نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 165-204
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصداق

صفحات 165-204
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فإن خالعها على ما هو جنس الصداق، صح الخلع؛ فإنه لم يورده على الصداق.
ثم يتشطر الصداق إن كان الخلع قبل المسيس، ويجب المسمى بكماله إن كان بعد المسيس.
ثم تجري أقوالٌ في التقاصّ في قدر التساوي على ما ستأتي مشروحة، إن شاء الله عز وجل.
8531 - وإن [خلعت] 1 نفسها بصداقها، وكانت مدخولاً بها، صح الخلع، وبرىء الزوج عن الصداق الذي كان استقر عليه بالمسيس.
وإن خلعت نفسها قبل المسيس بالصداق، لم تخل إمَّا أن تخلع بتمام المسمى، وإما أن تختلع بنصف المسمى، فإن اختلعت بتمام المسمى قبل الدخول، فحكم الخلع تشطير الصداق.
فإذا كان الصداق ألفاًً، وقد جرى منها الاختلاع عليه، فنصف العوض المذكور حقُّ الزوج.
فالعوض متبعِّض إذاً، بعضه مستحَق، وبعضه ثابت على ما تقتضيه المعاملة.
فيخرج في هذا المقام قَوْلا تفريق الصفقة: فإن أفسدنا الصداق 2 بالتفريق، جرى القولان في أن الصداق إذا فسد؛ فالرجوع إلى مهر المثل، أو إلى بدل العوض المسمى، فإن قلنا: الرجوع إلى مهر المثل، فالزوج يستحق عليها مهرَ مثلها، وقد سقط نصف المسمى، وهي تستحق نصفَ المسمى، فإن تجانسَ المالان، جرى أقوال التقاصّ.
وإن رجعنا عند فساد المسمى إلى بدله، فالمسمى دراهم، وبدلها دراهم؛ فإنها من ذوات الأمثال؛ فيستحق الزوج عليها ألفَ درهم، وهي تستحق على زوجها خمسمائة، ولا يخفى التقاصّ، هذا إذا فرعنا على أن التفريق مفسدٌ.
فأما إذا قلنا: التفريق لا يُفسد، فيصح نصف المسمى، وهو نصيبها من المهر.
ويجري الآن القول في أن للزوج الخيار، فإن فسخ 3، عاد القولان إلى أن الرجوع

إلى مهر المثل، أو إلى مثل جميع المسمى؟ ففي قولٍ يستحق عليها مهرَ مثلها، وفي قولٍ يستحق عليها مثلَ ما سمى، وهو ألف درهم.
وإن اختار الإجازة، جرى الخلاف في أنه [يجبُر] 1 بالكل أو بقسطٍ، فإن قلنا: إنه يجبر بالكل، فيجبر الخلع بمقدار حصتها من المهر، وهو خمسمائة، فيسقط الشطر بالتشطير، ويسقط الباقي بالعوضية.
وإن قلنا: يجبر بالقسط؛ فيرجع فيما هو مستحق بنصف مهر المثل، أو بنصف البدل، والبدل مثلٌ؟ فعلى القولين.
ولا يخفى أن ما ذكرناه من الخيار فيه إذا كان الزوج جاهلاً بحقيقة الحال في الشطر والتفرق.
هذا كله إذا كان الصداق ألفاًً [فاختلعت] 2 نفسها بالألف الذي هو صداق.
ولو اختلعت نفسها بألف مطلَقٍ، فلا يكون صداقاً، ويصح الخلع، واستحق الزوج عليها الألف، وهي تستحق الخمسمائة.
8532 - ولو أنها اختلعت نفسها عن زوجها بنصف مهرها -وهو خمسمائة- وهي غير ممسوسة، فهذا يصوّر على أوجه: أحدها- أن تقول: اختلعت نفسي بالخمسمائة التي تبقى لي، فإذا قالت ذلك، صح الخلع بتنصيصها على تخصيص المقدار الخالص لها، ثم لا يخفى أن موجب ذلك سقوط جميع المهر، النصف منه بحكم التشطر، والنصف بحكم المعاوضة.
والصورة الثانية - أن تقول: اختلعت نفسي بخمسمائة شائعة من مهري، وصرَّحَت بما ينافي الاختصاص، فهذا تفريق؛ فإن النصف مما ذكرته مستحَق للزوج، والنصف لها، فيعود التفريع كما مضى، ولكن تختلف الأقدار.
أما النصف من الألف، فيسقط بحكم التشطر، ويقع الكلام في النصف الثاني.
فإن أفسدنا العوض بالتفريق فيرجع الزوج -في قولٍ- إلى تمام مهر مثلها، وفي

قول إلى خمسمائة.
وإن لم نُفسد واختار الزوج الفسخ، فالجواب كذلك.
فإن اختار [الإجازة] 1 وقلنا: يجبر بالتمام، كان بدل الخلع مائتين وخمسين، والحكم أن الزوج يبرأ عن سبعمائة وخمسين بحكم التشطير والعوض ويبقى لها بقية المهر.
وإن قلنا يجبر بالبعض، ففيما يرجع به قولان: أحدهما - إنه يرجع بنصف مهر المثل، فله عليها نصفُ مهرها، ويسقط من مهرها سبعمائة وخمسون، ولها عليه مائتان وخمسون.
الصورة الثالثة - أن تقول: اختلعت نفسي بخمسمائة من المهر، ولم تصرح بالإشاعة ولا بما يختص بها، ولكنها أطلقت الاختلاع كذلك، فنقدم عليه تجديد العهد بما إذا قال الشريك في الدار بالنصف: بعت نصفي، فإن قال ذلك، صح، وإن قال: بعت النصف من هذه الدار.
فمن أصحابنا من حمل ذلك على ملكه، ومنهم من حمله على الإشاعة، فمن حمل على النصف الذي له صحح، وإن حمل على الإشاعة؛ فإن النصف مما باعه له، والنصف لشريكه، فتتفرق الصفقة.
نعود إلى مسألتنا، ونقول: إذا اختلعت المرأة بخمسمائة على الإطلاق؛ فقد اختلف أصحابنا على طريقين: فمنهم من خَرَّجَ هذا على بيع نصف الدار مطلقاً ممن يملك نصفها، ففي وجه نقول: اختلاعها بالخمسمائة محمول على اختلاعها بحقها الخالص، وهذا يلتفت على الحصر.
وفي وجه نقول: اختلاعها واقع بحقها وحق الزوج.
ثم تسترسل التفاريع على قوانينها.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من قطع بأن الخمسمائة محمولة على الإشاعة، والفرق بين هذه الصورة وبين بيع نصف الدار [أن] 2 من يبيع نصفَ الدار مالكٌ لنصفها دون غيره، يُحمَلُ تصرفُه على ما يملك.
وإذا اختلعت بالخمسمائة في مسألتنا، فقد أنشأت الاختلاع والمهر غير متشطر، وإنما يقع التشطر مع اختلاعها، فهذا موجَب القطع بالحمل على الإشاعة.
وقد يرد على ذلك أنها إذا خصصت بما يبقي لها، فهذا تعليق بما سيبقى إذاً، فهذا منتهى الكلام في هذا.

8533 - ثم تعلق المزني بنص الشافعي في الحمل على الإشاعة في هذه المسألة التي نقلها، واستدل بنصه في مسألة هبة بعض الصداق، وقال: ينبغي أن تحمل هبة البعض [على] 1 الشيوع، كما نقله في مسألة الاختلاع ببعض المهر.
فاختلف أصحابنا في الجواب؛ فقال بعضهم: جرى الشافعي فيما نقله على قول الشيوع، وهذا النوع متداول بينه وبين الأصحاب.
وقال قائلون: نفرق بين مسألة الخلع وبين مسألة الهبة، ونقول في مسألة الخلع: اقترن سببُ استحقاق الزوج بتصرفها، فنفوذ التصرف واستحقافُ الزوج يلتقيان ويقربان، فكل ما وقع التصرف فيه يجعله عوضاً محسوباً من الحقين، حق الزوج، وحقها.
وليس [كذلك] 2 مسألة الهبة؛ لأنها وهبت النصف في حالةٍ لم يكن للزوج فيها استحقاقٌ في عين الصداق، ولا سببٌ للاستحقاق، فكان تصرفها محمولاً على خالص حقها، وإذا حمل تصرفها على حقها الخالص، تعين صرف ما بقي إلى خالص حق الزوج، وقال هؤلاء: نظير مسألة الخلع أن يطلقها والصداق بعدُ في يدها بكماله، فلو تصرفت في النصف، فلا يكون تصرفها في خالص حقها، بل يجعل شائعاً في الحقين.
فصل قال: " فأما في الصداق غيرِ المسمى، أو الفاسد، فالبراءة في ذلك باطلة؛ لأنها أبرأته مما لا تعلم ... إلى آخره " 3. 8534 - إذا نكح المرأة نكاحَ تفويض، فقد ذكرنا أن لها حقَّ طلب الفرض.
فلو قالت: أسقطت حقي عن طلب الفرض، لم يسقط حقها.
فلو أكبّت على الطلب، فبادر وطلقها، فقد كُفي الرجل أمر الطلب، وليس لها إلا المتعةُ قبل الدخول.

8535 - وإذا طلق الرجل امرأته في نكاح مشتمل على التسمية قبل المسيس، وحكمنا بأن شطر المهر لا يرجع إلى الزوج إلا باختيار التملك، فلو قال: أبطلت حقي في التملك، بطل حقه، ولا حاجة في ذلك إلى قبول المرأة، وإن فرعنا على أن صحة الإبراء تقف على القبول.
وسبب هذا أن ثبوت حق التملك يضاهي ثبوتَ حق الشفعة، ثم حق الشفيع يبطل بالإبطال من غير قبول؛ فإن من يشترط القبولَ في الإبراء يحمله على التمليك.
وهذا المعنى لا يتحقق فيما نحن فيه.
هذا قول القاضي فيما نقله عنه من يوثق بنقله، ويظهر عندي ألا نحكم ببطلان حقه من التملك إذا فرعنا على الوجه الضعيف؛ وينزل إبطالُ حق التملك منزلةَ إبطال الواهب حقَّه في الرجوع في الهبة؛ فإنه لو قال: أبطلت حقي في الرجوع، لم يبطل حقه، ولغا ما جاء به.
فإن قيل: هلا شبهتم ذلك بالغانم يُبطل حقه عن المغنم؟ فإنه يَبطُل حقُّه من أجل أنه لم يملك المغنم، بل ملك أن يتملك.
قلنا: لا بأس بهذا السؤال، ولكن الواهب يملك نقضَ ملكٍ قام للمتهب، والغانم يُبطل حقَّ تملّكٍ وليس تملّكه نقضاً لملك تام.
فهذا تشبيه من طريق الظاهر.
والتشبيه بالرجوع في الهبة أعوص، وذلك أن ملكها تم بالإصداق، وقد تلقّته من قِبل الزوج، وإذا أراد الزوج استراداد النصف، فإنما يسترجع ملكاً تاماً، فكان تشبيهاً بالرجوع في الهبة.
وهو بعيد عن حق الشفعة؛ من قِبَل أنه دَفْعُ ضرار، كالرد بالعيب، والشفيع داخل على ملك المشتري، فكان أصلُ حقه نازحاً عن القياس، ربطه الشرعُ بدفع الغرر، فإذا وقع الرضا به، لم يبعد سقوطه، ولهذا كان طلبُ الشفعة على الفور على الأصح، واختيار الزوج التملك ليس بهذه المثابة، والمسألة على حالٍ محتملة.
وقد قدمنا في صدر الكتاب تشبيه تملك الزوج بالرجوع في الهبة، فكان ذلك جرياناً على أحد الوجهين في الاحتمال.
8536 - وإذا كان النكاح نكاحَ تفويض، فإن قلنا: لا تستحق المرأة بالعقد شيئاً، فلو أبرأت عن المهر، لم يصح ذلك منها؛ فإنه إبراء قبل الوجوب.
وإذا فرعنا على

أنها تستحق المهرَ بالعقد، نُظِر، فإن كانت عالمة بمهر مثلها، صح إبراؤها، وإن كانت جاهلة بمبلغ مهر المثل، فلا يصح إبراؤها فيما جهلته، وهل يصح إبراؤها في المقدار المستيقن؟ فعلى قولين.
وبيان ذلك أنها لو استيقنت أن مهرها لا ينقص عن ألف، وجوّزت أن يبلغ ألفين، فإذا أبرأت عن مهر مثلها لم يصح إبراؤها عما هي مترددة فيه.
وهل يصح إبراؤها عن الألف المستيقن؟ فعلى ما ذكرناه.
فإن قيل: إذا فرعتم على أن المفوضة لا تستحق بالعقد شيئاً، فهلا جعلتم إبراءها عن مهر المثل إذا علمته بمثابة الإبراء عما لم يجب، ووُجد سببُ وجوبه؟ [و] 1 في مثل هذا قولان؟ قلنا: ليس هذا بمثابة إبراء المرأة عن نفقة غدها؛ فإن النفقة وإن لم تكن واجبة في الحال، فالنكاحُ يفضي إلى وجوبها من غير سببٍ آخر، فاستمر القولان في مثل ذلك، ومهر المفوضة على قولنا: إنها لا تستحق شيئاً بالعقد لا يثبت إلا بسبب سيحدث، يتعلق إنشاؤه بالاختيار: كالفرض والمسيس.
وقد ذكرت قولاً جامعاً في ضمان ما لم يجب في ترتيب القديم والجديد، والإبراءُ عما لم يجب بمثابة ضمان ما لم يجب.
8537 - ومما يجب التنبه له أن نص الشافعي في كتبه يشير إلى أن المفوضة لا تستحق بالعقد شيئاً، وفي هذا الفصل من نص الشافعي ما يدل على أنها تستحق بنفس العقد المهر؛ فإنه قال: " فأما في الصداق غير المسمى أو الفاسد فالبراءة في ذلك باطلة لأنها أبرأته مما لم تعلم ". فقوله: " الصداق غير المسمى " يشير إلى صورة التفويض.
ثم أبطل الشافعي الإبراء، وعلل إبطاله بأنها أبرأت عما لم تعلم.
ولو كان الصداق غير واجب بالعقد، لكان تعليل إبطال الإبراء [بعدم الوجوب] 2؛ فإن ما لا يجب لا يعلل إبطال إسقاطه بكونه مجهولاً؛ إذ المجهول ثابت على الجهالة وهذا حسن.

ولكن يتطرق [إليه] 1 حمل النص على تعرية النكاح عن ذكر المهر من غير إذن صريح من المرأة في التعرية.
وقد ذكرنا أن هذا يقتضي ثبوتَ المهر، وليس من صور التفويض، وإنما يلتحق النكاح بالتفويض التام إذا صرَّحت المرأة بالرضا بإسقاط المهر.
والمفوضة لو أبرأت عن المتعة قبل الطلاق، لم يصح إبراؤها؛ لأن ذلك إسقاط ما لم يجب بعدُ، ولا يخرج على القولين المشهورين في أنَّ ما لم يجب، ووُجد سبب وجوبه، هل يصح الإبراء عنه؟ فإن وجوب المتعة محال على الطلاق الذي سيقع؛ فليس النكاح سبباً خاصاً في إيجاب المتعة، وقد ذكرنا هذا في إبرائها عن المهر، إذا قلنا إنها لا تستحق المهر بأصل العقد.
...

باب الحكم في الدخول وإغلاق الباب وإرخاء الستر

قال الشافعي: " وليس له الدخول بها حتى يعطيَها المال ... إلى آخره " 1. 8538 - للمرأة حبسُ نفسها عن زوجها، حتى يتوفر الصداقُ عليها كَملاً، وقد ذكرنا في البيع نصوصاً وأقوالاً في أن البداية [بالتسليم] 2 على من تجب من البائع والمشتري؟ فكان الحاصل أربعةَ أقوال: أحدها - إنه يجب على البائع البداية بتسليم المبيع أولاً.
والثاني - إن البداية تجب على المشتري.
والثالث - إنهما يُجبَران معاً.
والرابع - إنهما لا يُجبران، ولكن من بدأ منهما بتسليم ما عليه، أُجبر صاحبه على التسليم حينئذ.
والزوج في النكاح في مقام المشتري، والمرأة في مقام البائع، وتجري بينهما ثلاثة أقوال: أحدها - إنهما يجبران جميعاً إذا تنازعا البداية.
والثاني - إنهما لا يجبران، ولكن من بدأ منهما أُجبر صاحبه على تسليم ما عليه، فإن بدأت المرأة بتسليم نفسها، وجب على الزوج بعد تسليمها أن يسوق إليها صداقَها.
فإن بدأ الزوج بتسليم الصداق، وجب عليها أن تسلم نفسها، إذا لم يكن بها عذر، كما سنصف المعاذير من بعدُ.
والقول الثالث - إنه يجب على الزوج البداية بتسليم الصداق، ولا يخرّج قولٌ: إنه يجب عليها البداية بتسليم النفس، وإن كنا ذكرنا قولاً في إيجاب البداية على البائع، فهي في مقام البائع ومحلِّه، والفارق أن المرأة إذا بدأت فسَلَّمت نفسها؛ كان في

تسليمها تفويتُ منفعة البضع على وجهٍ لا يُفرض الرجوع إليها، وليس كذلك البائع؛ فإنه إذا سلَّم، فلم يَفِ المشتري بتسليم الثمن، أمكن فرضُ رجوعه إلى المبيع؛ فإنه لا يفوت عنه بالتسليم.
8539 - ثم إذا لم نوجب على واحد منهما البداية، فَمِنْ حُكْمِ هذا القول أن المرأةَ لا تطالِبُ زوجها بالمهر، ولا يثبت لها حقُ المطالبةِ به ما لم تُسَلِّم نفسَها، فإنْ سلَّمت نفسَها، ووطئها الزوج، استقر المهر، وحقت الطَّلبة.
وإن مكّنت، فامتنع الزوجُ، توجهت الطَّلبةُ بالمهر، وإنْ لم يتقرر المهرُ، فيكفيها تسليطُها على الطلب وإن لم يقرر المهر.
ومن لطيف الكلام أنها لو مكنت، ثم امتنعت وأخذت تطلب، لم يكن لها الطلب؛ فإنها عادت إلى منع البداية، والذي جرى منها لم يكن بداية تامة.
فبين التقريرِ واستقرارِ الطلب بالمسيس، وبين تفويت حق الطلب مرتبةٌ يفهمها الفطن.
ثم هذه المرتبةُ شرطُها أن تستمر المرأةُ على التمكين منها ولا تُبدي إباءً.
وإذا قلنا: إنهما يجبران، فتصوير ذلك: أن يؤخذ الصداقُ من الزوج ويوضعَ على يديْ عدل، ثم تُجبرُ هي على تسليم نفسِها، فإذا سلَّمت نفسها سُلِّمَ الصداقُ إليها.
والذي نراه في ذلك أنها إذا سلمت، فلم يأتها الزوج؛ فعلى العدل تسليم الصداق إليها على القاعدة المقدمة.
ولو قدّرنا تسليم الصداق إليها في هذا المنتهى، فَهَمَّ الزوجُ بوطئها، فامتنعت، فالوجه استرداد الصداق منها.
وإذا قلنا: الزوج يجبر على البداية بتسليم الصداق، وتملك المرأةُ الابتداءَ بطلب الصداق، فذلك إذا كان يتأتى منها التمكين، فأما إذا كانت على حالةٍ لا يتأتى من الزوج قِربانها، فلا تملك مطالبةَ الزوج بالمهر؛ فإن تسليم الصداق يجب أن يكون واجباً حيث يتأتى [منها] 1 استيفاءُ ما يقابل الصداق.
وإذا قلنا في البيع يبدأ المشتري بتسليم الثمن، فإنما يجب ذلك إذا كان البائع قادراً

على تسليم المبيع.
فلو كان أبِق العبد بعد البيع، فالمشتري لا يطالَب بالثمن؛ فإن الثمن لا يجب وجوبَ قِيم المتلفات، وإنما يجب عوضاً، ووضع العوض يقتضي -وإن وقع البداية به- أن يقابل معوّضه.
8545 - ولو وفّر الزوج الصداق على المرأة، فالقول في ذلك ينقسم، فإن أوجبنا عليه البداية، فذلك حيث يتصور منها التمكين، فإذا امتنعت، استرد ما سَلَّم.
وإن لم نوجب عليه البداية، فتبرع وبدأ، فامتنعت عن التمكين، لم يسترد الزوج، بل أُجْبرت على التمكين.
وإن تبرع بتسليم الصداق وهي معذورة، ثم بدا له في الاسترداد، فهل له أن يسترد؟ ذكر القاضي وجهين: أحدهما - له الرجوع؛ لأنه سلَّمَ في وقت لا يلزمه التسليمُ فيه، والامتناع قائم، وهذا وجه ضعيف.
والأصح: أنه لا ينتزع ما سلم إليها؛ لأنه تبرع بالتسليم، فالرجوع بعد التبرع لا وجه له.
وإذا كان يذكر وجهين في المعذورة، فيتجه ذكرهما أيضاًً في التي لا علة بها، بل تلك أَوْلى؛ من جهة أن تسليم الزوج يحمل على توقع تمكينها، وإن كان متبرعاً.
وإذا سلم وهي معذورة، فهذا أبعدُ من الانتزاع؛ فإن التسليم جرى مع توطين النفس على امتناع الوطء.
ولو نظم ناظمٌ هذا على العكس، لاتجه.
فيقول: إن كانت معذورة فسَلَّمَ مع العلم بعذرها؛ لم يرجع.
وإن لم تكن معذورة وأراد الرجوع، فوجهان.
وكل هذا خبط.
والوجه: القطع بأنَّ المتبرع بالتسليم لا يرجع.
فهذا تمام البيان في هذا الفن.
8541 - ثم إذا ساق الزوج الصداق، فعليها التسليم، فإذا استَمْهَلَت، أُمْهِلَت ريثما تستعد وتتهيأ، ثم ذكر الأصحاب أن منتهى المَهَل ثلاثة أيام؛ فإن الاستعداد ممكن في هذا القدر من الزمان.
وهذا الذي ذكروه تقديرٌ، ولا سبيل إلى التقدير من غير توقيف.
والذي يجب التثبت فيه: أن معظم ما يعتقده الناس استعداداً لا حاجة إليه، وإنما المعنيّ بالاستعداد في الشرع أن تهيىّء بدنَها بتنظف لا يكاد يخفى، وما عداه لا اكتراث

به، فعلى هذا يقرب الزمان، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص.
8542 - ثم ذكر الشافعي أن الصغيرة التي لا تطيق الجماع لا تسلّم إلى زوجها، وكذلك لو كانت مريضة مرضاً يضرُّ بها الوقاعُ ضرراً بيّناً، فالأمر على ما ذكرناه.
وإن كان لا يضرّ بها الوقاع، وجب تسليمها إلى الزوج.
ولو قال الزوج: سلموها إليَّ وإن كان بها مانع، وأنا أنكفّ عنها، لم تسلم إليه وإن كان موثوقاً به؛ فإنَّ نزقات النفس ونزغات الشيطان لا تؤمن، ولذلك حرم الله تعالى استخلاء الرجل بأجنبية، وإن كان أعدلَ البريّة وأتقاهم.
وإن كانت حائضاً، وجب تسليمها، فإنه ينتفع بها على وجوه.
ولا خلاف أن الزوج إذا حاول من زوجته الحائض الاجتماع معها في شعار، وطلب ضمّاً والتزاماً، فليس لها أن تمتنع، ولو جاز لها أن تمتنع، لوجب على الزوج أن يمتنع، وهذا على ظهوره ليس بالهين، ويعارضه القول في المريضة، فإن الزوج قد يستمتع بها من وجوه، وقد يهوى لقاءها ثم لا يؤتمن عليها.
وعن عائشة أنها قالت: " كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة فحضت، فانسللت، فقال: مالكِ، أَنُفستِ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: خذي ثياب حيضتكِ وعودي إلى مضجعك، ونال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا ما تحت الإزار " 1. وقد يدور في الخلد أن هذا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة تقبيله نساءه وهو صائم.
قالت عائشة: " كان رسول الله صلى الله عليه

وسلم يُقَبِّل إحدانا وهو صائم، وكان أملككم لأرْبِه " 1. بأبي هو وأمي، ولكن لا ينبغي أن يتمارى الفقيه في جواز استخلاء الزوج بزوجته وهي حائض.
فإن قيل: ما الفرق بين الحائض والمريضة؟ قلنا: المرعيُّ في حق المريضة خيفةُ الإضرار بها؛ فلها أن تمتنع، ولولي الصغيرة أن يمنعها، وتحريم وقاع الحائض يتعلق بحق الله تعالى، والوازع من الهجوم على المحرمات الوعيد، فإذا كان [الحِلّ] 2 قائماً بالنكاح، وكان الوطء محرماً، وقع الاكتفاء بإيضاح التحريم.
ولو رضيت المريضة بأن يخلو بها زوجها، لم يحرم عليه أن يستمتع بها استمتاعاً لا يضر.
ولو عرفت المرأة أن الزوج يغشاها في الحيض، ولا يراقب الله تعالى فيها لو استخلى بها، فهل لها أن تمتنع؟ هذا فيه تردد، وليس يبعد تجويز ذلك لها، أو إيجاب ذلك عليها، والعلم عند الله تعالى.
8543 - ثم إذا ثبت أن للمرأة أن تمتنع عن الوطء حتى يتوفر عليها صداقها، فلو مكَّنت، فأتاها الزوج، ثم أرادت بعد جريان الوطء أن تمتنع حتى يتوفر عليها الصداق، لم يكن لها ذلك؛ فإنَّ الوطأة الواحدة بمثابة وَطْآت العمر في تقرير الصداق، فليس لها بعدها امتناع، خلافاً لأبي حنيفة 3؛ فإنه جوَّز لها الامتناع بعد الوطأة الأولى.
ولو وطىء الزوج قهراً من غير مطاوعة، فمهرها يتقرر، فلو أرادت الامتناع، ففي المسألة وجهان: أحدهما - لها ذلك؛ فإنها لم تطاوع، والامتناع ممكن.
والثاني - ليس لها ذلك؛ لأن مهرها قد تقرر، وانتهى إلى حالة لا يتعرض بعدها

[للسقوط] 1، فصار كما لو طاوعت، واسترجاع ما جرى غير ممكن، وليس كما لو اغتصب المشتري المبيع -على قولنا: للبائع حق الحبس- فإن المبيع [إن] 2 أمكن استردادُه، [استرد] 3 ورُدّ إلى يد البائع حتى يتوفر الثمن عليه.
8544 - ثم ذكر الشافعي بعد ذلك فصلين من كتابين: أحدهما - النفقة، فإذا قالت المرأة لزوجها: مهما 4 سقت إليَّ صداقي مكَّنتُكَ، ثبتت نفقتها.
ولو سكتت ولم تتعرض لذلك، ففي ثبوت النفقة قولان.
ثم تعرض لاختلاف القول في نفقة الصغيرة، وكل ذلك يأتي على الاستقصاء في كتاب النفقات إن شاء الله عز وجل.
8545 - والفصل الثاني في الإفضاء 5، فإذا أتى الزوج زوجته فأفضاها، فالقول في تصوير الإفضاء وفي موجبه يأتي في كتاب الديات -إن شاء الله عز وجل- وحظّ هذا الباب منه أن الزوج لا يُمَكَّن من غشيانها بعد ذلك ما لم يندمل مارِنُها 6، فإن زعمت أنها لم تستبلّ 7 بعدُ، فلا رجوع إلا إليها وإن طال الزمان، فلا وجه إلا تصديقها مع يمينها، إلا أن يفرض إمكان الاطلاع.
فإن كان كذلك، فللزوج أن يأمر أربعاً من النسوة الثقات حتى يطّلعن ويخبرن بحقيقة الحال، فإذا أخبرن بأنها قد بَرَأَت، مُكِّن الزوج من وطئها.

فصل قال: " وإن دخلت عليه، فلم يمسها حتى طلقها ... إلى آخره " 1. 8546 - المقصود [بالكلام] 2 خَلوة الرجل بامرأته، وأنها هل تقرر الصداق من غير مسيس؟ وهل توجب العدة؟ فالمنصوص عليه للشافعي في الجديد: أن الخَلوة لا تقرر ولا توجب العدة، ولا يتعلق بها حكم.
وقال في القديم: الخَلوة [تقرر المهر، وتوجب العدّة] 3، ثم اختلف الأئمة في تنزيل القول القديم، فقال قائلون: الخلوة في القديم تنزل منزلة الوطء في تقرير المهر وإيجاب العدة، وتوجيه القولين مذكور في طيول المسائل.
وكنت أود أن يختص جريان القولين بتقرير المهر؛ من قِبل أنَّ تمكُّن المستحق من حقه في المعاوضات إن كان [ينزل] 4 منزلة استيفاء ذلك الإنسان حقَّه، فلا وجه مع هذا لإحلال الخَلْوة محل الوطء في إيجاب العدة المتعلقة بما يشغل الرَّحِم، ولكن لم يصر إلى هذا أحد من الأصحاب، بل من أجرى القولين أجراهما في التقرير وإيجاب العدة جميعاً.
ولما قال أبو حنيفة 5: الخَلوة تقرر المهر، قضى بأنها توجب العدة، غيرَ أنه قال: إذا فرض طلاق بعد الخَلوة، واستقبلت المرأة العدة، فليس للزوج حقُّ الرجعة، وقطع أئمتنا بثبوت الرجعة تفريعاً على القديم؛ فإن الرجعة عندنا لا تنقطع إلا [باستيفاء] 6 العدة، أو استيفاء العدد، أو وقوع الفراق على عوض.

ثم قال أبو حنيفة: الخَلوة إنما تقرر المهر إذا لم يكن في المرأة مانع من الوطء شرعاً، كالحيض، والنفاس، والإحرام، وصوم الفرض.
واختلفت الرواية في صوم التطوع.
ثم قالوا: الخَلوة بالرتقاء والقرناء تقرر المهر وإن كان الوطء ممتنعاً طبعاً بحيث لا يتصور وقوعه.
فهذا بيان اضطراب مذهبه.
8547 - وقد ذهب المحققون من أئمتنا إلى أن الخَلوة بالرتقاء لا تقرر المهر؛ فإنه لا معنى لها؛ فإن الخَلوة إن نزلت منزلة الوطء؛ من حيث إنها تشتمل على التمكين من الوطء، فهذا غير ممكن في الخَلوة بالرتقاء، ولا أثر للخَلوة بها، والكَوْنُ معها في الملأ كالكون معها في الاستخلاء، فأما الخَلوة بالحائض والنفساء؛ فمال القفال إلى مساعدة أصحاب أبي حنيفة في أن الخَلوة لا تقرر مع هذه الموانع الشرعية وإن كان الوطء ممكناً، هذه طريقة الأئمة في الخَلوة.
ومن أصحابنا من قطع بأن الخلوةَ لا تقرر المهر، ولا توجب العدة، وزعم أن الشافعي تردد قوله في القديم في أن الخَلوة إذا جرت، وادعت المرأة الوطء فيها، وأنكر الزوج؛ فمن المصدَّق؟ فعلى قولين: أحدهما - أن المصدَّق الزوج؛ فإن الأصل عدم الوطء.
والثاني - القول قول المرأة مع يمينها، فإن الظاهر جريان الوطء في الخَلوة، فإن أنكر منكر هذا، قلنا له: الخَلوة في ادعاء الوطء كاليد في ادعاء الملك.
والعلم عند الله تعالى.


باب المتعة

قال الشافعي: " جعل الله عز وجل المتعةَ للمطلقات ... إلى آخره " 1. 8548 - المتعةُ اسم لمقدارٍ من المال يسلمه الزوج إلى زوجته إذا طلقها، وقد يسمَّى المتاع.
وأمتع الحسنُ زوجةً طلقها اثني عشر ألف درهم، فقالت: " متاع قليل من حبيب مفارق " 2. والأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: 241] وشهدت الأخبار وأجمعت الأمة على المتعة.
والكلام في ثلاثة فصول: [الفصل الأول] 8549 - في تفصيل المطلقات، وهن ثلاثة أقسام: مطلقة لم يفرض لها ولم يتّفق الدخول بها، فهي تستحق المتعة، ونصُّ القرآن شاهد فيه، قال تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] والإجماع منعقد على استحقاقها للمتعة في هذه الحالة.
والمطلقة الأخرى: هي التي فرض لها الصداق، وطلقت قبل المسيس، فلها نصف المفروض أو نصف المسمى في أصل العقد، ولا متعة لها في ظاهر المذهب.
وتقسيم القرآن أصدق شاهد فيه، فإنه تعالى لما ذكر المتعة في حق التي لم تُمس، ولم

يفرض لها، قال في الآيات التي تلي هذه ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، فدل فحوى الخطاب على أنَّ المتعة ونصف المفروض يتعاقبان على التبادل.
والمطلقة الثالثة: هي التي استقر لها مهر بالمسيس، ثم طلقها زوجها، ففي وجوب المتعة لها قولان: أحدهما - إنها لا تستحق المتعة، وهو المنصوص عليه في القديم، وبه قال أبو حنيفة.
ووجهه أنه قد سلم لها المهر، ولا متعة مع المهر.
ونصف المسمى في مقابلة العقد، كتمام المسمى، أو كتمام مهر المثل بعد المسيس، فإذا كانت المتعة تَسقُط بسبب وجوب نصف المسمى أو المفروض قبل المسيس، فلأن تسقط إذا وجب جميع المهر على الاستقرار أولى.
والقول الثاني - وهو المنصوص عليه في الجديد: إنها تستحق المتعة؛ لأن ما سلّم لها من المهر في مقابلة منفعة البضع، لا في مقابلة العقد والطلاق.
وإذا جمعنا المطلقات وأردنا نظم الأقوال فيهن، انتظمت ثلاثة أقوال: أحدها- إنه لا متعة إلا للتي طُلِّقت قبل المسيس ولم يفرض لها، وهي المفوّضة.
والقول الثاني - إن لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم تُمس، فاستحقت نصف المهر عند الطلاق.
والقول الثالث - إن لكل مطلقة متعة من غير استثناء، وهذا القائل يلتزم إثبات المتعة للمطلقة قبل المسيس، وإن فرض لها واستحقت نصف المفروض، وهذا بعيد مخالف لظاهر التقسيم في المتعة والفرض.
الفصل الثاني 8550 - يشتمل على الكلام فيما يوجب المتعة، وما لا يوجبها من أقسام الفُرَق، فنقول: أما الفُرقة الحاصلة بالموت؛ فإنها لا توجب المتعة وفاقاً، والميراث كافٍ، وكأنَّ المتعة أُثبتت لمستوحشةٍ بالطلاق، والتي مات عنها زوجها متفجعةٌ غيرُ مستوحشةٍ.

فأما ما يجري من الفراق في الحياة؛ فقد قال الأئمة: كل فُرقة تصدر عن جهتها، إمَّا بأن تُنشئَها، أو يصدرَ منها سببٌ يتعلق به ارتفاعُ النكاح، فلا تناط به المتعة.
وما يصدر من الزوج لمعنًى فيها، كالفسخ بالعيوب، فإنه لا يتعلق به المتعة.
وأما ما ينفرد به الزوج لا لمعنى فيها، فيتعلق به استحقاق المتعة، ومن جملة ذلك الطلاق، ومنها ارتداد الزوج وإسلامه.
وقد نص الشافعي على أن الإسلام من الزوج يوجب المتعةَ، ذَكَرهُ في آخر كتاب المشركات.
والخلعُ، وإن كان يتعلق بها، فالأصل فيه الزوج.
وإذا فوض الطلاقَ إليها، فهو كما لو طلقها بنفسه؛ فإن عبارتَها مستعارة، وكأنَّ الزوج هو المعبِّر، فالفراق المنوط باللعان يثبت المتعة، فإنه مما ينفرد الزوج به، ولا يتوقف حصول الفراق على لعانها.
وإذا وقع الفراق بفعل من غير الزوجين، مثل أن ترضع امرأتُه [الزّوجةَ] 1 الرضيعة إرضاعاً مفسداً، فهذا يوجب المتعة.
8551 - والضبط الجامعُ أن كل ما لو جرى قبل المسيس، لم يسقط به المهر المسمى، بل تَشَطَّر، فهو من موجبات المتعة، وكل ما يتضمن سقوطَ جميع المسمى لو جرى قبل المسيس، فلا تتعلق المتعة به.
ثم إذا تعلقت المتعة بفُرقةٍ من الفُرق، فتجري فيها الأقسام الثلاثة المذكورة في الطلاق لا محالة، وعلينا في هذا القسم أن نُلحق [كل] 2 فرقة من الفُرق بالطلاق، ثم فيها الأقسام الثلاثة والأقوال الثلاثة.
وما قطعناه عن مضاهاة [الفُرق] 3، فإنا نحكم فيه بأنه لا تتعلق المتعة به، كيف فُرض، وصُوِّر، [وعلى] 4 أيةِ حاله قُدِّر.
ولا استثناء في شيء مما ذكرناه إلا في مسألة واحدة وهي: إذا اشترى الزوج زوجته، فالمذهب أن هذه الفُرقة تُشطِّر الصداق، ولا تتعلق بها المتعة؛ فإنَّ المتعة

لو وجبت، لوجبت مع الفراق لمنْ يحصل الفراق في ملكه.
فإذا اشترى زوجته، فقد ملك رقبتها، فلو وجبت المتعة لوجبت له، ويستحيل أن يجب له على نفسه شيء.
8552 - ونقول على الاتصال بهذا، المتعة تجب بالفراق، ولا يتقدم وجوبها عليه، فلو زوّج السيدُ أَمَةً مفوِّضة، ثم باعها، فطُلقت في ملك المشتري، فالمتعة للمشتري؛ لأنَّ الطلاق هو الموجب للمتعة، وقد جرى في ملك المشتري، [فهذا] 1 قاعدة المذهب في الفُرق التي تقتضي المتعة والتي لا تقتضيها.
8553 - وقد نقل المزني أنها إذا فسخت النكاح بعيب العُنَّة [لها المتعة] 2، وقد أجمع الأصحابُ على تغليطه، وصادفوا هذه المسألةَ منصوصةً للشافعي على العكس مما نقل.
وغلط بعضُ المصنفين، فقال: لا متعة في الخلع لتعلق الفراق بها، وهذا خطأ، بدليل أن الخلع يشطّر الصداق، [ونَقَل عن الأصحاب] 3 تردّدَهم فيه إذا ارتد الزوجان معاً، وتردَّدَهم فيما إذا اشترت الزوجة زوجَها المملوك.
نعم، إن جعلنا الخلع فسخاً، فمن أصحابنا من تمارى في التشطير، فيليق بهذا القول ترديدُ الوجه في المتعة.
وغَلِطَ طوائفُ من الأصحاب في شراء الزوج زوجته، فحكَوْا أن المتعة تجب للبائع على المشتري، وقد رمز إليه الصيدلاني، وهذا عندي ليس من غلط الفقه، بل هو خللٌ في الفكر؛ فإن من صار إلى هذا بين أمرين كلاهما محال، إن قال: تجب المتعة قبل الفراق، كان رادّاً للإجماع.
وإن قال: تجب مع الفراق، والفراق يحصل مع الملك، ثم المتعة تجب للبائع، فهذا مستحيل وإن وجبت متعة، على نفسه [لنفسه] 4 كان هذا كلاماً متناقضاً.
فهذه غلطات نبهنا عليها بعد طرد المذهب على السداد.

الفصل الثالث في قدر المتعة 8554 - ولا [قدر] 1 عندنا لأقلها، ولا لأكثرها، وهي موكولة إلى اجتهاد الحاكم، ثم هي تختلف باختلاف الأحوال على ما سنصفه، ونذكر ما بلغنا من قول الأصحاب نقلاً، ثم نرجع، فنبحث.
ذكر العراقيون وجهين في تقدير المتعة: أحدهما - أن أقل المتعة ما يتمول، فلو أمتعها الزوج بأقل ما يتمول، فقد خرج عما عليه.
وهذا القائل يقول: ما صح أن يكون صداقاً، صح أن يكون متعة في كل صورة.
والوجه الثاني -وهو الصحيح- أن تقديرها إلى الحاكم واجتهاده، وليس كالصداق؛ فإنَّ الصداق على التراضي، فكان كالأثمان، والمتعة أمر معتبر يفرض ثبوته في وقت التنازع، فيجب أن يكون له أصل يفرضُ الرجوع إليه، ونصُّ القرآن شاهد فيه، فإنه عز من قائل قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236]. ثم فرعوا على الوجهين، فقالوا: إن اكتفينا بأقلِّ ما يتموّل، فلا كلام، وإن أحلناه على اجتهاد الحاكم، فالحاكم يَعتبر ماذا؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يعتبر حالَ الزوج لا غيرَ في اليسار والإعسار، ولا ينظر إلى حالها، فيقول: زوجٌ في حالِ زيدٍ ويسارِه، كم يكون أقل متعة منه في العادة؟ فيبني الأمرَ على هذا، قالوا: وهذا اختيار أبي إسحاق المروزي.
والوجه الثاني - أنه يعتبر حالها، فيقول: امرأة في مثل حال هذه بكم تُمَتَّع في العادة في أقل ما يُفرض؟ ولا يعتبر حال الرجل، وهذا الوجه مخالف لظاهر القرآن، فإنَّه تعالى قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وقال الإمام والدي: يعتبر في ذلك حالهما جميعاً، فيقال: مثل هذا الرجل ما أقلُّ ما يمتِّع به مثلَ هذه المرأة؟

8556 - هذا تردُّدُ الأصحاب، وليس فيما ذكروه تحويمٌ على المقصود، فضلاً عن الإخلال، وذلك أنه ما لم يبِنْ موقعُ المتعة ومنزلتُها لا يمكن أن يعتبرَ فيها ما ذكره الأئمة؛ فإنَّ الإنسان يختلف ما يبذله إذا اختلف جهاتُ المبذول، فما لم يَبِنْ محلُّ المتعة، أعِوضٌ هي أم مِنْحة؟ لا يظهر.
وقد اتفق المحققون على أن المتعة لا يبلِّغها القاضي نصفَ المهر، وسبب هذا بينٌ؛ فإنها تجب حيث لا يجب نصف المهر، وكأنا نقنع بما يقلّ عن شَطر المهر إذا لم يحتمل الحالُ شَطْر المهر، فليتخذ الناظر هذا أصلَه.
قال القفال: لا تبلغ المتعةُ نصفَ المهر، كما لا يبلغ التعزيرُ الحدَّ، والرضخُ السهمَ، والحكومةُ الدِّيةَ.
وقال الشافعي في القديم: أستحب المتعةَ قدر ثلاثين درهماً، وإنما استحب ذلك لأثر ورد عن ابن عمر 1. وقال الشافعي في بعض كتبه: ينبغي أن يفرض القاضي فيها مِقْنعةً أو ثوباً أو خاتماً.
وقال القاضي: أي شيء فرضه بعد ما كان متمولاً جاز.
8556 - هذا ما بلغنا من كلام الأئمة.
والذي يلوح لنا فيه بعد بناء الأمر على حطّ المتعة عن نصف المهر أن المتعة كاسمها إمتاعٌ وإتحافٌ يسدّ ممّا تداخلها من الفراق مسداً، وليس في الإمتاع عادةٌ مطردةٌ في الناس، حتى نرجعَ إليها من غير قاضٍ رجوعَنا إلى العادات، في القبوض والأَحراز، وأمور في المعاملات، فهذا يتعلق بنظر القاضي، حتى يَفْرِض قدراً يراه لائقاً، ثم يختلف هذا بالإعسار واليسار، ثم لا ضبط للتقدير، [في التعزير] 2؛ فإن التقدير يختلف باختلاف أحوال الناس في عرامتهم 3 وشراستهم، فرب صاحبِ عَبْرة 4 يكفيه

[تبكيتٌ] 1، ورب [عَرمٍ] 2 خبيث، لا يردعه إلا الكثير من [التعزير] 3، ثم الحد مردٌّ لاعتبار التعزيزات؛ فإنها توقيفات الشرع.
فإن قال قائل: إذا كان المقصود من التعزير [التأديب] 4 والردع، فمن وصفتموه لا يرتدع؟ قلنا: إن لم يرتدع، فسيعود، وإن عاد، عُدنا، والإمام أقدر على معاقبته، ويدُه على الرقاب، وهو تحت ضبط الإمام.
وما ذكره العراقيون من أن الزوج لو أمتعها بأقلِّ ما يتمول، جاز، خارجٌ عن القانون.
وما ذكره القاضي من ذكر أقل ما يتمول مضافاً إلى اجتهاد الحاكم، محمول عندي على ما إذا كان [حال] 5 الزوج تقتضي هذا، فلا نظن به على علو قدره أن يجوّز إثباتَ أقلِّ ما يتمول من غير رجوع إلى مستند، ثم يربط ذلك باجتهاد الحاكم.
هذا ما عندنا في ذلك، وقد مهدنا المطالب، والرأي فوضى 6. 8557 - ومما أجريناه في الكلام، نصفُ المهر، وهو المعتمدُ الفقيه، فإن لم يكن في النكاح مسمى، فالمعتبر نصف مهر المثل، وإن كان في النكاح مسمى، وفرّعنا على أن المدخول بها تستحق المتعة؛ فننظر في المتعة ونصفِ مهر المثل، أو ننظر في المتعة وهو نصف المسمى، هذا محتملٌ: يجوز أن يكون الرجوع إلى نصف مهر المثل؛ فإن المسمى متعلقه التراضي، والأصل الذي لا تعلق له بالتراضي هو مهر المثل، ويكون رضاها بأقلَّ من مهر المثل عن مسامحة، هذا هو الأشبه، والعلم عند الله تعالى.
...

باب الوليمة والنثر

قال الشافعي: " والوليمة التي تعرف وليمة العُرس ... إلى آخره " 1. 8558 - أبان أن الوليمة تنطلق على كل مأدبة في إملاكٍ، أو نفاسٍ أو خِتان، أو حادثِ سرور، ولكنها شُهرت بما يتخذ في العرس، وقد روي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك الوليمة في حضر ولا سفر " 2. وروي " أنه أولم على صفية بسويق وتمر في السفر " 3 ودخل عليه عبدُ الرحمن بنُ عوف وعلى ثوبه أثر الصفرة فقال: " مَهْيَم ". وهذه كلمة تستعمل في [الاستفهام] 4 رآها البصريون من الأصوات كصه، ومه، وحيهلا، [وهيهات] 5، وقال الكوفيون معناه: ما هذا؛

فإنه يستعمل في السؤال فقال عبد الرحمن: تزوجتُ امرأة [من الأنصار] 1، وكانوا يتضمخون بالزعفران في العُرسِ، قال صلى الله عليه وسلم: " أولِمْ ولو بشاة " 2. ثم كما يأمر بالوليمة يأمر بإجابة الداعي على تفاصيلَ سنذكرها.
8559 - والشافعي جعل وليمة العرس أَوْلى الدعوات، وغيرَها أخفَّ منها.
ثم قال: " ومن تركها لم يَبِنْ لي أنه عاصٍ، كما تبين لي في وليمة العرس " 3، فكان هذا ترديد جواب منه في وليمة العرس، فمن أصحابنا من جعل في وليمة العرس وأنها هل تجب؟ قولين، وتمسك بظواهر الأوامر، ولم يردد الجواب في [وجوب] 4 غيرها.
وذهب المحققون إلى أن الوليمة لا تجب قولاً واحداً، وإنما التردد في وجوب إجابة الداعي؛ فإن لفظ التعصية نُقل في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: " من لم يجب الداعي فقد عصى أبا القاسم " 5. ومن لم يوجب الإجابةَ حمل لفظ العصيان على المخالفة وتركِ التأسّي، وهذا غير بعيد على مذهب الاتساع في الكلام.
وقد يقول القائل: أشرت على فلان برأيى، فعصاني.
وقال صلى الله عليه وسلم: " لو أُهدي إليَّ ذراع، لقبلت، ولو دُعيت إلى كُراع، لأجبت " 6. والمراد كُراع شاة.
وقال بعض المتكلفين أراد بالكراع: كراع

[الغميم] 1، وهي قرية من المدينة على فراسخ، فيكون المعنى لو دُعيت إلى مسافة بعيدة، لأجبت، وهذا غير مستقيم والكُراع مقرون بالذراع.
ثم من حمل التردد في الوجوب على إجابة الداعي، لم يَفْصِل بين دعوة ودعوة ومن ردد الجواب في وجوب اتخاذ الدعوة خصص تردده بوليمة العرس.
ووصف أبو سعيد الخدري أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر فيما وصف: " كان صلى الله عليه وسلم يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعلف الناضح، ويحلب الشاة، ويركب الأتان، ويطحن مع الخادم، وكان لا يحمله الحياء على ألا يحمل البضاعة من السوق إلى أهله، وكان يسلم مبتدئاً، ويصافح الغني والفقير، ويجيب إذا دُعي ولو إلى حَشَف التمر، وكان هين المؤونة، جميل المعاشرة، بسَّاماً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوسة، جواداً من غير سرف، رحيماً رقيق القلب ما تجشَّأ عن شِبع قط، ولا مدَّ يده إلى طمع " 2. بأبي هو وأمي.
8560 - وعلينا بعد ذلك أن نفصِّل الدعوةَ والإجابةَ، فنقول: إذا بعث واحداً وقال له: ادعُ من لقيتَه، فدعا واحداً، فلا عليه لو تخلف، فإنه غيرُ معيّنٍ بالدعوة، وإذا لم يتجرد قصدٌ إلى مدعو، فيجب أن لا يثقلَ التخلفُ على الداعي، ولو دُعي وعلم المدعوُّ أن في دار الداعي أقواماً لا يلائمون المدعوَّ -والتفريع على وجوب إجابة الداعي- فهذا فيه ترددٌ للأصحاب، وهو أن يدعوَ رجلاً شريفاً مع طائفة من السُّفل والأراذل.
وإن كان المدعوُّ صائماً، لم يتخلف أيضاًً، بل يجيب ويحضر.
ثم إن كان صومه = كراع، لقبلت " وطرفه في 5178 وهو بلفظ: " لو دعيت إلى كراع، لأجبت، ولو أهدي إلي كراع، لقبلت " وأحمد في مسنده: 2/ 424.

فرضاً بَرَّكَ ودعا، وأبدى عُذرَهُ، وإن كان صومه تطوعاً، وعلم أنه لا يعز على المضيف تركُ الأكل، لم يفطر، وإن علم أنه يشق عليه تركُ الأكل، فالأولى أن يفطر ويصومَ يوماَّ مَكانه.
وإن علم المدعو في الأصل أنه لا يعز على الداعي امتناعُه -والتفريع على وجوب إجابة الداعي- فهذا فيه احتمال.
وقد روي: أن ابن عمر دُعي إلى دعوة مع جماعة، فمد يده إلى الطعام، ثم قال: " خذوا بسم الله، وأمسك، وقال: إني صائم " 1. وإن كان في مكان الدعوة منكراتٌ كالمعازف، نُظر، فإن علم أنه لو حضر لنُحِّيت ورُفعت تعظيماً له، فينبغي أن يحضر، ويكونُ حضورُه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن لم ينزجروا، ولم يكن له بمنعهم يدان، لم يُقِمْ وخرجَ، ولا يُقيم فيما بينهم ما بقي له اختيار.
8561 - وإن كان في البيت صور، فإنا نتكلم فيها أولاً، ونقول: الصور الشاخصة والمستوية على السقوف والجدرات والأُزر 2 المرتفعة والسجوف 3 المعلقة ممنوعة، ويحرم الأمر بها وتعاطيها، وقد روي: " أنه دخل رجل على ابن عباس فاستخبره ابنُ عباس عن حرفته، فقال إني أنقش هذه الصور، فقال ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُحشر المصورون يوم القيامة، ويقال لهم انفخوا الروح فيما خلقتم، فما هم بنافخين، ولا يخفف عنهم العذاب.
فقال الرجل: ما لي حرفة سواها، قال: فإن كنتَ فاعلاً، فعليك بصور الأشجار " 4. وعن عائشةَ أنها قالت: " كانت لنا سَهوةٌ علقتُ فيها سُترة وعليها صورة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، [وكان] 5 يدنو

منه وينصرف، فعل مراراً، ثم قال صلى الله عليه ومسلم: حُطِّيها، واتخذي منها نمارق " 1. ففهم العلماء من ذلك أن المحظور صور الحيوانات، فأما تشكيل الأشجار فلا بأس به.
ولو صور المصور حيواناً إلا وجهه، ففيه تردد: فمن أصحابنا من جوز ذلك، وجعل ما عدا الوجه خطوطاً وتشكيلاً كالأشجار.
ومنع مانعون ذلك، فإنَّ سائر أعضاء الحيوان يُشعر بالحياة إشعار الوجه.
ثم فيما رويناه ما يدل على الفرق بين الصور المرفوعة وبين المحطوطة التي توطأ على الفرش والنمارق، ولعل السبب فيها أنها إذا كانت مرفوعة، ضاهت الأصنام، وإذا كانت موطوءةً مفترشة تحت الأقدام، فليست كذلك، وأيضاًً، فإنها إذا كانت مرفوعة كانت مُهيّأةً للنظر إليها، والمخادّ الكبار التي لا تتوسدُ، وإنما تهيأُ مرتفعةً شاخصة في معنى الستور.
ولبس الثياب المصورة كان يمنعه شيخي، ولعله أولى بالمنع من رفع الصور على الستور المعلّقة، وكان يقول: استعمال الثياب المصورة لا يحرم، فإنها تصلح للفرش، كما يتأتى تعليقها ولبسها، وإذا كان لها وجه في الاستعمال، حمل الاستعمال عليه، وعندي أن الذي يتعاطى التصوير هو الآثم بكل حال، وفي المسألة احتمال.
وإذا صادف الناهي عن المنكر سترةً معلقة وصورة، لم يفسدها، بل حفظها لتفرش.
ثم في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة " 2، فيكره على موجَب الحديث دخولُ بيت فيه صورة ممنوعة، كما

ذكرناه، ولا ينتهي الأمر إلى التحريم عند كثير من أصحابنا.
وكان شيخي يُلحق هذا بالمحظورات، ويُلزم الخروج من البيت، والأصح الاقتصار على الكراهية.
فصل وقال في نثر السكر واللوز والجوز في العرس: " لو تُرك، كان أحبَّ إليَّ ... إلى آخره" 1. 8562 - أراد الشافعي كراهةَ الالتقاط؛ لأنه أُخذ بخُلسةٍ ونُهبة، وفيه خروج عن المروءة، وربما يخطِر للناثر أن يُؤْثر بعض الملتقطين.
ولا يبعد أن يحمل ما ذكره الأصحاب على النثر أيضاً؛ فإنه سببُ الحَمل على الالتقاط.
وعندي أن الأمر في ذلك لا ينتهي إلى الكراهة.
ومن لم يكن ذا حظ من الأصول قد لا يفصل بين نفي الاستحباب وإثبات الكراهية، وليس كذلك، ولفظ الشافعي مشعر [بالتهيب] 2 وحط الأمر عن رتبة الكراهية؛ فإنه قال: " لو تُرك كان أحبَّ إليّ ". ثم قد ينتهي الأمر في هذا إلى الإباحة إذا كان الناثر لا يؤثر أحداً، وكان المتطلعون عنده بمثابةٍ.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر إملاكاً فقال: أين أطباقكم، فأُتي بأطباق عليها جوز ولوز وتمر فنُثرت.
قال جابر بن عبد الله راوي الحديث: فقبضنا أيدينا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما لكم لا تأخذون.
قلنا: لأنك نهيتنا عن النُّهبى، فقال: إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، خذوا على اسم الله، فجاذَبَنا وجاذبناه" 3. فثبت الأصل بالخبر الصحيح.

ثم ما وقع على الأرض، فالحاضرون فيه شرَعٌ، يملكه من يبتدره، وإذا ثبتت يد إنسان على شيء منه، لم يُسلب منه، ولو غالبه مغالب، فهو غاصب، وإن وقع شيء في حِجر إنسان، فإن كان بسط حجره لذلك، لم يؤخذ منه، وكان احتواء الحِجر المبسوط لذلك بمثابة الأخذ باليد، وإن لم يكن قصد هذا ببسط حِجره، فهل يجوز الأخذ من حجره؟ قيل: لو كان لا يرغب فيه جاز، وإن عُلم أنه يرغب فيه، وإن لم يقصد بسطَ حِجره لهذا، ففي المسألة وجهان مبنيان على الطائر إذا فرخ في دار إنسان، فصاحب الدار أحق بالفرخ، ولكن لو ابتدره غيره فأخذه، فهل يملكه؟ فعلى وجهين.
8563 - من تحجر أرضاً ليحييها، فابتدرها غيره وأحياها، فالأصح أنه لا يملكها، وفي المسألة وجه على بعد.
ولو نشر ذيله فوقع فيه شيء، كان نشْرُ الحِجر مملّكاً بخلاف [المحجِّر،] 1 فإن الملك يحصل بمجرد إثبات اليد في المنثور، وما يحصل في الحِجْر على الصورة التي ذكرناها يُعد في يد صاحب الحِجر، ويُعدُّ إحرازاً لما احتوى عليه حِجْره [ومجرد] 2 إثبات اليد لا يملّك الموات حتى يُحيىَ كما ذكرناه.
ولو سقط من حجره ما وقع فيه، نُظر، فإن لم ينشره بقصد الأخذ، فإذا سَقَطَ، مَلَكَهُ من يبتدره، وإن كان من وقع في حِجْره راغباً فيه، وهو بمثابة ما لو عشش طائر في دار ثم طار الفرخ، فلا اختصاص لصاحب الدار بعد مفارقته دارَه.
ولو نشر ذيله، أوآلة كانت معه، فوقع فيه شيء، ثم سقط منه، فهذا فيه احتمال، والظاهر أنه يملكه، ثم لا يزول ملكه بالسقوط، كما لو اعتُقِلَ صيد بشبكةٍ نُصبت على مدارج الصيود وانضبط بها، ثم حدث حادث فأفلت؛ فالظاهر أنه مِلك ناصب الشبكة.
= في الموضوعات، ورواه فيها أيضاًً من حديث أنس، وفيه خالد بن إسماعيل وهو كذاب ... " ا. هـ ملخصاً من كلام الحافظ (ر.
التلخيص: 3/ 407 ح 1710، والسنن الكبرى للبيهقي: 7/ 288، وشرح معاني الآثار: 3/ 50).

وفي الصيد وآلة اللقط وجه آخر؛ فإن العادة هي المرعية في هذه الأبواب.
وما تحتوي عليه الشبكة لا يوثق به أو يؤخذ، نعم لو أخذه آخذ لم يملكه.
وكذلك القول لو أخذ آخذٌ ما وقع في آلة الملاقط لم يملكه، وإنما الكلام فيه إذا سقط بنفسه.
فصل في أحكام الضيافة وما يتعلق بها 8564 - إذا قَدَّم المُضيف الطعام، فالمذهب الظاهر: أنه لا حاجة إلى لفظٍ من المضيف، بل تكفي قرائن الأحوال في إفادة الإباحة.
وأبعدَ بعضُ أصحابنا، فقال: لابد من لفطٍ منه، فليقل: كلوا بارك الله فيكم، أو ليأتِ بلفظ [يفيد] 1 هذا الغرضَ.
وليس بشيء.
ثم الضيف هل يملك ما يأكله؟ اختلف أصحابُنا في المسألة، فمنهم من قال: لا يملكه أصلاً، وإنما يأكله على ملك المُضيف مباحاً، وهذا ما حُكي عن اختيار القفال.
ومن أصحابنا من قال: إنه لا يملك حتى يضعَها في فيه.
ومنهم من قال: لا يملكها حتى يمضغها بعضَ المضغ.
ومنهم من قال: لا يملكها حتى يزدردها، فإذا ازدردها، تبيّنا أنه ملكها مع الازدراد.
وفائدة هذا التردد ظاهر في إثبات الملك ونفيه.
وكان شيخي يصحح أن الضيف لا يملك، ويذكر هذه الوجوهَ في أن الإباحة هل تلزم، حتى لو رجع المضيف، لم يكن له الرجوع.
وهذا لا بأس به، ولكن الأصح أن الإباحة لا تنتهي إلى اللزوم قط، ما لم يَفُت المستباحُ، وليس في الشرع إباحة

تُفضي إلى اللزوم إلا في النكاح، فإنا قد نختار أن المعقود عليه في النكاح ليس مملوكاً وإنما هو مستباح مستحق 1. ومن قال لا بد من لفظٍ في إباحة الطعام يشترط من الناثر لفظاً أيضاً.
ثم لا يشترط تمليكاً وإيجاباً وقبولاً، بل يكتفي بأن يقول: خذوا، أو بأي لفظ في معناه.
8565 - ومما يتعلق بما نحن فيه أنَّا إذا رأينا إجابةَ الداعي حتماً، فلو دُعي جمعٌ فأجاب بعضهم، هل تسقط الفرضية عمّن لم يجب سقوطَ فرض الكفاية في مثل هذه الصورة؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - أنه يُنحَى بذلك نحو فروض الكفايات، وأقرب الأمثلة إلينا ردُّ جواب السلام على جمعٍ؛ فإنه إذا أجابه واحد منهم، سقط فرض الجواب عن الباقين.
وعندي أن ما ذكروه فيه إذا وُجِّهت دعوةٌ على جمع ولم يُخَصَّص كلُّ واحد منهم [بالتنقير] 2، فإن خصص كل واحد بالدعوة -والتفريع على وجوب الإجابة- فلا يسقط الفرض أصلاً عن البعض بحضور البعض، وعلى هذا القياسُ يجري في السلام [لو خُصِّصَ] 3 كلُّ واحد بتسليمة.
ولو حضر الدعوة، ولم يكن عذر يمنعه من الأكل، وكان يشق على المُضيف امتناعه؛ فقد ذكر العراقيون وجهين في وجوب الأكل بناءً على وجوب الإجابة.
وهذا بعيد إن قيل به، فيكفي ما ينطبق عليه الاسم في التعاطي.
[فإن لم تكن دعوة،] 4 فالأكل والتطفل حرام، وفي الحديث: " من دخل دار

غيره بغير إذنه، دخل عاصياً وأكل حراماً " 1. وإنما يفرض هذا والدعوة نَقَرى 2، فأما إذا كانت الدعوة جَفَلَى 3، وفتحت الباب ليدخل من شاء، فلا تطفل والحالة هذه.
وقد نجزت المسائل المنصوصة في [السواد] 4، ونحن نرسم بعدها فروعاً لابن الحداد وغيره.
فرع: 8566 - إذا قال السيد لعبده: انكح فلانة [الحرّة] 5، وأجعلُ رقبتك صداقها، فالإذن فاسد؛ فإن النكاح على هذا الوجه لا يصح؛ إذ المرأة لو ملكت رقبة زوجها في دوام النكاح، لانْفسخ النكاح، فكيف يفرض انعقاده ابتداءً مع تقدير حصول الملك في رقبة الزوج؟ ولو تعاطى السيد التزويج بنفسه على هذه الصفة، فزوجَ من عبده الصغير -أو الكبير على قول الإجبار- حرةً، وجعل رقبة الزوج صداقاً، فالذي قطع به الأصحاب: بطلانُ النكاح.
وكنت أود لو ذهب ذاهب إلى صحة النكاح وفساد الصداق، ثم كان الرجوع إلى مهر المثل أو إلى القيمة، ولكن ما يصير إلى هذا صائر.
والتعويل في المذهب على النقل.
وتعليل ما ذكره الأصحاب: أن من نكح امرأة وأصدقها خمراً، فإنا نفرض الصداق منفصلاً عن النكاح، حتى كأنه ليس عوضاً، وليست تسميةُ الخمر قادحةً في مقصود النكاح، وقد ذكرنا أن الشرائط التي لا تؤثر في مقصود النكاح لا تُفسده.
وأما جعل

رقبة الزوج صداقاً، فنوعٌ من إفساد يقدح في مقصود النكاح، كما تقدم.
8567 - ولو أَذِنَ لعبده في أن ينكِحَ أَمَةَ الغير، ويجعل رقبته صداقها؛ فهذا جائز؛ فإنه لا يصير مملوكاً للزوجة، إذ مالك الصداق سيد الأَمَةِ، ولا يمنع أن يجتمع الزوج والزوجة في ملك مالك؛ فإن للسيد أن يزوِّجَ أَمَتَهُ من عبده.
فإذا تبين ذلك، فلو انعقد النكاح على هذا الوجه، ثم طلق زوجته قبل المسيس؛ فحكم الطلاق [لعيل] 1 التشطير.
وقد اختلف أصحابنا في هذه المسألة، فمنهم من قال: يرتد نصف الرقبة إلى السيد الأول؛ فإن الرقبة خرجت من ملك السيد الأول، ونصف الصداق يرتد إلى من يخرج الصداق من ملكه، وليس هذا كما لو أصدق الأب عيناً من أعيان ماله زوجةَ طفْلِهِ؛ فإنا نقول: إذا بلغ وطلق، رجع نصفُ الصداق إلى الزوج، فإنَّا نقدر إصداق الأب عنه تمليكاً، ثم نحكم بأنه ثبت صداقاً عن ملك الطفل، ولا يتأتي في هذه المسألة مثل هذا، وليس بين كون العبد ملكاً للأول وبين وقوعه صداقاً مرتبة.
ومن أصحابنا من قال: لا يرتد نصف العبد إلى السيد الأول؛ لأن الطلاق هو المشطّر، وهو يقع والعبد في ملك الثاني.
وهذا الوجه عندي في حكم الوهم والغلط الذي لا يعوّل عليه، وذلك أن العبد هو الصداق، فلو فرضنا الصداق [غيرَه،] 2 وصورنا طلاقاً، لنظرنا على وجهٍ في حالة الطلاق، فأما إذا كان هو الصداق، فلا وجه إلا النظر إلى من خرج العبد عن ملكه.
وذكر الشيخ أبو علي وجهين في أن العبد إذا نكح بإذن مولاه، والتزم المهرَ في الذمة، وأدَّاه من كسبه، ثم باع مالكُ العبد العبدَ، وطلق قبل المسيس، فالصداق إلى من يرتد؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يرتد نصف الصداق إلى [المالك] 3 الأول، وهو الوجه.

والثاني - أنه يرتد إلى الثاني؛ نظراً إلى حالة الطلاق.
فهذا -على هذا الوجه- بعيد.
والترتيب الصحيح أنه إذا أدَّى المهر مما اكتسبه في ملك الأول، ثم فرض الطلاق في ملك الثاني؛ فالنصف يرتد إلى الأول؛ لأن الأكساب كانت ملكَ الأول، ومِن ملكِهِ خرجت إلى الزوجة، فأما إذا جرى النكاح في ملك الأول، ثم باعه مولاه، فاكتسب في ملك الثاني ووفَّر الصداقَ، ثم طلق قبل المسيس، فالنصف يرتد إلى الأول أو إلى الثاني؟ فعلى وجهين.
وإذا ضممنا ما ذكره الشيخ أبو علي إلى ما رتَّبه الأصحاب، انتظم من مجموعه في الصورتين ثلاثة أوجه: أحدها - أن نصف الصداق يرتد أبداً إلى من جرى النكاح في ملكه.
والثاني - أنه يرتد أبداً إلى من يجري الطلاق في ملكه.
والثالث - أنه يفصل، فإن اكتسب في ملك الأول وأدّى، رجع الشطر إلى الأول، وإن اكتسب في ملك الثاني وأدّى، رجع الشطر إلى الثاني.
8568 - ثم فرع الأصحاب مسألة إصداق العبد رقبة نفسه، فقالوا: إن حكمنا بأن شَطرَ الرقبة يرتد إلى الأول، فلا كلام، وإن حكمنا بأن الشطر يرتد إلى الثاني؛ فلا معنى للتشطر على الحقيقة، فإنه لو تشطر، لرجع إليه، فلا معنى لتقدير خروج الشطر عن ملكه وعوده إليه؛ إذ ليس يفهم الخروج إلا مع الدخول، وهذا غير معقول في هذه المسألة، فرجع فائدة الوجه إلى أنَّ صَرْفَنا حقَ التشطرِ إلى الثاني يوجب بقاء ملكه فيما كان يرجع لو كان مستحقُ التشطيرِ غيرَه.
ثم كل ما ذكرناه في باب شطر الصداق يتحقق في جميعه إذا جرى ما يوجب رد جميع الصداق، فإذا اطلع العبد على عيب بامرأته يُثبت مثلُه الفسخَ، ففسخ النكاح، فهذا يوجب ارتداد جميع الصداق، فإن قلنا: يرتد إلى السيد الأول، فيعود العبد ملكاً له، وإن قلنا: يرتد إلى ملك السيد الثاني؛ فحكم هذا ألا يخرج العبد عن ملكه، فإنه لو خرج منه لعاد إليه.
8569 - ومما يتصل بذلك، أن العبد لو عَتَقَ في هذه المسألة، وكان أعتقه السيد

الثاني، وهو مالك الأمة، فلو طلقها قبل المسيس، وبعد نفوذ العتق، فهذا يُفَرَّعُ على ما تقدم، فإن جرينا على المذهب الصحيح، وقلنا: نصف الصداق يرجع إلى السيد الأول، فالسيد الثاني -المعتِق- يغرم نصف قيمته للسيد الأولط.
وإن فرّعنا على الوجه الثاني -وهو اعتبار يوم الطلاق- فمستحق الشَّطر هذا المعتَق؛ فإنه استقل بنفسه لما عتق، فرجع بقيمة نصف نفسه على سيده الثاني في الذي أعتقه.
وكل ما يتفرع في نصف الصداق يتفرع في جميعه إذا جرى ما يوجب ارتدادَ جميع الصداق.
فرع: 8570 - إذا أصدق ذمي امرأته الذمية خمراً، وقبضت الخمر في الشرك، ثم أسلما، فقد ذكرنا أنه ليس لها مهر المثل بعد ما انبرمت الحالة بالقبض في الشرك.
فلو استحالت الخمر التي في يدها خلاً، ثم طلقها قبل المسيس، فهل يرجع عليها بشيء؛ فعلى وجهين: أحدهما - يرجع عليها بنصف الخل، وهو اختيار ابن الحداد، وذلك لأن هذه العين تلك العين، وليس انقلابها خلاً من قبيل الزيادات المتصلة.
والوجه الثاني - أنه لا يثبت له الرجوع بشيء؛ فإن انقلاب الخمر خلاً أكبر في مرتبته من الزيادات المتصلة، فإذا كانت الزيادة المتصلة تمنع من الرجوع في العين، فانقلاب الخمر خلاً بذلك أولى.
ولابن الحداد أن يقول: جرى إصداق الخمر في حالة كانوا يَرَوْنها مالاً في تلك الحالة، ثم جرى الطلاق، وفي يدها مال في الإسلام، وليس كالزيادات المتصلة؛ فإن مصيرنا إلى أنها 1 تمنع تشطّر الصداق، لا يَحْرِم الزوجَ، بل المرأة تغرم له نصف القيمة.
وهذا تكَلُّف.
والأصح: الوجه الآخر؛ فإنا لا نلتفت إلى ماليةٍ في الإسلام.
التفريع: 8571 - إن قلنا: لا يرجع الزوج بشيء من الخلّ، فلا كلام، وإن قلنا: الزوج يرجع بنصف الخل، فلو أنها أتلفت الخل، ثم طلقها قبل المسيس؛ ففي المسألة وجهان: أصحهما - أنه يرجع عليها بنصف مثل الخل التالف، وهو اختيار

الخِضْري، فإنه إذا ثبت الرجوع، تعين الخل عند [بقائه] 1، فالوجه أنه يرجع بمثله عند تلفه؛ فإنه من ذوات الأمثال.
والوجه الثاني - أنه لا يرجع عليها بشيء عند تلف الخل، وهذا اختيار ابن الحداد.
ووجهه أن الخل إذا تلف قبل الطلاق، [لم يصادف] 2 الزوج خلاً، ولا أصدق خلاً، ونحن نعتبر 3 حالة الإصداق والقبض 4 القبض.
وهذا فيه فقه.
والأصح ما ذكره الخِضري؛ فإن الخمر لما استحالت خلاً، قدرنا كأن الصداق كان خلاً.
8572 - ومما يتعلق بهذه المسألة أنه لو أصدق امرأته جلدَ ميتة في الكفر، وقبضته، ثم أسلما، ودبغته، وطلقها قبل المسيس، اختلف أصحابنا على طريقين في المسألة: فمنهم من قال: فيها وجهان كالوجهين في الخمر إذا انقلبت خلاً.
ومنهم من قال: لا يرجع في هذه الصورة، وجهاً واحداً بخلاف مسألة الخل، والفرق بينهما أن التملّك تحقق في مسألة الجلد بقصدها وفعلها، فيظهر انفرادها بالجلد المدبوغ، بخلاف الخمر تنقلب خلاً.
ثم قال الشيخ [أبو علي] 5: إن قلنا في مسألة الجلد: إن الزوج إذا طلقها يرجع في نصفه مدبوغاً، فلو [أتلفته] 6، ثم طلقها، قال: يجب القطع في هذه الصورة بأنه لا يرجع بشيء عند التلف، فإن الجلد ليس له مثل، بخلاف الخل، فلا سبيل إلى المثل، ولو أثبتنا للزوج حقاً تقديراً، لتعيّن في القيمة، ثم لو قدرنا الرجوع إلى القيمة فالاعتبار بقيمة يوم الإصداق، ولم يكن للجلد يوم الإصداق قيمة.

وهذا الذي ذكره حسن، ولكن الاحتمال متطرق إلى الجلد، حيث انتهى التفريع إليه؛ فإنَّا نُقَدِّر كأن الصداقَ كان جلداً 1، وإنما نُثبت الرجوع في نصف العين لو بقي بتأويل تقدير الصداق كذلك يوم الإصداق.
ومن بقية المسألة أنها لو باعت الخل أو الجلد أو وهبته، فهو كما لو تلف في يدها، أو [أتلفته] 2 في كل تفصيل.
ثم جميع ما ذكرناه في النصف عند فرض الطلاق قبل المسيس، يتقرر في الجميع عند تقدير ارتداد الجميع.
فرع: 8573 - إذا أصدق الرجل امرأته حلياً، فكسرته، ثم أعادت صيغته، ثم طلقها قبل المسيس، فلا يخلو إما أن أعادته على صيغة أخرى، أو أعادته على تلك الصيغة بعينها، فإن أعادته على صيغة أخرى، ثم طلقها قبل المسيس، فللزوج الامتناع؛ فإن ذلك وإن كان زيادة، فقد زالت الصنعة التي كانت، فكان ما نحن فيه بمثابة زيادة من وجه ونقصان من وجه آخر.
وإن عادت تلك الصنعة الأولى بعينها، ثم طلقها قبل المسيس، فهل يثبت له الرجوع بنصف الصداق؟ فعلى وجهين: أحدهما - يثبت له الرجوع إلى نصف [الحلي؛ فإنها] 3 عادت كما كانت، فصار كما لو أصدقها عبداً سميناً، فهُزل في يدها ثم عاد سميناً، كما كان من غير زيادة، ثم فرض الطلاق قبل المسيس، وإن كان كذلك، فالأصحاب -فيما نقله الشيخ- مجمعون على أنه يرجع بنصف العبد.
والوجه الثاني - أنه لا يرجع بنصف [الحلي] 4، وللمرأة منعه، وهذا اختيار ابن الحداد، وليست كالسمن في الصورة التي ذكرناها؛ فإن هذه الصيغة عادت باختيارها وليست كالسمن، وهذا التردد يشبه اختلاف الأصحاب في أن تحصيل هذه الآثار هل يلحقها بالأعيان، أم كيف السبيل فيها؟ وقد ذكرنا هذا في كتاب التفليس.

التفريع: 8574 - إن قلنا: يرجع في نصف الحلي، فلا كلام.
وإن قلنا: لا يرجع، فبماذا يرجع؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يرجع في نصف قيمة الإناء 1 غيرَ مكسور، فإن كان من ذهب، فالواجب نصفُ قيمته وَرِقاً 2، وإن كان من [ورقِ] 3، فالواجب نصفُ قيمته ذهباً.
والوجه الثاني - أنها تغرَم مثلَ [نصف] 4 تِبر الحلي وزناً بوزن، ثم تغرَم نصف أجر مثل الصائغ من نقد البلد، وهذا قد قدمنا له نظيراً في البيع، وكل ذلك والحلي مباح، أو قلنا يجوز استصناع الإناء 5 وصنعته محترمة.
8575 - ثم أجرى الشيخ أبو علي 6 في أثناء المسألة كلاماًً لا يختص بفرض الصداق، فقال: إذا غصبَ الرجل إناء من ذهب وزنه ألف، وقيمتُه ألف ومائة، وفرعنا على أنَّ اتخاذ الأواني محرم، فلو كسره الغاصبُ، فرجع إلى ألف، فهل يغرَم قيمة الصنعة؟ فعلى وجهين.
وهذا غريب غير متجه؛ فإن تلك الصنعة على هذا الوجه ليست متقوّمة، وما لا يتقوَّم لا يختلف الأمر فيه بين مُتلِف وبين مُتلِف.
ولو غصب جارية مغنية قيمتها لمكان الغناء ألفان، فتلفت أو رجعت إلى ألف، ونسيت ما كانت تحسنه، فهل يضمن الغاصب ما كان في مقابلة الغناء؟ فعلى وجهين ذكرهما.
ثم زاد فقال: من اشترى جارية مغنية تساوي ألفين بسبب الغناء، وقيمة رقبتها

ألف، فإن اشتراها بألف، فيصح البيع، وإن اشتراها بألفين فقد حكى الشيخ في ذلك اختلافاً، فحكى عن المحمودي أنه أفتى ثَمَّ ببطلان البيع؛ فإنا لو صححناه، لصار تعليم الغناء مَكْسبةً وننسبُها إلى المقابلة بمال.
قال الشيخ أبو زيد: إن قصد بشرائها والمغالاة في ثمنها غِناءها؛ فلا يصح، وإن أطلق البيع، ولم يقصد ذلك صح.
وقال أبو بكر الأودَني 1: مِن أصحابِنا مَن قال: يصح البيع على كل حال، ولا يختلف بالقصود والأغراض.
وهذا هو القياس السديد.
فرع: 8576 - إذا أصدق الرجلُ امرأتَه عبداً، فرهنته، ثم إنه طلقها قبل المسيس والعبد مرهون؛ فلا يرجع في نصف العبد مرهوناً على تقدير أن تفك الرهن وتسلّم إليه نصفَ العبد، فلو قال الزوج: أصبرُ وأنتظر، فإن انفك الرهن، رجعتُ في نصف العبد، فللمرأة ألا ترضى به؛ فإنها لو رضيت، لكان الحق باقياً في ذمتها، ولو قدرنا رجوع [العبد بالانفكاك] 2، فذاك منتظر، ولها ألا تصبر على شغل الذمة.
ولو قالت: أصبر حتى يفكَّ الرهنُ، فللزوج ألا يصبر ويطلب حقه عاجلاً.
ولو قال الزوج: رضيت بنصف العبد، وصبرت إلى فك الرهن وأبرأتكِ عن الضمان، وأنا متربص إلى فكاك الرهن، فإن سلِم فذاك، وإن لم يسلَم وتلف العبد، فلا عليكِ، فهل عليها أن تجيبه إلى ذلك؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ: أحدهما - عليها أن ترضى بما رضي به.
والوجه الثاني - ليس عليها، وشبه ذلك بما لو أصدق امرأته نخلاً، فأطلعت، وطلقها قبل المسيس، فلو قال الزوج: أصبر إلى أن تُجَدَّ الثمارُ، ثم أرجع في نصف النخيل ويكون الضمان [عليّ] 3 حتى [لو] 4 تلف حقي قبل الجداد، فلا يلزمها ذلك.

ولو قال: أخرجتك من ضمان العين في الحال، وأنا متربص فإذا جُدَّت الثمار، رجعت في النخيل، وإن تلفت، فلا عليك، فهل يلزمها ذلك؟ فعلى وجهين ذكرهما.
وهذا عندي غيرُ سديد، فإنَّ الصداق إذا كان نخيلاً -كما صوره- فطريق الكلام فيه يتعلق بالسقي، ورجوع فائدته إلى الشجرة، ومثل ذلك لا يجري فيما نحن فيه؛ [وتلك] 1 المسألة أجريناها على أحسن وجه.
وما ذكره الشيخ من الوجهين يُفسد نظامها.
وأما مسألة الرهن، فما ذكره من الخلاف فيه، بعيد أيضاًً؛ فإنه يبعُد أن يتملك النصف وهو مرهون، فإن ما لا يصح ابتياعه لا ينقلب إلى الزوج ملكاً، وإذا بعُدَ ملكُ النصفِ، فما معنى سقوط الضمان عنها؟ فالوجه: انحصار حقه في القيمة لا غير.
8577 - ومما يتعلق بهذه المسألة أنها لو أجَّرت العبد المُصْدَقَ مدةً، وطلقها الزوج، والعبد في بقية المدة، فلا سبيل إلى فسخ الإجارة بعد لزومها، فإن أراد الزوج الرجوعَ بنصف القيمة، فهو حقه.
ولو قال: أصبر إلى انقضاء الإجارة، ثم أرجع في نصف العبد، وضمان ذلك إلى أن يتفق الرجوع عليك، فليس له ذلك.
ولو قال: أتربصُ إلى انقضاء المدة وقد أبرأتكِ في الحال عن ضمان حصتي، فعلى وجهين: أحدهما - أنه يُجاب إلى مُلتَمَسِه.
والثاني - لا يُجاب، كما ذكرناه في الرهن.
فإن قيل: هلا خرجتم ذلك على أن الدار المكراة هل تباع؟ حتى تقولوا إذا لم يصح بيعه، امتنع الرجوع في نصفه، وإن قلنا: يجوز بيع المكرَى، فيجوز منه الرجوع فيه، [إن] 2 رضي به.
قلنا: كان الإمام 3 يذكر ذلك ويختاره على هذا الوجه.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل