نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 379-406
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات

صفحات 379-406
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وهذا يناظر 1 قولَنا في الوكالة، وإذا فرّعنا على أن القبول ليس شرطاً فيها، فلا شك أنها ترتد بالرد، وقد فصلنا ذلك في الوكالة.
وتصوير الرد في الوكالة على الغرض الذي نريده [عسر] 2 مع أن الوكيل بعد قبول الوكالة لو رد الوكالة، لكان رده لها فسخاً، والوكالة جائزة على أي وجهٍ فرضت.
5763 - وما ذكرناه [من] 3 القبول والرد إنما يجري في البطن الأول.
فأما إذا استقر الوقف بقبول من في البطن الأول، ثم انقرض، وانتهى إلى البطن الثاني، فلا يشترط القبول ممن في البطن الثاني، على المسلك الصحيح؛ فإن اشتراط القبول منهم، مع استئخار الاستحقاق في حقهم عن الوقف غيرُ متجه، وشرط القبول الاتصال.
وأبعد بعض أصحابنا، فاشترط القبول في كل بطن، وجعل استئخاره عن الوقف بمثابة استئخار قبول الموصَى له الوصية عن وقت الإيصاء.
فإن لم يُشترط القبول، فهل يرتد الوقف بردهم؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يرتد، فإن إلزامهم حقاً لهم في المنفعة والرقبة بعيدٌ عن القياس.
والثاني - أنه لا يرتد بردهم؛ فإنهم دخلوا في الوقف تبعاً على وجه البناء، فكانوا بمثابة الورثة الذين يملّكهم الشرع إرثاً، ولو أرادوا دفْعَ الملك عن أنفسهم، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً.
وهذا كأنه يلتفت على خلاف الأصحاب في أن البطن الثاني يتلقَّوْن الاستحقاق من البطن الأول تلقِّي الوارث من المورث، أو يتلقَّوْنَه من الواقف؟ وفي ذلك وجهان: فإن نزلناهم منزلة الورثة، لم يبعد أن يلزم الوقفُ في حقهم.
وإن حكمنا بأنهم يتلقَّوْن من الواقف، فينبغي أن يرتد الوقف بردّهم.
وعلى هذا الأصل أجرى الأصحاب الخلافَ بأن من في البطن الأول إذا أجَّر الوقفَ، ثم مات في أثناء المدة، فالإجارة هل تنفسخ بموته، أو تبقى إلى منتهى المدة؟ وقد ذكرنا هذا في كتاب الإجارة.

5764 - هذا إذا فرعنا على أن القبول غيرُ معتبر [في البطن الثاني.
فإن اعتبرنا قبولهم] 1، أو قلنا: يرتد الوقف بردهم، فهذا يتضمن انقطاع الوقف في جهة الآخِر، إذا لم يقبلوا أو ردوا.
وقد مهدنا أصل انقطاع الوقف في الآخر.
ونحن نقول هاهنا: إذا انتقض الوقف في حق البطن الثاني بردّهم، أو لم يثبت بعدم قبولهم، ففي المسألة خلاف بين الأصحاب في أن الوقف هل يبقى على الجملة؟ منهم من قال: لا يبقى، بل ينقطع، وهو ظاهر القياس، ومنهم من قال: إنه يبقى؛ فإن الوقف قد ثبت بقبول من في البطن الأول، وحق الوقف إذا ثبت ألا ينقطع.
فإن قلنا: إنه لا ينقطع، فقد اختلف أصحابنا في مصرفه: فمنهم من رأى ردَّ البطن الثاني، أو عدم قبولهم بمثابة الانقراض منهم، حتى ينقل استحقاق الوقف إلى البطن الثالث.
ومنهم من لم يجعل ذلك بمثابة انقراضهم، فإن جعلنا ذلك كالانقراض، نظرنا في البطن الثالث إذا كانوا موجودين، وفرعنا قبولهم وردهم، وإن لم نجعل ردّ من في البطن الثاني بمثابة الانقراض، فتعود الأقوال في أن الوقف يصرف إلى أية جهة؟ ففي قولٍ نصرفه إلى الأقربين، وفي قولٍ إلى المساكين، وفي قولٍ إلى المصالح العامة.
فإن صرفنا إلى المصالح، أو إلى المساكين، استقر الوقف في الجهة؛ إذ لا قبول في الوقف على الجهات، وإن صرفنا إلى الأقربين، فيعود التفريع في قبولهم وردّهم، فإن قبلوا، فذاك، وإن ردّوا، لم يخرج إلا قولان في الصرف إلى المساكين، أو المصلحة العامة.
وهذا كله تفريع على قولنا: إنا نمهّد للوقف المنقطع مصرفاً.
فإن قلنا: لا نمهد له مصرفاً، فلا يتبين والحالة هذه بطلان الوقف في حق الأولين، وقد قبلوا.
هذا لا سبيل إليه.
ولكن يتجه عند فرض الانقطاع انقلابُ الوقف ملكاً، ولا يخرج على ترتيب التفريع غيرُ هذا.

5765 - ولا شك أنه يجري مع ما ذكرناه أن الوقف إذا تعذر صرفه إلى الجهات المضبوطة، وقد ذُكر وراءها جهةٌ لا تنقطع، فهل يصرف الوقف إليها؟ ويظهر هاهنا الصرف إلى الجهة التي لا تنقطع، ثم لا قبول في تلك الجهة، ويخرج أنا لا نفعل ذلك حتى تنقرض البطون المعيّنون؛ اتباعاً لشرط الواقف.
وقد كان قال: فإذا انقرضوا فللمساكين.
5766 - ثم الكلام فيما يتجمع من الريع -وقد أبينا إلا اتباعَ الشرط- أن نقول: إنه مصروف إلى الواقف، فيخرج من ذلك أوجه إذا جمعها الإنسان: أحدها- الرجوع إلى المالك، وينضم إليه ثلاثة أوجه ذكرناها، أو ثلاثة أقوال عند انعدام المصرف الذي عينه الواقف، وينضم إلى هذه الوجوه النقل إلى الجهة العامة التي هي مصير الوقف ومرجعه في الآخر، إذا انتهت الجهات المعلومة.
وإذا لم يكن ذكر الواقف جهةً عامة بعد انقراض الجهات المضبوطة، عاد الكلام إلى اضطراب الأصحاب والتفّ الخلاف في الباب.
وهذا الأصل سيأتي مستقصىً في كتاب الدعاوى عند فرض الحلف والنكول من البطون، وهو فصل منعوتٌ في ذلك الكتاب، ونحن مهدنا نهاية المقصود منه فيما يتعلق بالقبول والرد، وانتجز بما ذكرناه تمامُ الغرض في فصل القبول، وإن انسل عنا وجهٌ لم يذكر، فقد نبهنا عليه.
5767 - والناظر إذا أحكم الأصول، فهو على سعةٍ في أمثال هذه المضطربات، في أن يستدرك ما يزلّ عن الذكر.
5768 - وإنما اتجه هذا الكلام من قولنا: إن القبول إن جعلناه شرطاً، وفرّعنا على أن الملك للموقوف عليه، ففداءُ العبد الموقوف -إذا جنى- عليه 1. 5769 - ومن تحقيق المذهب في ذلك أنا إذا اعتبرنا القبول، والتفريعُ على أن الملك للواقف، فهل يلزم الموقوف عليه الفديةُ، لمكان قبوله، وإن لم نحكم له

