كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وإذا لاح ذلك؛ بنينا على هذا الغرض، وقلنا: إن أوجبنا على المغرور أقلَّ الأمرين، فنعتبر مع الجدة الأقل من عُشر قيمة الأم، أو خمسة 1 أسداس الغرة، فإنه لم يسلم للأب إلا خمسة أسداس الغرة، والسدس الذي تستحقه الجدة غير محسوب على الأب المغرور.
وإن فرعنا على أنه يجب على المغرور عُشر قيمة الأم بالغاً ما بلغ، وإن زاد أضعافاً على قيمة الغرة، ثم قلنا: لا يتوقف تغريم المغرور على سلامة الغرة له، فنقول على موجب هذا: [على] 2 المغرور عُشر قيمة الأم، وإن كان السالم له من الغرة خمسة أسداسها؛ فلا ننظر إلى المقدار الذي يسلم له، ولا نجعل ذلك من بالنا، وإنما ننظر إلى التفويت.
وهذا بيّن.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان الجاني هو الأجنبي.
8264 - فأما إذا كان الجاني هو المغرور المستولد، فأول ما نذكره أنه لا يرث الجنينَ في هذه الحالة؛ لأنه قاتِل، وليس للقاتل من الميراث شيء.
ثم إذا حجبه القتل، فيتصور للجنين ورثة مع الجدة، كالأخ والعم ونحوهما؛ فإن القاتل كما لا يرث، لا [يحجب] 3.
وإذا اتضح هذا، عدنا إلى غرضنا، وقلنا: لا شك أن هذا المغرور إذا كانت له عاقلة، لم يغرم بنفسه الغرة، بل هي مضروبة على عاقلته، وأما الذي يغرَمه المغرور للسيد، والحالة ما وصفناها.
نقل 4 بعض الأصحاب [المعتمدين] 5 عن القاضي أنه قال: ما تغرمه عاقلةُ المغرور من الغرة مصروف إلى ورثة الجنين سالمٌ لهم، وعلى
المغرور في نفسه أن يغرَم عُشر قيمة الأم لسيد الأمة.
ثم قال هذا الناقل: هذا غلط منَّا في النقل أو سهوٌ جرى على لسان ذلك الإمام.
والوجه أن يقال: يصرف من تلك الغرة مقدارُ عُشر القيمة إلى السيد، وما فضل، فهو مقسوم على الورثة، على فرائض الله تعالى.
وفي هذا وقفة وتأمل على الناظر، ونحن وراء التنبيه عليه، فإن كان هذا الاستدراك على القاضي رداً عليه وتغليطاً له، ونسبةً إلى الخروج عن قياس ما اختاره في قاعدة المسألة، فالغلط من المستدرِك، والقاضي مستدٌّ على اختياره تعويلاً على [نكته] 1 التفويت.
فنقول: اجتمع في هذه المسائل تفويتٌ من [المغرور] 2، وهو سببٌ يضمّنه، والمقدار المفوَّت في صورة الجناية عُشر قيمة الأم، وحصل في المسألة جناية المغرور في نفسه على جنين حرّ، [فخرج] 3 عن كونه وارثاً، فاقتضى التفويتُ تغريمه عشرَ قيمة الأم للسيد، واقتضت جنايته الناجزة تغريمَ عاقلته غرة الجنين، وإذا تعدد السبب لا يبعد تعدّد المتسبَّب، فهذا توجيه ما ذكره القاضي.
والذي يوضح ذلك أنا على موجب هذه الطريقة نُلزم المغرور إذا كان الجاني أجنبياً تمامَ عُشر قيمة الأم، وإن كان لا يسلم له إلا خمسة أسداس الغرة، فاتجه ما أردناه.
وقياس مذهب الجمهور المستدرِك على القاضي ما ذكره، فإنَّا نتخذ ما يحصل من الغرة أصلاً فيما يغرمه المغرور للسيد، والذي تغرمه عاقلةُ هذا المغرور الغرة، فلا مزيد على مقدارها، ولا يجمع بين وجوبها للورثة وبين تغريم المغرور، بل نجعل رجوعنا إلى الغرة، فنؤدي منها حق السيد، فإن لم يفضل شيء، أو كانت الغرة أقل، فلا مزيد، وليس للورثة شيء، وإن كانت الغرة أكثر من عُشر قيمة الأم، فالفاضل مصروف إلى الورثة.
ولم يذكر الصيدلاني في كتابه إلا هذا الوجه على النسق الذي ذكرناه، فتكون الغرة ممثلة بالدّية في صورة نذكرها الآن، وهي أن الجاني إذا جنى على عبد مملوك بقطع يديه، [ثم] 1 عتقَ العبد المجني عليه، ومات حراً، فالواجب على الجاني الدية؛ فإن الاعتبار في المقدار [المغروم] 2 وجنسه بالمآل، ثم يصرف من الدية إلى السيد حقه، وفيه تفصيل عظيم في مسألة منعوتة من كتاب الجراح، وقدرُ غرضنا -الآن- منها أنا نصرف قسطاً من الدية إلى السيد.
هذا مسلك الأصحاب.
وفي الاستشهاد بما ذكرنا بعض النظر؛ من جهة أن الجناية اتصلت بالعبد وهو رقيق، ثم تلك الجناية بعينها [سرت] 3، وليست مسألة الغرور كذلك؛ فإن سبب غرمه للسيد منفصل عن سبب غرم العاقلة للغرة، ولكن من حيث إن الجماهير يعتبرون الغرة قدراً ولا يوجبون الغرم قبل حصولها يتجه ما ذكره الأصحاب.
فهذا بيان تصويب القاضي على موجب اختياره، والرد على من استدرك عليه.
وإن كان الاستدراك على القاضي؛ من جهة أنه لم [يحك] 4 في المسألة خلافاً، وقطَعَ الجواب بأن المغرور يلتزم عُشر قيمة الأم للسيد، وعاقلتُه يغرمون الغرة بكمالها للورثة، فإن حكى في ذلك إجماع الأصحاب، ففي حكاية الإجماع نظر؛ فإنَّ قياس الجماهير ما ذكرناه من ربط الغرم بالغرة، وما ذكره القاضي صحيح على قياسه.
ثم الأصحاب يقولون: إتلاف المغرور الجنين في حكم استيفائه الغرة إذا حصلت الغرة لمستحقها.
وكل ما ذكرناه إيضاح لما قبلُ، والأصح في المسألة وتفريعها ما اختاره القاضي، وقد نجز الكلام في جناية الأجنبي، وفي جناية الأب المغرور.
8265 - فأما إذا علقت الجارية بالولد الحر، فجنى السيد، وأجهضت الأمةُ
الجنين، فعلى [عاقلته الغرة] 1 لا محالة، ثم يتفرع في هذه الصورة مذهب القاضي وطريقة الجماهير.
فأما ما اختاره القاضي، فمقتضاه في هذه المسألة أن ما تغرمه عاقلة المالك -وهو الغرة- مصروف إلى ورثة الجنين.
ولا يتصور في هذه الحالة للجنين ورثة إلا الأب [والجدة] 2، ثم يغرَم المغرور للسيد عُشرَ قيمة الأم.
وفي هذا الموضع عندي نظر؛ فإنا نعوّل في طريقة القاضي على التفويت، والسيد هو الذي فوّت الجنين، [فلو كان الجنين] 3 رقيقاً، لكان التفويت منسوباً إلى مالك الرق في الجنين، فيبعد أن يكون المفوت من طريق إتلاف المالك، ويجب الضمان على المغرور؛ فينبغي أن يقال: انفصاله بجناية المالك، كانفصاله من غير جناية، غير أن الغرة وجبت لمكان حرية الجنين، فالسيد يقول للمغرور: لولا تفويتك عليَّ، لما وجبت على عاقلتي، فينقدح والحالة هذه أن يصرف إليه من الغرة شيء، والأوجه عندنا على قياس القاضي أن تصرف الغرة إلى الورثة، [ولا] 4 يغرم له المغرور شيئاًً.
والعلم عند الله تعالى.
وهذا مشكل في النهاية بسبب كون الغرة على غير الجاني مع انتساب الجاني إلى الإتلاف.
وأما قياس جماهير الأصحاب، فهو ما ذكرناه أن المغرور لا يغرم للسيد شيئاًً قبل حصول الغرة، فإذا حصلت، اعتبرت الغرة كما تقدم، فإن كانت مقدار عُشر القيمة أو أكثر، صُرف عُشر القيمة إلى السيد، ولا تخفى الطرق الأُخر، وهو إذا كانت الغرة أقل، وفي القلب من هذه المسألة حسيكة 5، وإن فرعناها على قياس الأصحاب؛
من جهة أنَّا لو صرفنا الغرة، وكانت مقدار عُشر قيمة الأم إلى المالك الجاني، لكان هذا الحكم مؤدياً إلى إيجاب مال على عاقلة الجاني للجاني، وهذا قبيح مضطرب، والذي يتجه عندنا في كل قياس أن لا يغرم المغرور شيئاًً للسيد.
وقد انتجز القول على أقسام الجناة.
8266 - فإن قال قائل: لو كان الجاني على الجارية الحامل بالولد الحر عبدَ الزوج المغرور، فنقول: الغرة في رقبته في وضع المسألة، والمقدار الذي يرثه المستولد لا يتعلق برقبة [عبده] 1، حتى لو لم يكن وارثٌ سواه، فلا يتعلق برقبة العبد شيء، ولكن يجعل كأنه استوفى الغرة؛ فإنّا رأينا [ .... ] 2 لمكان ملكه في رقبته، وكان هذا كاستيفاء الغرة 3.
ثم ينقدح بعد ذلك سؤال [وجواب] 4 عنه، وهو أن قائلاً لو قال: هلا جعلتم إتلاف عبد المستولد بمثابة [إتلاف المستولد] 5، قلنا: إذا كان الجاني هو المستولد، فليس له في الميراث نصيب، والجنين حر، فلا نجعله جانياً على حقه، وإذا كان الجاني عبدَه، فحق المستولد من طريق التقدير قائم، وقد أثبتناه له، ثم إنا حططناه عن ملكه، فانفصلت المسألة عن المسألة.
وما عندي أن باحثاً يزيد على هذا، ليتقرر الذي ذكرناه.
8267 - ومن صور المسألة أن المغرور لو كان عبداً، وهو الذي جنى، فالغرة تتعلق برقبته للورثة، هذا قياس واضح.
وأما حق سيد الجارية، فإنه يتعلق بذمة العبد، فإنَّا أوضحنا أنَّ المغرورَ إذا كان عبداً وانفصل الولد حيّاً، فقيمةُ الولدِ يوم الانفصال تتعلّق بذمة العبد، لا تتعلق بكسبه، ولا برقبته.
فنفذ ذلك القياس على قانونه.
ونحن نقول: حقُ السيدِ عُشْر قيمةِ الأم، وهو المتعلق بذمة العبد.
وهذا إذا لم يلتفت على مقدار الغرة، فإنْ نظرنا إلى مقدارها، لم يخف قياسُ سائر الأصحاب.
وهذا مُنتهى القول في التغرير بالحرية في حق الحر والعبد.
ونحن نعقد وراء ذلك فصلاً في الاغترار بالحرية ظناً من غير تغرير.
وأمَّا تغرير المرأة بحرية الزوج، فسنذكره في آخر الباب، إن شاء الله عز وجل.
فصل
8268 - نقل الأئمةُ عن الشافعي أنه قال: "إذا نكحَ المسلمُ امرأةً حسبها مسلمةً، فبانت يهودية أو نصرانية؛ فللزوج الخيار في فَسْخِ النكاحِ.
ونصَّ أنَّ من نكح امرأةً ظنَّ أنها حرةٌ، فبانت أَمَةً، فلا خيارَ للزوج ... إلى آخره".
واختلف الأئمة على طُرق، فمنهم من جعل في المسألتين قولين، نقلاً وتخريجاً: أحد القولين - إنَّ الخيار يثبت في الموضعين؛ لأنَّ الغالبَ في الزوجةِ الإسلامُ والحرية؛ فصار اطراد العادة فيهما بمثابة الشرط المصرح به.
والقول الثاني - إنه لا يثبت الخيار فيهما لبعد النكاح عن الخيار، وعروّ العقد في الموضعين عن الشرط.
ومن أئمتنا من قطع بنفي الخيار في ظن الرق كما ذكرناه، وحَمَلَ نصَّ الشافعي في مسألة الكتابية على نقل مذهب الغير.
وقد تكرر ذلك في نصوص الشافعي في مسائل النكاح.
ومن أصحابنا من أقرَّ النصين قرارهما وحكم بموجبهما، وفرَّق بأنَّ الرقَّ ليس له
علامة حتى يُنَزَّل ظهورها منزلة ذكره، وكذلك الحرية لا أمارة لها، والكافرة لا يزوجها إلاَّ وليها الكافر؛ ولا يخفى ذلك، فإن فُرض خفاؤه، فسببه تلبيس معمود، ولا يبعد أن يكون التلبيس بمثابة التصريح بالشرط.
هذا ما ذكره الأصحاب.
8269 - والذي أراه في ذلك أنَّ المسألتين حقهما -في إطلاق العقد- أن يؤخذا من مأخذ آخر، وهو أنَّ الكفر هل يلتحق بالعيوب التي تُثبت حق الفسخ؟ وهذا محتمل؛ من جهة أنَّ البرص والجذام إذا اقتضيا حق الفسخ لما فيهما من نفار الزوج عن الاستمتاع، فقد يتحقق مثل ذلك في الكافرة.
وليس في الرق من معنى النفار ما في الكفر، ولذلك لا يستشعر المرء تكرهاً في تسري الجواري.
وإتيانُهن في النكاح كإتيانهن في ملك اليمين.
وقد ينقدح في الرق التحاقه بالبرص؛ من جهة أنَّ من المعاني المحذورة أيضاًً في الجذام والبرص -فيما قيل-[التعدي] 1 إلى النسل، وقد أشار الشافعي إلى ذلك.
وهذا إن صح، فهو مظنون لا يرتبط بتحقيق، والرق يتعدى إلى الولد لا محالة.
فينتظم من الكفر والرق في المأخذ الذي ذكرته ثلاثة أوجه: أحدها - أنهما من العيوب.
والثاني - أنهما ليسا من العيوب المثبتة للفسخ.
والثالث - أنَّ الكفر عيب والرق ليس بعيب.
وإذا أجرينا الترتيب على هذا النظم، لم نتعلق بالعادة وادعاء اطرادها.
وقد بقي من سر هذه الفصول كلام لا يبين إلاَّ في نجاز الباب.
وكنَّا أخرنا التغرير بالأنساب وغيرها إلى هذا الباب، وقد حان الوفاء بالموعود.
فصل
مشتمل على التغرير بالنَّسَبِ وما في معناه.
8270 - فنذكر تغرير الزوج الزوجة بشرفِ نَسَبِ نفسِهِ، ثم نذكر تغريرها زوجهَا بشرف نسبها.
فإذا قال الرجل: أنا عربي أو قُرَشي، فانتسب إلى النسب كاذباً، ثم بان كذبه، نُظر، فإن بان أنه دونها في النسب، وقد تحقق الخُلف في الشرط، فالقول في انعقاد النكاح على ما قدمناه في التغرير بالحرية.
وقد أوضحنا جريان القولين في كل خُلف يُفرض في شرط الصفات، والتفريع على صحة النكاح، فنقول: إذا حكمنا بالصحة، وقد بان الزوجُ دونها في النسب، وظهر الخلف في الشرط؛ فالذي أطلقه الأصحاب: أنَّ الخيار يثبت لها.
فإن فسخت النكاح، لم يخف تفريع المهر والنفقة وغيرهما من الأحكام.
والقول الجامع أنَّ فَسْخَها قبل الدخول وبعده بمثابة فسخها النكاح بعيب في الزوج يُثبت الخيار.
وقد تقدم ذلك مستقصى في بابه.
وإن اختارت الإجازة، فلأوليائها حق الفسخ، دفعاً للعار عن النسب.
ولو أخلف شرط الزوج في شرف النسب، فبان دون ما شرط، ولكن كان مثلها أو فوقها -وإن ظهر كونه دون ما شرط- فهل يثبت لها الخيار -والحالة هذه- أم لا؟ فعلى قولين: أحدهما - لها الخيار؛ للخُلف في المشروط.
والثاني - لا خيار لها؛ فإنَّ خيار الفسخ في النكاح يجب أن يكون مستنداً إلى ضررٍ ظاهر، وإلاَّ فالنكاح بعيد عن قبول خيار لا يتعلق بدفع ضرر، ولو جاز ثبوت الخيار من غير دفع ضرر، لثبت في النكاح خيار التروي، وهو خيار المجلس والشرط، فإن لم يثبت الخيار، فلا كلام، وإن أثبتنا الخيار، فإن فسخت؛ نفذ الفسخ، وإن أجازت، فلا يثبت الفسخ للأولياء؛ فإنَّ الشرط لا يُثبت لهم شيئاًً، وإنما حقهم في دفع العار عن النسب، فإذا كان الزوج كفؤاً لها -وإن أخلف شرطه- فلا عار على الأولياء في نكاحه.
8271 - قال الأئمة: إذا زوّج السيد أَمَتَهُ من إنسان، وقد جرى في النكاح شرط حرية الزوج، ثم بان عبداً، والتفريع على صحة النكاح، ففي ثبوت الخيار قولان.
فإنَّ الزوج -وإن خرج عبداً- فهو مثل زوجته، فكان ذلك بمثابة ما لو خرج الزوج كفؤاً لها، وإن بان دون ما شرط.
وكان شيخي أبو محمد يرى مسألة العبد أولى بالخيار؛ فإنَّ العبد، وإن كان كفؤاً للأَمَة، ففي نكاحه ضرار وتضييق في النفقة وغيرها، وهذا المعنى لا يتحقق في الخلف في النسب مع الكفاءة.
والذي يتعلق بهذا المنتهى أنَّا إذا أثبتنا الخيار في مسألة العبد، فالخيار لا يثبت إلاَّ للسيد؛ فإنَّ الأمة مجبرة على التزويج من العبد، وكيف ينتظم إجبارها على التزويج من عبد مع إثبات الخيار.
وأيضاًً فإنَّ الإضافة 1 بضيق أمر النفقة ثَمَّ، ضرره يرجع على السيد، وليس كالجَبّ والعُنَّة والجنون والبرص والجذام؛ فإنَّ حق الفسخ يثبت في هذه العيوب للأَمَة، لا للسيد؛ فإنَّ الغرض منها يتعلق بالجبلات وشهوات النفوس، فكانت أولى بها.
وأمَّا أمر النفقة في الأمة، فيتعلق ضراره بالسيد؛ فإنَّ الزوج إذا أعسر، فعلى السيد الإنفاق على أمته.
8272 - وإذا وضح ما ذكرناه، فالكلام بعده في طلب التحقيق والبحث عن حقيقة الباب.
فنقول أولاً:
أمَّا العيوب التي تكون بالزوج، فتُثبتُ لها الخيار كيف فرضت، ولا حاجة إلى تقدير الشرط؛ فإنَّ وجود تلك العيوب يُثبت حق الفسخ من غير تقدير شرط، وكان القياس يقتضي ألا نُثبت خياراًّ متعلقاً بخُلفٍ في شرط، ولكن اشتهر [اختلاف] 2 القول في إثبات الخيار المتعلق بالخلف في الشرط.
وأنا أذكر على الاتصال تفصيل الغرور من جانبها والمغرور الزوج، ثم آتي
[بفصلين] 1، بهما تتحقق أبواب وأحكام في الفسوخ.
8273 - فإذا غَرَّت زوجَها بشرفِ نسبها، والتفريع على أنَّ النكاح يصح وإن أخلف الشرط، فإذا غرّت الزوجَ بشرف النسبَ، ثم أخلف الشرط، فقد قال الأصحاب: إنْ بانت دونه ودون ما شرطت، ففي ثبوت الخيار قولان: أحدهما - يثبت الخيار، وهو اختيار المزني.
والقول الثاني - لا يثبت الخيار.
توجيه القولين: من قال: يثبت الخيار، [قاس] 2 خلف الشرط وهو المغرور، على خلف الشرط وهي المغرورة، وأكد بأنَّ الخيار ينبغي أن يثبت من الجانبين؛ اعتباراً بالفسخ المتعلق بالعيوب.
ومن قال: لا يثبت الخيار، احتج بأنَّ نقصان نسب الزوج عن نسبها يشينها ويعير حسبَها، والرجل لا يتعير بنكاح خسيسة.
وقد قال الأئمة: القولان في ثبوت الخيار له إذا كان مغروراً - كالقولين في ثبوت الخيار لها إذا كانت مغرورة، وقد بان الزوج مثلها ودون ما شرط.
ووجه التسوية أنَّ الرجل إذا بان مثلها، فلا معرَّة عليها من جهة نسب زوجها، ولكن أخلف الشرطُ المقتضي مزيداً في الشرف، وجرى القولان بخلف الشرط من غير ضرار، ولحوق عار.
وهذا المعنى يتحقق فيه إذا بانت المرأة خسيسةً؛ فإنَّ الزوج، وإن كان لا يلحقه عار من دناءةِ نسبها، فقد تحقق خلف الشرط المتضمن مزيد شرف فيها.
وما ذكرناه فيه إذا كان هو المغرور وقد بانت دونه.
فإن كان كذلك، ولكنها بانت مثله ودون ما شرطت، ففي ثبوت الخيار للزوج قولان، كان يرتبهما شيخي على الصورة الأولى، وهي: إذا بانت دونه ودون ما شرطت، وهذا الترتيب ضعيف؛ من جهة أنا إنما نثُبت الخيار للزوج
[بخلف] 1 الشرط فحسب، وهذا المعنى لا يختلف بأن تبين مثله أو دونه، وسأشير إلى ما حمل شيخي على هذا الترتيب إذا خضت في الفصلين الموعودين [وها هما] 2.
[الفصل الأول في قاعدة الفسخ] 3
8274 - فنذكر فصلاً في قاعدة الفسخ أولاً فنقول:
نُبيّن قواعد الفسخ من جانبها، ثم ننعطف على جانب الزوج، فأمَّا فسخها النكاح بموانع الزوج من الوطء [مما] 4 لا يتعلق بالعيافة وخوف العار واستشعار العدوى، فهو بمثابة فسخها النكاح بجَبِّ الزوج وعُنَّته، فهذا النوع يجري على قاعدة كلية؛ فإنَّ المقصود من النكاح تعففها بالمستمتَع في الزوج، وكذلك المقصود الأظهر في جانب الزوج التعفف بالزوجة، فإذا فقدت المستمتع منه على اليأس، فقد تعذر الغرض الأظهر من النكاح، ولم يُثبت الشرع للنساء سبب اختيارٍ يفضي إلى الفراق، فإذا انضم انحسام المستمتَع إلى اطراد قهر النكاح عليها، كان ذلك بالغاً في الضرر، والشرعُ لا يحتمل أمثال هذا، سيما وهي حرة، وإنما رضي الشرع لها النكاح رقاً 5 لما لها فيه من حق المستمتع.
فإن عارض معارض ما ذكرناه بأنَّ الزوج هو مستحق منفعتها، وهي لا تستحق من الزوج مستمتعاً تملك المطالبة به، قلنا: هذا لا يصفو عن خلاف، كما سيأتي الشرح عليه في باب العُنة.
ثم من تأمل حِكَم الشرع، تبيّن له اندفاع هذا السؤال؛ وذلك أنَّ صورة الاستمتاع من الجانبين على وتيرة واحدة، وغرض الشرع في إعفاف الرجل
بالمرأة كغرضه في إعفاف المرأة بالرجل، وهذا لا ينكره ذو عقل، غير أنّ الشرع لو أثبت لهن حق الطلب، لَمَا كان ذلك على موافقة الجبلّة؛ فإنَّ الرجال لا يواتيهم الإمكان على مطّرد الزمان، وتشوفهن دائم ولا فتور فيه، فرأى الشرع إثبات الطلب للرجل؛ فإنه لا عسر من جانبهن في التمكين.
ثم لما أثبت الطلب لهم أقامهم مقام من يستحق معوَّضاً، وألزمهم كفايتهن كي يلزمهن الحجاب، فانتظمت المحاسن، ثم اكتفى باقتضاء جِبلاَّت الرجال الاستمتاع بهن مع تهيُّئهن وقيام الرجال بمؤنتهن؛ وهذا [يُقيم] 1 أغراضهَن في الاستمتاع.
فإذا كان الرجل مجبوباً، وانقطع إمكان الإعفاف، أثبت الشرع لها مخلصاً، وعلى هذا حرم أصل الإيلاء، فإنَّ الرجل وإن كان ينكف عن وقاع امرأته، فهي تزجي أحوالها بتوقع الوقاع، فإذا آلى الرجل لا يواقعها في مدة يظهر فيها الضرار عليهن بالانكفاف عن وقاعهن، أثبت الشرع حق رفع النكاح بالطلاق، حتى يبقى مستدرك إن أراده الزوج.
فإذاً جرى فسخ المرأة للنكاح بجَب الزوج وعُنته على هذه القاعدة.
ثم من لطائف وضع الشرع، الفرق بين الجب والعُنة؛ فإنَّ الجب موئسٌ متعلقٌ به تنجيز الفسخ على البت، من غير احتياج إلى رفع الواقعة إلى مجلس الحكم.
والعُنة مرجوة الزوال، فبُني أمرها على التأخير، كما سيأتي حكمها في بابها.
8275 - فأما فسخها للنكاح بسبب البرص والجذام والجنون، فحائدٌ بعض الحيد؛ فإنَّ الاستمتاع لا ينحسم بهذه الأشياء إلاَّ من طريق العيافة.
ووضعُ النكاح على اللزوم، [فكان] 2 الفسخ بهذه الأشياء مائلاً عن الأمر الظاهر الذي مهدناه، على أنه حالٌ يسهل مأخذه من فسخ المبيع بالعيوب المؤثرة في المقاصدة المالية؛ فإنها لما أثبتت حق الفسخ، لم تنحصر في الموئسات، بل ثبتت ثبوتاً متسعاً، فابتعد أن يكون البرص [مانعاً] 3 من الاستمتاع، كما أومأنا إليه في المالية.
ولكن اعترض في هذا المقام اضطرار الأصحاب، فارعوى معظمهم عن تعدي ما ورد فيه النص عن الشافعي ولم يثبتوا حق الفسخ في غير محل النص، [وجرى] 1 المحققون على تنزيل ما يظهر أثره في الاستمتاع منزلة البرص وما في معناه، وإليه مال القاضي، ومن لطيفِ ما جاء به أن قال: ما أُثبت الخيار به -مما عدا المنصوص- قد يكون فرداً كالبَخَر المفرط، وقد يكون [معانٍ] 2 متضامّة.
ولا ينقدح إلاَّ هذا المسلك؛ فإنَّ البرص والجذام والجنون لم يثبت فيها توقيف تعبدي، كما سبق تمهيده في باب العيوب.
8276 - ومما يُثبت للمرأة حق الفسخ ما يتعلق بالشرط وإخلافه؛ فالذي لا خلاف فيه: أن تشترط الحرة حرية زوجها، فإذا أخلف الشرط، ثبت لها الخيار، وهذا منقاس، لأنّا نثبت للمعتقة تحت العبد الخيار شرعاً، ومعوّلنا فيه الخبر، كما سنشرحه في الباب الذي يأتي على أثر هذا، إن شاء الله تعالى.
فإذا [تأملنا] 3 ذلك، لم يبعد ثبوت الخيار للحرة الأصلية إذا شرطت الحرية في زوجها، وكأن الشرعَ ألحق الرق في الزوج بالعيوب، وليس لنا إلاَّ الاتباع وترك النزاع.
8277 - ولو [ظنت] 4 الحرة زوجها حراً، ولم تشترط الحرية، فأخلف ظنها؛ فقد تردد الأصحاب في هذا.
وقد نبهت على اختلاف الطرق، وبيَّنت أنَّ مأخذ هذا التردد أنَّ رقَّ الزوج هل هو ملتحق بالعيوب من غير شرط؟ وفيه الكلام المقدم.
8278 - ومما يتصل ببابها أن تشترط شرف النسب، فيخلف الشرط، وهذا ينقسم إلى خُلف يخرجه عن كفاءتها وإلى خُلف لا يخرجه عن كفاءتها، فقد أطبق الأصحاب
على أنه يثبت الخيار لها، والتفريع على أن [النكاح] 1 ينعقد، وسبب ذلك أنَّ عدمَ الكفاءة سببٌ يؤثر في الاعتراض على العقد، ولذلك قلنا: إذا زوَّجَ المرأةَ واحدٌ من أوليائها ممن لا يكافئها، فالنكاح فاسد، أو مُعْتَرضُ الفسخ لبقية الأولياء، فإذا كان هذا مثبتاً للفسخ من غير شرط، فإذا اتصل الشرط به وظهر الخلف المسقط للكفاءة، فثبوت الخيار ليس بدعاً.
8279 - ولو كان للمرأة وليٌّ واحد، فزوّجها برضاها من رجل مجهول الحال، ثم بان أنه ليس كفؤاً، فلا خيار باتفاق الأصحاب.
وليس كما لو بان الزوجُ عبداً، ففيه التردد المقدم.
والفارق أنَّ الرقَّ في الزوج لا يمتنع أن يكون كالعيب، ومِن حُكمِ العيب أن يُثبت الفسخ، وإن جرى العقد عليه مطلقاً من غير تعرض لشرط السلامة؛ فإنَّ الرق يعد من النقائص، والأصل السلامة عنه بالحرية الأصلية، وأمَّا شرف النسب ودناءته؛ فإنها بمثابة المناقب المطلوبة [التي يحتمل التحلّي بها] 2 والعروّ عنها، والعقود المطلقة لا تُثبت خياراً في أبوابها عند اختلاف الظنون من غير شرط، فإذا [شُرطت] 3، التحقت بالسلامة التي تَثبتُ ضمنَ العقد المطلق؛ إذ مراتب الإنسان تنضبط، والرفعة والضِّعة فيها تتعلق بالنسب والإضافات 4، فكان انفصال النسب عن الرق لهذا الذي ذكرناه في العقد المطلق.
فهذا منتهى القول فيما يثبت الفسخ لها على قياس.
8280 - وأمَّا ما يخرج عن القانون، فهو أن تتبين الزوج دون ما شرط ولا يخرج عن مكافأتها.
وقد ذكرنا في ثبوت الخيار لها قولين: أحدهما على القواعد - أنه لا خيار لها، فعلى هذا الشرطُ لاغٍ لا أثر له، فإنه لم يُفسد العقد ولم يُثبت الخيار، فليكن التعيين فيه أنه شرط لاغ غير مُفسد ولا مؤثر.
وإن حكمنا بإثبات الخيار لها، فهذا بعيد عن قاعدة النكاح؛ من قِبَلِ أنَّ وضع النكاح أنَّه لا يُرفع إلاَّ بضرر ظاهر يؤثر في المقصود، كالعيوب، والرق الملتحق بها، وفقدان الكفاءة، وهذه المعاني غير متحققة في الصورة التي انتهينا إليها.
ولكنَّ المزني اختار ثبوت الخيار، وهذا يقتضي تشبيه النكاح بالبيع في كل وجه إلاَّ في تباعد المقاصد واختلافها، وهذا بمثابة اتفاق الإجارة والبيع في قواعد الفسخ، فإن كانت الإجارة تمتاز عن البيع بمقاصدها اللائقة بها، والبيع يمتاز عنها [بمقاصده اللائقة به] 1 والعقدان مجتمعان في قبولهما للفسخ على أصل واحد، فيلتحق النكاح على هذا بالبيع.
وهذا ليس بعيداً لو كان مألوفاً بين الأصحاب، ولا يبقى بعد هذا [من الفروق] 2 إلاَّ أن البيع يقبل خيارَ التروي -وهو خيار المجلس- وخيارَ الشرط، وخيارَ الرؤية، إن جاز بيع خيار الرؤية، والنكاح لا يقبل شيئاًً منها؛ والسبب فيه أنَّ البيع قَبلها عن نصوصٍ تعبدية اقتضتها اقتضاء الرُّخَص، فلم يبعد اختصاصُها [بمواردَ] 3 النصوص، ومثلُ البيع يغلب وقوعه بغتةً، ويتفق صدوره ممن لم يصادم التجارب، وهذا المعنى قد لا يتحقق في النكاح.
ولا حاجة إلى هذا مع ما قدمناه.
وإذا حكمنا بأنَّ النكاح [يقبل] 4 الفسخ تراضياً كالبيع، ولا غرض [يُرجى] 5 في
فسوخ التراضي، قوي المسلك الذي ارتضاه المزني، وقد انتهى القول في الفسخ الذي يثبت في جانبها.
8281 - أما الفسخ الثابت في جانبه، فأصل بابه الفسخ بعيوبها.
ولا شك أنَّ فسخه أبعد عن القاعدة الكلية من فسخها؛ فإنّ [الضرار] 1 لا يعظم؛ من جهة تمكنه من حل النكاح بالطلاق؛ ولهذا لم يثبت أبو حنيفة 2 للرجل الفسخ، ولكن قيام الرجل مقام المستحِق، وقيامها مقام المعقود عليه المقصود يقوي حقَّه من الفسخ، ويعتدل في هذا المعنى الجانبان؛ فإنها ليست مستحِقة، فحق الفسخ لها مربوط بالضرار، وهو مستحق، فحق الفسخ في جانبه مربوط بعيب المستحَق.
ثم يقوم النظر في خصلةٍ، وهو أنَّ حقَّ الزوج يرتبط بأمر الصداق؛ من حيث إنه يستفيد بالفسخ إسقاطه عن نفسه، والطلاق لا يفيده ذلك، [و] 3 في هذا موقف بين المتناظرين لا يليق بهذا المجموع شرحه، مع ما يتصل به سؤالاً وانفصالاً.
ثم عيوبها تنقسم إلى ما يمنع المستمتع حسّاً، وإلى ما يؤثِّر فيه عيافة، والقول في ذلك كالقول في جانبها، فلا معنى لإعادته.
8282 - فأما ما يتعلق بالخُلف في جانب الزوج، فينقسم قسمين: أحدهما - يتعلق بضرار يلحق الزوج.
والثاني - ما يلحق بخُلفٍ في الشرط لا يجر ضرراً.
فأمَّا ما يتعلق بضرر، فقد حصره الأصحاب في الكفر والرق، فإذا اشترط الرجل كونها مسلمةً، فخرجت كتابيةً، أو اشترط كونها حرةً، فخرجت رقيقة، ففي ثبوت الخيار للرجل أقوال: أصحها - ثبوت الخيار، وهو ظاهر المذهب.
والثاني - أنه لا خيار أصلاً، وجانبه ينفصل عن جانبها بما أشرنا إليه في القاعدة من بُعد جانب الزوج عن الفسخ.
والقول الثالث - إنه يثبت الخيار للحر، ولا يثبت للعبد، وقد قدمنا هذا.
ويجري فيما ذكرناه قولان في اختلاف شرط الإسلام وهذا النوع لا يتصور في جانبها.
ويتصل بهذا المقام ظن الرق من غير شرط، وقد قدمت في ذلك تفصيلاً، ولا خروج لثبوت الخيار إلاَّ على إلحاق الكفر والرق بالعيوب التي تمنع المستمتَع مع عيافة.
ومن فصل بين الكفر والرق، أجرى ذلك؛ فإنَّ الكافرة تُعاف والرقيقة لا تُعاف، فهذا خُلف الشرط فيما يجر ضراراً معتبراً.
فأمَّا خُلف الشرط في النسب؛ فإنه ينظر فيه؛ فإن أخرجها عن مكافأة الرجل، فالذي ذهب إليه الجماهير أنَّ هذا ليس من باب الخُلف الذي يجر ضراراً؛ فإنه لا عار على الشريف بغشيان خسيسة، وعلى هذا بنى أئمة المذهب جواز تزويج الخسيسة من الطفل الشريف.
وذهب بعض الأصحاب إلى إلحاق هذا بالخُلف الذي يجر ضراراً، ومنع هؤلاء تزويج الخسيسة من الطفل الشريف، وصاروا إلى أنَّ النكاح من مقاصده ابتغاء النسل، ولا يخفى تفاخر الخلق بالانتماء إلى الشريفة على قربٍ من تفاخرهم بالانتساب إلى الآباء الشرفاء، ومما شاع في العرب -وهم أخبر الخلق بالمناسب والمناصب- الذم بأن يكون الرجل ابن أَمَة، والمدح بأن يكون ابن حرة.
فأمَّا الخُلف الذي لا يخرجها عن المكافأة، ففي إثبات الخيار فيه قولان أيضاًً، ولا خروج له إلاَّ على القاعدة التي ذكرناها في جانبها في مثل هذه المنزلة، وبه وصلنا [إلى] 1 التزام إلحاق النكاح بالبيع، وقد نجز الغرض في أحد الفصلين الموعودين.
[الفصل الثاني] 1
8283 - فأما الفصل الثاني، فمضمونه ثبوت المسمى وسقوطه عند جريان الفسوخ، أو الأسباب المفضية للانفساح.
وقد تمهد حكم الطلاق وأمر المهر معه، وبان أنه إن جرى قبل المسيس تشطر الصداق، وإن جرى بعد المسيس، لم يسقط من المهر شيء، وأطلق الفقهاء أنَّ المسيس يقرر [الصداق] 2، وعنَوْا بذلك أن الطلاق لا يؤثر في [إسقاط] 3 شيء من المسمى بعد المسيس.
وغرضنا الآن جمعُ معاقد المذهب في الفسوخ، والكلام يتعلق بقسمين: أحدهما - في الفسوخ المنشأة لأسباب تقتضي إثباتها.
والثاني - في انفساخ العقد بأسباب تطرأ على النكاح.
فأمَّا الفسخ الذي ينشأ، فينقسم إلى ما يصدر من الزوجة، وإلى ما يصدر من الزوج، فأمَّا ما يصدر من الزوجة، فينقسم، فمنه ما يستند إلى سبب كائن حالة العقد، ومنه ما يستند إلى سبب طارىء بعد العقد.
فأمَّا ما يستند إلى سبب كائن حالة العقد كالفسخ بالعيوب الثابتة يومئذ، ومنه الفسخ المترتب على خُلف مترتب على شرط مذكور في العقد.
فكل ما يكون كذلك؛ فإنه يتضمن إسقاط المهر قبل المسيس، فإذا فرض بعد المسيس، فالمنصوص سقوط المسمى والرجوع إلى مهر المثل، والقول المخرج استقرار المسمى.
وما يستند إلى سبب طارىء، فإذا جرى قبل المسيس، فحكمه ما ذكرناه من إسقاط المهر وهذا كالفسخ بالعيوب الحادثة.
وإن جرى الفسخ بعد المسيس حيث يجري، فإن رأينا ثبوت المسمى إذا كان العيب مقترناً بالعقد، فلا شك أنَّ المسمى بالثبوت أولى إذا كانت الأسباب طارئة.
وإن جرينا على النص في إسقاط المسمى والأسباب مقترنة بالعقد، ففي الطارئة ثلاثة أوجه تقدم ذكرها.
هذا في الفسخ الذي تنشئُه المرأة.
فأمَّا الفسخ الذي يُنشئه الرجل، فهو [في] 1 غرضنا من حكم، المهر كالفسخ الذي تنشئه المرأة، فلا فرق قبل المسيس وبعده.
8284 - فأمَّا الأسباب التي يقتضي طريانُها انفساخَ النكاح، كالردَّة وما في معناها، فكل ما لو فرض قبل المسيس تشطر الصداق به، كردة الزوج، فإذا فرض بعد المسيس، لم يؤثر في إسقاط المسمى كالطلاق.
وقد ذكرنا أنَّ هذه الأسباب لو حدثت من المرأة قبل المسيس، تضمنت إسقاط المهر، فإذا صدرت منها بعد المسيس، فهل تتضمن إسقاط المسمى؟ وكيف السبيل فيه؟ هذا يترتب على الفسوخ المنشأة بالأسباب الطارئة على النكاح.
وهذه الأسباب التي انتهينا إليها أولى بأن يتقرر المسمى معها من الفسوخ المترتبة على العيوب الحادثة، والسبب فيه أنَّا نقول: المرأة تستحق سلامة الزوج على دوام النكاح بحكم العقد، فأمَّا إذا طرأ ما ينافي هذا الدوام -ومقصودُ العقد منفعة- جاز أن يلتحق بالعيوب المقترنة بالعقد، وأمَّا الردَّة إذا طرأت، فلا استناد لها، ولا تتضمن قطعَ مستحق بالعقد يُثبت الفسخ، ولكنه كما 2 يرد يقطع، ولهذا نصَّ الشافعي على ثبوت المسمى إذا ارتدت المرأة بعد المسيس، ونصَّ على القرب منه بسقوط المسمى إذا فرض فسخ بعيب، ولم يفرِّق بين المقترن والطارىء.
وقد رأيت في تعليقي عن شيخي، وفي تعليقه عن شيخه ذكرَ سقوط المسمى إذا
ارتدت بعد المسيس، وإني لأخشى ألاَّ يصح فيه نقل المذهب، فالموثوق به ثبوت المسمى لما نبهت عليه.
وقد نجز الغرض في الفصلين، وتهذب بهما فصول أبواب [وأحكام الفسوخ] 1 والله المستعان.
...
باب الأمة تعتق وزوجها عبد
8285 - الأمة إذا عتقت تحت زوجها القن، فلها خيار فسخ النكاح، وهذا مما لا نعرف فيه خلافاً بين العلماء.
ولو عتقت تحت زوجها الحر، فلا خيار لها عند الشافعي.
ونَصُّ الشافعي ومجرى كلامه دال على أنَّ تخيير المعتقة تحت العبد القِن مأخوذ من الخبر، وليس مما يناط بمعنىً جارٍ على شرائط أهل السبر والنظر.
وقد قررت هذا في الأساليب 1.
وتعلَّق الشافعي بحديث بَرِيرَة، وصحّح أنَّ زوجها كان عبداً 2.
ثم أخذ يقطع الحرّ عن العبد في مقصود الباب، وليس يبغي فرقاً، وإنما غرضه أنَّ خيار المعتقة تحت العبد بالخبر، وليس في معنى الرقيق 3 حتى يلتحق بالمنصوص عليه إلحاقَ الأَمَة بالعبد في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أعتق شركاً له في عبد قُوّم عليه" 4. فهذا عقد الباب.
ويلتحق به أنَّ العتق الكامل تحت العبد هو الذي يثبت لها الخيار إذا طرأ، فإذا كانت مكاتبة أو مستولدة، أو كان بعضها رقيقاً، فطرأ عليها العتق التام، أو تناول العتقُ الرقيقَ منها؛ فلها الخيار، وقيل: كانت بريرة مكاتبة، وقيل: اشتُريت على أن تعتق.
وتتميم العتق في التي بعضها رقيق في معنى توجيه العتق على [الكل] 1، والجزء من الرق في الزوج يُلحقه بالقن؛ من حيث إنه سلبه الاستقلال.
فانتظم الباب على أنَّ المؤثر طريان تمام العتق، ولا نظر إلى ما كان قبله في صفة الرق وتبعّضه.
ولا يشترط في الزوج كمال الرق ليثبت الخيار، بل البعض من الرق كافٍ.
8286 - فإذا تمهد أصل الباب فأول ما نذكره بعدُ، أن الخيار الثابت للمعتقة على الفور أم يتطرق إليه التراخي؟ وقد ردد الشافعي جوابه في هذا، وقال 2: "ولا أعلم في [تأقيت] 3 الخيار شيئاًً يتبع، إلاَّ [خبراً عن] 4 حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم: "ما لم يمسها" 5.
وحاصل ما نقله الأئمة من أقوال الشافعي ونصوصه في الكتب ثلاثة أقوال:
أحدها - أنَّ خيارها يثبت على الفور، بمثابة خيار الرد بالعيب في البيع وما في معناه.
وهذا أظهر الأقوال عند الأصحاب.
والقول الثاني - إنه يثبت خيارها على التراخي من غير أن يُناط بأمَدٍ، ويدوم لها حقها إلى أن تُصَرِّح بإسقاطه، أو بالرضا بالمقام، أو يغشاها زوجها على طواعيةٍ منها، وعلم بحقيقة الحال، فما لم يجر ما وصفناه، فهي على خيارها.
والقول الثالث - إنَّ خيارها يمتد ثلاثة أيام.
توجيه الأقوال: من قال بأنَّ خيارها على الفور، شبَّهَهُ بخيار العيب، والجامع، أنَّ المقصود من الخيارين الاستمكان من دفع الضرار الناجز [فرِقُّ] 1 الزوج إذاً مع [عتقها] 2 في معنى العيب الكائن في المعقود عليه، وتأملٌ على الناظر في المعنى الذي لأجله كان خيار العيب؛ إذ لو قال قائل: هلا دام ذلك الخيار إلى أن يُسقطه مستحقه؟ كان الجواب عنه أنَّ معنى عقد البيع وما في معناه على اللزوم، فإفضاؤه إلى جواز يدوم يخالف موضوعه، فبعد تأبيد الخيار لذلك، وقيل لمستحق الخيار: اقطع العقد حتى لا يُلفى في الشرع دوامُ جوازٍ في عقدٍ حقُّه اللزوم، أو نَرضى به، وإن لم نرض به، ألزمنا الشرع العقدَ، وهذا يعتضد بمجرى كلامنا في أسلوب مسألة البراءة من العيوب، حيث قلنا: سببُ الرد زوال جهالة خفية، فإذا انكشف الأمر، فلا وقوف بعد الانكشاف، فمن شبه خيار المعتقة بخيار العيب، اعتمد ما ذكرناه من وجوب لزوم النكاح؛ فإنه عن الجواز أبعد من البيع.
ومن صار إلى أنَّ خيارها لا يثبت على الفور، استمسك بأنَّ هذا حقٌّ جديد لا استناد له إلى العقد الماضي، حتى كأنها برضاها تبتدىء عقداً، ولهذا كان [الجواز] 3 خارجاً عن القانون، كما نبهنا عليه في وضع الباب.
ثم من قال: يتأبد الخيار، فمتعلقه ما ذكرناه، مع أنه لا منتهى له يقف عنده، فلا وجه إلاَّ الحكم بثبوته إلى أن يبطله مستحِقه.
ثم يستأنس هذا القائل بحديث حفصة، فإنها قالت: "للمعتقة الخيار ما لم يمسها زوجها".
ومن أقَّت بثلاثة أيام علّل في الفور بما ذكرناه، ثم بعُد عنده التأبد، فتمسك بطرفٍ من قياس الشبه، واعتبر أَمَدَ خيارها بالأمد الذي حصره الشرع في خيار التروِّي.
وفي مرامز كلام الشافعي مسلك آخر في الفرق بين خيار العيب في البيع، وبين خيار المعتقة، وذلك أنه قال: "الغرض من الرد في البيع مستدركٌ ماليّ 1، والأمر فيه قريب، فليبتدروه، والغرض في النكاح خطير، فلا يبعد أن يكون فيه متنفس من غير إرهاق"، فليكن هذا على الحفظ إلى أن نستثمره.
التفريع على الأقوال:
8287 - إن أثبتنا خيارها على الفور، فتفريعه كتفريع خيار الرد بالعيب، وقد مضى مستقصى في كتاب البيع.
وإن أثبتنا الخيار على التراخي؛ فإنه يبطل بإبطالها، ويلزم العقد [بإلزامها] 2، وليس كحق مُطالبةِ التي آلى عنها زوجها -على ما سيأتي في كتاب الإيلاء- فإنَّ المدة إذا انقضت، وثبت حقُ الطَّلبةِ للمرأةِ، فلو أبطلته ورضيت المُقَامَ تحت زوجها المولي -على إضراره بها-، فلها أن ترفعَهُ إلى القاضي بعد رضاها؛ والسبب فيه أنها وإن رضيت بالمقام على إضراره بها، فليست قاطعةً بأنَّ امتناعَهُ يدوم، ففد تستحثُ الجِبلَّةُ على الفيئة، فلا يتصور وقوع الرضا منها مبتوتاً، ولفظُها -وإن كان صريحاً في البت- في حكم [الخُلف] 3.
والرضا بالمقام تحت العبدِ يقعُ مبتوتاًَ لا يعارضه توقُعُ دافع [للضرار] 4. وليس ارتقابُها زوالَ الرِّقِ عن الزوج -الأصل بقاء الرق- في معنى ارتقابِها عودَ الزوج إلى الفيئةِ.
ومما يتفرعُ على هذا القول: أنها لو مكَّنت، فلم يغشها الزوج، لم يبطلْ حقُها،
وإن قيل: فعلت ما في وسعِها، فإنَّ التمكينَ من الوطءِ إنما يتحققُ عند وقوعِ الوطء.
ولو وطئها الزوجُ على اقتهارٍ، فهذا فيه ترددٌ عندنا؛ من قِبَلِ أن كانت متمكنةً من الفسخِ إذْ وطئها الزوج، فسكوتُها في حكم التمكين، وهذا له التفات من طريق الشبه على أنَّ الزوجَ إذا وطىء امرأتَه قهراً، فهل يبقى لها حق حبسها نفسها حتى يتوفر الصداق عليها؟ وسيأتي مأخذُ ذلك في موضعه، إن شاء الله عز وجل.
ولو غشيها قابضاً على فيها، فلا خلافَ في أنَّ حقَّهَا لا يبطلُ والحالة هذه.
وهذا يناظرُ تفصيلَ الأصحابِ فيه إذا أُخرجَ أحدُ المتبايعين من مجلسِ العقدِ قهراً وهو متمكنٌ من الفسخ أو غير متمكن.
وقد نجزَ ما أوردناهُ من التفريع على قولِ التراخي.
وإذا أقتنا الخيارَ بالثلاث، فمبتدأُ المدَّةِ من وقتِ ثبوت الخيار، لا من وقتِ نفوذِ العتق، وذلك إذا أُشعرت بالعتق والخيار.
8288 - فإذا تمهد ما ذكرناه، فإنَّا نقول بعد ذلك: ما قُطع به في الطرق أنَّ الخيار الثابتَ في النكاح بسبب العيوب يكون على الفور؛ اعتباراً بخيار العيبِ في البيع، ولم يذكروا الأقوال التي ذكرناها في خيار المعتقة.
وذكر الشيخُ أبو علي في شرح التلخيص أنَّ من أئمتنا من أجرى هذه الأقوالَ في خيارِ العيب في النكاح، وهذا لم أره له، وليس ما ذكره بعيداً عن مسلك المعنى، والذي أجريناه من كلام الشافعي في أقوال خيار المعتقة يشهد بذلك؛ فإنه فَرَّقَ بين خيار المعتقة وخيار العيب في البيع، لِعظم خطر النكاح، فلا يبعد أن يطرد هذا المعنى في خيار العيب في البيع؛ إذ غرض الخيار في البيع استدراك مالية، ولذلك قد يقابل بأرش العيب، ولا مدخل لأرش العيبِ في النكاح؛ حتى يقدر استرداد جزءٍ من الصداقِ إذا كانت هي معيبة، فالمدار على الضرار، وليس يبعد امتداد الخيار مما يتعلق بالضرار.
وكنت أود لو فصلَ فاصلٌ بين خيار العنَّة وخيار الجبِّ في هذا المعنى؛ فإنَّ التي عنَّ عنها زوجُها على رجاءٍ من زوال المانع بخلاف الجَب.
ولم أر إلى هذا منتهىً
للأصحاب فصلاً بين خيار العُنّة وانقضاء المدة.
وفي هذا سرٌّ لطيف: مدة العُنَّة تُضرَبُ مع الإقرار بالعُنَّة كما سيأتي -إن شاء الله عز وجل- فكأنَّ الشرعَ أسعف بالفرق بين البابين وأقامَ مُدَّة العنَّةِ أجلاً في الخيار، وإن كان لا يثبت بها خيار.
وسيأتي تقرير ذلك في باب العنة، إن شاء الله عز وجل.
فصل
قالَ: "فإنْ أصابَها فادعَتِ الجهالةَ، فيها قولانِ ... إلى آخره" 1.
8289 - هذا الفصلُ مُفرَّعٌ على القول الظاهر في أنَّ خيارَ المعتقةِ على الفور، ويمكن تفريعُهُ على أنَّه على التراخي، ولكن يبطلُ حقُّها بالمطاوعةِ والتمكنِ إذا جرى الوطء.
ثم صورةُ المسألةِ أنها إذا عتَقَت وطاوعت، فوطئها الزوج الرقيق، ثم أرادت الفسخَ وادعت الجهالة، فقد نقل المزني قولين مطلقين عن الشافعي في أنَّ قولَهَا هل يُقبَل؟ واختلف أصحابنا في محل القولين على ما ننقله، ثم نبحث على [عادتنا] 2.
فمن أصحابنا من قال: القولان فيه إذا ادعت الجهالةَ بالعتق، وهذا ساقطٌ؛ من جهةِ أنَّ دعوتَها الجهالةَ بالعتقِ قولٌ يمكن الصدقُ فيه، فأيُّ معنًى في ترديد القولين في قبولها، وهي صاحبةُ الواقعةِ؟ فإنْ قيل: يبطلُ حقُّها وإن صدقت في دعوى الجهالةِ بالوطء، كان بعيداً.
فإذا استحال المصير إلى بُطلانِ الخيار بصورة الوطء، ودعواها الجهالة مُحْتمل؛ فلا وجه للتردد والحالة هذه.
ولو صار صائرون إلى أنَّ صورة الوطء تُبطل حقها، لكان ذلك خارجاً على مسلكٍ -وإن كان بعيداً- وهو أن نجعل نفس الوطء بعد العتق قاطعاً لحق الاستدراك؛ فإنه إذا جرى وطء واحد، فالوطء الواحد كوطئات العمر، ولكن لم يسمح بهذا أحدٌ من
الأصحاب، فأَبَوا أن يأخذوا القولين إلا من الجهل بالعتق، وهذا لا معنى له.
ومن أصحابنا من قال: القولان فيه إذا اعترفت بجريان العتق، وادعت الجهل بثبوت الخيار لها.
وهذا المسلك أقرب قليلاً على ما بينته في توجيه القولين: وأحد القولين - إنها لا تُصَدَّق، كما لا يُصَدَّق المُطَّلِع على العيبِ في البيع إذا ادعى أنَّه لم يعلم بثبوت الخيار له شرعاً.
والقول الثاني - إنه يقبل قولُ المعتَقةِ؛ فإنَّ الخيار مما لا يبعد الجهلُ به في حق عوامِّ الناس، وأما الرد بالعيب، فإنه شائعٌ في العام والخاص، فادعاء الجهل فيه غير مقبول.
8290 - والذي يجب الاعتناء بفهمه بعد ما نقلناه أنَّ التأخير، أو الوطء، أو غيرَه مما يشعر بالرضا إذا استند إلى دعوى الجهل؛ فعَقْدُ المذهب فيه أنه إذا غلب على الظن كذب المدعي، فلا يُقبل قوله -وإن أمكن صدقه على بعد-[لأنَّ] 1 مبنى العقد اللازم على اللزوم، وهذا أبلغ في وضع العقد من تصديق مَن يمكن تصديقه، ولهذا قال الشافعي: إذا اختلف المشتري والبائع في قِدم العيب، فالقول قول البائع، وللبائع أنْ يحلف على البت على نفي العيب، وإن لم يكن عالماً بانتفائه قطعاً، ولم يبنِ هذا على تغليب الالتزام.
فإذا تبين لنا ظهور خيار الرد بالعيب في القياس، لم يصدّق من ادعى الجهل به، وإن أمكن تصديقه.
وعلى هذا بنينا ثبوت خيار العيبِ على الفور.
ولو ادعى المشتري الجهلَ، وصدّقه البائع، فله الخيار وفاقاً.
وهذا يناظر ما سيأتي في باب العُنَّة -إن شاء الله تعالى- من أنَّ الزوجَ إذا ادعى الوطء في مُدة العُنّة؛ فإنه يصدق، وإن كان الأصل عدم الوطء، مُحافظةً على تبقية النكاح، وهذا أصل مستغنى بتقريره، إن شاء الله تعالى.
فأما خيار المعتقة؛ فليس يظهر ظهور خيار العيب؛ فإنَّ النفوس مجبولة على استدراك الغبائن في البيع.
والأصل في النكاح على خلاف ذلك، [فترددت] 2
دعوى الجهل بين ظهور الصدق وبين المحافظة على تثبيت النكاح، كما رمزنا إليه في العُنة.
والذي أراه أنَّ المرأة إذا ادعت الجهل بالخيار بالبرص والجنون، أو ادعى الزوج الجهل بالخيار في الرتق والقرن، خرج على القولين في خيار المعتقة؛ فإنَّ هذا مما يظهر الجهل به.
فهذا ما يجب تنزيل الفصل عليه.
...
ثم قال الشافعي: "فإن اختارت فراقَهُ ولم يمسها، فلا صداق لها ... إلى آخره" 1.
8291 - نقدم على ذلك القولَ في مستحِق الصداق فنقول: إذا زوّج أَمَته من عبده، فالصداق لسيد الأَمَة إذا اشتمل النكاح على تسميته، فإذا عتقت الأمَةُ ورضيت بالمقام، فالمهر مسوق إلى مولاها، وليس لها من زوجها إلاَّ النفقة والكسوة، والمؤن الدارّة على مكرّ الزمان في المستقبلِ.
ولو كان زوَّجها مفوِّضةً، ثم أعتقها، نُظر، فإن جرى المسيس قبل العتق، فالمهر لمولاها، وإن جرى المسيس بعد العتق يفرّع ذلك على القولين في أنَّ المهر هل يثبت بالنكاح 2 المشتمل على التفويض، أم يثبت بالمسيس؟ وسيأتي ذكرهما، إن شاء الله عز وجل.
فإن حكمنا بأنَّ المهر يثبت بالنكاح، فالمهر للمولى، وإن حكمنا بأنَّ المهر يثبت بالمسيس، ففيه اختلاف بين الأصحاب: فالذي اختاره المحققون: أنَّ المهر يثبت للمعتَقة.
وسيأتي شرح ذلك -إن شاء الله عز وجل- في باب التفويض من كتاب الصداق.
8292 - عاد بنا الكلام إلى القول في سقوط المهر بالفسخ، فنقول: إذا فسخت المعتَقة قبل المسيس، سقط المهر، وإن حكمنا بأنَّ المهر للمولى، ولم يوجد منه
الفسخ حتى يُقدَّر مسقطاً، ولكن القياس أنَّ المهر يسقط إذا ارتفع النكاح قبل المسيس، واستثنى الشرعُ من هذا الأصل الطلاقَ قبلَ المسيسِ وما في معناه، فاستقر الشرع على أنَّ الصداق إنما يتنصف إذا كان الفراق صادراً من جهة الزوج المستدرِك [يتعلق بها] 1.
فإذا فسخت الأَمَة، [استحال] 2 مطالبةُ الزوج بشيء من الصداق، ولم يوجد منه فراق.
ولو فسخت المعتَقة بعد المسيس؛ فقد قطع الأئمة بأنَّ المسمى لا يسقط، ولم يجروا فيه القول المنصوص في العيوب، وهو أن المسمى يسقط، والرجوعُ إلى مهر المثل؛ والسبب فيه أن هذا الفسخ محال على سبب طارىء، وليست هي مستحقة للمهر، وإنما المهر لغيرها، فيبعد سقوط المسمى.
والتردد الذي ذكرته في رِدَّةِ الزوجة بعد المسيس لا يجري هاهنا؛ فإنَّ الردَّة طرأت على عين النكاح المعقود، وتضمنت انفساخه، والعتق [طرأ على عين] 3 الزوجة أولاً، ثم ترتب الفسخ على تغيير طارىء، وأحكام مستجدة، لم تعهد حالة العتق.
فالقطع باستقرار المسمى إذا جرى فسخ المعتقة بعد المسيس موثوق به نقلاً وتعليلاً.
...
ثم قال: "ولو كانت [في عدَّة] 4 طلقة، فلها الفسخ ... إلى آخره" 5.
8293 - الرجعية إذا عتقت تحت زوجها العبد في أثناء العدة، ثبت لها حق الخيار؛ فإنها زوجة، فإن شاءت الفسخ، نفذ ذلك منها، واستفادت به [قطع] 6 حقِّ
سلطان الزوج ناجزاً، وتستفيد أيضاًً تقصير العدة، فإنها لو صبرت حتى تتبين أنَّ زوجها هل يراجعها أم لا؟ فقد [يراجعها] 1 في آخر مدة العدة.
فإذا أنشأت فسخاً بعد الرجعة، احتاجت إلى استفتاح عدةٍ من وقت الفسخ، فإذا هي نجّزت الفسخ في الحال، لم يلحقها من الطول ما وصفناه.
ثم إذا فسخت فتكتفي بالعدة التي هي ملابستها أم تبتدىء الخوض في عدة الفسخ؟
فيه قولان أشرنا إليهما في نكاح المشركات، وأجَّلنا استقصاءهما على العِدد، وشبَّهنا ذلك بما لو طلق الزوج الرجعية في أثناء العدة، وقد ظهر اختلاف القول في أن الطلاقَ الذي يلحق الرجعية هل يستعقب عدة جديدةً أم لا؟
هذا إذا أرادت [التنجيز] 2؛ فإن أرادت التأخير لتتبيّن ما يكون، فلا بأس، ولا نجعل تأخيرها مبطِلاً لخيارها وإن كان على قول الفور، وهذا مما قدمته في نكاح المشركات أيضاً.
8294 - وإن اختارت المقام لمّا عتَقَت، فاختيارها باطل، لا حكم له؛ والسبب فيه أنها جارية في حالة التحريم، وقد يفضي إلى البينونة، فاختيار المقام لا يليق بحالها.
هذا ما أطلقه الأصحاب وزعموا أن إجازتها لا تخَرَّج على وقف العقود شَرْطَ أن يكون 3 مورد العقد قابلاً لمقصود العقد.
ولم نجوّز بيع الخمر على تقدير مصيرها خلاًّ من حيث لم تكن في حالها قابلة للخل، ولا متصفة بالمالية.
وسمعت شيخي غير مرة يحكي [تقرير] 4 إجازتها عن طوائفَ من الأصحاب.
وهذا متجه غيرُ بعيد؛ فإن إجازتها إن لم تتضمن إحلالَها، فهي متضمنة قطعَ
خيارها وسلطانَها في ملك الفسخ، وإذا كانت مستحقة للفسخ إن أرادته، فلتملك قطعَ ذلك، وإذا قطعته، كانت رجعية مستمرة على ما كانت عليه قبل أن عتَقَت.
ثم إن أخرت ولم تختر، ولم تفسخ، فراجعها زوجها، ثم أرادت الفسخ بعد المراجعة، فلها ذلك.
8295 - ثم القول في أنها تبني على بقية العدة أم تستأنف عدةً جديدةً؟ كالقول فيه إذا راجعها زوجها ثم طلقها بعد المراجعة، وكل ذلك مما سبقت الإشارة إليه مع إحالة الاستقصاء على موضعه.
ومما يتولد في أثناء هذه الفصول أنَّا حيث نحكم باستفتاح عدةٍ بعد الفسخ، فلا شك أنها عدةٌ تامة؛ فإنَّ الفسخ يجري بعد الحرية.
وإذا ابتدأت الحرةُ اعتداداً كان كاملاً.
وإذا قلنا: تبني ولا تستأنف، فتكمل عدة الحرائر أو عدة الإماء؟ فيه اختلاف وتفصيل سبق ذكره في نكاح المشركات مع الإحالة على كتاب العِدَد.
8296 - ولو طلق العبدُ زوجتَه الأَمَة طلقةً مبينة، بأن خالع مولاها، ثم عَتَقت، فلا خيار لها؛ فإنَّ أثر الخيار في قطع النكاح، والبائنة ليست منكوحة.
والقول في أنها تكمل عدة الإماء أم عدة الحرائر، على ما تقدم.
...
ثم قال: "وإن كانت صبية، فحتى تبلغ ... إلى آخره" 1.
8297 - الأمة إذا عتقت في صباها تحت زوجها القن، فإنها لا تتخير في صغرها، ولا ينوب عنها أحد بطريق الولاية، لأن هذا خيار تشهِّي، فلا يسوغ تفويته.
ثم إذا بلغت، فلها الخيار، وهذا قياس لا حاجة إلى الإطناب في شرحه، وهو يطّرد في خيار العُنَّة والإيلاء عن الصغيرة.
...
ثم قال: "ولا خيار لأَمَة حتى تكمُل فيها الحريةُ ... إلى آخره" 1.
8298 - وهذا مما صَدَّرنا فيه الباب، والضابط للمذهب في الزوجين أنَّ العتق في البعضِ لا حكم له في الباب.
فإذا كان جزءٌ من الزوجِ رقيقاً، فهو كما لو كان رقيقاً، وإذا كان جزءٌ من الزوجة رقيقاً، فهو كما لو كانت جملتُها رقيقةً.
ومما يجب التنبُّهُ له أنَّ الفسخ الذي أثبته الشرع للمعتَقة تحت العبد ليس منوطاً بجريان النكاح على القهر منها في الرق، فإنَّ المُكَاتَبَةَ إذا زُوِّجت بإذنها -ونكاحها مفتقرٌ إلى رضاها- فإذا عتقت وزوجها عبد أو مُكَاتَب، فلها الخيار، وإن جرى النكاح بإذنها المعتبر؛ فإنَّ إذنها محمولٌ على رضاها [بالعبد] 2 ما دامت هي مكاتبة، فإذا استحدثت كمال الحرية، ثبت لها حق الفسخ.
ولو قالت قبل العتق: إن أعتقت، فقد رضيت بالمقام تحت زوجي على رِقِّه، فهذا قولٌ لاغٍ؛ فإنَّ الرضا بالمقام في حال ثبوت الخيار لا يقبل التعليق، فكيف يقبله قبل ثبوته.
فرع:
8299 - إذا عتقت الأَمَةُ تحت زوجها القِن، فَعتِق الزوج قبل اتفاق الفسخ، فالمذهب الصحيح أن حقها من الخيار يبطل؛ فإنه كان معَلَّلاً بما ينالها من الضرار [بالإقامة] 3 تحت القِن، وقد زالت العلة، فيجب زوال الحكم بزوالها.
وخرَّج بعض أصحابنا وجهاً - أنَّ خيارها لا يبطل بعد ثبوته، وهذا بعيدٌ لا اتجاه له.
والمذهب: أنَ من اشترى شيئاً واطلع على عيب قديم به، ثم اتفق زوال العيب قبل التمكن من الرد؛ فيقطع خيار الرد، وفيه الوجه المخرج الذي ذكرناه.
والخلاف بين الصورتين ينبني على قاعدة ذكرناها في كتاب الشفعة، وهي: أنَّ من ثبت له حق الشفعة، فلم يشعر بها حتى باع ملكه الذي استحق الشفعة به، فهل له طلب الشفعة فيه؟ فيه اختلاف وتردد، استقصينا ذكره في كتاب الشفعة.
فإن قيل: هل يتوجه الوجه الضعيف بشيء يمكن التمسك به؟ قلنا: أقصى الإمكان فيه أنَّ العيب إذا زال، فهذا محسوب لمن له حق الرد؛ فإنه حصل ذلك في استمرار حكمه ودوامِ يدهِ، فينبغي أن يكون له لا عليه، فالعيب القديم أثبت حق الرد، والسلامة الطارئةُ ثابتة للمشتري، ولو أبطلنا حق الرََّد بها، لكُنَّا صرفنا فائدة السلامة الطارئة في يد المشتري إلى البائع إذا كنا نقول: العيب الحادث في يد المشتري يؤثر في منعه من الرد، فقياس الفقه أن نقول: ما يطرأ من العيب فعليه، فما يطرأ من السلامة له.
وهذا يجري ذكره في مسألتنا، والأصح ما قدمناه.
فرع:
8300 - إذا ثبت حق الخيار للمعتقة تحت العبد، فطلقها زوجها قبل أن تفسخ النكاح، نُظر: فإن كان الطلاق رجعياً، فهي على حقها من الخيار، لا شك فيه.
وإن كان الطلاق مُبِيناً، فقد نص الشافعي في الأم على "أنَّ الطلاقَ موقوفٌ، فإن فسخت، بان لنا أنَّ الطلاق لم يقع، وإن لم تفسخ، بان أنه وقع".
وقد اضطرب أئمتنا في هذا النص، فذهب المحققون إلى مخالفة 1 النص وقطعوا بنفوذ الطلاق؛ من جهة أنَّ الطلاق صدر من أهله في محله، والفسخ إن فُرض ليس ينعكس على ما تقدمه، وإنما يتضمن قطعَ النكاح في الحال، فيستحيل أن يؤثر في الطلاق السابق.
وهؤلاء رأَوْا ما نُقل عن الشافعي نقلاً منه لمذهب غيره، وهذا كثير الوقوع في كلام الشافعي؛ فإنه يخرّج مذهبه بمذهب العلماء، وقد يذب عن مذهب العلماء ذبّه عن مذهب نفسه، وفي كلامه [ـعقيد ـعـ ـنى المهر] 2. هذا هو المسلك الحق.
وذهب بعض أصحابنا إلى الجريان على ظاهر النص، وهذا بعيد، ولكن الذي تمسك [به] 3 الصائر إليه أنَّ الطلاق تصرفٌ من الزوج في ملكه، فلا ينحسم 4 إذا تأكد حق الغير، وهذا كما أنا نرد إعتاق المالك لتأكد حق الغير في ملكه، فالطلاق في
معنى العَتاق.
وإذا ثبت للمرأة حق الفسخ وتأكد، امتنع تصرف الزوج.
وهذا ضعيف، ولكنه أقصى الإمكان.
ولكن ما ذكرناه يجري في فسخ العيب في النكاح حتى لو فرض من الزوج المعيب تطليق زوجته قبل أن تفسخ، ففي نفوذ الطلاق ووقوعه على ما يكون من فسخ أو إجازة ما ذكرناه.
فإن قيل: إذا فَرَّعتم على الوجه الضعيف، فلو عَتَقت الأمة تحت زوجها القن، فوطئها الزوج قبل أن تفسخ، ثم فسخت، فهل [تعطّفون] الفسخ على هذا الوطء 1؟ قلنا: هذا سرفٌ لا يصير إليه محصل، فإنَّ الذي وجهنا به ردَّ الطلاق تشبيهه بالعتق، الذي قد لا ينفذ بحق الغير، وهذا المعنى لا جريان له في الوطء، ولا مساغ له فيه أصلاً.
فرع:
8301 - العبد إذا عتق وتحته أَمَة، فالمذهب أنه لا خيار له، بخلاف الأَمة إذا عتقت تحت زوجها العبد.
وذكر العراقيون هذا ووجهاً بعيداً معه أنَّ الخيار يثبت له كما يثبت لها، وقربوا ذلك من الخيار الذي حكيته في العيوب الطارئة عليها، وإنما هل يثبت للزوج حق الفسخ؟ فهذا بعيد لا اتجاه له، فإنَّ أصلَ البابِ معدولٌ عن القياس، مبنيٌّ على الخبر، وليس الزوج في مقصود الباب في معنى الزوجة.
...
باب أَجَل العِنِّين
8302 - العِنِّين هو الذي يمتنع عليه وقاع امرأته.
وليست العُنَّةُ معنى مأيوسَ الزوال، وليست أيضاًً ثابتة على العموم، فلا يمتنع أن يعِن الرجل عن امرأةٍ، ولا يعِن عن أخرى.
وقيل: العُنةُ في اللسان: اسمٌ للحظيرة التي تحبس فيها الإبل.
ومما أرسلته العرب قولهم في الذي يهرف بكلامٍ لا قبولَ له: إنه "كالمهدِّر في العنة" 1. أي: كالإبل [التي] 2 طال احتباسها، فهي تهدر من طول المقام.
وقيل: "عِنانُ الدابة" سُمِّي بما سمي لأنه يمنعها من ركوبها رأسَها.
فالعنين: العاجزُ عن مواقعة امرأته.
ومبنى الباب على [مكان] 3 العُنة بين العيوب الواقعةِ التي لا دفع لها، ولا رجاء في زوالها، وبين المضارة التي يُفرض وقوعها.
ثم قاعدة الباب تبتني على قسمين من الكلام: أحدهما - أن تدعي المرأة عجز زوجها عن الغِشيان.
والثاني - أن تدعي اقتداره، وتزعم أنه ممتنع من وقاعها مضار بها في الانكفاف عنها.
فلتقع البداية بالقسم الأول، فهو مضمون الباب ومقصوده.
8303 - فإذا رفعت المرأةُ زوجَها إلى مجلس الحكم، وزعمت أنه عاجزٌ عِنِّين، فالزوج لا يخلو؛ إما أن يُقرَّ بالعُنة كما ادعتها، وإمَّا أن يدعي القدرة على الوقاع.
فإن اعترف بالعنة، أو أنكرها، ولكن قامت بيِّنة عادلةٌ على إقراره بالعُنة؛ فلا يثبت للمرأة حقُ الفسخ وإن ثبت الإقرار بالعُنة.
وتبيَّن في مفتتح هذا الكلام أنَّ العنة [لا] 1 تجري مجرى الجَب؛ فإن نفس وقوع الجب يُثبت الخيار، والعنة في ظاهر الحكم قد ثبتت بإقرار الزوج، ولا خيار باتفاق أئمة المذهب، ولكن يضرب القاضي للزوج المدة، وهي سنة، يمهله فيها، ويُبيِّين له: أنك إن أصَبْتَ في المدة المضروبة، انفصلت الخصومةُ وانقطعت الطَّلِبة، وإن لم تُصِبْ، ثبت الخيارُ في فسخ النكاح بعد تَصَرُّمِ المدة.
والحكمة في إمهاله هذه المدة أنَّ العُنة قد تحال على أسباب [يقتضيها] 2 بعض فصول السنة، فإذا جرى هذا المهَل، وتَصَرَّمت الفصول على اختلافِ طبائعِها، تحقق العجزُ إذ ذاك، وكأنّ العُنَّة، وإن جرى الاعتراف [بها] 3 لا يتبيّن تحققها إلا بما ذكرناه.
وهذا احتياط رآه الشرع، وتشوّفٌ إلى إدامة النكاح لتعرض العُنّة للزوال لتغايير تلحق الضعف والمُنَّة، وقد صح أن عمر أجّل العنين سنة 4، وأجمع المسلمون على اتباع قضائه في قاعدة الباب.
وما ذكرناه فيه إذا اعترف الزوج بالعُنة، أو شهدت بيّنة على اعترافه بها.
فإن ادعت المرأةُ العُنةَ، فأنكر الزوج، فشهدت بيِّنة على العنَّة نفسها ولم يتعرضوا لإقراره بها؛ فالبيِّنَةُ مردودة؛ فإنه لا اطلاع للشاهدين على ما شهدوا به، ولو كانوا سمعوا إقراره، فليس لهم أن يشهدوا بالمقرّ به، بل عليهم أن يتعرضوا للإقرار نفسه.
وإذا أقرَّ زيدٌ لعمرو بدار، فليس للذين سمعوا إقراره أن يشهدوا لعمرو -المقر له- بالملك.
فإذاً لا تثبت العنة بشهادة البينة بها على الإطلاق.
8304 - فإذا أنكرَ الزوجُ، حَلَّفَتْهُ الزوجةُ، فإن حلفَ على قدرتهِ على الوقاع، انقطعت عنه الطّلبة وانفصلت الخصومة، وبطَلَ توصلها إلى حق الفسخ، فلا معنى -والحالة هذه- لضرب المدة.
وأمثال هذا وإن كانت جليّة عند فقهاء المذهب، فلا يضر التعرض للتصريح به، فقد يظن ظان أنَّ للسلطان أن يقول: إن كنت صادقاً في ادعاء القدرة، فحققها بوطأة، ولستَ مرهقاً، فالسنة مهلتك ومدتها فسختك؛ فهذا لا سبيل إليه؛ إذ يلزم منه مطالبة القادرين بالوقاع، حتى إن لم يواقعوا في مهلة السنة، طلقت عليهم نساؤهم، أو فسخت الأنكحة عليهم.
وهذا لا سبيل إلى اعتقاده في قاعدة المذهب.
وما ذكرناه فيه إذا أنكر العجز وحلف على القدرة، فإن نكل عن اليمين المعروض عليه؛ فالمذهب الذي عليه التعويل: أنَّ اليمين مردودة على المرأة، ثم هي لا تخلو، إمَّا أن تحلف، وإمَّا أن تنكُل، فإن حلفت، ثبتت العُنة في ظاهر الحكم.
والتحق الترتيب بما إذا اعترف الزوج بالعُنة، والحكم أنَّ السلطان يضرب المدة كما تمهد قبل، وإن نكلت، كان نكولها عن اليمين بمثابة حلف الزوج، وقد بان أنَّ الزوج لو حلف، لانفصلت الخصومة بحلفه.
هذا هو المذهب المشهور.
8305 - قال الشيخ أبو علي: ومن أصحابنا من قال: لا تثبت العُنَّة بحلفها؛ فإنها مخبرة عن عجز [غيرها] 1، وهذا لا اطلاع عليه، فكما لا تثبت العنة بشهادة الغير بها، فكذلك لا تثبت العنة بحلف الزوجة.
وهذا ليس بشيء؛ فإنها قد تطلع بالمخايل الظاهرة على عجزه، وهي صاحبة الواقعة، والأيمان [يُكتَفَى] 2 فيها بأمثال ذلك، فإذا جرت نِيط بها حكمها، والدليل
على ما ذكرناه أنَّ الزوجَ إذا ذكر لفظةً من كنايات الطلاق، وزعم أنه لم ينوِ؛ فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل عن اليمين المعروضة عليه، رددنا اليمينَ على المرأة، واطلاعُها على قصده الطلاق أبعدُ عن اطلاعها على عجزه.
والمعتمد في الموضعين المخايل وقرائن الأحوال.
ثم من يحكم بأنَّ اليمين لا تردّ على المرأة، فلا معنى عند هذا القائل لتحليف الزوج؛ فإنَّ الغاية المتوقعة أن ينكُل، والقضاء عليه بالنكول لا وجه له، والتحليف لا يُفضي إلى رد اليمين، فلا معنى لفرضها أول مرة.
والوجه أن نقول: لا سبيل إلى ضرب المدة ما لم [يُقر] 1 الزوج بالعجز، أو يثبت اعترافُه بالبيّنة، وهذا يكاد يقرب من الخُرْق والهجوم على إفساد حكمه؛ فإنَّ الزوجَ إذا عَنَّ وقلنا: إنه لا يحلف، فلا يعجز عن الصمت والسكوت إذا راجعه القاضي، فإذا كان أصل المرافعة ثابتاً كما ذكرناه، وليس فيه حملٌ على يمين، فلا ثمرة للمرافعة، ولا فائدة للمحاكمة.
وللأصحاب في بعض المسائل تشوف إلى القضاء بالنكول، وقد قدمنا صوراً منها في كتاب الزكاة، وسنذكر أمثالها في مواضعها، إن شاء الله تعالى.
فلا يمتنع على الوجه البعيد أن نقول: نكول الزوج يغلّب على الظن عُنَّته، فنجعل ضرب المدة فسخته، وهذا كلام متناسب، فإن عجزه يظهر بامتناعه عن الوقاع في المدة فعلاً، فلا يبعد أن يستند ابتداء الضرب إلى امتناعه عن اليمين، وكل ذلك خبط.
والوجه: القطع برد اليمين على المرأة، كما صار إليه أئمة المذهب.
والوجه الضعيف لم يأت به الشيخ أبو علي تخريجاً، وإنما نقله عن أبي إسحاق المروزي، وهو -كما ذكرناه- بالغٌ في الضعف.
8306 - فإذا تمهَّدَ محلُّ ضربِ المدة، وانفتح على الناظر تصورُ مسائلِ الباب؛ فإنَّا نقول بعد ذلك: مُدَّةُ العنةِ لا تختلف بالرق والحرية؛ فإن كان الزوج عبداً، فالمدة
سنة، كما إذا كان حُرَّاً؛ إذ الغرض من ذلك امتحان الطبيعة، واستبانة عجزها وقدرتها.
وما يرجع إلى الطباعِ ولا يتعلق بالتعبد، يستوي فيه العبد والحر، قياساً على مدة الإيلاء، وعلى الحولين في سنِّ الإرضاع، لمن أراد أن يُتم الرضاعة.
وفيما ذكرناه احتراز عن [العدة] 1 بالأقراء؛ فإن الغالب عليها التعبد، كما سنبين، إن شاء الله عز وجل.
8307 - ومما يجب التصريح به أن المرأة إذا رفعت زوجها إلى مجلس الحكم وانتهى الأمرُ إلى أوان ضرب المدة؛ فالقاضي لا يضربها ما لم تلتمس المرأةُ ضربَها.
فلو أنها -لما ثبتت العنة- انكفت عن الطَّلِبة وسكتت، فالقاضي قد يحمل سكوتَها على الدهشةِ والبرق 2 وعدمِ الإحاطة بإجراء الكلامِ في الطلبات وإجراء الخصومات، فينبهها على ما لها وعليها، فإن سكتت على ما ذكرناه، لم يبتدىء ضربَ المدة.
وهذا لا خفاء به.
وكذلك لا يعرض القاضي اليمين على الخصم ما لم يطلبه المدعي.
ولو كانت لا تدري حكم الواقعة، فلا يحسن استدعاء ضرب المدة، ولكنها [إن] 3 كانت مصرّة على طلب حقها على موجب الشرع، فالقاضي يضرب المدة، ويبيّن أن هذا هو المسلك المرضيّ إلى دفع الضرار بوقوع الوقاع [أو] 4 قطع النكاح، وليست هذه المدة كمدة المُولي؛ فإنَّ مستندها إيلاء الزوج، وهو مقطوع به، لا مساغ للاجتهاد به.
وكذلك الأجل المرعي في ضرب العقل على العاقلة، لا حاجة فيه إلى قضاء وضرب مدة؛ فإنه مستند إلى القتل الواقع حساً.
8308 - ثم إن انقضت المدة، فإن كان أصابها في السنة، فقد وفّاها حقَّها، وزال الضرار، واستمر النكاح، وإن لم يصبها، فيثبت حقُ الفسخ.
ثم لم يختلف أصحابنا في أنها لو انفردت بالفسخ بعد انقضاء المدة، ولم ترفع أمرها إلى مجلس الحكم، لم يُحكم بنفوذ فسخِها، بل لَغَا قولُها؛ والسبب فيه أنَّ مدار الباب على الدعوى والإقرار والإنكار، والنظر والاجتهاد، فلا تملك الاستبداد أصلاً.
وإن رفعت الأمر إلى مجلس الحكم، وتبيّن بإقرار الزوج أنه لم يصب في المدة المضروبة، فقد حان الفسخ.
وظهر اختلاف الأئمة في [أنه] 1 هل يفسخ بنفسه؟
وإنْ فوّض إليها، كانت مأمورة مستنابة في تنفيذ الفسخ المفوّض إلى الحاكم.
ومن أئمتنا من قال: إذا انتهى الأمر إلى الموقف الذي ذكرناه، ترتب عليه ثبوت الفسخ على الاستقلال، وتلتحق العُنَّة حينئذ بالجَبِّ، ثم لها الفسخ بالجبِّ على الانفراد، كذلك هاهنا؛ فإن حكمنا بأنها تنفرد، فهل يكفي أن يقول الزوج بعد المدة: لم أطاها في المدة، أم لا تتسلط المرأة ما لم يقل القاضي: ثبت لكِ حقُّ الفسخِ فتخيَّري؟
[من] 2 أصحابنا من قال: لا بد من تصريح القاضي بما ذكرناه، وبعده تملك المرأة الانفراد بالفسخ، كما لا بد بعد قيام البيّنة في الخصومات وتعديلها من أن يقول القاضي: ثبت الحق عندي؛ فإنَّ المجتهدات في مفاصل الخصومات لا تنفصل ما لم يُخبِر القاضي عن انتهاء نظره فيها نهايته.
ومن أصحابنا من قال: لا حاجة إلى ذلك في هذا المقام أصلاً؛ فإنَّ القاضي لا مجالَ لاجتهاده إذا اعترف الزوج بأنه لم يطأ في السنة، وقد مضت على كمالها.
نعم، إن ادعى جريان الوطء، فيحلف حينئذ وتُدرَأ الخصومات: فإن حلف، فلا فسخ، وإن نكل، رُدّت اليمين على المرأة، فإن حلفت، عاد الكلام إلى ما إذا أقَرَّ الزوج بعدم الوطء، وفيه الخلاف الذي حكيناه.