نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 487-510
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحوالة

صفحات 487-510
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فشيئاً، وليس من التعديل مقابلة واقع منتجز بمتوقع.
4179 - وذهب بعض أصحابنا إلى الإجبار على المهايأة؛ لأن الضرورة ماسّةٌ إليها عند تنازع الشركاء، ولو لم يجبر عليها، لتعطلت المنافع.
وهذا بعيد عن القياس، ولكن مبناه على الحاجة الحاقّة العامّة، وقد نميل عن مسلك القياس بمثل ما ذكرنا.
4180 - فإن قلنا: لا إجبار على المهايأة، فلو تهايأ شريكان على التراضي واستوفى أحدهما المنفعة في النوبة التي قُدّرت، ثم أراد الرجوعَ فيما توافقا عليه ومَنع شريكِه من استيفاء المنفعة في نوبته، فله ذلك، ولكنه يغرَم لشريكه قيمةَ حصته من المنفعة في النوبة التي استوفاها.
وإن قلنا: بالإجبار على المهايأة، فإن استوفى أحدُهما النوبةَ الموظفةَ، لم يكن له الرجوع، بل تُوفَّر على الشريك مثلُ تلك النوبة.
ثم تعتقب النوب الموضوعة، إلا أن يتراضى الشركاء على نقضها، فلابُدّ من اتباع رضاهم.
ثم النوب تطرد إلى غير نهاية، وهذا من الوجوه الظاهرة في الخروج عن القياس.
ثم إن قلنا بالإجبار على المهايأة، فلا كلام، وإن منعنا الإجبار عليها، واستمر الشركاء على التدافع، فهذا يؤدي إلى تعطيل المنافع، فهل يباع عليهم الملك عند الامتناع من المهايأة، وإدامةِ الطلب؟ فعلى وجهين حكاهما القاضي: أحدهما - أن العين تباع على الشركاء، لقيام النزاع، وإفضاءِ الأمر إلى تعطيل [المنافع] 1 وهذا وجهٌ ضعيف، لم أره في غير هذه الطريقة.
والأصح أنه لا إجبار على المهايأة، ولا على البيع، وتترك المنافع تتعطل إلى أن يتراضيا.
ولم يذكر أحد من الأصحاب الإجبارَ على الإجارة 2، ولعل السَّبب فيه أن الأمد

في الإجارة لا متوقف له، ولا سبيل إلى التحكّم بهذه 1، والإجبارُ يقدر والشريكان متمانعان، والبيع يرد على مورد متعين.
وكل ذلك خبط، والوجه نفي الإجبار في المهايأة والبيع.
فصل قال: " وقسمته بينهما إن شاءا ... إلى آخره " 2. 4181 - الكلام في هذا الفصل يتعلق بأمرين: أحدهما - التفصيل في قسمة الجدار المشترك، إجباراً، واختياراً.
والثاني - القول في قسمة أُس الجدار ومبناه، إذا كان قد انهدم الجدار وانهار.
4182 - فأمّا الجدار المشترك، فقسمته تفرض على وجهين: أحدهما - قسمة جميع الطول في نصف العرض، فهذا النوع لا إجبار عليه لوجهين: أحدهما - أن قسمة الإجبار لو فرضت، لكان التعيين بالقرعة، ثم القرعة ربما تخرج على خلاف ما يقصد في جهة الانتفاع، بأن تخرج قرعة زيد على الشق الذي يلي دارَ صاحبه، ولا يتأتى -والحالة هذه- من واحدٍ منهما الانتفاع المقصود.
هذا وجه.
والثاني - أن [الإفراز] 3 على الحقيقة لا يتصور؛ من قبل أنا وإن فصلنا شِقاً عن شق بخط نرسمه فاصلاً بين الشقين، فلو وضع أحدهما على شقه جذوعاً، أو بنى عليه أدّى ذلك [إلى تثقيل] 4 الشق الآخر والتحامل عليه.
وهكذا يكون نعت الجدار "فلا تتأتى المفاصلة إذاً.
وذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً في الإجبار على هذا النوع من القسمة، إذا دعا إليها أحد من الشريكين.
ثم قال: "نخصص كلَّ واحد منهما بالحصة التي تليه من غير قرعة".
وهذا بعيد في الحكاية، وإن كان يتجه بعضَ الاتجاه، وما ذكرناه من أن

المفاصلة لا تتحقق، فيه نظر؛ من قِبل اتفاق الأصحاب على تصحيح القسمة بالتراضي.
ولو كانت المفاصلة لا تتحقق، لامتنعت القسمة أصلاً.
وما ذكرناه في قسمة الجدار في جميع الطول في نصف العرض.
4183 - فأمّا قسمة الجدار في جميع العرض في [نصف] 1 الطول، فإنها صحيحة مع التراضي، وهل يجبر عليها الممتنع منهما إذا دعا إليها أحد الشريكين؟ فعلى وجهين مذكورين في الطرق، بناهما المرتِّبون على المعنيين اللذين ذكرناهما في الصورة الأولى.
فإن اعتمدنا تعطل الانتفاع لأمرٍ يرجع إلى خروج القرعة، فهذا لا يتحقق في الصورة الأخيرة، فليقع الإجبار على القسمة.
وإن اعتمدنا على أن المفاصلة لا تتحقق، فهذا المعنى قد يجري في النوع الأخير من القسمة؛ فلا إجبار إذاً.
4184 - ولو انهدم الجدار وبرز الأُس، فأراد قسمته، فالقسمة في جميع العرض في بعض 2 الطول يجري الإجبار عليها، لفقد المعنيين، فأمّا القسمة في جميع الطول في بعض العرض، فإن جرينا على تعيين حصة كل شريك فيما يليه من غير قرعةٍ، فالإجبار جائز، وإن قلنا: لا بُدّ إذا فرضت القسمة من إجراء القرعة، ففي الإجبار على [القسمة] 3 وجهان مبنيان على المعنيين المذكورين في قسمةِ الجدار نفسه على هذه الصورة.
فصل 4185 - إذا انهدم الجدار فعمّراه، وأعاداه بالأعيان التي كانت في الجدار، من غير مزيدٍ، واستويا في العمل وفي الاستئجار عليه، واشترطا أن يكون الثلثان لواحد، والثلث لآخر، فهذا الشرط لغوٌ، والجدارُ نصفان كما كان.
ومن رضي بالنقصان

منهما واعدٌ هبةً، فإن وفَّى بها، فذاك، وإلا، فلا طَلِبَة عليه.
4186 - ولو اختص أحدهما بالإعادة، وشرط أن يكون الثلثان من الجدار له، فتقدير ذلك مقابلة عمل العامل على الثلث الذي يقدّر بقاؤه، وللذي لم يعمل بالسدس من ملكه في الجدار، فالسدس إذاً أجرةُ العمل على الثلث.
وهذا سائغٌ، على شرط تقدير ذلك من الأساس والنقض؛ حتى تكون الأجرة عتيدة.
ولو فرض ربط الأجرة بالسدس بعد البناء، لم يصح؛ فإن هذا تعليق في عين.
4187 - وذلك إذا لم يجدّد العاملُ عيناً في الجدار من ملك نفسه، فلو جدد، ليقع الفرض فيه إذا أعاد الجدار بأعيانٍ من عند نفسه من غير أن يستعمل شيئاًً من النقض - فهذه المعاملةُ يتدبرها النّاظر تصوراً، ثم لا يخفى الحكم فيها.
فالعامل كأنّه يبيع ثلثَ الأعيان التي أتى بها، ويضم إليها عملَه فيها، والعوض المقابل السدس من أس الجدار.
هذا تقدير المعاملة، وهي مشتملة على الجمع بين العين والمنفعة، وهو من صور تفريق الصفقة.
والتنبيه كافٍ فيما ذكرناه.
ولا بد في الصورة الأخيرة من تعيين الأعيان، والإشارة إليها على سبيل الشيوع، أو ذكرِها وصفاً على سبيل السَّلم.
4188 - ثم ذكر الشافعي في آخر الفصل أن الشريكين لو اصطلحا على وجه يصح، وشرطا أن يحمل أحدهما على الجدار ما شاء، فهذا الشرط مفسد 1؛ فإن الجدار لا يحتمل الوفاء بالشرط، والقدرُ المحتمل مجهول، فالشرط فاسد، وإذا فسد، أفسد ما يفرض من معاملة.
فهذا طرد المذهبِ على وجهه في التفصيل.
4189 - وقد ذكر صاحب التقريب وجهاً بعيداً في الصورة الأولى، لا وجه له، فأخرته، وأنا الآن ذاكره.
قال: لو استويا في الإعادة بالنقض القديم، ولم يتخصص

أحدهما بمزيدٍ، فلا يمتنع أن ينقص نصيب أحدهما بالتراضي، وزعم أن المشتركَيْن في الدار على تقدير التشطير، لو قال أحدهما: بعت نصفي من الدار بثلث الدار من نصفك، فقال المخاطبُ: قبلت.
قال: لا يمتنع أن يحصل بهذه المعاملة أحدهما على الثلثين، ويبقى للآخر الثلث.
وهذا عندي كلام ملتبسٌ، لا أصل له.
والوجه القطع بفساد هذا النوع من المعاملة.
ولو قال أحد الشريكين لصاحبه مع استمرار الشيوع: بعت نصفي من الدار بنصفك، فلا يجوز أن يقدر هذا بيعاً 1، حتى يترتب عليه تقدير شفعةٍ، أو غيرها من أحكام البيوع؛ فإن وضع الشرع في البيع على إفادة التبادُل، ولا يتحقق مع اطراد الشيوع، فلا وجه لما قال إذاً.
فرع: 4190 - إذا استعار رجل جداراً ووضع عليه جذوعاً، ثم انهدم الجدارُ، نُظر: فإن أُعيد الجدارُ بأعيانٍ جديدةٍ، لم يملك المستعيرُ ردَّ الجذوع على الإعارةِ الأولى، وإن أعيد الجدارُ بنقضه من غير مزيدٍ، واستعمالِ عين جديدة، فقد 2 ذكر العراقيون وغيرُهم وجهين في أن المستعير هل له ذلك من غير مراجعةٍ؛ بناءً على الإعارة الأولى؟ ففيه الخلاف الذي ذكرناه.
ولا ينبغي أن يُعتقد خلافٌ في أن صاحب الجدار، لو منع من الإعادة يبقى للمستعير خيار.
ثم إذا منع، فلا يغرَم ما يغرَمه لو رفع الجذوع، ونقض بناء المستعير، مع بقاء الجدار، فعاد الخلافُ إذاً إلى الاستمرار على حكم [الإعارة] 3 الأولى.
ثمَّ لو فرض إعادة الجذوع تفريعاً على جواز ذلك، فلا ينقض المستعير إلا مع ضمان أرش النقصان.

فصل قال: "وإن كان السفل في يد رجلٍ، والعلو في يد آخر، فتنازعا سقفه ... إلى آخره" 1. 4191 - إذا كان السفل في يد إنسانٍ، والعلو المسامتُ له في يد آخر، فتنازع صاحبُ العلو والسفل السقفَ الحائلَ بينهما، نُظر: فإن كان بناء سقف العلو قبل بناء سقف السفل ممكناً، بأن يفرض سقفٌ عالٍ، ثم يفرضَ سقف دونه، بأن تدرج رؤوس الجذوع في وسط الجدار، وينظم عليها السقف، فإذا كان هذا التصوير ممكناً، فالسَّقف الحائل بين العلو والسفل إذا تداعياه، فهو في أيديهما؛ فإنه في حكمِ الجزء للعلو أرضاً، وهو أيضاً في حكم الجزء للسفل سماءً وسقفاً، فصار توسط السقف بين العلو والسفل كتوسطِ الجدار بين دارين، الواقع سوراً لكل واحدٍ منهما.
هذا إذا كان إحداث سقفٍ للسفل ممكناً بعد تقدير سقف العلو.
4192 - فأمّا إذا كان لا يمكن [إحداث] 2 سقف السفل على وسط الجدار بعد امتدادِه إلى منتهى العلو، وذلك كالأزَج، فإنه لا يمكن استحداثُه على وسط الجدارِ، فإذا كان كذلِك، علمنا أن السَّقف بُني أولاً، واستحدث بعده جدار العُلو وسقفُه، فالسقف في هذه الصورة في يد صاحبِ السُّفل.
4193 - وممَّا يجبُ تأمله فيما قدمناه من تفصيلٍ القولُ في التنازع في الجدار الممتدّ بين الدارين: ذكرنا تفصيلاً في الأَزَج، وجعلنا الأَزَج المبني على الجدار المستوي بمثابة الجذوع التي توضع بعد تمام بناء الجدار، [والأزج] 3 الذي قوّس له الجدار من أسّه هو المعتبر، وهذا التفصيل لا وقع له فيما ذكرناه في السفل والعلو؛ فإن الجُدران المحيطةَ بفضاء السفلِ لا نزاع فيها، وهي مختصة بيد صاحبِ السفلِ، والأَزج هو

الذي فيه الكلام، وقد تبين أنه [ما] 1 بُني أرضاً للعلو، وإنما تم بناء السفل بالأَزَج، ثم كان استحداث العلو بعده، فلم يكن الأَزَج مضافاً إلى العلو والسفلِ، على قضية الاستواء أرضاً وسماءً.
وهذا بيّنٌ.
4194 - فإن كان السقف كما ذكرناه في القسم الأوَّل، وحكمنا بأنه في أيديهما، فلا خلاف أن صاحب العلو يجلسُ عليه، ويضع عليه أثقاله على الاعتيادِ في مثله، وهذا انتفاعٌ بالمشتركِ، وقد تقدم امتناع الانتفاع بالمشترك، ولكن هذا منزَّل على الاعتياد في مثله.
واتفق الأصحابُ على أن صاحبَ السفل، لو أراد تعليق شيء من السَّقفِ، لم يمنع منه، والسَّبب فيه أن صاحب العلوّ انتفع بالسّقف، وملك تثقيله بنفسه وأمتعته، فملك صاحبُ السفلِ مساواتَه في تعليق الأثقال في السَّقف، وهما محمولان على حكم العادة في الباب.
هذا هو المذهب الظاهر.
ومن أصحابنا من لم يجوز لصاحب السفل تعليقَ ثقل في السّقف، ويُلزمه أن يكتفي بالاستظلال من السَّقف.
ومن أصحابنا من قال: إن أمكن التعليق من غير إثبات وتدٍ في جرْم السّقف، جاز، مع اجتناب السَّرَف، ولزومِ الاقتصاد، فأما إثبات الوتد في جِرم السقف، فممتنع.
فتحصل ثلاثةُ أوجهٍ على ما ذكرناه.
4195 - والذي يجب الاعتناء به صرفُ الفكر بين الجدارِ الممتد الواقع بين الدارين سوراً لهما، وبين السقف الفاصل بين العلوّ والسفلِ، فنقول: أصل الفرق لابُدّ منه؛ فإن جلوس صاحب العلوّ، ووضعَه الأثقالَ على السّطح انتفاعٌ ظاهر مؤثر في السقف، وهو مسوَّغ بلا خلاف، ولا يجوز مثله في الجدار الممتد بين الدارين، والسبب فيه أنا لو منعنا صاحبَ العلو ممّا ذكرناه، لتعطل العلو، فكان هذا في حكم الضرورة، من وضع العلو والسفل، ثم ثار الاختلاف بين

الأصحاب في صاحب السفلِ، ثم حاولوا أن يسوّوا بين صاحب السفل والعلوّ، فكان الظاهرُ تمليكَ صاحبِ السفل تعليق شيء في السقف، ليوازي صاحبَ العلو في تثقيل السقف.
ومنع مانعون ذلك، صائرين إلى أن الاستظلال في حق صاحب السفلِ هو قدْرُ الضرورة، وفصَل فاصلون بين نصب الوتِد والتعليق وغير ذلك، كما قدمناه.
4196 - وكان شيخي يقول: إذا منعنا صاحب السفلِ من نصبِ وتِد في الوجه الذي يليهِ من السقف، فنمنع صاحب العلو في العلو من [غرز] 1 الوتِد أيضاًً؛ إذ لا ضرورة فيه.
وإن جوزنا لصاحب السفلِ نصبَ الوتِد في الوجه الذي يليه، فهل يجوز ذلك لصاحب العلو؟ فعلى وجهين؛ فإن صورة التعليق قد تُحوج إلى نصب وتِد، ولا يتحقق مثلُه على هذا النسق في حق صاحب العلو.
وما اختلف الأصحاب فيه من التعليق، فيما يُقدَّر له أثر، فأما ما لا أثر له كتعليق ثوب، أو غيره ممّا لا يؤثر على طول الدهر في السقف، فلا منع منه، ولا يُدرج في الخلاف الذي حكيناه؛ إذ هو بمثابة الاستناد إلى الجدار المشترك الممتد بين الدارين.
وقد يتعلق بهذا الفصل أحكام من عمارة الأملاك المشتركة.
فصل 4197 - الأملاك المشتركة إذا استرمَّت 2، ومست الحاجة إلى العمارة، فإن توافق الشريكان على العمارة، أو على تركها، فلا كلام.
وإن امتنع أحدهما عن العمارة، ودعا الثاني [إليها] 3، ففي إجبار الممتنع عن العمارة قولان: أقيسهما وهو المنصوص عليه في الجديد - أنه لا يجبر الممتنع؛ فإن [الملك] 4 المشترك يشتمل على ملك الممتنع وعلى ملك غيره، ويبعد أن يجبر

لملكه، كما لو انفرد بملك شيء، ويبعد أن يجبر لملك غيره.
والمنصوص عليه في القديم أن الممتنع يُجبر على العمارة، وهذا القول مبني على مصلحةٍ عامة لا سبيل إلى إنكارها، ولو لم يفرض الإجبارُ، لأفضى إلى ضرر بيّن، سيّما في القنوات، وما في معناها من الضِّياع وغيره.
وإن كنا نجبره على القسمة لضرر المداخلة في المساهمة، فالضرر بترك العمارة أشد وأعظم.
التفريع على القولين: 4198 - إن جرينا على الجديد وفرضنا الكلام في العلو والسُّفل ليقيس النّاظر على محل الكلام ما في معناه، قلنا: لو انهدم العلو، والسفل، وامتنع صاحب السفل من العمارة، لم نجبره، فإن قال صاحب العلو لصاحب السفل: أنت حامل ثِقْلي، فأعد الأمر إلى ما كان، واحمل ببناء السفل ثِقْل العلو، لم نجبه إلى مراده في إجبار صاحب السفل؛ فإن جدران السفل خالصُ ملكه، فلم يُجبر على إعادتها.
وما ذكره صاحب العلو من حقه مردود عليه؛ فإن ذلك إنما يثبت إذا بُني السفل، فأمّا الإجبار على تحصيل السّفل لمكان العلوّ، فلا سبيل إليه على هذا القول.
4199 - فلو قال صاحب العلو: أنا أبني السُّفل، وأعيد عليه علوي، فلا يمتنع عليه البناء، وإن كان ذلك تصرفاً في ملك صاحب السفل؛ فإنا إن كنا لا نلزم صاحب السفل شيئاًً، فإبطال حق صاحب العلوّ محال، ومنعه من التوصل إلى حقه في العلو ببناء السفل تعطيلٌ لصاحب العلو.
ثم لا يخلو إما أن يعيد السفلَ بالنقض القديم من غير مزيدٍ، وإمّا أن يُدخل فيه أعياناًَ من ملك نفسه، وأي الأمرين فعل لم يُمنع منه.
أجمع الأصحاب عليه، لما ذكرناه؛ لأن المنع من ذلك تعطيل لحقه.
4200 - ثم ينظر: فإن بنى بالنقض القديم، وكانت أعيان السقف الفاصل بين السفل والعلو عتيدة، فلصاحب السُفل أن يأوي إلى سفله، وينتفع به على حسب ما كان ينتفع به قبلُ [من] 1 المسكن والاستظلال.

فلو قال صاحب العلو: اغرَم لي أجرة البانين، لم يُجب إلى ذلك.
وإن قال: أمنعك من السكون 1، لم يجب إلى ذلك؛ فإنه أوى إلى ملك نفسه.
وإن قال: إذا كان كذلك، فأنا أنقض بنائي، وأرُدُّ الأمرَ إلى ما كان، نُظر: إن لم يأت بعينٍ جديدة في البناء، فليس له نقضه؛ إذْ ليس له في الجدار إلا حقُّ الصنعة، وقد كان انفرد بها، ولا سبيل إلى استدراك الصنعة، فالصنعة 2 لا تستدرك.
وإن كان أعاد جدران السفل بأعيانٍ من عند نفسه، [فله نقضه] 3، وليس له منعُ صاحب السفل من السكنى إلى اتفاق النقض؛ لأنه يقول: أنا أدخل ملكي، فلا سبيل إلى منعه، ثم حيث نمنعه من النقض -وذلك إذا لم يحدث عيناً في البناء- فلو هدم، فالمذهب أنه يغرَم ما ينقصُه النقض؛ فإنه إذا بنى، فقد انقطع عمله، والبناء على صفته مملوك لصاحب السفل، فإذا هدمه، كان جانياً على ملك غيره.
وسنمهد هذه القاعدة في كتاب الغصوب، ونذكر فيها ضبطاً لبعض الأصحابِ، إن شاء الله تعالى.
4201 - ولو كان بنى السفل بأعيان ملكه، فالذي ذهب إليه الأصحاب أنه لا يمنع صاحب السفل من الانتفاع بالسفل سُكنى، وليس للباني إلا النقضُ، والرجوعُ إلى عين ماله.
وذكر صاحب التقريب وجهاً أن لصاحب العلو الباني [منع] 4 صاحب السفل فيقول له إما أن تبذل قيمة أعيان ملكي، وإما أن تنكف عن الانتفاع بها، وإذا دخلت السفل، فقد انتفعت بالسقف والجدران، وهي من أعيان ملكي، وقد بنيتُ ولي البناء.
وهذا وجهٌ غريبٌ غيرُ معتد به، والمذهب والقياسُ ما قدمناه، من أن الباني لا يملك إلا نقضَ البناء، فأما المنع من الانتفاع، فلا.
والذي ذكره صاحب التقريب يشبه قياس المصالح، والمصلحة تقتضي الإجبارَ على العمارة.
وتفريعنا على الجديد.

4202 - فأما إذا قلنا بالقول الثاني، وهو أن الممتنع مجبر على العمارة، فلسنا نعني بها عمارةً تجلبُ مزيداً، فإنا لو أجبرنا عليها، فقد لا نجد لها موقعاً، [سيما في] 1، وإنما الإجبار على العمارة التي لو تركت، لاختل الملك بتركها، ثم قد يتداعى الخلل.
فإن اتفق إجباره، فلا كلامَ، وإن لم يصادفه، فالقاضي يبيع عليه ماله إن وجده، وإن لم يجد له مالاً، فله أن يستدين عليه، وله أن يأذن للشريك في الإنفاق على شرط الرجوع على الشريك الغائب.
ثم الأولى أن يُشهد على ما يجري ليكون أقطعَ للخصومة.
ولو لم يُشهد، وأنكر صاحبه، [إذْ ذاك] 2 يكون القول قول المنكر مع يمينه، فإن استبد الشريك، وأنفق بنفسه من غير مراجعة القاضي، فالذي قطع به معظم الأصحاب أنه لا يرجع على شريكه.
وذكر شيخي وصاحب التقريب وجهاًً آخر أن للشريك أن ينفرد بالعمارة، ويرجع، وهذا الوجه خرجوه على ظفر صاحب الحق بغير جنس حقه؛ فإنا في وجهٍ نجوّز له الانفرادَ ببيع ما ظفر به، واستيفاءِ الحق من ثمنه.
وقال قائلون: إن أمكنه مراجعة الحاكم، [فليس له] 3 أن يستبد إذ ذاك بالإنفاق.
وهذا أعدل الوجوه، وله التفات إلى هرب الجمَّال واستئجار صاحب المتاع جمَّالاً، وستأتي تلك المسألة، إن شاء الله تعالى.
4203 - ثم قال الأئمة: كما اختلف القول في الإجبار على عمارة الملك المشترك، كذلك اختلف القول في أن صاحب السفل هل يُجبَر على العمارة، مع العلم بأن السُّفل خالصُ حقه.
ولكن يتعلق [ببنائه] 4 حقُّ صاحب العلو، فجرى الإجبار

على القول القديم على العمارة؛ لمكان حق البناء لصاحب العلو.
وإذا فرعنا على القول القديم، فبنى صاحب العلو السفلَ بأعيان ملكه، فلو أراد نقضَه، فقال صاحب السفل: لا تنقضه، وأنا أغرَم لك قيمة أعيان ملكك، فأبى الباني إلا النقضَ، فقد أجمع الأئمة في الطرق على أنه يُمنع من النقض على القديم، ونسعف صاحب السفل فَنَقْنَع منه ببذل القيمة؛ فإنا نفرع على القول القديم، ومبناه على رعاية المصلحة، والمصلحة تقتضي ما ذكرناه.
فصل 4204 - إذا ملك الرجل بيتاً، فجاء رجل واشترى منه حقَّ البناء على سطحه، فقد أجمع أصحابنا على جواز ذلك، ودلَّ عليه نص الشافعي.
ثم الذي أطلقه الأصحاب أنَّ 1 هذا بيعٌ، واتفقوا على أنه لا يعتمد ملكَ عين، ولم يمتنعوا من تأبيد العقد، والقضاءِ بلزومه، وترددوا في جواز إنشاء هذا العقد بلفظ الإجارة، فجوز بعضهم ذلك، وامتنع آخرون مصيراً إلى أن الإجارة في وضع الشرع تستدعي إعلام المقصود 2 بطريق النهاية، وذلك يحصل بضرب المدّة تارة، وبذكر عملٍ متناهٍ أخرى: مثل الاستئجار على خياطة الثوب ونحوها.
فإن قيل: ما وجه تسمية هذه المعاملة بيعاً، ومقصودُها منفعة؟ قلنا: البيوع وإن كانت في الظاهر ترتبط بأعيانٍ تقضي بجريان الملك فيها، فنهاية المقصود ترجع إلى الانتفاع، وملكِ التصرف، وهو ضربٌ من الانتفاع، ولكن أضيفت المنافع إلى عينٍ هي متعلّقها، وُضع 3 عن جميع حقوق المنافع فيها بلفظ الملك.
4205 - قال المحققون: هذا النوع الذي نحن فيه بيعُ حقوق الأملاك، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: الإجارة صنفٌ من البيوع، وذهب المحققون إلى جواز عقد

الإجارة بلفظ البيع، ومعتمد المذهب في ذلك مسيس الحاجة إليه، وهو مضنون به، يهون بَذْلُك العوضَ في مقابلته.
ثم إنما ينتظم هذا النوعُ من الانتفاع بالتأبيد، كما أن مقصود النكاح ينتظم بالتأبيد، ولا ضرورة إلى تأبيد الاستئجار للسكون 1 وغيرِه من جهات الانتفاع، والأبنية 2 [وضْعُها] 3 التأبيد.
ويجوز الوصية بالمنفعة أبداً؛ فإنا نحتمل في الوصية ما لا نحتمله في المعاملات.
فهذا عقد المذهب.
4206 - وذهب المزني إلى أن هذه المعاملة فاسدة، لخروجها عن قضية الإجارة والبيع جميعاً، وهذا معدود من مذهبه المختص 4 به، لم يخرِّجه للشافعي.
واحتج المزني بأن قال: لو أخرج الرجل جناحاً في ملك غيره بعوض، لم يصح ذلك، فليكن ما نحن فيه بهذه المثابة.
قلنا له: ما استشهدتَ به يعتمدُ الهواءَ المحضَ، وأمّا حق البناء، فإنه يتعلق بعينٍ، والدليل عليه أن المزني لا يمنع استئجار بقعةٍ مدةً معلومة للبناء عليها، ولا يجوز فرضُ مثل هذا في إشراع الجناح، فبان افتراق الأصلين، في باب جواز المعاملة، في جواز أحدهما ونفيه في الثاني، وآل الكلام بعد ذلك إلى أنا نجوز تأبيد المعاملة للحاجة الماسة، كما تقرر، ولا [نمنع] 5 أيضاً من تقرير هذه المعاملة إن وقع التوافق عليها.
4207 - وينتظم للفقيه في ذلك مراتب: إحداها - البيعُ.
والتأبيدُ مستحق فيه؛ فإنه يتضمن التمليك الحقيقي، واستئصالَ حق المتقدم 6 بالكلية.

[و] 1 هذا يشعر على 2 بقاء الملك للمُكري 3، ودخول المستأجر على وجه الإلمام، والأصلُ لغيره.
ثم هذا ينقسم إلى ما يجب ضبطه بالنهاية؛ إذ لا حاجة إلى إثباته دون الضبط، وفي هذا القسم ضرورات الإجارات، ويقع في هذا ما يظهر فيه قصد التأبيد، كما نحن فيه، ولا يمتنع تأقيتُه أيضاًً.
ومن المراتب - ما يقصد فيه المنفعة، ولكن لا ينتظم أيضاً إثباته على نعت التأقيت [كالنكاح] 4؛ فإن الغرض منه التواصل والتوصل 5 إلى النسل، وذلك ينافيه التأقيت.
[و] 6 لما كان النكاح يسوغ تأقيته في ابتداء الإسلام -لعله 7 - كان يشير إلى اكتفاء بعض الناس بقضاء الأوطار أياماً معدودة، ثم استقر الشرع على استحقاق التأبيد؛ ليقع النكاح على وضعه، ثم قدرة الزوج على الطلاق تُفيده الاستمكانَ من الخلاص إن أراد.
4208 - ثم ما ذكرناه من المعاملة لا يختص بحق البناء؛ إذ لو أراد ابتياعَ حق الممر، أو حقِّ مجرى الماء، أو مسيله 8 في ملكه، ساغ ذلك كلُّه.
والضابط أنها حقوق مقصودةٌ، تتعلق بأعيان الأملاك.
وهذا يَقُضُّ 9 من لا خبرة له بالحقائق، وزعم أن هذه المعاملات بيعٌ، والمبيع

منها الصفحةُ العليا من الموضع الذي يتعلق الحق به، وإنما أُتي هذا القائل من ضِيق العَطن 1، وبلادةِ الفِطن، والمصيرِ إلى [أن] 2 ما سماه الشرع 3 بيعاً يستدعي عيناً مملوكة 4. وقد مهدنا القول في هذا بما فيه أكمل مقنع.
4209 - ثم إذا تمهدت المعاملة، فلا بد فيها -وإن تأبَّدت- من الإعلام اللائق بها، فإن كان مقصودها البناء على جدارٍ، فلا بد من إعلام المبني؛ فإن الغرض يختلف بذلك، فتُذكر الجدران طولاً وعرضاً، وتوصف بكونها مُطبقة أو رَصْفاً، وتوصف السقوف بما يثبتها، ولم يشترط معظم أصحابنا ذكرَ الوزن، وحكى شيخنا عن بعض الأصحاب اشتراط ذلك.
وهذا غلوٌّ ومجاوزةٌ لحكم العادة في الإعلام.
4210 - ومن اشترى من أرضٍ حقَّ البناء عليها، فلا حاجة [بعد] 5 تعيين الأرض وإعلام رقعتها إلى إعلام القدر المبني؛ فإن الأرض تحتمل كلَّ ثقل.
وعلى هذا قال الأئمة: لا يجوز أن يقول الباني على العلو: أبني ما أشاء، ويجوز إيراد المعاملة على الأرض بهذه الصيغة.
4211 - ومن لطيف ما يذكر في ذلك أن من اشترى البناء على علوّ، وصح له ما يبغيه، ثم انهدم السفل، فالقول في عمارة السُّفل والإجبار عليها، كما تقدم.
4212 - والغرض الآن أن ما اشتراه إذا سُلّم إليه، وثبتت يده عليه، ثم فرض التلف، فلا يكون ذلك بمثابة انهدام الدار المكراة؛ فإن الإجارة تنفسخ، وقد تقدّم أن المقصود من المعاملة التي نحن فيها منفعةٌ مؤبدة، فلا انفساخ؛ إذ لا خلاف أن = الذي وصفه الإمام بهذه الصفات.

السفل لو أعيد، فحق البناء ثابتٌ لمستحقه، والدار لو أعيد بناؤها، لم تعد الإجارة التي حكمنا بأنفساخها.
فخرج مما ذكرناه أن التلف بعد التسليم لا يوجب الانفساخ، والعوض المأخوذ لا يرتد، ولكن من أتلف هذا الحق على إنسانٍ، ضمن له قيمتَه، فيقال له: [اغرَم] 1 قيمةَ حق البناء على هذا الموضع.
4213 - ولو باع صاحب السفل حقَّ البناء، ثم إنه أتلف السُّفل بعد التسليم، وغرمناه القيمة كما ذكرناه، وقررنا العوضَ في يده، فلو أعاد البناء بعد سنةٍ مثلاً، فيعود حق البناء.
ويسترد تلك القيمةَ، ويُقضى بأنها سلمت في مقابلة الحيلولة، كما يغرَمُ الغاصب قيمةَ العبد المغصوب إذا أبق، وإذا رجع استرد العوض المبذولَ على مقابلة الحيلولة.
4214 - فإن قيل: فهل يغرَم متلفُ السفل لمستحق البناء على العلو أجرةَ البناء للمدة التي دامت الحيلولة فيها؟ قلنا: لا سبيل إلى ذلك؛ فإن هذا مما يبعد تبعيضه، ومن هدم على رجلٍ داره، غرِم أرشَ النقض، ولم يغرَم قيمة منفعة [الدار]، 2 بعد هدمها، كذلك القول في إتلاف السفل، وتعطيل حق البناء.
ومن هذا الوجه يُشبّه المعقودُ عليه في هذه المعاملة بالعين المملوكة تتلفُ.
والذي يوضح المقصود: أن حق البناء إذا عاد، فقيمته -وهو مؤبّد- لا تنقص عن قيمته قبل هذا بسنين وهو مؤبد، فإن ما يقدّر لا يُحطُّ مما لا يتناهى.
وليس من حصافة الفقيه أن يقول: قد يستأجر الرجل علواً للبناء عليه عشر سنين، فلنوجب مثلَ ذلك العوض على من أوقع الحيلولةَ في تلك المدة؛ فإن مسألتنا مفروضةٌ فيه إذا عاد إليه الحق المؤبد، فليفهم الناظر، [ولْيتأنَّ] 3 في هذا المقام.
فرع: 4215 - إذا كان للإنسان حق مجرى ماءٍ في ملك غيره واسترم 4 ذلك

[المجرى] 1، فلا يجب على صاحب [الحق] 2 المشاركة في العمارة "فإن تيك العمارة تتعلق بأعيان الملك، وليست الأعيان لمستحق المجرى.
ولو كان ذلك [الاختلال] 3 بسبب جريان الماء، فعمارةُ المجرى على مَنْ؟ هذا محتملٌ عندي، والظاهر أن العمارة لا تجب على مستحق الجري، ولعلنا نطلع [في] 4 ذلك على تصرفٍ لبعض الأصحاب فنلحقه بهذا المحل.
فصل 4216 - إذا كان لرجل سُفل دارٍ، أو سفل خَانٍ 5، وما فيه من بيوت، وأروقة، وصُفَف 6، وكان علو الخان لآخر، وصاحب العلوّ كان يرقى من درجٍ في السفل إلى علوّه.
فلو تنازعا في العرصة هي في يد من؟ فكيف التفصيل؟ قال علماؤنا: إن كان المرقى في آخر الخان، بحيث يخرق الماشي إليه العرصةَ، فالعرصةُ -والحالة هذه- في يد صاحب السفل والعلو جميعاً، فإنها محل انتفاعهما.
أجمع الأصحاب على هذا في الطرق.
وفي القلب من هذا أدنى شيء؛ من جهة أنا لا نلقى لصاحب العلو في العرصة إلا حقَّ الممر، وقد قدمنا في الفصل السابق أن حق الممر يجوز أن يُشترَى على حياله، ووجدنا لصاحب السفل حقُّ الممرّ، والتبسطُ في العرصة، بالوضعِ فيها، والجلوس، وما شاء من ذلك، وكان لا يبعد في طريق المعنى ألا يثبت لصاحب العلو

إلا حقُّ الممرّ، فأمّا الملكُ في رقبة العرصة، فلا.
ولم يصر إلى هذا أحدٌ من الأصحاب؛ فإنَّ المقصود الظّاهر من العرصات المرور؛ والذي يرقى إلى العلو لا يلزمه أن يستدّ 1 في مقابلة المرقى، ولو أراد أن يجلس ساعة، أو يقف، فلا منع.
وكذلك جرى العُرف بأن صاحب العلو لا يُمنع من وضع شيء في عرصة الخان.
فهذا منتهى القول في ذلك.
4217 - ولو كان المرقى في دهليز 2 الخان، فتنازعا في ذلك، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في ذلك: فمنهم من قال: اليد فيها لصاحب السفل.
ولعله الأصح، ووجهه بيِّن.
ومنهم من قال: هي في أيديهما، وهذا الخلافُ قرَّبَه الأصحابُ من التردد الذي ذكرناه في السكة المنسدّة 3 الأسفل 4، إذا أشرع بعض السكان جناحاً في أسفل السكة، فهل يثبت لمن أعلاها حقُّ الاعتراض، ولا ممرَّ له في أسفل السِّكة، وهذا التشبيه قريب.
ويمكن أن يقال: العلو محتفٌّ بالعرصة احتفافَ السفل، والهواء [محتوش] 5 بالسفلِ والعلو، فلا يبعدُ والحالة هذه أن تضاف العرصة إليهما؛ فإنه يقال: صحن الخان، وعرصة الخان، والعلو والسُفل من الخان.
وهذا الذي ذكرناه ظاهر فيه إذا كان مالك العلو يحيط ملكه بالعلو كله.
وإن ملك بعضاً منه، وملك إنسان بعضاً من السُفل، فالاستحقاق من المستحق على قدر الاستحقاق في السفل والعلو، على التفصيل الذي ذكرناه.

4218 - ولو كان المرقى على نصف العرصة لا في صدر الخان، فإن قلنا: اليد في العرصة لهما لو كان المرقى في الدهليز، فما الظن بهذه الصورة؟ وإن قلنا: يختص باليد على العرصة صاحب السفل، إذا كان المرقى في غير الدهليز، فاليد تثبت لصاحب العلوّ على ما يُسامت ممشاه من العرصة، وفيما وراء المرقى التردد الذي ذكرناه في أعلى السكة وأسفلها.
وهذه الصورة على حالٍ أولى بأن تثبت اليد فيها لصاحب العلو على ما لا ممشى له فيه من العرصة.
4219 - ولو كان مرقى العلو خارجاً من خِطة الخان، فيبعد -والحالة هذه- أن يثبت لصاحب العلو يدٌ في العرصة، وليس كما لو كان المرقى في الدهليز؛ فإنَّ الدهليز من العرصة، فكان من العرصة كأعلى السكة من أسفلها.
هذا قولنا في العرصة وثبوت اليد فيها.
4220 - فأمَّا الدرج والمرقى، فقد قال الأصحاب: إن لم يكن لصاحب السفل به انتفاع، ولم يكن تحته بيت مسكون، فاليد في المرقى لصاحب العلوّ فحسب.
وإن كان ينتفع صاحب السفل بالدرج، بأن كان يصفف عليها الصفريّات 1 وغيرها، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن اليد لصاحب العلو، كما ذكرناه.
والثاني - أنهما مشتركان، فإنهما مشتركان في المنفعة.
والأصح الأول؛ فإن الدرج لا تبتنى لذلك، وإنما تبنى للرقي فيها.
ولو كان تحت المرقى بيت، وهو سقفه، فاليد لهما في الدرج؛ فإنها سقفُ أحدهما من جهة، وممرّ الآخر من أخرى، فصار كالسقف من السفل والعلو.
ولو كان لا ينتفع صاحب السُّفل إلا بوضع الجدار والكيزان 2 تحت الدرج مستظلاً

بها، فالظاهر أن ذلك لا يوجب له يداً في الدرج، وفيه شيء بعيد.
4221 - وأصل الدرج في يد من الدرج في يده؛ فإن مغرس الشجر، وأسَّ الجدار في يد من له اليد في الشجرة والجدار.
وقد نجز الغرض من المسائل المقصودة في الصلح.
وذكر المزني فصولاً معادة، قليلةَ الفائدة، سنجمعها في فصلٍ في آخر الكتاب.
فصل قال: "وإن كان لرجلٍ شجرةٌ، أو نخلةٌ، فاستعلت أغصانُها ... إلى آخره" 1. 4222 - إذا غرس الرجل شجرة في ملكه، فعلت وانتشرت أغصانها في هواء ملك الغير، فله أن يمنعه من ذلك؛ فإن هواء ملكه حقُّه، وإن أمكن صرفُ الأغصان عن الهواء، بأن تضم إلى الشجرة، كفى ذلك، وإن كان لا يتأتى تفريغ الهواء إلا بقطع الأغصان، فلا بد من قطعها، إذا طلب صاحب الهواء تفريغه.
وانتشار العروق تحت الأرض، كانتشار الأغصان في الهواء، والأرض أولى بالتنقية؛ فإنها مملوكة، والهواء حق الملك، والشكاير 2 التي تنبت على العروق المنبثة لمالك العروق، وإن حدثت في ملك الغير، خلافاً لأبي حنيفة.
= بالوضع تحت الدرج؟ ولعل في الكلام تصحيفاً.
أو أن الكلمة (عامية) من ألفاظ التجار في ذلك العصر.
هذا مع أننا لم نجدها في معاجم المعرب والدخيل (للشهاب الخفاجي، وأدّي شير، والجواليقي).
وعبارة الرافعي: "وإن كان تحته (الدرج) موضع حب أو جرَّة، فوجهان ... والأصح أنه لصاحب العلو، لظهور بنائه لغرض صاحب العلو، وضعف منفعة صاحب السفل": فتح العزيز: (10/ 336 بهامش المجموع).

فصل يجمع المسائل التي ذكرها المزني 4223 - ونحن نورد صورها، ونرمز إلى المُعاد، ونذكر ما يشتمل على فائدةٍ جديدة.
فممَّا ذكره: أن 1 من صالح عن دراهمَ بدنانير، أو عن دنانير بدراهم، أو عن عين بدين، أو عن دين بعين، وكل هذا ممَّا تقدّم.
وممَّا زاده أنه إذا جرى القبض في المجلس، فيتعلق القول بتفريق الصفقة 2. 4224 - وممَّا ذكره أن من ادعى داراً في يد إخوةٍ، وكانت تحت أيديهم على حكم الإرثِ في الظاهر، فقال المدعي: هذه الدار لي، كان غصبها أبوكم مني، فلو صدقه أحدُ الإخوة، وكذبه [الآخران] 3. فيثبت الثلث بتصديق ذلك المصدق.
فلو صالحه الأخ المقِر على جميع الدار، فنقول: أما صلحه عما في أيدي إخوته، فسبيله كسبيل صلح الأجنبي عن العين المدعَى عليه مع إنكاره، وقد مضى، فإن صححناه، فذاك، وإن أبطلنا الصلح في حق الآخرين، فهل يصح في حقه؟ فعلى قولي تفريق الصفقة، وقد مضى هذا في تأصيل الكتاب.
فصل 4 4225 - إذا ادعى على رجلين داراً، فأقر له أحدُهما بنصيبه، وأنكر الثاني، فقد ثبت النصف بحكم الإقرار للمدَّعي، فلو صالحه المقر عن النصف الذي أقر به على مالٍ، فالصلح صحيح بينهما.
فلو قال الأخ المنكر: آخذ هذا النصف بالشفعة، نُظر: فإن كان سبب استحقاق كل واحد منهما مخالفاً لسبب استحقاق الثاني، فيثبت

للمنكر حقُّ الشفعة، كأن كان أحدهما اشترى نصيبه، والثاني ورثه من جهةٍ أخرى، أو اتّهبه.
والسَّبب فيه أن السبب إذا اختلف، فليس في إنكار المنكر في نصيبه تكذيبُ المدعي في نصيب صاحبه، وإن كان ثبت حقهما ظاهراً من جهة واحدة لا تنقسم كالإرث مثلاً، فإذا ادّعى عليهما، فأقر أحدهما، وأنكر الثاني، ففي [ضمن] 1 إنكار المنكِر تكذيبُ المدّعي في جميع دعواه، فإذا جرى الصلحُ، وحكمنا بصحته بين المدّعي والمقر، فالمذهب الظاهرُ أنه لا يثبت حق الشفعة للمنكر، وأبعد بعض أصحابنا فأثبت له الشفعة، وهذا بعيد، لا أصل له؛ فإن الإنسان مؤاخذ بحكم قوله في حق نفسه.
4226 - وممَّا ذكره المزني أن من ادعى داراً في يد إنسانٍ، فأقر المدعى عليه بها، ثم صالحه على أن يبني 2 على سطحها، [جاز] 3، وهذا كلام عري عن التحصيل، وحاصله أنه أقر بالدار، ثم طلب منه أن يُعير منه سقفها ليبني عليه، وليس هذا مما يورد في المختصرات.
4227 - وممَّا ذكره المزني نقلاً عن كتاب أدب القاضي 4 أن الشافعي قال: "لو كان البيت علوُّه لواحد، وسفلُه لآخر، فأرادا أن يقتسماه على أن يصير العلوّ لصاحب السُّفل، والسفل لصاحب العلو، قال الشافعي: لا يجوز ذلك".
وإنما نقل هذا تأكيداً لمذهبه في أن حق البناء لا يجوز بيعه، وهذا كلام مضطرب؛ فإنه يجوز بيع العلو بالسفل، وإنما أورد الشافعي هذا في سياق ما لا يجبر عليه من أنواع القَسْم، وعد منها ما نقله، ولم يُرد منعَ التبادل إذا صدر عن تراضٍ منهما، ثم أنَّى هذا من مراد المزني في

بيع حق البناء، والمسألة التي نقلها في بيع العلو بالسفل، والعلو مبني كالسفل.
4228 - ومما نقله المزني مسألة معادة في شراء الزرع 1، ونحن نطردها بمزيد فائدة فيها، فنقولُ: إذا ادّعى رجل على رجل زرعاً في أرضٍ، فاعترف المدعى عليه، وصالح عن الزرع على شيء، فلا بُدّ من شرط القطع؛ فإن الصلح مع الإقرار بيعٌ.
وإن لم يجر شرطُ القطعِ، والأرضُ لغيرِ المقر، لم يجز.
وإن كانت الأرض للمقر، ففي المسألة وجهان، تقدّم ذكرهما، في باب بيع الثمار، إذ ذكرنا أن من اشترى النخلة والثمرة جميعاً، فليس عليه شرط القطع، وإن اشترى الثمرة وحدها قبل بدوّ الصَّلاح، فلا بد من شرط القطع.
وإن كانت الشجرة له والثمرة لغيره، فاشترى الثمرة، وضم ملكها إلى ملك الشجرة، ففي اشتراط القطع الخلاف الذي ذكرناه الآن في الزرع.
4229 - فلو أقر المدعَى عليه بنصف الزرع، ثم أراد بيعَه، وهو أخضر، أو المصالحةَ عنه حيث يشترط القطع، فالبيع فاسد؛ فإنّ قطعَ النصف غيرُ ممكن، ولا يتوصل إليه إلا بقطع الجميع 2. قال الأصحاب: لا يتصور [شراء] 3 نصف الزرع بشرط القطع، إلا في صورة واحدةٍ، وهي إذا كانت الأرض والزرع مشتركين بين شخصين، فاصطلحا على أن يصير الزرع خالصاً لواحد، والأرض خالصة لآخر، بشرط القطع.
قيل: يصح، ويلزم قطع النصف، بحكم شرط القطع فيه، وقطع النصف بحكم تفريغ المبيع 4، وهي الأرض، وهذا فيه نظر.
وقد منع طائفة من المحققين البيعَ في هذه الصورة أيضاً؛ فإن تفريغ الأرض من

الزرع لا يجب بقطعه، وإذا شُرط، لم يجب الوفاء، فيبقى تعذّر استحقاق القطع.
ثم الذين قالوا بالصحّة، بناءً على شرط تفريغ الأرض، فلست أدري ما قولهم في أن شرط التفريغ هل يجب الوفاء به؟ أم هو على الجواز؟ هذا محتمل؛ من جهة أن هذا ليس في المعقود عليه من الزرع، وإنما هو في بيع حصّةٍ من الأرض.
ولو باع رجلٌ أرضاً مزروعة، واستثنى الزرع لنفسه، وشرط قلع الزرع، وتفريغ الأرض منه، ففي وجوب الوفاء تردد للأصحابِ، قدمت رمزاً إليه في بيع الثمار.
وهذا منزَّلٌ على ذلك.
فرع: 4230 - إذا كان للرجل حقُّ مسيل ماءٍ في أرض الغير، فليس له أن يدخل الأرض من غير سبب وحاجةٍ.
ولكن إن مسَّت الحاجة إلى تنقيته من الحَمْأة 1، وسدِّ البثق 2، وغيره، فله طروق الأرض، لهذا السَّبب.
هكذا قال الأصحاب.


فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل