كِتَابُ المُزَارَعَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ذلك أولى، والأرض تحت يد المستأجر، وتحت تصرّفه.
5520 - ولو لم يجر للقلع ذكر، ووقعت الإجارة على الإطلاق، فقد ذكرنا من قول الأصحاب أن المستأجر، إذا قلع بعد المدة، التزم تسوية الحفر، فقال العراقيون بناء على ذلك: لو قلع في أثناء المدة، فهل يلتزم تسوية الحفر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يلتزمها 1 قياساً على ما إذا قلع بعد المدة.
والثاني - لا يلتزمها؛ فإن القلع في أثناء المدة تصرفٌ منه في ملكه، وفي الأرض التي هي تحت يده، فلم يتضمن إلزام التسوية.
وهذا فيه ضعفٌ، مع المصير إلى أن التسوية بعد المدة واجبة، كما ذكرنا.
نعم هذا الاختلاف لائح في القلع 2 بعد المدة كما ذكرناه، فأما الفرق بين القلع الواقع بعد، المدة وبين القلع الواقع في المدة، فلا اتجاه له.
وكنا وعدنا أن نذكر مسائل؛ ثلاثاً، وقد نَجَّزنا غرضنا من واحدة.
والثانية، والثالثة نذكرهما رمزاً وفاءً بما وعدنا، واستقصاءُ القول فيهما في فصلٍ معقود بعد ذلك.
5521 - فالمسألة الثانية - أن يقول المستأجر: إذا انقضت المدة، [فلا تقلع غراسي] 3 مجاناً، فالإجارة تصح، وما ذكره ليس تأبيداً للغراس، بل هو 4 نفيٌّ للقلع مجاناً، وهو غير منافٍ لمقتضى العقد.
5522 - والمسألة الثالثة - أن لا يقع للقلع تعرّضٌ، ويذكر في الإجارة مدة، فإذا جرت الإجارة كذلك، وأمر القلع مبهم، فالذي يقتضيه النص أن الغراس لا يُقلع مجاناً، والتأقيت محمول على الوفاء بشرط الإعلام في العقد؛ فإنّ إطلاق الإجارة من غير مدة باطلٌ، وأمر القلع محمولٌ على أن لا يقع مجاناًً.
وقال أبو حنيفة: الغراس مقلوعٌ بعد المدة مجاناً، وصار إلى أن ذكر المدة في
العقد يُشعر بهذا، ويُبيِّن أن استحقاق تبقية إلغراس موقوفٌ على بقاء المدة.
وهذا اختيار المزني.
وقد مال إلى قياس المزني طائفة من أصحابنا.
وفي كلام القاضي رمزٌ إليه.
وقد قدمت في بعض مسائل المزارعة ذلك.
5523 - ورأيت لبعض الأئمة أن التأقيت في العاريّة من غير تعرض للقلع يقتضي القلعَ مجاناً، بعد [آخر] 1 المدّة؛ فإن العاريّة تبرّعٌ، ويصح إطلاق العاريّة وتأقيتُها، فإذا أُقتت، اقتضى التأقيت الحملَ على القلع مجاناً، وليس كذلك التأقيت في الإجارة؛ فإن التأقيت مستحقٌّ في الإجارة لإعلام المعقود عليه، فلم يقتض الحملَ على القلع مجاناً بعد انقضاء المدة، وأيضاًً فإن الغراس مستحق في [الإجارة] 2، وهو مباحٌ في العارية.
5524 - وكل ما ذكرناه غيرُ معتد به في أصل المذهب، والذي عليه التعويل في مذهب الشافعي أن إطلاق المدّة في الإجارة والإعارة لا يتضمن القلع مجاناًً، وما اختاره المزني مذهبٌ له يختص به.
فصل
قال: " وما اكترى فاسداً فقبضها، ولم يزرع ... إلى آخره " 3.
5525 - إذا اكترى الرجل أرضاً، أو غيرها اكتراءً فاسداً، ثم قبض ما اكتراه على الفساد، وأمسكه المدّة المذكورة، فيلزمه أجر المثل سواء، استوفى المنفعة، أو لم يستوفها.
5526 - وقال أبو حنيفة 4: إن لم يستوفِ المنفعة، لم يلزمه الأجرة بثبوت
يده، وإن ضاعت المنفعة، وإن استوفاها، وجب أجر المثل.
ثم له خبط في تفصيل المسمَّى وأجرِ المثل إذا كان أحدهما أقلَّ من الثاني.
وليست الإجارة الفاسدة كالنكاح الفاسد؛ فإن من نكح امرأة بشبهة وردّها [إلى حالته] 1، فلا يلتزم مهرَها ما لم يطأها، والسبب فيه أن اليدَ لا تثبت على منافع البُضع، فإذا لم يجْر وطءٌ، ولا يدَ، لم يجب الضمان، وهذا لا ينتفع به أبو حنيفة؛ فإن منافع الدور والأبدان، وغيرِها لا تضمن عنده 2 بالإتلاف على سبيل العدوان، ثم جعل الإتلاف سبباً في ضمان المنافع في العقد الفاسد.
5527 - فإن قيل: إذا اشترى شيئاًً على الفساد، فوضع البائعُ الشيءَ بين يديه، فلا يكون ذلك إقباضاً، ولو جرى مثله في الصحيح 3، كان إقباضاً، فلقد فرقتم بين [الإقباض في الصحيح والإقباض في الفاسد] 4، فهل تسلكون هذا المسلك في الإجارة؟ قلنا: نعم، وسبب الفرق في البيع أن الإقباض [مستحق] 5، فإذا قدّم البائع المبيعَ إلى المشتري، كفى ذلك، فكان خروجاً منه عن الحق المستحق عليه، فإذا خرج عما عليه، [لزم] 6 الحكم بثبوت يد المشتري من طريق الحكم، وإذا لم يكن القبض مستحقاًً في الفاسد، فالإقباض ليس توفيةً لحق مستحق، فلا يتعلّق به حكمٌ، ما لم يوجد قبضٌ في الحقيقة.
وهذا الفرق نجريه في الإجارة الصحيحة والفاسدة.
فإذا قال المكري في الإجارة الصحيحة للمكتري: دونك الدار، فاقبضها، قد خلّيت بينك وبينها، كان ذلك إقباضاً، وقد يكون من تمامه تسليم المفتاح إليه، وإذا سلم الدار إليه على هذا الوجه
في الإجارة الفاسدة، ولم يوجد منه تسلُّمٌ ودخولٌ للدار، فهذا تسليم لا تسلّم معه،
فلا يتعلق به وجوب أجرة المثل على المستأجِر على الفساد.
فصل
5528 - قد ذكرنا طرفاً من البناء على الأرض المستأجرة، والغراس فيها، في الإجارة التي تقتضي الغراس والبناء، ونحن نستقصي الآن ما يتعلق بأطراف الفصل، إن شاء الله تعالى.
وقد تقدم في العارية القواعدُ الممهدة على أحسن مساق، ولم نغادر من أصول المذهب شيئاًً إلا زوائد وفوائد ذكرها الشيخ أبو علي في شرح الفروع في كتاب الإجارة، ونحن ذاكروها، وقد نُحوَج إلى إعادة بعض تلك الأصول لنبني عليها ما زاده الشيخ فنقول:
5529 - إذا انقضت مدة الإجارة، وما كانت قيدت بشرط القلع مجاناً، [أو] 1 كانت قيدت بأن لا يقلع مجاناً؛ فإن رضي صاحب البناء بقلع البناء ونقله، لم يمنع من ذلك، لا شك فيه، فهل عليه تسوية الحُفر التي تحدث بسبب القلع؟ فيه تفصيلٌ قدمناه على أبْين الوجوه.
وإن باع البناء من صاحب الأرض، فاشتراه، لم يخْفَ الحكم.
وإن رضي بيعَ الأرض مع البناء، فيقسّط الثمن عليهما، وقد سبق القول في كيفية التقسيط، في كتاب التفليس.
5530 - ثم ذكر ابن سريج أن صاحب الأرض مخيّر إن شاء كلّف المستأجر قلْعَ البناء، وغرِم له ما ينقصه القلع، وإن شاء أمره أن يبيع منه البناء قائماً، ويأخذَ ثمنَه، وإن شاء رب الأرض رضي بإمساك البناء وإدامته على صفته، وألزم المستأجر أجر مثل الأرض في المستقبل، فيتخيّر بين هذه الخلال.
والرجوعُ إلى صاحب الأرض في تخيّر ما شاء من هذه الخلال، فلو قال: بع مني، فليس له أن يقول: بل أُبقّيه بشرط أجرة المثل.
ولو قال: بقِّه بشرط الأجرة، فليس لصاحب البناء أن يقول: بل ألزمك قيمته وابتياعه؛ إذ الخيرة إلى المالك.
ثم قال ابنُ سريج: إذا اختار صاحب الأرض قسماً من هذه الأقسام، فلم يرض به صاحب البناء، فيقال له: إما أن ترضى به [وإما] 1 أن تقلع بناءك مجاناً.
وهذا قد فصّلته على نظائرَ وترتيب يقضي اللبيبُ العجبَ من النظر فيه، في كتاب العواري.
وما ذكره ابنُ سريج، هو الذي قطع به معظمُ أئمة المذهب.
5531 - قال الشيخ أبو علي: فيما ذكره ابنُ سُريج نظرٌ عندي، فإني أقول: إذا عيّن صاحبُ الأرض خَصلةً من الخصال الثلاث، فلم يساعده صاحبُ البناء، فله أن يقلع بناءه، ولكنه لا يقلعه مجاناً؛ إذ يستحيل أن يبطُل حقُّه، ويحبَط ملكه، بسبب امتناعه عمَّا له الامتناع منه، حتى يصير في حكم من بنَى على أرضٍ مغصوبة.
وبيان ذلك أنه إذا قال مالك الأرض: "بع مني، فامتنع، فلا سبيل إلى أن يباع عليه ملكه قهراً، ولكن، يقال له: إن بعتَ [منه] 2 فلك ذلك، وإلا فاقلع، ولك أرشُ ما ينقصُه القلع، فأما أن يبقى بشرط الأجرة، فليس ذلك دون رضا مالك الأرض.
فهذا معنى حمله على اختيار صاحب الأرض.
واستدل الشيخ في هذا بأن قال: لو اضطُر رفيقُ الرجل، وكان له طعام لا يحتاج إليه، فعليه أن يسلّمه إلى رفيقه بالقيمة، ولو امتنع من تسليم الطعام، أُخذ منه قهراً، ولكن لا يؤخد منه مجاناًً، وتثبت القيمة له، وإن أُجبر.
وحقيقة ما ذكره الشيخ يؤول إلى أن مالك الأرض يخيِّر صاحبَ البناء على القلع، ويغرَم له أرشَ النقص، فأما إذا طلب منه البيعَ، أو التبقية، لم يحمل مالك البناء على ما يطلبه.
وهذا الذي ذكره يخالف ما ذكره ابن سريج، واختاره معظم الأئمة، [وإن] 1 كان متجهاً في المعنى.
وقد ذكرت في العاريّة ما يتوجه به مذهب ابن سريج والأصحاب.
5532 - ثم ينشأ من هذا المنتهى أمر مبهم، لم يصرح به الأصحاب، ودلت مرامزهم فيه على تردد، فإذا طلب المالك القلعَ، فصاحب البناء محمول على هذا في كل مذهب، وقد ذكرنا أن مالك الأرض يغرَم ما ينقصه القلع.
ولكن ربما يحتاج في القلع إلى مؤونة لها قدرٌ، فمؤونة القلع كيف السبيل فيها؟ وعلى من هي؟
ظاهر كلام معظم الأصحاب يشير إلى أن القلعَ على صاحب البناء، ثم إذا قلع، فعليه النقل، ومؤونة تفريغ الأرض، وعلى مالك الأرض أن يغرَم له ما بين قيمة النقض وقيمة البناء القائم.
والقلع على هذا التقدير من النقل، ولكنه نقلٌ فيه معاناة ومقاساة مشقة، فلا يجمع على مالك الأرض بين مؤونة القلع، وأرش النقص.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على أن مؤونةَ القلع على مالك الأرض، كما أن عليه ما ينقصه القلع.
وهذا متجهٌ جداً؛ من قِبل أنا لو جعلنا القلعَ نقلاً، لوجب أن لا يغرمَ مالكُ الأرض ما ينقصه القلع، فإن ما هو نقلٌ وتفريغٌ، فهو محتومٌ على المستأجر، فإذا اتفق القلع [منه] 2، فلا خلاف أن نقلَ النقض، وتفريغ الأرض منه على المستأجر، فلو كان القلع معدوداً منه، لوجب أن لا يلزم مالك الأرض شيء.
والمسألة في نهاية الاحتمال، والوجه إلزام مالك الأرض مؤونة القلع لما نبهنا عليه.
5533 - ومما ذكره الشيخ أبو علي أن مالك الأرض إذا طلب من صاحب البناء أن يقلع مجاناً، وأبى صاحبُ البناء، وطلب التبقية مجاناً، وأصرَّا على التناكر وطلب كل واحد منهما محالاً.
هذا مما ذكرتُه في العاريّة، ولكن الشيخ ذكر وجهين، وأنا اقتصرت على أحدهما، [وإن كان أظهرَهما] 3 قال رحمه الله: إذا تناكرا، وطلب كلٌّ
ما ليس 1 له، ودام الخصام، فللأصحاب وجهان: أحدهما - أن الأمر يوقف بينهما إلن أن يستمسكا بما يجوز، وقد ذكرنا ما لكلِّ واحدٍ منهما، وما عليه.
والوجه الثاني - أنهما إذا تناكرا، حُملا على القلع، ثم مالك الأرض يغرَم ما ينقصه القلع.
وهذا كلام مبهم عندي، جاز عليه الناقلون، ولم يبحثوا عن حقيقته، وأول إشكالٍ فيه عُسر تصوير التناكر؛ فإن المالك إن طلب قلعاً مجاناً، لم يُجب إليه، وإذا طلب صاحبُ البناء تبقيتَه بلا أجرة 2، لم يجب إليه، فكل واحدٍ طلبَ أمراً هو فيه مبطلٌ، ومقتضى الشرع منعُ المبطلين.
وهذا التردد عندي يرجع إلى أن المأمور بالقلع مَن؟ فإذا طلب مالك الأرض القلعَ من صاحب البناء، فلأصحابنا وجهان: أحدهما - أنه لا يُجبر صاحب البناء على القلع، وإذا لم يجبر وُقف الأمر، وقيل لمالك الأرض: مهما 3 أردت أن تقلع، فاقلع، واغرَم.
هذا معنى وقف الأمر، لا معنى غيرُه.
والوجه الثاني - أن مالك البناء يجبر على القلع، ثم إذا قلع، فعلى مالك الأرض أرشُ النقص، ثم إذا فرّعنا على وجه الوقف، وقد بيناه، وأوضحنا معناه، فالظاهر أن أجرة مثل الأرض تجب في مدة الوقف، على صاحب البناء؛ فإن استحقاقه لمنفعة الأرض قد انقضى، ولو رضي صاحب الأرض بالتبقية على شرط الأجرة، ثبتت الأجرة، لم يختلف فيها أصحابنا، ولا حاجة في إثبات أجرة المثل إلى ذكرٍ وشرطٍ.
وفي المسألة احتمال على بُعدٍ إذا قلنا: القلع على مالك الأرض، وقد طلب القلعَ، ثم لم يقلع، والتمس القلع من صاحب البناء، والتفريع على أن القلع على مالك الأرض إذا 4 أراد القلعَ، وهذا لا أعتدّ به، والفقه إيجاب أجر المثل.
والله أعلم.
5534 - فهذه غوائل نبهنا عليها، ولا اختصاص لها بالإجارة، وهي بأعيانها تجري في الإعارة، وفي كل بناء ساغ ابتداؤه، وجاز قلعُه، إذا لم يُشترط فيه القلعُ مجاناً.
ومن جملة ذلك لو اشترى رجلٌ أرضاًً بعَرْضٍ، وتسلَّم الأرضَ، وبنى عليها، ثم رُدّ العَرْضُ عليه بالعيب، وفي تكلّف البناء من المشتري في الشِّقص المشفوع عُسرٌ، وقد تناهينا في تصويره في كتاب الشفعة، وجملة هذه المسائل تُخرّج على نسقٍ واحد.
ومن ضم ما ذكرناه الآن إلى ما مهدناه في العاريّة، لم يخف عليه خافية، إن شاء الله تعالى.
ِ
فرع:
5535 - إذا اكترى أرضاً ليبني عليها بناء، فهل يُشترط في صحة الإجارة أن يذكر مبلغ البناء في وزنه وقدْره؟
ذكر الشيخ أبو علي في ذلك وجهين: أحدهما - وهو الأصح، أن ذلك لا يشترط؛ فإن الأرض لا تتغير بكثرة البناء ولا يتفاوت ما يُقدّر من ضراره بثقل البناء وخفته.
ولو استأجر غرفة ليبني عليها بناء، فيجب بيانُ قدر البناء ووزنه؛ فإن الغرفة تتأثر بالكثرة والثقل، والأرضُ لا تتأثر.
والوجه الثاني - أنه يُشترط ذكر مقدار البناء ووزنه في استئجار الأرض له، ووجه هذا الوجه أن مالك الأرض ربما يحتاج أن يغرَم قيمة البناء، وما ينقصه القلع، فإذا كان ذلك من مقتضيات العقد، فلا بد من إعلامه للاحتياج إليه آخراً.
وكلامُ ابن الحداد يدل على اختيار هذا الوجه الأخير.
وفي التوجيه بما ذكرناه نظر؛ فإن التعرض لما تُفضي إليه العواقب لا يشترط في العقود.
ويمكن توجيه هذا الوجه بمسلك آخر، [فيقال] 1: إذا بنى المستأجر بناء قريباً،
قلّ انتفاعه، وإذا عظم البناء، وطال ارتفاعه، كثر انتفاع المستأجر، وسبب انتفاعه البناءُ على هذه الأرض، فيجوز أن يقع التعرض لهذا، والدليل عليه أن الدابة القوية قد لا تتأثر بحمل خمسين منّاً، ولكن إذا كان [المحمول] 1 دون الخمسين، فيجب ذكر مقداره؛ فإن تأثر الدابة وإن كان لا يُحَسّ، فازدياد انتفاع الحامل معلوم.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن من استأجر أرضاًً، وقال المالك: ابن عليها ما شئت، فالظاهر صحةُ الإجارة، [فإن ذكر الشيخ أبو علي هاهنا وجهاً، فليس يتوجه إلا بما ذكره] 2 من النظر إلى العاقبة وتوقّع ضمان النقصان عند القلع.
ولو أكرى أرضاًً، وقال للمكتري: ازرعها ما شئت، صحت الإجارة بلا خلاف؛ فإن القلع لا يتوقع في الزرع، والتفويض يتضمن تنزيلَ الإجارة على الزرع الأعظم الذي يكثر ضرره، ثم الرضا بما دونه يسوغ.
ولو أكرى أرضاًً للبناء مطلقاً، ولم يتعرض لتفويض الأمر إلى المستأجر، فالظاهر صحة الإجارة، وإذا ذكرنا وجهاً في فسادها، أمكن توجيهه بالمعنى الذي نبهنا عليه من كثرة انتفاع المستأجر عند كثرة البناء، ولم يقع تفويضٌ إليه على التصريح.
فهذا حاصل القول في ذلك.
فرع:
5536 - إذا بنى المستأجر على الأرض المستأجرة استئجاراً صحيحاً، فأراد صاحب الأرض بيعَ الأرض وعليها البناء، نظر: فإن باعها قبل انقضاء مدة الإجارة، خرج ذلك على قولين في بيع المكرَى، فإن منعنا البيعَ، فلو انقضت المدة، فباع الأرضَ مالكُها، والبناء قائم بعدُ، فقد ذكر الشيخُ وجهين في صحة البيع: أحدهما - أنه لا يصح؛ فإن الأرض مشغولة، ونحن نفرّع على منع بيع الدار المكراة.
ومنهم من
صحح البيع، ووجّه ما قال بقدرة البائع على السعي في تفريغ الأرض، فإنه مهما أراد، قلَعَ البناءَ على شرط الضمان، وكلّف المستأجر النقلَ والتفريغَ، فإن هذين الوجهين مفروضان بعد انقضاء مدة الإجارة.
5537 - ولو أراد المستأجر بيعَ البناء القائم على الأرض، فإن باعه من صاحب الأرض، صحّ ذلك منه، وإن باعه من أجنبي، فقد ذكر الشيخ في صحة البيع وجهين: أحدهما - أنه لا يصح؛ فإن صاحب الأرض متسلّطٌ على قلعه، وإذا كان مستحقَّ القلع، لم يصح بيعه.
والوجه الثاني - أنه يصح، وهو الصحيح، كما يصح من المشتري بيعُ الشقص المشفوع، وإن كان بيعه بصدد النقض.
وإذا منعنا صحة البيع لتوقع القلع 1، لم يفرّق بين أن [يبيع] 2 في زمان الإجارة أو يبيع بعد انقضائها؛ فإن البناء يراد للتخليد، وإذا كان القلع ممكناً بعد انقضاء المدة، فهو منافٍ للمقصود.
فصل
قال: " وإذا اكترى داراً، فغصبها رجلٌ ... إلى آخره " 3.
5538 - قد ذكرنا أن القبض في العين المكراة لا يقتضي نقل الضمان إلى المكتري، فلو تلفت العين التي وردت الإجارة عليها، أو على منافعها، ِ في يد المكتري قبل انقضاء المدة، انفسخت الإجارة في مستقبل الزمان.
وهذا الفصل مقصوده الكلامُ في غصب الدار المكراة، وهذا يترتب على القاعدة التي ذكرناها.
5539 - فإذا غصب الغاصبُ الدار، نظر: فإن اتصل الغصبُ بالعقد، ودام إلى آخر المدة، سقط المسمّى عن المكتري، والمالكُ يستحق على الغاصب أجرَ المثل.
5540 - وإن انتزع المالكُ من يده الدارَ في خلال المدة، بعد مضي شطرها مثلاً، فالإجارة قد انفسخت في الشطر.
الأول، الذي انقضى في يد الغاصب، وهل تنفسخ في بقية المدة؟ فعلى قولي تفريق الصفقة.
وهذا يناظر ما لو اشترى رجل عبدين، وتلف أحدهما قبل القبض، وحكمنا بانفساخ العقد فيه، ففي انفساخ العقد في العبد الثاني قولان.
ولا يخفى أن ما ذكرناه في شطر المدة يجري في الزمان [القريب] 1 الذي يُقدّر لمثله أجرة، حتى إذا أمسك الغاصب الدارَ من أول المدة يوماً واحداً، ثم انتزعت من يده [فالإجارة] 2 تنفسخ في اليوم الواحد من أول المدة، وفي انفساخها في بقية المدة قولا تفريق الصفقة: فإن حكمنا بالانفساخ، فحكمه حكم ما لو دام الغصب إلى آخر المدة، وإن لم نحكم به، فللمكتري الخيارُ في الفسخ تخريجاً على قاعدة التفريق، فإن فسخ، فحكمه ما قلنا، وإلا فعليه ما يخص باقي المدة من المسمَّى، ويسقط عنه ما يقابل المدة التي جرت من أول الزمان في يد الغاصب.
ثم المالك 3 يتبع الغاصب ويُلزمه أجرَ المثل لزمان الغصب.
هذا إذا جرى الغصب في أول المدة.
5541 - فإن قبض [المكتري العينَ] 4 المكتراة، وبقيت تحت يده زماناً، ثم جرى الغصب في خلال المدة، فإن استمر الغصب إلى آخر المدة، انفسخ العقد في زمان الغصب، وسقط 5 قسطُه من الأجرة المسماة، وللمالك على الغاصب أجر مثل تلك المدة.
وفي الزمان الماضي الذي انقضى في يد المستأجر طريقان: ذكرناهما مراراً -أن
الإجارة هل تنفسخ فيها؟ فإن منعنا الانفساخ في تلك المدة، ففي ثبوت الخيار في الفسخ فيها كلامٌ مضى في أحكام التفريق، فإن أثبتنا الخيار للمكتري، ففسخ في الزمان الماضي، سقط المسمى، وغرِم أجرَ مثل ما استوفى من المنفعة، وإن أجاز العقد، ولم يثبت الخيار، استقر عليه من المسمى حصةُ ما استوفى من المنافع.
وقد تمهد أنا كيف نقسط المسمّى على ما مضى وبقي.
هذا الذي ذكرناه قاعدة المذهب والأصل المعتبر.
5542 - وذكر العراقيون في قاعدة المسألة قولاً: أن العقد لا ينفسخ في زمان الغصب، بل يثبت للمكتري الخيارُ، فإن اختار الفسخ في المدة التي مضت في يد الغاصب، فيعود التفريع إلى ما ذكرناه في قاعدة المذهب في الحكم بالانفساخ.
فإن [أجاز العقد] 1، اتبع المكتري الغاصبَ بأجر المثل 2، وكانت المنافع تالفة في ملكه، والتزم كمالَ المسمى للمالك المكري، وعللوا هذا القولَ، فقالوا: تلفُ المنافع في يد الغاصب ينزل منزلة تلف المبيع في يد البائع، بإتلاف الأجنبي، وقد ذكرنا أن إتلاف الأجنبي قبل القبض لا يوجب انفساخ البيع، ولكن يُثبت للمشتري الخيارَ.
وهذا الذي ذكروه غريبٌ جداً لا يعرفه المراوزة، وإن كان جارياً على ضربٍ.
من القياس.
ولكن ما يقتضيه النص وقواعدُ المذهب أن المنفعة إذا استوفيت قهراً، [بأن] 3 استوفاها غاصبٌ، فإنها تتلف على ملك مالك الرقبة، وإنما تثبت أجرةُ المثل للمالك، فإذا وقع تلفُ المنافع على ملكهِ، فلا شك أن العقد ينفسخ فيما تلف على ملك المكري.
وهذا الذي ذكره المراوزة لا يسلّمه العراقيون، بل يقيسونه على إتلاف الأجنبي
المبيعَ قبل القبض، إذا قلنا: لا ينفسخ البيع، ثم لم يختر المشتري الفسخ، فإذا لم نحكم بالانفساخ، ولم يختر الفسخ، فتلفُ المبيع واقعٌ على ملك المشتري، وهو يطالب المتلِفَ بالقيمة، كذلك القول في المنافع التي تلفت تحت يد الغاصب.
5543 - وفيما ذكروه فضل نظر: فإن استوفى الغاصب المنفعة، فانتفاعه بالمنافع ينزل في الشرع منزلة الإتلاف، فليقع ذلك بمثابة إتلاف الأجنبي المبيع، وإن تلفت المنافع تحت يد الغاصب، ولم يوجد من الغاصب انتفاعٌ، فهذا يناظر ما لو غصب أجنبي العينَ المبيعة قبل قبض المشتري، ثم تلفت تلك العين في يد الغاصب من غير إتلافه، وهذا فيه تردد ظاهر: يجوز أن يقال: التلف تحت يده (1 بمثابة إتلافه، ويجوز أن يقال: التلف تحت يده 1) يوجب انفساخ العقد، بخلاف 2 التلف بإتلافه.
فليتأمل الناظر مواقع الكلام.
5544 - ولا نعرف خلافاًً أن المرأة المنكوحة إذا وطئت بالشبهة، فإنها تستحق مهر المثل على الواطىء، ولا نقضي بأن الزوج يستحق مهر المثل؛ مصيراً إلى أن المنافع تتلف على ملك الزوج.
هذا لا يصير إليه أحد من الأئمة، ثم لا نقول: يسقط عن الزوج قسطٌ من المسمّى بسبب ما جرى؛ فإن النكاح معقود على التأبيد، ولا يبين للمنفعة في [اللحظة] 3 التي جرى الوطء فيها قسطٌ من المهر؛ فإن التوزيع من غير مدة مقدّرة غيرُ ممكن وهذا بيّن.
وكيف يتوقع هذا والمهر يتقرر على الزوج بوطأة واحدة، والبدل في الإجارة يتوزع.
5545 - ومما يتعلق بتفصيل المذهب، والتفريع على الطريقة المشهورة التي لا يعرف المراوزة غيرها، وهي أن المنفعة تتلف في يد الغاصب على ملك المكري، فإذا غصب الغاصب الدار المكراةَ، فالذي يقتضيه ظاهر النص أن الخصومة إلى1
المكري دون المكتري، نص عليه الشافعي.
وعلل في الأم، فقال: " أرأيت لو أقر المكري للغاصب برقبة الدار، أما كنتُ أقبل إقراره؟ أرأيت لو أقر به المكتري أكنت أقبل إقراره؟ ".
أشار إلى أن الملك للمكري، وبنى عليه حكمَ الإقرار، ونحن نذكر ما قال الأصحاب في الإقرار في آخر الفصل، بعد انتظام الكلام فيما نريده.
5546 - فمن أصحابنا من قال: لا يثبت حق المخاصمة مع الغاصب إلا لمالك الرقبة؛ فإن الملك في الرقبة له، والمنافع تتلف أيضاًًً على ملكه، فكان حقُّ المخاصمة ثابتاً له.
ومن أصحابنا من يُثبت للمكتري حق المخاصمة مع الغاصب لأجل المنفعة في مستقبل الزمان؛ فإنه وإن كان لا يملك الرقبةَ، فحقه ثابت تحقيقاً في المنفعة، وحقٌّ على الغاصب أن يرد الدار المغصوبةَ على المستأجر.
وإذا وجب 1 عليه في حكم اليد 2 الردّ على المكتري، فللمكتري أن يطالبه بما هو واجبٌ عليه.
وهذا وجهٌ ذكره المراوزة وهو منقاسٌ.
[و] 3 ظاهر النص، وما ذهب إليه الجمهور أنه لا يثبت حق المخاصمة للمكتري أصلاً، وإنما يثبت للمكري، مالكِ الرقبة، ومن تمسك بالوجه الذي ذكرناه أوَّلَ النصَّ، و [قال] 4: أثبت الشافعي حقَّ الخصومة في الرقبة للمكري، والمكتري إنما يخاصم في المنفعة.
5547 - فإذا تبين ما ذكرناه من مقصود الفصل في حكم الغصب الواقع أولاً، وفي أثناء المدة، فنذكر الآن تفصيلَ القول في إقرار المكري 5، وهو الذي أجراه الشافعي في أثناء الكلام، فنقول:
إذا أكرى 1 الرجل الدارَ، وجرى الحكمُ بصحة الإجارة، ثم إن المكري 2 أقر بأن الدار مملوكة لفلان، وأنه أكراها، ولم يكن له أن يكريها، فترتيب المذهب في ذلك أنا إن قلنا: يصح بيع الدار المكراة من المكتَري 3، فيقبل إقراره في رقبة الدار؛ فإن البيعَ إذا كان ينفذ، فالإقرار أولى بالنفوذ.
وإن قلنا: لا يصح بيع الدار المكراة، كما لا يصح بيع المرهون، فإذا أقر المكري برقبة الدار لإنسان، وزعم أنه اعتدى لما أن أكرى ملكَ غيره، ففي قبول إقراره للغير في دوام الإجارة قولان، ذكرهما الأصحاب، كالقولين فيه إذا رهن عيناً وأقبضها، ثم أقر بأنها كانت مغصوبة في يده.
وقد سبق التفصيل فيه في كتاب الرهن.
ثم قال الأصحاب: إن لم نقبل الإقرار في الرقبة، فلا كلام.
وإن قبلنا 4 الإقرار في الرقبة، فهل يُقبل في المنافع حتى 5 يبطل حق المستأجر منها؟ فعلى ثلاثة أوجه: أحدها- أنا لا نقبل الإقرار بالمنفعة؛ فإنها مستحقةٌ، ملكاً للمستأجر.
والثاني - أنه يقبل في المنافع؛ فإنه إذا قبل في الرقبة، فالمنافع تتبع الرقبة.
والوجه الثالث - أن الدار إذا غصبها الغاصب.
من يد المكتري، وثبتت يده عليها، فأقر المكري لهذا الذي حسبناه غاصباً، فنقبل إقراره في الرقبة والمنافع؛ فإنه أقر في حالةٍ تحدث المنافع فيها على ملك المكري على الصحيح، بدليل أن أجرة المثل تكون لمالك الأرض، لا لمستأجرها.
فإذا جرى الإقرار في حالةٍ لولا الإقرار، لكانت المنافع تحدث على ملك
[المكتري] 1، فالإقرار في مثل هذه الحالة [غير] 2 مقبول، وبمثله: لو أقر المكري بالدار لإنسان، وكانت الدار في يد المكتري، وهو يستوفي ما يراه حقاً له من المنافع، فلا ينفد إقرار المكري في هذه الحالة في المنافع؛ نظراً إلى ثبوت يد المكتري عليها.
هذا بيان اختلاف الأصحاب في ذلك.
5548 - وعلينا فضل بحث في الفصول 3، وذلك أن نقول: وإن منعنا بيع الدار المكراة، فردُّ إقرار المكري في الرقبة محال، لا اتجاه له؛ فإن الرقبة ليست حقاً للمكتري، وليس كذلك ما [إذا] 4 أقر بالرقبة بعد الرهن والإقباض؛ فإن الإقرار وحقَّ المرتهن يزدحمان على الرقبة، والإقرارُ في رقبة الدار المكراة لا يزاحِم 5 حقَّ المكتري؛ فبعُد ردّ الإقرار.
نعم، ردُّ الإقرارِ في المنافع جارٍ على قياس الباب، فإنها مستحقة للمكتري؛ فالوجه تنفيد الأقرارِ في الرقبة، وإجراءُ الخلاف في المنفعة.
ثم الخلاف في المنفعة يترتب على القولين في قبول إقرار الراهن في الغصب، ووجه الترتيب أن إقرار الراهن بالغصب [أصلاً، يصادم] 6 حقَّ المرتهن، والمنافع تابعةٌ للعين، وقد يثبت على التبعية ما لا يثبت على الابتداء.
فليفهم الناظر ترتيبَ الكلام على ما ذكرناه أولاً، ثم رتبناه آخراً.
5549 - ومما فرعه الأصحاب في أطراف الفصل أن قالوا: إذا أكرى الرجل الدارَ مدةً معلومة، ثم إنه لم يسلّم الدارَ إلى المكتري زماناً، من أول المدة، فالإجارة
تنفسخ في زمان المنع، وإن كنا نعذر المكري إذا كان يحبس الدارَ لتتوفّر المنفعة بالأجرة عليه 1.
ثم إذا انفسخت الإجارة في تلك المدة، فالقول في انفساخها في بقية المدة يخرّج على الترتيب الذي مهدناه.
هذا طريقة المراوزة.
5550 - وإذا فرع العراقيون على الوجه الذي انفردوا بحكايته، فإنهم يقولون: لو غصب غاصبٌ الدار مدةً، كان ما فات من المنافع تحت يده بمثابة المبيع إذا أتلفه الأجنبي، فإذا فاتت المنافع في يد البائع، فهو خارج على أن البائع إذا أتلف المبيع، فإتلافه كآفة سماوية، أو هو بمثابة إتلاف الأجنبي المبيع؟ ثم لا يخفى التفريع في ذلك.
وهذا قول مهجور لا تفريع عليه.
وقد نجز ما طلبناه من تحقيق مضمون الفصل.
5551 - ثم ذكر المزني فصولاً متقرّرة في مواضعها، منها استئجار الأرض من أراضي الخراج.
والقولُ في الخراج، وضربِه، وكيفيته مذكور في موضعه، ثم تعرض لأصلٍ ليس من غرضنا في هذا الكتاب، فقال: العشر يجب على مالك الزرع في الأرض الخراجية، وكذلك العشر في الزرع الحاصل [للمكتري] 2 على المكتري 3، (4 فإنه مالك الغلّة 4) والعشر يتبع الغلّة، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في باب العشر من كتاب الزكاة.
ثم أعاد المزني فصلاً من الاختلاف بين رب الأرض والمنتفع بها، بأن 5 قال المالك: أكريتكها، وقال الزارع: بل أعرتنيها، وهذا فصل أجرينا تأصيله4
وتفصيله، على أبلغ وجهٍ في البيان، في كتاب العاريّة، فليطلبها الناظر من موضعها.
وقد نجزت مسائل الكتاب، ونحن نرسم بعدها فروعاً شذت عن ضبط الأصول.
فرع لابن الحداد:
5552 - إذا اكترى رجلٌ داراً، ثم اشترى تلك الدارَ في خلال المدة، فلا خلاف في صحة البيع، وإن [منعنا بيع المكرَى] 1 من غير المكتري.
ثم إذا اشترى المكتري، فهل تنفسخ الإجارة؟ في المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - وهو الذي اختاره ابن الحداد أن الإجارة تنفسخ؛ فإن ملك الرقبة واستحقاق المنفعة لا يجتمعان، كما لو اشترى الزوج زوجته؛ فإن النكاح ينفسخ، لا خلاف فيه.
والثاني - لا تنفسخ الإجارة، وهو الذي صححه معظم الأصحاب.
5553 - فإن قلنا: لا تنفسخ الإجارة، فمن التفريع على ذلك أنه لو اطلع على عيبٍ بالدار يثبت به حقُّ ردّ المبيع، ولا يثبت به حق فسخ الإجارة؛ من جهة أنه يؤثر في نقصان المالية، ولا يؤثر في نقصان المنفعة، فإذا فسخ البيعَ بالرد بالعيب، بقيت الدار في يد المكتري بحكم الإجارة التي حكمنا ببقائها.
وإن قلنا: تنفسخ الإجارة، فهل يسترد المشتري قسطاً من الأجرة في مقابلة بقية المدة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يسترد قسطاً من الأجرة، وهو القياس؛ لأن الإجارة إذا انفسخت، فحكم انفساخها ارتداد الأجرة.
والوجه الثاني - أنه لا يسترد شيئاًًً وهو اختيار ابن الحداد.
ووجهه أنه لما اشترى، فقد تسبب إلى ما يتضمن انفساخَ الإجارة، ومن تسبب إلى رفع عقدٍ، لم 2 يثبت له حق الرجوع إلى عوضه.
وهذا ضعيفٌ لا ثبات له، وقد أوضحنا ما يفسده في أول الكتاب.
5554 - ثم إذا حكمنا بانفساخ الإجارة، وقد صح الشراء، فهل تُردّ الدار إلى
البائع، حتى ينتفع بها، في [بقية] 1 المدة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يردها عليه، والأصح أنه لا يردّها، والمنافع تحدث على ملك المشتري بعد انفساخ الإجارة.
5555 - وهذا الخلاف يناظر ما قدمناه فيه إذا باع المكري الدارَ من غير المكتري، وقلنا بصحة العقد، فلو فُسخت الإجارة بسببٍ من الأسباب، وقد بقيت بقيةٌ من المدة، فالدار تسلم إلى البائع المكري لينتفع بها في بقية المدة، أم تبقى في يد المشتري؟ فعلى وجهين: وحقيقتهما 2 أنّا في وجهٍ نعتقد أن المنافع -بعد انفساخ الإجارة- تحدث على ملك المشتري، وفي وجهٍ نعتقد أن منافع الإجارة مستثناة من استحقاق المشتري، فإذا انفسخت الإجارة، ارتدت المنافع في بقية المدة إلى البائع، وهي خارجة عن استحقاق المشتري.
5556 - ثم ما قدمناه من الوجهين في أن المكتري إذا اشترى الدارَ التي اكتراها، وحكمنا بانفساخ الإجارة هل يسترد شيئاً من الأجرة؟ إذا أردنا جمعه إلى الخلاف في أن المنافع هل ترتد إلى البائع؟ قلنا: سواء حكمنا بأنه يسترد قسطاً من الأجرة، أو قلنا: لا يستردّ، فالخلاف جارٍ في ارتداد المنفعة إلى البائع، ولا تعلّق لأحد الخلافين بالثاني.
فليفهم الناظر ذلك؛ فإن سبب الخلاف في ارتداد المنافع إلى البائع أنا نتخيل كونَ منافع الإجارة مستثناة عن استحقاق المشتري في وجهٍ، وأما سقوط الرجوع بقسطه من المسمّى على وجهٍ 3، فسببه انتساب المشتري إلى جلب الملك، وهو السبب الفاسخ.
فليفهم الناظر، ما ذكرناه، وليميز الأصل عن الأصل، حتى يتضح له أن الخلاف في أحدهما لا يتفرع على الخلاف في الثاني.
5557 - وكان شيخي يقول: إذا حكمنا بارتداد المنافع إلى البائع في بقية المدة، استرد المشتري قسطاً من الأجرة وجهاً واحداً.
وإن قلنا: لا ترتد المنافع إلى البائع في بقية المدة، فهل يبسرد المشترفي قسطاً من الأجرة؟ فعلى وجهين.
وهذا ليس وراءه تحصيل، والأصل ما قدمناه.
5558 - ثم قال ابن الحداد: إذا ملك المكتري رقبة الدار عن جهة الإرث، فالإجارة تنفسخ، وهذا جوابٌ منه على أحد الوجهين.
ثم قال: إذا حكمنا بانفساخها، فالمكتري يرجع بأجرة بقية المدة، وليس كما لو اشترى.
وفرّق بأنه إذا اشترى، فقد نُسِبَ 1 إلى تحصيل سبب الفسخ، [وإذا] 2 ورث، فالانفساخ حصل من غير سببٍ 3 من جهته.
ولم يرض الأصحابُ هذا الفرقَ، ورأَوْا تنزيلَ الملك الحاصل بالإرث منزلةَ تحصيل الملك الحاصل بالشراء، وقد ذكرت توجيهَ هذا، والردَّ على ابن الحداد، في فرقه في أول الكتاب.
5559 - ثم ذكر ابن الحداد أن من أكرى داراً، ثم إن المالك المكري اكترى من المكتري تلك الدار، فالإجارة، تصح، وهذه المسألة فيها وجهان ذكرهما الأصحاب، كالوجهين في أن المكتري إذا اشترى الدار المكراة هل تنفسخ الإجارة؟ والوجهان جاريان مهما حصل الملك في رقبة الدار للمكتري، فإذا اكترى المكري، فالملك في الرقبة ثابت [له] 4 فإذا أراد الاكتراء، مع ثبوت الملك في الرقبة، اطرد الخلاف، فالذي ذكره ابن الحداد، تناقضٌ بيّنٌ في التفريع؛ من جهة أنه اختار انفساخَ الإجارة إذا ملك المكتري رقبة الدار المكتراة، ثم جوز من المكري أن يكتري من
المكتري وإن كان يتضمن ذلك اجتماعَ الإجارة وملكَ الرقبة في حق شخصٍ واحد، وهذا ظاهر في التناقض.
وأراد بعضُ أصحابنا الانتصار لابن الحداد، وتصويبَه في تصحيح الاكتراء من المكتري، مع مصيره إلى أن الإجارة تنفسخ إذا طرأ عليها حصول الملك في الرقبة للمكتري، وهذا 1 لا ينتظم قط.
وإن تخيّل متخيلٌ شيئاً، لم يصبر على السبر.
فرع:
5560 - قد تمهد أن الرجل إذا اكترى دابة معينة، وعيّن لركوبها عبداً من العبيد، فلو أراد أن يُركب عبداً آخر مثلَه، جاز له ذلك، إذا كان الثاني في مثل حال الأول، وهو كما لو اكترى أرضاً ليزرعها قمحاً، فزرعها شعيراً، ويخرج من ذلك أنه لو تلف ذلك العبد المعيّن والإجارة واردة على عين الدابة، لم تنفسخ الإجارة، ولكن يبدل [المستأجر] 2 بعبد آخر؛ فإن لم يفعل، والدابة 3 في يده، فانقضت المدة التي تسع مقصود الإجارة، فقد استقرت عليه الأجرة، وهو الذي عطل حق نفسه.
وبمثله ما لو اكترى دابة في الذمة من غير تعيين، وشرط أن يُركبها عبداً عيّنه، فلو تلف ذلك العبد المعيّن، فهل تنفسخ الإجارة؟
ما صار إليه ابن الحداد أن الإجارة تنفسخ في هذه الصورة؛ فإنه لم يتعيّن في المعاملة إلا العبد المعيّن، فهو متعلَّقُ العقد، فإذا فات 4 مَنْ تعلق به [تعيُّنُ العقد] 5، انفسخ، ونزل في هذه الصورة منزلةَ تلف الدابة المعيّن في الإجارة الواردة على عين الدابة.
5561 - ونصُّ الشافعي يدلّ على ذلك في كتاب الصداق؛ فإنه قال: " لو أصدق امرأته خياطةَ ثوبٍ معين، ثم تلف ذلك الثوب، فالرجوع إلى مهر المثل"، ولولا أنه
حكم بانفساخ العقد الوارد على المنافع، وإلا كان يقول: تأتي المرأة بثوبٍ آخر ليخيطه، فالرجوع إلى مهر المثل تصريحٌ بارتفاع 1 استحقاق المنافع.
5562 - ومن أصحابنا من قال: إذا تلف العبد المعين للركوب في الإجارة الواردة على الذمة، لم تنفسخ الإجارة، ويأتي المستأجر بعبدٍ آخر.
وهذا متجه في القياس؛ فإن العبد إذا كان لا يتعين في الإجارة الواردة على العين، وجب ألا يتعين في الإجارة الواردة على الذمة.
قال الشيخ 2: وهذا القائل يقول في مسألة الصداق: المرأة تأتي بثوبٍ آخر ليخيطه الزوج، ولا رجوع إلى مهر المثل.
وقد قدمنا نوعاً من الكلام، وبالغنا في تفصيله، وفرضناه في الإجارة الواردة على العين، وأجرينا فيه الخلاف.
وذلك أنا قلنا: لو استأجر رجلاً ليخيط له ثوباً، ولم يرض خياطةَ غيرِ من عيّنه، وعيّن الثوبَ، فلو تلف ذلك الثوب، فهل تنفسخ الإجارة؟ فيه خلافٌ قدمته، ومستنده أنه لو لم يأت بثوب، وسلّم الأجيرُ نفسَه، فهل تتقرر الأجرة بتسليم الأجير نفسَه، وهو حرّ؟ فيه خلافٌ قدمتُه.
فليفصل الفاصل بين النوع الذي أجريت الخلاف 3 فيه قبلُ، وبين ما ذكرناه الآن؛ فإن سبب الخلاف فيما ذكرناه الآن تعلّقُ الإجارة بالذمة، مع ارتباطها بتعيين عينٍ فيها، كتعيين العبد للركوب، وتعيين الثوب للخياطة.
فرع:
5563 - ذكر صاحب التقريب وجهين في أن الأب هل يجوز له إجارةُ ابنه الطفل؟ أحدهما - أنه يجوز له ذلك، على شرط النظر، وهو الذي قطع به الأصحاب.
والثاني - لا يصح؛ لأن في إجارته امتهانه، وإذلاله.
وهذا لا يعادل ما يحصل
بإجارته، فإن صححنا الإجارة، فاتفق بلوغه في أثناء المدة، فقد ذكرنا وجهين في أن الإجارة هل تنفسخ في بقية المدة؟
فإن حكمنا بأنها تنفسخ، فلا كلام.
وإن حكمنا بأنها لا تنفسخ، فهل يثبت له الخيار إذا بلغ؟ فعلى وجهين.
ثم إن حكمنا بأن الإجارة تنفسخ، أو قلنا يثبت الخيار، ولا تنفسخ، فلو أجر الأب عيناً من أعيان ملك الطفل، فبلغ الطفل، فهل تنفسخ الإجارة المعقودة على تلك العين فعلى وجهين.
ولو فرعنا على أن الإجارة الواردة على عين الصبي لا تنفسخ، وقلنا: يثبت له الخيار، فهل يثبت الخيار في الإجارة المعقودة على ملكه؟ فعلى وجهين.
والإجارة على الملك أبعد من الفسخ والانفساخ، والسبب فيه أنها عقدٌ وردت على قضية المصلحة على مال الطفل، في حال اطراد الولاية، وليس في إدامته حجرٌ على بدن الصبي بعد بلوغه واستقلاله، والمحذور في الإجارة الواردة على عينه أن يبقى بعد استقلاله مصرفاً للمستأجر، وهذا مفقود في الأموال 1.
5564 - وكل ذلك فيه إذا كان البلوغ طارئاً بالاحتلام، فأما إذا كان البلوغ بالسن، فقد وقعت الإجارة بحيث يصادف [بعضُها] 2 ما وراء البلوغ، وقد ذكرنا امتناع ذلك في أول الكتاب، وربطنا به ما يليق به.
فرع:
5565 - إذا قال لإنسان: اشتر لي العبدَ الذي لفلان، ولك عليَّ درهم، أو قال: بع عبدي هذا، ولك كذا، فإن كان عملُ ذلك المستعمَلِ مضبوطاً، فالذي جرى إجارةٌ، وإن كان عملُه لا ينضبط، ويحتاج إلى ترددات خارجةٍ عن الضبط، وقد تقل وقد تكثر، فالذي جرى جعالة، وسنذكر أصل الجعالة وتفصيلها في آخر كتاب اللقطة، إن شاء الله عز وجل.
...