بالملك في الرقبة؟ الظاهر أنا لا نفعل ذلك، ونحيل الفداء ولزومَه إلى الواقف؛ نظراً إلى ملكه في الرقبة، ثم إلى إنشائه الوقف الذي هو سبب القبول.
5770 - ومن أراد أخد المذهب من حفظ الصور، اضطرب عليه 1 في أمثال هذه الفصول.
ومن تلقاه من معرفة الأصول، استهان بدرك أمثال هذه الفصول.
وكل ما ذكرناه تفريعٌ على أن الملك للواقف أو للموقوف عليه.
5771 - فأما إذا قلنا: الملك زائل في الرقبة إلى الله تعالى، فقد ذكر شيخي وصاحب التقريب ثلاثة أوجه في الفداء: أحدها - أن الفداء على الواقف؛ فإنه الأصل في المنع من البيع.
والثاني - أن الفداء يتعلّق بمال الله تعالى، وهو السهم المرصد للمصالح، وهذا فيه إشكال؛ من جهة أن المغارم إنما تتوجّه إلى بيت المال من جهةٍ يتوقع توجّه فوائد منها إلى بيت المال، فإنا لمَّا ضربنا العقل على بيت المال عند عدم العاقلة الخاصة، كان ذلك معارَضاً 2 بصرفنا تركة من يموت، ولا وارث له على الخصوص إلى بيت المال، وقد ينقدح في بعض الصور انصرافُ الوقف إلى المصلحة العامة، كما ذكرناه، فيستدّ الوجه 3 عليه، وينتظم إيجاب الفداء من بيت المال.
والوجه الثالث - أن الفداء يتعلق بكسب العبد؛ فإنا لم نجد سواه متعلَّقاً، فإذا عدمنا تعلُّقاً في جهة الرقبة، فكأن الموقوف عليه حرٌّ، وإذا جنى الحر، لم يبعد مطالبته.
فهذه مضايق يضطر الفقيه إليها.
5772 - ثم القول في أن الموقوف بكم يُفدى، كالقول في المستولدة، وذلك يأتي مستقصىً في آخر كتاب الديات إن شاء الله عز وجل.
وقد نجز منتهى الغرض تأصيلاً وتفصيلاً في جناية الموقوف، والجناية عليه.

فصل في وطء الجارية الموقوفة في الجهات التي يجري الوطء فيها، مع ما يُفضي الوطء إليه من العلوق.
5773 - فنقول في مقدمة الفصل: لا خلاف أن الموقوف عليه لا يستبيح وطء الجارية الموقوفة، وإن حكمنا بانه يملك رقبتها، وسنبين أنه مالك منفعة بضعها، من جهة صرفنا المهرَ الواجبَ على الواطىء بالشبهة إليه، فهذا متفق عليه بين الأصحاب.
5774 - ثم اختلفوا في أن الموقوفة هل تزوج؟ فقال بعضهم: يجوز تزويجها، كما يجوز تزويج المستولدة، وإن [امتنع] 1 بيعُها.
وقال آخرون: لا يصح تزويجها؛ فإنها قد تلد إذا وطئها الزوج، ثم يُفضي ذلك إلى هلاكها، والوقف لازم، فينبغي أن تحرم الأسباب المؤدية إلى رفعه.
وهذا كتحريمنا وطءَ المرهونة على الراهن، وأيضاًً: فإن القول في ملكها مضطرب، ويُشكل بسببه من يزوّجها.
فإن حكمنا بأنها لا تزوج، فلا كلام.
5775 - وإن حكمنا بأنها تزوّج، فمن يزوّجها؟ قال الأئمة: هذا يُخرّج على الأقوال في الملك؛ فإن حكمنا بأن الملك زائل إلى الله تعالى، فيزوّجها القاضي.
واختلف الأئمة في أنه هل يستشير في تزويجها الواقفَ والموقوفَ عليه؟ فمنهم من قال: لا بد من استشارتهما، ولا يصح النكاح دون رضاهما.
ومنهم من قال: ينفرد القاضي بتزويجها على حسب النظر، ولا يستشير.
وهذا ضعيفٌ، لا اتجاه له، لما ذكرناه من إفضاء التزويج إلى العلوق والطلق، ونقصان الوِلاد 2.

وإن قلنا: الملك للواقف، فهو المزوِّج، وهل يستشير الموقوفَ عليه؟ فعلى وجهين، ولا خلاف أنه لا يستشير القاضي.
وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فهو المزوِّج ولا يستشير أحداً، وجهاً واحداً؛ لأن الملك له في الرقبة والمنفعة.
فإن قيل: [إذا لم يستشر] 1 فلم 2 ذكرتم وجهاً في استشارة القاضي الواقفَ والموقوفَ عليه إذا قلنا: الملكُ زائل إلى الله تعالى؟ فهلاّ اقتصرتم على استشارة الموقوف عليه، لمكان استحقاقه المنفعة، ولرجوع قيمة منفعة البضع إليه؟ فما وجه استشارة الواقف؟ قلنا: استشارته من جهة أنه منشىء الوقف، والقاصدُ إلى تخليده، وتأبيده، على حسب الإمكان في كل موقوف.
وما ذكرناه لو قيل به لم يكن بعيداً، وهو الفرق بين الواقف والموقوف عليه في وجوب الاستشارة.
وما ذكرناه في الاستشارة له التفات من طريق اللفظ، وعلى نظر قريب في المعنى إلى مسألةٍ في كتاب النكاح، وهي أن السلطان إذا كان يزوّج المجنونة البالغة عند مسيس الحاجة، فقد قال الشافعي: " ويستشير ذا الرأي من أهلها ". وفي هذا الأصل خلاف، وتردّدٌ، سيأتي مشروحاً في كتاب النكاح، إن شاء الله عز وجل.
5776 - ومما نذكره في مقدمة الفصل أن الموقوفة لو جاءت بولد من سفاحٍ، أو نكاح -إن صححنا النكاح- فالحكم في ولدها ماذا؟ أوّلاً- اختلف أئمتنا في أن من وقف بهيمةً على إنسانٍ أو جهةٍ، فأتت بولدٍ، فما حكم ولدها؟ منهم من قال: ولدها من فوائدها، فهو بمثابة الصوف، والوبر، واللبن، فيقع ملكاًً للموقوف عليه مطلقاًً، كالثمار المستفادة من الأشجار الموقوفة.
ومن أصحابنا من قال: الولد موقوفٌ كالأم؛ فإنه جزء من الأم، فينبغي أن يكون

بمثابته؛ فإن الوقف جهةٌ لازمةٌ، لا يتوقع ارتفاعها، فولد الموقوفة في جهة الوقف كولد الضحيّة في جهة التضحية.
هذا قولنا في ولد البهيمة الموقوفة.
فأما إذا أتت الجارية الموقوفة بولد من سفاحٍ، أو نكاح، ففيه وجهان مرتبان على الوجهين في ولد البهيمة، وولد الأمة أولى بأن يكون موقوفاً كالأم، بمثابة ولد المستولدة من المستولدة.
قال الشافعي: " ولد كل ذات رحم بمثابتها " ووجه الترتيب أن الجارية لا تقتنى لتلد بخلاف البهيمة، فكان عدُّ ولد البهيمة من الفوائد أقربَ.
5777 - ومما نقدمه أن الجارية الموقوفة إذا وطئت وطئاً يتعلق به لزوم المهر، فالمهر مصروف إلى الموقوف عليه، باتفاق الأصحاب، وإن حكمنا بأن الملك في الرقبة للواقف.
وهذا فيه إشكالٌ من طريق النظر، والحكمُ متفق عليه من طريق النقل.
ووجه الإشكال أن منفعة البضع لا تملك وحدها دون ملك الرقبة، بخلاف منافع البدن، وقد ذكرنا الاتفاق على أن الموقوف عليه لا يستفيد بالوقف استباحة وطء الموقوفة، ولكن لم نجد مصرفاً أولى وأقرب من مصرف المنافع، ولا سبيل إلى تعطيل المهر، ولا إلى صرفه إلى جاريةٍ أو عبد ليوقف، فكان ما ذكره الأصحاب أقربَ الوجوه.
فإذا ثبتت هذه المقدمات؛ فإنا نفرض بعد ذلك وطء الموقوفة من الأجنبي، ثم نفرضه من الواقف، والموقوف عليه.
5778 - فأما إذا وطىء الأجنبيُّ الجارية الموقوفة، نُظر: فإن وطئها بشبهة وعري الوطء عن العلوق، وجب عليه مهر مثلها للموقوف عليه، كما ذكرناه.
وإن علقت مع الشبهة بولدٍ، فهو حرٌّ، وعلى الواطىء قيمتُه.
ثم القول في مصرف قيمة الولد يترتب على ما ذكرناه، فإن جعلنا الولد الرقيق من فوائد الوقف، فالقيمة بمثابته، وهي مصروفة إلى الموقوف عليه.
وإن قلنا: ولدها الرقيق موقوف كالأم، فقيمة الولد تصرف إلى عبدٍ، أو شقصٍ، كما تقدم.

وإن وطىء الأجنبي زانياً، نظر: فإن كانت الموقوفة مستكرهة، وجب المهر، وإن كانت مطاوعةً، فعلى وجهين، تقدم ذكرهما في كتاب الغصب.
وإن أتت بولد والواطىء زانٍ، فهو رقيق، والخلاف فيه كما تقدم.
هذا في وطء الأجنبيّ.
5779 - فأما إذا وطىء الموقوفُ عليه الجاريةَ الموقوفة، فلا يخلو إما أن يتصل بالوطء الإحبال، وإما ألا تعلق، فإن لم تعلق، فلا حدّ للشبهة، ولا مهر؛ إذ لو وجب المهرُ، لوجب له على نفسه، وهذا محال.
فأما إذا علقت بمولودٍ، فهذا يتفرع على الملك، فإن قلنا: الملك في الرقبة للموقوف عليه، فينفذ الاستيلادُ بناءً على الملك.
وإن قلنا: الملك في الرقبة زائل إلى الله تعالى، أو هو باقٍ للواقف، فلا ينفذ الاستيلاد أصلاً.
فإن قيل: هلا أثبتموه لعلقة الملك، كما قضيتم بأن جارية الابن تصير مستولدةً للأب [إذا أولدها] 1؟ قلنا: ذاك إن قلنا به، ليس جارياً على قياس؛ فإن جارية الابن لا حقَّ فيها للأب، ولو كان للأب في ملكها شبهةٌ، لما حلّت للابن، فإن حِلَّ الوطء لا يصادف إلا ملكاً محضاً، فإذاً ذاك خارجٌ عن القياس، متعلقٌ بحرمة الأبوّة، كما تعلق بها انتفاء القصاص عن الأب، فلا نتخيل قياساً على ذلك الأصل.
5780 - ثم أمر الولد يتفرع على الاستيلاد، فإن حكمنا بأن الاستيلاد يثبت، فالولد يعلق حرّاً.
وإن حكمنا بأن الاستيلاد لا يثبت، نظر: فإن وطئها على ظن أنها زوجته، أو مملوكتُه القنّة، فالولد حر، وإن وطئها عالماً بحالها، قاطعاً بأنها محرمةٌ عليه، فالمذهب أن الولد ينعقد حراً أيضاًًً.
ومن أصحابنا من لم يحكم بحريته.
5781 - وهذا يضاهي اختلافاً للأئمة في أن من وطىء جاريةَ الغير ظاناً أنها زوجته

المملوكة، ومن حكم ولد الزوجة المملوكة الرق، فهل نحكم بحرية الولد؟ فيه اختلاف: من أصحابنا من قال: إنه رقيق بناء على ظنه، وهو فيما أظن اختيار القفال، ووجهه أن الوطء اكتسب حرمةً من ظنّ 1 الواطىء، وإن لم يكن الأمر على ما ظن في علم الله تعالى، فلا ينبغي أن تثبت حرمةٌ، لا يقتضيها موجَب الظن، لو تحقق وصدق، وقد ظن الواطىء أنه يطأ زوجته المملوكة وولد الرجل من زوجته المملوكة رقيق.
ومن أصحابنا من قال: يعلقُ الولد حراً في الصورة التي ذكرناها؛ فإن الوطء محترم، والرق لا يثبت في الولد المترتب على الوطء المحترم إلا بما يقتضي الرق، والأصل في بني آدم الحرية، وثبوت الرق يستدعي مقتضياً.
5782 - فإذا ثبت ما ذكرناه فوطءُ الموقوفِ عليه إذا كان عالماً بحقيقة الحال -والتفريع على أن الملك ليس له- وطءٌ ليس بساقط الحرمة، ولكن علمه بأنه يطأ جارية الغير، ينافي الشبهة التي تقتضي الحرية للمولود، فتخرج حرمة الولد على الخلاف الذي ذكرناه.
فإن قضينا بكون الولد حراً، فالأمر في مصرف القيمة، وفي إثباتها على التفصيل الذي تقدم.
وإن حكمنا بأن الولد يكون رقيقاً، يترتب الأمر على الخلاف السابق، في أنه مصروف إلى الموقوف عليه ملكاً مطلقاًً؛ إلحاقاً له بالزوائد وفوائد الريع، أم هو موقوف بمثابة الأم؟ فإن حكمنا بأن الولد ملحق بالريْع والفوائد، لو كان من غير الموقوف عليه، فإذا كان من الموقوف عليه، فهو موقع النظر؛ فإنه لو ثبت الرق، لعتَق عليه؛ فإن الولد منتسب إليه، والنسب 2 صحيح، فالوجه أن يقال: ينعقد الولد رقيقاً، ثم يعتِق، ولا يتوقف نفود العتق فيه على الانفصال.

5783 - وقد اختلف أصحابنا في أن الرجل إذا سبى ابنته الكافرة، فهل نقول: إنه يملكها، ثم تعتِق عليه؟ أم نقول: يمتنع جريان الرق؛ لمكان القرابة المقتضية لمنافاة الملك؟ فيجوز أن يقال: يمتنع جريان الرق على الولد على هذا القياس، [وليس] 1 هذا كابتياع الرجل ولده؛ فإن الملك يحصل، ويترتب العتق عليه؛ من جهة أن الابتياع ذريعةٌ في تحصيل العتق، وكذلك القول في الملك الذي يحصل إرثاً؛ فإنه لولاه، لما حصل العتق، وفي مسألتنا لو حصل الرق يحصل في ابتدائه للأب، فينبغي أن يمتنع حصول الملك لمكان الأبوّة والبنوّة، ولا شك أن هذه المسألة لا تنفصل عن مسألة السبي، على ما سيأتي شرحها في موضعها، إن شاء الله عزجل.
هذا إذا قلنا ولد الموقوفة ينحى به نحو فوائد الوقف.
5784 - فأما إذا قلنا: ولد الموقوفة موقوف، فولدها من الموقوف عليه موقوفٌ، إذا وقع التفريع على أن الملك في رقبة الوقف ليس للموقوف عليه.
ثم هذا الولد لا يعتِق على الموقوف عليه؛ إذ لا ملك له فيه.
ولو فرعنا على أن الملك للموقوف عليه في رقبة الوقف، لأثبتنا الاستيلاد.
5785 - ومما يتعلق بمنتهى الكلام أنا أطلقنا القول بنفود استيلاد الموقوف عليه إذا حكمنا بأن الملك له، وفي هذا أدنى نظر، سنشير إليه في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى.
هذا إذا كان الموقوف عليه هو الواطىء.
5786 - فأما إذا وطىء الواقف، فإنه يلتزم المهر للموقوف عليه، كما ذكرناه.
وإن اتصل الوطءُ بالعلوق، فثبوت الاستيلاد، يتفرع على الأقوال في الملك: فإن حكمنا بأن الملك في الجارية الموقوفة لله تعالى، أو للموقوف عليه، فلا ينفذ الاستيلاد.
وإن حكمنا بأن الملك للواقف، فقد كان شيخي يقول: القول في نفود استيلاد

الواقف، كالقول فيه إذا وطىء الراهن الجاريةَ المرهونة، وأعلقها، فمن قضى بنفوذ الاستيلاد بناء على ملك الراهن، قضى في مسألتنا بنفود استيلاد الواقف، ومن أبى ثَمَّ، أبَى هاهنا، والسبب فيه أنا وإن حكمنا للواقف بالملك، فللموقوف عليه حقٌّ متأكد ينقضه العتق إذا طرأ، فكان شيخي يقول: استيلاد الواقف أوْلى بألا ينفذ، فإن الوقف مبناه على ألا يُرَدَّ، وحق المرتهن يقبل الفسخ، والرفع.
5787 - وهاهنا نفي بما وعدناه؛ فنقول: ظاهر كلام الأصحاب يدل على أن استيلاد الموقوف عليه ينفد قولاً واحداً، إذا قلنا: الملك في الجارية له، وفي نفود استيلاد الواقف الخلافُ الذي ذكرناه إذا قلنا: الملك في رقبة الوقف للواقف.
والفرق أنا إذا أثبتنا الملك للموقوف عليه في الرقبة، وحق المنفعة له أيضاًًً، فقد اجتمع له ملك الرقبة، واستحقاقُ المنفعة، فالحق كله له إذاً أصلاً وفرعاً، وليس كذلك الواقف، فإنا وإن حكمنا بأن الملك في الرقبة له، فحق المنفعة للموقوف عليه.
وهذا الفرق لا بأس به.
ولكن يبقى معه أن الموقوف عليه ليس له أن يُبطل الوقفَ، وإن جعلنا الملك في الرقبة والمنفعة له، وكأن 1 الواقف قصد إلى تحبيس الملك على الموقوف عليه، فلو مَلَّكْنا الموقوف عليه أن يُبطل الوقف، لكان ذلك تسليطاً منا إياه على قطع الوقف بعد لزومه، وهذا لا يليق بوضع الوقف، فليس يبعد عن الاحتمال تخريج نفوذ الاستيلاد من الموقوف عليه على الخلاف على قولنا: إن الملك له؛ فإنا لو نفذنا الاستيلاد، لأبطلنا الوقف، على خلاف وضعه، وعلى خلاف مراد الواقف.
5788 - والذي يحقق ذلك أن نفود الاستيلاد في هذه الأبواب بمثابة نفود العتق لو قدر إنشاؤه، ولو أعتق الموقوف عليه العبدَ الموقوفَ، على قولنا: إن الملك للموقوف عليه، فلا سبيل إلى قطع القول بنفود العتق، فإذا كان الأمر في العتق على التردّد، فليكن الاستيلاد بمثابته.

والذي يحقق ذلك، ويوضّحه أن الملك محبّس على الموقوف عليه، والتحبيس مقتضاه الحجر، فالموقوف إذاً محجور عليه، وإن ثبت له الملك.
وينقدح من هذا فرقٌ بين العتق والاستيلاد على بُعدٍ والظاهر التسوية بينهما؛ فإن عتق المحجور عليه لا ينفذ، واستيلاده ينفذ، لأنه فعلٌ، لا سبيل إلى ردّه في ملكه، والمرعيّ في الحجر حق المحجور، والملك خالص له، وملك الموقوف.
عليه ليس بخالصٍ؛ إذ لو كان خالصاً، لأفاد إباحة الوطء.
هذا منتهى المراد في وطء الجارية الموقوفة، وما يتعلق به.
5789 - ونحن وراء ذلك نبتدىء أصلاً متصلاً بما ذكرناه، فنقول: إن صححنا تزويج الجارية الموقوفة، وقلنا: الملك في الوقف للواقف، أو هو زائل إلى الله تعالى، فيجوز للموقوف عليه، أن يتزوجها.
وإذا قلنا: الملك للموقوف عليه، فلا شك أنه لا يتزوجها؛ فإن المالك لا يتزوج مملوكته، ولا فرق بين أن يكون الملك قويّاً، أو ضعيفاً، فإذا حكمنا له بالملك نمنعه من التزوّج 1. ولو كان نكح أمةً، فوقفها سيدُها عليه، والتفريع على أن الملك للموقوف عليه، فإذا تم الوقفُ، انفسخ النكاح على ظاهر المذهب.
5790 - وذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً أن دوام النكاح لا ينفسخ بالملك الذي يحصل بالوقف للموقوف عليه؛ فإن هذا ليس ملكاًً حقيقياً، وإنما هو في حكم تقديرٍ.
ثم خرّج هذا على مسائل اختلف الأصحاب فيها: منها- أن الأب لا ينكح أمة ابنه، ولو كان نكح أمةً، فاشتراها ابنُه، ففي انفساخ النكاح بالملك الطارىء للابن وجهان.
وكذلك لا ينكح السيد جاريةَ مكاتَبه، ولو نكح أمةً، فاشتراها مكاتَبه، ففي انفساخ النكاح وجهان 2. كذلك لا ينكح الموقوف عليه الجاريةَ الموقوفةَ ابتداءً، ولو كان نكح أمةً، فوُقفت عليه، ففي المسألة وجهان.
والتفريع على أن الملك للموقوف عليه.

ولو أرادت المرأة أن تنكح مكاتَبها، لم تجد إليه سبيلاً.
ولو زوج الرجل ابنته من مكاتَبه، ثم مات، وورثت الزوجةُ زوجها، انفسخ النكاح، باتفاق الأصحاب، فالملك في المكاتَب [يقطع طارئُه النكاحَ] 1، كما يمنع ابتداءه.
قال صاحب التقريب: " الملك على المكاتب ثابت، وهو بعُرْض 2 أن يَرِق إذا عجز، ولا يتصور أن يتمحّض ملكُ الموقوف عليه في الموقوف، فكان هذا الملك غيرُ محقق ". وهذا مما انفرد به.
والأصحاب مجمعون على أن التفريع إذا وقع على أن الملك للموقوف عليه، فهذا الملك كما يمنع الابتداء يقطع الدوام.
5791 - ومن أهم ما نختتم الفصلَ به أن الأئمة قالوا: إذا حكمنا بأن الموقوفة تصيرِ أم ولد للواقف، إذا فرعنا على أن الملك له، وحكمنا بأن حق الوقف لا يمنع نفوذَ الاستيلاد، فهذا الآن يخرّج على أن المستولدة هل يصح وقفها ابتداء؟ فإن حكمنا بأنه يصح وقفُها ابتداء، فيبقى الوقف فيها مع ثبوت الاستيلاد.
ثم قال الأصحاب إذا وطىء الموقوف عليه، وأولدَ، وحكمنا بنفوذ الاستيلاد تفريعاً على أن الملك للموقوف عليه، فبقاء الوقف يخرّج على الخلاف الذي ذكرناه.
5792 - وهذا عندي أخْذٌ بالظاهر، وإضرابٌ عن الغوص في الحقائق.
وبيان ذلك أنا لا نثبت الاستيلاد في الموقوفة للموقوف عليه، إلا بتقدير نقل الملك إلى الموقوف عليه بالكليّة، مع انبتات 3 الملك الذي أفاده الوقف، ومساق ثبوت الاستيلاد يوجب إحلالها للموقوف عليه.
وإذا حلّت له، فليس هذا من جنس الملك الذي كان بسبب الوقف قبلُ، فكيف تكون مملوكة له بالوقف، ومنتقلةً إليه بالاستيلاد، وهذا تناقض لا سبيل إلى التزامه، وليسى هذا كما إذا وقع التفريع على

أن الملك للواقف وقد استولد؛ فإنه إذا كان يقف مستولدتَه ابتداء، فلا يمتنع بقاء الوقف مع الاستيلاد انتهاءً، وكل واقف إنما يقف خالصَ ملكه، والدليل عليه أن مستولدة الرجل لا توقف عليه، فيلزم من ثبوت الاستيلاد في حق الموقوف عليه بطلان الوقف، ولا ينقدح غيره، بخلاف ثبوت الاستيلاد في حق الواقف؛ فإن تخريجه على الخلاف في وقف المستولدة غير بعيد.
ومن قال من أصحابنا: الوقف يبقى مع ثبوت الاستيلاد في حق الموقوف عليه، يلزمه ألا يبيح المستولدة للموقوف عليه.
وهذا خبطٌ عظيم، ولست أحمل ما ذكره الأصحاب إلا على ترك النظر، وإجراء الأمر على الظاهر.
5793 - ومن وقف مستولدةَ نفسهِ، وجوزنا ذلك، فإنا نحرّم عليه وطأها بعد الوقف، لا من جهة نقصان الملك في المستولدة؛ [فإن الملك في المستولدة لا ينقص] 1 ولكن الواقف لو وطئها بعد الوقف، أمكن أن تعلق بمولود، ثم ذلك قد يُفضي إلى موتها، وهذا تسبب إلى إبطال حق متأكد، فوجب المنع منه.
ثم إذا حكمنا ببطلان الوقف بالاستيلاد الثابت في حق الواقف، أوفي حق الموقوف عليه، فيكون الاستيلاد بمثابة استهلاك الوقف، وإتلافه من جهة الواقف، أو من جهة الموقوف عليه.
وقد ذكرنا تفصيلَ المذهب في ذلك، وفي تقدير القيمة، وبيان مصرفها، أو سقوطها رأساً، فلا حاجة إلى إعادة هذه الفصول.
فصل في بيان نفقة الموقوف 5794 - إذا ذكر الواقف أن نفقة العبد الموقوف في كسبه، فما فضل عن نفقته من منافعه وكسبه، فهو مصروف إلى الجهات التي يذكرها، فشرْطُ الوقف يصح على هذا الوجه.

والأولى لكل واقف أن يبدأ بصرف المستفاد من الوقف إلى ما به قوامُ الوقف وبقاؤه.
هذا هو العادة المعتادة في شرائط الواقفين.
فإن أطلق الوقف على معيّن مثلاً، وبعده على جهة لا تنقطع، ولم يتعرض للنفقة، فلا يخلو العبد إما أن يكون كسوباً، وإما ألا يكون كذلك، أو كان كسوباً ولكن كسبه لا يفي بمؤنته ونفقته، أو يكون كسوباً أوّلاً، ثم يطرأ عليه الزمانة المقعدة من الكسب.
فأما إذا كان كسوباً، فالذي قطع به الأئمة في طرقهم أن نفقته تتعلق بكسبه، وإن لم يتعرض الواقف لذلك.
وذكر بعض المصنفين أن نفقته تخرّج على أقوالِ الملك، ولا تتعلق بكسبه، كما لو أقعدته زمانة عن الكسب، وهذا وإن كان يمكن توجيهه بأن الوقف تضمَّن صرفَ كسبه إلى الموقوف عليه، فكأنه غير مكتسب، إذا كان مستغرَق الكسب في استحقاق الموقوف عليه، فما أرى ذلك معتداً به، والتعويل على ما ذكره الأئمة في الطرق، وهو أن النفقة تتعلق بالكسب، ووجه ذلك الحملُ على العادة أوَّلاً 1، والعادة إذا اطردت، كانت بمثابة التصريح بالشرط.
وهذا أصلٌ، لا حاجة إلى تقريره بالشواهد.
5795 - فأما إذا لم يف الكسب بالنفقة، أو طرأ مانع يمنع عن الكسب، فالنفقة حينئد تخرّج على أقوال الملك: فإن حكمنا بأن الملك للواقف في الرقبة، فالنفقة عليه.
وإن حكمنا بأن الملك للموقوف عليه، فالنفقة تجب عليه.
وإن حكمنا بأن الملك لله، فالنفقة في مال الله.
وهذا إنما يجري في الإنفاق على ذي الروح لحرمته؛ فإنه لا يجوز تعطيله، وتركه يهلك هَزْلاً.

5796 - فأما عمارة الوقف إذا كان الموقوف عقاراً، وكان الوقف مطلقاًً، وريْعه لا يفي بالعمارة التي لا بدّ منها في إقامة الوقف وإدامته، فلا خلاف أنها لا تجب على أحدٍ: لا على الموقوف عليه إذا نسبنا الملك إليه، ولا في مال الله تعالى على قول إضافة الملك لله تعالى، ولا على الواقف، على قولنا: إن الملك له.
والسبب فيه أن عمارة الأوقاف يُنحى بها نحو عمارة الأملاك، ولا يجب على المالك أن يعمر ملكه.
وقد ذكرنا في كتاب الإجارة وجهاً أن المكري يلزمه عمارةُ الدار المكراة، ليتوفر المنافع منها على المكتري، وهذا سببه عهدةُ العقد، والتزامُ المكري توفية المنافع، وتوفيرها على مقابلة استحقاق العوض، وهذا المعنى لا يتحقق في حق الواقف.
فصل في خراب الوقف وما يلحقه من التغايير 5797 - فإذا وقف الرجل شجرةً لتصرف ثمرتُها إلى شخص، وبعده إلى جهة، فلو يبست الشجرةُ، وصارت حطباً، فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: يبطل الوقف في ذلك، وينقلب الحطب ملكاًً للواقف؛ فإن الوقف المضافَ إلى الشجرة إنما يتعلق بالشجرة ما دامت ناضرة؛ فإن اسم الشجرة في التحقيق ينطلق عليها ما دامت كذلك، فإن سمى مسمٍّ حطبها شجرة، كان ذلك على مذهب الاستصحاب، فجفاف الشجرة إذاً، كهلاك العبد الموقوف، غير أنه إذا هلك، لم يفرض ردُّ جثته إلى ملكٍ؛ من جهة أنها ليست مالاً، والحطب مال.
5798 - ومن أصحابنا من قال: لا نحكم بارتداد الحطب إلى ملك الواقف، ولا نقضي بانقطاع أثر الوقف.
ثم هؤلاء اختلفوا على وجهين: فذهب بعضهم إلى أن الشجرة تستعمل في جهة إمكان الانتفاع بها، ويقدر كأن الواقف وقف جذعاً على إنسان، فإذا أمكن الانتفاع به، بإجارته وأخد أجرته واستعمال الموقوف عليه إياه في جهةٍ ينتفع به فيها، فهو الواجب.

ومن أصحابنا من قال: إذا انقضت الجهة التي أرادها الواقف من الشجرة، فالحطب أو الشجرة التي تصلح للانتفاع تباع، ويصرف ثمنه إلى ابتياع شجرة أخرى، أو إلى قسطٍ، إن لم يتأت شراء شجرةٍ أخرى كاملة، ثم تحبّس على الجهة التي ذكرها الواقف.
ومن أئمتنا من قال: ذلك الحطب يصرف ملكاًً إلى الموقوف عليه.
وهذان الوجهان الأخيران يقربان من تردد الأصحاب في قيمة العين الموقوفة إذا أتلفها جانٍ.
وقد ذكرنا التفصيل فيها.
5799 - ومما أطلقه الأئمة في الكتب أن حُصُر المساجد إذا بليت، وصارت بحيث لا ينتفع بها، أو انكسر جذع وترضّض في مسجدٍ، وخرج عن إمكان الانتفاع، أو كنا نتعهد خشبة قائمة في المسجد، فاتفق نحتُ شيء منها، فتلك النحاتة ما حكمها؟ قال الأئمة رضي الله عنهم: الوجه بيع هذه الأشياء، وصرفُ ثمنها إلى مصلحة المسجد؛ فإنا لو لم نفعل هذا، لتعطل، ولا يمكن تقدير ارتداد أجزاء المسجد إلى ملك أحد؛ فإنها على التحقيق [ملكٌ لله تعالى] 1، والقول فيما يتعلق بمصالح المسجد كالفرش بمثابة القول في أعيان المسجد.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنا لا نتعرض لبيع هذه الأشياء؛ فإنها خرجت عن المالية، إذ صرفت إلى هذه الجهة، فلا تعود أموالاً، فالوجه أن تترك على حالتها.
وهذا بعيد، لا اتجاه له.
5800 - نعم اشتهر الخلاف في أنه إذا أشرف جذع في المسجد على الانكسار، وتبيّن أنه إليه يصير، وهو في الحال على بقيةٍ من المنفعة المطلوبة، فهل يجوز للقائم بالمسجد أن يرعى المصلحة ويبيعَه قبل أن ينكسر، أم لا يجوز ذلك حتى يتحقق تعطل منفعته في جهته؟ هذا موضع اشتهار الخلاف.
5801 - ومما يتعلق بهذا الأصل أن من وقف داراً فأشرفت على الخراب، وعرفنا

أنها لو انهدمت، عسر ردُّها وإقامتُها، فهل نحكم والحالة هذه بجواز بيعها؟ اختلف الأئمة فيه: فذهب الأكثرون إلى منع البيع.
وجوّز المجوّزون البيعَ.
فإن منعنا البيع، أدمنا الوقف، وانتظرنا ما يكون.
وإن جوّزنا البيع، فالأصح صرف الثمن إلى جهة الوقف.
ومن أئمتنا من نحا بالثمن نحو القيمة إذا أتلف العينَ الموقوفة متلف.
وهذا ضعيفٌ، لا أصل له في هذا المقام.
وإن حكمنا بأن الثمن يصرف إلى ابتياع شيء وتحبيسه على الجهة التي كانت، فهذا حكم منا ببقاء مقتضى الوقف.
وإن حكمنا بصرف الثمن إلى الجهة التي ذكرناها في قيمة العين الموقوفة إذا أتلفت، فمن جملة ما قيل في مصرف القيمة: أنها تصرف إلى الموقوف عليه؛ تفريعاً على أن الملك في العين له.
5802 - فلو قال الموقوف عليه: لا تبيعوا هذه الدار المشرفة على الخراب واقلبوها إلى ملكي؛ فإنكم [لو بعتموها، لصرفتم الثمن إليّ] 1، فلا فائدة في البيع، والوجهُ الحكم بانقلاب هذه العين إلى حقي وملكي على الوجه الذي انتهى التفريع عليه.
فالمذهب أنا لا نجيبه إلى ذلك، ولا نقلب عين الوقف ملكاً، بل إذا جوزنا البيع، فبطلان الوقف يتوقف على جريان البيع، وهو باقٍ إلى [اتفاقه] 2. وأبعد بعض الأصحاب، فأسعف الموقوفَ عليه، بما أراد، ثم هذا القائل لا يحوج إلى إنشاء عقدٍ، أو قولٍ في قلب العين إلى الموقوف عليه.
ولكنه يقول: إنها تنقلب إليه.
وهذا في نهاية الضعف.

فصل فيما يتضمن حجراً في الوقف 5803 - قد مهدنا في أصول الكتاب أن شرائط الواقف متبعة في تعيين الجهات وتفصيلها.
والمذهب الظاهر الذي قطع به معظم الأئمة أنه لو وقف داراً على معينين، وشرط أن يسكنوها، ولا يؤاجروها، فليس لهم أن يتعدَّوْا موجَب الشرط، وتنزل الدار في نوْبتهم -ما بقوا- منزلة الرباطات والمدارس [المسبّلة] 1 على جهة السكون 2. وقال بعض أصحابنا: الوقف على معينين سبيله سبيلُ التمليك، ولا يُرعى في هذه الجهة وجهُ القربة، ولذلك يجوز التحبيس على جماعة معيّنين من الكفار، والفسقة، وإذا كان محمولاً على التمليك، فالمنع من الاستغلال 3 بجهة الإجارة حجرٌ في الملك، فكان فاسداً مناقضاً للتمليك.
ثم إذا فسد الشرط، انقدح فيه وجهان مبنيان على الأصل الممهد فيما تقدم: أحد الوجهين- أن الشرط يفسد، والوقف مقدر دونه على حكم الإطلاق، ولا حجر على الموقوف عليهم.
والوجه الثاني - أنه يفسد، ثم لا يخفى [حكم] 4 فساده؛ فتبقى العين على ملك الواقف ويلغو الوقف، ويسقط أثره.
5804 - ولو وقف ضيعةً، أو داراً على معينين، وسوّغ الإجارة، ولكن حجر عليهم في زيادة مدة الإجارة على سنةٍ مثلاً، فالمذهب الذي يجب القطع به أن شرطه متبع؛ فإن هذا الشرط ليس حجراً في التحقيق، بل فيه رعايةُ مصلحة الوقف،

واستبقائه؛ فإن مدة الإجارة إذا طالت واستولت أيدي المستأجرين فقد يؤدي ذلك إلى تعطيل الوقف رأساً.
فهذا القائل يقول: وإن منعنا الحجر، فلا نمنع ما يتعلق باستصلاح الوقف وتوفير المنفعة.
وأبعد بعض أصحابنا فأفسد هذا الشرطَ، ورآه ملحقاً بما يتضمن الحجرَ.
وهذا مما لا أعتد به أصلاً.
5805 - ولو جعل بقعةً مسجداً، وأطلق، ثبت حكم المسجد في حق الناس كافة، ولم يتخصص بها قوم.
ولو قال: لا يدخل المسجد إلا عصبة خصصهم، فهذا الشرط باطل؛ فإن مبنى الحكم في المساجد التعميم.
5806 - ولو شرط ألا يقام في المسجد إلاّ شعارُ مذهبٍ خصَّصه بالذكر، فالمذهب والقياس أن ذلك التخصيص باطل، لما حققناه من أن أمور المساجد لا تقبل التخصيص.
وذهب طائفة من الأصجاب إلى وجوب اتباع شرط الواقف في تعيين ذلك الشعار.
وهذا قاله من قاله على جهة المصلحة؛ فإن التنافس بين أهل المذاهب ليس بالخفي، ولو ثبت المسجد عاماً، [يشترك] 1 أصحاب المذاهب في إقامة شعارهم فيها 2 مع الاختلاف، لأدى ذلك إلى الازدحام، والأمرِ الذي لا ينكر في طرد العرف، ثم الوالي لا يمكنه أن يتحكم في تعيين شعار مذهب، فأولى متبع في الباب ما ينص عليه ناصب المسجد وجاعله.
5807 - ولو جعل بقعة مقبرة، اشترك فيها كافة المسلمين، وخرج عن إطلاق الوقف الكفارُ؛ فإن مطلق اللفظ يقتضي القربةَ، وقرينةُ الحال تشهد بذلك، فحمل الوقف عليه.
ولو جعل بقعة مقبرة لمخصوصين بالذكر، فقد ظهر اختلاف أصحابنا فيه، فذهب

بعضهم إلى تنزيل المقابر منزلةَ المساجد، حتى لا يسوغ التخصيص فيها.
وذهب الأكثرون إلى اتباع الواقف في تعيينه؛ فإن القبور في حق الأموات بمثابة المساكن في حق الأحياء، ثم تعيين المساكن لأقوام سائغٌ صحيح، فليكن تعيين المقابر كذلك.
5808 - ومهما فسد شرط في جعل المسجد، فالمذهب المبتوت أن الشرط يلغى، وينفد المسجد؛ فإن هذه الجهة مشابهة للإعتاق، والشرط الفاسد إذا لم يقع على جهة التعليق لا ينافي نفود العتق.
هذا منتهى القول فيما يتضمن حجراً سائغاً، أو ممنوعاً في جهات الوقف.
فرع: 5809 - إذا علق الرجل عتق عبده بصفةٍ، ثم حبَّسه فوقفه، فالوقف نافذٌ في الحال، فإذا وُجدت الصفة بعد الوقف، فهذا يخرج على الأقوال في ملك الوقف: فإن حكمنا بأن الملك في الموقوف للموقوف عليه، فالعتق لا ينفذ، وينزل هذا منزلة ما لو علق عتق عبده، ثم باعه، وألزم البيع، ووجودُ الصفة في ملك المشتري لا يتضمن حصولَ العتاقة.
وهكذا التفريع على قولنا إن الملك في الموقوف زائلٌ إلى الله تعالى.
فأما إذا حكمنا بأن الملك في رقبة الوقف للواقف، فظاهر المذهب أن العتق ينفذ عند وجود الصفة.
ومن أصحابنا من قال: القول في نفود العتق في هذه الصورة كالقول في إعتاق الواقف العبدَ الموقوف، ولو أعتقه، لخرج نفود عتقه على أقوال نفود عتق الراهن في المرهون، وهذا يتردد على أحكامٍ، ويجمعها أن الاعتبار بحالة التعليق، أو بحالة تقدير وقوع العتق، وعليه يخرّج أمر 1 من علق عتق عبده في صحته، ثم مرض، فوجدت الصفة في مرض موته، فهذا ملحق بعتق الصحة، أو عتق المرض؟ وهذا الخلاف يجري فيه إذا علّق عتقَ عبده بصفةٍ، ثم رهنه.
5810 - ومما يجري في أثناء ذلك أنه لو علق عتق عبده بمجيء وقتٍ، فهذا

[يأتي] 1 لا محالة، فلو وقفه، احتمل أن يلحق ذلك بالوقف المؤقت إذا كنا نحكم بنفوذ العتق بعد الوقف.
وإذا كنا لا نحكم بنفوذ العتق، فلا شك في [صحة الوقف] 2. فرع: 5811 - إذا وقف بهيمةً على إنسان، وجعل له الركوب منها، ولم يُثبت له لبنَها، وصوفَها أو وَبَرها، فمن أصحابنا من قال: حكم الوبر واللبن حكمُ منافعِ وقفٍ انقطع مصرفه، وقد ذكرنا التفصيل في ذلك، فلا نعيده.
ومن أصحابنا من قال: تخصيص الوقف ببعض المنافع يُفسده.
ومنهم من قال: الشرط يفسد، والوقف يعمّ، ولا خلاف أنه لو جعل الركوب لشخصٍ، واللبن والوبر لآخر، جاز.
فأما القول في نتاج البهيمة، فقد ذكرناه مفصلاً على الاستقصاء.
فرع: 5812 - سئل ابنُ سُريجٍ عمن وقف شجرةً على رجل، هل يجوز له قطع أغصانها إذا كانت الشجرة تبقى مع القطع؟ فقال: إن أجاز الواقف ذلك في شرط الوقف، جاز، وإن أطلق الوقفَ، لم يجز قطعُ الأغصان.
قال الأصحاب: هذا في شجرةٍ لا يعتاد قطع أغصانها، فإن كانت الشجرة بحيث لا تطلب إلا لقطع أغصانها، ثم إنها تخلُف كالخِلاف، فمطلق الوقف فيها محمولٌ على حكم العادة، وأغصان شجرة الخِلاف كثمرات الأشجار المثمرة.
فرع: 5813 - لو وقف أرضاً، وشرط أن تصرف غلتُها إلى زكوات تجمعت عليه، أو كفارات لزمته، فحاصل المذهب في هذا أن ما ذكره وقفٌ منه على نفسه، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه.
فإن منعنا ذلك، فالوقف باطلٌ؛ فإن الزكوات التي لزمته ديونٌ عليه، وتأديةُ ديونه من حقه، فقد صرف الوقفَ إلى حق نفسه.

ولو وقف شيئاً على مصارف الزكاة، صح، وحمل ذلك على الصرف إلى الأصناف المذكورين في كتاب الله تعالى، إلا العاملين والمؤلفة، أما العاملون، فلا شك في خروجهم، وأما المؤلفة، ففيهم تفصيل سيأتي مشروحاً في قَسْم الصدقات، إن شاء الله تعالى، فإن رأيناهم من جهات الخير، لم يمتنع صرف الوقف إليهم.
فرع: 5814 - إذا قال: وقفت على جهة الثواب، فقد ذهب ذاهبون إلى أن هذا محمول على الوقف على الأقارب، ولو وقف على جهة الخير، صُرف إلى مصارف الزكاة على التفصيل الذي ذكرناه، مع استثناء العاملين، كما سبق، ويصرف إلى قِرى الضيفان، أورده شيخي كذلك، وذكره العراقيون على هذا النحو، ففصلوا بين الثواب والخير.
ثم خصصوا كلّ لفظ بما ذكرناه، فالذي نحققه أن الخير رأوا صرفه إلى مصارف القربات الثابتة في الكتاب والسنة، وهي محصورة في مصارف الصدقات، وقِرى الضيفان.
ورأيت في بعض التعاليق المعتمدة عن شيخي أنه لا فرق بين لفظ الثواب والخير، وحكى في ذلك نصَّ الشافعي.
وذكر بعضُ المصنفين أن الفرق بين الثواب والخير مذهبُ بعض السلف.
ولا فرق في ذلك عندنا.
وذهب معظم القياسين إلى أن الثواب والخير لا يختصان بجهة من جهات القُرب، ولكنهما يحملان على جميع جهات الخير.
وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره ولا ينقدح فيه تردد، إلا في شيء.
5815 - وهو أن رَيْع الوقف لو فرض جمعه وبناء رباطٍ به، أو مسجدٍ، فهو من جهات الخير، ويحتمل أن يقال: لا يحمل الوقف على هذا؛ فإن العادةَ ما جرت به، وإنما العرف الجاري في إخراج الريع إلى من ينتفع به، فأما اقتناء عقاراتٍ، وبناء مساجدَ، فليس مما يعتاد، والقول الضابط عندنا في الباب اتباع اللفظ في عمومه وخصوصه، إلا أن يتحقق عرفٌ مطردٌ مقترنٌ باللفظ، فيحكم العرف في اطراده، على تفاصيلَ مضت.

5816 - والذي أراه أن تشعيب المسائل اللفظية ليست من مسائل الوقف؛ فإنها تجري في الوصايا وغيرها، وليس من الرأي الإطناب فيها؛ فإنها بالوصايا أليق.
5817 - ولو وقف على سبيل الله تعالى، كان ذلك محمولاً على الوقف على الغزاة؛ تعلقاً بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60].
فرع: 5818 - اسم المولى ينطلق على المعتِق المنعِم، وهو الذي يسمى المولى الأعلى، وينطلق على المعتَق المنعَم عليه، ويسمى المولى الأسفل.
فقال أئمة العراق: إذا قال الواقف: وقفتُ هذا على 1 مولاي، وكان له معتِق منعِم، ولم يكن له معتَق، انصرف الوقف إليه.
وإن كان له معتَق منعَم عليه، ولم يكن له معتِق أعتقه، ولم يكن عليه ولاء، انصرف إلى المولى الأسفل.
وإن كان له على إنسان ولاء، وكان عليه ولاءٌ لغيره 2، فإذا اجتمع المعتِق والمعتَق، فقد ذكر أئمة العراق ثلاثة أوجه: أحدها - أن الوقف يصرف إلى الصنفين، يستويان فيه.
والثاني - أنه يصرف إلى الأعلَيْن؛ فإن المولى إذا أطلق، كان ظاهراً في المنعِم، محتملاً في غيره.
والوجه الثالث - أن الوقف يبطل، لتردده بين الأعلى والأسفل.
5819 - وهذا الذي ذكروه يفتقر إلى فضل بيان.
فإن كان ذكر الواقف المولى على صيغة التوحيد، لم ينقدح فيه إلا وجهان: أحدهما - الحمل على المولى الأعلى، لما ادعيناه من ظهور اللفظ، والآخر - البطلان؛ فإن اللفظ إذا كان على صيغة الوحدان، لم يصلح للعموم، وكل لفظ مشترك بين معنيين، فهو غير محمول عليهما؛ فإن اللفظ المشترك غيرُ موضوعٍ للاشتمال على المسميات جمعاً، بل هو صالح لآحاد المعاني على البدل، وهذا يجرّ إبهاماً لا محالة.

وقد ينقدح حيث انتهى الكلام إليه مراجعة الواقف؛ فإن اللفظ الذي جاء به محتمل، وليس كما لو قال: وقفت على أحد هذين الرجلين؛ فإن ذلك صريح في الإبهام.
ولا يتأتى منا المبالغة في كشف ذلك، فهو محال على معرفة الألفاظ.
5820 - وهذا إذا ذكر اللفظ على صيغة الوحدان، فأما إذا قال: وقفت على مواليَّ، وله الصنفان: الأعلَوْن والأسفلون، فينقدح في هذه الصورة الصرفُ إليهم، والصرفُ إلى الأعليْن.
وقد يخرّج وجهُ الإبطال من جهة تقدير التردد، وهذا فيه بُعدٌ؛ لصلاح اللفظ للعموم والشمول.
ولكن قد ينقدح أن الإنسان لا يطلق هذا إلا وهو يريد أحد الصنفين؛ فإنهما في حكم المختلفين، ويبعد إرادة المختلفين في مثل هذا المقام.
وينجرُّ هذا إلى التردد في الموقوف عليه.
وهذا إذا كان له جمعٌ من كل صنف، فإن كان لا ينتظم الجمع إلا بالصنفين، فالوجه الحمل عليهما.
فرع: 5821 - إذا وقف على عبد إنسان شيئاً، صح، وكان وقفاً على سيده، ولو وقف على بهيمة، اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من أبطله، ومنهم من صحّحه، وحمله على مالكها.
ولو وقف على إنسان شيئاً وقال في شرطه: يصرف الرَّيع إلى عبد الموقوف عليهم، فهذا حجرٌ في رَيْع الوقف فاسدٌ باتفاق الأصحاب، ويعود الكلام إلى أن الشرط الفاسد هل يُفسد الوقفَ أم لا؟ فرع: 5822 - قال الشيخ أبو علي: إذا وقف رجل في مرض موته شيئاً على وارثه، وبعده على جهة الخير.
فالوقف على الوارث مردود، ولكن هذا وقف منقطع الأول، وفيه من التفصيل ما تقدم في صدر الكتاب.
فإذا صححناه، انقدح في [مصرفه] 1 قبل انقراض الوارث الوجوه المذكورة.

ولو ذكر جهةً فاسدةً، ثم جهةً صحيحة، وكان لا يتوقع فرض الانقراض في الجهة الفاسدة، مثل أن يقول: وقفت على رجلٍ، ثم على المساكين، فإذا لم يعيِّن رجلاً، لم ينتظم تقدير انقراضه، فإن أفسدنا الوقف، فذاك، وإن صححناه، فلا يتجه فيه إلا الصرف إلى المساكين، وكأن الرجلَ المذكور لا ذكر له.
وهذا حسن فقيه، لا ينقدح غيره.
فرع: 5823 - إذا أجّر البقعة الموقوفة من يصح منه إجارتُها، ثم طُلبت البقعةُ بأكثرَ من الأجرة المسماة، فالوجه أن نقول: إن كان الوقف على معيّن، وقد تولى الإجارة، فلا أثر لطلب الموضع بزيادة؛ فإن الإجارة متعلقةٌ بحقه الخاص، لا يعدوه، فكان كالمالك يُكري.
وإذا كان الأمر على هذا الوجه، ولا حجر على الموقوف عليه، فلو تبرع، وأعار، أو أكرى بدون أجر المثل، فلا [معترض] 1 عليه.
ولو استثمر الأشجار المحبسة، وتبرع بجميعها، فإنما يتصرف في ملك نفسه.
والغرض مما ذكرناه تنزيل إجارة الموقوف عليه منزلةَ إجارة المالك.
5824 - فأما إذا كان الوقف على جهةٍ من جهات الخير، وإجارتُه مفوّضة إلى متولٍ، فلا شك أنه لا يصح منه التبرع؛ فإنه ناظر محتاطٌ في تحصيل ما هو الأغبط، وطلبِ ما هو الأحوط.
فلو أجر البقعة الموقوفة بأجر مثلها مدة، ثم طُلبت بالزيادة، فحاصل المذهب فيه أوجه: أحدها - أن الإجارة إذا لزمت على شرط الاحتياط، يجب الوفاء بها، ولا يغيِّرها بذلُ الزيادة من زائدٍ؛ فإن ارتفاع القيمة كان 2 إلى ملك المستأجر، وإذا ارتفع ملك المستأجر، لم يعترض عليه.

ومن أصحابنا من قال: مهما 1 ارتفع السعر، وزادت الأجرة، وظهر من يطلب بالزيادة، جاز للمتولي نقضُ الإجارة، بل وجب عليه ذلك؛ فإن الإجارة ترد على المنافع، وهي تؤخد شيئاً شيئاً.
وهذا عندي مزيف مجانب لمذهب الشافعي.
ولم أر أحداً من أصحابنا يخالف في أن القيِّم إذا آجر ملك الطفل، ثم فرضت زيادة، على ما صورناه أنه لا يجوز نقض الإجارة.
فإن شبب صاحب هذا الوجه بطرد الخلاف في ذلك، كان قوله قريباًً من خرق الإجماع إن لم [يكنه] 2. وقال بعض أصحابنا يجب الوفاء بالإجارة فى سنة، فأما إذا زادت المدة، واختلف الأجر، لم يجب الوفاء بالإجارة، وكأن هذا القائل يرى السنة مع ما يفرض فيها من تغايير قريباً 3 محتملاً.
ولهذا التفات على أن الإجارة حقها ألا تُزاد على سنة، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى ذلك في الوقف، مع المصير إلى أن إجارة الملك تزاد على السنة، وهذا له اتجاه في الوقف على جهاتِ الخير.
5825 - فإن فرعنا على أن الزائد يغير حكمَ الإجارة، فيحتمل أن يقال: المتولي يفسخ، ويحتمل أن يقال: الإجارة تنفسخ.
5826 - وعندي أن هذا كلّه إذا تغيرت الأجرة بكثرة الطالبين، فأما إذا وجدنا زبوناً يزيد على أجر المثل، فلا [خير فيما يزيد، ولا حكم له] 4. نعم، لو فرض هذا في ابتداء العقد، أسعف الزائد، وعقدت الإجارة معه، والله أعلم.

فرع: 5827 - إذا عسر الوصول إلى شرائط الوقف، فإن لم نأيس، وقفنا الأمرَ، وحملنا المستحقين على الطلب، وإن أيسنا من العثور على شرائط الوقف، فقد سمعتُ شيخي يقول: حق هذا أن ينزَّل منزلة الوقف الذي لا مصرف له، إذا صححناه، وهو إذا قال القائل: وقفت داري هذه.
وكان يحكي عن القفال في هذا: " أن أصح الوجوه فيه -إذا قال: وقفتُ- الحملُ على الجهة العامة ". ولا يتأتى هذا إذا عدمنا شرطَ الوقف، وأشكل علينا تفصيله، مع العلم بانحصاره في معينين.
والوجه [عندي] 1 وقف الريّع إلى أن يصطلحوا؛ فإنا إنما نقدِّر مصرفاً إذا تيقَّنا أن الواقف لم يثبته، وقد صححنا الوقف، فننظر في مصرفٍ، أما إذا ثبت المصرف، فالوجه الوقف على الاصطلاح، ثم يدخل في الوقف من نستيقنه مستحقاًً، فأما من لا نتحققه مستحقاًً، فلا مدخل له في الوقف والاصطلاح.
نجز كتاب الوقف بحمد الله ومنِّه، والصلاة على نبيه.
...

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل