نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 129-168
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الدعوي والبينات

صفحات 129-168
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

رجع الغائب، فهو على حجته، وهو صاحب اليد، فمهما رجع، رددنا الدار إلى يده، وسمعنا بينته، ثم هو في حضوره يعيد البينة إمّا تيك أو أخرى، ولا يقع الاكتفاء بإقامة صاحب اليد؛ فإنه ما أقامها له وعنه، وإنما أقامها ليصرف الخصومة عن نفسه.
وقد ذكرنا فيما تقدم أن من ادعى داراً في يد رجل، وأقام بينة، وقضي له بالبينة، وأزيلت يد المدعى عليه، ثم وجد المدعى عليه بينة، فهل ترد الدار إلى يده، ونقدره صاحب اليد، على ما تفصّل في تأسيس الكتاب.
وهاهنا إذا حضر الغائب، وأعاد البينة، فلا خلاف أنه صاحب اليد، وبينته مقدمة؛ فإنه كان معذوراً بغيبته، إذ جرى القضاء عليه، وحصل بإقامة صاحب اليد الشهودَ عُلقةٌ على حال، وتنبيهٌ على ارتقاب عوده.
فخرج من مجموعه ما ذكرناه.
ولو لم يُقم المدعى عليه بينة على أن الملك للغائب، وأقام المدعي بينة، وحلف معها، ووقع القضاء له، فإذا رجع الغائب وأراد إقامةَ البينة، فهو صاحب اليد، كما ذكرناه، لإقرار المدعى عليه له في ابتداء الخصومة، ولكون الغيبة عذراً له.
12251 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن المدعى عليه لو أقام بينة على أن ما في يده لفلان الغائب، وقلنا: البينة مسموعة لصرف الخصومة، فلو لم تكن للمدعي بينة، فقال أحلّف صاحب اليد لينكُل، فأحلف، فأغرمه القيمة، [لم يكن له ذلك، مذهبا واحداً] 1؛ لأن الخصومة قد انصرفت عنه بسبب إقامة البينة.
ولو لم يُقم بينة على أن ما في يده لفلان، فأراد أن يحلفه، فقد سبق الكلام فيه، وهو موضع اختلاف العراقيين وغيرهم، وذلك الاختلاف في رقبة الدار: ففي الأصحاب من قال: يستفيد المدعي بيمين الرد الدارَ.
ومن أبى ذلك من العراقيين ذكروا خلافاً في أنه هل يحلّفه لينكل؛ فيحلف، فيغرِّمه القيمةَ؟ فعلى الخلاف المقدم المذكور فيه إذا أقر لحاضر وصدقه ذلك الحاضر.
نعم، لو عاد ذلك الغائب، وأقام البينة على ملك نفسه، أو وقع الإقرار لحاضر، ثم لما دارت الخصومة بين المدعي والمقر له، أقام المقر له بينة على ملكه، فلا يملك المدعي تحليفَ المقِر ليغرِّمه؛

فإن الملك استقل للمقر له بالبينة، فخرج إقرار المقر عن كونه مقتضياً حيلولة، ولا مبالاة باقتضاء إقراره له ما يرجح بينته، إذا كانت الإحالة على البينة.
ومن تمام الكلام في ذلك أن المدعى عليه لو أقر للغائب، وأثبت وكالة عنه، ثم أقام البينة بأن الملك للغائب، وهو موكلي، قدّمنا هذه البينة، ونُطنا بها القضاء؛ فإنها بينة مقامة في حقها، مقدَّمةٌ على بيّنة المدعي الخارج.
وقد انتهى كُثْر المقصود من ذلك.
وبقي الكلام في طرفٍ هو التتمة.
فلو قال المدعى عليه: الدار لفلان الغائب، وهي رهن في يدعب، أو مستأجرة، فقد ادعى لنفسه حقاً، لو ثبت، لاستحق به مدافعةَ المدعي ومنْعَه، فمن لا يسمع البينة فيما تقدم من غير وكالة، ففي سماع البينة في هذه الصورة وجهان.
والعراقيون سمعوا البينة من غير وكالة، ولا ادعاءِ حقٍّ، ولكنهم قالوا: لا محالة، بينة المدعي مقدمة، فلما فرضوا دعوى الرهن والإجارة، وبَنَوْا عليه تصوير إقامة البينة على أن الدار لفلان، وقد أجّرها من صاحب اليد أو رهنها، فإذا أقام بينةً كذلك، وأقام المدعي بينة، ذكروا وجهين: أحدهما - تُقدم بينة صاحب اليد؛ فإن لها تعلقاً بحقه، ويثبت الملك للغائب، لتعلق الملك بحق الحاضر، حتي لا يحتاجَ إلى إعادة البينة إذا حضر.
حكى العراقيون هذا الوجه عن أبي إسحاق وضعّفوه.
والوجه الثاني - أنه لا يثبت ملكُ الغائب، ويثبت ملك المدعي، ولا يثبت الرهن والإجارة؛ فإنهما يتبعان ثبوتَ الملك للغائب، وثبوتَ الملك له يتبع إذنَه وتوكيله.
وقد انتجز الكلام في الطرف الأعظم.
وهو إذا أقر صاحب اليد لمعين، حاضراً كان أو غائباً.
12252 - فأما إذا نفى الملكَ عن نفسه ولم يُضِفْه إلى معروف معين، فهذا يتصَوَّرُ على وجوه: أحدها - أن يقول: " ليس هذا بملكٍ لي "، فلا تنصرف الخصومة عنه بهذا، ولا تندفع عنه اليمين، فإن أقام المدعي بينة، قُضي له بها على الحاضر، وإن لم تجر بينة، فله أن يحلّف صاحب اليد، فإن حلف تخلص، وإن نكل حلف المدعي واستحق دعواه.
هذا هو المذهب الظاهر.

ومن أصحابنا من قال: إذا قال: " ليس هذا لي " ينزع القاضي [العينَ] 1 من يده، ويقول للمدعي: هذا مال ضائع، فإن كانت لك بينة، فأقمها.
والصحيح أن القاضي لا ينتزع من يده إذا لم يضف الملك إلى مُقَرّ له، ولا تنصرف الخصومة عنه.
ثم من قال: للقاضي أن ينزع ملكَ العين من يده، يجوّز للمدعي أن يحلّف المدعى عليه ليغرمه القيمة على أحد القولين.
فإن قال المدعى عليه: هذه الدار لرجل، ولا أسميه، فالحكم فيه كما إذا قال: ليس لي، واقتصر عليه.
وإن قال: الدار لرجل لا أعرفه، وقد أُنسيتُ اسمَه وعينَه، فالاختلاف جارٍ في هذه الصورة، غير أن انتزاع القاضي العين من يده على الحكم الذي ذكرناه أَوْجَه في هذه الصورة منه في الصورتين المتقدمتين.
12253 - ومما يتعلق بهذا الفصل أنه لو أقر لمجهول، أو قال: ليس لي، ثم قال: كذبت فيما [قلتُ] 2، والملك لي، فهل يقبل قوله الثاني؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون، وهو بعينه الخلاف الذي قدمناه فيه إذا أقر لحاضر، وكذّبه المُقَرّ له، ورجع المقِر عن إقراره، وقد قدمنا ذلك مفصلاً.
12254 - ومما يتصل بهذه الجملة أن المدعى عليه لو أقر لصبي أو مجنون، فإقراره مقبول، والخصومة في رقبة الدار تنصرف عن المدعى عليه، ثم يخاصم المدعي قيم الطفل، وإذا آل الأمر إلى اليمين، وقفت الخصومة إلى بلوغ الطفل، وهل يحلّف صاحب اليد ليغرّمه؟ فيه الخلاف المقدم.
وإن قال المدعى عليه: هذه الدار وقفٌ على ولدي، أو على الفقراء، أجري الحكم بالوقف لإقراره، وفي تحليفه لتغريمه القيمةَ الخلافُ المقدم، وإن أقام المدعي بينة، قُضي له بها على التفصيل الماضي.
وإنما يجري الخلاف في التحليف والتغريم إذا أقر بالوقف على ولده؛ فإن التدارك

ممكن، وإن أقر بالوقف على المساكين، فالتدارك فيه ممكن أيضاً بقيام البينة، فكيف فرض الأمر فالخلاف جارٍ.
وقد نجز الفصل على أبلغ وجه في البيان.
والله المستعان.
فصل ذكر الشافعي فصلاً يتعلق بالتواريخ في الدعاوي المتعلقة بالأملاك أو بالأيدي، فرأيت تأخيره إلى باب معقود في هذا المقصود 1. ثم قال: " ولو أقام بينة أنه غصبه إياها ... إلى آخره " 2. 12255 - إذا ادعى رجلان عيناً في يد إنسان، فأقام أحدهما بينة على أنه غصبها منه، وأقام الآخر بينة على أنه أقر بها له، فبينة الغصب مقدمة؛ فإن الغصب إذا ثبت، بطل الإقرار.
وهذا بيّن.
ثم إذا رددنا الدار إلى مدعي الغصب، فليس لمدعي الإقرار أن يغرمه شيئاً، فإنه يقول: انتُزِعَت الدارُ من يدي قهراً، وإنما يخرج القولان في الغرم إذا كانت الحيلولة محالة على إقرار سابق، ثم يُفرض بعده إقرارٌ لاحق.
ثم ذكر بعد ذلك فصلاً في تقاسيم الأيمان، وأنها متى تكون على البتّ، ومتى تكون على نفي العلم، وقد ذكرنا هذا فيما سبق 3، وغالب ظني أنه يعود إن شاء الله في بقية مسائل الكتاب، والحاجة ماسة إليه.
والله أعلم.
...

باب الدعوى في الميراث

قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو هلك نصراني، له ابنان مسلم ونصراني ... إلى آخره " 1. 12256 - إذا مات رجل وخلّف ابنا نصرانياً، وابنا مسلماً، فاختلفا، فقال النصراني: مات نصرانياً، فلي ميراثه، وقال الئاني: بل مات مسلماً، فلي ميراثه، فلا يخلو إما أن يكون قد عُرف دين المتوفى من قبل، أو لم يعرف له دين، فإن اشتهر بالتنصر، ثم تداعيا، فإن أقام أحدهما بينة دون الثاني، قُضي له بالبينة.
فإن لم تكن لهما بينة، وقد عُرف المتوفى بالتنصر، فالقول قول النصراني؛ لأن الأصل دوام ما كان عليه، ومن يدعي الإسلام يدّعي أمراً جديداً، والأصل عدمه.
ولو كانت المسألة كذلك، فأقام كل واحد منهما بينة، فبينة الابن المسلم مقدمة؛ فإن بينته ناقلةٌ مختصة بمزيد علم، وبينة التنصر مستندة إلى استصحاب ما كان عليه، وهذا فيه إذا كانت البينتان مطلقتين، فشهدت إحداهما بأنه مات مسلماً، وشهدت الأخرى بأنه مات نصرانياً، وتقديم البينة الناقلة على البينة المستديمة أصل ممهد في البينات.
فلو شهدت بينة بأن فلاناً أصدق امرأته هذه الدار، وشهدت بينة لابنه بأنه ورثها من أبيه، فبينة الإصداق مقدمة؛ لأنها ناقلة، وبينة الإرث لا تصادمها إلا من جهة التعرض لنفي الإصداق، وهذا لا ثباتَ له.
وكذلك إذا شهدت بينة لواحد بالشراء، وشهدت بينة للابن بالميراث من ذلك الشخص الذي شهدت البينة الأولى بالشراء منه، فبينة الشراء مقدمة.
هذا إذا كانت البينتان مطلقتين.

فأما إذا كانتا مقيدتين: مثل أن تشهد بينة الإسلام بأنه نطق بالإسلام، ومات عقيبه، وشهدت بينة التنصر أنه نطق بكلمة التنصر ومات عقيبها، فهما متناقضتان في هذه الصورة، فتخرج المسألة على قولي التهاتر 1. فإن قلنا: إن البينتين تتهاتران، فيجعل كانهما لم تكونا، ولو لم تكن بينة، لكان الأصل بقاء التنصر، وإن قلنا باستعمال البينتين، ففي الاستعمال الأقوال الثلاثة، وهي بجملتها جارية في هذه الصورة، أما القرعة، والوقف، فلا شك في جريانهما، والقسمة جارية عند المعتبرين من الأصحاب.
وحكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: لا يُخرَّج قول القسمة.
فإن النزاع آيل إلى الميراث، ويستحيل انقسام الميراث بين مسلم وكافر، وليس كما لو ادعى رجلان داراً عن شراء على صاحب يد؛ فإن قول القسمة عند قيام البينتين يجري؛ فإن الانقسام في الشراء ممكن، ولا يتصور الانقسام في الميراث بين المسلم والكافر.
وهذا الذي ذكره غيرُ معتد به؛ فإن قول القسمة لا يعتمدُ إلا إمكان الشركة في الجنس المدعى، فأما الجهات، فلا نظر إليها؛ فإن القسمة إنما تجري لاستواء المتداعيين في متعلقيهما، وليس أحدهما أولى من الثاني، والتعطيل عند هذا القائل لا سبيل إليه، وليست القسمة لتخيلنا ثبوت استحقاقهما على الانقسام؛ ولم أذكر هذا الوجه لضعفه عند تمهيد الأصول.
وكل هذا فيه إذا عُرف أصل دينه.
ثم جرى الخلاف كما وصفنا.
12257 - فأما إذا لم يعرف أصلُ دينه، ولكن ادعى أحد الابنين -وهو المسلم منهما- أنه كان مسلماً ومات على الإسلام، وادعى النصراني منهما أنه كان نصرانياً، وأقاما بينتين، فهما متناقضتان، والتفصيل فيه كما قدمنا في التهاتر والاستعمال.
ولو لم تكن معهما بينة، ولم يسبق في المتوفى دين يستصحب، فليس أحدهما أولى من الثاني؛ إذ لو أقاما بينتين موافقتين لدعوييهما، لما ترجحت إحدى البينتين على الأخرى، فإذا كانت لا تترجّح بينة على بينة، فلا تترجح دعوى على دعوى،

والنسب ثابت من المتوفى، فسبيلهما في التركة كسبيل متداعيين في دار هي في أيديهما، وقد مضى التفصيل فيه، ويخرج منه أن التركة في أيديهما.
وقد ذكر القاضي أنا ننظر إلى اليد: فإن كانت التركة في يد أحدهما، فالقول قوله مع يمينه، وهذا وهم وزلل من الناقل عنه؛ فمانهما إذا اعترفا بأن المال الذي فيه النزاع تركة، فلا حكم لصورة اليد، وما كان تركة فسبيله مع الإشكال تساوي الاثنين فيه.
ومما يجب التنبه له أن أحد الابنين إذا كان مسلماً وقال: لم يزل أبي مسلماً، ومات على ما كان عليه، فمن ضرورة هذا أن ينسب أخاه إلى الردة، فإن ولد المسلم مسلم، ولكن قوله مردود على أخيه فيما يتعلق بدينه.
وأبعد بعض أصحابنا، فقوّى بينة الإسلام بقوة الدار، وصدق مدعي الإسلام مع يمينه لهذا المعنى، وهذا هوسٌ لا أصل له؛ فإن الدار إنما تؤثر في طفل يُلفَى في دار الإسلام بلا أب.
12258 - ومما نُلحقه بهذا أنه إذا قامت بينتان في الإسلام والكفر ولم تترجح إحداهما، وجرى القضاء بالتهاتر أو الاستعمال، فالشخص المتوفى يغسل ويصلى عليه، نصّ عليه الشافعي، وشبّهه في هذا الحكم بمسلمين اختلطوا بمشركين، وأردنا الصلاة، فإنا نصلي على المسلمين بالنية 1؛ وهذا الاستشهاد إيناسٌ لا حاجة إليه، والمعتمد في الصلاة استناد الإسلام إلى [بيّنة] 2 وليس في الصلاة نزاع، ولا يموت ميت فيقطع له بالإيمان في الموافاة، ولست أنكر تردداً من طريق الاحتمال، سيّما إذا كان الرجل معروفاً بالتنصر، وقد تعارضت بينتان في الكلمة التي بها الاختتام.
ولكن النص هذا، ولم أر في الطرق ما يخالفه.
ومن لطيف ما يجب التنبه له أن المتوفى إذا كان معروفاً بالتنصر، والبينتان مطلقتان، فقد ذكرنا أن بينة الإسلام مقدمة؛ لأنها ناقلة، ولو لم نَفرِض بينتين، فالقول قول المتنصر، فنُرجِّحُ بينةَ من لا نصدقه لو لم تكن بينة، وذلك لفقه واضح،

وهو أن النقل دعوى، والاستصحابُ مقام المدعى عليه.
ثم إذا أقاما بينتين، فبينة الناقل تشتمل على مزيد علم، لا تصادمها بينة المستصحِب إلا بالنفي، والشهادة على النفي مردودة.
فصل قال: " ولو كانت دار في يد أخوين مسلمين ... إلى آخره " 1. 12259 - صورة المسألة: مسلم له ابنان مسلم ونصراني، فمات، فلا يخفى أن الميراث للمسلم، فإن أسلم النصراني قبل موت الأب، فالميراث بينهما، فلو اختلفا، فقال الابن المسلمُ: أسلمتَ بعد موت الأب؛ فلا حظّ لك في الميراث.
وقال هو: بل أسلمتُ قبل موته، فالاختلاف بينهما على هذا الوجه بمثابة اختلاف الزوجين في الرجعة وانقضاء العدة.
ونحن نسوق الترتيب هاهنا في عرض المسألة، فنقول: لا يخلو إما أن يتفقا على وقت الإسلام، وهما مختلفان في وقت الموت، أو يختلفان في وقت الإسلام، ويتفقان على وقت الموت.
فإن اتفقا على وقت الإسلام، واختلفا في وقت الموت، بأن يحصل الوفاق على أنه أسلم في رمضان، وقال الابن المسلم: مات أبونا في شعبان، فأسلمتَ بعد موته، فلا شيء لك من التركة، وقال الآخر: بل مات أبي في شوال، فإن كان لأحدهما بينة، وقع الحكم ببينته، وإن لم يكن لأحدهما بينة، فالقول قول الابن الذي كان نصرانياً؛ لأنه أنكر الموت في شعبان واستصحب الحياة، والأصل بقاؤها.
فإن أقام كل واحد منهما بينة على وَفْق دعواه، فقد قال القاضي والأصحاب: بينة المسلم أولى؛ لأن معها زيادةَ علم تنقل من دوام الحياة، والميت في شعبان ميت في شوال.
وهذا فيه كلام؛ فإن الذي كان نصرانياً يثبت الحياة في شعبان، والحياة صفة ثابتة

ترتبط الشهادة بها على استيقان كالممات، فلئن تعرضت بينةٌ لثبوت الموت في وقتٍ ناقضته البينة الأخرى بوصفٍ ثابت لا يرجع إلى نفي إلا من جهة رجوع الأخرى إلى النفي، فبينة الحياة تنفي الموتَ من جهة اعتقاب الضدين واقتضاء ثبوت أحدهما نفي الثاني، وهذا يشمل الجانبين، فلست أدري لترجيح بينة على بينة وجهاً.
وليس كما قدمناه في ابنين أحدهما مستقر على التنصر، والثاني مسلم، وكان أبوهما مشهوراً بالتنصر، فلو أقام النصراني بينة على أنه مات نصرانياً، وأقام المسلم بينة على أنه مات مسلماً، فبينة الإسلام ناقلة؛ من جهة أن بينة التنصر يتجه حملها على استصحابها حكم الدين الذي كان المتوفى مشهوراً به، وأما الشهادة على الحياة، فلا يسوغ حملها على أن الشهود اعتمدوا استصحاب الحال، وشهدوا بالحياة، بل محملها أنهم عاينوه حياً، فشهدوا.
12260 - ولو اتفقا على وقت الموت، واختلفا في وقت الإسلام، بأن اتفقا على أنه مات في رمضان، وقال المسلم منهما لصاحبه: أسلمتَ في شوال، فلا شيء لك، وقال ذلك المخاطَب: بل أسلمت أنا في شعبان، فالميراث بيننا، فإن كان لأحدهما بينة، حكم ببينته، وإن لم يكن لهما بينة، فالقول قول الابن المسلم، إذ الأصل بقاء الكفر.
وإن أقام كل واحد منهما بينة على وفق دعواه، فبينة النصراني أولى، لأنها ناقلة، ولها زيادة علم.
وهذا متجه؛ فإن بينة المسلم قد تبنى على دوام كفر الآخر، فالبينة الناقلة أولى من المستندة إلى الدوام.
12261 - ولو مات وخلف زوجةً مسلمة، وأخاً مسلماً، وابنين كافرين، فتنازعوا، فإن عُرف أصلُ دين المتوفى، فالقول قول من يبقِّي الأصل، وإن لم يعرف أصل دينه، فإن أقام أحدهما بينةً، حُكم بالبينة.
وإن أقام الفريقان بينتين، فهما متعارضتان، وإن لم يكن لهما بينة، فالتركة بين الفريقين.
قال القاضي: إن كانت في أيديهم، فالاشتراك.
وإن كان في يد أحد الفريقين، فاليد له.
وهذا عندنا غير صحيح، مع الاعتراف بأنه تركة، كما قدمنا تقريره.

ثم إذا انتهى التفريع إلى القسمة، فالنصف للابنين والنصف للزوجة والأخ؛ فإن الفريقين مختلفان، فإن ورث الابنان لم يرث الفريق الآخر، وإن ورثت الزوجة والأخ لم يرث الابنان، ثم ما يسلم إلى الزوجة والأخ المسلمين، فالربع للزوجة، والباقي للأخ؛ فإن الابن الكافر لا يحجب المسلم كما لا يرث.
12262 - ولو مات وخلف ابنين مسلمين، وأبوين كافرين، فقال الابنان: مات مسلماً، وقال الأبوان: بل كافراً -ولا بينة- فقد ذكر القاضي وجهين، وقرّبهما من تقابل الأصلين: أحدهما - القول قول الابنين لظاهر الدار، والوجه الثاني - القول قول الأبوين؛ لأنهما إذا كانا كافرين، فالأصل أن الابن المتوفى مثلهما؛ فإن الأصل يستتبع الفرع؛ وهذا فيه إذا كان أصل دين المتوفى متنازعاً فيه.
وفي هذا أدنى نظر وتأنّق، فليقع فرض المسألة فيه إذا لم يسلّم الابنان المسلمان كون الأبوين كافرين أصليين، فإن ذلك لو ثبت، فلا شك في كفر الابن أولاً في الأصل، وإنما يثبت إسلامه طارئاً [بنسب] 1 أو إنشاء إسلام، وإذا كان كذلك، فمستصحِب أصل الكفر أولى، إذا لم تكن بينة، وهذا واضح.
فصل قال: "ولو أقام رجل بينة أن أباه هلك، وترك هذه الدارَ ميراثاً ... إلى آخره" 2. 12263 - مضمون هذا الفصل صرفُ التركة إلى من ثبت كونه وارثاً، مع التثبت في أنه لا وارث للمتوفى غير من أثبت الوراثة، ثم إذا تمهد هذا الأصلُ، ذكرنا ما يليق به من الدعوى.
فإذا أقام رجلٌ بيّنةً أن أباه مات، وخلَّفه وارثاً، وقال الشهود: لم نعلم له وارثاً سواه، نُظر: فإن كانوا من أهل الخبرة الباطنة بحاله، بحيث علموا سفره وحضره،

ومغيبه، ومشهده، واطّلعوا على بواطن أمره، وشُعبِ نسبه وتزوجه، ففي مثل هذه الحالة يسلِّم القاضي ميراثه أجمع إلى الابن الذي فرضنا كلامنا فيه، ولا يطالبه بكفيل -مع قيام البينة- إجماعاً، ثم اتفق الأصحاب على أنه يكفي في ذلك شاهدان عدلان من أهل الخبرة الباطنة.
وذكر بعض المصنفين 1 أنه لا بد من ثلاثة يشهدون، وذكر هذا الوجهَ أيضاً في إثبات الإعسار، واعتلَّ بأن الشهادة في البابين مستندُها النفيُ، فبعدت الإحاطة بالمقصود.
وهذا الذي ذكره لا أصل له، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب، لا هاهنا ولا في الإعسار، فإن ذكر هذا اشتراطاً، فخطأٌ صريح، وإن ذكره احتياطاً، فالأمر أقرب.
ثم اشترط الأصحابُ كونَ الشهود من أهل الخبرة الباطنة، وهو صحيح، ولكن إذا ذَكَر عدلان أنهما خبرا باطنَه، اعتمد القاضي شهادتهما في ذكر الخبرة، كما يعتمد شهادتهما في أصل الواقعة، ثم إذا لم يذكرا كونهما خبيرين، نُظر: فإن عرف القاضي أنهما مخالطان للمتوفى سفراً وحضراً، لم يستبْحث، وإن لم يعلم ذلك، راجعهما، وأبان لهما أن الشهادة في الباب تعتمد الخبرة، وتستند إليها لا غير، فإذا ذكرا أنهما خبيران بالباطن، قُبل حينئذ شهادتهما، ثم إذا قالا مع إظهار الخبرة: لا نعرف له وارثاً غير هذا، كفى.
وإن قالا: لا وارث له غيره، قُبل ذلك، مع ما فيه من المجازفة، وحُمل على الممكن في الباب من الاحتياط.
12264 - ولو مات الرجل، وخلّف زوجة، وثبتت زوجيتُه عند القاضي، وأشكل هل له زوجة سواها؟ فقد قال الأئمة: يدفع إليها في الحال من غير تربص المقدارَ المستيقن لها، وهو ربع الثُّمن عائلاً بأقصى ما يتصور من العول، وهو بيّن في الفرائض؛ فإنه لا سبيل إلى منع المستيقَن، ولا مزيد عليه في الحال، مع اطراد الإشكال، والمسألة مفروضة فيه 2، ثم إذا بأن الورثة واحتجنا إلى أن نزيدها، زدناها.

ولو ثبت للمتوفى ابنٌ وارث، ولكن لم تقم بينة على أنه لا وارث سواه، فلا يصرف القاضي إليه شيئاً من الميراث، حتى يبحث عن حقيقة الحال، ويبعث إلى المواضع التي توهَّم 1 مصيرَه إليها، ويأمر من ينادي في كل قطر انتشر إليه، بأن فلاناً مات، فهل تعرفون له وارثاً؛ فإنا على قسمة ميراثه، [فما لم يَخْبُر ولم يبحث] 2 -والبحث ليس خارجاً عن الإمكان ولكن قد يتمادى فيه زمان- فلا يصرف إلى الابن شيئاً، فإنه ليس له [نصيب] 3 مقدر، وليس للممكن بين عدد المزاحمين ضبط، بخلاف الزوجة وكل صاحب فرض.
ولو خلّف المتوفى أمّا، فيدفع إليها السدس عائلاً على أقصى الإمكان في تصوير الإعالة، وللزوج أيضاً الربع العائل، وهذا مطرد في كل صاحب فرض يتصور ضبط أقل نصيبه، وكان ممن يرث لا محالة، ولا يحجب عن أصل الاستحقاق.
12265 - ولو توقف القاضي في أمر الابن، أو الأخ، أو غيرهما من العصبات، فبحثَ، وخبرَ، وبالغ في الاحتياط، فلم يَبِن وارثٌ سوى من ظهر، فيصرف التركة إلى من ظهر، وهل يأخذ منه كفيلاً بما أخذه؟ في المسألة قولان: أحدهما - يأخذ كفيلاً، تتمةً للاحتياط، وإن كانت هذه الكفالة لمجهولٍ بمجهول، ولكنا قد نحتمل مثلَ ذلك في منازل الاحتياط، كما ذكرناه في ضمان العهدة؛ والذي اختاره [العراقيون] 4 أنه لا يطالب بضمين، والاحتياطُ على ما وصفناه بالبحث كافٍ؛ إذ لا خلاف أنه لو شهد شاهدان من أهل الخبرة، سُلّم المال على مقتضى شهادتهما من غير ضمين، وإنما التردد فيه إذا كان القاضي هو الذي يبحث ويخبُر.
ثم قال الأئمة: لو كانت المسألة مفروضة في الابن، فهو يرث لا محالة، ولا يحجبه شخص حجباً كلياً، وترتيب الكلام فيه ما ذكرناه في الخبرة، والبينة

[الخابرة] 1، وترتيب القول في الضمان.
فأما إذا كانت المسألة مفروضة في الأخ، وكل من يتصور أن يحجب عن أصل الميراث، فإن قامت بينة ذات خبرة، وقالت: لا نعلم له وارثاً بعد الخبرة الباطنة سوى هذا الأخ، سُلّم الميراث إليه من غير ضمين، فإن لم يكن بينةٌ على هذا الوجه، واحتاج القاضي إلى الخبرة، فإذا خبر، فهل يدفع الميراث إليه؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنه يَدْفع؛ فإن الخبرة إذا حصلت، فهي أقصى الإمكان.
وشهادة الشاهدين الخبيرين بزعمهما لا تفيد إلا غلبة الظن أيضاً، والوجه الثاني - أنه لا يسلم إليه شيئاً حتى يأتي بشاهدين خبيرين.
وهذا الوجه ضعيف، والابن الذي لا يحجب عن أصل الميراث بمثابة الأخ؛ لأنه وإن كان لا يحجب، فمقدار ما يستحقه مجهول، ثم إذا كان التعويل على خبرة القاضي، فَخَبَر، وفرّعنا على الأصح، وهو أنه يسلِّم إلى الأخ بعد الخبرة، فقد قطع القاضي بأنه لا يدفع إليه إلا بضمين مذهباً واحداً بخلاف الابن.
والفارقُ أن الأخ يُفرض حجبه عن أصل الميراث.
ومن أصحابنا من أجرى القولين في استحقاق الضمين 2 على الأخ، وهذا منقاس متجه.
12266 - وإذا كان في المسألة صاحب فرض، فلا كفيل في القدر المستيقن، إذا كان لا يفرض الحجب عنه؛ فأما تسليم تمام الفرض، فموقوف على الخبرة، فإن قامت بينة خابرة، حكمنا بها، وجرينا على مقتضاها، ولا كفيل، وإن كان الأمر مردوداً إلى خبرة القاضي، والمسألة في الزوجة مثلاً، وهي بين ربع كامل وبين ربع ثُمنٍ عائل، فإذا ظهر بالخبرة أنه لا زوجة سواها، ولا ولد في الفريضة، فقد ذكر العراقيون وصاحب التقريب وجهين في توفير نصيبها عليها بعد البحث، وهذان الوجهان كالوجهين في أن الأخ هل يصرف إليه بعد البحث شيء أم يتوقف إلى أن يقيم بينةً خابرة.
ولو شهدت بينة أن هذا ابن المتوفى ووارثه، وخبرنا، فلم نجد سواه؛ صرفنا

الميراث إليه.
ولو شهد شاهدان على البنوة، ولم يذكروا كونه وارثا، وبحثنا، فلم نجد له وارثاً سواه، صرفنا الميراث إليه، إذا لم يكن حاجب وصفي.
ولو فرض هذا في الأخ، وسكت الشهود عن كونه وارثاً وبحثنا، ففي الصرف إليه خلافٌ ذكرناه، قال العراقيون: إذا سكت الشهود عن وراثة الأخ، لم نسلّم إليه شيئاً بعد الخبرة وجهاً واحداً؛ فإن سكوتهم عن الوراثة يورث رَيْباً، ويشعر بأنهم يعرفون له حاجباً، وهذا ليس بشيء؛ فإنه حكم بتوهمٍ لا أصل له، والوجه أن يخبر القاضي، ثم يخرج الوجهان كما قدمناه.
هذا منتهى المراد في ذلك.
12267 - ومما ذكره الأئمة أن قالوا: لو كان لامرأةٍ زوجٌ، وابن، وأخ، فماتت المرأة، ومات الابن، وتنازع الزوج -أب الابن- والأخ- خال الابن- فقال الأخ: مات الابن أولاً، وعاد شيء من ماله إلى أمه، ثم ماتت، فالميراث بيني وبينك أيها الزوج، وقال الزوج: لا، بل ماتت الأم أولاً، فورثها ابني، وحجبك يا أخ، ثم مات الابن فالميراث كله لي -ولم يكن لواحد منهما بينة- فإن عسُر دَرْك تاريخ الموتين، وأيس من الاطلاع عليه، فهذا من عمى الموت، فلا نورث ميتاً عن ميت، ومال الابن لأبيه وهو الزوج، ومال المرأة بين الزوج والأخ، وإن كان يتوقع الاطلاع على التاريخ، توقفنا لنبحث.
ثم الكلام يتصل بأقوال العلماء في ميراث الغرقى، حيث يتفق اليأس، أو يبقى مطمع، وقد فصلنا ذلك في الفرائض.
12268 - ثم ذكر الشافعي صورة في الدعوى، قال: إذا جاء مدعٍ، وادعى على صاحب يد في الدار، وقال: إن أبي مات، وخلف الدار التي في يدك، وهي لي ولأخي الغائب، وأقام بينة عادلة خابرة، حُكم ببينته، وقضي للحاضر بنصيبه من الدار، وانتزع نصيب الغائب من يد المدعى عليه، ويؤاجر له، فإذا رجع دُفع إليه نصيبه وما حصل من الكراء، ولا حاجة إلى إعادة البينة، ولا إلى دعوى من جهته.
ولو ادعى المدعي أن الدار التي هي في يد المدعى عليه له ولفلان الغائب، وقال: اشتريناها، وأقام بينة عادلة، فيقضى له بنصيبه، ولا ينزع نصيب الغائب من جهته،

وإذا رجع الغائب، احتاج إلى الدعوى وإقامة البينة ليُقضى له بنصيبه، والفرق أنه إذا ادعى الإرث، فحاصل دعواه إثبات الإرث للوارث، وإذا ثبت له الملك، لم ينقسم، ولم يتبعض، وأما إذا كانت الدعوى عن جهة شراء، فقد ادعى لنفسه ولصاحبه سببين، ولم يكن وكيلاً من جهة صاحبه.
فكانت دعواه المتعلقة بصاحبه مردودة.
وهذا بيّن.


باب الدعوى في وقت قبل وقت

قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا كان العبد في يدي رجل، فأقام رجل بينة أنه له منذ سنتين ... إلى آخره " 1. 12269 - إذا كان في يد رجل عبد، فجاء خارجيان، وأقام كل واحد منهما بينة أن العبد له، نُظر؛ فإن كانت البينتان مطلقتين، أو مؤرختين تاريخاً واحداً، فهما بينتان متعارضتان، وقد سيق الحكم فيهما في إبانة التهاتر والاستعمال.
وإن كانت إحدى البينتين أسبق تاريخاً، وكانت الأخرى أحدث تاريخاً، واستويا في شهادة كل بينة لمقيمها بالملك في الحال، ففي المسألة قولان: أحدهما - هما سواء؛ لأن المقصود التعرض للملك في الحالة الراهنة، وقد استوتا في ذلك، فلا أثر بعد ذلك للتقدم والتأخر.
والقول الثاني - أن البينة المشتملة على تقدم التاريخ ترجح، وهذا مذهب المزني وأبي حنيفة 2، واحتج المزني بأن اليد إذا كان يرجح بها، فكذلك وجب الترجيح بتقدم التاريخ، واحتج أيضاً بأن قال: إذا كانت البينتان في بهيمة، وشهدت إحداهما لمقيمها بأولية النتاج في الملك، فتلك البينة مقدمة، وسبب تقدمها اختصاصها بتقدم التاريخ، فقال الأصحاب: ليس التاريخ كاليد؛ فإن اليد علامةٌ محسوسة ناجزة تدل لو تفردت، وأما النتاج الذي استشهد به، فقد قال الأصحاب أجمعون: القولان جاريان في البينتين وإن اختصت إحداهما بذكر النتاج، فلا فرق.
ولو فرضت بينتان مؤرختان في نكاح امرأة، فالقولان جاريان في تقدم التي سبقت، كما ذكرناه في الأموال، وإن كانت إحدى البينتين مؤرخة، والبينة الثانية

مطلقة، إن قلنا: لا ترجيح بسبق التاريخ، فهما سواء، وإن قلنا: ترجح البينة بسبق التاريخ، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن المؤرخة مقدمة؛ فإن المطلقة ليست تتعرض إلا لملك الحال، بخلاف الأخرى، فإنها تعرضت للحال ولما تقدم، وهذا الوجه متجه.
والوجه الثاني - أنهما سواء؛ لأن المطلقة لو استفْسرناها، فربما تؤرخ بأكثر مما أرخت المؤرخة، وكل ما ذكرناه في الخارجيين.
12270 - فأما إذا فرضنا الكلام في بينة الخارجي، وصاحب اليد، نُظر: فإن كانت بينة صاحب اليد أسبق تاريخاً، فقد اجتمع لها ترجيحان، وإن كانت بينة الخارجي أسبق تاريخاً، فإن قلنا: لا يرجّح بسبق التاريخ، فبينة صاحب اليد مرجحة بيده.
وإن قلنا ترجح البينة بسبق التاريخ، ففي المسألة أوجه: أحدها - أنا نرجح بينة الخارجي؛ لأنها اشتملت على ما اشتملت عليه اليد مع مزيد في التاريخ.
والثاني - بينة صاحب اليد أولى؛ لأن اليد علامةٌ محسوسة.
والثالث - أنهما سواء، فيتعارض السبق واليد.
وإن كانت المسألة في الخارج والداخل، وإحدى البينتين مطلقة، فإن كانت بينة صاحب اليد مؤرخة، فهي المرجحة.
وإن كانت بينة الخارجي مؤرخة، وبينة صاحب اليد مطلقة، -إن قلنا في الخارجين هما سواء- فبينة صاحب اليد مرجحة بيده، وإن قلنا في المسألة الأولى: المؤرخةُ أَولى من المطلقة إذا كانا خارجين، فتعود الأوجه الثلاثة في هذه الصورة.
12271 - وقد كنا أحلنا فصلاً متعلقاً بالتاريخ إلى هذا الباب، ونحن نذكره الآن، فنقول: دارٌ في يد إنسان، فجاء آخر وادّعى الملك فيها، وأقام بينة على أن هذه الدار كانت ملكاً للمدعي أمس، واقتصرت على ذلك، فالمنصوص عليه في الجديد أن البينة مردودة؛ فإنها لم تتعرض لإثبات الملك في الحال.
وقال في القديم: تسمع البينة، ويقضى بالملك للمدعي، إلا أن يُثبت المدعى عليه تلقياً منه، أو يقيم بينة مطلقة على الملك في الحال.
توجيه القولين: وجه القول الجديد أن البينة لم تتعرض لما هو المطلوب، وهو

ملك الحال؛ فلا أثر لها، ولست أعرف خلافاً أن المدعي إذا لم يتعرض لدعوى الملك في الحال، بل اقتصر على إضافة الملك إلى ما مضى، فدعواه مردودة، فإذا كان الخصام يثبت بدعوى الملك في الحال، فلتكن البينة على ما هو المطلوب بالدعوى.
ووجه القول القديم أن الملك إذا ثبت فيما سبق، فالأصل بقاؤه ودوامه، إلى أن يقطعه قاطع، أو يعارضه معارض، وهذان القولان يقربان من القولين في اختلاف البينتين في التاريخ، مع تعرضهما لإثبات الملك في الحال.
فإن لم نرجح بسبق التاريخ، فلا أثر للاقتصار على الملك السابق، وإن رجحنا بتقدم التاريخ، فإذ ذاك يجري القولان الجديد والقديم عند فرض الاقتصار على الملك السابق، وما ذكرناه من القولين في الشهادة على الملك السابق من غير تعرض لملك الحال يجريان فيه إذا أقام المدعي بينة على أن الدار كانت في يد هذا المدعي أمس ولا يعرض للحال.
وفي الجديد لا حكم للبينة.
وفي القديم يحكم بها، وتثبت اليد للمدعي، وندير الخصومة على هذا الموجب.
هذا أصل الفصل.
وفيه غائلةٌ اضطرب فيها المنقول من كلام القاضي، ونحن بعون الله نذكر ما يجب تحصيله.
12272 - فنقول: أولاً، إذا علم الشاهد سبب ملكٍ الإنسان، وكان بحيث يجوز أن يسند الشهادة بالملك إليه، فإذا استُشهد الشاهدُ على الملك بعد ذلك السبب بزمان، وما عَرف الشاهدُ انقطاع ملكه، فقد أطلق الأصحاب أن له أن يشهد له بالملك في الزمان الذي استشهد فيه؛ بناء على استصحاب الملك ودوامه.
هذا ما ذكروه.
ولم أر الأصحاب يشترطون في ذلك خبرة باطنة مقترنة باستمرار الزمان يطلع بها الشاهد على ظهور دوام الملك، والسبب فيه أن الخبرة وإن كانت باطنة، فليس المعنيّ بها ألا يفارق الشاهد صاحبه في لحظة وتطريفةٍ، أو في يوم أو أيام؛ فإن هذا لو شرطناه لعسُر الأمر، وإذا كان كذلك، فإذا انقطع الشاهد عن صاحبه يوماً مثلاً، فليس يتعذر زوال ملكه فيه ببيع، أو ما في معناه من جهات الإزالة، وليس ما قدرناه أمراً نادارً بعيداً، فلو اشترطنا للشاهد شيئاً سوى استصحاب الحال، لعسرت الشهادة على

الأملاك الناجزة إذا تطاول الزمن، وهذا هو الذي تلقيناه من كلام الأصحاب.
وليس يبعد -وإن كان المعول على ما ذكرناه- أن يُشترط نوع من البحث عن مجاري الأحوال يفيد غلبة الظن في دوام الملك، إذا أراد الشاهد تنجيز الشهادة على الملك الواقع في الحال، وهذا البحث، وإن كان لا ينتهى إلى الاطلاع على مجاري الأحوال في السرّ، ولكن ترك الممكن فيه لا يليق بمنصب الشهادة.
هذا وجهٌ في الاحتمال.
ثم ما ذكره الأصحاب أن من أحاط بسبب الملك على ظاهر الظن -إذ لا يُتصور درك اليقين في إثبات الأملاك- فإذا ثبت الممكن من اليد والتصرف، على ما قدمنا شرح ذلك، ثم دام الأمر بحيث يجوز له أن يبتّ الشهادة على الملك الناجز، كما ذكرناه الآن، فلو ذكر السبب السابق، وذكر في مجلس القضاء من استمرار الأحوال ما يسوّغ له الشهادة على تنجز الملك، ولكنه لم يشهد، قال الأصحاب: لا يثبت الملك في الحال، وإن كان يجوز للشاهد جزمُ الشهادة؛ وشبهوا هذا بما لو قال الشاهد على الرضاع: رأيت الرضيع التقم الثدي، وكان يحرك اللهاة ويمتص، إلى غير ذلك من المخايل، فلا يكون شاهداً على الرضاع، وإن كان يجوز أن يشهد على الرضاع مما عاين.
والسبب فيه أنه إذا لم يشهد على الرضاع، أورث ذلك رَيْباً في الأمر، وظناً غالباً بأن الشاهد غيرُ واثق، ولذلك لم يجزم الشهادة على الرضاع، كذلك إذا ذكر السبب المتقدم، ولم يجزم الشهادة على الملك في الحال، جرّ ذلك تردداً من الشاهد وريباً، هذا ما ذكره شيخي وصاحب التقريب وغيرهما.
وقال القاضي: إذا شهد على السبب المتقدم، وقال: لم أعلم زوال ملكه بعد ذلك، كان هذا بمثابة جزمه الشهادة بالملك، والسبب فيه أن انتفاء الزوال مما لا يطلع عليه، ولا مستند للشهادة على الملك في ذلك إلا عدمُ العلم، وبناء الأمر على الاستمرار، وهذا كقول الشاهد: لا أعلم له مالاً، ولا أعلم للمتوفى وارثاً سوى هذا، وإذا حصلت الشهادة كذلك، كفت وأغنت؛ فإن الاطلاع غير ممكن، وليس كذكر العلامات في الرضاع، فإن وراءها أحوالاً يدركها العِيان، ولا يحيط بها الوصف فالعبارة عنها إنما هي القطع بوصول اللبن إلى الجوف.

ثم القاضي في طريقه ذَكَر تفصيلاً دقيق المُدرك، فقال: إذا قال الشاهد: أشهد على ما كان من السبب، ولست أعلم ما يخالفه، فهذا كافٍ.
ولو قال: لستُ أدري أكان أو لم يكن، وأبدى هذا إبداءَ مرتاب متشكك غيرِ معتضدٍ باستصحاب الحال، فهذا [يخرم] 1 الشهادة، والفصلُ بين أن يبدي رَيْباً وبين أن يبدي استمراراً، ويعبر عنه بأني لا أدري زوالاً [مستبينٌ] 2 للفطن، هذا تردد الأصحاب.
وهو من الأصول التي يعظم وقعها في العلم والجهل.
ويخرج من كلام القاضي أن البينة لو شهدت على الملك أمس، ولم تتعرض لما يُشعر بالاستمرار والدوام، ولم يقل: " ولا أعلم زوالاً "، ولم يبدِ رَيْباً، فهذا يلتحق بالقولين، ولا يكون شهادة بالملك الناجز.
12273 - ومن أهم ما يجب الاعتناء به أن البينة لو تحملت الشهادة على إقرار مؤرخ بتاريخٍ في ملك أو يدٍ، ثم فرض تنازع بين المقِر والمقَرّ له، فإذا شهدت البينة على الإقرار السابق، فمعلوم أنها ليست متعرضة لاستحقاق المقر له في الحال، وقد ذكرنا قولين فيه إذا شهدت البينة على الملك في الزمان الماضي، وبيّنا أن الأصح أن البينة مردودة غير مفيدة؛ فإن الخصام ناجز، وتاريخ الملك مقدم، وهذا بعينه يجري في تقدم الإقرار؛ فإن المقر بالملك قد يتلقى الملك بسبب من الأسباب.
وقد ذكر صاحب التقريب في الإقرار طريقين، وشفى الغليل بذكرهما، وقال: من أصحابنا من جعل الإقرار المتقدم حجة باتّة على المقر في مستقبل الزمان، وهذا ما إليه مصير معظم الأصحاب وأقضية القضاة.
ولولا ذلك لما كانت في الإشهاد على الأقارير فائدة، والحجة تسقط بمضي ساعة.
ومن أصحابنا من قال: الإقرار السابق إذا ثبت، فهو بمثابة شهادة الشهود على الملك فيما سبق من الزمان، وهذا وإن كان منقاساً، فالذي أعتقده فيه أنه خرق لما اتفق عليه الأولون.
والقول به مسبوق بالإجماع، وإن اختار القاضي هذه الطريقة الأخيرة ونقلتها عن صاحب التقريب عضداً

وتأييداً، وهو بمثابة التمسك بقياس جزئي في مصادمة قاعدة كلية.
12274 - ومما يتصل بذلك أن المدعي إذا أقام بينة على أن صاحب اليد باع الدار التي في يده منِّي، وذكر تاريخاً متقدماً على وقت الدعوى، فالذي قطع به الأصحاب أنه يُقْضى له بالملك، وإن كان البيع متقدماً على وقت الدعوى، ولا يتصور إلا كذلك، ومن ذكر طريقةً في إجراء القولين في الإقرار المتقدم؛ فإنه يُجْريها هاهنا؛ فإن البينة إذا تعرضت للشراء، فقد ذكرت سبباً في الملك سابقاً، فكان كما لو ذكرت الملك مضافاً إلى زمانٍ تَقَدَّمَ، وهذا وإن كان منقاساً، فلا سبيل إلى الاجتراء على ذكر خلاف فيه.
12275 - والذي ينتظم بعد تقريرنا طرقَ الأصحاب أن الملك المطلقَ مستندٌ إلى طرفٍ من العماية؛ فإن نُجّز، ثبت، وإن أضيف إلى ما سبق، ففيه التردد جديداً وقديماً، والإقرار ينقل قطعاً، وكذلك الشراء من الخصم، فالوجه دوام اقتضائه إلى أن يتبين انقطاعه؛ فإنا إذا وجدنا أصلاً مستيقناً، ولا مطمع في العلم بالدوام، كفى المستيقَن، ولم يزل أثره حتى ينقطع.
وهذا الذي ذكرناه فيه إذا ثبت الإقرار مطلقاً ممّن يخاصم، أو ثبت الشراء منه.
قال صاحب التقريب: إذا جرينا على ما به الفتوى وعليه العمل، وقلنا: إذا ثبت الإقرار، أو نفس البيع، فهو حجة أبداً على المقر والبائع، فعلى هذا لو ادعى رجل شيئاً في يد رجل، ولم يسبق من المدعى عليه إقرار مطلق، ولا بيع، فقال المدعى عليه في الخصومة للمدعي: " كانت الدار ملكك أمس " فهل يكون هذا كما لو شهدت بينة على أن الدار كانت ملك المدعي أمس، أم يكون هذا الإقرار بمثابة إقرار مطلق تشهد به البينة؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه كشهادة البينة على الملك المتقدم؛ فإن الإقرار بالملك المتقدم كالبينة على الملك المتقدم.
والثاني - أن الإقرار بالملك المتقدم كالشهادة على الإقرار المتقدم، ولا نهاية للطف هذا التفصيل.
ومما أوصي به المنتهي إليه أن يتثبّت في مضمون هذا الفصل؛ فإنه مما يعم به البلوى، وهو جلي في نفسه، خفي على معظم من ينتسب إلى الفقه.

فصل 12276 - البينة إذا شهدت على الملك في الحال، فمن ضرورتها أن يتضمن تقدم الملك على الوقت الذي تقع الشهادة فيه ساعة لطيفة؛ فإنها لا تنشىء إيقاعاً للملك وإنما تُخبر، وإذا حصل الملك مُخبَراً عنه في الحال، فلا بد من ارتباطه بمتقدم، بحيث يتصور انتقال الملك فيه بسبب من الأسباب، ثم هذا التقدم الذي ذكرناه يقع الاكتفاء فيه بلحظة لا تقدّر، ولا تُميّز بالحس، حتى لو ادعى شاة، وأقام على دعواه بينة، وكانت قد نُتجت تلك الشاة قبيل تلك الساعة، فلا يقضى له بالنتاج، فتبين بهذا أن هذا التقدم الذي قدرناه ليس زماناً محققاً محسوساً، ومسألة النتاج شاهدة في ذلك، منبهة على الغرض.
وإن أقام المدعي بينةً، فعلقت الشاة ووضعت الحمل قبل تعديل البينة، ثم عُدِّلت البينة، فالنتاج للمدعي؛ فإن التعديل يستند إلى وقت قيام الشهادة، وهذا بين.
ومما أجراه الأصحاب على الاتصال بذلك أن قالوا: من ادّعى دابّة حاملاً، وأقام البينة على دعواه، ولم يتعرض لذكر الحمل، فيثبت ملكه في الدابة وحَملِها، كما لو اشتراها؛ فإن الملك يثبت في الحمل، وإن لم يجر ذكره حالة التعاقد.
ولو أشار إلى شجرة مثمرة، وثمرتُها باديةٌ، فادعاها باسم الشجرة، وأشار إليها، وشهدت البينة على حسب الدعوى، فالشجرة تصير مستحقة دون الثمرة؛ فإن الثمرة ليست من أجرام الشجرة، ولذلك لا تتبعها في البيع المطلق بخلاف الحَمْل.
وهذا الذي ذكره الأصحاب في الثمرة مستقيم بيّن، وما ذكروه في الحمل ظاهرٌ قياساً على البيع.
وقد يتطرق إلى الحمل في الدعوى والبينة احتمالٌ على بعد؛ فإن الملك يُفرض متبعّضاً في البهيمة وحملها بالوصية، فلا يمتنع أن يدعي البهيمة، ويستثني حملها في دعواه، وأما استتباعُ البهيمةِ الحملَ في البيع، فذاك لأمر يتعلق بمقتضى العقد، فلذلك لا يصح بيع البهيمة دون ولدها على المذهب الظاهر، والاستثناء في الدعوى والإقرار جائز.

وهذا الذي ذكرناه كلام معترض.
وغرض الفصل ما ذكرناه أولاً من أن البينة لا تقتضي إسناد الملك إلى ما تقدم من الأزمان انبساطاً عليها، وإنما تقتضي تقدماً من طريق التقدير، كما نبهنا عليه.
12277 - والمراد بعد ذكر ذلك ذكرُ مشكلةٍ عظيمةِ الوقع مجانبةٍ لمسلك القياس، وهي أن من اشترى عيناً من الأعيان -داراً أو غيرَها- وتمادى الزمن، ثم جاء مدّعٍ، وادعى ملكَ تلك العين في يد المشتري، وأقام البينةَ، وانتزع العين من يده، قال الأصحاب: يرجع المشتري بالثمن على البائع.
قال القاضي: هذا في غاية الإشكال؛ من جهة أن البينة القائمة على الملك لا تتضمن استناد الملك إلى زمان يوصف ويشار إليه، ولا تقتضي إلا ملك الحال، وتقديراً في التقدم كما ذكرناه، فكيف يملك المشتري الرجوع على البائع مع إمكان ثبوت الملك للمدعي تلقياً من هذا المشتري؟ ثم قال القاضي: يحتمل أن نقول: لا يرجع المشتري بالثمن على البائع -والحالة كما وصفناها- بناء على ما قررناه من أن البينة لا تقتضي استناد الملك إلى زمان متقدم مشارٍ إليه.
فعلى هذا يختص رجوع المشتري على البائع بما إذا أسندت البينةُ 1 الاستحقاق إلى حالة البيع؛ فإذ ذاك نَتبين أن البيع صادف مستحَقّاً.
وجريان هذا ليس بالنادر في البينات التي يثبت بها الاستحقاق.
وهذا الذي ذكره القاضي لا دفع له من طريق القياس، لكنه قال: أجمع أصحابنا من عند آخرهم على خلاف ما قلتُه.
ثم الممكن في توجيه ما ذكره الأصحاب أن يقال: إذا لم تتجدد حالة من جهة المشتري، والبينة العادلة مصدَّقةٌ في الشرع، فإذا تحقق أن المشتري لم يزُل ملكُه المستفاد بالشراء إلى هذا المدعي، والبينة لا يظن بها إلا الصدق، ولا محمل لصدقها إلا استناد الاستحقاق إلى ما تقدم، فلهذا ثبت له الرجوع، والذي يُعضِّد ذلك أن الإنسان يطلب دوامَ الملك بالشراء، فإذا لم يدم له، كان ذلك محمولاً على خلل حالة البيع، فلا يبقى بعد هذا، إلا أن البائع يقول للمشتري: لعلك أزلت

ملكك إلى المدعي، فقامت عليك البينة، فكيف ترجع عليّ، وما ذكرته ممكن.
وهذا إنما يتم بأن يقال: [هل للبائع] 1 أن يدعي ذلك؟ فالوجه أن يقال: لا تمتنع عليه الدعوى فيه.
والقول قول المشتري، والإشكال مع هذا قائم؛ فإن البائع يقول: كيف ترجع عليّ بالإمكان؟ وسبيل الجواب [في الإشكال] 2 الذي ذكرناه هو أن المشتري لا يمكنه أن يُثبت عدم تصرف نفسه، والبينة لا تشهد هزلاً، ولو لم يثبت الرجوع، لما حصلت الثقة بالعهدة.
فأثبت الشرع الرجوع لذلك، وصحح ضمان العهدة خارجاً عن القياس لتوثيق البيع.
هذا غاية الأمر.
ومن عرف شيئاً على حقيقته لم يبق عليه مطلب بعده.
ثم زاد الأصحاب فقالوا: لو اشترى شيئاً، ووهبه وسلّمه فاستُحِق الموهوبُ ببينة مطلقة، وانتُزِع من يد الموهوب له، فللمشتري الرجوع بالثمن على البائع، وإن لم يطرأ الاستحقاق على ظاهر ملكه، وهذا لا إشكال فيه -إن ثبت الأصل- المقدم؛ فإن الاستحقاق إذا ثبت، بطلت الهبة.
وكأنّ الاستحقاق طارىء على يد الواهب.
فليس في هذا التفريع إشكال، وإنما الإشكال في الأصل.
ولو باع ما اشترى من إنسان، فثبت الاستحقاق في يد المشتري الثاني.
فإنه يرجع على المشتري الأول، ثم المشتري الأول يرجع على البائع الأول.
...

باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة

قال الشافعي رضي الله عنه: " وإذا أقام أحدهما البينة أنه اشترى هذه الدار ... إلى آخره " 1. 12278 - مضمون الباب مسائل أخذها الشافعي من كتب أصحاب أبي حنيفة، وخرّجها على قياس مذهبه، فأودعها المزني هذا الباب.
والمسألة الأولى منها صورتها: أن يأتي خارجيان، وتداعيا داراً في يد إنسان، وأقام كل واحد منهما بينة أنه اشترى هذه الدار من صاحب اليد، ونقد له الثمن، ووفّاه إياه كَمَلاً، مثل أن يقول أحدهما: اشتريت هذه الدار منك بمائة، فسقتها إليك، وقال الآخر: اشتريتها منك بمائتين، ووفّيتك الثمن، وأقام كل واحد منهما بينةً على وفق دعواه.
قال الأئمة: إن كانت البينتان مؤرّختين، واشتملت إحداهما على تقدمٍ في التاريخ، فالحكمُ بها، لأنه إذا صح الشراء المتقدم، وثبت في الزمان السابق، فالشراء الثاني بعده مردود؛ فإن الشراء الأول يثبت بالبينة على صاحب الدار في زمانٍ لا معارضة فيه لتلك البينة، وقد ذكرنا أن الشراء من الخصم إذا ثبت متقدماً، جرى الحكم به، ولسنا نفرعّ هذه المسائل إلا على هذا الأصل.
وإن كانت البينتان مؤرَّختين بتاريخٍ واحد، مصرِّحتين بالتنصيص على وقتٍ واحد، فهما متعارضتان فتتساقطتان على قول التهاتر، فكأَنْ لا بينة، ويحلف المدعى عليه لكل واحد منهما، كما سنصف ذلك، إن شاء الله.
وهما مستعملتان على القول الثاني.
ثم في كيفية الاستعمال الأقوال الثلاثة: أحدها - قول القرعة.
ومعناها أن من

خرجت له القرعة من الخصمين، سُلِّمت الدار إليه، وقد ثبت توفيره الثمن، والثاني يستردّ الثمن؛ فإن بينته شهدت له بالشراء والتوفير، ثم جرت القرعة في محل التنازع، وهو ملك الدار، فلزم استعمال البينة في توفير الثمن.
وأما قول الوقف - فمعناه إخراج الدار من يد المدعى عليه، ووقفها بين المدعيين إلى أن يصطلحا، ومن حُكْم الوقف أن يُسترد منه الثمنان، ويعدّلا على يد إنسان حتى ينفصل الأمر.
وأما قول القسمة - فمعناه أن الدار تقسم بين المدعيين نصفين، ويرجع كل واحد منهما بنصف الثمن الذي شهدت بينته على توفيته وتوفيره، هذا معنى القسمة.
ثم يتفرع عليه أنه يثبت الخيار لكل واحد منهما؛ من جهة أنه لم يسلم له تمام المبيع، وتبعُّضُ المعقود عليه يُثبت الخيارَ.
12279 - هذا كلام على الجملة، وقد فصله القاضي، فقال: إذا صرفنا النصف إلى أحد المشتريين، فرضي به، ولم يفسخ، ورجع بنصف الثمن، ثم لما عرضنا النصف على الثاني أراد الفسخ، فله ذلك، ويطالِب بتمام الثمن.
فلو قال الأول: كنتم لا تسلمون إليّ النصف الثاني لمكان صاحبي، الآن قد فسخ، سلّموا إليّ ذلك النصف أيضاً، وأردّ ما استرددته من الثمن، قال القاضي: لا يُجاب إلى ذلك، فإنه رضي بالنصف، وجرى القضاء به، فلا نُغيِّر ما مضى.
ثم قال: لو عرضنا النصف على أحدهما، فاتفق أن الذي بدأنا به فَسخَ، فقال الثاني: ادفعوا إليّ الدار بتمامها، فهل يُجاب إلى ذلك؟ فعلى وجهين ذكرهما القاضي: أحدهما - أنه يجاب إليه لزوال المنازع في رقبة الدار، وإنما كنا نقسم لاستوائهما في الطلب، والتمسك بالحجة، والآن قد انقطع حق أحدهما، فيجب تسليم الدار إلى الثاني.
والوجه الثاني - أنا لا نسلّم إليه إلا النصف؛ فإن مقتضى قول القسمة هذا، فلا مزيد على مقتضى القسمة.
والذي أراه أن الترتيب على عكس هذا، فإن فسخ من فاتحناه، سلمنا الدار إلى الثاني وجهاً واحداً، لأن القسمة ليست معنيّة بعينها، وإنما هي للاستواء في الطلب

والحجة، وقيام النزاع، فإذا زال، وجب التسليم إلى المُطالِب، فإن رضي أول من فاتحناه بالنصف، وفسخ الثاني، ففي رد النصف إلى الأول وجهان؛ فإن الأول رضي بالنصف لتقدير نزاع الثاني، فإذا زال، فطلبه قائم.
ثم لا يخفى أن الفاسخ يرجع بتمام الثمن، والذي يسلم له كل الدار، فهو مستوفٍ كمالَ حقه، ومن سُلّم له النصف، فهو راجع إلى نصف الثمن.
وحكى العراقيون قولاً عن الربيع أنا إذا لم نُسقط البينتين، حكمنا بانفساخ العقدين في حق المدَّعِيين؛ إذ ليس أحدهما أولى من الثاني، والدار تبقى في يد المدعى عليه، ونُلزمه رد الثمنين، وهذا أثر استعمال البينتين، ثم قال العراقيون: هذا من تخريجه، وهو مزيف لا أصل له؛ فإنا إذا استعملنا البينتين، فلا معنى لرفع حكمهما فيما هو المقصود بهما.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت البينتان مؤرختين بتاريخ واحد.
12280 - فأما إذا كانت البينتان مطلقتين في الشراء، والتفريعُ على قول التهاتر إذا تحقق التناقض، فقد اختلف أصحابنا في هذه الصورة: فمنهم من قال: لا نحكم بالتهاتر؛ فإن صدق البينتين ممكن.
فلعل أحدهما اشترى، ثم عادت الدار إلى ملك المدعى عليه، فاشتراها الثاني، فعلى هذا يمكن تقدير الصدق في البينتين، والثاني - أنهما تتهاتران لتعذر تقديم إحداهما على الأخرى، فلا ينفع تقدير صدقهما مع تعذر إمضائهما، وصاحب قول التهاتر يرى القرعةَ، والقسمةَ، والوقفَ متعلقةً 1 بموجب البينتين جميعاً، فإن قلنا بالتهاتر، فتسقط البينتان وكأنْ لا بينة.
وإن لم نحكم بالتهاتر، فعلى هذا الوجه وجهان: أحدهما - أنا لا نُجري الأقوال الثلاثة التي يُجريها من يقول باستعمال البينتين.
والوجه الثاني - أنا نلزم المدعى عليه رد الثمنين؛ فإن هذا لا تناقض فيه بين البينتين، ونسقط البينتين في رقبة الدار.
وهذا على التحقيق تهاتر من وجه، واستعمالٌ من وجه، وهو فقيهٌ، لا ينقدح عند المحصلين غيره.

ومما نذكره في هذه الصورة -وهي إذا كانت البينتان مطلقتين- أنا إذا فرعنا على أقولاً 1 الاستعمال، فقد أجرى الأصحاب الأقوالَ الثلاثة على ما فصّلناها.
وكان شيخي يقول: لا أجري قولَ القرعة؛ فإنّ صدق البينتين ممكن، وإنما نُجري قول القرعة لتمييز الكاذبة من الصادقة، فإذا أمكن صدقهما، فلا معنى للقرعة.
وهذا وهمٌ وزلل؛ لأن القرعة لا تميز الصادقة من الكاذبة، بل قد تخرج بفوز الكاذب، وإنما إجراء القرعة لتمييز شخصين مستويين ظاهراً في سبب الاستحقاق.
والله يتولى السرائر.
فصل قال: " وإذا أقام بينة أنه اشترى هذا الثوب من فلان ... إلى آخره " 2. 12281 - صورة المسألة أن نقول: دارٌ في يد ثالث، فجاء رجلان، وادعى أحدهما أن الدار له، وزعم أنه اشتراها من زيد، وكانت ملكَه إلى أن باع، وادعى الآخر الدار لنفسه، وزعم أنه اشتراها من عمرو [وهي] 3 ملكه، وأقام كلُّ واحد منهما بينة على حسب دعواه، فالبينتان متعارضتان، ولا يخفى التفصيل والتفريع، وغرض هذا الفصل أنهما إذا ربطا دعوى الملك بالشراء من شخصين، فلا بد وأن يُثبتا ملكَ البائع منهما حالة العقد؛ فإن صورة الشراء لا توجب الملك ما لم يكن صَدَرُها من مالك.
ولو ادعى رجل داراً في يد رجل، فقال: بعتَها مني، فلا يشترط أن يقول: بعتَها وأنت تملكها؛ فإن بيعه يقطع سلطانه، وهو مؤاخذ بحكمه وموجبه، فلا حاجة إلى إثبات ملكه، فأما إذا كان المدعي يسند ملكه إلى شخص آخر غير صاحب اليد، فلا بد وأن يثبت ملكه المتقدم على البيع.
وهذا مقبول منه.
وإن لم يكن مستناباً من جهة البائع في إثبات ملكه؛ لأنه يبغي بهذا تصحيح الشراء، فكان كالذي يريد إثبات ملك نفسه.

ولو أقام بينة على الشراء من الشخص الذي عيّنه، ولم يتعرض للملك، ثم أقام بينة أخرى على ملك ذلك البائع، قال القاضي: يجوز ذلك، ولا فرق بين أن تشهد بينة واحدة على الأمرين وبين أن تشهد بينتان عليهما، وهذا صحيح؛ فإن البينة الشاهدة على ملك البائع.
وإن لم تتعرض للشراء، فالغرض به تصحيح الشراء، فلا فرق بين أن تتعدد البينة وبين أن تتّحد.
فصل قال: " ولو كان الثوب في يد رجل، فأقام رجلان كل واحد منهما البينةَ أنه ثوبُه، باعه ... إلى آخره " 1. 12282 - صورة المسألة: ثوب في يد واحد، ادعى رجلان - كل واحد منهما أنه باع منه ذلك الثوب الذي في يده بألف درهم، وعليه ثمنه، وأقام كل واحد بينةً على وفق دعواه.
هذه صورة المسألة، ومقصودها يؤول إلى دعوى الثمن، والعين مسلّمة إلى صاحب اليد، فنقول: إذا كانت البينتان مطلقتين، فقال معظم الأصحاب: لا تتهاتر البينتان، قولاً واحداً، ولكل واحد منهما تمامُ الثمن الذي ادعاه؛ فإنَّ صدق البينتين ممكن؛ بتقدير عقدين يتخللهما انتقال الملك إلى الثاني من المدعيين، ثم يُفرض بعد ذلك البيع منه.
هذه طريقة.
ومن أصحابنا من حكم بتهاتر البينتين.
وقد ذكرنا قبل ذلك ادعاء الخارجيين في الشراء، وهذه المسألة مفروضة في البيع، وتقدير التصحيح في العقدين ممكن في الصورتين.
ولكن الأصحاب أجرَوْا طريقين في مسألة [ادّعاء] 2 الشراء كما مضى.
وميلُهم الأظهر في مسألة البيع -وهي التي نحن فيها- استعمالُ البينتين.
وإن كان من الأصحاب من يُجري قول التهاتر.

وفرّق المحققون بين المسألتين بأن قالوا: المطلوب في هذه المسألة الأخيرة الثمن المتعلق بالذمة، والذمة متسعةٌ للثمنين، وإن أمكن ثبوتهما، ثبتا، والنزاع في مسألة الشراء متعلق بالبيع، وهو عين لا تتسع لتحصيل غرضيهما وتحقيق دعوييهما.
ومن أجرى قول التهاتر في المسألة التي نحن فيها؛ احتج بأنهما ما ادعيا دَيْنين في الذمة مطلقاً، وإنما أسنداه إلى عقدٍ، وذلك العقد مرتبط بعين واحدة.
والتفريع على الأصح، وهو الاستعمال، وهذا فيه دقيقة، وهي أنا إن طرَّقْنا قول التهاتر إلى الواقعة، فموجب التهاتر سقوط البينتين، حتى كأنهما لم تكونا، وإن لم نُجر التهاتر أصلاً، فليس ينقدح إلا إثبات الثمنين، وإن أجرينا التهاتر، وأردنا أن نفرعّ على قول الاستعمال؛ ففي المسألة وجهان: أحدهما - أنا نثبت الثمنين، ولا تخرج الأقوال الثلاثة، فينتظم قولان: أحدهما - سقوط الثمنين، حتى كأنْ لا بينة، والثاني - ثبوت الثمنين.
والوجه الثاني - أنا نُجري الأقوالَ الثلاثة على قول الاستعمال: أحدها - القرعة، فيفوز بالثمن من تخرج قرعته، ويخيب الثاني، والثاني - نقف الخصومة.
والثالث - نَقْسم؛ فنصرف إلى كل واحد نصف الثمن الذي يدعيه.
وهذه الطريقة -وإن ذكرها الأئمة- ليست بالمرضية، والوجهُ القطع بإثبات الثمنين لا غير، إذا كانت البينتان مطلقتين.
12283 - وتكلف أصحابنا تصوير وقوع البينتين على وجه التناقض، فصوروا وقوع مخبر البينتين متعلقاً بوقت واحد، بحيث نعلم أن ذلك التعيين يضيق عن وقوع واقعين، فإذا تأرخت البينتان بتأريخ واحد -على أقصى ما يمكن فرضه من تحقيق التضييق- فالبينتان متكافئتان، مثل أن تتعرض كل واحدة لتأقيت لفظ الشراء عند بدوّ أول قرصة 1 الشمس، ثم أجروا في هذه الحالة قولي التهاتر والاستعمال، وتفريع الأقوال الثلاثة في كيفية الاستعمال.
ثم ذكروا اعتراضَ المزني في البينتين المطلقتين

في هذه الصورة، ومصيرَه إلى ثبوت الثمنين.
فلم يعتذروا 1 عنه لتوجهه إلا بأن قالوا: صورةُ قولي التهاتر والاستعمال في تأريخ البينتين بتأريخ واحد.
وهذا وإن أمكن ذكره فتصويره واقعة يفتى فيها عسيرٌ عندي؛ فإنّ رد الأمر إلى وقت، لا يتصور [فيه] 2 [ترتب] 3 كلمتين ممّا لا يدخل دَرْكُه تحتَ القوة البشرية.
نعم، يمكن ذكره، كما يقال: فعلٌ واحد، ووقت واحد لا ينقسم، وجوهر فرد لا يتجزأ، كل ذلك لا يمتنع [فيها] 4 الذكر والنفي والإثبات، ولكن لا يُحَسّ في مطّرد العادة قط.
ولو تُصوّر هذا، لتصوّر أن يقال: إذا قامت بينةٌ على رجل بإقرارٍ مضافٍ [إلى وقتٍ] 5 معين على أقصى ما يمكن التصوير فيه، فمِنْ دَفْع هذه البينة أن يقول المشهود عليه: كنتُ أُسبّح في الوقت الذي عيّنته بينةُ 6 الإقرار، ولا يجتمع قولان في وقت، فيقيم البينةَ على ذلك، فيكون قادحاً في بينة الإقرار.
نعم، لأصحابنا تردد في شيء نشير إليه، وهو أنهم قالوا: إذا شهدت بينةٌ على قول أو فعل، وعينت للمخبر عنه وقتاً معيناً، وشهدت بينة أخرى في ذلك الوقت بعينه على عدم ذلك الفعل وانتفاء ذلك القول، فهذه شهادة على النفي، ولكنْ هي على وجه يمكن تقدير العلم فيها بالنفي.
وقد اختلف أصحابنا في قبول مثلِ ذلك.
فالذي ذهب إليه الأكثرون أن البينة مردودة لتعلقها بالنفي، ومبنى الشهادة على التعرض للإثبات.
ومنهم من سمع مثلَ هذه إذا أمكن إسنادها إلى علم.
وقد يعضد هذا القائل ما صار إليه بربط الشهادة بما يناقض القول والفعل، بأن يقول الشاهد: كان ساكناً في

ذلك الوقت عن الفعل، أو ساكتاً عن القول، والسكون والسكوت يضادان الفعل والقول.
12284 - فإذا تبين ما ذكرناه، رجعنا بعده إلى تأرخ البينتين بتأريخ واحد في مسألة الشراء.
فنقول: الوقت الواحد لا يتعين، فإن تلقي الأصحاب التناقض من العلم بانتفاء أحد القولين، كما حكينا خلاف الأصحاب فيه، فهذا مما يتصور وقوعه، ثم تربط كلُّ بينة شهادتَها بإثبات ما تذكر ونفي ما عداه في ذلك الوقت؛ فإن القولين يتضادان كما يتضاد السكوت والقول، ومراقبة الإنسان ليعلم أنه ليس قائلاً داخلٌ في الإمكان، سيما إذا كان القول المدعى مُظهَراً متعلقاً بمخاطَب يحضر.
ودرك حضوره كدرك غيبته.
فهذا وجه تصوير التناقض.
فصل قال: " ولو أقام رجل بينةً أنه اشترى منه هذا العبد ... إلى آخره " 1. إذا كان في يد إنسان عبد، فجاء رجل، وادعى أن المولى باع ذلك العبدَ منه، وادعى العبدُ أن مولاه أعتقه، وأقام كل واحد بينة على وفق دعواه، فإن تأرخت البينتان، وتعرضت كل واحدة منهما لذكر تاريخ، نُظر، فإن تقدم أحد التاريخين وتأخر الثاني، نفذ ما تأرخ بالتاريخ المتقدم.
وإن عيّنت البينتان وقتاً واحداً -وإمكان تصويره على ما ذكرناه على القرب- فالبينتان متعارضتان، فإن حكمنا بتساقطهما، فكأنْ لا بينة، والقول قول صاحب اليد في العبد مع يمينه، ولا يخفى حكم الحلف، والنكول، والرد، وإن حكمنا بالاستعمال، جرت الأقوال الثلاثة: القرعة، وقد اممدها صاحب التقريب، لاشتمال الواقعة على العتق -وهو مورد الخبر في القرعة- والوقفُ جارٍ، ولا يخفى تصويره، والقسمة جارية أيضاً، فيحكم لمن يدعي الابتياع بالملك في نصفه، ويحكم بالحرية في نصف العبد.

ثم الذي ذهب إليه الأصحاب أن المحكوم عليه بالعتق صاحب اليد، فإذا نفذ الحكم عليه بالعتق في نصف العبد، وكان موسراً، لم نقض بسريان العتق إلى النصف الآخر المحكوم به لمدعي الشراء؛ لأن هذا عتق ثابت قهراً، وإنما يسري العتق إذا اقترن باختيار المعتِق.
وذكر العراقيون في ذلك قولين: أحدهما - ما ذكرناه.
والثاني - أن العتق يسري إذا كان صاحب اليد موسراً، فيكمل العتق في العبد، ويغرم صاحب اليد لمدعي الشراء قيمةَ النصف.
ووجه هذا القول أن البينة كما 1 شهدت بإعتاق هذا العبد، شهدت باختياره في الإعتاق؛ فيجب الحكم عليه بموجب الاختيار، وهذا متجه، والمسألة محتملة.
ثم اعترض المزني وقال يجب تقديم بينة العتق؛ لأن العبد ادعى العتقَ، وهو في يد نفسه، فكان مع من يدعي شراءه بمثابة متداعيين وأحدهما صاحب اليد، فالعبد إذاً كالداخل ومدعي الشراء كالخارج.
وهذا الذي ذكره مزيف؛ فإن العبد في يد مولاه، ولا يد له على نفسه، وإنما تثبت له اليد على نفسه إذا عَتَق، فكأنه في التحقيق يدعي يداً والخصم ينكره.
12285 - وكل ما ذكرناه فيه إذا كانت البينتان مؤرختين على التضييق في التعيين، فأما إذا كانتا مطلقتين، فقد أجراهما الأصحاب على التهاتر والاستعمال؛ فإن العتق ينافي نفوذُه نفوذَ الشراء، والشراء لو ثبت - نافى نفوذَ العتق، ولو صور مصوّرٌ تقدم الشراء وعَوْد الملك، ثم توجيه العتق، فهذا تكلف لا فائدة فيه؛ فإن من يدعي الشراء يدّعي دوام ملكه، وما ذكرناه من التصوير ينافي ذلك، وهذا بيّن.
ومن أصحابنا من قال: إذا أردنا إجراء قول التهاتر، فيجب التعرض لاشتمال البينتين على تاريخ واحد، كما ذكرنا ذلك في النظائر السابقة.
وإذا نبهنا على مثل ذلك، كفى، وقد تكرر مثله في نظائره.

فصل قال: " ولا أقبل أن هذه الجارية بنت أمته ... إلى آخره " 1. 12286 - هذا الفصل قد تخبط الأصحاب فيه، واشتهر كلامهم في الطرق، وحاد معظمهم عن المسلك الحق حَيْداً يُلحق ما قالوا بالوهم والزلل الذي لا يجوز عدّ مثله من المذهب، ولكن لو تركنا ما اشتهر ذكره نقلاً، لكان ذلك إخلالاً بالنقل، فالوجه أن نأتي بما ذكروه على وجهه، ثم نطرد بعد نجازه الحقّ الذي لا يجوز غيره.
فنقول: إذا كان في يد إنسان جارية، فجاء مدعٍ، وأقام بيّنةً على أن هذه الجارية بنتُ أمته، ولدتْها في ملكه، أو علقت [بها] 2 في ملكه، قالوا: نحكم للمدعي بملك هذه الجارية.
وإن أقام بينةً على أنها بنتُ أمته، واقتصرت البينة على ذلك، لم تسمع البينة في الجديد.
وخرّج الأصحاب فيه قولاً أن البينة مسموعة، والملكُ يثبت للمدعي في الجارية المدّعاة، وهذا خرّجوه من القول القديم فيه إذا أقام المدعي بينة على أن ما يدّعيه كان ملكاً له بالأمس؛ لأن قوله: " هذه بنت أمتي " يتضمن إثبات الملك حالة الولادة، وقد تقدمت؛ فقيل لهؤلاء: الجارية قد تلد ولداً ليس ملكاً لرب الجارية، فلم يزيدوا في الجواب على أن قالوا: الظاهر أن البنت إذا كانت مملوكة، فهو ملك مالك الأم، ونحن نكتفي بالظواهر في الأملاك.
وكل ما ذكرناه تخليط لا حاصل له، ولا اعتماد عليه.
12287 - والمسلك الحق أن نقول: إذا كان في يد رجل وصيف أو وصيفة 3،

فجاء مدعٍ، وقال: هذا ولد أمتي.
واقتصر على ذلك، فلا نقبل دعواه، ولا نسمع بينة على هذا المقدار؛ فإنه لم يدّع ملكاً وحقاً، إذ قد تلد أمتُه في غير ملكه، وفي غير يده، على معنى أن أمتي ولدته قبل أن ملكتُ أمتي، وقبل أن تثبت يدي عليها.
ولو قال: ولدته أمتي في ملكي، فقوله " في ملكي " محتمل، فإن أراد به ولدته والولد في ملكي؛ فقد ادعى ملكَ الولد، ولكن لم يدّع ملكَ الولد الآن، وإنما ادعى ملكَه حالة الولادة، فإذا أقام على ذلك بينة، ولم تتعرض البينة لملك الحال، فهذا يخرج على القولين في ملك أمس، ولا فرق.
وإن قال: ولدته جاريتي في ملكي، وفسّر ذلك بكون الجارية مملوكة له عند الولادة، فنقول: قد تكون الجارية مملوكة له، والولد لغيره، ويتصور ذلك في الوصية، وقد يكون الولد حراً، فليس فيما ذكره دعوى ملك 1 في الولد، ولكنه ادعى حصول الولد في يده، ثم ادعى يدأ في زمان سابق، فيجري فيه القولان في دعوى اليد السابقة كما جريا في الملك.
وقد يخطُر في هذا المقام أنه إذا ادعى الملك في أمها، أو هو 2 ثابت له بلا نزاع، فينبغي أن يلتحق ذلك بما إذا ادعى جاريةً حاملاً، فإنه يكون مدعياً بحملها أيضاً، وهذا فقيه، ولكن ذكرنا فيه احتمالاَّ، وهذه الصورة تتميز عن تيك من جهة أنه أفرد الولد بالدعوى في هذه المسألة.
وفي التي تقدمت وجّه الدعوى على الأم، فتبع الولد.
ثم ليس تخلو المسألة عن ادعاء الملك فيما مضى، وإن ادعى الملك في الحال أغنانا عن كل هذا التفصيل، واعتمدنا دعواه في الملك الناجز.
فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
ومن اطلع عليه لم يسترب في أن ما عداه وهم.

فصل قال: " ولو كان في يديه صبي صغير يقول هو عبدي، فهو كالثوب إذا كان لا يتكلم ... إلى آخره " 1. 12288 - إذا كان في يد الإنسان شخصٌ بالغ، وكان يصرِّفه كما يشاء، ويستصغره استصغار العبيد، على وجهٍ يغلِّب على الظن أن الأحرار لا يُستصغرون كذلك، فإذا قال: هو ملكي، وقال ذلك الشخص: أنا حر أصلي، فالقول قول ذلك الشخص، لم يختلف الأصحاب فيه، وإن تداولته الأيدي، وجرى عليه البيع والشراء؛ لأن ظاهر الدار الحرية، والأصل في الناس الحرية، ومن يدعيها، فهو مستمسك بالأصل والظاهر.
فإن قيل: أليس تصرف المُلاّك مع استمرار ظاهر اليد دلالة على الملك؟ وقد اجتمعا في هذه المسألة.
قلنا: إنما تدلّ اليد والتصرف على تعيين المالك، مع كون الشيء مملوكاً، فيظهر من اختصاص الإنسان باليد والتصرف، وعدمِ النكير عليه تعيّنُه من بين الناس، وليس ْمع من يدّعي الملك فيه أصل يعتضد به.
فأما أصل الملك، فلا يثبت بظاهر التصرف، وعند ذلك قال الأصحاب: إذا اجتمع الظاهر والأصل، فالتعويل على الأصل، فلئن قيل: الحر لا يصرّف كذلك، قلنا: قد ينقاد الخادم للمخدوم بما ينقاد بمثله العبيد؛ فلا تعويل على ذلك.
فإن قيل: أليس ينفذ تصرفه وإن لم يُبد ذلك الشخص إقراراً بالرق؟ قلنا: ذهب بعض أصحابنا إلى اشتراط الإقرار بالملك، وكان شيخي يميل إليه في الفتوى.
ونحن نذكر في ذلك أصلاً، فنقول: لا يشترط في نفوذ التصرف فيما الأصل فيه الملك المقدارُ الذي يدل على الملك؛ فإن دلالة الملك لا تثبت إلا بدوام اليد وتصرفاتٍ، مع فرض انتشارٍ وعدم إنكار، وقد يشترط مع ذلك شيوعُ تفاوض الناس

بنسبته إلى ملكه.
وهذا لا يشترط في الحكم بنفوذ تصرف المتصرف ظاهراً؛ فإن من فاجأناه يبيع شيئاً من يده، نفذنا بيعه، وكأنّ 1 المكتفى به في تنفيذ البيع يدُ الداخل في الدعاوى، ومن صادفنا شيئاً في يده حالة الدعوى عليه، جعلنا القول قوله مع يمينه.
فإذا تبيّن ذلك عُدنا إلى ما نحن فيه، فنقول: يد الدعوى لا ثبات لها إذا كان الشخص يدعي الحرية الأصلية، فلو تصرف، فلا مستند لتصرفه؛ وعن هذا شرط شارطون إقرار ذلك الشخص بالرق.
ومن أصحابنا من لم يشترط، وإن كان لو أظهر الحرية ودعواها، لكان القول قوله.
وكل ذلك في شخص لم نعهده صغيراً في يد إنسان.
12289 - فأما إذا رأينا صغيراً في يد إنسان، [وكان] 2 يدعي رقه ويستعبده، فقوله مقبول إذا لم يكن للصبي نطق 3، فالحكم بالرق نافذ في الظاهر، واليد ثابتة، وهذا فيه إذا كان لا يعقل عَقْلَ مثله، فإن بلغ مبلغ التمييز، وعقل عَقْلَ مثله، وادعى أنه حر، ذكر أصحابنا وجهين في قبول قوله: أحدهما - أنه لا يقبل؛ إذ لا حكم لقول الصبي، والثاني - يقبل؛ لأنه قال ما قال عن فهم، وهو خير كله ليس فيه توقع ضرار، وأصل الناس على الحرية، وهو ظاهر الدار.
قال القفال: الوجهان مأخوذان من إسلام الصبي؛ من جهة أن الحرية لا ضرر فيها في أصل الوضع، وإن كان يتعلق بها التزامات، فكان ادعاؤه الحرية بمثابة إخباره عن الإسلام، ثم جرى الوجهان مأخوذين من قول الشافعي؛ فإنه قال: " فهو كالثوب إذا كان لا يتكلم " فمن أصحابنا من قال: أراد إذا لم يدّع الحرية.
ومنهم من قال: أراد أنه كالثوب من جهة أنه لا كلام له شرعاً، كما أن الثوب لا كلام له حساًَ.
التفريع على الوجهين: إن قلنا: " لا يقبلُ قولُه "، وكان لا يعقل عقل مثله، فبلغ، وادعى أنه حر الأصل، فهل يقبل قوله الآن؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا

يقبل؛ لأنا حكمنا بالرق وثبوت الملك، فلا ننقض حكمَنا السابق.
والثاني - يقبل، وهو القياس.
وبنى الأصحاب هذا على ما إذا حكمنا بإسلام الصبي تبعاً للسابي، أو الدار، أو الإسلام الطارىء من أحد الأبوين، فإذا بلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، فهو مسلم ارتد، أو كافر أصلي؟ فعلى قولين، ذكرناهما على أبلغ وجه في البيان في كتاب اللقيط.
ومما يليق بتمام البيان فيه أنه إذا كان يصرِّف الصغيرَ، ولا يدّعي رقَّه، ولم يتصرف فيه تصرفاً يستدعي الملك: فمن أصحابنا من قال: لا يُحكم برقه، والحالة هذه.
حتى إذا بلغ وادعى الحرية قُبل مذهباً واحداً، وهذا متجه.
ومنهم من قال: هذا بمثابة ما لو ادعى الرق، أو تصرف تصرفاً يستدعي الملك.
فصل قال: " وإذا كانت الدار في يدي رجل لا يدعيها ... إلى آخره " 1. 12290 - إذا كان في يد رجل دار، فجاء إنسان وادعى أن نصف تلك الدار له، وجاء آخر وادعى أن كلّ الدار له، وصاحب اليد ساكت، وأقام كل واحد من المدعيين بينة على وفق دعواه، فبينة صاحب الكل في النصف لا معارِض لها، فقد نُطلق ونقول: يثبت له النصف، والبينتان متعارضتان في النصف الثاني، فإن قلنا: بالتساقط، سقطت بينة صاحب الكل في النصف، وهل تثبت في النصف الثاني، فعلى قولين مبنيين على أن الشهادة إذا رُدّ بعضها، فهل يُردّ باقيها؟ إذا كان الباقي بحيث لو انفرد بالذكر، لقبلت البينة فيه، وفي ذلك قولان أجرينا ذكرهما.
فإن قلنا: لا تتبعض البينة، وإذا بطل بعضها، بطل كلها، فتسقط بينة صاحب الكل في الكل.
وإن قلنا بالتبعيض، سقطت بينته في النصف، وسقطت بينة صاحبه، وخلص لصاحب الكل النصفُ.
وإن قلنا باستعمال البينتين، خرجت الأقوال.
فإن قلنا بالقرعة، أقرع بينهما، فإن

خرجت القرعة لصاحب النصف، قضي له بالنصف وقضي لصاحب الكل بالنصف.
وإن خرجت قرعة صاحب الكل، قضي له بجملة الدار.
وإن قلنا بالوقف، سلم النصف لصاحب الكل، ووقف النصف إلى أن يصطلحا.
وإن قلنا بالقسمة، سُلم النصف كما ذكرنا، وقُسم النصف الآخر بينهما، فيحصل لصاحب الكل ثلاثة أرباع الدار، وفي يد صاحب النصف ربع الدار.
فرع: 12291 - إذا ادعى رجلان داراً في يد ثالث، وأقام كل واحد منهما بينة، فأقر المدعى عليه لأحدهما بعد قيام البينتين، فقد اختلف أصحابنا على وجهين: فمنهم من قال: لا حكم لإقراره؛ فإن يده تناهى ضعفها، فلا حكم لإقراره بعد استحقاق إزالتها.
ومنهم من قال: تترجح بينة المقر له، وهذا تفريع على استعمال البينتين؛ فإنا إذا قلنا بالتهاتر والتساقط، فلا بينة في الواقعة، واليد قائمة والإقرار صادر عن يد ثابتة، فجرى الحكم بها، فأما إذا قلنا بالاستعمال، فمن أصحابنا من يجعل الإقرار ترجيحاً، فيصير المقَرّ له بمثابة.
صاحب يد.
ومنهم من يقول: سقط سلطان المدعى عليه بعد قيام البينتين، واستحق انتزاع الدار من يده على حكم الوقف، أو القرعة، أو القسمة، فلا تُغيّر هذه الأحكام بإقراره.
فأما إذا ادعيا، فأقر لأحدهما قبل أن يقيمَ البينة، فقد صار المقر له صاحبَ يد، وانصرفت الخصومة إليه، وهذا بعينه هو الذي تقدم ذكره إذا أقر المدعى عليه لحاضر فصدّقه المقر له.
فصل قال: "وإذا كانت الدار في يد ثلاثة، وادعى أحدهما النصف ... إلى آخره" 1. 12292 - إذا صادفنا داراً في أيدي ثلاثة، فادعى واحد نصفها، وواحد ثلثها، وواحد سدسها، وأقام كل واحد بينةً على وفق دعواه، أما صاحب الثلث، فيقضى له

بالثلث، فإنه ادعى المقدار الذي تثبت يده عليه، وأما صاحب السدس، فيثبت له السدس لا شك فيه؛ فإنه أقل مما تثبت يده عليه، وأما صاحب النصف، فيسلم له الثلث لا محالة لاجتماع يده وبينته، ويبقى الكلام في سدس هو 1 يتفرد بدعواه.
فإن أقر الذي يدعي السدس أن السدس الآخر الذي في يده لصاحب النصف، فيخلص له النصف، وإن أنكر صاحب السدس ذلك، وزعم أنه لغائب في يده مثلاً، ففي المسألة وجهان: أحدهما - أن ذلك السدس يسلّم لمدعي النصف؛ فإنه قد أقام البينة عليه، وما عارضت بينته في ذلك بينة.
والوجه الثاني - أنه يأخذ نصف السدس؛ فإنه ادعى سدساً مشاعاً في الدار، وليس يدعي على صاحب السدس جميع ذلك السدس، وإنما يدعيه على صاحب الثلث والسدس، ودعواه فيما هو في يد صاحب الثلث مردودة، فإن فيه البينة واليد، فيبقى نصف السدس الآخر، وهو في يد صاحب السدس لا يدعيه لنفسه، فيسلِّم للمدعي نصفَ السدس، وهذا حسن.
ذكره صاحب التقريب والعراقيون.
فرع: 12293 - إذا ادعى رجلان داراً في يد ثالث وقال كل واحد منهما: غصبتَ هذه الدار مني، فلو أقر المدعى عليه لأحدهما وعيّنه، فقد مضى القول في هذا مستقصىً.
وغرض الفرع أن صاحب اليد إذا قال: الدار لأحدكما، ولا أدري ممن غصبتها منكما، فأول ما نذكره في ذلك أن الدار تخرج من يده، وبمثله لو قال: الدار في يدي لواحد من الناس، غصبتها منه، ولم يعين أحداً، فهل يُخرج القاضي الدارَ من يده أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - يُخرجها من يده ويحفظها كما يحفظ كلَّ مال ضائع.
والثاني - لا يخرج الدار من يده، ولا حكم لإقراره على هذا الوجه.
فعلى هذا؛ لو أقر وأبهم، ثم قال: غلطت! فهل يقبل رجوعه؟ فعلى وجهين -مأخوذين من الخلاف في إزالة يده- فإن لم نر إزالة يده، فلا حكم لإقراره، ولا أثر لرجوعه، وكأنه لم يقر، وإن قلنا: تزال يده، فلا يقبل رجوعه، فالرجوع إذاً بين أن

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل