نهاية المطلب في دراية المذهبصفحات 127-166
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 127-166
عن هذه الطبعة
عَلَم
الجويني، أبو المعالي
الكتاب
نهاية المطلب في دراية المذهب
المؤلف
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
الناشر
دار المنهاج
الطبعة
الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فيه أن يقال: ما لمستُ فلانة، بل لمستُ شعرها، وإن الشعر لا يجرد القصد إلى لمسه، وإن انتحاه مغتلم، فهو كمجاذبة الخمار، وأطراف الثياب.
155 - ولو اتفق التقاء البشرتين بين الرجل والمرأة من غير قصدٍ، فالذي قطع به الجمهور أنه ينتقض الوضوء؛ فإن اللمس حدثٌ، ولا يُعتبر في الأحداث القصدُ، وذكر صاحب التقريب فيه خلافاً، تَلقَّاه من لمس الصغيرة والمحارم؛ فإنّهنّ لا يقصدن باللمس.
كذلك لا يقع اللمس قصداً في أصله في هذه الصورة، وهذا بعيد جدّاً من مذهب الشافعي، وهو مذهب مالكٍ 1، ثم لم يتأنّق في توجيه الخلاف المحكيّ، ويمكن أن يتكلّف في إدراجه تحت التردّد المذكور في الظاهر؛ فإن ذكر الملامسة إشعارٌ بقصد التلذذ على الجملة، وقد يظنّ الظانّ خروج ما يقع وفاقاً من هذا.
فلينظر الناظر كيف مهدنا أصل المذهب أخذاً من الظاهر، ثم ذكرنا تردداً في معناه، وخرّجنا عليه المسائل المختلفة، مع توقي مسالك القياس.
156 - ولمس المرأة بعد موتها كلمس الصغيرة، ومأخذ الكلامِ ما مضى.
وإذا تلامس الرجل والمرأة، انتقض وضوؤهما جميعاًً؛ لوجود الفعل من كل واحد منهما.
157 - القسم الرابع: مسّ الفرج.
فنقول: من مسّ ذكره ببطن كفه، انتقض وضوؤه، ومعتمد المذهب في المسألة الحديث، وقد صحّ من طريق بُسرة 2 بنت صفوان أن النبي عليه السلام قال: " من مس ذكره، فليتوضأ " 3. ثم الكلام متعلقٌ بما يُمس، وبالعضو الذي يقع به المسُّ،

ولكل واحدٍ مأخذٌ، يتعين الاعتناء به.
فأمّا ما يُمس، فالحديث في مسّ الذكر، ولكن الشافعي في الجديد رام أن يُلحق بالذكر السوأةَ الأخرىَ، من حيث رآها في معنى المنصوص عليه، كما ألحق الأَمة بالعبد في سياقٍ قوله عليه السلام: " من أعتق شِركاً له في عبدٍ، قُوِّم عليه " 1. ونحن نسوق الترتيبَ في ذلك، فيبين المقطوعُ به، وما يتطرق إليه أدنى تردّد، مع المصير إلى حسم القياس، فالخبر وارد في مس الرجل ذكره، فلم يَسترب الشافعي قديماً وجديداً في أن من مسّ ذكَر غيرِه توضّأ؛ فإن الإنسان لا يمتنع عليه أن يمس ذلك من نفسه، ثم اقتضى ذلك نقض وضوئه، فكان ذلك تنبيهاً لا شك فيه على انتقاض الوضوء بمس ذكَرِ الغير.
ومسُّ القبل من المرأة ناقضٌ للوضوء؛ فإنه في معنى المذكور، ومن شبب بخلاف فيه، فقد أبعد.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " إذا مست المرأة قبلَها توضأت " 2 ثم المعنيُّ بقبل المرأة في حكم المس ملتقى الشفرين على المنفذ نفسه.
وأمّا مس حلقة الدبر -يعني ملتقى المنفذكما مضى- فهذا أبعد قليلاً من قبل المرأة، فقال في الجديد: إنه ناقض، وقال في القديم: إنه لا ينقض.
= وصحيح أبي داود: ح 166، الترمدي: أبواب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح 82، وصحيح الترمدي: ح 71، النسائي: الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، ح 163، وصحيح النسائي: 157، 158، ابن ماجه: الطهارة، باب الوضوء من مسّ الذكر، ح 479، وصحيح ابن ماجه: ح 388، وصححه الأرناؤوط في ابن حبّان: ح 1112، وانظر ابن خزيمة: باب 25 ح 33، والمستدرك: 1/ 137، ومنتقى ابن الجارود: ح 16، 17).

158 - فأمّا فرج البهيمة فبعيدٌ جدّاً، فلا جرم نص في الجديد على أنه لا يتعلق بمسّه نقض الوضوء، وحكى يونس بنُ عبد الأعلى 1 قولاً عن الشافعي: أنه يتعلق به النقض، كما يتعلق بالإيلاج فيه وجوب الغُسل، فلنفهم هذا التدريج في عقد المذهب.
ثم نستوعب أطراف الكلام في هذا القسم، فنقول: 159 - من مسّ فرج غيره، انتقض وضوؤه سواء كان الممسوس منه صغيراً أو كبيراً، أو حيّاً أو ميتاً.
وكان شيخي يقول: لما قطع الأئمة بانتقاض الوضوء بمس فرج الصغير، وإن كان ابنَ يومهِ، فهمت منه تحريم النظر إليه من غير حاجةٍ، ورأيت أن أحمل ما روي عن النبي عليه السلام: " أنه كان يُقبّل زبيبة الحسن والحسين " 2 على جريان ذلك وراء ثوبٍ، وقد رأيت في كلام الأصحاب ما يشير إلى التساهل في المسّ، والنظر إلى فرج الصغير الذي لم يبلغ مبلغ التمييز، مع القطع بانتقاض الوضوءِ بالمس.
وقد ذكر الشيخ أبو علي 3 في شرح التلخيص أن من جبّ ذكره، فموضع القطع من

ذكره إذا مُس، يتعلق به النقض.
وإن استؤصل، ولم يبق منه شيء شاخصٌ، فيتعلق النقض بموضع الإبانة من جِرم الذكر، وإن اكتسى ذلك الموضع بالجلد وضاهى ما حوله، ولا يختصّ النقض بمسّ [الثقبة] 1، بخلاف مس القبل والدبر.
فأمّا مس الخصية والعِجَان 2، وما ليس بفرج، فلا شك أنه لا يتعلق النقض بمس شيءٍ منه.
ولو مس ذكراً مباناً، ففيه وجهان مشهوران: أحدهما - أنه ينتقض الوضوء؛ لانطلاق الاسم على الممسوس، والثاني - لا ينتقض؛ لأنه ساقط الحرمة، وقد فهم ذوو البصائر مما ذكره النبي عليه السلام مسَّ فرج محترم.
ولو انبتَّت يد امرأةٍ، فلَمسَها رجل، فالمذهبُ القطع بأن الطهارة لا تنتقض؛ فإن الظاهر المرجوع إليه في الملامسة قولهُ تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وهذا يقتضي أن يكون الملموس امرأةً، وهذا الاسم لا يتناول العضو الفردَ، والمسّ في لفظ الشرع مُعلّق بالذكر نفسه، وهذا الاسم يتناول المتّصلَ والمُبَان.
فرع: 160 - إذا قلنا: لا ينتقض الوضوء بمس فرج البهيمة، فلو أولج الرجل يده في فرج بهيمةٍ، فقد ذكر الأصحاب فيه وجهين، وإنما نشأ هذا التردد من شيء، وهو أن الغسل يجب على المولَج فيه، فباطن الفرج لو لاقاه ذكرٌ، تعلق به الغسل، فإذا لاقاه كفٌ، أمكن أن يتردّد فيه، والظاهر أنه لا ينتقض الوضوء.
فهذا منتهى القول فيما يتعلّق بمسّه النقض.
161 - فأما العضو الذي يقع به المس، فبطن الكفّ، وبطون الأصابع، ومأخذ المذهب ما نورده.
فأمّا شيخي، فكان يروي عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: " إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، لا حائل بينهما، فليتوضأ وضوءه للصلاة " 3 فإن

صحّت هذه الرواية، فالإفضاء باليد قد يظهر منه التعاطي بالكفّ.
وأما أنا فأقول: يمكن أخذ هذا من مطلق قوله عليه السلام: " من مس ذكره فليتوضّأ " فإن أعضاء الإنسان في تصرفاته وتاراته تتماسّ وتتلاقى، فإذا قال القائل: مس فلانٌ عضواً من نفسه، لم يعن به التماسّ الذي يقع، وإنما يعني به اعتمادَ الممسوس بالعضو الذي أعدّه الله تعالى للّمس والحس 1، وإنما يقع ذلك ببطن الكفّ والأصابع، وهذا حسنٌ لطيف.
لو وقع المسّ بظهر الكف، لم يتعلق به النقض، خلافاً لأحمدَ بنِ حنبل 2، فإنه يسوّي بين ظهر الكف وبطنه.
واختلف أئمّتنا في المسّ برؤوس الأصابع، فألحقها ملحقون ببطون الأصابع، وما ينحدر عن رؤوسها؛ فإن هذه الأجزاء متواصلة متضاهية في الصفة؛ إذ بشرة الكف من حيث أعدها الله تعالى لمسّ الممسوسات على صفةٍ من الاعتدال، تخالف بها سائرَ البشرة، في جملة الأعضاء، ورؤوس الأصابع منها بمثابة بطون الأصابع.
والظاهر أن الوضوء لا ينتقض؛ فإن اللمسَ المعتاد يقع بالراحة، وبطون الأصابع، وقد ذكرنا في مأخذ هذا الفصل تنزيلَ الأمر على الاعتياد فيه.
وأما المسّ بما بين الأصابع، فقد نص 3 الشافعي على أنه لا ينقض الوضوء، وقطع به، وهو لعمري أبعد من رؤوس الأصابع، وقد ذكر بعض أصحابنا فيما بين الأصابع خلافاً، وهو بعيد جدّاً.
فرع: 162 - قد ذكرنا قولين في انتقاض وضوء الملموس في القسم الثالث.
فأما الممسوس فرجُه والماسّ غيرُه 4، فلا ينتقض وضوؤه، ومن أشار إلى خلافٍ فيه، = في الأم.
(ر.
التلخيص: 1/ 125، 126 ح 166، ابن حبان: 3/ 401 ح 1118، الأم: 1/ 16، السنن الكبرى: 1/ 131).

فغالط؛ فإنّ نقض الوضوء في المس 1 يتعلق بهتك الحرمة، [لا بما] 2 يقصد به التلذذ، والملامسة الناقضة للوضوءِ موضوعها التلذذ، وإن كنّا لا نشترط وقوع ذلك؛ فهي مضاهية للوقاع الذي يستوي فيه المواقع، ومن هو محل الوقاع.
فصل 163 - الخنثى ذكر أم أُنثى؟ فإن كان يبول بفرج الرجال، فهو رجل، والآخر ثقب زائد عليه، وإن كان يبول بفرج النساء، فهو امرأة في جميع الأحكام، والآخر سِلعة نابتة، وإن كان يبول بهما جميعاًً، فقد تعذّر التمسكُ بهذا، و [لا] 3 ينظر إلى القِلّة والكثرة، إذا كان يبول بهما؛ فإن ذلك لا يُضبط، فإن أمنى بفرج الرجال في أوان البلوغ، ولم يَحِض بفرج النساء، فهو رجل، وإن حاض، ولم يمن، فهو امرأة، وإن حاض وأمنَى، فقد عسر التعلق بهذا أيضاًً.
واختلف أئمتنا في نبات اللحية، ونهود الثدي.
فكان 4 شيخي لا يرى التعلق بهما، ويقول: قد تنبت للمرأة لحية، وقد تكون المرأة [ضَهيأ] 5 لا ثدي لها.
وذهب بعض الأئمة إلى التعلق بما ذكرناه؛ فإن الغرض التمسك بما يورثُ غلبة الظن، وما قدمناه من المثال، وإن كان ظاهراً، فليس مقطوعاًً به؛ إذ لو كان مقطوعاً به، لاستحال فرض التعارض فيه، ومن اعتبر بنبات اللحية، ونهود الثدي، لا يعوّل على عدم نهود الثديين، ولا يحكم بأن عدم النهود يدل على أنه رجل، ولا يعارض نباتُ اللحية، ونهودُ الثدي شيئاً من العلامات التي اتفق الأصحاب عليها.

وأما ما ذكره بعض الناس مق النظر في أعداد الأضلاع، فذلك شيءٌ لم أفهمه، ولست أرى فرقاً فيها بين النساء والرجال.
وكان شيخي يتردد فيه إذا كان يبول بفرج الرجال، ويحيض بفرج النساء، ويميل إلى التعلق [بالمبال] 1، والوجه عندي القطع بتعارض الأمر في ذلك.
64 - فإذا اعتاصت 2 العلامات، رجعنا إليه عند بلوغه، فإن ذَكر أنه يميل إلى الرّجال ميلَ النساء إلى الرجال، فهو امرأةٌ، وإن ذكر نقيضَ ذلك، فهو رجل.
وإذا أخبر عن نفسه بأنه رجل أو امرأة، أجرينا عليه موجَب قوله؛ فإن ابن العَشْر لو ذكر أنه قد بلغ، صدقناه فيما له وعليه، فإن الإنسان أعرف بما جُبِلَ 3 عليه، ولو ذكر أنه رجل، ثم رجع عن ذلك، لم يقبل رجوعه فيما عليه، وأجري عليه حكم قوله الأول، إلا أن يجري ما يكذبه في قوله الأوّل، مثل أن يذكر أولاً [أنه] 4 رجل، ثم يلد، فنعلم قطعاًً أنه امرأةٌ.
فإن زعم أنه لا يميل إلى الجنسين، أو يميل إليهما، فهو المشكل، ويتعلق به أمرُ المس.
فإذا كان مشكلاً ومس ذكره، لم ينتقض وضوؤه، لجواز أن يكون امرأةً، وإن مس ما هو على صورة فرج النساء، لم ينتقض أيضاً، لجواز أن يكون رجلاً.
والضابط في ذلك أنا نتعلق بيقين الطهارة، فلا نحكم بانتقاضها إلا بيقين، وهذا الأصل متفق عليه.
وفيه غائلةٌ سأنبّه عليها إن شاء الله تعالى.
ولو مسّ رجل ذكرَ خنثى، انتقض وضوؤه؛ فإنه إن كان رجلاً، فقد مس الرجل ذكراً، وإن [كان] 5 امرأةً، فقد [لمس] 6 امرأة.

وإن مس الرجل فرج النساء، لم ينتقض وضوؤه، لجواز أن يكون رجلاً، وهذا ثقبٌ زائد عليه.
والمرأة لو مت منه فرج النساء، بطل وضوؤها؛ فإنها بين أن تكون ماسَّة فرج امرأةٍ، أو لامسةً رجلاً، ولو مسَّتْ ذكره، لم ينتقض وضوؤها، لجواز أن تكون امرأةً، والممسوس عضو زائد عليها.
والمتبع في التفاريع استصحاب الطهارة، إلى استيقان الانتقاض.
والخنثى إذا مسّ من نفسه أحدهما، لم يبطل وضوؤه، ويبطل إن مسّهماً جميعاًً.
وإذا كان الماسُّ غيره، فكل من مَسّ منه ما هو له 1، انتقض وضوؤه، ومن مس ما ليس له، لم ينتقض وضوؤه، كما سبق.
165 - ولو مسّ خنثى ذكر خنثى، أو فرجه الآخر، لم ينتقض وضوؤه، ولا يستيقن انتقاض وضوئه ما لم يمسهما جميعاً.
وإن مس أحد الخنثيين ذكرَ صاحبه، ومس الممسوس ذكره الفرجَ الآخر من الماسّ، فنعلم أن طهارةَ أحدهما في علم الله تعالى قد طراً عليها حدث؛ فإنهما لو كانا امرأتين، فقد مس أحدهما فرج امرأة، وإن كانا رجلين، فقد مس أحدهما ذكراً، وإن كان أحدهما ذكراً، والآخر أنثى، فقد تلامسا، ولكن لا نحكم ببطلان طهارة واحد منهما؛ فإن كلّ 2 واحدٍ منهما لو انفرد بما صدر منه من مس أحد الفرجين، لما قُضي بانتقاض وضوئه، فصدور فعلٍ من غيره لا يغير فعلَه في نفسه.
وهذا بمثابة ما إذا قال رجل، وقد طار طائِرٌ: إن كان هذا غراباً، فامرأتي طالقٌ، وقال آخر: إن لم يكن غراباً، فامرأتي طالق.
فلا يُحكم بوقوع طلاق واحد

منهما إذا التبس الأمر، وإن 1 كنا نعلم أن الطائر كان توضأً أو لم يكن غراباً، ولكن لو انفرد أحدهما بقوله، لكان الجواب كما ذكرنا، فصدور قولٍ من غيره لا يغيّر حكمه.
فرع: 166 - لو توضأ المشكل، ومس ذكره، وصلى صلاةَ الصبح، ثم توضأ، ومس بعده الفرج الآخر، وصلى صلاة الظهر، فنعلم أن إحدى الصلاتين وقعت بعد حدث، ولكن جرى وضوءَان، كما ترى، فقد ذكر بعض المصنفين وجهين في ذلك: أحدهما - إن إحدى الصلاتين باطلة، لا بعينها، فيجب قضاءُ الصلاتين جميعاً.
والثاني - لا يجب قضاءُ واحدةٍ منهما؛ فإن كل صلاة تختص بوضوءٍ، والأصل أنه لم يبطل، وتعدّد الواقعتين كتعدد الشخصية.
وهذه الصورة تناظر عندي ما إذا صلّى رجل صلواتٍ باجتهاداتٍ إلى جهات، ولم يتعين له خطأٌ ولا صوابٌ، فالمذهب أنه لا يقضي واحدة منها.
فإن قيل: إنما كان كذلك لأن كل صلاةٍ مستندة إلى اجتهادٍ، ولا مجال للاجتهاد في الأحداث.
قلنا: بناء الأمر على استصحاب يقين الوضوء متعينٌ في الاجتهاد، ومناطٌ لحكم الله تعالى عند انحسام مسالك الأمارات.
فرع: 167 - خروج الخارج من إحدى سبيلي الخنثى المشكل بمثابة خروج النجاسة من سبيل ينفتح أسفل من المعدة، وقد مضى ذلك مفصّلاً، وإن خرج من السبيلين جميعاً، فلا شك في انتقاض الوضوء؛ فإن أحدهما فرجٌ، لا شك فيه.
فصل 168 - الأحداث على مذهب عامّة العلماء أربعة.
وإنما الخلاف في تعيين بعضها، [وإقامة بعضها] 2 مقام بعضٍ، فأما خروج الخارج من السبيلين، والغلبة على

العقل، فقد اتفق العلماء عليهما في الأصل.
ورأى الشافعي الملامسةَ ومّس الفرج حدثين، وأنكرهما 1 أبو حنيفة.
وأثبت بدلهما خروجَ الخارج من غير السبيل المعتاد 2، والقهقهة في الصلاة 3، ونفاهما الشافعي.
وأكْلُ لحمِ الجزور مما ورد الأمر فيه بالوضوء، والمنصوص عليه 4 للشافعي في الجديد أنه لا يوجب الوضوءَ، ومذهب أحمد بن حنبل 5 أنه يوجب الوضوء، وقيل: هو قول قديم للشافعي، وإنما صار إليه لما رُوي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنتوضأ من لحم الجزور؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم " 6. وأمّا أكل ما مسّته النار من مشويٍّ ومطبوخ، فقد رُوي عن النبي عليه السلام، أنه قال: " توضؤوا ممّا مسته النار، ولو من ثَوْرِ أَقِط " 7.

ثم رأى الشافعي أن ذلك منسوخ؛ لما روي "أنه عليه السلام في أواخر عمره أكل كتف شاةٍ مشوية، ثم صلّى، ولم يتوضأ" 1، واختلف الأئمة في أن الوضوء المأمور به أولاً كان وضوء الصلاة، أو غسل اليدين، فقال بعضهم: كان [يجب] 2 وضوء الصلاة، وقال بعضهم: الوضوء المأمور به في ابتداء الأمر غسل اليدين، قال النبي عليه السلام: " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم " 3 أراد غسل اليدين.
فصل 169 - قال الأئمة: من استيقن الوضوء، وشك في الحدث، فله الأخذ بالطهارة استصحاباً لها، واليقين السابق مستصحب، غير متروك بشك الحدث، ولو تيقّن الحدثَ، وشك في الوضوءِ بعده، فهو محدث تمسّكاً باليقين، واستدل الشافعي على تمهيد ما ذكرناه بما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "إن الشيطان ليأتي أحدَكم وهو في الصلاة، وينفخ بين إليتيهِ، ويقول: أحدثتَ أحدثت، فلا ينصرفنّ حتى يسمعَ صوتاً، أو يجد ريحاً" 4.

وقد اتفق الأصحاب على أن من تيقن سبقَ الوضوء، وغلب على ظنّه الحدث، فله الأخذ بالوضوء.
وقد ذكرنا قولين للشافعي في أن ما يغلب على الظن نجاسته هل نحكم بنجاسته؟ ومن الأسئلة التي ينبغي أن يُعتنَى بها الاستفراق 1 بين غلبة الظن في الحدث، وبينها في النجاسة.
والذي كان يذكره شيخي أن الاجتهاد يتطرق إلى تمييز الطاهر من النجس، وسبب ذلك أن للطهارة والنجاسة أماراتٍ، وهي مستند الاجتهاد، وليس للحدث والطهر علاماتٌ يتعلّق بها المجتهد.
وفي هذا عندي فضل مباحثةٍ، فأقول: أصل الشافعي في تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفات معلوم، سيأتي شرحنا عليه إن شاء الله تعالى، وهذا اجتهاد.
وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمني صفاتٍ، وفائدةُ ذكرها التمسك بها، فإطلاق القول بأن الاجتهاد لا يتطرق إلى الأحداث غيرُ سديد.
ثم موضع القولين في النجاسة ليس فيما يظهر فيه علامة النجاسة من لون، أو ريح، أو طعم، ولكن إذا جرت أحوالٌ يغلب على القلب النجاسةُ فيها، فالقولان يجريان، وإن لم يظهر للحس علامةٌ في النجاسة 2، وهذا كالقولين في المقابر = فذكره بغير إِسناد، دون قوله: أحدثت أحدثت، وكذا ذكره المزني عن الشافعي، وهو في الصحيحين.
ا. هـ كلام الحافظ في التلخيص.
والمتفق عليه من الحديث هو عدم الأخذ بالشك، وإِجراء الحكم على يقين بصوت أو ريح.
(ر.
تلخيص الحبير: 1/ 128 ح 171، وأيضاً ح 157، البخاري: كتاب الوضوء، باب: لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، 1/ 285 ح 137، ومسلم، كتاب الحيض، باب، الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث، فله أن يصلي بطهارته تلك، ح 361، 362، وإِرواء الغليل: 1/ 153 ح 19، وصحيح أبي داود للألباني: ح 162، 163، وصحيح الترمذي ح 64، 65).

العتيقة، وثيابُ من يخامر النجاسات من الكفّار، ومن لا يتقي النجاساتِ من المسلمين، وقد تُفرض أحوال تغلِّب على الظنّ وقوع الأحداث فيها، ولا يَطّرد القولان فيها، فيما ذكره الأئمة.
ولعل السبب فيه أن الأحوال التي يغلب ظن النجاسة فيها كثيرةٌ جدّاً، وهي قليلةٌ في [الأحداث] 1، فلا مبالاة بما يندر منها، والتمسك باستصحاب اليقين أقوى، وإذا لم يكن بالإنسان علّة، ففرضُ حالةٍ يغلبُ فيها وقوع الحدث عسير، ومن طلب تصوير ذلك كان متكلفاً.
واستصحاب ما يثبت يقيناً أقوى، فيؤول حاصل القول فيه إلى أن الأحوال [المغلِّبة] 2 على الظنون غالبةٌ في النجاسة، فاختلف القول في أنها أولى بالاعتبار، أو استصحاب الحال.
وأما في الحدث، فلا يغلب فيه حالة تغلّب على الظنّ وقوعَ الحدث، فاتجه القول في الاستمساك باليقين واستصحابه.
فهذا منتهى فكري الآن.
فإن تطلّع فَطِن لمزيد معنى في الفرق بين البابين، كنت أنا المنبّه عليه.
170 - ثم ذكر صاحب التلخيص: أن اليقين لا يُترك بالظنّ إل في مسائل 3 عدّها.
ونحن نذكر المستفادَ منها، ونضرب عن التي لا تشكل: [فمّما] 4 استثناه؛ أن الناس إذا شكّوا في انقضاءِ الوقت يومَ الجمعة، لم يُصلّوا الجمعة، ولم يستصحبوا اليقين بناءً عليه.
= الأحداث، والنجاسات، حيث لا يستصحب يقين الطهارة في النجاسات عند عدم ظهور العلامات الحسية، وسيظهر ذلك من شرح المسألة في السطور الآتية.

وكذلك الماسح على الخُفّ إذا شك في انقضاء المدة، لم يمسح بناء على أن الأصل بقاء المدة.
فيقال: الأصل في كل يومِ وجوبُ الظهر أربع ركعاتٍ، ثم ثبتت صلاة الجمعة بشرائط، وهي طارئة على الأصل، فإذا فرض تردّد وشكٌّ في الجمعة 1، رددنا الشاك إلى أصل صلاة الظهر، وكان ذلك استصحاب لأصلٍ سابق على فريضة الجمعة، وكذلك الأصل غسل القدمين، والمسح رخصة طارئة، منوطة بشرائط، فإذا فرض الشك في بعضها، تعين الرد إلى أصل غسل القدم.
والتحقيق فيه أنا لا نشترط غالبَ ظنّ في الفنّ الذي استثناه، بل الشك بمجرده يمنع إقامة الجمعة، والمسح على الخفّ، وهو في التحقيق تمسك باستصحاب [الأصل] 2 عند الشك في شرط ما طرأ على الأصل.
ومما ذكره أن المسافر إذا انتهى إلى موضع، وشك أن ذلك الموضع موطنه، ومنتهى سفره أم لا؟ قال: إنه لا يقصر، ولا يترخصّ برخص المسافرين، وهذا منتظم على القياس المقدَّم؛ فإن الأصل إتمامُ الصلاة، وإقامة الصلاة في وقتها، والرّخص طارىء مشروط بشرطٍ، فإذا فرض التشكك فيه، رُدّ المكلَّف إلى الأصل.
قال: وكذلك 3 لو شك، فلم يدر أنوى الإقامة أم لا، لم يترخَّص ما لم

[يبتدىء] 1 سفراً على الوصف المعروف فيه.
171 - وذكر الشيخ أبو علي في المسألتين الأخيرتين خلافاًً عن بعض الأصحاب، ولم يحك فيما تقدّم من الجمعة والتشكك في انقضاءِ مدّة المسح خلافاًً.
ولعلَّ الفرق في ذلك، أن انقضاء وقت الجمعة والمسح، ليس مما يتعلق باختيار.
فإذا فرض الشك فيه، لاح تعيين الردّ إلى الأصل.
والانتهاءُ إلى دار الإقامة والعزمُ عليها متعلِّق بفعل الشاك، ومنه يُتلقى معرفته، فإذا جهله من نفسه، فقد يخطر أنه بمثابة ما لو لم يقع ذلك المعنى أصلاً.
على أن الوجه ما ذكره صاحب التلخيص.
فرع: 172 - قال صاحب التلخيص: إذا استيقن الرجل أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث، ولم يدر أن الوضوء هو السابق، أم الحدث، فيقال له: قدّم وهمك على [مبتدإ] 2 هذا الزمان، فإن انتهيتَ إلى حدث، فأنت الآن متطهر، وإن انتهيت بوهمك إلى طُهر، فأنت الآن محدِثٌ.
وتعليل ما ذكره، أنه إذا انتهى إلى حدثٍ، فقد تيقن أنه رفعَ الحدث الذي انتهى إليه، وشك في أن ذلك الوضوء الرافع للحدث الأول هل نقضه حدثٌ أم لا، فالأصل بقاء الطهارة.
وإن انتهى إلى طهر، فقد تيقَّن أنه نقضه حدث، وشك في أن ذلك الحدث هل رفعه طهر أم لا.
وذكر الصيدلاني عن بعض الأصحاب أنه يقدم وهمَه كما ذكرنا، ويُضرب عن تعارض الطهر للحدث بعد طلوع الشمس مثلاً، فلا يستمسك بهما، ولكن إن انتهى، إلى حدثٍ، فهو محدث، وإن انتهى إلى وضوءٍ، فهو متطهِّر.
وهذا غير صحيح.
والصواب ما ذكره صاحب التلخيص.
والله أعلم.
...

باب ما يوجب الغسل

173 - الأغسال الواجبة أربعة: غسل الجنابة، وغسل الحيض والنفاس، وغسل الولادة، وغسل الميّت.
فأما الجنابة، فلها سببان: أحدهما - تغييب الحشفة في فرجٍ، أيّ فرجٍ كان، من الآدمي والبهيمة، ولا يتوقف وجوب الغسل على الإنزال، وفيه أخبار ليس يليق بهذا المجموع ذكرها، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " إذا التقى الختانان، وجب الغسل، فعلتُه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا " 1 والذي عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة، فإن مدخل الذكر في أسفل الفرج، وموضع حديدة 2 الخافضة في أعلى فرج المرأة، فإذا غابت الحشفة حاذى موضع ختان الرجل، موضع ختان المرأة، فذاك المعنيُّ بالتقاء الختانين.
قال الشافعي: يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا، وإن لم يتضامّا 3. ولو كان الرجل مقطوعَ الحشفة، فأولج مقدار الحشفة التي كانت من بقيّة ذكره، وجب الغُسل على المولج، ويتعلق به ما يتعلق بتغييب الحشفة نفسها.
والإيلاج في فرج الميّت يوجب الغسلَ على المولج، وهل يجب تجديد غسل

الميّت؟ ذكر بعض المصنفين وجهين فيه، والظاهر عندي أنه لا يجب؛ فإن التكليف ساقط، والغسل الواجب فيه ما يقتضيه الموت تنظيفاً وتعظيماً.
وكان شيخي يقول: إن أولج بهيمةٌ في فرجٍ، فينبغي أن يجب الغسل على المولَج فيه، اعتباراً بالإيلاج في فرج البهيمة، وهذا فيه نظر عندي من جهة أنه لا يفرض إلا في غاية النُدور.
ثم في القدر المولَج واعتباره بالحشفة، كلام موكول إلى فكر الفقيه.
فهذا أحد سببي الجنابة.
174 - فأما الثاني - فنزول المنيّ، وهو في اعتدال الحال أبيضُ، ثخين، دافق، ذو دفعات، يخرج بشهوةٍ، ويُعقب خروجُه فتوراً، ورائحته رائحة الطلع، ويقرب من رائحة الطلع رائحة العجين.
[وقد] 1 تزول بعض هذه الصفات باعتراض إعلالٍ، فيرقّ ويصفرّ، وقد يسيل من غير شهوة، لاسترخاءٍ في أوعية المنيِّ.
والمذيُّ 2 رقيق يخرج بنشاطٍ، ولا يُعقب خروجُه فتوراً، وحكمه في النجاسة ولزوم الوضوءِ حكم البول.
ومَني المرأة أصفر رقيق.
وقد زعم الأطبّاء أنه لا يخرج منها، ولا شك أن لها مذيّاً، وإذا هاجت، خرج منها، وهذا أغلبُ فيهن منه في الرجال.
والودي 3 أبيض، ولا يخرج عند هيجان شهوة، والغالب أنه يخرج عند حمل شيءٍ ثقيلٍ، وهو نجسٌ كالبول.
فإذا تحقق الرجل أنه خرج المني منه، لزمه الغُسل.
175 - فإن شكَّ، فلم يدر أن الخارج منيٌ، أو وديٌّ، أو مذيّ، فهذا ممّا يتعين إنعام النظر فيه.
وكان شيخي يقول: إن تيقّن أن الخارج منيّ، لزم الغسل، وإن شك، ولم يدر،

استصحب الغُسلَ السابق، ولم يلتزم الغسلَ إلا بيقين.
وكان يُجري هذا على الأصل المقدَّم في أن من استيقن الوضوءَ وشكّ في الحدث؛ استصحب الطهر السابق.
وهذا لا يشفي الغليلَ؛ فإنه صحّ في الأخبار والآثار تمييز المنيّ بصفاته عن سائر الخارجات.
فلئن كان الشاك في الحدث لا يجد علامة يستمسك بها، فالعلامات هاهنا ثابتة، وكشف الغطاء في هذا أن الخروج بالشهوة، مع استعقاب الفتور دلالة قاطعة على أن الخارج منيّ، وليس هذا مما يتضمن غلبة ظن.
وكذلك الرائحة التي تشبه رائحة الطلع والعجين من القواطع.
وكذلك الخروج بدفقٍ ودفعٍ، وتزريق، من خصائص المنيّ، لا تثبت لغيره.
فأما البياض والثخن 1 فمما يشترك فيه المنيّ والودي، وقد يرق المني ويصفرّ، ويشبه لونه لون المذي، وهو ماء لزج، يميل إلى الصفرة قليلاً.
فإن كان في الخارج صفةٌ واحدة من الصفات الثلاث المقدَّمة، فليس هذا موضع اجتهاد وظنٍّ، بل نعلم أن الخارجَ مني.
أما الرائحة والفتور صفتان معلومتان، وأما الدفقُ، فلا يكفي فيه الخروج بدفع، فإن من به [أَدَرٌ] 2 يخرج بوله قطراً، ويقع بين القطرة والقطرة فترة، والتعويل على التزريق، وذلك لا يكون إلا مع انتشارٍ وشهوة، ثم لا بد من جريان الفتور، فليس من الممكن أن يزرِّق إلا منتشرٌ، ثم لا ينزل المني إلاّ مع نفسي 3 الأرواح، وذاك يقتضي

فتوراً لا محالةَ.
ثم لا تفارق المنيَّ الرائحة المختصّة به، في غالب الأمر.
فإذاً هذه الصفات قلما تفترق، وإنما تختلف الرقة والثخانة، واللون: بياضاً وصفرةً، فإنْ عدمنا الدلائل الثلاثة القاطعة، ولم نجد إلاّ اللونَ والثخانة، لم نحكم على الخارج بكونه منيّاًً، بل لا يغلب على الظنّ كونُه منيّاً؛ فإن المني في غالب الظن لا يخلو عن مجموع تيك الصفات أو بعضها، فهذا هو الكشف التام في ذلك.
والحاصل منه أنا إذا عدمنا القطعَ، ينعدم غلبة الظنّ أيضاً.
176 - وممّا يُشكل في ذلك أن من أكثر الغشيان، فقد تخرج مادة الزرع دماً عبيطاً 1، ويُعقب خروجُه فتوراً؛ لأنه مادة المنيّ، وإنما تخلّف اللونُ عنه، لأن في ممرّه لحمةً غُدديَّةً تبيّض الدمَ المارَّ بها، فإذا ضعفت، لم تلوِّن.
فإذا كان الخارجُ دماً عبيطاً، ويَعقب خروجَه فتور، ولكنّا تحققنا أنه المادّة، ففي ذلك وقفة عندي؛ فإنه لا يسمى منيّاًً، ولا يسقط اسمُ المنيّ بالاصفرار ولا بالرّقة، والظاهر أنه يوجب خروجُه الغسلَ إذا كان على الصفات الثلاث المرعيّة، أو على بعضها، فإن اللون لا معوّل عليه.
ومما يتعلق بذلك أنه لو خرج من الرجل شيءٌ في نومه، ثم انتبه، وما كان أحسّ في غمرات نومه بشهوة، ولا فتور، ولا تزريق ودَفْقٍ، فإن وجد رائحةَ الطلع، فهو مني، وإن لم يجدها، ولم يجد بياضاً وثَخَناً، فالظاهر أنه ليس بمني.
وإن وجد الخارج ثخيناً أبيض، فلا نقطع بأنه مني؛ إذِ الوديّ قد يكون كذلك.
فهذا موضع الإشكال.
وقد يغلب على القلب أنه مني من جهة أنه لا يليق بصاحب الواقعة الوَدْي، أو ربما كان يذكر حلماً رآه، ووقاعاً تخيّله، ثم شاهد الخارج، فإن كان كذلك، فلا قاطع، فيجوز أن يقالَ: يَستصحب يقينَ الطهر، ويجوز أن نحمل الأمر على غالب الظن، تخريجاً على غلبة الظنّ في النجاسة؛ فإن هذا الذي انتهى الكلام إليه مما يغلب في = يلهمكم الله قراءتها الصحيحة).

مثله وقوعُ غلبة الظن.
ويتطرق أيضاً إلى قبيله التعلّقُ بالصفات، كما تقرّر ذلك في النجاسات.
وليس هذا كما لو توضأ رجلٌ ثم شك: هل أحدث بعده أم لا؟ فإنه لا يغلب في مثل ذلك على الظن أمر يبتنى عليه غلبة الظن في وقوع الحدث، كما تقدم التقرير فيه.
وإن لم يغلب على الظن أن الخارج مني، لم يجب الغُسل، ولا شك فيه.
177 - فأما المرأة إن تحقق خروجُ المني منها، ولا يتصوّر الإحاطةُ بذلك إلا بفتور شهوتها، ولا شك أن شهواتِهنّ عند انقضاء الوطر تَفْتُر.
فإن علمت ذلك من خروج الخارج، فهو منيّها، ولزمها الغُسل كالرجل، والدليل عليه ما روي أن أم سليم [أم] 1 أنس بن مالك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل على إحدانا غُسل

إذا هي احتلمت؟ فقالت أم سلمة: فضحتِ النساء، فَضَحَكِ الله، وهل تحتلم المرأة قط؟ فقال النبي عليه السلام: تربت يمينك فمِما الشبه؟ إذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة نَزَع الولد إلى أعمامه، وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل، نَزَع الولد إلى أخواله.
ثم قال لأم سليم: نعم عليها الغسل إذا رأت الماءَ" 1. 178 - ومما يتعلق بنزول الماءِ أن من أنزل واغتسل.
ثم كان قد بقي شيءٌ من المني فخرج، لزم الغُسل مرّةً أخرى، وإن كان هذا بقيّةَ ماءٍ تدفق معظمه، وهذه البقية = وهي امرأة أبي طلحة، ذكره علماء الحديث وغيرهم، منهم أبو داود في سننه، وهو كذلك في النسخ الصحيحة من (النهاية)، وقد يوجد في بعض منها مثلُ ما في (الوسيط) وهو غلطٌ من النساخ " (ر.
إِيضاح الأغاليط الموجودة بالوسيط: 3 أ - بهامش الوسيط: 1/ 342). قلت (عبد العظيم): هكذا رأينا اختلاف المناهج الثلاثة في تفسير هذا الخطأ: أ- فابن الصلاح يفسّر ذلك بالإِعراض عن علم الحديث، ويجعله سبب الوقوع في هذا الخطأ، ثم راح يعرّض بأخطاء " أصعب من ذلك الخطأ، من التمسك بالحديث الضعيف، واطراح الصحيح " ويعني هؤلاء الأئمة " الذين ارتفعت منزلتهم في علومهم " الصيدلاني، وإمام الحرمين، والغزالي، ومحمد بن يحيى.
ويرى ابن الصلاح أن هذا ذنب وإِثم، ظهر ذلك من ختام تعليقه هذا بقوله: " وأسال الله عفوه وفضله، آمين ". ب- وأما الإِمام النووي، فقد اكتفى بقوله: " وهو غلط فاحش " بعد أن بين تسلسله عند الأئمة الذين ذكرهم الغزالي، وزاد عليهم (الإِمام الروياني).
ج- وأما الإِمام ابن أبي الدم، فقد ذكر أنه (أي الخطأ) في بعض نسخ النهاية، بل في القليل من نسخها، كما يفهم من عبارته التي نقلناها بنصها آنفاًً ثم زاد، فبرَّأ إِمامنا من هذا الخطأ، وكذلك الغزالي، وجعل هذا من غلط النساخ [قلت: قد صدق الواقع ابن أبي الدم، فقد وقع لنا نسخة صحيحة فيها: " أم أنس "].
وأقول ثانيةً: لقد ظهر لي تحامل ابن الصلاح -وغيره- على إِمام الحرمين، وعلى الغزالي، رأيت ذلك في كثير من تعقباته الحديثية، حتى إِنه يدفعه التحامل إِلى الوقوع في بعض الأخطاء، التي تعقبه في بعضها الإمام النووي، وأثبت أن الصواب مع إِمام الحرمين، والغزالي، وأحصيت شيئاً من ذلك، سيكون -إن شاء الله- موضع مناقشة في أحد فصول المقدّمة التي نعدها لهذا الكتاب، والله المستعان.

لا تخرج بشهوةٍ ودفْقٍ وفتورٍ، ولكن قد لا تفارقها الرائحة، فإذا تحقق أنه منيّ، تعلق به وجوبُ الغُسل، سواء خرج قبل البول، أو بعده.
فهذا بيان ما يوجب الجنابة.
179 - فأما الحيضُ، فإذا طهرت المرأة، اغتسلت.
ودم الحيض، ودم النفاس يجتمع في الرحم، ثم يُزجيه الرحم عند الولادة، ثم قال الأكثرون: إنما يجب الغُسل بانقطاع الدم، وقال بعضُ المتأخرين: يجب بخروج الدم؛ فإن الطهارات تجب بخروج الخارجات، وهذا يضاف إلى أبي بكر الإسماعيلي 1. وهو غلط؛ فإن الغُسلَ مع دوام الحيض غيرُ ممكنٍ، وما لا يكون ممكناً يستحيل وجوبُه به، فالوجه أن يقال: يجب الغسل بخروج جميع الحيض، وذلك يتحقق عند الانقطاع، وليس فيما ذكرناه فائدةٌ فقهيّةٌ.
180 - فأما إذا ولدت المرأةُ، ولم تنفَس، فالأصح وجوبُ الغسل عليها؛ فإن الولد ينعقدُ من مائهما جميعاً، ففي انفصاله منها انفصالُ مائها.
وهذا التعليل غيرُ مرضيٍّ؛ فإن ما استحال من حال إلى حالٍ، لم يكن له حكم ما كان عليه قبل الاستحالة، والوجه في تعليل ذلك أن الغسل إذا كان يجب بخروج الماء الذي منه خَلْق الولد، فلأن يجب بانفصال الولد نفسِه أولى.
ومن أصحابنا من لم يوجب الغسل مصيراً إلى أن الأحداث لا تثبت قياساً، ولم يَرِد في انفصال الولد من غير نفاسٍ توقيف من الشارع.
فرع: 181 - ذكر بعض أصحابنا أن منيّ الرجل إذا انفصل من المرأة 2، لزمها الغسل؛ فإنه يختلط منيُّها بمنيّه، فإذا انفصل، فقد خرج منيُّها.

وهذا فيه تفصيل عندي، فإن لم تكن الموطوءة ذاتَ منيٍّ، بأن كانت صغيرةَ، لم يلزمها الغُسل، وإن كانت ذات منيٍّ، ولكن لم تقض وطَرَها، فلا يلزمها الغسل؛ فإنه لا يَنفصل لها منيٌّ، وإن انقضى وطرها، فيختلط منيّها بمنيّه، فإن [انفصل] 1 بعد أن اغتسلت، فيظهر وجوبُ الغسل عليها، وليس هذا مقطوعاًً به أيضاًً؛ فإنّه قد لا يختلط منيُّها بمنيّه، ولكن يخرج هذا على إيجاب الغسل بالاحتمال الغالب.
كما ذكرته.
فأما الوضوء فلا شك في وجوبه عليها، فإن ذلك المنفصل يخرج معه شيء من رطوبتها الباطنةِ، لا محالة، فيجب الوضوء لذلك.
فأمّا غسل الميّت، فمن فروض الكفايات على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
فرع: 182 - كان شيخي يفرض في أثناء الكلام جنابةً مجردةً من غير حدثٍ، ينقض الوضوء، فكان يصوّر فيه إذا لفّ خرقةً على حشفته، وأولجها؛ فإنه لو فرض الإيلاج دون 2 ذلك، يتقدَّم الجماعَ ملامسةٌ.
ولو فرض الإيلاج في دبرٍ، أو فرج بهيمةٍ حصل الغرضُ الذي أشار إليه رحمه الله.
فإن قيل: إذا أولج الحشفة ملفوفة، فلم يحصل التقاء الفرجين، فلم وَجب الغسل؟ قلنا: هذا تخييل لا مبالاة به، فإن أحكام الوطء [علّقت] 3 بالإيلاج في الفرج، وقد حصل هذا.
فإن قيل: إذا نزل المنيُّ، فهلا عُدَّ هذا مما يقتضي الجنابة المحضة؟ قلنا: المنيّ لا يتصوّر خروجه وحده، بل يخرج مع رطوبةٍ يتعلق بخروجها وجوب الوضوء.
وهذا فيه نظرٌ؛ فإن المنيّ إذا انفصل، فهو طاهر، وتلك الرطوبة التي قدّرناها ينبغي أن تكون نجسةً، ثم يجب الحكمُ بنجاسة المنيّ لذلك.

وهذه التقديرات إنما ذكرتها؛ لأن من أصحابنا من حكى قولاً بعيداً عن (الأمالي) 1 مثلَ مذهب أبي ثورٍ، في أن من أحدث وأجنب، لزمه أن يتوضأ ويغتسل، ولا يندرج الوضوءُ تحت الغسل، فعلى هذا قد يُحوج إلى تقدير الجنابة المحضة.
ثم الذي أراه أن الذي لم يُدرِج الوضوءَ تحت الغسل، إنما يقول ذلك إذا تميّز الحدثُ عن الجنابة، فأما إذا كان انتقاض الوضوء بتقدم المس المتصّل بالوقاع، فالأظهر الإدراج هاهنا.
...

باب غسل الجنابة

183 - مضمون الباب بيان كيفيّة الغُسل، فنذكر أقلَّهُ، ثم نذكر أكمله.
فأما الأقلّ، فهو إجراء الماءِ على ظاهر البدن ومنابت الشعور الكثيفة والخفيفة.
قال النبي عليه السلام: " تحت كل شعرة جنابة، فبلّوا الشعر، وأنقوا البشرةَ " 1. وما تقدم في الوضوء من الفرق بين الشعر الكثيف والخفيف لا يجري في الغسل؛ فإن المطلوب فيه استيعاب جميع ظاهر البدن.
ولا تجب المضمضةُ والاستنشاق في الغسل عند الشافعي.
وفي بعض التعاليق عن شيخي حكايةُ وجهٍ عن بعض الأصحاب، موافقٍ لمذهب أبي حنيفة 2، وهو غلط.
ولا يجب الدلك، والغرض جريان الماءِ.
ويجب مع الاستيعاب النيّةُ، فإن نوى الجنبُ رفعَ الجنابة، فذاك، وإن نوى رفعَ الحدث الأصغر، لم ترتفع الجنابة، عن غير أعضاء الوضوء.
وفي ارتفاعها عن أعضاء الوضوءِ كلامٌ، تقدّم ذكره في باب نيّةِ الوضوءِ.

وإن نوى رفعَ الحدث مطلقاًً، ولم يتعرض للجنابة، ولا لغيرها، فالوجه الذي لا يتجّه غيره القطعُ بإجزاء الغُسل؛ فإن الحدث عبارةٌ عن المانع من الصلاة وغيرِها، على أى وجهٍ فُرض.
ولو نوت التي انقطع حيضُها بالغُسل استباحةَ الوِقاع، فقد ذكر الشيخ أبو علي وجهين في صحة الغُسل: أحدهما - أنه لا يصح؛ فإنها إنما نوت ما يُوجب الغُسل وهو الجماع.
والثاني - وهو الأصح أنه يصحّ؛ فإنها نوت حِلَّ الوطء، لا نفسَ الجماع، وحلُّ الوطء لا يوجب الغسل.
84 - فأما الأكمل، فينبغي أن يبدأ فيغسل ما [ببدنه] 1 من أذىً ونجاسةٍ، إن كانت، وإن شكّ في نجاسةٍ، احتاط، وأزال الشك باستعمال الماء.
ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، كما تقدم وصفه.
فإذا انتهى إلى غسل القدمين، فقد اختلف قول الشافعي فيه، فقال في قولٍ: يغسل رجليه، ويُتمّمُ الوضوءَ قبل إفاضة الماء على البدن 2. وهذا مما رواه هشامُ ابنُ عروة عن أبيه عُروة، عن عائشة، عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم 3. وقال في (الإملاء): يؤخّر غَسل قدميه حتى يفرغَ من إفاضة الماء على بدنه، ثم يستأخر ويغسل قدميه، وهذا ما رواه ابنُ عباس 4 عن خالته ميمونة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم إذا فرغ مما أمرناه به، تعهّد بالماء معاطفَه، ومغابنه 1، التي يعسر وصولُ الماء إليها، فيأخذ الماء كفّاً كفّاً، ويوصّل الماءَ إلى هذه المواضع، ومن جملتها أصول الشعور الكثيفة، ثم يُفيض الماء فيَحْثي 2 على رأسه، ثم على ميامنه، ثم على مياسره، وفي فحوى كلام الأصحاب، استحبابُ إيصال الماءِ إلى كل موضعٍ ثلاثاًً ثلاثاً، فإنا إذا رأينا ذلك في الوضوء، ومبناه على التخفيف، فالغسل بذلك أولى.
ثم نؤُثر أن يُتبع الماء يَدَيْه دلكاً؛ فإنه إذا فعل ذلك وصل الماء إلى البدن، ووقع الاكتفاء بما لا سرف في استعماله، ولو لم يستفد به إلا الخروجَ عن الخلاف، كفاهَ؛ فإن مالكاً 3 أوجب الدلك.
فصل 185 - ذكرنا في باب النية أن طهارات الأحداث تفتقر إلى النيّة، ثم بنينا عليه أنها لا تصحّ من الكافر؛ فإنها بدنيّة محضة، مفتقرةٌ إلى النيّة، وذكرنا التفصيل في الذمّيّة إذا اغتسلت عن الحيض تحت مسلمٍ.
وقد ذكر أبو [بكر] 4 الفارسي أن الغُسل يصح من الكافر طرداً للباب، استمساكاً

بغسل الذميّة تحت المسلم، وأجرى ذلك في الكافرة ليست تحت مسلمٍ، وطرده في غسل الجنابة، وهذا مزيَّف.
وحكى المحَامليّ في (القولين والوجهين) 1 وجهاً: أنه يصحّ من كل كافرٍ كلُّ طهر: غُسلاً كان، أو وضوءًا، أو تيمماً، وهذا في نهاية الضعف.
فرع: 186 - تجديد الوضوء مندوبٌ إليه، قال النبي عليه السلام: " من جدّد وضوءَه جدّد الله له إيمانه " 2. = جـ- وأخيراً أسعفتنا المقادير، فوجدنا طلبتنا في غير مظانها، إِذ ذكر الرافعي عند الكلام عن النية في الوضوء، بأنها " لا تصح من الكافر، فلو اغتسل الكافر، في كفره أو توضأ، ثم أسلم، لم يعتد بما فعله في الكفر لأنه ليس أهلاً للنية ... " ثم قال: "وقال أبو بكر الفارسي: لا يجب عليه إِعادة الغسل (إِذ صح منه) بدليل صحة غسل الذمية عن الحيض لزوجها المسلم " فهذا تصريح بأن صاحب النقل الذي ذكره إِمام الحرمين هو أبو بكر، وليس (أبو زيد).
د- ثم تأكد لدينا هذا بدليل قاطع، ساقته لنا المقادير، حيث نقل مصححو المجموع للنووي بهامشه عن الأذرَعي عن إِمام الحرمين، "وجوب الغسل على الكافر إِذا أسلم، وعدم صحة غسله في كُفره، وتغليطه لأبي بكر الفارسي في الاعتداد بغسل الكافر في كفره".
(ر.
فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع: 1/ 212، وهامش ص153 ج 2. والمجموع: 1/ 330). وبعد كل هذا العناء أسعفتنا باليقين نسخة (ل) فقد صرحت بأنه: أبو بكر الفارسي.

ولو توضّأ، ولم يُؤدّ بوضوئه شيئاًً، وأراد أن يجدّد، ففي استحباب ذلك وجهان، والأظهر أنه لا يستحبّ؛ فإنه لو استحبّ مرةً، لم يختصّ الاستحبابُ بها، ولم ينضبط القول في ذلك.
وقد يشبّه التجديدُ من غير تخلّل شيءٍ بالغسلَةِ الرابعة.
وهذا الخلاف عندي فيه إذا تخلّلَّ بين الوضوء الأول والتجديد زمانٌ يقع بمثله تفريق، فأما إذا وصل التجديد بالوضوء، فهو في حكم الغسلة الرابعة.
187 - ثم ذكر الشيخ أبو علي وجهين في استحباب تجديد الغُسل: أحدهما - أنه يُستحب كالوضوء، والثاني - لا يستحبُّ؛ [إذ] 1 لم يرد فيه ما ورد في تجديد الوضوء، ولم يُؤثر عن السلف الصالحين.
فصل 188 - غُسل المرأة كغسل الرجل، ولا فرق بين البكر والثيّب، ولا يجب إيصال الماء إلى ما وراءَ ملتقى الشفرين؛ فإنا إذا لم نوجب إيصال الماء إلى داخل الفم، فما ذكرناه أولى.
وغسل التي انقطعت حيضتُها كغسل الجنابة، غير أنَّا نستحب لها أن تدخل فِرصةً 2 من مسكٍ في منفذ الدم، وقد ورد فيه حديث 3 عن النبي عليه السلام، فإن لم تجد، فطيباً آخر، فإن لم تجد، فالماء كافٍ.
= حسنات" (ر.
البخاري: كتاب الوضوء، باب الوضوء من غير حدث، ح 214، والسنن الكبرى: 1/ 162، مصنف عبد الرزاق: 1/ 54 باب هل يتوضأ لكل صلاة أم لا؟)

189 - الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشربَ، فلا بأس، ولكن ذكر بعضُ المصنفين أنا نستحب له أن يتوضّأ، ثم يأكل، وإن كان الوضوء لا يرفع الحدث.
وكذلك إذا أراد الجنبُ أن يجامعَ، فينبغي أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، وهذا الوضوء، وإن كان لا يرفع الحدثَ، فقد ورد فيه خبرٌ عن النبي عليه السلام 1. فأما الوضوء بسبب الأكل والشرب، فلم أره إلا في تصنيف لبعض الأئمة 2، وقد روي أن رجلاً سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على حائطٍ، وتيمم، ثم أجاب 3. وقيل: إنه كان جُنباً، وكان التيمم في الإقامة ووجود الماءِ، ولكنه صلى الله عليه وسلم أتى به تعظيماً لردّ السلام، وإن لم يُفد التيمم إباحة محظور.
ولو تيمم المحدث، وقرأ القرآن عن ظهر القلب، كان جائزاً على مقتضى الحديث.
والله أعلم.
...

باب فضل الجنب وغيره

190 - مضمون الباب فصلان: أحدهما - أن التوضؤ بما يُفضله الجنب، والمحدث، والحائض جائز، وقد خالف فيه بعض السلف.
وغرض الفصل أن الجنب إذا مسَّ الماء، أو الحائضَ، أو المحدثَ على وجهٍ لا يصير الماء مستعملاً، فيجوز استعمال ما مَسّوه؛ فإن أبدانَهم طاهرة.
ولو فُسّر فضل هؤلاء بما لم يمسّوه، فلا يتخيّل أحدٌ امتناعَ استعماله.
فهذا أحد فصلي الباب.
وقد استدلَّ الشافعي بأخبارٍ تدلّ على طهارة بدن الجنب والحائض 1، فأرشدَ مساقُ كلامه إلى أن التصوير على التقدير الذي ذكرناه.
فأمّا الفصل الثاني، فمقصوده أن ماءَ الوضوء والغسل لا يتقدّر، وكيف يُعتقد التقدُّر فيه مع اختلاف الجثث والأبدان في الصغر والكبر، ولكنَ المرعيَّ الإسباغُ، مع اجتناب السرف، قال 2 الشافعيُّ: قد يَرفُق الفقيه بالقليل فيكفي، ويخرق 3 الأخرق بالكثير، فلا يكفي.
والله أعلم.
...

باب (1) التيمم

191 - التيمم رخصة مختصةٌ بهذه الأمّة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " التراب كافيك، ولو لم تجد الماء عشر حجج " 2 وقوله عليه السلام " جُعلت لي الأرض مسجداًً وتُرابها لي طهوراً " 3. وأصل التيمم مُجمعٌ عليه.
192 - ثم الباب مُصدَّر بمحل التيمم من البدن.
والمتبَّع فيه الكتاب والسنة: أمّا الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] ومن هذا الظاهر ذهب الزهريّ إلى أنه يجب مسح الأيدي في التيممّ إلى الآباط؛ فإن الأيدي في التيمم غير مقيَّدة بالمرافق، كما جرى تقييدها في الوضوء.1

وأما مالك 1، فإنه قال: التيمم يقع من اليدين على الكفّين ظهراً وبطناً، إلى المفصل.
ورَوَى عن النبي عليه السلام بإسناده أنه قال لعمار بن ياسر: " التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين " 2، وقيل: إن مذهبه 3 قولٌ للشافعي في القديم.
وهذا الخبر بعيدٌ عن قبول التأويل.
والمنصوص عليه في الجديد، وهو على الحقيقة المذهب، أن محل التيمم من اليدين كمحل الوضوء منهما؛ لما رَوى ابنُ عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين " 4. وروي " أن النبي عليه السلام تيمّم فمسح بوجهه وذراعيه "، ولا يمكن حمل فعله في التيمّم على غير تأدية الواجب؛ فإن وضعَ الشرع في التيمّم على الاقتصار على مقدار الواجب على ما سيأتي ذلك مشروحاً في فعل التيمم 193 - وأما الحديث الذي رواه مالك، فمُشكلٌ جدّاً، ووجه الكلام عليه أن الحديث مرويّ في مخاطبة عمّار بن ياسر، وقد رئي وكان يتمعك في التراب بسبب

الجنابة، ورأى أن يوصّل التراب إلى جميع البدن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكفيك ضربة للوجه، وضربة للكفّين " والغرض قطعُ توهّمه في إيصال التراب إلى جميع البدن، فجرى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة التقليل لمحل التيمّم، متذرِّعاً إلى إيضاح نفي الاستيعاب.
ثم ليس يبعد أن يُعبّر ببعض الشيء عن الشيء، وإنما كان يجري الحديث نصّاً لو جَرّدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قصده في تبيين محل التيمم، فأمّا والغرض نفي الاستيعاب، والنهي عن التمعّك، فقد يتطرق إليه التأويل، كما ذكرناه.
والذي يقرب من ذلك، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " فإذا وجدتَ الماء فأمِسَّهُ جلدك " 1 وهذا بظاهره يدل على أن أدنى الإمساس كافٍ، وإن كان مسحاً، ولكن لم يقع ذلك غرضاً في الحديث، وإنما المقصود منه استعمال التراب إلى وجدان الماء، فتلخص مذهب الشافعي من المذاهب.
والزهري اعتمد فيما زعم ظاهرَ القرآن، وجميع الأخبار التي ذكرناها تخالف مذهبه، وما تمسك به ظاهرٌ تُفسِّره نصوصُ الأخبار.
ثم الشافعي رأى حملَ مطلق اليد في التيمم على المقيّد في الوضوء بالمرافق، وهذا وإن لم يعتقده بعضُ الناس، فهو مما يغضّ من ظهور الظاهر.
وإذا سقط مذهبُ الزهري، تعارض الحديث من مذهب الشافعي، ومذهب مالكٍ.
ومنتهى التصرّف فيه ما ذكرناه، وقد ينقدح في نُصرة مذهب مالك شيء، وهو أن استيعاب الساعدين بضربة واحدة فيه عسر، وإن اقتصر على الكفيّن، فهو هيّن.
وإذا تعارض في التعبدات مذهبان، فالتمسك بالأحوط أولى.
فصل 194 - مضمون الفصل ذكرُ ما يجب استعماله في أعضاء التيمّم.
فنقول:

لا بد من نقل الطَّهور إلى الوجه واليدين، كما سنصفه، فلو ضرب يده على مدرٍ صلبٍ لا غبار عليه، ولم يعلق بيده منه شيء، أو على حجر صلدٍ، ومسح وجهه ويديه، لم يُجزه عندنا.
ثم إذا وجب نقلُ شيءٍ، فالشرط أن يكون المنقول تراباً طاهراً خالصاً مطلقاًً، وشرح هذه الألفاظ يوضّح غرض الفصل.
فأمّا قولنا: ترابٌ، فيندرج تحته أصناف التراب -وإن اختلفت ألوانه- فمنها الأعفر، والأسود، وهو ما يستعمل في الدواء، والأصفر، والأحمر، وهو الطين الأرمني، والأبيض وهو المأكول من التراب، لا الجص.
وقال الشافعي 1: والسبخ، والبطحاء، والسبخ التراب الذي لا ينبت فيه، وليس هو الذي يعلوه ملح؛ فإن الملح لا يجوز التيمم به.
والبطحاء ترابٌ لين يكون في مسيل الماء، وليس رملاً.
وأما قولنا: ينبغي أن يكون طاهراً، فلا شك أن التيمم بالتراب النجس لا يُبيح الصلاة، وهو بمثابة التوضؤ بالماء النجس.
195 - وأما قولنا: ينبغي أن يكون خالصاً، فالتفصيل فيه، أنه إذا اختلط بالتراب زعفران، أو دقيق، أو ما في معناهما، نظر: فإن ظهر المخالط على التراب -والمرعي في الغلبة أن يُرى- لا يجوز 2 التيمّم به.
وإن كان ذلك المخالط مغموراً؛ لا يظهر، ففي التيمّم وجهان: أحدهما - الجواز؛ فإن المغمور كالمعدوم، اعتباراً بما يخالط الماء ويغمره الماء.
والثاني - لا يجوز التيمّم به؛ فإن المخالط، وإن قل يعلق بالوجه واليدين، والتراب كثيف لا يزحزحه، فتبقى أجزاءُ من محلّ التيمّم غيرُ ممسوسة 3 بالتراب.
وهذان الوجهان مبنيان على ما إذا اختلط بالماء الذي يقصر عن قدر الوضوء من الماورد ما كمله، ففي جواز الوضوء وجهان، ووجه الشبه أنّا في هذه الصورة نعلم

أن الماء لم يستوعب محلّ الوضوءِ، ولكن المخالط مغمور في الحسّ، كذلك التراب إذا خالط شيئاًً قليلاً، وارتفع المختلط بضرب اليد، [فلا] 1 يستوعب الترابُ محلَّ التيمّم.
ولو اختلط بالتراب فُتاتةُ أوراق، أو غيرُها، فالظاهر أنه ينزل منزلة الزعفران، وإن كان فيه تيسّر 2 التحرز منها؛ فإن التراب الخالصَ غيرُ مُعوزٍ؛ فيكفي غبرةٌ تَثُور من مخدّة أو غيرها.
وللمعترض أن يقول: إذا جوّزنا التوضؤ بالماء الذي تغيّره مخالطةُ الأوراق الخريفية، فقد يجد المرء ماءً صافياً، ولا يلزمه العدول عن الماء المتغيّر إليه.
وكان شيخي يتردّد فيما ذكرته من تنزيل الأوراق منزلة الزعفران.
196 - وأما قولنا: ينبغي أن يكون مطلقاًً، فيتعلق به أمران: أحدهما - أن سُحاقة الخزف أصلها تراب، ولكنها لا تسمى تراباً مطلقاًً، فهي من التراب، وليست تراباً مطلقاًً، وكان شيخي يذكر وجهين في الطين المأكول إذا شُوي ثم سُحِقَ، والوجه عندي القطع بجواز التيمم، فإن هذا القدر من الشيّ لا يسلبه اسمَ التراب، بخلاف طين 3 الخزف والآجر؛ فإذاً الوجه الثاني غلط، غير معتدٍّ به.
والثاني: أن الماء المستعمل في رفع الحدث لا يجوز استعمالُه في ظاهر المذهب كما سيأتي.
والتراب المستعمل فيه وجهان: أحدهما - وهو المذهب أنه يمتنع استعماله ثانياً، كالماء، والثاني - يجوز استعماله أبداً؛ لأن الماء يرفع الحدثَ، فيجوز أن يتاثر، بخلاف التراب.
وهو على الجملة ممّا يؤثِّر الاستعمالُ في تغييره؛ فامتنع استعماله، وإن لم يتغيّر، ثم التراب المستعمل هو الذي التصق بأعضاء التيمم، ثم تساقط وانتثر منه.
فهذا عقد المذهب فيما يجوز التيمم به.

197 - فأما النُّورَة والزرنيخ وما أشبههما، فلا يجوز التيمم به، ومعتمد المذهب أن الربَّ تعالى ذكر الصعيدَ، فقال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] واختلف المفسّرون فيه، فقال بعضهم: الصعيد ما يصّعد عن وجه الأرض، وقال بعضهم: صعيداً طيباً، معناه تراباً طاهراً، فصار هذا اللفظ من المجملات، فعوّل الشافعي على الحديث، وهو ما روي أنه عليه السلام قال: " جُعلت لي الأرض مسجداًً وترابها لي طهوراً ". فخصَّ التراب، وقال: " التراب كافيك "، فوقع الاعتماد على اسم التراب، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطّهور في نعت التراب، فصرّح باعتبار الطهارة.
فهذا هو عقد المذهب.
فرع: 198 - اختلف نصّ الشافعي في التيمم بالرمل، والذي ذهب إليه جماهيرُ الأصحاب تنزيلُ النصّين على حالين، فحيث منع، أراد الرمل الخالص الذي لا تراب فيه، وحيث جوّز، أراد الرملَ الذي يشوبه التراب.
فإن قيل: قد ذكرتم أن التراب إذا خالطه شيء، فظهر عليه، لم يجز التيمم بذلك المختلط، فما وجه التيمم برمل غالبٍ على تراب؟ قلنا: الرمل ثقيلٌ راسب، والتراب خفيف، فإذا ضرب الضارب يدَه على رملٍ فيه تراب، علا الترابُ وعبق 1 باليد، ولم يرتفع معه الرمل، والزعفران خفيف كالتراب، فالذي يرتفع يكون مختلطاً لا محالة، وذكر المحاملي أن من أصحابنا من جعل التيمم بالرمل على قولين، وهذا ضعيف لا أصل له.
فصل 199 - قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: 6]، ومعناه فاقصدوا، والذي صار إليه الأئمة أن من يريد التيمم لو برز لمهبّ الرياح حتى سفت الرياحُ الترابَ على وجهه ويديه، ونوى استباحة الصلاة، لم يصح تيممه، فلا بد من نقل التراب قصداً إلى أعضاء التيمم.

ولو نقل التراب من رأسه، أو جزءٍ آخر من أجزاء بدنه من الموضع الذي ليس محلَّ التيمم إلى محل التيمم، صح ذلك.
ولو نقل التراب من يديه إلى وجهه، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما - الجواز؛ لأن النقل والقصد إليه قد تحقق.
والثاني - لا يجوز؛ لأن محلّ التيمم كالشيء الواحد، وينبغي أن يكون النقل من غيره إليه.
ولو كان على وجهه غبار، فاكتفى بتَرْدِيده على الوجه، لم يكفه ذلك أصلاً؛ لأنه لم ينقل.
ولو مسح وجهه وعليه تراب بيديه، فعبق التراب بيده، ثم ردّه إلى وجهه، فقد كان شيخي يقطع بأن ذلك لا يجوز، وقطع غيرهُ بتخريج ذلك على الوجهين، وهو الوجه؛ فإن التراب إذا عَبِق باليد، فقد انقطع حكم الوجه عنه، فهو الآن تراب على اليد، وفي نقل التراب الذي على اليد إلى الوجه وجهان.
ولو يمّمه غيره، فإن كان معذوراً، وقد أذن في ذلك، صحّ، وإن لم يكن معذوراً، فأذن لغيره حتى يَمّمه، ففي المسألة وجهان.
وإن يمّمه غيره من غير إذنه، لم يجز، وكان كما لو برز لمهبّ الرياح، كما مضى، وإن أمكنه أن يمتنع، فلم يمتنع، ولكن لم يأذن، فالوجه القطع بالمنع؛ لما ذكرناه.
ولو نقل وجهه إلى التراب فمعَّك فيه، فقد كان [شيخي] 1 يذكر فيه وجهين، وذكرهما بعض المصنفين.
وقطع الصيدلاني وغيرُه القول بالجواز؛ فإن الأصل قصدُ التراب أخذاً من لفظ التيمّم، وقد تحقق ذلك بنقل أعضاء التيمّم إلى التراب، فلست أرى لذكر الخلاف في ذلك وجهاً.
وقد ذكر صاحب التقريب 2 وجهاً أن من برز لمهبّ الرياح قصداً، حتى سفت

الرياحُ التراب على أعضاء تيمّمه، جاز ذلك؛ فإن القصد قد تحقق، وليس في الكتاب 1 تعرضٌ للنقل، والقصد إليه، وهذا وإن أمكن توجيهه، فليس معدوداً من المذهب.
فصل 200 - مقصود هذا الفصل، القول في كيفية النيّة في التيمم.
وأصل الفصل أن التيمم لا يرفع الحدث، ولكنه يبيح الصلاةَ، والدليل عليه أن من أحدث أو أجنب وتيمم، ثم وجد ماءً، فيلزمه التطهر بالماء، على حسب ما تقدم من حدثه، فإن كان حدثه ناقضاً للوضوءِ، توضأ، وإن كان جنابةً، اغتسل.
والسببُ في التيمم أن من وجد الماء، فهو مأمور باستعماله لرفع الحدث، فإن لم يجده، وظّف الشارع عليه التيمم، ليدوم مرونُه على إقامة الطهر؛ إذ قد يدوم انقطاعه عن الماء الذي يجب استعماله أياماً، فلو تمادى انكفافه عن الطهارة -وهي ثقيلة- لاستمرّت النفس على تركها، فالتيمم إذاً لاطراد الاعتياد في هذه الوظيفة، فإذا ثبت ذلك، فلا ينبغي للمتيمم أن ينوي بتيممه رفعَ الحدث، ولو نواه، لم يصح تيمّمه أصلاً.
وحُكي عن ابن سُريج أنه قال: التيمم يرفع الحدث في حق فريضة واحدةٍ، فلو نوى الرفعَ، صح على هذا التأويل.
وهذا ضعيفٌ معدُودٌ من الغلطات؛ فإن ارتفاع الحدث لا يتبعّض، فلينو المتيمّمُ استباحة الصلاة، لتوافق نيَّتُه موجبَ الشرع، فتصحّ، ثم الطرق متفقة على أنه لو نوى بالتيمم استباحةَ الفريضة والنوافل، صحَّ منه إقامتها جميعاً.
والمذهب المقطوع به في طرق المراوزة أن تعيين الفريضة لا يشترط في نيّة التيمم.
= كنية صاحب التقريب، فهي: أبو الحسن، ت نحو 400 هـ. (تهذيب الأسماء: 2/ 278، طبقات الشافعية: 3/ 472، ووفيات الأعيان: 4/ 200، 201).

وذكر العراقيون وجهاً بعيداً أن التيمم لا يصح، ما لم ينو المتيمم صلاةً معيّنةً من الفرائض، ثم لا تجوز الزيادة عليها.
وذكر الشيخ في الشرح هذا الوجه، وهو مُطَّرحٌ، لا التفات إليه.
201 - ولو نوى بالتيمم استباحةَ الفريضة، ولم يتعرض للنافِلة، فالذي قطع به الصيدلاني أنه يتنفَّل بعد الفريضة، ولا حرج.
وهل يتنفّل قبل الفريضة؟ فعلى قولين: أحدهما -وهو المنصوص عليه في الأم- أنه يتنفل، وهو القياس؛ فإن الجمع بين الفريضة والنوافل جائز إذا نواه، فليجز، وإن لم ينوه اعتباراً بالوضوء.
ونصّ في الإملاء على امتناع ذلك، فإن النوافل إنما تؤدّى تبعاً للفريضة؛ إذ هو طهارةُ ضرورة [ولا ضرورة] 1 في النوافل، فإن تبعت، لم يعتد بها، ولا تتحقّق التبعيّة مع التقدم على الفرض المتبوع.
وكان شيخي يحكي قولاً ثالثاً: أن التنفل بعد الفرض لا يجوز، إذا كان المتيمم نوى الفرض، ولم يتعرض للنوافل، وهذا بعيد، لا يخرّج إلا على الوجه المزيّف في اشتراط التعيين، فهذا إذا نوى استباحة الفرض.
202 - فأما إذا نوى استباحة النفل، ولم يتعرض للفرض، فهل يصلّي الفرضَ؟ فعلى قولين مشهورين، وينتظم توجيههما بما قدّمناه.
ثم قال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: إذا قلنا: يؤدي الفرضَ، فلا كلام.
وإن قلنا: لا يؤدي الفرض، فهل يؤدِّي النفلَ أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما - يؤديه، وهو القياس.
والثاني - لا يؤدّيه؛ لأن الأصل أن التيمم لا يصلح إلا للفرض الذي لا بد منه؛ فإنه شُرع للضرورة، فلئن كان التيمم يصلح للنفل مع الفرض للتبعيّة، فلو جُرّد [للنفل] 2، لكان ذلك مناقضاً لقاعدة الضرورة بالكليّة.

فصول الكتاب · 71 فصل · 676 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نهاية المطلب في دراية المذهب · 676 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الحيض
كتاب الصلاة
كتاب الجمعة
كتاب صلاة العيدينكتاب صلاة الخسوف
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتَابُ الحَجِّ
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب التفليس
كتاب الحجركتاب الصلح
كتاب الحوالة
كتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كِتَابُ المُزَارَعَةِ
كتاب إحياء الموات
كِتَابُ العطَايَا (1) والحبس والصدقات
كتاب الهبات
كتاب اللقطة
كتاب الفرائض
كتاب الوصايا
كتاب الوديعة
كتاب قسم الفيء والغنيمة
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب القَسْمِ والنشوز
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الرجعة
كتاب الإيلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب العدة
كتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كتابُ الجراح
كتاب الديات
كتاب القسامة
كتاب الجنايات الموجبة للحدود والعقوبات
كتاب الحدود
كتاب السرقة
كتاب الأشربة والحد فيها
كتاب السِّيَر
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الضحايا
كتاب الأطعمة
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان
كتاب أدب القضاء
كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
كتاب الدعوي والبينات
كتاب العتق
كتاب التدبير
كتَابُ المُكاتَبِ
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل