كتابُ الجراح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وإن فرض هذا السؤال في غرضٍ آخر -وهو أن الأول صدر منه ما لا يؤثر- قلنا: قد صيّره الأولُ بفعله بحيث يقتل التأثيرُ بالضرب المتأخر، فتحقق الاشتراك من الكل، بهذا الوجه الذي ذكرناه، وقد انتجز المقصود من الفصل.
فصل
10333 - إذا جرح رجل رجلاً جراحة، وجرحه الثاني جراحتين، وسرت الجراحات إلى الموت، وآل الأمر إلى المال، فالتوزيع يقع على الجارحَيْن، والدية تجب نصفين، ولا ننظر إلى أعداد الجراحات.
ولو جرحه أحدهما وأشلَى عليه الآخر سبعاً، فعضه عضة غير [مذفِّفة] 1، وأنهشه الآخر حيّةً غيرَ مُجْهزة، فهذان السببان منه بمثابة جرحين، ولا اعتبار بالتعدد فيهما، وإنما النظر إلى اتحاد الجاني بهما.
ولو جرح رجل رجلاً جراحة، وعضه سبع عضة من غير إشلاء من أحد، ونهشته [حية] 2 من غير إنهاشٍ من أحد، فالجارح شريك [السبع] 3 والحية، فإذا آل الأمر إلى المال، ففيما يجب على الجارح وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما - أن الواجب عليه ثلث الدية، فإنه شارك شخصين: سبعاً وحية، فصار كما لو شارك رجلين.
والثاني - أنه يلتزم نصف الدية، وإذا لم يكن الشريك آدمياً، فلا نظر إلى عدد الأسباب، بل الجميع منها بمثابة سبب واحد في مقابلة جرحٍ من الآدمي.
وهذا الخلاف يمكن أن يُتلقى مما ذكرناه من التردد في أن صفة فعل السبع [هل] 4 تراعى؟ وقد ذهب طائفة، وهم الأكثرون إلى أنه يراعى صفة فعل السبع والحيّة؛ حتى لو تعمد، فالإنسان شارك عمداً محضاً غير مضمون، ففي القصاص قولان.
وإن اتفق سقوط السبع على إنسان من غير قصد منه، فالرجل شارك خاطئاً، فلا قصاص عليه قولاً واحداً.
وذهب المحققون إلى أن عمد السبع لا مبالاة به، وهو كالخطأ كيف فرض الأمر، فإن كانت أفعال السبع لا تختلف، [فلا نعتبر] 1 أعدادها، وإن كانت تختلف، فلا [ننكر] 2 اعتبارَ أعدادها.
والله أعلم.
فصل
قال: "ولو قطع يد نصراني، فأسلم، ثم مات، لم يكن فيه القود ... إلى آخره" 3.
10334 - مضمون الفصل الكلام في التغايير التي تلحق المجني عليه، والكلام في الجرح وما يقع [بعده من] 4 تغيّرٍ في المجروح، وفي [الرمي] 5 وما يقع من تغيّر المرميّ قبل وقوع السهم، فنذكر الجرحَ ونستقصي ما فيه، ثم نذكر الرميَ إن شاء الله عز وجل.
فنقول: إذا تغيرت حالةُ المجروح بعد وقوع الجرح به، وسرت الجراحة، وأدت إلى الموت، فلا يخلو إما أن يجرح في حالة الهدر، فيصيرَ إلى حالة الضمان، أو يجرحه في حالة الضمان، فيصير إلى حالة الهدر، أو يجرح في حالة نقصان الضمان، فيصيرَ إلى حالة الكمال.
فإن جرح في حالة الهدر، ثم صار إلى حالة الكمال، وسرت الجراحة إلى النفس، فلا شيء على الجارح في هذه الحالة، وذلك، مثل أن يجرح مرتداً فأسلم، ثم سرى إلى النفس، أو جرح حربياً فأسلم، وسرى إلى [النفس] 6.
وكذلك لو جرح حربياً، فعقدنا له الأمان، وسرى ومات.
وكذلك لو جرح حربي مسلماً أو ذمياًً، ثم أسلم الجارح أو عُقد له عقدُ الأمان، ثم سرى إلى النفس، فهذا التغير وإن كان في الجارح، فمقتضاه الضمان بعد الهدر.
وكذلك لو جرح السيد عبده، ثم أعتقه وسرى الجرح، أو جرح مستحقُّ القصاص من عليه القصاص، ثم عفا عنه، فسرت الجراحة.
فهذا بيان التغير من الهدر إلى الضمان تصويراً.
والحكمُ في ذلك ما قاله المراوزة؛ فإنهم قطعوا بأن الضمان لا يتوجه في هذه الصورة أصلاً؛ اعتباراً بحالة وقوع الجراحة؛ فإنها وقعت في حالة الهدر، فلا أثر لما يطرى من بعدُ.
وذكر العراقيون فيه إذا جرح مرتداً، ثم أسلم ومات، أو جرح حربياً وأسلم المجروح ومات، فلا يجب القصاص على الجارح.
وفي وجوب الضمان وجهان: أحدهما - أنه لا يجب، كما حكيناه عن طريق المراوزة اعتباراً بحالة الجراحة.
والثاني - أنه يجب اعتباراً بالمآل، وهذا مما انفرد به العراقيون، وإنما أثبت المراوزة الخلافَ في الضمان إذا جرى مثلُ ذلك في الذمي، كما سنصف ذلك في فصل الذمي، إن شاء الله عز وجل.
10335 - وذكر الشيخ أبو علي رضي الله عنه الوفاق في مسألة المرتد والحربي إذا أسلما بعد وقوع الجرح بهما، كما ذكرناه عن المراوزة، وذكر نصَّين مختلفين في المولى والمملوك، ونحن نسوقهما ونذكر مسلكه فيهما، قال 1 رضي الله عنه: "على أن السيد إذا جرح عبده، ثم أعتقه ومات مجروحاً، فلا ضمان على السيد الجارح أصلاً" ونصَّ الشافعي في عيون المسائل على أنه إذا كان بين شريكين جاريةٌ مشتركة، وكانت حاملاً بولد رقيق من نكاح أو سفاح، فضرب أحد الشريكين بطنَ الجارية، ثم أعتقها وسرى العتق وغرِم قيمةَ نصف صاحبه، فإذا ألقت الجنين ميتاً من
الجناية، قال الشافعي فيما نقله الربيع عنه: "يجب على الجاني في الجنين غرة كاملة".
وإيجابه الغرة يخالف النصّ الذي حكيناه في الجناية على المملوك مع إعتاقه؛ فإن الجنين حالة الجناية كان مملوكاً للشريكين، فقد صادفت جنايته نصفه مملوكاً له، ثم طرى العتقُ من بعدُ، فقياس ما قدمناه أنه لا يغرَم إلا نصفَ الغرة، وهو الذي كان مملوكاً للشريك.
قال الشيخ: اختلف أصحابنا في المسألتين على طريقين: فمنهم من قال: في المسألتين قولان نقلاً وتخريجاً: أحدهما - أن السيد لو جرح عبده، ثم أعتقه، فمات [يغرَم،] 1 ديته كاملة لورثته.
وإذا جنى على جنين مملوك، ثم عَتَق وسقط غَرِم الغرة كاملة.
والقول الثاني - أنه لا يجب الضمان لا في العبد إذا عتق، ولا في الجنين.
توجيه القولين: من قال: لا يجب الضمان في المسألتين -وهو القياس- احتج بأن الجراحة صادفت حالةَ الإهدار، فوجب إهدارها، والسراية بمثابتها، فصار كما لو جرح مرتداً أو حربياً، ثم أسلما.
هكذا احتج الشيخ.
ومن قال بالقول الثاني احتج بأن قال: الجراحة وقعت محظورة، والاعتبار بالمآل في قدر الضمان، كما سنصفه، فليكن الاعتبار بالمآل في أصل الضمان، وليس ذلك كجرح المرتد والحربي؛ فإنهما مهدران عموماً، والجراحة فيهما لا تكون محظورة بعينها.
ومن أصحابنا من أقرّ النصين، وطلب الفرق بينهما، فقال: الجرح صادف العبد تحقيقاًً، ثم عَتَق، ولا تتحقق إصابة الجرح الجنين، فإنه مغيب، فنعتبر حالةَ انفصاله، ونجعل ما تقدم بمثابة [رميٍ] 2 وحالةُ الإصابة حالةُ الانفصال، كما سنوضح تفصيل المذهب فيه إذا [رمى] 3 إلى عبده، فأعتقه وأصابه السهم حُرَّاً.
وهذا غير سديد؛ فإن الانفصال ليس حالة الجناية، وإنما الجنايةُ سابقة، والانفصال بسببها.
قال الشيخ: هذا بيّن، ولكن النصّ في الجنين مشكل.
10336 - فقد انتظم من مجموع ما ذكرناه أن [الجارح] 1 إذا أصاب المرتد والحربي ثم أسلما، فالمراوزة قاطعون بنفي الضمان، والعراقيون ذكر وا وجهين.
وإذا جرح عبدَه أو جنى على جنينه المملوك، ففيه التصرف الذي حكيناه عن الشيخ أبي علي رضي الله عنه.
10337 - ومما نذكره أنا إذا جرينا على ما حكاه العراقيون، ثم فرعنا على أن الضمان يجب إذا جرح حربياً، ثم أسلم ومات، وكذلك نظيره، فالدية مخففة مضروبة على العاقلة، والجناية ملتحقة بالخطأ المحض، وينزل ذلك منزلةَ ما لو رمى إلى صيد، فاعترض [آدميٌّ] 2 فأصابه وقتله، فالقتل خطأ محض.
هذا ما أرى القطعَ به، وهو مطرد في السيد وعبده إذا أوجبنا الضمان.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أصاب الجرحُ حالةَ الإهدار وطرى سببُ الضمان، من بعد الجرح.
10338 - فأما إذا صادفت الجراحةُ حالة الضمان، ثم طرى السبب المهدِر من بعدُ، مثل أن يجرح مسلماً، فيرتد، ثم تسري الجراحة ويموتُ مرتداً، وكذلك لو جرح ذمياًً، ثم ينقض العهد، ويموتُ حربياً، فعلى الجارح ضمان الجرح، فحسب.
وسيأتي هذا مشروحاً بعدُ في فصل مفرد، إن شاء الله عز وجل.
10339 - فأما إذا جرى الجرح في حالة نقصان الضمان، ثم انتهى إلى حالة الكمال، مثل أن يجرح ذمياًً، أو مملوكاً لغيره، ثم يُسلم الذمي ويعتِق العبدُ، فيجب البدل الكامل اعتباراً بالمآل، وهذا متفق عليه بين الأصحاب؛ فإن الجراحة صادفت محلّ الضمان، ثم أقدار الأروش تَبِين بالنهايات [استقراراً؛ فالنظر إلى
المآل] 1 في ذلك، وعليه تخرج سراية الجراحات، ولو قطع يدَ إنسان، فسرى ومات، وجب ديةٌ كاملة، ولو قطع يديه ورجليه، فسرت الجراحات، ومات، لم يجب إلا دية واحدة، وهذا أصل متمهد في الجراح.
وقد انتجز بما ذكرناه القول في الجراحات إذا وقعت، ثم تغير المجروح بعدها.
10340 - فأما الفصل الثاني 2 وهو الكلام في الرمي وما يحدث بعده من تغيّر على ما نصفه.
قال الشافعي: "ولو أرسل سهماً، فلم يقع على النصراني حتى أسلم ... إلى آخره" 3.
فنقول: إذا أرسل السهمَ فتغيرت حالةُ المقصود، ثم أصابه السهمُ، فلا يخلو إما أن يرسل السهم في حالة الإهدار، فصار إلى حالة الضمان، فأصابه السهم، أو كان في حالة الضمان عند نفوذ السهم، فيصير إلى حالة الإهدار، فيصيبه السهمُ.
فأما إذا كان مضموناًً حالة الإرسال، فصار هدراً، فأصابه السهم، وفيه المعنى المهدِر، فلا يجب الضمان أصلاً؛ اعتباراً بحالة الإصابة، وذلك أن يرسل السهم على مسلم، فيرتد، ويصيبه السهم مرتداً، وكذلك لو أرسل على ذمّي، فنقض العهد وأصابه السهمُ حربياً، فالجواب ما ذكرناه.
والأوْلى فرضُ ما ذكرناه فيه إذا كانت الجراحة [مذفِّفة] 4، فيخرج الجواب كما ذكرناه، وكذلك لو لم تكن مذففة، ولكنه بقي حربياً أو مرتداً إلى الموت، فالجواب ما ذكرناه.
10341 - فأما إذا كان المقصود هدراً عند الإرسال، ثم صار مضموناً فأصابه
السهم، فإن كان مرتداً عند الإرسال أو حربياً، فأسلم، فأصابه السهم، ففي وجوب الضمان ثلاثة أوجه: أحدها - يجب الضمان اعتباراً بحالة الإصابة؛ فإنها الجناية على التحقيق، [والرميُ] 1 سببٌ إليها، والاعتبار بوقت الجناية.
والوجه الثاني - أنه لا يجب الضمان؛ فإن الفعل الداخل تحت الاختيار هو إرسال السهم، وما بعد ذلك لا يدخل تحت اختيار الرامي، فكان [اعتبار] 2 حالةِ الإرسال أوْلى.
والوجه الثالث - الفرق بين الحربي والمرتد، فإن كان المقصود حربياً عند الإرسال، فلا ضمان؛ فإن هذا الرمي مأمور به محثوث عليه، وهو مما يثبت لآحاد الناس، ولا يختص بالولاة، وأما رمي المرتد، فغير سائغ من وجهين: أحدهما - أن قتله [مفوّض] 3 إلى صاحب الأمر.
والثاني - أنه يقتل بالسيف صبراً، ولا يسوّغ أن يرشق بالنشاشيب، [وإن كان خرج] 4 من الملة، فإذا كان [الرمي] 5 منهياً عنه، ثم تحقق الضمان حالة الإصابة، أوجبناه.
ولو رمى إلى عبد نفسه، ثم أعتقه، فأصابه، فهذا يخرّج على الخلاف أيضاً؛
فإنه كان مهدراً في حق الرامي عند الإرسال.
وكذلك لو رمى إلى قاتل أبيه ثم عفا عن القصاص.
والأولى أن ترتب هذه المسائل بعضها على بعض، فنقول: إذا رمى إلى حربي، فأسلم، فأصابه، ففي الضمان وجهان.
ولو رمى إلى مرتد فأسلم وأصابه، فوجهان مرتبان، وهذه الصورة أوْلى بالضمان، وإذا رمى إلى مَنْ عليه القصاص في ديةٍ، ثم عفا، فوجهان، والصورة الأخيرة أوْلى بالضمان من المرتد؛ فإن الإهدار الذي يتحقق في المرتد لا يتحقق فيمن عليه القصاص، وإذا رمى إلى عبد نفسه، فأعتقه، فأصابه السهم، فهذا أولى الصور بوجوب الضمان، وفيها وجهان، وسبب الترتيب أن
العبد مضمون بالكفارة على مولاه، ولا حاجة إلى الكشف في ذلك، والمرامزُ كافية.
فإن قيل: قد ذكرتم أنه لو جرح من هو مرتد، ثم تغيرت صفته، فصار مضموناً، وسرت الجراحة، فلا ضمان إلا على طريقة العراقيين، وقلتم: في الرمي أَوْجُهٌ على طريق المراوزة؟ قلنا: سبب ذلك أن الجرح جنايةٌ مستقرة؛ فقد ثبتت الجناية ووقعت والمجني عليه هَدَر، ويُظهر الإهدارَ، وإذا رمى، فالجناية لم تقع إلا والمقصود مضمون، فهذا هو الذي أوجب الفرق بين الأصلين.
وكل ما ذكرناه إذا كان المقصود هدراً عند الإرسال مضموناً عند الإصابة.
10342 - فأما إذا كان الأمر على العكس من هذا، فكان مضموناً عند الإرسال هدراً عند الإصابة، فلا يجب الضمان أصلاً، [وذلك مثل أن يرمي مسلماً] 1، فيرتد، فيصيبه السهم مرتداً، أو يرمي ذمياًً، فيصيبه السهم وقد نقض عهده وصار حربياً، فلا شك في انتفاء الضمان في هذه المنازل، والتعليلُ بيّن.
10343 - فأما إذا أرسل السهم في حالة نقصان الضمان، فأصاب السهمُ في حال كمال الضمان، فالاعتبار بحالة الإصابة باتفاق الأصحاب، وذلك إذا رمى إلى ذمي فأسلم، فأصابه السهم، أو رمى إلى عبدٍ لغيره، فأعتقه مولاه، فأصابه السهم، فالاعتبار بحالة الإصابة؛ فنوجب في مسألة الذمي ديةَ مسلمٍ، وفي العبد إذا أعتق ديةَ حرٍّ لورثته.
وأبو حنيفة 2 اضطرب مذهبه في أطراف هذا الأصل، فقال: إذا رمى إلى عبد فَعَتَق، ثم أصابه، قال: لا تجب دية حر، وإنما تجب القيمة؛ نظراً إلى حالة الإرسال، ووافق أنه لو رمى [إلى] 3 حيٍّ، فمات، فأصابه السهم ميتاً أنه لا يجب شيء، وكذلك قال: لو رمى إلى عبدٍ فانتقصت قيمته، فأصابه السهم، وهو ناقص القيمة، فالاعتبار بحالة الإصابة.
ولا خلاف أنه لو جرت أسباب غيرُ متصلة بالإهلاك، ثم جرى الهلاك، فلا تُعتبر حالةُ وجود الأسباب: فلو حفر بئراً في محل عدوان، وكان في الموضع مرتد أو حربي، أو كان له عبد، فأسلم الكافر وعتَقَ العبدُ، وفُرض التردِّي، فالضمان يجب اعتباراً بحالة التردي، وكل ما ذكرناه في الضمان.
10344 - وقد بقي علينا تفصيل القول في القصاص، فحيث نقول: لا يجب الضمان، فلا شك أن القصاص لا يجب، وإذا أوجبنا الضمان على التفاصيل المقدمة، فقد قال الأئمة إذا اقترن [مُسقطُ] 1 القصاص بالرمي، أو بالإصابة، أو تخلل بينهما، انتفى القصاص [تغليباً] 2 للدَّرء، فلو رمى إلى مرتد، فأسلم فأصابه السهم، فلا قصاص، ولو كان مسلماً [عند الرمي] 3 مرتداً عند الإصابة، فلا شك في انتفاء القصاص؛ فإن الضمان [ينتفي] 4 في هذه الصورة.
ولو رمى إلى مسلم، فارتد بعد الإرسال، وقبل الإصابة، ثم عاد وأسلم، فأصابه السهم، قالوا: لا يجب القصاص، وإن وجد الإسلام [في] 5 الطرفين: عند الإرسال وعند الإصابة؛ لأنه قد تخلل بينهما المسقط والدرءُ أغلب.
هذا ترتيب القصاص، وفي أصل الضمان الخلاف المقدم، وفي المقدار مع ثبوت الضمان في الطرفين الاعتبار بحالة الإصابة.
10345 - ثم قال الأئمة: ضرب [العقل] 6 على العاقلة نجريه في الترتيب نحو القصاص في أنه نعتبر فيه الأحوالَ الثلاثة، كما ذكرناها في القصاص.
وبيان ذلك أنه لو رمى إلى صيدٍ وأسلم الرامي، فأصاب إنساناً، فالدية في مال
الرامي، [ولا نضربها] 1 على عاقلة الرامي؛ لأنا إن ضربناها على عاقلته المسلمة، لم [يجز] 2؛ لأنه كان الرامي كافراً عند الإرسال، فالدية مضروبة عليه في ماله.
ولو رمى وهو مسلم إلى صيد، ثم ارتد الرامي، ثم أسلم، وأصاب [سهمُه] 3 إنساناً مضموناً، فالدية في مال الرامي لتوسط [الردة] 4 بين الإرسال والإصابة، وهذا على القياس الذي ذكرناه في درء القصاص إذا 5 اعتبرنا الطرفين والواسطة.
ولكنا صورنا التغايير في الجاني؛ فإن الغرض في المقصود الذي نحن فيه يتغير به لا محالة.
10346 - هذا ما ذكره شيخي، والقاضي، وجماهير الأصحاب.
وذكر الشيخ أبو علي رضي الله عنه في توسط [الردّة] 6 من الرامي بين الرمي والإصابة قولين في أن الدّية على من تضرب: أحدهما - أن الدية مضروبة على العاقلة؛ اعتباراً بالطرفين، ولا تعويل على ما توسط من الردّة بينهما.
والقول الثاني - أن الدية في مال الرامي كما حكيته عن الأصحاب.
قلت: لم يتعرض للقصاص، والذي أراه أن المسألة إذا كانت على قولين في أمر العاقلة، فيجب طرد القولين في القصاص أيضاًً، في نظير الصورة التي ذكرناها، حتى نقول: إذا رمى إلى مسلم، فارتد المقصودُ بعد الإرسال، وقبل الإصابة، ثم أسلم، فأصابه السهم، فهل يجب القصاص على الرامي؟ فعلى قولين، [فإن] 7 ضرب العقل على العاقلة خارج عن قياس التصرفات بجملتها، وإذا كان معدولاً عن القياس منزوعاً عن مقتضى الأصول، فالوجه أن نحتاط فيه احتياطَنا في القصاص.
ثم إذا جرى فيه قولان، فلا بد من إجرائهما في القود، والدليل عليه أن من جرح
مسلماً، ثم ارتد المجروح، وأسلم ومات، فسنذكر أن القصاص يجب على الجارح في قول، وإن [طرأت] 1 الردة في [الأثناء] 2، وقد تكون الجراحة ساريةً [حيث يرتد، ولو وقع هذا خرج قولٌ في وجوب القصاص] 3، نظراً إلى حالة الجرح والموت، [فمسألة الرمي] 4 لهذا أولى، وسنذكر مسألة طريان الردة على المجروح ونأتي بما ذكره الأصحاب فيه.
هذا بيان ما ذكره الشيخ أبو علي.
10347 - ثم نعود إلى ذكر مسائل في تحمل العاقلة، فلو جرى الجرح خطأً من ذمّي، ثم أسلم الجارح، ثم سرى الجرح وأفضى إلى الموت، قال الأئمة: أما ضمان الجرح، فنضربه على العاقلة الكافرة، لأن الجرح قديم في حالة الكفر، وتأتي الدية في مال الجارح لا يحتمله الكفار؛ لأن السراية وقعت في الإسلام، ولا يتحمله المسلمون لأنها سراية جناية جرت في الكفر، فإذا كان كذلك، فالوجه ضرب ما يزيد على أرش الجرح على الرامي.
وهذا فيه إذا كان أرش الجرح أقلَّ من الدية، فإن الدية، بكمالها مضروبة على العاقلة الكفار، ووجهه بيّن.
ومما يذكره الأئمة في ذلك أنه لو قطع ذمي أصبع إنسان، فسرى إلى الكف، ثم أسلم الجارح، وسرى إلى النفس، فدية الإصبع والكف على عاقلته الكفار؛ لأنها
استقرت في حالة الكفر، وذلك نصف الدية، والنصف الآخر في مال الجاني؛ لما تقدم تقريره؛ فإنه اشترك فيه الكفر والإسلام.
ومما ذكروه أنه لو قطع أصبعاً 1 في الشرك خطأ، ثم أسلم، ثم قطع أصبعاً أخرى ثم سرى إلى النفس، فالسراية تضاف إلى القطعين، وموجب ذلك أن نوجب نصف الدية على عاقلته المسلمين؛ لأن إحدى الجنايتين جرت في الإسلام، فأما النصف الآخر؛ فإنا نقول فيه: أما أرش الإصبع المقطوعة في الشرك، فمضروب على الكفار لاستقرار الجناية عليها في الشرك، وما زاد على أرش الإصبع إلى تمام نصف الدية، فهو في مال الجاني؛ لأنه اشترك فيه الكفر والإسلام [؛ إذ وُجدت] 2 سراية واقعة في الإسلام عن [جناية] 3 حصلت في الكفر، وأنا أعيد هذه المسائل إذا [انتهينا] 4 -إن شاء الله عز وجل- إلى باب العواقل والضرب عليهم.
فصل
قال: "لو جرحه مسلماً، فارتد، ثم أسلم، فالدية والكفارة، ولا قودَ؛ للحالة المتخللة ... إلى آخره" 5.
10348 - إذا جرح مسلماً فارتد المجروح، ثم عاد إلى الإسلام، ومات مسلماً بسراية الجناية، فالمنصوص عليه أن القود لا يجب للحالة الحادثة، وهي الردة الطارئة، وذكر الصيدلاني نصاً للشافعي يخالف هذا النص في مسألة تناظر هذه، وهي أن ذمياً لو جرح ذمّياً، فنقض الذمي المجروحُ العهدَ، والتحق بدار الحرب، ثم عاد إلى الذمة، فعقدناها له، والجراحة به، فسرت وأدت إلى الهلاك، قال الشافعي
فيما نقله الصيدلاني: "يجب القصاص على الذمي الجارح" ولا شك أن هذه المسألة تناظر طريان الردة؛ فإن انتقاض العهد مُهْدِر كالردة، فقد وجد في المسألتين في الطريقين شرطُ التزام القود، وتوسط فيهما جميعاً مُهدر.
وقد اختلف أصحابنا فمنهم من قال: في المسألتين جميعاً قولان في وجوب القصاص: أحدهما - أنه يجب؛ نظراً إلى حالتي الجرح والموت.
والثاني - وهو الأقيس أنه لا يجب؛ فإن المهدِر قد تخلل، والجراحة سارية، والقصاص يسقط بالشبهة، فيبعد والحالة هذه إيجابُ القصاص.
ومن أصحابنا من قال: نُنزل النصين في المسألتين على حالين، فحيث قال في مسألة الردة: لا يجب القصاص، صوّر فيه إذا طال الزمان والجراحة سارية، فنعلم أن للسراية الواقعة [في الردة] 1 وَقْعاً في الإهلاك، فعند ذلك لا نوجب القصاص.
وحيث أوجب القصاصَ فُهم [منه] 2 إذا طرى المُهْدِر وزال في زمانٍ خفيف، لا يظهر في مثله للسراية وقعٌ محسوس، فلا يمتنع القضاء بوجوب القصاص، والحالةُ هذه؛ إذ لا أثر للسراية المقترنة بالمُهدِر في الحالة اللطيفة، وقد نفرض إقبال الجراحة على الاندمال في حالة [اعتراض] 3 المهدِر، ثم نفرض انتقاضها عند العَوْد إلى الإسلام، والغرض ألا يكون للسراية موقع محسوس من الهلاك.
والرأي عند [المحققين] 4 في ذلك أن السراية إذا كانت محسوسة، وقد تمادى زمان المهدِر، فيجب القطع بانتفاء القصاص.
وإن قصر الزمان بحيث لا يظهر للسراية فيه أثر، ففي القصاص قولان.
ويتبيّن مما انتهى التصوير إليه أن ما ذكرناه في تخلل المهدِر بين إرسال السهم والإصابة من الاحتمال، فهو متجه، بل هو بالاتجاه أولى؛ من حيث إن الجراحة لم تكن واقعةً بعدُ.
10349 - ثم إذا أوجبنا القصاص في المسألة التي نحن فيها، فلو آل الأمر إلى المال، وجبت الدية بكمالها، لا شك فيه.
وإن [أسقطنا] 1 القصاص، لمكان اعتراض المهدِر، وآل الأمر إلى المال، فظاهر النص أنه يجب الدية الكاملة.
وخرج ابن سريج قولاً آخر أنه يجب ثلثا الدية، والدية موزعة على الأحوال، وهي حالتا ضمان، وحالة هدْر.
وذكر بعض أصحابنا وجهاً ثالثاً، وهو أن الواجب نصف الدية، فنضم حالتي الضمان ونجعلهما حالة واحدة، ونوزع الدية على حالتي الهدر والضمان.
ومما يتفرع على هذه النهاية أنا إذا أسقطنا القصاص عند اعتراض المهدر، [إن] 2 قرب زمانه، ولم [يُحسّ] 3 موقع السراية، فمن أصحابنا من قطع هاهنا بإكمال الدية وردَّ المسالكَ الثلاثةَ والخلافَ إلى ما إذا طال الزمان، وكانت السراية محسوسةً مع المهدر.
ومن أصحابنا من طرد الخلاف في قرب الزمان وتماديه، ولم يُفَصِّل؛ فإن السراية وإن كانت غائبة ولم تحس، فليس ذلك للحكم [بانتفائها وعدم وجودها، ولكن غَوْرها يَبْعُد بها عن الحس] 4، ولا شك فيها.
هذا تمام الكلام في المسألة.
10350 - وقد حكى الصيدلاني في مصنفه مسلكاً عن الققال لا يليق بمنصبه ونحن نذكره على وجهه، ثم ننبه على الخلل فيه.
قال: قال الققال: القولان في القصاص مبنيان على ما إذا زَهَقت الروح بجناية
مضمونة واقعةٍ عمداً، وجنايةٍ واقعةٍ عمداً غير مضمونة، كما قدمناه في شريك الحربي أو شريك السبع، ووجه التقريب أن السراية في حالة الهدر لها حكم العمد، ولكن لا ضمان فيها، والجراحة والسراية في الطرفين لهما حكم [العمد] 1 والضمان.
وهذا إن صح النقل فيه هفوةٌ عظيمة؛ من جهة أنا إنما نردد القولين في الجانبين إذا كان أحدهما ضامناً عامداً، وكان الثاني عامداً ولم يكن ضامناً، [فأما إذا صدرت الجراحتان من جارح واحد، فلا قصاص على الجارح] 2، سواء كانت تلك الجراحة مضمونة أو لم تكن؛ والسبب فيه أنه إذا صدر المُسقِط والموجب من شخص واحد، فلا بد من إثبات أثر المسقط، والمحلُّ واحد، فيغلب السقوطُ الثبوتَ، وإذا تعدد الجانيان أمكن إثبات أثر الإسقاط والإيجاب جميعاً، فندرأ القصاصَ عمن لا يستوجبه ونُثبته على من يستوجبه، وفي ذلك توفية الموجِبين، والوفاء بحق الجنايتين.
[فلو] 3 عدنا إلى مسألتنا: السراية في حالة الردة، [فهي] 4 بمثابة جناية تصدر من ذلك الجارح بعينه، فكيف ينتظم هذا فيها، ولو كان الناقل غيرَ موثوق به، لقطعت بتغليطه، ولكن الناقل [معتمدٌ] 5، وقد عزّ من لا يهفو.
هذا تمام المراد في المسألة نقلاً [وتخريجاً] 6 وبحثاً.
10351 - ومما ذكره العراقيون أنا إذا أوجبنا الدية وكانت الجناية خطأ، [فهل] 7 تُضرب على العاقلة؟ ذكروا فيه وجهين: أحدهما - أنه لا يضرب على العاقلة إلا نصف الدية، فإنه قد جرى ارتداد في الأثناء.
وهذا زلل غيرُ معتد به؛ فإن الردة لو اعتبرناها، لما أوجبنا الدية بكمالها، فإذ
قلنا: تجب الدية الكاملة، دلّ أنا لم نعتبر الردة أصلاً، وأسقطنا أثرها بالكلية.
والثاني - أنه تضرب الدية بكمالها على العاقلة.
وهذا هو الذي لا يجوز غيره.
فصل
قال: "ولو مات مرتداً، لكان لوليه المسلم أن يقتص بالجرح ... إلى آخره" 1.
10352 - إذا جرح مسلماً، فارتد المجروح، ومات على الردة من ذلك الجرح، فلا شك أن القصاص لا يجب على القاتل في النفس، وكيف يجب القصاص في النفس ولا ضمان في النفس، وقد مهدنا ذلك فيما سبق.
أما ضمان الجرح بالمال إذا كان النظر فيه، فهو ثابت، وأما القود في الجرح، فقد قال الشافعي رضي الله عنه: "لوليه المسلم أن يقتص منه".
وقد اختلف أئمتنا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه أراد بالولي الإمام؛ فإنه إذا مات مرتداً، فالمسلم لا يرثه أصلاً، وإذا لم تكن وِراثة، ولا طريق في استحقاق القود غيرُ الوراثة، استحال أن يستحق القصاصَ؛ فالولي عبارة عن الإمام أو عن نائبه.
وهذا التأويل فيه بُعد، وإن كان المذهب سديداً.
ومن أصحابنا من قال: أراد بالولي قريبَه المسلم الذي كان يرثه لو مات مسلماً، ولفظ الشافعي صريح في هذا المعنى؛ فإنه قال: "لوليه المسلم"، فإن أمكن حمل الولي المطلق على الإمام على بُعدٍ، [فتَقْييد] 2 الولي بالمسلم نصٌّ في أن المراد به القريب الوارث.
ولكن توجيه هذا الوجه عسر، والممكن فيه أن المقصود من القصاص التشفِّي
ودَرْكُ الثأر، وهو [بالقريب] 1 وإن كان مسلماً أولى، [فإذا عفا] 2، وآل الأمر إلى المال، فالولي الخاص المسلم لا يرث، فالذي ذُكر من الجواب عنه أنه لا يمتنع أن يَتَصرف في القصاص من لا يتصرفُ في المال؛ فإن من قُتل [ظلماً] 3 وعليه ديون وللوارث أن يقتص، [فلو] 4 عفا، فالمال مصروف إلى الديون 5، (وقد يفرض من الوصايا من الثلث من الديون) 6.
وهذا لا يثبت على المساق الذي نريده ونبني هذا المجموع عليه.
10353 - ثم ينتظم من مجموع ما ذكرناه أنا إن لم نُثبت حقَّ الاقتصاص للولي الخاص، ووكلناه إلى الإمام، فللشافعي قولان في أن من قُتل أو قطعت يده، ثم مات وليس له وارث خاص، فهل يثبت القصاص [ممّن] 7 قتله؟ أحدهما - لا يثبت القصاص؛ لأنه لو ثبت، لاستحقه كافة المسلمين وفيهم الصبيان والمجانين، ولا يسوغ استيفاء القصاص وفي الأولياء من وصفناهم.
والقول الثاني - أنه يثبت القصاص، [ولا أصل] 8 لما ذكره ناصر القول الأول؛ فإن القصاص يثبت بجهةٍ مخصوصة، ولا يُنظر فيها إلى آحاد المسلمين، وعلى الإمام أن يصرف ما يأخذه من ميراث من ليس له وارث حاضر إلى [الذين] 9 ولدوا بعد موته، فاستبان أن هذا التوريث لا يتعلق بالأشخاص، وإنما يُعزى إلى جهة المصالح فحسب.
والوجه أن نقول: [في] 1 إيجاب القصاص معنيان: أحدهما - الزجر والتشفي ودرك الغيظ، فإن راعينا الزجر، أثبتنا القصاص، وإن راعينا معنى التشفِّي، لم نثبته.
10354 - فخرج من مجموع ما ذكرناه أن أصل القصاص في المسألة التي نحن فيها مختلف فيه: فمن الأصحاب من لم [يثبته] 2 أصلاً.
ومنهم من أثبته، [ثم فيمن] 3 يثبت له حق الاقتصاص خلاف.
ولا وجه لإثبات القصاص للولي الخاص، وإن كان النص يخالفه والله أعلم.
10355 - ذكر العراقيون ترتيباً في أرش الطرف، فقالوا إن قلنا: لا يجب القصاص [في الطرف] 4 المقطوع في حالة الإسلام، فهل يجب الأرش؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يجب الأرش، ولا قصاص فيه ولا أرش.
وهذا بعيد، لا اتجاه له، والممكنُ فيه أن الأطراف تندرج تحت النفس، وإذا مات مرتداً بسراية الجناية، وجب اندراجها في حكم الإهدار تحت النفس.
وهذا الوجه إنما يجري إذا مات مرتداً بسراية الجناية الجارية في الإسلام.
والوجه الثاني - أنه يجب الأرش؛ فإنها جناية جرت في حالة الإسلام، فيستحيل إهدارها، فإذا قلنا: يجب الأرش، [فإن] 5 كان الأرش مقدارَ الدية أو أقل، فإنه يجب ويصرف إلى مصرف الفيء، ولا يدفع إلى قريبه الخاص الذي كان يرثه لو مات مسلماً؛ فإن المسلم لا يرث المرتد أصلاً.
وإن كانت الأروش أكثر من الدية مثل إن كان قطع الجاني يديه ورجليه، فأروشها ديتان، ففي الواجب وجهان: أصحهما - أنه لا يجب أكثر من الدية، فإنه لو مات مسلماً، لما وجب أكثر من الدية، فيستحيل أن
[يزيد] 1 الضمان بسبب موته مرتداً والمسألة مفروضة فيه إذا مات بسراية الجراحات.
[والوجه الثاني - أن الأروش تجب بجملتها] 2 بالغةً ما بلغت، وإن زادت على دياتٍ، وهذا اختيار الإصطخري، ووجهه أن الأروش إنما تعود إلى مقدار الدية بسبب الاندراج تحت النفس، والنفسُ مهدرة في هذه المسألة، فلا سبيل إلى الإدراج، وإذا تعذر المصير إليه كما ذكرناه، فلا وجه إلا إفراد الجراحات بأروشها، ويصير تعذّر الإدراج بسبب الردة بمثابة ما لو اندملت الجراحات، ومات هو مرتداً بسببٍ آخر، [أو قتل] 3 لردته، ولو كان كذلك، لوجبت الأروش، وإن بلغت دياتٍ، فهذا ترتيب المسألة في القصاص والأروش.
فصل
10356 - إذا قطع يدي نصراني ورجليه مثلاً، فتمجس ومات من سراية الجرح، فهذا يتفرع على أن الذمي إذا تنقل من دينه إلى دين آخر سوى الإسلام، فهل يُقرّ عليه أم لا؟ وفيه قولان تقدم ذكرهما في النكاح.
فإن قلنا: إنه لا يُقر عليه، فهو في تمجسه [هذا كالمرتد] 4، فتفصيل القول فيه على هذا القول كتفصيله فيه إذا قطع يد مسلم، ثم ارتد ومات من الجرح مرتداً.
فإن قلنا: إنه يقرّ على ما انتقل إليه، فقد انتقصت ديته، واندرجت أطرافه تحت نفسه، فلا يجب إلا دية مجوسي.
وإذا تقرر أنا نعتبر في مقدار الدية المآل، فما ذكرناه قياس الأصول، وسنذكر أن من قطع يدي عبد قيمته دياتٌ، وعَتَق ومات حراً من السراية، فلا يجب إلا ديةٌ واحدة.
هكذا ذكر العراقيون هذا الفرع.
فصل
قال: "ولو فقأ عين عبد قيمته مائتان من الإبل ... إلى آخره" 1.
10357 - هذا الذي ذكره رضي الله عنه تقدير، فإن قيمة العبد تعتبر تحقيقاًً بالدراهم والدنانير، والمعنيّ بقوله: "إن العبد لو كانت قيمته" بحيث لو صرفه إلى الإبل، لبلغت مائتين.
ونعود إلى الغرض، ونقول: إذا جرح عبداً قليلَ القيمة، فعَتَق وسرت الجراحة إلى النفس، وأهلكته، فيجب على الجاني ديةُ حر؛ اعتباراً بالمآل.
وهذا أصلٌ متمهد على مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة 2: لا يلزمه إلا قيمةُ العبد، ولو كانت قيمة العبد أكثرَ من دية حر وبلغت مقدارَ ديتين، فإذا جنى جانٍ وقطع يديه، فعَتَق ومات، فمذهب الشافعي أنه يجب دية الحر، ولا مزيد؛ اعتباراً بالمآل.
وقال المزني: يجب على الجاني أرشُ اليدين، وإن بلغ مقدار ديتين، وهذا بعيد عن مسالك المزني؛ فإنه لا يرتضي إلا الأقيس وما يعضده أجْلى النظر، فلعله رضي الله عنه قال ما قال عن أصلٍ، وهو أن المولى يستحق الأرش على التفصيل الذي سيأتي ذكره على أثر هذا، فيستحيل أن يُصرف إلى السيد دية حر؛ فإنه لا يستحق إلا أرش ما يرد على الرق، فلما استحال حِرمان المولى، واستحال أن يصرف إليه من دية الحر، فالوجه قطع أثر الحرية، والمصيرُ إلى إيجاب أرش الجراح الجارية في الرق، فينقطع أثر السراية في هذا المسلك.
وهذا يناظر الوجه الذي حكيناه عن الإصطخري فيه إذا قطع يدي مسلم ورجليه، فارتدّ المجروح، [ثم عاد مسلماً] 3، فإنه قال: تجب أروش الجراحات وإن زادت على ديات، فإنه لو نظر إلى السريان، لوجب الإهدار، فإذا امتنع الإهدار، وعسر
تفريع السريان، رأى اعتبارَ الأطراف.
كذلك سلك المزني هذا المسلك، وكان شيخي يقول: من سلك مسلك الإصطخري من أصحابنا، لم يُبْعد أن يوافق المزني في مذهبه.
وهذا بعيد غير معتد به.
والمذهب ما قدمناه من إيجاب دية حر، من غير مزيد، وتمام البيان في هذا الفصل يتصل بالفصل الذي يليه، وها نحن نبتديه.
فصل
قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قطع يدَ عبد، فأُعتق ... إلى آخره" 1.
10358 - صورة المسألة: إذا قطع يد عبد [فعَتَق] 2 وسرى إلى نفسه، فمات، وجب عليه دية كاملة، كما تمهد ذكره من اعتبار المآل في المقدار، ثم غرض الفصل أن نبيّن ما يصرف إلى السيد، وما يصرف إلى ورثة القتيل؛ فإنه مات حرّاً موروثاً.
والمسألة مفروضة فيه إذا قطع الجاني يداً واحدة، فالمنصوص عليه في هذه المسألة أنه يجب للمولى أقلُّ الأمرين من أرش الجناية على الملك، لو قُدِّر اندمالُها، ومما التزمه الجاني على الملك، فإن كان أرش الجناية على الملك أقلَّ من الدية، فيستحيل أن يستحق السيد مزيداً بسبب الحرية.
فإنه لا يستحق إلا جبرانَ ملكه، فأما ما زاد بسبب الحرية، فلا حظَّ له فيه.
وإن كانت دية القتل أقلَّ من الأرش لو قدر الاندمال في الرق، فلا وجه لإثبات مزيد على الجاني؛ نظراً إلى المآل، كما ذكرناه، وإذا لم نزد شيئاًً على الجاني، فلا يستحق السيد إلا ما التزمه الجاني.
هذا بيانُ هذا القول ووجهُه.
[وفي] 3 المسألة قول آخر مأخوذ من نصّ الشافعي في مسألة أخرى سنذكرها على
أثر هذه، وهو أن المولى يستحق أقلَّ الأمرين من دية القتيل، وتمامِ قيمة العبد المجني عليه.
فإذا كان قَطَع الجاني يداً واحدة من العبد، ثم عَتَق ومات، فللمولى أقل الأمرين من تمام دية القتيل، أو تمام قيمته.
وتوجيه هذا القول: أن هذا الشخص إنما مات بسبب الجناية عليه في الرق، وإذا وجب اعتبار السريان، ولم [يجْر] 1 تقديرُ الاندمال، وقد تحقق السريان، فنقدر القتيل ميتاً رقيقاً، ونقدره ميتاً حراً، ونوجب للسيد أقل العوضين، فإن كانت الدية أقلَّ، فليس للسيد إلا ما أوجبناه على الجاني، وإن كانت القيمة أقلَّ، فالزيادة تثبت بسبب الحرية، فيستحيل أن يستحقها، أو يستحقَّ شيئاًَّ مَنها السيدُ.
فرجع حقيقةُ القولين وتوجيههما إلى أنا نقول في القول الأول؛ نعتبر أرش الجناية مع الرق، أو ما يلتزمه الجاني على الملك، ثم نقول: للسيد أقلُّ الأمرين، ولا نعتبر السريان على الرق؛ فإن هذا تقدير على خلاف ما وقع تحقيقاًً.
وناصر القول الثاني يقول: الجراحة على الملك قد سرت حساً، وما ذكره الأول من أنها ما سرت على الرق يعارضه أن ما يصرف إلى السيد في كل وجه إنما هو جزءٌ من دية حر، فإذا لزم ذلك واحتُمِل، فتقدير الموت على الرق لا يبعد.
هذا بيان القولين وتوجيههما.
10359 - فإن قيل: إذا كان الواجب ديةَ حر، فكيف يستقيم صرفها أو صرف شيء منها إلى السيد، وأثبتوا هذا الأصل؟ ثم الكلام في المقدار متفرع على ثبوت هذا الأصل، وهلا قلتم: إذا أعتق السيد العبدَ المجني عليه، فيكون إعتاقُه إياه إسقاطاً لحقه من الأرش بالكلية، وأنه إنما يستحق ما يستحقه بحق الملك واستحقاق الرق، فإذا أَسقَطَ حقَّ الرق، فقد أسقط الأصلَ الذي منه صدر استحقاقه للأرش؟
قلنا: الإعتاق إزالة للملك، واليد المقطوعة لا يبقى عليها الملك، ولا ينصرف إليها العتق، ولا ينعطف على المستحَق بها إسقاطٌ، ثم لا مرجع إلا على الجاني
ولا شيء على الجاني إلا ديةُ الحر، فاضطررنا إلى إثبات حق المولى من الدية، ويثبت على الجاني.
وسأعود إلى تحقيق ذلك في آخر الفصل، عند نجاز المسائل، فإذا كان قَطَع الجاني يداً من العبد، ثم عتق ومات من السراية، فقد ذكرنا القولين وتوجيههما.
10360 - ثم [حرر] 1 المراوزة عبارتين عن القولين نذكرهما لنجري عليهما الصور التي سنذكرها، فالعبارة عن القول الأول: أن للسيد أقلَّ الأمرين من أرش الجناية على الملك، أو ما التزم الجاني بسبب الجناية على الملك، وأرشُ الجناية على الملك نصف القيمة، وما التزم الجاني دية كاملة، فللسيد الأقلُّ منهما.
والعبارة عن القول الثاني: أن للسيد أقلَّ الأمرين ممّا التزم الجاني [بالجناية] 2 على الملك، أو مثل نسبته من قيمته، وما التزمه الجاني بسبب الجناية على الملك [الديةُ، ومثل نسبته] 3 من القيمة تمامُ القيمة، فللسيد أقلُّ الأمرين من تمام الدية، أو تمام القيمة.
ونحن نرسم بعد ذلك صوراً ونُخرِّجها على القولين، ثم نختم الفصل بما ذكرناه.
10361 - صورة لو قطع يد عبدٍ فعتَق، ثم جاء آخر وقطع بعد الحرية رجله، ثم جاء ثالث، وقطع يده الأخرى، فقد اجتمع ثلاثةٌ من الجناة، فالوجه أن نقول: الواجب دية كاملة، وهي أولاً موزّعة على هؤلاء، فإن الجناة إذا اجتمعوا، لكان التوزيع على رؤوسهم، فعلى الجاني في الرق ثلث الدية، والمولى يستحق ما يستحق من جهة الجاني على الملك؛ فإن الجنايتين الأُخريين جنيا بعد الحرية، فلا تعلق للسيد بهما، ثم كم للسيد مما التزمه الجاني على الملك؟ فعلى ما قدمنا من القولين: أحدهما - أن للسيد أقلَّ الأمرين من أرش الجناية على الملك، وهو نصف القيمة، أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك، وهو ثلث الدية، فيصرف إلى السيد أقلُّ الأمرين مما ذكرناه.
وتحقيقه على التوجيه أنا نعتبر الأرش من غير تقدير السريان، أو جميعَ ما يلتزمه الجاني بسبب الجناية على الملك.
والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين من ثلث الدية، أو ثلث القيمة، نصّ الشافعي على هذا، في هذه الصورة، فخرّج الأئمة ذلك في الصورة الأولى، وفي كل صورة تفرض.
والعبارة عن القولين أنا نقول في قولٍ: للسيد أقلُّ الأمرين من أرش جناية الملك، أو ما يلتزمه الجاني بالجناية على الملك.
وأرش الجناية نصف القيمة، [وما التزمه] 1 الجاني ثلث الدية، وللسيد الأقل منهما.
ونقول في القول الثاني: للسيد أقلُّ الأمرين مما التزمه الجاني بسبب الجناية على الملك، وهو ثلث الدية، أو مثلُ نسبته من قيمته، وهو ثلث القيمة، فللسيد الأقل منهما.
10362 - صورة أخرى: لو قطع رجل يد عبد، ثم عَتَق، فجاء جانٍ وقطع يده الأخرى، وجاء ثالث وقطع إحدى رجليه، ثم جاء الجاني الأول الذي جنى في الرق، وقطع رجله الأخرى، فالجناة ثلاثة، والواجب دية حر، وهي موزعة على رؤوسهم أثلاثاً؛ فإن هذا التوزيع لا يختلف بأن يَكْثر [الجرمُ أو ينقص] 2 وإنما النظر إلى رؤوس الجناة.
ثم نقول بعد ذلك: على الذي جنى في الرق والحرية ثلثُ الدية، ثم له حالان: حالُ جنايةٍ على الرق وحالُ جنايةٍ في الحرية.
فيوزع الثلث الذي عليه على حاليه: فيخص حالَه في الرق سدسُ الدية، وحاله في الحرية سدس الدية، ثم نُجري القولين، فنقول في أحد القولين: للسيد الأقلُّ من أرش الجناية على الملك، وهو نصف القيمة، أو ما التزمه الجاني على الملك، وهو سدس الدية؛ فإن ما التزمه بالجناية على الملك هذا المقدار.
فإن قيل: ألستم لم تعتبروا عدد الجراحات، ولم تفصلوا بين أن تكثر أو تقل؟ قلنا: هذا كذلك إذا أردنا التوزيع على الجناة، فإنا نجوز أن يكون الجرح الواحد من بعضهم أعظمَ أثراً من جراحات، فهذا ما بنينا أصلَ التوزيع على الرؤوس.
وإذا [أدرنا] 1، نظرنا إلى من فيه كلامُنا، وقد خصه من الغرم الثلث، وصدر منه جرحان: أحدهما - على الملك.
والثاني - على الشخص الحر، فلا بد وأن نثبت لجرحه في حالة الحرية أثراً، ويستحيل [أن نلغيه] 2، فيتعين المسلك الذي ذكرناه.
هذا أحد القولين.
والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين مما التزمه بالجرح الواقع على الملك [السدسُ] 3 أو مثلُ نسبته من قيمته، وهو سدس القيمة.
وإذا وجهنا القولين في الابتداء مرة، كفانا في تفريع المسائل اتباعُ العبارة المحررة، وإن رمزنا في هذه المسألة إلى التوجيه، كان سبباً في [رسوخ] 4 المعنى في الفكر، كأن أحد القائلَين يعتبر أقل الأمرين من الأرش لو فرض الاندمال أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك، والثاني - يعتبر الموت والسرايةَ في جانب الأرش؛ فإن الموت واقع في الواقعة، ثم ينتظم من هذا المقصود الأقلُّ من الملتزَم أو مما يناسبه من القيمة، فإن النسبة تتحد؛ إذ الساري هو الذي يوجب قسطاً من الدية، ثم ننظر في مثله من القيمة، ثم العبارة المحررة تَهدي إلى المقصد.
ويجب التنبه لتقييد الكلام بالجناية على الملك؛ فإنه قد يفرض من الغارم للسيد جرحان: أحدهما - في الرق، والثاني - في الحرية، ولا حظ للمولى إلا فيما يقابل الجناية على الرقيق سواء قدر جزءاً من الدية -إذا كان هو الأقل- أو جزءاً من القيمة.
وبيان الفصل عند نجازه.
10363 - صورة أخرى: إذا أَوْضح رأس عبد، فعَتَق، فجرحه آخر، ومات من
الجراحتين، فالدية عليهما نصفين قسمةً على الرؤوس، ثم فيما للسيد قولان: أحدهما - له أقل الأمرين من أرش الجناية، وهو نصف عشر القيمة، أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك وهو نصف الدية.
والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين مما التزمه الجاني بالجناية على الملك، وهو نصف الدية أو مثل نسبته من قيمته وهو نصف القيمة.
10364 - صورة أخرى لو أَوْضح رأس عبد، فعَتَق، فجرحه آخر بعد العتق، فعاد الموضح في الرق، فجرحه أخرى، فمات، فالدية بينهما نصفان، ثم للجاني في الرق حالان كما تقدم، فيخص الجناية على الرق ربع الدية، ففي أحد القولين: للسيد أقلّ الأمرين من أرش جناية الملك، وهو نصف عشر القيمة، أو ما التزمه الجاني بالجناية على الملك وهو ربع الدية، والقول الثاني - أن للسيد أقلَّ الأمرين مما التزمه الجاني بالجناية على الملك وهو ربع الدية أو مثل نسبته من قيمته وهو ربع القيمة.
وما عندي أنه يخفى إخراج القولين في صورةٍ بعد تمهيد ما ذكرناه.
10365 - وأورد المزني [مسألةً نذكرها] 1، ولكن مذهب المزني خارج عن القولين جميعاً؛ فإن مذهبه أن الجاني يلتزم للمولى أرش الجناية أبداً، ولا يتغير ذلك، وهذا تركٌ للنظر إلى السراية، وقرارِ الجنايات على الأطراف.
ولا خلاف أنه لو قطع أطراف حرٍّ موجَبُها ديات، [ولو] 2 انتقلت فسرت وزَهَقَت الروح، فلا تجب إلا ديةٌ واحدة؛ اعتباراً بالمآل.
فأما المسألة التي [أوردها] 3، فصورتها: عبد قيمته عشرون بعيراً تقديراً، فأوضح رأسه، فعَتَق، فشاركه تسعةٌ في الجراحة، ومات العتيق، فالواجب ديةٌ، على كل واحد عُشرها، وهو عَشرٌ من الإبل، ثم فيما للسيد قولان: أحدهما - أن له بعيراً واحداً 4،
وهو أرش الجناية؛ فإنه أقل مما التزمه الجاني بالجناية وهو عَشرٌ من الإبل.
والقول الثاني - أن للسيد بعيرين، وهو عُشر القيمة، وهو أقل من عُشر الدية، هذا بيانٌ مقصودٌ 1.
10366 - وقد كنا تعرضنا في ابتداء الفصل لأمر، ثم رأينا تأخيره، فنقول: الآن نوضّح [غرضنا في اتحاد الجاني] 2 ثم لا يخفى ما يرد بعده، فنقول: إذا قطع يدي عبد، فعتق، ومات، وكانت قيمة العبد مقدار مائة من الإبل، وقد مات المجروح حرّاً، فالبدل بكماله مصروف إلى السيد في هذه الصورة، على القولين.
وهذا بيّنٌ لمن فهم ما قدمناه.
ثم الذي يقع المباحثة فيه أن الواجب دية حر، ولا حظّ للسيد في بدل الحرية، وقد ذكرنا طرفاً مما فيه جوابُ هذا، وقلنا: إذا [كان] 3 أرش الجناية على الملك لا سبيل إلى إبطاله أصلاً؛ فإن الإعتاق لا يُسقط الأرش المتعلق بالجناية، ولكن تخللت الحرية والسراية، وعسر الأمر لتركبه من الرق والحرية، وآل حاصل الكلام إلى أنا نؤدِّي حق الجناية على الملك من بدل الحر؛ فإن الموت حصل بالجناية الجارية على الرقيق.
ولا يتضح الغرض في ذلك إلا بعَرْض الكلام فيما [يصرفه] 4 الجاني.
فإن قيل: كل ما على الجاني في الصورة التي ذكرتموها مصروفٌ إلى السيد، وقيمة الأرش مقدار مائةٍ من الإبل؛ فإن المجني عليه مات حراً، فلو جاء بمائة من = له في الحر بدلٌ مقرر، كالموضحة هنا - فأرشها يقع من قيمة العبد بنسبة الواجب في الحرّ إلى الدية.
وهو هنا نصفُ العشر (خمسٌ للحر وواحد لهذا العبد).
الإبل، فقال السيد: أريد الدراهم، وهي النقد الغالب، وقال الجاني: ليس عليّ إلا الإبل، فإن ألزمنا السيد قبول الإبل، كان ذلك قبول الحيوان قيمةً، وإن ألزمناه الدراهم والقتيل حر، كان ذلك مخالفاً للأصل الذي مهدناه في أن الاعتبار بالمآل؟ قلنا: قد يتقدم في ذلك أن الواجب مائة من الإبل، فلا معدل عنها، ومن أراد طلب غيرها لم يمكّن إلا أن يقع التراضي على العدول.
وهذا موجه بما ذكرناه؛ فإن جميع ما على الجاني مصروف إلى السيد، وإنما عليه الإبل، فتكليفه بيعَها لا وجه له.
وإن أراد هو أن يأتي بالدراهم، فالسيد يقول: لم تفعل هذا والواجب المحتوم عليك الإبل؟ وليست الإبل في حكم المرهون عندك، ولا حق لغيري فيما عليك، فسلم إليّ ما عليك.
هذا وجهٌ لا بأس به.
ولو قال السيد: لا أبغي منه إلا الدراهم، [فما أمكن] 1 يغرم لي بحق ملكي، [ومن] 2 جنى على ملكٍ، لم يغرَم الإبل، فهذا محال، والسيد لا يجاب إليه؛ فإن القتيل حر، وإذا كنا نرد الأروش -وإن زادت على الديات- إلى دية حر، وفيه تنقيص المقدار؛ نظراً إلى المآل، فلا يبعد أن يرجع الأمر إلى جنس الإبل، وإن كان أرش الجناية على الملك الدراهم؛ نظراً إلى المآل.
10367 - والوجه السديد عندي أن يقال: إن جاء الجاني بالدراهم، وجب [إجبار] 3 المولى، فإن قال: أريد الإبل، قيل: هذا من أثر الحرية، ولا حظّ لك فيما تقتضيه الحرية، وإن جاء بالإبل، وجب أيضاً إجبار المولى على القبول؛ فإن الجاني يقول: هذا هو الذي يلزمني، فخرج منه أن الخيار إلى الجاني/، ولا تحكّم للمولى، وهكذا يتركب إذا مست الحاجة إلى أداء قيمةٍ من دية.
فإنتظم إذاً مما ذكرناه وجهان: أحدهما - أن الإبل [تتعين] 4، فلا تعدّل إلا
بالتراضي، ووجهه أنه هو الواجب، وهو مصروفٌ إلى السيد، فلا وجه للتصرف فيه.
والثاني - أن الخيار إلى الجاني، وهذا أفقه وأغوص.
10368 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن السيد في الصورة التي ذكرناها، لو أبرأ الجاني عن حقه، برئت ذمةُ الجاني، ولا يبقى للورثة حق؛ فإنه ليس يثبت حق للسيد والورثة على الازدحام، حتى يقال: إذا سقط أحد المزاحِمَيْن، وكان مقدَّماً، ثبت حق الثاني، بل ما يثبت للسيد يسقط بإسقاطه، وتبرأ ذمة الجاني عنه.
وقد انتجز الغرض، ولم نغادر شيئاً رأيناه مشكلاً إلا أوضحناه إن شاء الله.
10369 - ومما [بقي من] 1 الصور أن ذميّاً لو جرح ذمّياً، فلحق المجروح بدار الحرب، ونقض العهدَ، ثم وقع في الأسر واستُرق والجراحة سارية، ومات رقيقاً، ولا سبيل إلى الخوض في هذه المسألة، فإنها تستدعي الكلام في أن الحربي إذا كان له أموال، فاسترق، فما مصرِف ماله؟ ولو أودع عندنا أموالاً حين كان ذمياً، ثم نقض العهد، واستُرق، فماذا نفعل بودائعه؟ وهذا من الفصول المنعوتة في كتاب السير، فسنذكره إن شاء الله عز وجل في موضعه، ونذكر هذا الفرع في آخره، إن شاء الله عز وجل.
فصل
قال: "وعلى المتغلب باللصوصية ... إلى آخره" 2.
10370 - مقصود الكلام والفصل أن من أكره رجلاً على قتل من يكافئه، فقتله، فالقصاص على من يجب؟ [ومن أركان الفصل] 3 الكلامُ في حدّ الإكراه، وقد أجريناه مستقصىً في كتاب الطلاق على أبلغ وجهٍ في البيان.
والذي نذكره هاهنا في ذلك التفصيل فيما يحل بسبب الإكراه، وفيما يبقى على الحظر: أما القتل، فإنه يبقى محظوراً، ولا يؤثر الإكراه في إباحته.
وأما الإكراه على الزنا، ففي أصحابنا من يقول: لا يتصور الإكراه عليه، وقد ذهب إلى ذلك بعض أصحاب أبي حنيفة، وهذا مما قدمناه [في ثنايا] 1 الإيلاء والظهار، ووجهه -على بعده- أن الزاني منتشر، ولا يتأتى الانتشار إلا مع [نشطةٍ] (2) في النفس [وانبساط] 2 في الشهوة، وهذا ينافي الإكراه.
والأصح أن الإكراه متصوّر فيه؛ فإن الانتشار لا اختيار فيه، والزنا هو الإيلاج، والإكراه عليه ممكن.
ثم إن تُصوِّر الإكراه، فلا يحل، بل الحظر فيه قائم؛ فإن فيه اهتتاك الحرمة الكبرى.
والإكراه على شرب الخمر يقتضي وجوبَ الشرب عندي؛ إذ من غُص بلقمة، ولم يجد إلا خمراً يُسيغها، فيجب استعمال الشراب لذلك، فالإكراه بهذه المثابة.
والله أعلم.
فأما الإكراه على كلمة الردة؛ فإنه يبيح النطق بها، بنص القرآن، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَان﴾ [النحل: 106] ثم في الفقهاء من يقول: يجب التلفظ بالردة لتخليص المهجة، والذي ذهب إليه الأصوليون من أئمتنا أن المكرَه [عليه] 4 أن يصابر الحقَّ والسيفُ مسلول على رأسه، وهذا هو الذي لا يجوز عندي غيره، وإذا كانت النفوس تُعرَّض للقتل [في] 5 الجهاد، والذب عن الدين، فكيف يجب النطق بالردة، وما المانع من مصابرة الدين وإظهار [الثبات] 6 وبذل الروح دونه.3
فأما شرب الخمر، فليس في هذه المرتبة، فإن من اضطر في عطشٍ إلى شربٍ، وجب شربها، كما يجب تعاطي الميتة في شدة المخمصة.
فإن قيل: أليس ظاهر المذهب أن التداوي بالخمر غيرُ جائز؟ قلنا: لأن إصابة الشفاء غيرُ موثوق به.
فإذا اكره الرجل على إتلاف مال غيره، وكان يخاف على روحه، فيجب عليه أن يُتلفه، كما يجب عليه تعاطي طعامِ غيره في شدة المخمصة، فهذا ما ذكرناه في ذلك.
10371 - ونحن الآن نبتدىء ذكرَ أحكام الإكراه على القتل، ثم نذكر بعده ما يتصل به، فإذا أكره رجل رجلاً على قتل إنسان، وتحقق الإكراه، كما وصفناه، فقتله المُكرَه، فقد اختلفت مذاهب العلماء: فذهب زُفَرُ وأبو يوسف 1 في روايةٍ إلى أن القصاص يجب على المكرَه دون المكرِه، وهذا مذهبٌ معتضد بالفقه والقياس؛ فإن المكرَه باشر القتلَ إثماً غيرَ معذور، والمباشرةُ تغلب السبب، وإذا كان الإكراه لا يسلط المكرَه، ولا يدفع الإثم عنه، ولا يرفع الحظر، وقد تحققت المباشرة، فالوجه إعدام أثر الإكراه بالكلية.
واتفق الشافعي وأبو حنيفة على أن القود يجب على المكرِه، وقال أبو حنيفة: لا قصاص على المكرَه أصلاً، وفعله منقولٌ إلى المكرِه، وهو حالٌّ محلَّ آلته وسيفه، ووافق أنه يأثم بالقتل، ويستمر الحظر عليه.
واختلف قول الشافعي رضي الله عنه في ذلك، فقال في أحد قوليه: يجب القصاص على المكرَه، وحقيقة قولنا يجب القصاص عليهما، تقديرهما شريكين، فإن أحدهما ملجىء مستمسك بأقوى الأسباب المفضية إلى القتل غالباًً، والثاني مباشر آثم، وتوجيه القولين مستقصًى في (المسائل) و (الأساليب) 2.
ثم إن قلنا يجب القصاص على المكرِه والمكرَه، فهما شريكان.
وإذا آل الأمر إلى المال، فالدية بينهما، وعلى كل واحد منهما كفارةٌ، وإن قلنا: لا يجب القصاص على المكرَه، فهل تجب الدية عليه؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تجب الدية، وفعله كالمعدوم.
والثاني - أنه يجب عليه نصف الدية؛ فإن القصاص إن سقط بالشبهة، فلا وجه لإسقاط الدية مع العلم بأنها تجب مع الشبهة، فإن قلنا: يجب نصف الدية، فهو عامد، فهل تضرب على عاقلته أم تضرب عليه في ماله؟ هذا فيه تردد عندي: يجوز أن يقال: في ماله؛ لما نبهنا عليه، وليس كشبه العمد؛ [فإن الفاعل في شبه العمد] 1 ليس عامداً في القتل، وإنما عمده في الفعل، والمكرَه عامد في القتل نفسه.
ويجوز أن يقال: تضرب على عاقلته لسقوط اختياره؛ إذ لو تحقق عمده، لوجب القصاص.
والتفريع على أنه لا قصاص على المكرَه.
فإن قلنا: يجب نصف الدية، فلا كلام، وتجب الكفارة، ويتعلق بقتله حرمان الميراث.
وإن قلنا: لا تجب الدية، فهل تجب الكفارة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا تجب؛ لأن فعله كالمعدوم.
والثاني - تجب الكفارة؛ فإنه قاتل تحقيقاًً، وإذا كنا نوجب الكفارة على من يرمي سهماً إلى الكفار، فيصيب أسيراً من وراء الصف لا يشعر بمكانه، فالإثم بالقتل [بالإكراه] 2 أولى.
فإن قلنا: تجب الكفارة، فيتعلق بقتله حرمانه الميراث، وإن قلنا: لا يلزمه الكفارة، فهل يحرم الميراث؟ فعلى وجهين، وهذا يتعلق ببابٍ في الفرائض في ترتيب [القتل] 3 الحارم للميراث، فهذا [قاعدة حكم الإكراه] 4.
10372 - ونحن نرسم مسائلَ نأتي بها أفراداً، ولا نترك إن شاء الله شيئاً من الأطراف، ثم نختم الفصل بقولٍ في الأسباب الموجبة للقصاص، إن شاء الله عز وجل.
فنقول: لو أكره رجلاً على قتل ولده 1، فالقصاص يجب على المكرِه؛ فإنه لو شارك الأبَ في قتل ولده، وجب القصاص عليه، وإن سقط عن الأب، ولذلك لو أكره [عبد حرّاً] 2 على قتل [عبد] 3، وجب القصاص على المكرِه، وإن سقط عن الحر المكرَه 4.
وكذا لو اكره ذميٌّ مسلماً على قتل ذمّي، وجب القصاص على المكرِه.
ولو اكره الأبُ أجنبياً على قتل ولده، فلا شك أن القصاص لا يجب على الأب، وهل يجب على الأجنبي المكرَه؟ فعلى قولين.
وكذلك إذا أكره مسلم ذمياًً على قتل ذمي، فلا قصاص على المسلم، وهل يجب القصاص على الذمي المكرَه؟ فعلى قولين.
ولو قال: إن قتلتني وإلا قتلتك، فهذا إذنٌ منه في قتله، ومن أذن في قتل نفسه، فقتله المأذون له، فالطريقة المشهورة أن القصاص لا يجب على المأذون، وفي وجوب الدية قولان مبنيان على أن الدية تجب له [ثم] 5 تنتقل إلى ورثته، أم تجب الدية للورثة ابتداء؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما في الديات -إن شاء الله عز وجل- وإنما أسقطنا القصاص [لتعرضه للاندفاع] 6 بالشبهات.
ونُقل عن الشيخ الإمام سهل 7 رحمه الله تخريجٌ في [وجوب] 8 القصاص بناء على ما ذكرناه من أن القصاص يثبت للورثة ابتداء، فهو حقهم، فلما [قلنا] 9: لا تسقط
الدية بإذنه؛ فكذلك وجب أن [لا] 1 يسقط القود.
وهذا التخريج متجه؛ فإن قول القائل: القصاص يسقط بالشبهة لا يُقبل ما لم يُبيّن وجْهَ الشبهة، وإذا كان الحق لغيره على القول الذي ذكرناه، فلا أثر لإسقاطه.
ولو قال: إن قتلت نفسك وإلا قتلتك، فأكرهه على قتل نفسه، فهذا ليس بإكراه على الحقيقة، فإن الإكراه إنما يتحقق إذا كان المكرَه يتخلص من التخويف بفعل ما يطلب منه، وإذا كان المخوف القتل، والمطلوب [عين] 2 ذلك القتل، فليس هذا إكراهاً، والذي قتل نفسه سبيله سبيل المختار في قتل نفسه.
10373 - وإذا أكره بالغٌ صبياً مميزاً على قتل إنسان، فقتله، فهذا يُبنى على القولين في أنّ المكلف البالغ إذا أكرِه على القتل هل يلتزم القصاص أم لا؟ فإن قلنا: يجب القصاص على المكرَه، فهذا على تقدير المكرِه والمكرَه شريكين كما قررناه في (الأساليب) وأشرنا إليه في قاعدة المذهب.
فنقول إذاً: أما الصبي فلا يخفى انتفاء القصاص عنه، والمكرِه يخرّج على أن الصبي هل له عمد أم لا؟ فإن قلنا: فعله خطأ، فالمكرِه مشارِكٌ مخطئاً، فلا قصاص عليه.
وإن قلنا: للصبي عمد، فالمكرِه شارك عامداً ضامناً، فيجب القصاص عليه لا محالة.
وإن آل الأمر إلى المال، فالدية بينهما نصفان، والنصف الذي يقابل الصبي في ماله.
هذا كله إذا فرعنا على أن المكرَه يلزمه القود لو كان بحيث يلتزم القود 3. فأما إذا فرعنا على أن القود لا يجب على المكرَه أصلاً، فإذا كان المكرَه صبياً،
فهل يجب القصاص على المكرِه؟ إن قلنا: للصبي عمد، فيجب القصاص على المكرِه، ولا أثر لسقوط القصاص عن الصبي [ولو] 1 باشر مختاراً؛ فإن إلمكرِه لو كان مكلفاً، لأسقطنا القصاص عن الصبي.
وإن قلنا فعل الصبي خطأ، ففي وجوب القصاص على المكرِه تردُّدٌ للأصحاب، وقد أشار القاضي إلى الخلاف فيه، وحقيقة هذا التردد ترجع إلى أنا هل ننقل تقدير فعل المكرَه إلى المكرِه على صفته 2 أم نجعل المكرَه كالمباشر القتل، ولا ننظر إلى صفة فعل المكرِه؟
وعلى هذا يخرج ما لو أجبر إنسانٌ على أن يرميَ إلى ما يحسبه هو -يعني المكرَه- صيداً وهدفاً، وكان المكرِه يعلم أنه إنسان، فإذا رماه مكرهاً، فللأئمة تردد 3 في وجوب القصاص على المكرَه.
ولو أكره صبي بالغاً على قتلٍ، فلا يخفى أن الصبي لا قصاص عليه، فأما البالغ، فأمره يخرّج على أن المكرَه هل يجب عليه القود أم لا؟ وفيه القولان.
فإن قلنا: لا قصاص على المكرَه، فلا كلام.
وإن قلنا: يجب القود على المكرَه، ففي هذه الصورة نفرع أمره على أن الصبي هل له عمد أم لا؟ فإن قلنا: لا عمد له، فلا قود على المكرَه، فإنا نوجب القصاص على المكرَه بتأويل الشركة، فإذا كان الشريك صبيّاً، لم يجب القصاص.
فإن قلنا: للصبي عمد، فقد شارك المكرَه عامداً ضامناً، فيلزمه القصاص، وإن لم يجب على شريكه العامد الضامن.
10374 - ولو أكره رجل رجلاً على أن يُكره ثالثاً على قتل رابعٍ، فإذا نفذ الأمر، وجب القصاص على المكرِه الأول لا محالة، وفي وجوب القصاص على المكرِه الثاني والثالث القاتل قولان، فإنهما جميعاً مكرهان.
10375 - ولو أكرهه على أن يقتل زيداً أو عمراً، وجعل إليه الخِيَرة في قتل من شاء منهما، فإذا قتل أحدَهما، لزمه القود، قولاً واحداً؛ فإن الإكراه لا يتحقق مع التخيير، وهذا كذلك حقاً.
وفيه أدنى إشكال لا بد من التنبيه له، وهو أن المكرَه لو لم يقتل واحداً منهما، لخاف وقوع القتل به، وإذا قتل أحدهما، [تخلّص] 1 في ظاهر الظن، ولكن وإن كان كذلك، فإنه لا يقدم على قتل واحدٍ منهما [إلا] 2 وهو مختار فيه؛ إذ لو فرض إقدامه على قتل الثاني يرجو التخلص منه أيضاًً؛ [فعين] 3 القتل يقترن به اختياره، والمكرَه هو المحمول على قتل معينٍ، لا يتوقع عنه محيصاً، وكذلك لو أكرهه على طلاق حفصةَ أو عمرةَ، فإذا طلق إحداهما، لم يكن مكرَهاً، ووقع الطلاق للمعنى الذي ذكرناه من اقتران الاختيار بالطلاق الذي يُقدم عليه، وهذا حسن لا يسوّغ في مسلك الفقه غيره.
10376 - ولو أكرهه على إتلاف مالِ إنسانٍ فأتلفه، فالذي ذكره الأئمة أن قرار الضمان على المكرِه، ولكن هل يطالَب المكرَه حتى إذا غرم، رجع بما يغرمه على المكرِه؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا تتوجه الطلبة على المكرَه المحمول أصلاً؛ فإنا إذا كنا نسلِّط المكرَه على الإتلاف بل نوجبه عليه، فالمكرِه حامله وملجئه، فيُرفَع حكمُ المكرَه من البيْن.
والوجه الثاني - أنه يجوز لمالك المال مطالبةُ المكرَه المتلِف [لصدور] 4 الإتلاف
منه، ثم هو يرجع على المكرِه.
فهذه مسائل تهذب الأصول وتنبه على مجال النظر والتأمل، ولم يبق من الفصل إلا النظر فيما يكون إكراهاً، وقد مضى القول البالغ فيه.
10377 - والذي ذكره الأصحاب هاهنا: أن أمر السلطان هل يكون إكراهاً أم لا؟ فعلى وجهين.
وهذا الخلاف مشهور، وفيه مباحثة، وهي أن السلطان إذا أمر بقتل إنسان، وكان المأمور لا يعلم كونَ السلطان مبطلاً؛ فإذا قتل، فلا يتعلق به ضمان أصلاً، ورأيت مشايخ المذهب مطبقين على هذا، وإن كان الجلاد يجد محيصاً [عن إنفاذ أمره، ولم يكن محمولاً بهذا على القتل] 1، والسبب فيه أنا لو علقنا الضمان بالجلاد، لما انتظمت السياسات، ولخاف كل من يتعاطى القتل مغبةَ الأمور.
هذا إذا قَتَل وهو لا يدري كونَ الإمام مبطلاً.
فأما إذا علم أن الإمام مبطل، فعند ذلك ذكر الأصحاب خلافاً في أن أمر السلطان هل يكون إكراهاً أم لا؟ وهذا فيه نظر؛ فإن كان أمره بحيث لو لم يمتثل، لظهر الخوف [من إهلاكه، فهذا إكراه] 2 في الحقيقة.
وإن لم يظهر ذلك في الظن، فلست أرى للخلاف في أن الأمر هل يكون إكراهاً وجهاً أصلاً، ولكن الكتب مشحونة بذكر الوجهين في أن أمر السلطان بمجرده هل يكون إكراهاً؟ فلست أرى له اتجاهاً إلا من جهةٍ واحدة، وهو أنه [إن] 3 كان يسطو بمن يخالفه [واعتيد] 4 ذلك منه، [ولا] 5 يبلغ توقع ذلك مبلغ توقع المخوف لو صرح بالتوعد به، فليقع تنزيل الخلاف على هذا الوجه، والفرض فيه إذا علم كونَ القتل باطلاً، وكان يظن سطوته لو خولف، فهذا هل يكون كما لو توعد؟ هذا وجه في تنزيل الوجهين.
وقد أشار بعض الأصحاب إلى مسلك آخر وهو أن المأمور وإن كان يعتقد كونَه مبطلاً، فقد لا يكون كذلك؛ فإنه لا يطلع على حقيقة كونه مبطلاً، ثم نعرض الأمرين
ونقول: هل ينزل منزلةَ الإكراه، من جهة أن أمر الإمام محمول على الحق.
وهذا كلام مضطرب؛ فإن الإمام إذا اعترف بكونه مبطلاً، وأمر بالقتل، فكيف تخريج الخلاف؟ وإن [خُيّل] 1 لإنسان [أنه] 2 يخرُجُ عن الإمامة، فهذا اقتحامُ تيّارِ بحرٍ مغرق، ثم إن كان كذلك، [فقول] 3 الأصحاب: هل يكون أمره إكراهاً؟ غيرُ سديد، إذ لو حمل على إمكان الحق، فلا وجه إلا نفي الضمان [عن] 4 الجلاد؛ بناء على ما ذكرناه، ولكن تخصيص الأصحاب الخلاف بالسلطان يشير إلى هذه الطريقة؛ إذ لو حملناه على أمر من يسطو على من يخالفه، فقد يفرض هذا من متغلب ليس [وليَّاً] 5 فيرجع [الكلام] 6 بعد ما ذكرناه إلى أن الجلاد إن لم يعلم حقيقةَ الحال، فأمر السلطان يُخرِج فعلَه عن كونه معتبراً بالكلية.
فإن ظهر عند الجلاد كونُ الإمام مبطلاً، ولم يكن مكرهاً، وكان حمله على الحق ممكناً، فالأمر والحالة هذه هل يبرئه؟ فعلى الخلاف.
هذا وجه الكلام في ذلك.
10378 - ومما نختم الفصل به الكلام في الأسباب الموجبة للقصاص: أما المباشِرات، فقد سبق استقصاء القول فيها، وأما الأسباب، فالإلجاء والإكراه إذا تحقق يوجب القصاص على المكرِه، ويلتحق به شهادة شهود الزور على القتل، كما سيأتي مشروحاًً في موضعه، والسبب فيه أن الشهادة [تُحصِّل قتلَ] 7 المشهود عليه لا محالة، وهو أبلغ من الإكراه، فإن المكرَه قد يتحرج ويؤثر هلاك نفسه، وقد
ينعطف على المكرِه [بأي وجه] 1، [وليس] 2 للقاضي محيص عن الحكم بشهادة العدول، وإن توقف قاضٍ، لم يندفع الحكم؛ إذ قد يقوم به آخر، وتفصيل الشهادة يأتي إن شاء الله عز وجل، فقد جرى الإكراه والشهادة على عمد مجرىً واحداً.
والتغرير في تقديم الطعام المسموم هل يكون بمثابة الإكراه في إيجاب القصاص على الغارّ؟ فيه قولان قد قدمنا ذكرهما في أول الكتاب، ويُنْتَحَى بهذا ما لو حفر بئراً في مضيق، وغطاها، واستدعى حضور إنسان في تلك الجهة، ويغلب على الظن أنه يأتي تلك البئر، ثم لا [يجد] 3 محيصاً عن التردي، على ما سيأتي تصوير ذلك على وجهه في مسألة احتفار البئر، فهذا من قبيل التغرير.
وإن كان قد احتفر البئر في ملك نفسه، ودعا من دعا؛ فإن الاعتماد في ذلك على التغرير، والتغريرُ يتحقق وإن وقع الحفر في ملكه، فلا مزيد في الأسباب المفضية إلى الهلاك، على ما ذكرناه، والله المستعان.
10379 - مسألة: قال: "وعلى السيد القود ... إلى آخره" 4.
إذا كان للإنسان عبد أعجمي، فكان إذا أشار عليه سيده بأمر، استرسل فيه لا محالة، [ولم يكن ذا عقل وتمييز] 5، فإذا أمره بقتل إنسان، فقتله، فالسيد في محل المكرِه؛ فإن الذي جرى منه سببٌ يُفضي إلى القتل غالباًً، وهو في معنى إغراء سبع ضارٍ في مضيق، على ما قدمنا التفصيل فيه في أول الكتاب، فيخرج القود على السيد في محل القود، والعبد لا قود عليه، فإنا صورناه غير مميز على صورة سبع ضارٍ، وقولنا على ما جرى من السيد يجري مجرى إغراء في سبع.
وإذا رجع الأمر إلى المال، فلا شك أن السيد مطالب به، ولكن هل يتعلق برقبة
العبد؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه لا يتعلق؛ فإنه إذا لم يكن مميزاً، فهو بمثابة سبع، ولو أغرى بهيمةً صائلة على إنسان فأتلفه، أو على مالٍ، لم يتعلق الضمان برقبة البهيمة.
والثاني - أن الضمان يتعلق برقبته؛ فإنه عبد مملوك صدر منه إتلاف.
ثم إن قلنا: يتعلق الضمان برقبته، فإن سلمه، فبيع في الجناية، وفضل شيء، فهو متعلق بالسيد، ولا ينزل هذا منزلةَ الأرش المتعلق برقبة العبد المختار إذا جنى جناية؛ فإن المتلِفَ على الحقيقة السيدُ، فكان الضمان متوجّهاً [عليه] 1، وليس هذا التعلّق الذي نفرعه بمثابة تعلق الأرش برقبة الجاني المختار، حتى لا يلزمه إلا تسليم العبد، وهذا بيّنٌ للمتأمّل؛ فإن الفعل منسوب إلى السيد، كما ذكرناه.
ولو أمره أجنبي بقتلٍ، وكان لا يخصص جريانه على الموافقة لسيده، بل كان يسترسل بإغراء الأجنبي، فالكلام في الأجنبي وإلزامِه القودَ كالكلام في السيد إذا تُصور انقياده للأجنبي على الوجه الذي يتصور مثله مع السيد.
10380 - ولو أمر صبياً [حُرّاً] 2 أو مجنوناً طِباعه ما وصفناه، فقتل إنساناً، فهذا يوجب القصاص لا محالة على الساعي فيه، ثم إذا أتلف مثلُ هذا الصبي بنفسه شيئاً وكان ذا مال، فهل يتعلق الضمان بماله، إذا لم يصدر فعله عن إغراء، أو استحثاث أم لا يلزمه في مالِه شيء؟
قال شيخي: هذا مخرج على الخلاف في أنه هل يتعلق برقبته لو كان رقيقاً؟ وكذلك لو فرض في العبد ما ذكرناه من غير أمر، فهل يتعلق برقبته ولا تمييز له؟ فعلى الخلاف.
وهذا متوجه؛ فإنه بمثابة بهيمة تعدو بطباعها، وليس بذي فعل على اختيار، فالمسألة على الاحتمال.
ولو أمر أجنبي مثلَ هذا العبد بإتلافٍ، فامتثل، وفرعنا على أنه يتعلق برقبته، فعلى الأجنبي تخليصه؛ فإنه سعى في تحصيل الإتلاف به سعياً يتعلق به وجوب