كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الأروش في ست سنين، لأنها بلغت ديتين، فإذا كنا نضرب ديةً في ثلاث سنين، وجب أن نضرب مقدار ديتين في ست سنين.
وقد ذكرنا أن من قتل رجلين كاملين، فنضرب ديتيهما في ثلاث سنين، وهذا الذي نحن فيه من وجهٍ يشابه قتلَ نفسين، نظراً إلى وجوب ديتين، ومن وجهٍ ينقطع عنه، لأن من قتل نفسين، فكل نفس متميزة عن غيرها، وموجب القتل فيها ضرب الدية -من وقت وَقَع القتلُ- في ثلاث سنين.
وإذا قَطَع [من كاملٍ] 1 يديه ورجليه، فالأروش وإن بلغت ديتين، فهي متعلقة بشخص واحد مجنيٍّ عليه، فيجوز أن يؤثر مقدار الكثرة في إيجاب الزيادة في الأجل؛ فإن المجنيّ عليه إذا كانت الأروش في حكم الموجَب الواحد لا تميز فيه، فاتجه المزيد في الأجل عند المزيد في المقدار.
وهذا فيه لطفٌ، من جهة أنا إنما نفرعّ على اعتبار بدل النفس، لا على اعتبار المقدار، وإذا أحللنا مقدار ديةٍ محل بدل نفس، فيحتل مقدار ديتين [محلّ] 2 نفسين، ثم لا تميز؛ فإن المجني عليه واحدٌ، بخلاف ما إذا قتل نفسين.
10788 - [وقد] 3 ذكرنا عن شيخنا أبي محمد وجهاً أن أروش الأطراف مضروبة في سنة واحدة بالغة ما بلغت، فيجتمع في قطع اليدين والرجلين من كاملٍ -إن كان يُعتد بما حكاه- أوجه ثلانة: أحدها - أن الأروش مضروبة في ثلاث سنين.
والثاني - أنها مضروبة في ست سنين.
والثالث - أنها مضروبة في سنة واحدة، وهذا بعيد جداً.
وقد اجتمع في الفصل أقوال غريبة: أحدها - أنا لا نضرب أروش الأطراف على العاقلة، حكاه العراقيون.
والثاني - أنا لا نضرب مقدار ثلث الدية، حكاه أبو علي وغيره.
والثالث - أنا نضرب أروش الأطراف في سنة واحدة بالغة ما بلغت 4.
فصل
قال: "ولا تحمل العاقلة ما جنى الرجل على نفسه ... إلى آخره" 1.
10789 - إذا كان الرجل يتعاطى أمراً، فأفضت آلةٌ كانت في يده إلى طرفٍ من أطرافه، وأفسدته، فهذه جناية منه على نفسه، وهي هَدَرٌ، وقال أحمد 2 وإسحاق: إذا جنى على طرف نفسه جناية خطأ، وجب الأرش على عاقلته له، [يستوفيه] 3 منهم لنفسه، وإن قتل نفسه مآلاً، وجبت الدية على عاقلته للورثة.
وحكى صاحب التقريب قولاً مخرجاً قديماً في الغريب 4 عن الشافعي أنه قال: جناية الرجل على طرف نفسه خطأٌ مضروب على عاقلته يستوفي أرشَها لنفسه، وهذا على نهاية البعد، لم أره منقولاً إلا [عن] 5 طريق صاحب التقريب، والممكن في توجيهه أن العاقلة ألزمت أرش جناية الإنسان، حتى كأنهم جَنَوْا بأنفسهم، فموجب الشرع أنه لا يغرم إلا من تعلق به سبب الغرم، فإذا كانوا يتحملون أرش جنايته على
غيره، حتى كأنهم جنَوْا بأنفسهم، فإذا فرضت الجناية من الإنسان على نفسه، قُدّر كأنها صدرت من العاقلة، ولو كان هذا القول منقولاً في قتل الإنسان نفسه خطأ، لكان أوقع إذا فرعنا على أن الدية للقتل تجب للورثة ابتداء، فيكون في قتله نفسه في حكم جانٍ على ما هوحق غيره.
ولكن صرّح صاحب التقريب بنقل القول في الطرف، ولا شك أنه إذا أجراه فى الطرف يجريه فيه إذا قتل نفسه، بل هذا أولى.
ولا تعويل على ما ذكرناه، والمذهب القطع بأن جناية الإنسان على نفسه مهدرة؛ فإنا إنما نقدّر التحملَ بعد اعتقاد وقوع الفعل [مضموناً] (1)، ويبعد أن تكون جناية الإنسان على نفسه مضمونة.
10790 - ثم ظهر اختلاف الأصحاب أن من قتل نفسه هل تجب الكفارة في تركته؟ وهذا الخلاف متجه؛ لأن الكفارة تجب للجناية على حق الله، [وحقُّ الله] (2) في دم من قتل نفسَه ثابت [فلا] (3) يمتنع أن يلتزم الكفارة، ومن لم يوجب الكفارة اعتصم بأن الفعل في وضعه مهدَر، وضمان الكفارة يتبع فعلاً مضموناًً.
وهذا قولٌ لا يتجه؛ فإنا قد نوجب الكفارة المحضة، وسيأتي شرح هذا في باب الكفارة.
باب عقل الموالي
4
قال الشافعي: "ولا يعقل الموالي المعتقون ... إلى آخره" 5.
10791 - اسم المولى ينطلق على المعتِق مستحق الولاء، وعلى المعتَق الذي عليه الولاء، وللمولى معانٍ لسنا لاستقصائها في وضع اللسان، ثم سمى الفقهاء المعتِق الذي هو مستحق الولاء المولى الأعلى، وسمَّوْا المعتَق الذي عليه الولاء المولى الأسفل، ولا خلاف أن المولى الأعلى يتحمل العقل عن المولى الأسفل، ولا خلاف -إذا أفضى التحمُّلُ إليه- على الترتيب الذي ذكرناه من قبلُ، ولست أضمن الآن بيان وجوه الولاء والأحكام المتعلقة بها في هذا المقام، ولا فيما قدمنا، وسيحصل كمال الوضوح وشفاء الغليل في باب الولاء من كتاب العتق.
والمولى الأسفل هل يتحمل العقل عن المولى الأعلى؟ على قولين: أحدهما - أنه123
لا يتحمل عنه، كما لا [يرثه] 1، وهذا مذهب أبي حنيفة 2. والثاني - يتحمل؛ لأن المولى الأعلى إذا كان يتحمل عن الأسفل وهو المنعِم، فلأن يتحمل المنعَم عليه عن المنعِم أولى، قالوا إذا ثبت التحملُ في حق الأعلى وتحمله عن الأسفل، ثبت تحملُ الأسفل عن الأعلى، وليس كذلك الميراث؛ فإن استحقاق الإرث -إن استحق- يختص بمن يستحق الولاء، [أما العقل] 3، فالتحمل من قبل المواساة والإعانة والنصرة، ويبعد أن تثبت النصرة على الأعلى للأسفل، ولا تثبت النصرة على الأسفل للأعلى.
10792 - ثم ذكر الأئمة رضي الله عنهم جملاً من الكلام في تحمل من يستحق الولاء، فنأتي بما أوردوه، ونُتبع إحالة البيان التام على باب الولاء، إن شاء الله.
فمما ذكره الأصحاب أنه إذا أعتق العبدَ المشتركَ الشركاءُ فيه، ثم جنى المعتَق، فلا نضرب على المعتِقين إلا ما نضربه على معتِقٍ واحد ينفرد بإعتاق العبد الخالص؛ وذلك أنه لم ينفرد واحد منهم باستحقاق الولاء التام، بل الولاء مفضوض عليهم، كما كان الملك مشتركاً بينهم، والتحمل في حق المعتِق يتبع الولاء، فإن كانوا أغنياء ضُرب عليهم نصف دينار في آخر السنة، وإن كانوا متوسطين، ضرب عليهم ربع دينار، وإن كانوا مختلفين: منهم الموسر ومنهم المتوسط، فنضرب على الموسر قسطاً من نصف دينار، ونضرب على المتوسط قسطاً من ربع دينار.
ولو انفرد الإنسان بالملك والإعتاق، ثم مات وخلف عَصبةً، فإذا جنى المعتَق جنايةً، فأفضى [ترتيبُ] 4 العصبات إلى ضربها على عصبة المعتِق، فنضرب على كل واحد منهم حصةً تامة على حسب يساره وتوسطه: نصف دينار، أو ربع دينار.
وقد يعترض في هذا سؤال، وهو أن المعتِق لو كان حياً، لما ضربنا عليه إلا حصةً واحدة، والضرب على عصباته جاء من قِبله، فهلا ضربنا ما كان يخصه لو كان حياً
على جميع عصبته، كما لو أعتق الشركاء عبداً مشتركاً؟ وسبيل الجواب عن ذلك أن الولاء في حق [عصبة المعتِق] 1 ليس أمراً موروثاً حتى [نُقدّر فضَّه] 2 على الورثة، أو على العصبات منهم، وينزلون حينئذٍ منزلة المشتركين في الإعتاق، ولكن العصبة يرثون بالولاء، ولا يرثون الولاء، وكان السببُ المورّث لهم انتسابَهم إلى من له الولاء، فيصير الولاء في حقهم مشابهاً للنسب، ومن يتحمل لأجل النسب [يتحمل] 3 نصف دينار، ولو خلف ورثةً تحمَّل كلُّ واحد نصفَ دينار إذا كانوا موسرين.
وإن أردنا قولاً ضابطاً في ذلك، قلنا: كل واحد من عصبات المعتِق يتحمل ما كان يتحمله المعتِق، إذا اتفقا في اليسار والتوسط، وإن اختلفا في هذه الصفة، تغير المقدار لاختلاف الحال.
ولو أعتق جماعة عبداً مشتركاً بينهم، ثم مات واحد منهم، أو ماتوا جميعاً، وخلّفوا عصبات، فتَحْمِل كلُّ واحدة من العصبات ما كان يتحمله المعتِق لو كان حياً، حتى إذا كان يخصه نصف سدس دينار تحمل كلُّ عصبته هذا المقدار، مع الاستواء في التوسط واليسار.
10793 - ومما يجب التفطن له في هذا المقام أنا إذا كنا نضرب على عصبات الجاني، فنبدأ بالأقربين منهم، فإذا فضل المضروب عن حصصهم، صرنا إلى الذين يبعدون، ثم هكذا، حتى لا نغادر من الأباعد أحداً، فإن فضل شيء، ضربناه على بيت المال.
فلو كان للجاني عصبات من جهة النسب، فاستوعبناهم على مراتبهم، وكان على الجاني ولاءٌ، نضرب على مُعتِقه حصةً إذا [فضلت] 4 من أصحاب النسب، فلو قال قائل: إذا ضربنا على المعتِق لمّا أفضى الضرب إليه حصته، فهل نضرب على عصباته حصصاً على مراتبهم في القرب والبعد؟ قلنا: قيّد الأئمة الضرب على عصبات المعتق
بموت المعتِق، وهذا يمكن تعليله بأن العصبات لا حق لهم في الولاء، ولا حق لهم بالولاء [فيقعون] 1 من المعتَق في حياة المعتِق [موقع] 2 الأجانب، فإذا مات، ورثوا بالولاء، وصار الولاء لهم لحمة كلحمة النسب، فإذ ذاك نضرب عليهم.
ولا يتجه إلا هذا، والأصول وإن كانت تدل على أن الولاء لا يورث، بل يورث به، فهو من حقوق الأملاك، وإنما يثبت الاختصاص به بعد موت المعتِق.
ثم الاختصاص على وجوه: قد يكون اختصاصاً يسمى ملكاً، وقد يكون اختصاصاً لا يوصف بالملك، وعلى أي وجه فرض الحق، فالحق يثبت متجدّداً للعصبة بعد موت المعتق، ثم إذا لم يكن 3 معتِقٌ، وضربنا على عصباته، فهل نخصص بالضرب الأقربين ولا نتعداهم أم نتعداهم [إلى] 4 الأباعد على ترتيب الرُّتب، كصنيعنا في عصبات النسب؟ هذا فيه تردد ظاهر: يجوز أن يقال: يُستَوْعبون استيعاب عصبات النسب؛ فإن الولاء كالنسب منهم، [ويجوز] 5 أن يقال: نخصص الأقربين؛ فإنهم المختصون بالولاء والإرث.
والمسلك الأول أوضح؛ فإن مسائل الولاء دالّةٌ على أن الولاء لا يورث، بل يورث به، وهو كما ذكرنا بمثابة النسب، ويرث ابن المعتِق لا لأنه وارث، ولكن لأنه منسوب إلى الولاء بجهة مورثه.
فرع:
10794 - ذكر ابن الحداد فصلاً في تحمل العقل يتعلق [بجرّ] 6 الولاء - والقول في الجرّ سيأتي في موضعه -إن شاء الله- ولكنا ننجز ما يتعلق بباب التحمل، فنقول: إذا نكح العبد معتَقَةً، فولدت في حالة رقه ولداً، ثبت الولاء عليه لموالي
الأم، فلو أعتق مالك الأب الأبَ، انجرّ الولاء من موالي الأم إلى معتِق الأب.
هذا أصل [الجرّ] 1.
قال ابن الحداد: لو قتَل هذا الولدُ في حال [رق أبيه] 2 إنساناً خطأ، فالدية على موالي الأم، فلو فرض عتق الأب بعد ذلك، وجرى الحكم بانجرار الولاء [كما] 3 تقدم من الحكم به، [فالضرب] 4 على موالي الأم لا يتغير.
وهذا فيه سؤال، في الانفصال عنه إبداءُ تحقيق: وذلك أن القتل إذا جرى في حالة رق الأب، فابتداء المدة من وقت القتل، ولكن قد قدمنا في أصول ضرب العقل أنا نعتبرآخر السنة في [افتقار] 5 العاقلة ويسارهم وتوسطهم.، وهذا يعني أن الوجوب إنما يتقرر في آخر الحول، ولو كان كذلك، وجب ألا نضرب على موالي الأم؛ فإن آخر السنة يوأفيهم ولا ولاء لهم، بل الولاء ينجرّ عنهم، وما ذكرنا [من] 6 أن الضرب عليهم يتحقق من وقت القتل، ثم يكون المضروب مؤجلاً، وهذا يخالف ما قدمناه، ويلزم على مساقه أن يصح من مستحق الدية إبراء العواقل قبل انقضاء السنة، وهذا
منقاس حسن.
وإنما المسلك اعتبار اليسار عند منقرض السنة.
وإذا أردنا أن نقدر اعتبار اليسار في آخر السنة ونحكم في هذه المسألة على موالي الأم، والولاءُ مجرور [عنهم] 7 ونفرق بين المسألتين؛ [فلا] 8 نجد إلى الفرق سبيلاً، ولم يتعرض الشيخ أبو علي لهذا بل صرح باعتبار القتل في حالة الولاء، فالوجه تقرير ما أطبق عليه الأصحاب في الطرق من اعتبار اليسار في آخر الحول، وترديد الكلام في صورة الجرّ؛ فإن الاعتراض على مذهب إمامٍ في فرعٍ أهون من
التعرض لما [رئي] 1 متفقاً عليه.
فهذا منتهى ما في ذلك.
ثم [يستدّ] 2 بعد هذا التنبيه [إتمام] 3 التفريعات.
10795 - وما ذكرناه فيه إذا قتل ذلك المولود قتل خطأ، ثم يفرض عتق الأب، فلو جَرَحَ والولاء لموالي الأم جرحاً على سبيل الخطأ، ثم أُعتق الأب، وتقدر موتُ المجروح بعد انجرار الولاء، فنقول: أرش الجرح مضروب على موالي الأم، وما بعده إلى تمام الدية [لا يضرب] 4 على موالي الأم؛ فإن الموت وقع بعد انجرار الولاء عنهم، ولا يضرب على معتِق الأب؛ لأن الموت وقع بجراحةٍ تقدمت على انجرار الولاء، والسرايةُ منتسبة إلى الجراحة، فمن حيث وقع الموت بعد الجرّ، لم يحتمل تمامَ الدية موالي الأم، [ومن] 5 حيث ترتب القتل على جراحةٍ قبل الانجرار، لم يحتمل الديةَ موالي الأب.
ثم إن كانت الجراحة الجارية قبل الجرّ مقدرةَ [الأرش كالموضِحة] 6 وقطع إصبع أو يد أو جائفة، فالأرش المقدر مضروب على موالي الأم، وما زاد عليه إلى تمام الدية يضرب في مال الجاني.
هكذا ذكره الأصحاب، وقطع به الشيخ في الشرح، وفيه إشكال نورده في معرض السؤال.
فإن قيل: إن تعذر ضرب ما يزيد على الأرش على موالي الأم، وموالي الأب للمعنى الذي ذكرتموه من وقوع الموت بعد الجرّ من وجهٍ، واستنادِهِ إلى الجرح الواقع قبل الجرّ من وجهٍ آخر، مع أن الضرب على العاقلة معدول عن القياس مُعرَّضٌ للسقوط بأدنى شيء، كما تتعرض العقوبات للاندفاع بالشبهات، فهلا قلتم: ما زاد على
الأرش مضروب على [بيت المال] 1؛ فإنه إذا تعذر الحمل على موالي الأم والأب، فإن هذا التعذر بمثابة [إعسارهم] 2، وبيت المال معتمدٌ لتحمل الدية إذا عسر ضربها على الأخصّين، ومن إثبات العسر في الضرب على الموالي في الجانبين ما ذكرتموه؟ قلنا: هذا السؤال متجه جدّاً، ووجهه ما أوردناه في أثناء السؤال، ولست أُبعد أن يكون ما جاء به الشيخ جرياً منه على ظاهر الكلام 3 في مسألة سنشير إليها بعد الفراغ من هذه.
10796 - وهي أن ذمياً لو أوضح رأسَ إنسان، ثم أسلم [وسرت] 4 الجراحة، ومات المجروح، فالأرش مضروب على العاقلة الذمية، وما عداه مضروب على مال الجاني، لا نضربه على الذميين لوقوع القتل بعد الإسلام، ولا نضربه على المسلمين [لانتساب] 5 القتل إلى جُرح مضى في الشرك، ولا سبيل إلى ضربه على بيت المال؛ فإن بيت المال لا يتحمله للعلّة التي لا يتحمله [لأجلها] 6 الأقربون المسلمون؛ فإن بيت المال لا يتحمل أثر جراحة جرت في الشرك، كما أن الأقارب المختصين من المسلمين لا يتحملون أي جناية جرت في الشرك.
وهذا لا يتحقق في مسألة جرّ الولاء؛ فإنه لا مانع من تحمل [بيت] 7 المال إلا [تقديرُ] 8 الولاء، وقد تعذر الضرب على أهل الولاء أو كانوا معسرين.
ثم إنْ تكلف متكلف توجيه ما ذكره الشيخ، فالممكن فيه تدافع جهتي الولاء فيما فيه الكلام، مع أن الشخص ممن يُتَحمل عنه، فإذا لم تتحمل الجهة الخاصة، لم يتعدها التحمل إلى الجهة العامة، وهذا تلفيق عبارة، ثم يجب أن نطرد هذا في المقدار الذي نقدّر ضربه على الموالي لو ضرب عليهم، ولا يُتمارى في ضرب الزائد على ذلك المقدار على بيت المال.
ولو كانت الجراحةُ الجارّةُ [قتلاً جراحةَ] 1 حكومة، فالذي أطلقه الأصحاب أن المضروب على موالي الأم حكومةُ تلك الجراحة، وكيف تنضبط الحكومة من غير اندمال؟ [فلو قلنا: نقدر الرقَّ والتقويمُ على ما أفضت الجراحة إليه، ولا نقدر قيمة العبد إن اعتبرنا المآل فهو في التحقيق ضربُ الدية عليهم، فإن اعتبرنا الاندمال في الجرح، كان تقديراً على خلاف الحس] 2، فالوجه أن نقول: إن كانت الجراحة مقدّرة الأرش، فنستمسك بالمقدّر الشرعي، وإن كانت غير مقدرة، فنجعل الانجرار كالاندمال في الجرح، ونعني أن نفرض وقوف الجراحة حيث انتهت إليه من النقص من
غير زيادة.
ويترتب على هذا لطيفة عظيمة الوقع في الفقه، وهو أن الجراحة لو كانت مقدرة الأرش، فسرت بعض السراية، ثم فرض الجرّ، [فلا] 3 يفرض على موالي الأم إلا المقدّر، ولا أثر لتلك السراية إذا لم يسقط [بها] 4 عضو.
وإن كانت الجراحة غير مقدرة الأرش، فسرت بعضَ السراية، ثم فرض الجرّ، اعتبرنا الجراحة وسرايتها إلى وقت الانجرار، وليس ما جاء به بدعاً؛ فإن السراية تتبع الجراحات المقدرة الأروش.
وقد ذكرنا أن سراية الجرح الذي لا يقدر أرشه هل
يتبع؟ وهو الأصل المعروف بالجرح والشين، وظاهر القياس أنا لا نتُبع السرايةَ جرح الحكومة قط.
10797 - ومما فرعه الشيخ، [ولزم] 1 فيه الكلام لو قطع يدي رجل خطأ، ثم فرض جرُّ الولاء، وسرت الجراحة وأفضت إلى الموت، فالدية بكقالها مضروبة على موالي الأم؛ فإن مقدار اليدين دية كاملة.
ثم يعترض هاهنا كلام من طريق التقدير عريٌّ عن فائدة ترجع إلى المغارم، وهو أن المضروب على موالي الأم أرش اليدين أم دية النفس؟ وهذا لا يتجه وقد قَطَع إحدى اليدين، [فإنا] 2 نقول: الواجب ديةٌ [أو بعضها] 3 على موالي الأم، وهاهنا إذا أوجبنا الدية على موالي الأم، والقتلُ وقع بعد الجرّ، لكان ذلك خارجاً عن القاعدة، وهذا قريب.
والوجه عندنا أن نقول: المضروب عليهم دية النفس؛ فإنهم إنما يمتنعون عن التحمل إذا كان الموجَب يزيد بالموت.
ونقول على هذا الأصل: لو قَطَعَ [من] 4 الحر اليدين والرجلين، ثم فرض الجرّ والموت بتلك الجراحات، فالواجب ديةٌ واحدة، وهي مضروبة على موالي الأم.
ومما يتفرع على هذه النهاية أنه لو قطع اليدين قبل الجرّ، ثم فرض الجرّ، فعاد، وقتل ذلك الشخصَ خطأ، فإن فرعنا على ظاهر النص، فلا يجب إلا دية واحدة، وهي مضروبة على موالي الأم، ونجعل القتل الواقع بعد الجرّ بمثابة الموت المترتب على سراية تلك الجراحة، ولو سرت الجراحة التي موجَبها ديةٌ إلى الموت بعد الجرّ، لكنا نوجب تمام الدية على موالي الأم، وهذا متضح لا يعارضه إشكال.
وإن فرعنا على مذهب ابن سريج، وأوجبنا ديتين، فيجب دية على موالي الأم ودية على موالي الأب إن اتسع عددهم لتحملها.
ولو قطع يداً قبل الجر ويداً بعد الجر، ووقع القطعان خطأ، وفرض الموت من الجرحين، فيجب نصف الدية على موالي الأم ونصفها على موالي الأب، والتعليل بيّن؛ فإنه جرى قبل الجر وبعده ما يقابل دية، ولا نظر بعد ذلك إلى السرايات.
10798 - ولو أَوْضَح قبل الجر، وقطع يداً بعد الجرّ، وفرض الموت من الجرحين، فلا يجب على موالي الأم إلا أرش المُوضِحة، ولا يجب على موالي [الأب إلا أرش] 1 اليد، والباقي [كما] 2 ذكره الشيخ في مال الجاني، وتعليل ذلك بيّن أيضاًً، فإنا ندير هذه التفريعات على مبالغ المقدرات.
ولو قطع يداً قبل الجرّ وقطع يداً ورجلاً بعد الجرّ، وفرض الموت، فقد يظن الظان أن الدية توزع أثلاثاً على موالي الأب والأم؛ فإنه قد وجد قبل الجرّ ما أرشه نصف الدية، ووجد بعد الجرّ ما أرشه دية، ولو اندملت الجراحات، لضربنا على موالي الأم نصف الدية، وعلى موالي الأب دية، فإذا فرض الموت، وجب توزيع ديةٍ على دية ونصف 3.
وهذا الظن زلل؛ من جهة أن الجراحات إذا أفضت إلى الموت، فلا معنى لتخيل مزيد على دية، حتى يقع التوزيع عليه، بل تبيّنا أن الواجب دية، ثم استقر على موالي الأم نصفها، فيجب على موالي الأب نصفها.
وستأتي مسائل لابن الحداد في آخر الكتاب -إن شاء الله- فيها يبين حقائق التوزيعات على الجراحات من جانٍ واحد، ومن جناةٍ.
هذا منتهى القول في [جرّ] 4 الولاء.
10799 - وما ذكرناه فيه يجري في طريان الاسلام على الجاني مع فرض جرح في
الشرك، والنظر يتردد فيما على عاقلة المسلمين، والفروع التي قدمناها والصور التي أوردناها تعود في طريان الإسلام، غير أنا لا نستريب في أن ما لا نضربه على العاقلة المسلمة لا نضربه على بيت المال، وقد تقدم تقرير هذا بما فيه مَقْنَع.
وقد ذكرنا في كتاب الجراح طرفاً من الكلام في طريان الردة بعد نفوذ السهم، وزوالِها قبل وقوع السهم في المرض، وهو كاملٌ في فنه، ولا نعيده.
فصل
قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا جنى رجل بمكة وعاقلته بالشام ... إلى آخره" 1.
10800 - نقل المزني في هذا الباب مسألتين: إحداهما - أن من جنى وله عواقل غُيَّب هم الأقربون، ولو فرض [الضرب] 2 عليهم، [لاستوعب] 3 الضرب عليهم المبلغَ المطلوب، ولكن في الضرب عليهم وهم غُيّب مسيسُ حاجةٍ إلى انتظار زمان، وللقاتل من الأقارب طائفةٌ حضور، فهل للسلطان أن [يضرب] 4 على الحضور؟ في المسألة قولان: أحدهما - وهو الأقيس أنا لا نضرب على الحضور، ونجعل وجودهم كعدمهم، ونسعى في الضرب على الغُيَّب، والقاضي إن أراد قضى عليهم، وإن أراد أثبت القتل، وكتب إلى قاضي الناحية التي بها الغيّب، حتى يكون هو القاضي عليهم.
هذا هو الوجه، وهو طريق السعي في إثبات الحق عليهم.
والقول الثاني - أن للسلطان أن يضرب على الحضور؛ فإن هذا الباب مبناه على المواساة، وعلى تحصيل الغرض بطريق التناسب، ولهذا يتعدى الأقارب إلى الأباعد إذا فضل من الواجب شيء بعد حصص الأقربين، فإذا كان يعسر الوصول إلى الغيّب، فلا يمتنع على قاعدة الباب الضربُ على الحضور.
وتمام البيان في ذلك يتعلق بشيئين: أحدهما - أنا إن جرينا على القياس، لم يخف الحكم، و [إن] 1 قلنا بجواز الأخذ من الأباعد الحضور، فيجب ألا نُجري هذا في كل غَيْبةٍ، وإن كانت مسافة القصر، فإن الضرب سهل على من يبعد عن مكان القتل بمرحلتين، وكذلك لو زادت المسافة، فلا بد من رعاية التعذر، وأقرب معتبر في هذا التعذر عندي متلقّى من الأجل الشرعي، فإن كان يمكن تحصيل الغرض من الغيّب في مدة سنة، فليس الأمر متعذراً، وإن كان لا يتوصل إلى الضرب عليهم في سنة، فيمكن أن نقضي عند ذلك بالتعذّر، ويجري فيه القولان.
ومما ينشأ من هذا الموضع أن العواقل لو لم يشعروا بالجناية حتى مضت سنة، أُخذ العقل منهم إذا وجدناهم عند منقرض السنة على الصفة المرعية في الضرب.
ومما يترتب على هذا -وهو الأمر الثاني- أنا إذا فرّعنا على [الأخذ] 2 من الأباعد، فليس لأولياء القتيل [الانفراد به] 3، بل يجب صدَرُ ذلك عن الإمام؛ فإن مبناه على تعذر يدٍ، [ومُدرَك هذا] 4 يقتضي [إثباتاً] 5 كإثباتنا رَفْع النكاح بالإعسار بالنفقة.
هذا بيان إحدى المسألتين.
[وفي] 6 تحقيقها بقية سأذكرها على إثر المسألة الثانية إن شاء الله.
10801 - وهي 7 أن الأرش إذا قل قدره، وكثرت العواقل، ولو فضضنا ذلك المقدار على عددهم، لاحتجنا إلى تعب في التقسيط والجمع، [ففي] 8 المسألة
قولان: أحدهما - أنه يُفضّ عليهم، كما لو اجتمعوا، فأتلفوا ما قيمتُه نصفُ دينار، وإذا ثبتت الحقوق، لم يختلف الأمر فيها بتقدير الفضّ والقسمة.
[والقول] 1 الثاني - أن الإمام [يُحصّل] 2 ذلك من بعضهم؛ فإن الباب مبنيٌّ على التيسير، فله أن يسلك المسلك الأيسر.
وقد يتجه عندنا في هذا القول أن نقول: الواجب نصف دينار، أو ربع دينار، وهو على واحد منهم لا بعينه، فيعيّنه من إليه التعيين.
ثم إذا تبين هذا، فإن فرّعنا على القول الأقيس، فلا كلام، وإن فرعنا على القول الأخير، فهل نقول: لوليّ القتيل أن يطالب من شاء منهم، أو لابد من تعيين السلطان؟ هذا فيه تردد، ويجوز أن يقال: يجب أن يكون صَدَرُ التعيين من السلطان؛ حتى يكون أقطع للخصومة [وأنفى] 3 للنزاع.
ويجوز، أن يقال: لولي القتيل أن يطالب من شاء؛ فإن المسألة إذا فرضناها في كونهم موسرين لا تستند إلى اجتهاد؛ [فالسلطان] 4 إذا عين، لم يكن تعيينه عن اجتهاد، وإنما يكون عن وفاق، وبهذا يضعف هذا القول.
وقد قال الأصحاب لما فرعوا على القول القديم في أن جماعة لو قتلوا واحداً لا نقتل إلا واحداً منهم: إن ولي القتيل يعين من شاء منهم.
10802 - والذي وعدته من تمام البيان ما نصفه الآن، فنقول: إذا [وظف] 5 الإمام على بعض العواقل، فقد انقطع الأمر، ولا تبعةَ، ولا رجوعَ، وإذا ضربنا على الأباعد الحضورِ، ثم حضر الغُيّب، فليس يبعد أن يرجع الأباعدُ عليهم، ويكون ما بذلوه مُنزَّلاً على حكم النيابة، ويجوز أن يقال: انفصل الأمر بتقديمهم، فلا مراجعة ولا تبعة.
باب عقل الحلفاء
1
قال الشافعي: "ولا يعقل الحليف إلا أن يكون مضى بذلك خبر ... إلى آخره" 2.
10803 - وليس هذا ترديد قول منه، ولكن لما كان مدار هذه الأبواب على الأخبار، لم يُبعِد [لمتانة دينه] 3 -مع وفور حظه في الحديث- أن يصحَّ خبرٌ لم يبلغه، فقدّر الكلامَ كما أشعر به ما ذكرناه، ومضمون الباب أن [التحالف] 4 لا حكم له [لا] 5 في ثَبَتِ 6 الإرث، ولا في ضرب العقل، وإنما يُتلقى ضرب العقل من القرابة، كما سبق تفصيلها، أو الولاء، أو الجهة العامة، ولا مزيد.
فصل
ْقال الشافعي: "إذا كان الجاني نوبياً، فلا عقل على أحد من النوبة ... إلى آخره" 7.
10804 - قد ذكرنا أن التعويل في ضرب العقل على [النسب] 8 أو الولاء، فإن لم يكونا، فالرجوع إلى بيت المال، فإذا جنى رجل مجهول غريبٌ جنايةً، ولم نعرف له مناسباً 9 ولا مولىً، [لم] 10 نضرب العقل على أهل بلده، ولا على الجنس الذي
يعود هو إليهم، كالنوبي إذا جنى -وهو كما وصفناه مجهول الحال- فلا نضرب أرش جنايته على النوبة، كذلك القول في طبقات الخلق، وإذا لم نجد له من هو مختص به، فالضرب على بيت المال، ثم على السلطان نظرٌ في البحث [عن] 1 المختصين به، فإن لم يجدهم، [ضرب] 2 في بيت المال.
ثم لو انتسب هو إلى أقوام، راجعناهم، فإن اعترفوا، ففي ثبوت الانتساب بالاعتراف تفاصيل قدمناها في كتاب الأقارير، فإن من ادعى أنه ابن فلان، فاعترافه مع الإمكان يُثبت النسب، وإن ادعى [أخوّة] 3 [معين] 4 واعترف ذلك المعيّن، لم يثبت النسب إلا أن يكون كلَّ الورثة، ولا معنى للخوض في ذلك.
ومنشأ هذا المنتهى أن النسب إذا لم يثبت بالإقرار بالعمومة [والأخوة] 5، فهل نضرب عليهم العقلَ مؤاخذة لهم بالأقارير؟ هذا يُخرَّج على أن أحد الورثة إذا قال: هذا أخونا، هل يؤاخذ بإقراره في تسليم حصة ما في يده إليه، أم لا؟ فيه كلام بيّنٌ مقرر في موضعه، وإذا كنا نُحوَجُ إلى [تطويل] 6 الكلام بالمباحثات في مواضع الحاجات، فينبغي أن نقبض الكلام إذا لم تكن حاجة.
فصل
قال: "وإذا حكمنا على أهل العهد ألزمنا عواقلهم ... إلى آخره" 7.
10805 - إذا قتل الذمي مسلماً خطأ، فالعقل مضروبٌ على عاقلته الذمية، وإن قتل ذمّي ذميّاً، تعلق التفصيل بأنا هل نحكم عليهم إذا ترافعوا إلينا؟ ثم إذا ضربنا على
عواقلهم، فلا نطالب كلَّ واحد منهم إلا بما نطالب به الواحد من المسلمين، فإن فضل [من] 1 الأرش فاضلٌ، فهو [مضروب] 2 [في مال الذمي] 3 الجاني، ولا مطمع [في] 4 ضربه على بيت المال، وهذا تمهد [قبلُ] 5، وذلك أنه لو مات ولا وارث له، فماله مأخوذ لا على سبيل الخلافة عنه والوراثة، بل نأخذه [كمالٍ انجلى الكفار] 6 عنه من غير قتال، حتى قال المحققون: ما نأخذه من تركة الذمّي الذي لا وارث له مخمّس كالأموال التي نظفر بها من غير قتال، فنصرف خمسَه إلى أهل الخمس، وأربعة أخماسه إلى أهل الفيء، كما تقررت مصارف الفيء في كتابها، وهذا لا شك فيه.
ولو كان للذمي الجاني أقارب حربيون، فهم [كالمعدومين، وإن قَدرَ الإمامُ على الضرب عليهم، فينبني على أن اختلاف الدار هل يمنع التوارث؟ إن قلنا: نعم، فيمتنع الضرب أيضاًً.
وإن قلنا: لا، ففيه وجهان، لانقطاع المناصرة باختلاف الدار، 7 [وإن كان له أقارب ذميون غُيَّباً] 8، فإن تيسّر الرجوع إليهم، فذاك، وإن تعذّر لطول المسافة، فهل نأخذ من الذمي الجاني؟ فعلى قولين، كما ذكرناه في الأباعد الحضور والأقارب الغُيّب.
وإن كان تعذر الضرب عليهم عن امتناع، فليسوا أهل الذمة 9.
ولو فرض ما ذكرناه في المعاهدين -وهم أصحاب العهود المؤقتة- فهم كأهل الذمة إذا كانت مدة عهودهم لا تقصر عن أهل الضرب، وإن كانت مدتهم سنة والعقل في ثلاث سنين، أخذنا منهم حصة السنة، ورجعنا في الباقي إلى القاتل.
ولو كان القاتل يهودياً وأقاربه نصارى أو على العكس، فللشافعي رضي الله عنه قولان: أقيسهما - أنا نضرب عليهم -وإن اختلفت مللهم- إذا 1 جمعهم الكفر، كما نورث البعض من البعض [وإن] 2 اختلفت أديانهم، والقول الثاني - أنا لا نضرب موجَب جنايةِ كافرٍ على من ليس من أهل ملته؛ فإن ضرب العقل مبناه على التناصر، وهذا [مفقود] 3 عند اختلاف الملل.
ومما فرعه الأئمة في ذلك أن الذمي إذا جنى، ولم نجد له عاقلة من الكفار، [حيث] 4 تجب الدية، [فالدية مأخوذة] 5 من ماله، ثم هي تتأجل عليه حَسَب التأجل على العاقلة، وليس لقائل أن يقول: الآجال أثبتت في حقوق العواقل تخفيفاً عليهم، فإذا طالبنا القاتل، فلا أجل؛ لأن أصل الأجل ثابت، وهذا كما أن الدية إذا تغلظت [بشبه] 6 العمد، ضربت على العاقلة، وإن كانوا لا يستحقون التغليظ عليهم.
10806 - ثم قال الأئمة: إذا كنا نضرب العقل على الذمي، فلو وجدنا له أباً أو ابناً، فهل نضرب عليهما؟ فعلى وجهين: أصحهما - أنا لا نضرب عليهما؛ فإنهما = أحدهما - لبعد المسافة، وهذا حكمه معروف.
والثاني - الامتناع عن قبول الحكم بالضرب، وحينئذ يكونون قد نقضوا عهد الذمة، وليسوا أهلها.
* تنبيه: تأمل في هذه الحواشي، لتتأكد أنها ليست فروف نسخ، فنسخة الأصل وحيدة، وإنما المثبت في الصلب هو من ثمرة المعاناة في استكناه الصواب وتوسمه.
ليسا من العواقل.
ومن أصحابنا من قال: نضرب عليهما، [فإنا بنينا] 1 منع الضرب على [أب] 2 القاتل وابنه على منع الضرب على [القاتل] 3 نفسه، فإذا كنا نضرب على القاتل، لم يبعد أن نضرب على أبيه وابنه، وهذا ضعيف لا أصل له.
فإن قلنا: لا يضرب عليهما شيء، فلا كلام، وإن قلنا: يضرب عليهما، اختلف أصحابنا في المقدار المضروب: فمنهم من قال: لا يزيد ما نضربه على كل واحد منهما على نصف دينار على قياس الضرب على العواقل.
ومنهم من قال: الدية مضروبة على القاتل وابنه وأبيه أثلاثاً؛ فإن هذا ليس على قياس الضرب على العواقل.
ومما يبلغ مني المبلغَ التام حاجتي إلى نقل كلام رجل كبير 4 مع القطع ببطلانه، كرأيٍ في هذه المسألة، فإن الضرب على الأب والابن في نهاية البعد، ثم الضرب على الجاني وعليهما أثلاثاً لا تخييل فيه، فضلاً عما عليه التعويل، ولا وقع للتلفيقات اللفظية.
فرع:
10807 - قد قدمنا في أصول المذهب أن الابن لا يضرب عليه شيء من العقل، فلو كان الرجل ابنَ الجاني وكانَ ابنَ عمه 5 أو كان معتقه، فهل يُضرب عليه شيء من العقل [لجهة] 6 العمومة أو للولاء؟ ذكر العراقيون والشيخ وجهين: أقيسهما - أنه يضرب عليه، ويجعل كأن البنوة لم تكن، وهذا كما أن الابن يزوِّج أُمَّه بالقضاء
والولاء، ويزوجها إذا كان ابنَ عمها 1، ويقال: البنوة لا تقبل الولاية، ولكنها لا تنافيها بجهةٍ أخرى.
والوجه الثاني - أن الابن لا يتحمل؛ فإنه بعضُ الجاني، ويعظم عليه الضرب على بعضه، كما يعظم عليه الضرب في نفسه، وهذا لا يختلف بأن يكون ابن عم أو لا يكون كذلك، فرجع حاصل الخلاف إلى أن البنوة تنافي تحمل العقل أم لا تقتضي تحمل العقل؟
...
باب] [وضع الحجر حيث لا يجوز وضعه، وميل الحائط
1
[قال الشافعي رضي الله عنه: "لو وضع حجراً في أرضٍ لا يملكها ... إلى آخره" 2.
10808 - القتل قد يقع بالمباشرة من القاتل، وقد يقع بالأسباب] 3، فأما الواقع منه بالمباشرة، فقد تقدمت أقسامه، وغرض هذا الباب الكلام في الأسباب، ونحن نجعل حفر البئر في صدر الباب معتبراً، ثم نلحق به ما في معناه بذكر ضابطٍ جامع.
فإذا احتفر الإنسان بئراً، لم يخل من أحوال: إما أن يحفرها في ملك الغير غصباً واعتداء، [وإما أن يحفرها في ملك نفسه] 4، فإن حفرها في ملك نفسه، فتخطّى الملك متخطٍ وتردى فيها، [فلا] 5 ضمان إذا لم يكن من صاحب الملك دعاء إلى الطروق.
ولو احتفر البئر في ملكه، ودعا إنساناً إلى تخطي ملكه، والدخول فيه، فإذا دخله، فتردى في البئر، لم يخل: إما أن تكون البئر محتفرة في طريق [ضيقة] 6، لا مدخل إلى الملك غيرُها، ولا محيص للداخل عن التردِّي في البئر، وإما ألا تكون
البئر محتفرة في مضيق، ويمكن الازورار عنها، مع دخول الملك، فإن لم يكن الازورار ممكناً مع الدخول، ولا يتم الغرض في هذا التصوير إلا بفرض تغطية [البئر؛ كي] 1 لا يرى رسمَها الطارق، أو تقدير الدعاء في ظلمة، فإن كان كذلك، فهو بمثابة [تقديم] 2 الطعام المسموم [إلى الضيف] 3 وقد مضى القول فيه مفصلاً.
ومن أصحابنا من جعل الصورة التي ذكرها الآن أولى بوجوب الضمان [من] 4 تناول الطعام المسموم؛ فإن التناول والازدراد تعاطٍ بفعلِ المتلف، بخلاف الطروق، فإن التردي يقع لا عن اعتمادٍ 5 إليه.
ولو كانت البئر مائلةً وأمكن تقدير الازورار عنها، فإذا فرض من المالك الدعاء إلى دخول الملك، فدخلها المدعو وتردّى، فللأصحاب طريقان: منهم من قطع بانتفاء الضمان؛ فإن أصل الاحتفار لم يكن مستنداً إلى عدوان، وكان حق الداخل أن يتحفظ أو يتصوّن في أحواله، وهذا هو المسلك الأصح.
ومنهم من جعل في الضمان قولين على الترتيب الذي سيأتي في البئر المحتفرة في الطريق الواسعة إذا تردى فيها المتردي.
وتمام البيان في ذلك أن البئر إذا غُطِّي رأسُها، ثم فرض الدعاء إلى التردد 6، فالضمان في هذه الصورة قريب، والأوضح إيجابه؛ لأنه يناسب تقديم الطعام المسموم، فلئن كان يفرض من الداخل ميل وانحراف عن منهج السير، فتقرر على الوفاق 7 تخطي البئر، فالحالة على الجملة حالة إلباس.
ولو قدم الرجل أطعمة إلى إنسان، وفي بعضها سم، وكان من الممكن ألا يتعاطى المسموم، ويكتفي بغيره، فإذا تعاطاه، فأمْر الضمان مرتب على ما إذا قدم إليه طعاماً مسموماً متّحداً، والصورة
التي ذكرناها آخراً أولى بانتفاء الضمان إذا نسب إلى تقديم الطعام الفردِ المسموم.
10809 - ثم إنا نذكر في هذا القسم ما يتعلق بتصرفات المُلاّك في أملاكهم الخاصة فيما يتعلق بالضمان، فنقول: إذا احتفر بئراً في داره وكانت مَفيضةً للفضلات، فانهارت البئر، وأفضت إلى تردي أساس جدار دار الجار، وترتب على ذلك انتقاض الجدار، فلا ضمان، وهذا مما اتفق أصحابنا عليه.
والسبب فيه أن الأملاك لا تستقل دون البالوعات والآبار، ولو أوجبنا الضمان بسبب ما تُفضي إليه المرافق لعظُمَ الأمر، ثم يعارض إسقاطَ الضمان أن الجار لا يُمنع من مثله في ملك نفسه، فاقتضى الشَّرَع 1 بينهم الإرفاقَ، وتمهيدَ الارتفاق، والتسويةَ بين الناس، ثم كل مالك في الغالب ضنين بملك نفسه، والخلل من ملكه يتعدى إلى ملك غيره، فهذا الشَّرَع يعوِّل على الثقة بالملاك من الاحتياط لأملاكهم، مع ما قررناه.
ثم اتفق المحققون على أن هذا مشروط بمراعاة الاقتصاد، وردّ الأمر إلى الاعتياد، فلو ملك الرجل حجرة متضايقة الخط 2، فاتخذ من عرضها بئراً، وسيّبها، [وفي فِنائها] 3 الحجرة وحواليها، فهذا ما نمنع منه، ولو فعله، كان متعدياً، ولكن الرجوع فيه إلى العادة ولا يبعد ضبطه؛ فإن ذلك لا يعد ارتفاقاً، وقد يجري فيه أن ملك المالك يتلف به، فهذا إتلاف الملك وليس ارتفاقاً بالملك.
وعلى هذا إذا [أجّج ناراً لطبخٍ] 4 أو إيقاد تنّور أو ما أشبهها مما يُعتاد، واتفق طيران شرارٍ إلى [كوخ] 5 أو إلى دار [وشبّب] 6 حريقاً، فلا ضمان.
وإن أجج [ناراً ضخمة] 1 لا تحتمل تيك الدارُ مثلَها، فأفضت إلى [حريق] 2 يجب الضمان.
وكذلك القول في سقي البساتين، وقد ذكرنا طرفاً صالحاً من هذا في حفظ حريم القنوات، ومجموع ذلك يرجع إلى اتباع العادة.
فإن وقعت صورة من الصور على تردد في أنها على [الاعتياد] 3 أم ليست عليه، فهي مردودة إلى نظر النظار، فقد يتحد وجه الرأي فيها وقد ينشأ خلاف، كما يجري مثل ذلك فيما يُبنى على العادات، وانتهى كلام الأصحاب في ذلك إلى أن قال القفال: لو أوقد النارَ في السطح، أو في مكان قريب منه [واليوم] 4 ريح، وقد يغلب على الظن انتشار شرار من النار، فالاعتياد غالب في التحريم من إيقاد النار في مثل هذا المكان والزمان، فإذا تساهل، ولم [يَتَحرَّ] 5 عُدّ مقصّراً.
وإن أشعل النار والهواءُ مطمئن، ثم هاجت الرياح قبل استمكانه من إطفاء النار، وكان [تهيجها] 6 على هذا النسق نادراً، فلا ضمان.
وإن احتفر بئراً في أرض خوارة، ولم يطوها بالطوب، فهي إلى الانهيار، ولا يفعل ذلك إلا مسرفٌ أو أخرقُ.
وكل ما لا يفعله القيِّم في ملك الطفل نظراً له، ولو فعله وأفضى إلى تلف ملك الطفل يضمن، فإذا فعله المالك المُطْلَق، فأفضى إلى تلف ملك جاره، كان ذلك مبنياً على الخروج عن العادة، غيرَ أن القيّم يقصُر فعله على حد الحاجة، والمالك لا يؤاخذ بهذا.
وإنما غرضنا في الاستشهاد والتسوية أن الحاجة لو مست، وترك الاحتياط في طريق التمهيد والتحري، فإذ ذاك يضمن، كما أشرنا إليه، وبدون ما ذكرنا يتبين الفطن المراد.
وعليه بنى الأئمة ما لو وضع حجراً على سطحه، أو حُرْديّاً 1 فأسقطتها الريح، فإن كان ما فعل على الاعتياد، فلا ضمان فيما يتولد من سقوطها، وإن كان على خلاف الاعتياد، وجب الضمان.
10810 - ولا ينبغي أن يظن الفقيه أن منفعة المتصرف تُرعى، فقد يفعل ما لا منفعة له فيه، ثم لا ضمان إذا أفضى إلى التلف، إذا لم يكن في طريق التلف مقصراً.
10811 - ومما يتصل بهذا القسم أنه لو بنى جداراً على ملكه ولم يُمله، فسقط الجدار من غير انتسابه إلى تقصير، فلا ضمان أصلاً، وإن مال الجدار إلى جانب ملكه، فتركه مائلاً، فسقط في ملكه، ثم طارت رأسه إلى خارج الملك، وأفسدت شيئاًً، فلا ضمان.
ولو بنى الجدار مائلاً إلى الشارع أو بناه مستنداً، فمال إلى الشارع، ثم سقط، فسنذكر هذا في القسم المشتمل على التصرف في أرض الشارع وهوائه، فانتظم مما ذكرناه أن التصرف المقتصد في الملك لا [يوجب] 2 الضمان ولا مثنوية 3 في ذلك إلا في الصيد الحرمي إذا تردى في بئر محتفرة في ملك، فإن من أصحابنا من أوجب الضمان، وقد مضى ذلك في كتاب المناسك.
10812 - فأما إذا احتفر بئراً في موات، فليس احتفاره تعديّاً، ولو تردّى فيها [متردٍّ] 4، فلا ضمان، ولا فرق بين أن يقصد باحتفار البئر تملكها وبين ألا يخطر له ذلك، فلا مؤاخذة عليه فيما يتصرف به في الموات، كاحتفار بئر، أو [أخْذ ترابٍ] 5 أو جمع أحجارٍ، ونصب [صُوىً] 6 وأعلامٍ، وإذا احتفر في موات
الحرم [بئراً] 1، وتردى صيد، ضمنه إجماعاَّ.
10813 - فأما إذا احتفر في ملك الغير غاصباً، أو نصب فيه حجراً، فهو معتدٍ بفعله، ولو فرض ترتب التلف على ما صدر منه، وجب الضمان، وقد ذكرنا احتفار البئر في الأرض المغصوبة وما يتعلق به أمرُ المالك بطمِّها، ورضاه بتركها، ولم نغادر من أطراف الكلام شيئاً إلا أتينا عليه في كتاب الغصوب.
10814 - فأما الكلام في الشوارع والمواضع المشتركة [التي] 2 تحقق تعلّقُ حقوق العامة بها، [فالكلام] 3 ينبسط في هذا الطرف، وقد يمتزج بالأملاك، فنذكر احتفار البئر أولاً، ثم نذكر ما يلتحق به.
فنقول: إن كانت الطريق [أو] 4 الشارع ضيقةً على الساكن، فاحتفر بئراً فيها، وقد يجري في الظنون جرياناً ظاهراً التردي فيها، أو التأذي [بها] 5 فهذا اعتداء، وإذا ترتب عليه تردي الطارق -على ما سنصف ذلك بعد نجاز الكلام في ذكر أسباب العدوان - تعلّق الضمان به، فإن استبد الحافر، ضمن، وإن راجع فيه من [إليه] 6 [الرأي] 7 ضمن؛ فإن الحفر في صورته عدوان، وإذن الوالي فيه مخالف لموجب الشرع، فإن
اعتمده 8، فقد ظلم وإن ظن ظناً جائزاً، فقد أخطأ.
وإن كانت الطريق واسعة لا يشق على الطارقين -مع الاتساع-[حفرُ] 9 البئر، فإذا فرض الاحتفار على هذا الوجه، لم يخل: إما أن يكون لمنفعة عامة [تعود] 10 إلى
عامة الخلق، وإما أن يكون لمنفعة [يبتغيها] 1 الحافر.
وإما أن يفرض الاحتفار في غير منفعة، فإن كان الاحتفار لمنفعة المسلمين، مثل أن يفرض احتفار بئر [ليستقي] 2 الناس منها، أو يفرض احتفار بئر يتسرب إليها فضلات المرازيب 3، [يُصوّر] 4 بإذن الوالي ومن غير إذنه، وللأصحاب طريقان: منهم من قال: إن كان بإذن الوالي، فليس عدواناً، ولا يتعلق به ضمان، وإن كان بغير إذن الوالي، ففي المسألة قولان: أحدهما - أنه عدوان يتعلق به عند فرض ترتب التلف عليه الضمانُ، والثاني - أنه ليس بعدوان.
توجيه القولين:
10815 - من قال: إنه ليس بعدوان وجه ذلك بانتفاء الضرر، وتحقق النفع، وألحق ذلك بوجوه المعروف التي يُستَحَثُّ العامة عليها، ومن قال بالقول الثاني، احتج بأن حقوق العامة ثابتة على الاشتراك، ووجوه النفع والضرر لا ينضبط فيها وجه الرأي، والتصرف في الشارع على الجملة تصرفٌ في محل حق الناس عامة؛ فليس للأفراد حق الاستبداد.
هذا مسلكٌ.
ومن أصحابنا من عكس هذا الترتيب، وقال: إن انفرد بالاحتفار من غير مراجعة مَن إليه الأمر، ثم فرض التردي، وجب الضمان، وإن راجع الوالي، وفرض الاحتفار بإذنه، ثم تردى في البئر المحفورة متردٍّ، ففي وجوب الضمان قولان.
والطريقة الأولى أمثل؛ فإن الحفر إذا كان للمصلحة، وكان صَدَرُه عن إذن الناظر في المصالح نظراً في الرأي الكلي والجزئي، [فيبعد] 5 تقدير الضمان، ولو أقر الإمام ابتداء باحتفار بئر، ثم فُرض التردي فيها، فلا يصير إلى إثبات الضمان -والحالة هذه-
[إلا جسورٌ] 1، غير خبير بوضع الإيالة الكلية، والمصلحة الجزئية، ولا نأمن أن صاحب الطريقة الثانية يجعل احتفار الإمام -إذا أفضى إلى تلف متردٍّ- من الأسباب التي تضرب مثلاً [لما يُفضي] 2 إلى هلاكٍ من غير استحقاق.
وفي غلطات الأئمة كلامٌ طويل، وترتيب وتفصيل، وهو يأتي، إن شاء الله عز وجل.
ومما يجب التنبه له أن ما ذكرناه من الترتيب فيه إذا كان الغرض [من] 3 الاحتفار مصلحة عامة، فأما إذا قصد الحافر مصلحة نفسه في احتفاره، فأفضى إلى تردٍّ وهلاكٍ، فإن انفرد، لم يختلف العلماء في وجوب الضمان، وإن استأذن الوالي، ثم فرض التردي، فالذي قطع به الأئمة، أنه يجب الضمان عليه، وفي بعض التصانيف حكايةُ وجه في نفي الضمان إذا كان [الحفر] 4 بإذن الوالي في الطريق الواسعة، فإن رجع الحفر فيها إلى الحافر، [ثبت الضمان] 5. [وهذا] 6 بعيد عن التحصيل.
فإن قيل: إذا أثبتم الضمان، فهل يجوز للوالي أن يأذن فيه؟ قلنا: لا بأس عليه لو أذن فيه، إذا كان الغالب على الأمر أنه لا يجر ضرّاً، وهذا بمثابة ما لو أذن للإنسان أن يهىء لنفسه مقعداً في وسط الشارع، [وأن يرفع دِكّة] 7، وقد يضع حجراً أو قد يحفر زُبية 8، فيردّ فيها الأمتعة، وكل ذلك سائغ.
أما البناء الذي إذا تطاول [إلى أعلى] 9 أوشك أن يُظَنّ مستحَقاً، فلا يسوّغ، وقد مهدنا معظمَ هذه القواعد في كتاب الصلح.
فأما إذا [احتفر] 1 حفرة لا غرض فيها للناس ولا له، [وتؤذي] 2 الطارقين، فهو عدوان لا شك فيه.
والتحقيق الجامع للفقه يجري بعد نجاز الرسم للمسائل.
10816 - ومما يليق بهذا المنتهى تصرف الناس في [هواء] 3 الشارع، وذلك بإخراج القوابيل 4 من الأملاك، وإخراج المرازيب: إن لم يكن على العامّة ضرر من إخراج الأجنحة والقوابيل، [فلا نَمْنَع] 5 من إخراجها.
وقد ذكرنا تفصيل الضرر المرعي باعتبار الفرسان والركبان في كتاب الصلح، فلا نعيده، ونكتفي [بإجمال] 6 القول، والإحالةُ في التفصيل على ما تقدم.
ثم من [أخرج قابولاً] 7 مضرّاً على المارة [مضيّقاً] 8 عليهم، فهو منقوض عليه، وإن لم يكن مضرّاً، فلا اعتراض عليه، ولا حاجة [تُحْوِجُه] 9 إلى مراجعة الوالي بخلاف التصرف في الشارع نفسه؛ فإنه محل الطروق، ومتعلق استحقاق الاستطراق، ولا استحقاق للطارقين في الهواء، وإنما المرعي فيه أن لا يجرّ عليهم ضرراً في طروقهم.
ثم من كان معتدياً في إخراج فسقط خراجُه 1 وأتلف شيئاًً، أو أهلك حيواناً، فلا شك في وجوب الضمان، فإن لم يكن [معتدياً] 2 بإشراع الجناح، فانقضّ وسقط على شيء فأتلفه، فالذي أطلقه الأصحاب وجوب الضمان، وأجمعوا على قولٍ جامعٍ في هذه الفنون، [فقالوا] 3: [من تصرّف] 4 في هواء الشارع بما يرجع إلى غرضه ومقصوده الخالص ضامن لسلامة العاقبة، وإن كان فعله [مشروعاً] 5.
ثم قالوا: إذا أخرج ميزاباً، فاتفق سقوطه وإفضاؤه إلى تلفٍ، ففي وجوب الضمان وجهان: أحدهما - لا يجب الضمان أصلاً.
والثاني - يجب.
ووجه قول من قال: يجب الضمان: القياسُ على [الجناح] 6 المشترع، والجامع رجوع [شغل] 7 الهواء إلى منفعة المتصرف فيه.
ومن نفى الضمان، [قال] 8: الحاجة ماسة إلى إخراج المرازيب، ولا تستقل الأبنية المزاحمة للشوارع المتخللة بين الأملاك من مرافق الأملاك، وإنما هي ازدياد في اتساع [أرفقة] 9 البيوت والعرصات، ولا يمتنع أن يكون تجويزها مشروطاً بسلامة العاقبة، فإن قلنا: لا يجب الضمان، فلا كلام.
وإن حكمنا بإيجاب الضمان، فلو تقطّع القدر [البارز] 10 في هواء الشارع وأُبين وسقط، وبقي المقدار الذي كان ثابتاً في الملك، فما يَتلفُ في ضمانه 11 على هذا
الوجه.
[وإن] 1 تقلع المرزاب وسقط بجملته، وأفضى إلى التلف، فالذي ذكره الأصحاب أنه يجب بعض الضمان في مقابلة ما كان بارزاً، ويسقط ما يقابل الذي كان في الملك.
ثم اختلفوا في كيفية التقسيط، فذهب الأكثرون إلى التنصيف كيف فرض الأمر، وعلى أي قدر صوّر البارز والداخل في الملك، وهذا هو القياس المرتضى في هذا المنتهى.
ومن أصحابنا من قال: نضبط وزن الخارج ونردّ ما كان داخلاً في الملك ونوزع الثبوت والسقوط عليهما.
وهذا بعيد؛ فإنه إذا ضرب رجلان رجلين بعمودين متفاوتين في [الرزانة والثقل وأفضت] 2 الضربات إلى الهلاك، فالدية نصفان، فإن كان صاحب الوجه الأخير يسلم هذا، فلا جواب له عنه، وفي هذا الرمز تنبيهٌ للفطن، وهذا يشير إلى زيادة [أسواطٍ] 3 في الحد، وقد تقدم خلافٌ فيه، وسيأتي مستقصًى في الحدود، والذي لا ننظر فيه إلى أعداد الجراحات، فإنها غائرة غير مضبوطة الآثار.
10817 - ومن التصرفات في الشوارع [جمع الكناسات] 4، وطرح قشور البطيخ، ورش الماء: أما طرح قشور البطيخ، وما في معانيها، فللأصحاب فيه طرق: منهم من قال: لا ضمان فيها على الطارح؛ لأن الشوارع كما قررنا من مرافق الأملاك، ولو مُنع الملاك من طرح الكناسات والفضلات في [الشوارع] 5 الواسعة، لضاقت عليهم الأملاك، وقد تمس الحاجات إلى تكلّف صور لا استقلال بها.
ومنهم من قال: يتعلق الضمان بها، لأن المقصود الذي ينسب الشارع إليه
الاستطراقُ، وكل ما يؤثر فيه إن كان ظاهراً، [فهو ممنوع] 1، وإن كان خفياً، [يجرّ] 2 على الندور ضرراً [على طارقٍ، فهو] 3 مقرون بشرط سلامة العاقبة.
ومنهم من قال: إن جمعت هذه الفضلات في الزوايا أو في الأوساط التي لا ينتهي إليها المارة غالباًً، فلا يتعلق بها ضمان، إذا أفضى إلى تلف نادرٍ، فإن طرحت على متن الطريق وسَرَارةِ 4 الشارع، فهي من أسباب الضمان.
والوجه عندنا القطع [بأن] 5 الإلقاء على متن الطريق سببُ الضمان، وردّ التردد إلى الإلقاء على الأطراف، والمواضع التي لا ينتهي إليها المارة في الغالب.
وأما [رش الماء] 6، فإن كان لغرض صحيح [كتر طيب] 7 التراب، حتى لا يثور الغبار، فهو وجه في مصالح المارة، إذا لم ينته إلى [التزلّق] 8، فلو خَرَّ بعير -والحالة كما وصفناها- ففي تعلق الضمان به خلاف، وإن انتهى إلى حد [التزلّق] 9، فهو في معنى طرح قشور البطيخ، والعادة المألوفة فيها أنها تجمع في الزوايا، ثم إذا [كثرت] (1)، نُقلت.10
والضابط في هذه الأجناس أن ما يجاوز الاعتياد عدوان، وما يقع على حد الاعتياد، ففيه تردد في وجوب الضمان عند الإفضاء إلى التلف.
10818 - وممّا [تشتدّ] 1 الحاجة [إليه] 2 ويظهر فيه إسقاط الضمان، ولا يخلو عن خلافٍ في إيجابه [هو إتلاف البهائم] 3.
والوجه عندنا أن نقول: البهائم الطارقة إذا كانت تبول وتروث، ثم فرض تزلق بعض المارة بأبوالها وأرواثها، فلا ضمان على أصحاب الدواب؛ فإن هذا مما لا يمكن التصون منه، وفي إثبات الضمان فيه - منعٌ من المرور والطروق، فإن كان يتجه [نفي الضمان في اشتداد الحاجة، فهذا] 4 أولى الصور، وقد ذكر الأصحاب فيها وجوب الضمان على من يستاق البهائم 5، والذي ذكرته مأخوذ من كلام الأئمة عند اعتبارهم الضرورة الخاصة، والحاجة البيّنة في إسقاط الضمان، وإذا كانوا يُسقطون الضمان في المرازيب لحاجات الأملاك؛ فلأن يسقطوا الضمان في [هذه الحالة أولى.
وأما ضمان ما يَتْلَف إذا كان يركب] 6 الدابة، فجفلت أو عضت، فهذه الأشياء تُنسب إلى [خُرْق] 7 الفارس، فإنه بين أن لا يحسن صون مركوبه، وبين أن يركب
دابة نَزِقة لا تنقاد لمثله، وعلى أي وجه فرض، فهو مقصر.
10819 - فهذه جمل في أسباب الضمان، ولكنها مرسلة لا تثبت في حفظ الفقيه ما لم تنخرط في سلك الفقه، والضبطِ الجامع المعروف المشتمل على تبيين المنازل والمراتب، ونحن نقول والله المستعان: ما [يشرع] 1 من تصرفات الملاك في أملاكهم لا [يجرّ] 2 ضماناً قط، وليس مقروناً بشرط سلامة العاقبة.
وما يجري في الموات [لا يجري] 3 عدواناً، ولا يتضمن ضماناً.
وأما ما يجري في الشوارع إن كان ممنوعاً، ثم أفضى إلى تلفٍ، [فهل يجب] 4 الضمان به؟ حاصل المذهب فيه أقوال: أحدها - يتعلق الضمان به.
والثاني - لا يتعلق، والثالث - يفصل بين أن يكون صادراً عن إذن الوالي وبين ألا يكون صادراً عن إذنه.
فأما ما يجري من المارة في أنفسهم كبول البهائم وروثها في أنفسها، فقد سبق الكلام فيه: نقلاً وتنبيهاً، والرَّمحُ والرَّفسُ والعضُّ يتعلق بالراكب والسائق والقائد، وفي هذا باب [يأتي] 5.
وأما ارتفاق الملاك بالشوارع، فالممنوعُ منه سببُ الضمان، والمجوَّز منه ينقسم إلى الارتفاق من غير اشتداد الحاجة، وإلى ما تشتدّ الحاجة فيه، فأما الارتفاق المحض، فإن كان مسوّغاً، فهو على مذهب الأصحاب مقرون بشرط السلامة [كالأجنحة والقوابيل] 6 إذا سقطت، وما اشتدت فيه حاجات الأملاك، ففي ثبوت أصل الضمان فيه خلاف كالمرازيب، وعلى هذين القسمين [إخراج القمامات] 7 وطرح القشور.
10820 - ويتعلق بهذا المنتهى كلام متردد بين تصرف الملاك في أملاكهم، وبين = الموجود بالأصل، كدأبنا في هذا الحال.
ارتفاقهم بالشارع: فمن بنى جداراً على ملكه، وأمال طرفَه إلى الشارع، فالطرف الممال بمثابة الجناح.
ولو بناه غير مائل، فمال وسقط من غير استمكان من الاستدراك، فلا ضمان؛ فإن [الباني] 1 تصرف في ملكه على الاعتياد.
وإن بنى الجدار مستوياً، فمال وأمكن تقويم الجدار؛ فإنه [إن] 2 بقي مائلاً زمناً، ولم يتفق تقويمه ولا نقضه حتى تهدّم [وخرّ] 3 ملقى، ففي وجوب الضمان على صاحب الجدار وجهان: أصحهما - وهو الذي يدل عليه ظواهر النصوص أن الضمان لا يجب؛ نظراً إلى أصل البناء، فإنه كان ارتفاقاً بالملك على ما يجب.
ومن أصحابنا من قال: يجب الضمان؛ لأنه كما 4 [مال أمكن] 5 استدراكه، [وإن] 6 كان في حكم ما يبني كذلك، وقد ذكرنا أنه لو بُني مائلاً، كان المقدار [المائل] 7 الشاغل لهذا الشارع بمثابة الجناح، وهذا مذهب أبي حنيفة 8، غيرَ أنه يُفصِّل
تفصيلاً لا يساعده عليه أصحاب هذا الوجه الثاني، ويقول: إذا أشهد على صاحب الجدار إنسانٌ شاهدين، ونبهه على صورة الحال ثم فرض السقوط بعده، وجب الضمان، وإن لم يجر إشهاد، لم يجب الضمان، وهذا لا يصير إليه أحد من أئمتنا.
وكنت أود لو فرق فارق بين أن يعلم صاحب الجدار، ثم يفرض انتسابه إلى [التقصير] 9 وبين ألا يعلم، ولم أر هذا لأحد من أئمة المذهب.
وقد انتهى رسم المسائل في أسباب الضمان، وذكر معاقد المذهب في كل مرتبة والتنبيه على تعاليل التفاصيل.
10821 - ونحن نختم هذا الفن بنوع آخرَ مجموعٍ وجيزٍ، فنقول: اللائق بالفقه بالكلتاب [أنه لا يجب بسبب] 1 فعل مباح على التحقيق ضمانٌ، والذي أطلقه الفقهاء من أن تعزير الزوج زوجته، والمؤدب تلميذه مباح، مشروط بسلامة العاقبة، كلام عري عن التحصيل؛ فإن التعزير المباح هو المقدار الذي لا يفضي إلى الهلاك، فإن أفضى إليه، تبين أن المعزِّر جاوز الحد: إما في قدر الضرب، وإما في [توقِّي ما] 2 يجب أن يتوقى من البدن، وإما في ترك النظر في زمان أو حال المضروب المؤدَّب، فنتبين أن فعله ليس مباحاً، ولكنه خطأ، ولو علمه واعتمده، لكان عدواناً على التحقيق، وقد أجرينا أن إخراج القابول مباح مشروط بسلامة العاقبة.
والذي يجب تنزيل هذا [عليه] 3 أن من تصرف في [ملكه] 4 لا يجب عليه من التحفظ الحدُّ الذي يجب على من يُخرج القابول، ثم يتعين أن [يرعى في دوامه] 5 ما يصونه عن السقوط، فماذا فرض سقوطه، [دلّ] 6 ذلك على تقصير في البناء، أو تقصير في مراعاة الصَّوْن في الدوام، فإذا تعلق الضمان به، أفضى إلى العلم بمجاوزة حد الأباحة المحضة ابتداء أو دواماً.
وهذه الحدود غير مرعية في الأملاك، ولو قال الملاك: هذا وضع الشرع، وتبينا من هذا المنتهى أن من أخرج القابول، وتناهى في الاحتياط، فجرت حادثة
لا تُتوقّع من وجه، أو صاعقة [تندر] 1 وسقط القابول، فلست أرى إطلاق القول بالضمان.
فلينظر من أدرك هذا المغاص في ذلك.
واللهُ العليمُ.
وهذا نجاز الأسباب التي هي أسباب العدوان على الجملة.
10822 - ونحن نعقد بعد هذا فصلاً في تفصيل الضمان وما يوفيه بما يُكمل البيان - إن شاء الله عز وجل- فنقول: إذا حفر حافرٌ بئراً فى محل عدوان، فإذا أطلقنا هذا اللفظَ، فالمراد به الحفرُ الموجب للضمان، فإذا تردى متردٍّ في مثل هذا البئر، وجبت ديته على عاقلة الحافر، ووجبت الكفارة على الحافر.
فإن تردت بهيمة، فالضمان في مال الحافر، ولو كان مات الحافر وقسمت تركته، فالضمان الذي كان يتعلق بماله لو كان حياً يتعلق بتركته بعد وفاته، ولو كانت قُسِّمت وتطاول الزمان، فالضمان يتبعها، ثم لا يؤاخذ [المتردّي] 2 بتخطيه، [وإن] 3 كان سببُ [الهلاك] 4 تردّيه، بل يحمل الضمان على الحافر.
وهذا يكاد يخرم قاعدة السبب والمباشرة؛ [فإنا] 5 مهدنا في الأصول المتقدمة أن المباشرة مقدمة على السبب، إذا لم يكن السبب [غالباً] 6، أو في معنى الملجىء، ولا محمل لهذا في الأقيسة الجزئية إلا تغليظ الأمر على المعتدين، وزجرهم عن أسباب العدوان، ثم لم يفرق أحد من الأئمة بين أن يتفق التردي ليلاً أو نهاراً.
ولا ينضبط هذا الأصلُ، ما لم نجدد العهدَ بمسألة ذكرناها في باب الاصطدام، ولا نُخلي إعادتها عن إفادةٍ وذكر زيادة.
10823 - قال الشافعي: "إذا صدم الماشي واقفاً، فمات الصادم والمصدوم، فالصادم ضامن لدية المصدوم" 1 وهو في نفسه [هدرٌ] 2 في حق المصدوم، ولسنا نعني بإضافة الضمان إلى الصادم الضرب على ماله، وإنما نعني ارتباط الضمان بعاقلته، ولكن التحفظ عسر في أثناء الكلام، وقال الشافعي: "لو تعثر ماشٍ بقاعد على الطريق فدية الصادم على عاقلة القاعد والقاعد المصدوم هدر" وقد قدمنا اختلاف أصحابنا في ذلك، وذكرنا أن منهم من نقل وخرّج وأجرى في المسألتين قولين: أحدهما - أن الضمان على الصادم منهما، والثاني - أن الضمان على المصدوم منهما على التأويل الذي ذكرناه في إضافة الضمان.
ومن أصحابنا من أقر النصين قرارهما، وفرق [بين حالين] 3 كما سنعيد على حسب حاجتنا في هذا الفصل.
وذكر صاحب التقريب قولاً ثالثاً في أنه يجب تمام دية الصادم، وتمام دية المصدوم، ولم يصر أحد إلى تنزيلهما منزلة المصطدمَيْن؛ فإن المصطدمين مشتركان في فعلين [متماثلين] 4، وهذا متحقق في الصادم والمصدوم في مسألتنا، وكان هذا القائل 5 يجعل الصادم متعدياً على نوعٍ، ويجعل المصدوم متعدياً على نوع آخر، ولم يجعل النوعين بحيث يتحقق الاشتراك بهما، وهذا على بُعده لطيف المأخذ، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى تنزيلهما منزلة المصطدمين.
10824 - فإذا تجدد العهد بهذه المسألة؛ فإنا نقول بعدها: الظاهر في قانون المذهب الفرق بين أن يكون المصدوم قائماً أو قاعداً، وكيف لا نقول هذا، والنص مصرح بهذا، والنقلُ والتخريج عندي تكلف، وسبب الفرق أن المنفعة المقصودة في
الطريق المرور والطروقُ، ويغلب على المار أن يقف لانتظارٍ، أو تأمل، أو نفض ثوبه، أو [للاسترواح] 1، فبالحري أن يكون الوقوف في حكم الجزء من المرور، فإذا كان كذلك، فلا اعتداء فيه أصلاً.
وأما القعود، فإنه يبعد أن يكون ملتحقاً بالمرور، بل هو قطع المرور، والوقوف [أناةٌ] 2 في المشي، على أن من قال القائم كالقاعد، قال: رب مارّ يعيا ويكلّ، ويحتاج إلى انتظار، ويؤئر القعود، فمن سلك هذا المسلك ألحق القعود بحاجات المرور.
وإنما قدمنا جميع ذلك لغرض، وهو أن من نصب حجراً، فتعقّل به إنسان من المارة، وجب الضمان على ناصب الحجر، والتعقل بالقاعد كالتعقل بالحجر، ثم لا خلاف أن نصب الحجر [مُضمِّنٌ] 3 وفي القعود التردد الذي ذكرناه، والسبب فيه أن القعود مما يطرى على المارة، ونصب الحجر لا تعلق له بأغراض المرور والطروق.
10825 - ثم إنا نندفع بعد هذا في تفاصيل أسباب الضمان، وتقديم البعض منها على البعض، والتسوية بين ما يجب فيه التسوية، فلو احتفر إنسان بئراً في محل عدوان، ونصب ناصب على شفير البئر حجراً، فتعقل المارّ بالحجر، وتردّى في البئر، فقد أجمع الأصحاب على أن الضمان على صاحب الحجر؛ فإنه سبب دفعه إلى البئر، والسبب كالمباشرة، فنجعل كأن مباشرَ نَصْبِ الحجر [باشر] 4 دفعَه، ولو فرض ذلك، لكان الضمان على الدافع، وإن كان الهلاك لا يحصل لولا البئر، [ودَفْعُ] 5 الدافع، فإن البئر يصير بمثابة الآلة [يصادفها] 6 مباشر القتل، [فيقتل