجار، اختلافاً متفاوتاً، فإذا ادَّعى صاحب ثمرة أثراً، فما قاله محتمل، وهو مصدق فيه، وإن اتّهم، حُلِّف.
وإن ادعى شيئاً يكذبه المشاهدة، مثل أن يدّعي حريقاً، ونحن نعلم أنه لم يقع، فهو مكذَّب.
وإن ادعى أمراً مثله يشيع، ولا يخفى، وقد يفرض خفاؤه على بعد، فالذي ذكره العراقيون أنه لا يقبل قوله، ويطالب بالبينة، وطردوا هذا في الوديعة، فقالوا: إن ادعى المودعَ سبباً في الضياع يشيع مثلُه غالباً، طولب بالبينة، فإن لم يأت بها، لم يحلّف.
وقد دل ظاهر كلام الصيدلاني عليه.
والذي قطع به شيخي أن كل مؤتمن ادعى شيئاً محتملاً، وإن كان بعيداً، فهو مصدّق مع [يمينه] 1، وإنما يردّ قوله إذا قطعت بكذبه، وهذا قياس ظاهر؛ فإن المودعَ إذا ادعى ردَّ الوديعة، فالأصل عدم الرد، ولكنه مصدق على 2 يمينه، فيكفي في تصديقه الإمكانُ، وإن بَعُد.
فالأمر في تلف الثمار على هذه التقاسيم.
ثم من يطلب البينة فيما يظهر غالباً، لا يشترط إقامة البينة في تأثير الحريق الذي ادعاه في ثماره، بل إذا أثبت الأصل بالبينة، صار اختلال ثمرته ممكناً غيرَ بعيد، فيحلف الآن على ما يدعيه من النقصان.
2027 - ثم ذكر الشافعي في الخرص دعوى من المخروص عليه، فقال: "إن قال: قد أحصيتُ مكيلة ما أخذت، فكان كذا ... إلى آخره" 3.
إذا صح الخرص من أهله في وقته، فادّعى المخروص عليه آخِراً تفاوتاً، نُظر، فإن قال: اعتمد الخارص في التحيّف قاصداً وظلمني، فلا يقبل ذلك منه؛ فإنه نسبَ مَن هو مؤتمن [شرعاً] 4 إلى ما يخالف منصبه.
ولو قال: أخطأ ولم يتعمد، نُظر؛ فإن نسبه إلى خطأ فاحشٍ يبعد 5 أن يقع مثله
لذي بصيرة وخبرة، فلا يصدَّق، مثل أن يقول: خرص عليّ مائة وَسْق، وإنما هو خمسون، أو سبعون.
والرجوع فيما يُعدُّ غلطاً فاحشاً، إلى أهل البصائر.
وإن ادعى غلطاً يقع مثله، فالذي ادعاه ممكن لا ينافى الأمانة، والخبرة، فيقبل ذلك منه، مع يمينه.
ولو ادعى غلطاً فاحشاً، فقد قال الأئمة: إن رُدّ قولُه فيما يتفاحش، فقوله مقبول في القدر الذي لا يتفاحش؛ فإن الذي ذكره فيه محتمل، وإنما الزائد هو البعيد، فقوله في القدر الزائد على المحتمل مردود، وقوله في المحتمل مقبول.
وسنذكر لذلك نظيراً في العِدَّة، فنقول: يتصوّر أن تنقضي عدّةُ ذات الأقراء باثنين وثلاثين يوماً وساعتين، فلو ادعت انقضاء العدة بأقلَّ من هذه المدة، لم تصدق، فإذا مضت المدة التي يتصوّر الانقضاء فيها، فتصدق الآن، وتكذيبها قبل هذا لا يوجب تكذيبها في المحتمل الممكن.
2028 - ولو ادعى المخروص عليه تفاوتاً يقع مثله بين الكيلين، بأن يفرض [إيفاءٌ] 1 في كَرَّةٍ من غير قصد، واقتصاد في الأخرى، [مثل] 2 أن يقول الخارص: "مكيلةُ الرطب تمراً مائةُ صاع"، فإذا خرج تسعةً وتسعين، فقد يكال، فيخرج مائة في الكرة الثانية، فقد ذكر الصيدلاني والعراقيون وجهين في ذلك، وتصويرها: أن يزعم المخروص عليه أن هذا النقصان كان لزلل قريب في الخرص.
ويقول الخارص: بل هو لتفاوتٍ وقع في الكيل، وكان قد فات التمر 3 مثلاً.
فمن يُصدِّقُ المخروصَ عليه، فتأويله الحملُ على ذلك في الخرص.
ومن لم يصدِّقْه يقول: لم يتحقق النقص.
والذي أراه تصحيحُ الوجه الأخير.
ولكن توجيه الأول لا بد من الوقوف عليه.
فمن يصدقه يقول: قد يفرض كيل مع رعاية الاقتصاد 1، فلا يختلف أصلاً، وإن أعيد مراراً، فيقول المخروص عليه: قد اقتصدت، فنقص، فكان لأجل الخرص ما كان، فقد قال ممكناً، فصدّقه القائل الأول.
ولا ينبغي أن يعتقد الإنسان أن الكيل يتفاوت لا محالة.
فرع:
2029 - قال صاحب التقريب: الصحيح المنصوص عليه في الجديد أن الخارص يُدخل النخيل كلَّها في الخرص.
قال: وللشافعي قول في القديم: أن يترك لرب البستان نخلة، أو نخلات، يأكل ثمارها هو وأهله، ولا تكون النخلات محسوبةَّ عَليه.
قال: وهذا على مقابلة قيامه بتربية الثمار إلى الجداد، ثم على تعبه في التجفيف بعد الرد إلى الجَرِين.
ثم قال: ويختلف هذا باختلاف حال الرجل في قلة عياله وكثرتهم.
وهذا ضعيف مرجوع عنه، وفي المصير إليه تغيير القواعد في النُّصب والزكوات.
فصل 2
قال: "وإن أصاب حائطه عطش ... إلى آخره" 3.
2030 - إذا خُرصت الثمار، فأصاب الحائطَ عطش، ولو تركت الثمار على النخيل، لأضرت بها، ولو جُدّت على ما هي عليها، لأضر الجِدادُ بالمساكين؛ فإنهم لا يصلون من هذه الثمار إلى حقهم، قال رضي الله عنه: "ينبغي أن يرفع صاحب الحائط الأمر إلى الوالي"، ثم حق الوالي إذا تحقق عنده هذا أن يأذن في قطع الثمار؛ فإن النخيل [إذا بقيت] 4، رجع النفع في بقائها إلى المساكين في السنين المستقبلة، فالنظر لهم يقتضي هذا أيضاًً.
2031 - ثم إذا قطعت الثمار كذلك 1، فقد قال الشافعي: يؤخذ عشر الثمار، أو ثمَنُ عشرها حقاً للمساكين، وهذا اللفظ فيه تردد.
ونحن نذكر طرق الأئمة مذهباً، ثم لا يخفى تنزيل اللفظ عليها.
قال قائلون: إن قلنا: القسمةُ [إفراز] 2 حق، فيجوز إجراء القسمة في عين الرطب، وإن قلنا: القسمةُ بيع، فهذا يخرج على أن الرطب الذي لا يتأتى منه التمر، هل يجوز بيعُ بعضه ببعض؟ وفيه خلاف سيأتي في كتاب البيع، إن شاء الله تعالى.
فإن جوزنا بيع بعضه ببعض، جازت القسمة، وإن منعنا البيع، منعنا القسمة.
وهذا القائل يقول في نص الشافعي إنه تردّد منه وإشارةٌ إلى القولين.
فإذاً، إذا جوزنا القسمة، فلا كلام.
وإن منعناها -وحق المساكين ثابت 3 في عين الثمار- فالوجه تسليم جملة هذه الثمار إلى الساعي، حتى يصير قابضاً لمقدار حق المساكين؛ إذ ملكهم إنما ينحصر في هذه الثمار (4 إذا اتصل القبض بها، والقبض في المشاع إنما يجري بتسليم الكل، والقسمة ممتنعة على 4) هذا القول، فإذا تعين ملك المساكين بيع جميعُ الثمار وسُلم حصةُ المساكين في الثمن إلى الساعي.
ولو اشترى المالك حصة المساكين مشاعاً، جاز بعد جريان الإقباض كما ذكرناه.
فأما إذا ابتاعه من الساعي قبل تصوير الإقباض، أو فرض اشتراك الساعي، وربّ الثمار في بيع الجميع، فهذا غير جائز؛ فإن حق المساكين إنما يتعيّن وينحصر بالقبض، ونحن وإن قلنا: إنهم يشاركون ربَّ المال في جزءٍ استحقاقا، فلرب المال أن يوفي حقوقهم من مالٍ آخر، فلا يصلح ما نقدره لهم من الملك للتصرف.
نعم إذا جرى فيه القبض، تحقق الملك على الأقوال كلها.
2032 - وذكر صاحب التقريب طريقةً أخرى.
فقال: المحذور من القسمة في4
القول الذي انتهى التفريع إليه أنها بيعٌ، وبيع الرطب بالرطب ممنوع، في قواعد الربا، والربا غير معتبر 1 في المقاسمة التي تقع مع مستحقي الزكاة، فيجوز قسمةُ الرطب، وإخراج العشر منه، وإن كنا نمنع قسمةَ الرطب بين الشركاء؛ وذلك أن تعبدات الربا إنما تراعى في البَيْعات 2 الخاصة بين المتعاملين المتعينين، فأما تصرف الإمام لأقوام لا يتعينون، فلا يراعى فيه تعبدات الربا.
وقد يقع تصرف عام يمتنع إجراء مثله على الخصوص.
ثم زيف هذه الطريقة، وهي مزيفة.
والشارع لم يخصص تعبدات الربا بتصرف دون تصرف.
2033 - وذكر أئمة المذهب طريقة أخرى، فقالوا: لا مدخل للأبدال في الزكوات في أصل المذهب، ولكن إذا مست حاجةٌ ظاهرةٌ إلى إخراج البدل، حكمنا بجوازه.
وقد ذكرنا ترددَ الأصحاب في إخراج البدل عند مسيس الحاجة إليه، بسبب وجوب شقصٍ من حيوان.
فإذا تعلق حق المساكين بالثمار، وعسرت القسمة؛ تفريعاً على منع قسمة الرطب، وقد يتعذر البيع، فإذا أخرج من عليه العشرُ بدلاً، أجزأ، لهذه الحاجة؛ فإن الأصل الذي به استقلال الزكوات سدُّ الحاجات، فإن كان تَعبّدٌ 3 وراء حصول ذلك، فهو متبع، ولكن [لا] 4 يبعد سقوط ذلك التعبد لحاجة، وقد تمهد هذا مذهباً وخلافاً.
فإذاً يجوز إخراج القيمة في هذه الصورة إذا حكمنا بتعذر القسمة.
2034 - وذكر بعض الأصحاب وجهاً آخر، فقالوا: نحن وإن حكمنا بأن القسمة بيعٌ، فقد نجيزها للحاجة، حيث نمنع صريح البيع، وهؤلاء جوزوا قسمة الأوقاف للحاجة، وإن امتنع بيعها؛ فإذاً يجوز قسمة الثمار، وإن منعنا بيعها، تخريجاً على هذا.
2035 - ثم قال المحققون: إذا جوزنا أخذ الأبدال للحاجة، وجوزنا القسمة للحاجة، فالساعي إن شاء أخذ عُشرَ القيمة، وإن شاء أخذ عشر الثمر، وهذا القائل يحمل نص الشافعي على هذا المحمل، حيث قال: يأخذ الإمام عشرَ الثمر، أو عشرَ القيمة، فهذا يبتنى على جواز البدل، وجواز القسمة جميعاً.
ثم ما ذكرناه ليس تخيُّرَ تشهِّي 1، ولكن الإمام يرعى الأصلح والأغبط للمساكين.
ثم قد تمهد في باب زكاة الإبل أمثالُ هذا في التخيّر، وسبق الخلاف في أن اعتبار الغبطة واجب، أم يتخير المالك، كما يتخير بين الشاتين والدراهم في الجبران؟
وهذا يخرج على ذلك.
فإن فوضنا [الأمر إلى] 2 اختيار المالك، فليس عليه رعايةُ الغبطة، وإن فرضناه إلى نظر الساعي، فلا شك أنه يتعين رعاية المصلحة، وقد نقول: للمالك إخراجُ زكاة أمواله الظاهرة بنفسه، فننزله في التفريع منزلةَ الساعي في رعاية الغبطة.
فهذا بيان الفصل، وفي الفصل بقية ستأتي في آخر باب الزرع إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: "ومن قطع من ثمر نخلة قبل أن يحلّ بيعه ... إلى آخره" 3.
2036 - مقصود هذا الفصل أن صاحب الثمار إذا قطعها قبل بدو الصلاح والزهو، فله ذلك، ثم لا عشر أصلاً؛ فإن حق المساكين إنما يثبت عند بدو الصلاح، ولكن إن اتفق ذلك، ولم يقصد به الفرار، فلا حرج.
وإن قصد بذلك الفرارَ من حق المساكين، فلا يُرد تصرفه، ولكن يكره ذلك، وهو بمثابة بيع أموال الزكاة قبل حولان الحول.
وقد مضى القول فيه.
فصل
قال "وفي كلٍّ أحب أن يكون خارصان ... إلى آخره" 1.
2037 - في الخارص والقاسم قولان: ففي قولٍ، نقيمه مقام الشاهد، فلا بد من العدد، وفي قول نقيمه مقام الحاكم، فيكفي واحد.
ثم وإن اكتفينا بالواحد، فلا بد وأن يكون حراً عدلاً؛ فإنه بين أن يكون كالحاكم، وبين أن يكون كالشاهد، وما ذكرناه مرعيٌّ فيهما جميعاً.
وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً: وهو أنه إذا كان المخروص عليه طفلاً، أو كان فيهم طفل، فلا بد من خارصين، وإلا كفى خارص واحد، وقد ذكر مثلَ ذلك في القاسم، كما سيأتي إن شاء الله عز وجل.
فصل
قال: "ولا تؤخذ صدقةُ شيء من الشجر، سوى النخل والكرم ... إلى آخره" 2.
2038 - هذا الفصل يحوي ترتيبَ مذهب الشافعي في الجديد، فيما يتعلق العشرُ به، ثم إذا نجز، استعقب ترتيباً لمذهبه القديم.
فأما الجديد، فالكلام في الثمار والزروع، أما الثمار، فلا زكاة إلا في ثمرة النخل والكَرْم.
وأما الزروع، فقد قال الأئمة: لا تتعلق الزكاة إلا بكل ما يُقتات مع الاختيار، ويستنبته الآدميون قصداً، والغرض أنه لا عُشر في [البذور] 3 التي تنبت في
الصحارى.
وإن كانت أهل البادية يقتاتونها كالثُّفاء 1، فإن اقتياتهم لها عن ضرورة ومسيس حاجة.
والاقتيات المقرون بالاختيار يغني عن ذكر الاستنبات؛ فإنه ليس فيما لا يستنبت ما يقتات اختياراً، فالحنطة، والشعير، والرّز، والباقلاء 2، والحِمّص 3، والذرة، والماش 4، واللوبيا، أقواتٌ يتعلق العشر بها.
وأما السمسم وبزر 5 الكتان، فلا زكاة فيهما؛ فإن كل ما غلبت الدّهنية عليه لا تقوم النفس بتعاطيه.
ثم كل ما تتعلق الزكاة به في الجديد، فالنصاب معتبر به.
والنصاب خمسة أوسق، كما ذكرناه.
2039 - فأما ترتيب القديم، فكل ما تجب الزكاة فيه في الجديد، فترتيب القديم فيه كالجديد.
وفي القديم أشياءُ زائدة أثبت العشرَ فيها: منها الزيتون، أثبت فيه العشر، وزعم أني رأيت الناس عليه، فأشار إلى الاتباع.
وذكر في القديم أن قوماً من بني خفاش 6 أخرجوا كتاباً لأبي بكر رضي الله عنه، وكان أمرهم فيه بإخراج الزكاة عن الوَرْس، ثم تردد في صحة ذلك.
ثم قال: وإن وجب العشر في الورس، فلا يمتنع وجوبه في الزعفران.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق أنه كان ينقل قولين عن الشافعي في القديم أن العسل هل يجب فيه العشر على من يشتاره 1، سواء كان النحل له، أو يشتاره من المواضع المباحة.
ومما حكوْا فيه الترددَ في القديم التُّرمس، وهو لا يقتات على اختيار، وذكروا في ترتيب الجديد أنه لا يتعلق به العشر.
فهذا مما ذكر في القديم.
2040 - ثم لا مجال للقياس؛ فإن الشافعي اعتمد الآثار واتباعَ السلف، وكان يرى في القديم تقليدَ الصحابة، ولو كان يُحْتَمل القياس ويجوز، لكان السمسم والكتان من الزروع ملحَقيْن بالزيتون؛ إذ المقصود منهما الدهن، ولكن [لم يصر] 2 إلى ذلك أحد.
2041 - [ثم] 3 نقول: أما الزيتون، فالنصاب معتبر فيه، وهو خمسة أوسق، ثم عاقبة الزيتون الزيت، كما أن عاقبة الرطب والعنب التمرُ والزبيب.
وقد اضطرب الأئمة في ترتيب القديم في أن العشر يخرج من الزيتون أم من الزيت؟
وحاصل ما ذكره الأئمة ثلاثة أوجه: أحدها - أنه يتعين الإخراج من الزيت؛ فإنه النهاية المطلوبة كالتمر.
والثاني - أنه يتعين إخراج الزيتون؛ فإنه الموسَّق بلا خلافٍ في هذا الترتيب، ولا نقول بتوسيق الزيت أصلاً؛ فليؤخذ العشر مما يوسّق.
[و] 4 لما كان العشر مأخوذاً من التمر والزبيب، فالتوسيق يتعلق بهما.
والثالث - أن الخيار إلى المالك، إن شاء أخرج العشر من الزيتون، وإن شاء أخرجه من الزيت.
وعلى الوجوه الموسقُ الزيتونُ بلا خلاف، ثم إن أخرج من الزيتون، فلا كلام.
وإن أخرج من الزيت، فيسلم الزيت إلى المساكين.
والكُسبُ 1 الذي يتخلّف عن عصر الزيت ليس فيه نقلٌ عندي، ولعل الظاهرَ أنه يُسَلِّم نصيبَ المساكين إليهم، وليس كالقصيل 2 والتبن الذي يتخلف عن الحبوب؛ فإن الزكاة تجب في الزيتون نفسه.
ثم على المالك مؤنة فصل الزيت، كما عليه مؤنة تجفيف الرطب والعنب، ولا يجب العشر من الزروع إلا في الحب.
وفي المسألة احتمال.
فهذا تفصيل القول في الزيتون.
2042 - وأما الورس، ففيه على القديم قولان، [وفي الزعفران قولان
مرتبان] 3، وهو أولى بأن لا يجب العشر فيه؛ فإن الأثر 4 ورد في الورس، وقاعدة ترتيب القديم الاتباع، فالزيتون في القديم في رتبة مقطوع به، وفي الورس تردد، والزعفران أبعد منه.
ثم إن أوجبنا العشر في الورس والزعفران، فالظاهر أنه يجب في القليل والكثير، ولا يعتبر التوسيق فيه.
وذكر الإمام 5 وغيره أنه يعتبر النصاب فيه؛ طرداً للقياس في الباب، ووجه قول من قال: لا يعتبر النصاب، أن هذه الأشياء يبعد أن يجتمع لمالكٍ واحد منها في السنة خمسةُ أوسق.
وقد نقل مطلقاً أخْذُ العشر من الورس، فدل ذلك على أنه كان يؤخذ من القليل والكثير.
والعسل أبعد الأشياء.
نقله العراقيون.
وأرى القول فيه تقريباً من جهة الرأي، من حيث إسناد إلى أثر.
وكذلك الترمس، وهو -فيما أظن- حبٌّ ببلاد الشام، قريب الحجم من اللوبيا، ولا يقوتُ بل يَهيج الباه.
ونقل العراقيون أيضاًً تردداً في العُصفُر.
وقد لاح الغرض في ترتيب الجديد والقديم.
وذكر الصيدلاني أن في حب العصفُر العشر في القديم.
والله أعلم.
باب صدقة الزروع
"ذكر الشافعي رحمه الله في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 1 [الأنعام: 141] ... إلى آخره".
2043 - قد تقدم الكلام فيما يتعلق العشر به من الزروع، والتفريع على الجديد، ولا عود إلى القديم، وكل قول قديم عندي مرجوعٌ عنه، غيرُ معدود من المذهب.
ومقصود الباب أن أجناس الحبوب إذا اختلفت، لم تضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فلا تُضمُّ حنطة إلى شعير، ولا خفاء بما يختلف، وإنما ننصُّ على مأخذٍ يخفى، فالعَلَسُ 2 نوع من الحنطة مضموم إلى كل نوع، وقيل هو حنطةٌ بالشام، حبّتان منه في كِمامٍ 3 واحد في السنبلة.
هذا متفق عليه.
فأما السُّلْت 4، فقد اضطربت الطرق فيه، فقيل: إنه على صورة الشعير، ولكن لا قشر له، وطبعه طبعُ الحنطة إلى الحرارة 5، كذا قاله الصيدلاني.
وقد اختلف أصحابنا فيه، فذكر شيخنا أبو علي في شرح التلخيص أوجهاً عن صاحب التقريب، قد رأيتها في كتابه: أحدها - أنه مضموم إلى الشعير، وهو ما يقطع به شيخي نظراً إلى تقارب الصورة.
والثاني - أنه مضموم إلى الحنطة، لأنه يسد مسدها.
والثالث - وهو الذي قطع به الصيدلاني أنه أصل بنفسه، لا يضم إلى الحنطة،
ولا إلى الشعير.
ولكن إن بلغ في نفسه خمسة أوسق، وجب العشرُ فيه.
وما أرى السُّلتَ النوع الذي يسمى بالفارسية (ترشرجو) 1؛ فإنه شعير على التحقيق، قد تَضْرَس منه البهيمة، وليس في معنى الحنطة.
وما عندي أن السُّلتَ المذكور في الكتب موجودٌ في هذه الديار.
2044 - ثم أخذ الشافعي في الاعتراض على مالك 2 حيث رأى ضم ما سوى الشعير والحنطة بعضه إلى بعض، وما سواهما من الحبوب: كالباقلاء، والحِمّص، والعدس، وغيرها.
مما يقوت يسمى القِطْنية 3.
وقال الشيخ أبو علي: إن ضممنا السُّلتَ إلى الحنطة، فلا يجوز بيعُه بها متفاضلاً، وإن ضممناه إلى الشعير، لم يجز بيعه به متفاضلاً، وإن قلنا: إنه أصل بنفسه، فيجوز بيعه بالحنطة، والشعير، جميعا متفاضلاً، ولا شك فيما قاله.
فصل
قال: "ولا تؤخذ زكاة شيء مما يَيْبَس ويداس ... إلى آخره" 4
2045 - العشرُ إنما يخرج من الحبوب إذا يبست، وديست، ونُقَيت؛ فإنها عند ذلك توسق، ثم قال: "وهذا كما أن العشر لا يؤخذ من الرطب ولا من العنب، حتى يصير تمراً وزبيباً، فلو أخذ الساعي عشرَ الرطب والعنب، وكانا يقبلان التجفيف فالمؤدَّى لا يقع عن الفرض، وعلى الساعي أن يرده، ويطلب حقَّ المساكين تمراً وزبيباً، ولو تلف في يده، يضمن قيمته للمالك" 5، وهذا واضح فيما ينتهي إلى التمر والزبيب.
فأما ما لا يتأتى منه التمر والزبيب ولو جَفَّا، فسدا، فحكم الزكاة الأخذُ منه، فإنه المنتهى، وليس يُرقب فيه جفاف، ولكن لو أخذ الساعي العشر، كان ذلك قسمةً في الرطب، وقد ذكرنا أن قسمة الرطب قد لا تصح.
والتفصيل فيه: أنّا إذا قلنا: القسمة إفراز حق، فيجوز ذلك، والوجه إخراج العشر منه.
وإن قلنا: القسمة بيعٌ، ففي بيع ما لا يقبل الجفاف بمثله خلاف، وإن جوزنا البيعَ، جازت القسمة، وإن لم نجوز البيعَ، فقد تقدم التفصيل في القسمة فيما تقدم، حيث ذكرنا جداد الثمرة التي أصابها عطش.
فإذا كان جنس الرطب بحيث لا يجفف، فهو بمثابة ما لو صار كذلك بآفةٍ وعطش.
وفي ذلك عندي بقيةُ نظر: وذلك أنا إذا قلنا: لا يستحق المساكين جزءاً من المال، فليس تسليم جزء إلى الساعي قسمةَ عندي، بل هو أداء حق 1 المساكين، سِيما إذا غلَّبنا الذمةَ، والتعلقَ بها، فلا يؤثِّر الإشكال في القسمة إلا على قولنا: إن المساكين يستحقون جزءاً من المال.
وهذا مما يجب التنبّه له، وهو الذي وعدناه في آخر فصل العطش.
والله المستعان.
...
باب الزروع في الأوقات
قال الشافعي: "الذرة تزرع مرة، فتحصد ... إلى آخره" 1.
2046 - هذا اللفظ الذي صدر الشافعي البابَ به، قد اختلف الأصحاب في معناه.
ونحن نذكر أصلاً في الزروع، ثم نعود إلى بيان قول الأصحاب في معنى كلام الشافعي؛ فنقول:
من زرع زرعاً وحصده، ثم ابتدأ زرعاً من ذلك [الجنس] 2 بعد حصاد الأول، فإذا أدرك الزرعُ الثاني، فهل يُضم إلى الزرع الأول في تكميل النصاب، أم يفرد كل زرع بنفسه؟
2047 - أولاً نجدد العهد بما تقدم ذكره في ثمار الأشجار، فنقول: لم يختلف الأئمة في أن النخلة إذا أثمرت وجُدّت ثمرتُها، ثم إنها أطلعت مرة أخرى، فأثمرت، فلا تضم الثمرةُ الثانية إلى الأولى، وإن وقعت الثمرة في أقل من مدة سنة.
هذا لا خلاف فيه.
وكذلك لو أثمرت نخلةٌ وجدّت، ثم أطلعت نخلةٌ أخرى بعد جِداد الأولى، وإن جرى الأمران في سنة واحدة، فلا تضم ثمرةُ النخلة الثانية إلى ثمرة النخلة الأولى، وقد سبق هذا.
2048 - فإذا تجدد العهد بما ذكرناه في ثمار الأشجار، خُضنا في الزروع، فنقول: إذا اتفق وقت الزراعة ووقت الإدراك، واتحد الجنسُ، فلا شك أن بعض الزروع مضموم في النصاب إلى البعض، اتصلت المزارع أو تباعدت.
فأما إذا اختلفت تواريخ الزراعة، واختلفت أوقات الإدراك، فهل يضم بعضها إلى
بعض؟ نص الشافعي على خمسة أقوالٍ ذكر أربعةً منها وِلاءً 1. وذكر قولاً خامساً في الكبير، فنذكر الأقوال الأربعة المنصوص عليها هاهنا، ثم نذكر القول الخامس، ثم نُعقب ذكر الأقوال بتفصيل الصور، وتمييز مواضع الوفاق، عن مواضع الخلاف.
فالقول الأول - أن من زرع زرعاً وحصده ثم ابتدأ زرعاً آخر وحصده، فلا يضم أحد الزرعين إلى الآخر، وإن اجتمع الزرعان، والحصادان في سنة واحدة، ويتنزل الزرعان منزلة حَملين لشجرة واحدة، يقع طلع إحداهما بعد جداد الآخر.
والقول الثاني - أنه إن وقع البذاران، والحصادان في سنة واحدة، فأحدهما مضموم إلى الثاني، وذلك بأن يكون ما بين الزراعة الأولى وبين الحصاد الآخر أقل من سنة عربية؛ فالبعض مضمومٌ إلى البعض؛ فإن هذه الزروع تقدر مع سنة، وإن كان بين الزراعة الأولى وبين الحصاد من الزرع الثاني سنةٌ، فصاعداً، فقد وقع الحصاد بعد انقضاء السنة، فلا يضم الزرع الثاني إلى الأول إذا فرضنا الكلام في زرعين.
والقول الثالث - أن النظر إلى البَذْر، ولا اعتبار بالحصد، فإذا كان بين الزراعة الأولى والثانية أقل من سنة عربية، فالزرع مضمومٌ إلى الزرع، وإن وقع أحد الحصدين وراء السنة من تاريخ الزراعة، ووجه ذلك أن الذي يتعلق بالاختيار والفعل الزراعة، والحصد لا اختيار في دخول وقته، وهو مختلف على حسب اختلاف الأهوية.
القول الرابع - أن الاعتبار بالحصد؛ فهذا منتهى الأمر، وفيه استقرار الواجب، فإن وقع الحصدان في سنةٍ، وكان الزمان المتخلل بينهما أقلَّ من سنة عربية، فأحدهما مضموم إلى الثاني، ولا نظر إلى الزراعة، وإن كان بين الحصدين سنة، فلا يُضم أحدهما إلى الثاني.
فهذا بيان الأقوال الأربعة المذكورة هاهنا.
ونصَّ عَلى قولٍ خامس في الكبير، فقال: إن وقع البذران في سنة، أو وقع الحَصْدان في سنة، فأحدهما مضمومٌ إلى الثاني.
وهذا بعيد جداً، ويلزم فيه ألا يفرض زرعان على الاعتياد في سنتين، إلا ويضم
أحدهما إلى الثاني، فإن زرع سنةٍ، إذا حصد فتمضي أشهرٌ، ويُبْتَدأ الزرع الآخر لا محالة، فلا يقع بين الحصاد والزراعة -إذا لم تعطل السنة- سنةٌ كاملةٌ.
فهذا بيان الأقوال وحكايتها.
2049 - وتمام البيان يحصل بما نذكره الآن.
فالصورة التي تجتمع فيها الأقوال: أن يُزرعَ زرعٌ ويحصد، ثم يُزرع زرعٌ آخر، فتجتمع الأقوال التي ذكرناها.
ويتعين في هذا المقامِ التنبّه لشيء، وهو أنا حكينا الوفاق بين الأصحاب في أن حمل نخلة لا يضم إلى حمل تلك النخلة بعينها، إذا اتفق حملان في سنة، وكذلك أجمع الأصحاب أن نخلةً لو أطلعت بعد جداد ثمرة نخلةٍ، فلا ضم.
والزرع في هذه الصورة على الأقوال، والفرق يرجع إلى العادة؛ فإن 1 توجيه هذه الأقوال يرجع إلى المناقشة في حكم العادة، وإلا فالأصل المتبع [أن] 2 ما يُعدّ رَيْع 3 سنة فالأصل فيه الضم.
ثم اختلاف تاريخ الزراعات معتاد مطرد، وكذلك اختلاف أوقات الإدراك معتاد غير مستبعد، فأما تعدّدُ حملِ نخلةٍ بعد جداد الأخرى، [فمقدّرٌ] 4 غير واقع، أو نادرٌ في الوقوع؛ [فلذلك] 5 اتفق الأئمة على أن لا ضم؛ فإن النادر بعيدٌ عن التوقع، وواقعُه غير معدود من الريع 6 المتوقع في السنة الواحدة؛ فهذا هو الذي أوجب الوفاق في إحدى القاعدتين، والاختلافَ في الأخرى.
وقد تنجز القول في صورةٍ تجري فيها الأقوال في الزروع.
2050 - ولو اختلفت الزراعات في الأوقات، ولكن سبب التفاوت الضرورةُ في تدريج الزراعة، كالذي يبتدىء الزراعة في مبتدأ شهر، ثم لا يزال يواصل إلى
شهرين، على حسب الإمكان، فهذه الزروع تعدّ زرعاً واحداً، بلا خلاف؛ فإن الزرع الواحد هكذا يفرض، وإذا كان منشأُ الخلاف من تردد أهل العادة (1 إذا روجعوا، فحيث يتفق أهل العادة 1) يزول الاختلاف، ثم إذا تواصلت الزراعة، فيقع إدراك الجميع في أزمنةٍ متقاربة، حتى إذا كان بين الزرع الأول والزرع الأخير شهران، فإنهما قد يدركان معاً، وقد يقع بين الإدراكين أيام معدودة، لا مبالاة بها.
وإذا اتفق الزرعان معاً أو على التواصل كما ذكرناه، ولكن اتفق إدراك أحدهما والثاني بعدُ بَقْل، لم يبدُ فيه الاشتداد في الحب، فللأئمة طريقان في ذلك: أحدهما - التخريج على الخلاف.
وهذا بعيد.
والوجه القطع بالضم، والإلحاقُ في ذلك ظاهر، ولكنه مرتب على ما إذا حُصد زرع، ثم ابتدىء زرعٌ آخر، ولو زُرع زرع وبدا فيه اشتداد الحب فابتدىء زرعٌ آخر، فالصورة الأخيرة أولى بالضم.
2051 - ونحن نعدّد الصور: فإن وقع زرع بعد حصدٍ، فالقولان.
وإن وقع زرع بعد بدوّ الاشتداد في [الأول] 2، فعلى الأقوال، مع ترتيبٍ.
وإن وقعت الزروع متواصلةَ، فسبق البعضُ بالإدراك، ولم يبدُ الاشتداد في البعض، فطريقان، والأصح القطع بالإلحاق والضم؛ فإن ذلك يُعدّ زرعاً واحد.
فإن قيل: إذا تأخر بدو الصلاح في بعض النخيل، فالموجود المطلَع مضموم إلى المزهي وفاقاً، وإن كان ثمار النخيل أبعد عن الضم.
قلنا: لهذا قلنا: الوجه في الزروع القطع بالضم، ثم الفرق أن الذي تأخر عن الإدراك حشيش، وحق المساكين متعلق بالحبّ، ولم يخلق بعد، وثمار إحدى النخلتين وإن لم تزه، فالزكاة ستتعلق بعينها إذا تموّهت 3، فالعين موجودة، وإنما تخلّفت صفة، والصائر إلى الاختلاف في الصورة التي ذكرناها في الزروع آخراً أبو إسحاق المروزي، فلو أدركت قطعة1
والأخرى بدا فيها اشتداد الحب، وقد وقعت الزراعة على التواصل، فالضم بلا خلاف، ولو أدركت قطعة وقد بدا الحب في قطعة، ولم يبد التماسك والشدة [بعدُ] 1، فهذا الآن كثمرة مطلَعة مع أخرى مدركة، فليبتدر 2 الناظر الصور؛ فإن مدار الفصل عليها.
2052 - فإذا بان هذا الأصل في الزروع، عُدنا إلى شرح اللفظ الذي صدَّر الشافعي البابَ به.
فقال: "الذرة تزرع مرة، فتحصد، ثم تستَخلِف، فتحصد مرة أخرى، فهو زرع واحد، وإن تأخرت [حَصْدَتُه الأخرى"] 3 هذا كلامه.
واختلف أئمتنا في الصورة التي أرادها (5 الشافعي، فقال بعضهم: كلامه محمول على الذرة التي نسميها الهندبة 4 إذا أخرجت سنابلها، فقطعت فتَشْعَب من أصولها أغصان وأخرجت سنابل، فالكل زرع واحد، والأخير مضموم إلى الأول.
ومنهم من قال: الصورة التي أرادها 5) أن تتسنبل الذرة، فتشتد؛ فينتشر من سنابلها حبات، بتحريك الرياح، أو وقوع العصافير، فينبت منها زرع، فيُفرِك الأول، ثم يدرك الثاني من بعد.
ومنهم من قال: أراد إذا زرعت الذرة، فعلا بعضها، واحتوى على البعض، فبقيت الطاقات الصغار تحت الكبار مخضرة، فأدركت الطوال، ثم كبرت الصغار، وقد حُصدت الكبار.
فهذا بيان الصور.
2053 - ونحن نذكر اختلاف الأصحاب في كل صورة من الصور: أما الأول إذا حصدت السنابل، ونبت بعد الحصد أغصان، ثم لحقت وأدركت، فللأصحاب ثلاثةُ أوجه في هذه الصورة: أحدها - أن الثاني لا يضم إلى الأول وجهاً واحداً، وهذا5
القائل يأبى حمل كلام الشافعي على هذه الصورة.
(1 ويقول: ما لحق في هذه الصورة 1) ثانياً على صورة الحمل الثاني من الشجرة بعد جداد الحمل الأول، فالوجه القطع بأنه لا إلحاق.
ومن أصحابنا من قال: هذه الصورة بمثابة ما لو حُصد زرع، ثم زرع آخر، فيخرج على الأقوال.
ولكن ثَمَّ في الأقوال انتظر ما بين الزرعين، وهاهنا ينتظر ما بين الزرع الأول ونبات الثاني.
ومن أصحابنا من قال: نضم الثاني إلى الأول قولاً واحداً في هذه الصورة، وهذا القائل يحتاج إلى فَرْقين: أحدهما - بين الذرة والنخيل، والفرق أن النخلة ثابتة والأحمال رَيْعُها المتدارك، فكل رَيْع مفصول عما تقدمه، وعما يتأخر عنه، والذرة زرع، لا بقاء له، وإنما هو ريع واحد في نفسه، فإن تأخر بعضُه عُدّ كالشيء الواحد.
فهذا فرق.
والفرق الثاني - بين هذه الصورة وبينها إذا زرع زرع بعد حصادِ آخر، فنقول: هما زرعان، فَفُصِل أحدهما عن الآخر، والزرع واحد في مسألتنا، ولكن تفرق ريْعه؛ فيضم بعضه إلى البعض.
فهذا بيان هذه الصورة.
وأما الصورة الثانية: وهي إذا تنثرت حبات، ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - أن هذا كافتتاح زرع بعد إدراك زرع، فيخرج على الأقوال.
والثاني - أنا نضم هاهنا قولاً واحداً؛ فإن الثاني لم يقصد زراعته، ولكن اتفقت تبعاً للأول، فهو ملحق به، والجملة معدودة زرعاً واحداً.
فأما الصورة الثالثة وهي إذا كان بعض الطاقات كباراً، وبعضها صغاراً، فالذي قطع به جماهير الأصحاب الضمُّ، ولم يصر إلى الإفراد في هذه الصورة أحدٌ إلا أبو إسحاق المروزي، على ما تقدم شرح ذلك.
...1
باب قدر الصدقة
قال: "بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلى آخره" 1.
2054 - صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب فيما سقت السماء العشر، وفيما سُقي بنضح أو دالية نصفُ العشر 2 واتفق الأئمة أن ما يسقيه نهرُ وادٍ، أو قناةٍ، فهو بمثابة ماء السماء، وإن كانت المؤن قد تكثر على القنوات، وتقرب من مؤنة النضح.
والسقيُ بالدَّلو الذي ينتزحه النواضح، والناعور الذي يديره الماء بنفسه على وتيرة واحدة، فإن كلاهما 3 تسبُّبٌ إلى النزح.
ثم القول في الثمار والزروع واحد.
ولو سُقي بالنهر مدة، وبالنضح مدة، وبني الأمر على هذا، ففي المسألة قولان - أحدهما - أن الاعتبار بالأغلب منهما؛ فإن غلب السقي بالنهر، فالواجب العشر، وإن غلب السقي بالنضح، فنصف العشر.
والقول الثاني - أنا نعتبرهما جميعاً، ونوجب بحساب العشر ونصف العشر، على ما يقتضيه التقسيط، حتى إن سقي نصف السقي بالنهر، ونصفه بالنضح، فنوجب
نصف العشر، ونصف نصف العشر، والمجموع ثلاثة أرباع العشر.
وهذان القولان يقربان من اختلاف القول فيه إذا اختلفت أنواع النَّعَم، فيخرج الزكاة من الأعم، أو من كل بقسطه؟ فيه قولان.
2055 - ثم الاعتبار في معرفة الأغلب، أو معرفة الأقدار ليجب في كلٍّ بقسطه بماذا؟ فعلى وجهين: أحدهما - الاعتبار بعدد السقيات، فإذا وقعت سقيتان بالنهر وسقيةٌ بالنضح، فالغلبة على قول اعتبار الغلبة للنهر، وإن أوجبنا في كل بقسطه (1 ضبطنا مقدار كل واحد كما سنصفه، وأوجبنا فيه بقسطه 1).
واختلف أئمتنا في أن النظر إلى ماذا في اعتبار الأغلب [أو] 2 في بيان المقدار للتقسيط، فمنهم من قال: الاعتبار بعدد السقيات، ولا يعتبر طول الزمان وقصره، ومنهم من قال: الاعتبار بما به نموُّ الزرع والثمر وبقاؤه، فإن جَرَتْ ثلاث سقيات في شهرين، وسقيةٌ واحدة في أربعة أشهر، فالذي وقع في الأربعة الأشهر أغلب.
وعبر بعض أئمتنا بعبارة أخرى، وهي قريبة مما ذكرناه آخراً، فقال: النظر إلى النفع، فإن كان نَفْعُ سَقْيةٍ واحدةٍ أكثر، وكانت أنجعَ من سقيات من جهةٍ أخرى، فالعبرة بالنفع.
وهذا ينفصل عن الذي قبله بشيء، وهو أن القائل قبل هذا القول يعتبر المدة [كما] 3 ذكرناه في الشهرين والأشهر.
وهذا القائل الأخير لا ينظر.
إلى المدة، وإنما 4 ينظر إلى النفع الذي يحكم به أهل الخبرة والبصيرة.
ومما يتصل بما ذكرنا أنه إذا استوى السقي بالوجهين على الوجوه في الاعتبار والتفريع على التقسيط، فالأمر هينٌ بيّن، وإن فرعنا على الأغلب، وقد استوى الأمران، فللأصحاب وجهان: أحدهما - أنا نوجب العشر نظراً للمساكين، وقال العراقيون: نرجع من قول التغليب إلى التقسيط؛ إذ ليس أحدهما أغلب من الثاني،1
وهذا منقدحٌ، فإن أشكل الأمر، فلم يُدر الأغلب أيهما، فقد حكي عن ابن سريج أنه قال: يُجعل كما لو استويا إذا تقابل الأمران، فكان ذلك كما لو صادفنا داراً في يد رجلين، فكل واحد منهما يدّعي أن جميع الدار له، فنحكم بأن يد كل واحد منهما ثابتةٌ على نصف الدار.
ثم قد ذكرنا حكم الاستواء إذا تحقق، ولا وجه في حالة الإشكال إلا ما ذكروه عن ابن سريج.
ومما يجب العلم به أنا إذا اعتبرنا السقيات، فلا شك أنا نراعي سقياً يفيد، فأما سقية لا تفيد أصلاً، فلا اعتبار بها، وكذلك إذا أضرت.
فرع:
2056 - إذا كان بناء الزرع والنخيل على السَّيْحِ، والنهر، وماء السماء، فمسّت الحاجةُ إلى النضح، على الندور، فقد ذكر بعض أصحابنا في هذه الصورة أن الاعتبار بالسيح، والنضحُ مطَرحٌ، وهذا ضعيفٌ، لا أصل له.
والصحيح أنه معتبر إذا جرى، ثم تفصيله ما ذكرناه.
2057 - ومما يتعلق به تمامُ البيان أن التعويلَ لو كان على السَّيْح، فجرى السقيُ بالنضح، وقلّ قدرُه، فقد شُبّه ذلك بالعلف، إذا جرى نادراً في بعض السنة، حتى يقال: لا يُسقط حكمَ السوم، (1 ولكن بين الأصلين [فرقٌ] وهو أنه إذا جرى العلف في نصف السنة، والسَّوْم في نصف السنة، فالمذهب المتبع سقوط السوم 1) بالكلية، وفي النضح والسيح لا نقول هكذا؛ والسبب فيه أن في السيح والنضح جميعاً زكاة، وإنما الكلام في المقدار، فاتجه التوزيع، أو التغليب.
والعلف موجَبه إسقاط الزكاة.
على أنه كان من الممكن أن يسقط نصفُ الزكاة، ويجب نصفها نظراً إلى السَّوم والعلف [ولكن لم يصر إلى هذا أحد، وقيل: كأن الزمان الماضي في العلف] 2 المعتبر غيرُ منقضٍ من الحول، بل قيل هو غير محسوب، وزمان السوم قبله يُحبَط ويُسقَط، حتى إذا جرى سَوْمٌ بعد العلف، استأنفنا الحول، وجعلنا تخلّل العلف1
المعتبر على التفصيل المقدم، كتخلّل زوال الملك، في أثناء الحول.
وما ذكرناه في هذا الفرع فيه، إذا كان البناء على السيح، فوقع النَّضح نادراً، (1 أو كان البناء على النضح، فوقع السيح نادراً 1)، فأما إذا كان البناء عليهما، فلا شك في اعتبارهما إما تغليباً، وإما تقسيطاً.
واعتبار العلف والسوم جمعاً بين الإسقاط والإيجاب لا سبيل إليه.
نعم.
قد ذكرنا عن صاحب التقريب وجهاً غريباً في السوم أن الاعتبار بالغالب، وهو مزيّف كما تقدم.
فرع:
2058 - إذا كان رُطبُه لا يقبل التجفيفَ، وإن جفف يفسد، وكذلك العنب، فقد سبق التفصيلُ في المأخوذ منه، والذي نذكره الآن أن الأئمة اختلفوا في كيفية الأوسق: فذهب بعضهم إلى أنا نقدر الجفاف على الفساد، فإن بلغ جافاً خمسةَ أوسق، أوجبنا العشر في المقدار الذي لو جف، لكان خمسة أوسق، وإن كان الرطب خمسة أوسق في نفسه، لم نوجب العشر.
ومن أئمتنا من قال: لا نقدر الجفاف -وهو الأصح- ولكنا نقول: إذا بلغ الرطب الذي وصفناه، أو العنب خمسةَ أوسق، وجب العشر، وإن كان جافاً لا يبلغ هذا المبلغ وينقص نقصاناً ظاهراً.
فصل
قال: "وأخْذُ العُشر أن يكال للمالك ... إلى آخره" 2.
2059 - سبيل إخراج العشر أن يكيل تسعة للمالك، وواحداً للمساكين، وتقع البداية بالمالك؛ فإن نصيبه أكثر، وبتسلّم حقِّه، يبين حقُّ المساكين.
وإن كان الواجب نصفَ العشر، يكيل للمالك تسعةَ عشر، وللمساكين واحداً.1
فصل
قال: "وهكذا العشر مع خراج الأرض ... إلى آخره" 1.
2060 - القول في الخراج يتعلق بالسِّير، والجزية.
والخراج الثابت على أراضي العراق -من ضرب عمرَ رضي الله عنه- في حكم الأجرة عندنا في ظاهر المذهب، أو في حكم ثمن مؤجلٍ لرقاب الأراضي، وكيفما فرض العشرُ يثبت معه؛ فإن من استأجر أرضاً وزرعها؛ فإنه يؤدي الأجرةَ، ويلزمه العشر في زرعه، ْ خلافاً لأبي حنيفة 2.
2061 - وأما الخراج الذي يضربه الإمام على أراضي الكفار، فهو جزية عندنا، يسقط بإسلام مالك الأرض، سقوط الجزية.
وفي بعض التصانيف أن الإمام لو رأى صرفَ العشر إلى خراجٍ يضربه على أراضي المسلمين، فاجتهاده فيه نافد عند أبي زيد المروزي، وهذا ساقط، غير معتد به.
وفساده واضح.
...
باب صدقة الوَرِق
1
قال: "روى أبو سعيد الخُدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة ... إلى آخره" 2.
2062 - روى أبو سعيدٍ الخُدري هذا الحديث 3. والأوقيةُ أربعون درهماً، وخمسُ أواق مائتا درهم، والاعتبار بوزن (4 مكة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الميزان ميزان 4) مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة" 5. ثم نتكلم بعد ذلك في تحقق الوزن، وفي الدراهم المغشوشة.
2063 - فأما تحقيق الوزن، فنقول: لو نقصت من المائتين جبة، فلا زكاة إذا تحقق النقصان، ردّاً على مالك 6؛ فإنه قال: إذا نقص نقصاناً [تجوّزنا] 7 معه بالمائتين في المعاملة، ولم يكن ذلك النقصان مما يُحْتَفل به، فالزكاة واجبةٌ.
وهذا مردود عليه، من جهة أن النصاب تقديرٌ شرعي، والزكاة متعلقة بالعين، وقد تحقق النقصان.4
2064 - ثم ذكر الصيدلاني في كتابه 1 لفظاً مشكلاً، وأنا ناقله، قال بعد الرد على مالك، فيما ذكرناه: "فأما التفاوت بين الميزان، فلا حكم له؛ فإذا خرج بأحد الميزانين مائتا درهم، وجبت الزكاة".
هذا لفظه في الكتاب.
وأنا أقول: إن أراد بهذا أن ينقص بميزان ويخرج بميزان آخر مائتين، وهذا لفظه، فليس على ما يقدره؛ فإنا لا نأمن أن يكون الميزان الذي وفى به مختلاً، والميزان الذي نقص به كان قويماً، فإيجاب الزكاة تعويلاً على الوزن الوافي إيجابٌ على تردد، والأصل براءة الذمة عن الزكاة، فلا نشغلها إلا بيقين.
وإن أراد بذكر الميزانين تكرير الوزن، فإن المقدار قد يتفق نقصانه في الظن، في وَزْنةٍ، ثم يتأنَّق الوازن، فَيَفي في كرةٍ أخرى.
وهذا الذي يقوله 2 الفقهاء: "النقصان بين الكيلين لا حكم له".
وكذلك ما يقع بين الوزنين.
وهذا إن أراده، فهو غير متابَع عليه، (3 فإن الوزن حاضر، فإن التبس أمرٌ في كرة، أمكن أن يتثبت في الوزن مراراً حتى يَبين أن ذلك النقصان عن سوء فعل الوازن، ويتوصل في هذا إلى اليقين، الذي لا مراء فيه، فالاكتفاء بالوزن الوافي من غير تثبت مع القدرة عليه 3) لا معنى له.
وبالجملة النصاب مقدر، ودرك اليقين ممكن، وإيجاب الزكاة بالشك لا سبيل إليه.
2065 - ومما يتعلق بالغرض في هذا أن النصاب نُقْرة 4 خالصة.
ولو كانت الدراهم مغشوشة، فإن بلغت النُّقرة التي فيها خمسَ أواق، وجبت الزكاة، وإلا فلا3