كتاب الشهادات وما دخله من الرسالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ولو قامت بيّنه على أن الأصل كذّب الفرع قبل نفوذ القضاء؛ فالقضاء منقوض؛ فإن ما أثبتته البيّنة من تقدم تكذيب الأصل للفرع بمثابة ما يسمعه القاضي من تكذيبه إياه قبل القضاء، وليس القضاء عقداً [يبرم] 1 ويحلّ، والمعنيّ بالنقض تبيّن الأمر، وسقوط ما كان استناداً 2. وسيأتي إن شاء الله قولان في أن القاضي إذا قضى بشهادة شاهدين، ثم قامت بينة على فسقهما حالة القضاء، فهل يُحكمُ بنقض القضاء أم لا؟
فإذا قامت بيّنة على أن الأصل كذّب الفرع قبل القضاء، فالقضاء منتقض، قولاً واحداً.
وقد يعسر الفرق في ذلك، ونحن نعيد هذا الحكم من هذا الباب عند ذكرنا ثبوت الفسق مستنداً إلى القضاء، إن شاء الله عز وجل.
وقد نجز الكلام فيما يطرأ على شهود الأصل من الطوارىء.
فأما
الفصل الرابع
الكلام في العدد.
ونذكر فيه الكلام في صفة الفروع.
12163 - فأما العدد: فقد قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو شهد رجلان على شهادة رجلين، فقد رأيت كثيراً من الحكام والمفتين يجيزه ... إلى آخره " 3.
فنقول: إذا كان شاهدُ الأصل اثنين، فشهد شاهدان على شهادة أحدهما، وتحملاها، فلو تحملا شهادة الشاهد الثاني؛ فهل يثبت الشقان بشهادتهما؟ فعلى قولين: أحدهما -وهو الأقيس واختيار أبي حنيفة 4 - أنه يثبت.
وهو اختيار المزني أيضاً.
ووجهه أن العدلين شهادتهم بيّنة، فنقلهما شهادتين من شاهدين في
خصومة واحدة، كنقلهما شهادات في خصومات.
والقول الثاني - أنهما إذا تحملا شهادة أحد الشاهدين، لم يُنشئا غيرها، ولا بد من شاهدين آخرين على شهادة الشاهد الثاني؛ فإنهما قاما مقام أحد الشاهدين، فلا ينبغي أن يتعرضا للشق الآخر، فإن من احتيج إلى شهادته في إثبات شق شهادة، لم يثبت بشهادته الشق الآخر، كما لو شهد واحد على طريق الأصل، ثم أراد أن يشهد مع شاهد آخر على طريق الفرع على شهادة الثاني، فإن ذلك ممتنع.
فإن قيل: لو شهد على شهادة أحد الشاهدين أربعة من الذكور العدول، ثم هم بأعيانهم شهدوا على شهادة الشاهد الثاني؛ فما ترون في ذلك؟
قلنا: إن فرّعنا على القول المختار للمزني، فلا إشكال في ثبوت شهادة الأصل؛ فإنا إذا أثبتنا ذلك بشاهدين، فلا امتناع في إثباته بأربعة، وإن فرّعنا على القول الآخر، وهو: أن من استقل بأحد الشقين لم ينتهض في الثاني - ففي هذه الصورة وجهان: أحدهما - لا تثبت شهادتهما بشهادة الأربعة على كل واحد منهما، فإنهم وإن كثروا، قائمون مقام شاهد واحد، فينبغي ألا يقوموا مقام الشاهد الآخر.
والوجه الثاني - تثبت شهادتهما، كما لو شهد اثنان على أحدهما وشهد اثنان على الآخر، وهذا هو الذي لا يجوز غيره؛ فإنه إذا شهد أربعة على الشهادتين، فقد شهد على كل شهادة شاهدان.
ولا خلاف أنه لو شهد شاهدان على إحدى الشهادتين، وشاهدان على الشهادة الأخرى، تثبت الشهادتان؛ فلا ضرر في تعرض الكل للشهادتين.
فأما من شهد أصلاً، وشهد مع شاهد آخر على شهادة أصل آخر، فلا تثبت شهادة ذلك الأصل بهذه الطريقة؛ فإن ذلك الأصل الشاهدَ بنفسه، والشاهدَ على شهادة صاحبه، يريد أن يقوم بثلاثة أرباع الشهادة في محل النزاع.
وهذا ممتنع لا سبيل إليه.
12164 - ومما يتفرع على هذه القاعدة، أنا إذا قلنا: الشهادة على الشهادة مسموعة في الزنا، فكيف السبيل إلى إثبات شهادات الشهود الأربعة على الزنا؟
هذا يبتني على أصلين: أحدهما - أن من يثبت به شق شهادة، هل يثبت به الشق الآخر؟
والثاني - أن الإقرار بالزنا، هل يثبت بشاهدين، أم لا بد من أربعة؟ وفيه قولان تقدم ذكرهما.
فإن قلنا: الإقرار بالزنا يثبت باثنين، فنقول: كل شاهد بمثابة إقرار بالزنا؛ فإنه قول يتضمن الخبر عن الزنا، فإذاً، إن اكتفينا باثنين، وقلنا: من ثبت به شق شهادة، ثبت به الشق الآخر، فتثبت شهادة الأصول الأربعة بشاهدين عدلين ينقلان شهادة كل واحد من الأربعة الأصول.
وإن قلنا: من يثبت به شق شهادة، فلا يثبت به الشق الآخر، والإقرار يثبت باثنين، فلا بد من ثمانية، كل اثنين منهم ينقل شهادة واحد من الأصول.
وإن قلنا: الإقرار بالزنا لا يثبت إلا بأربعة.
ومن ثبت به شق يجوز أن يثبت به شق آخر، فلا بد من أربعة ينقلون شهادة الأصول.
وإن قلنا: الإقرار لا يثبت إلا بأربعة، ومن ثبت به شق لا يثبت به شق آخر، فلا بد من ستةَ عشرَ، كل أربعة منهم ينقلون شهادة واحد من الشهود الأربعة، فينتظم إذاً أربعة أقاويل:
أحدها - تثبت باثنين.
والثاني - بأربعة.
والثالث - بثمانية.
والرابع - بستة عشر.
فتجري الأقاويل على التضعيف الطبيعي من الأصلين المقدمين.
ولو شهد على المال رجل وامرأتان، وأردنا إثباتَ شهادةِ الأصول بالفروع؛ فعلى قولٍ: يكفي اثنان ينقلان شهادةَ كل واحد من الرجل والمرأتين، وعلى قول: لا بد من ستة من العدول، ينقل كل اثنين منهم شهادة واحد من الرجل والمرأتين، ولا أحد في التفريغ على هذا القول يصير إلى الاكتفاء بأربعة؛ ذهاباً إلى أن المرأتين بمثابة
رجل، ثم يكفي في رجل عدلان.
هذا ما لا مصير إليه.
والنظر إلى عدد الأقوال والشهادات، وهي ثلاثة، فلينقل كلَّ قولٍ عدلان.
هذا منتهى الغرض في عدد الفروع.
12165 - فأما الكلام في صفة الفروع؛ فلم يختلف أصحابنا في أن الفروع يجب أن يكونوا ذكوراً وإن كان المطلوب بالشهادة إثباتَ مال؛ لأن الفروع لا يتعرضون للمال.
وإنما يتعرضون لنقل أقوال شهود الأصل، فتعين اعتبار الذكورة فيهم من كل وجه، من غير نظر إلى المطلوب بشهادة الأصول.
وشهادة الأصول -فيما ذكرناه- تضاهي الوكالة على المال، فإنها لا تثبت إلا بعدلين، وإن كانت الوكالة متعلقة بالمال.
فأما
الفصل الخامس
12166 - فمضمونه ذكر الأعذار التي يتعذر بها الوصول إلى شهادة الأصول.
فمنها: الغَيْبة.
وهي مفصلة، فإن كان الأصول على مسافة العدوى، فلا تسمع شهادة الفروع، كما لو كان الأصول حضوراً، فإن كان الأصول على مسافة القصر، سمعنا شهادة الفروع وفاقاً.
وإن كانوا فوق مسافة العدوى ودون مسافة القصر، ففي المسألة وجهان، وقد أدرنا هذا الترتيب في أحكامٍ.
12167 - وأما مرض الأصول، مع كونهم في البلدة، فقد أطلق الأصحاب القول بأن للفروع أن يشهدوا.
فنقول: أولاً - للأصل أن يتخلف عن مجلس القضاء بالمرض، ولسنا نشترط أن يكون بحيث لا يتأتى منه الحضور أصلاً، بل إذا كان يناله مشقة ظاهرة، لم يحضر.
وكيف تقريب القول فيها؟
قال قائلون من أئمتنا: المرض الذي يَسوغ التخلف عن الجمعة لأجله يجوز تخلف شاهد الأصل بسببه، ولعلنا ذكرنا في ذلك تقريباً في كتاب الجمعة، ولا ينتهي الأمر إلى اعتبار خوفٍ على النفس، أو ازدياد في المرض يُرْقَبُ إفضاؤه إلى الخوف، وهذا
بمثابة قولنا في المرض الذي يجوز الإفطار به في نهار رمضان، وقد ذكرنا أنا لا نرعى فيما يجوز الإفطار به الخوفَ؛ لأنه قرينة السفر، كذلك لشاهد الأصل أن يمتنع لعذر السفر.
فالذي يجب تحصيله أن ينال المريض مشقةٌ ظاهرة، وألمٌ مُقلق يعسر الاستقلال بحمله.
هذا قولنا في المرض.
وكل ما يجوز ترك الجمعة به من خوفٍ من غريم أو ما في معناه، فيجوز الامتناع عن الحضور بمثله.
فإذا تمهّد ما ذكرناه، فقد أطلق الأصحاب أن الفروع يشهدون، وكان من الممكن أن يحضر القاضي مكان شاهد الأصل، ويُصغي إلى شهادته؛ ولكن لم أر أحداً من أصحابنا يُلزم ذلك، أو يُشبّب بذكر خلافٍ فيه، وكذلك لم يوجبوا أن يستخلف 1 من يحضر شاهدَ الأصل.
وإذا وقفت القضية 2 على الإشارة إلى عينٍ، فعلى القاضي أن يَحْضُرَها (3 لتمييز الشهود، أو يستخلف من يحضرها 3) لذلك، والسبب فيه أن القضاء غير ممكن من غير تعيين، وفي ترك الحضور تعطيل الحكم.
وامتناعُه عن سماع شهادة الفروع مع حضور الأصول من باب الاحتياط، وإلا إذا كان الفروع عدولاً، فتحصل الثقة بنقلهم، فلا نكلف القاضيَ الترددَ على الدورِ والمساكن، مع ما فيه من التبذل وحطّ منصب الولاية لمكان الاحتياط.
ولا خلاف أن رواية الراوي مقبولةٌ، وشيخُه في البلد، وكل ما لم يثبت فيه توقيفٌ شرعي تعبدي يميّز الشهادة فيه عن الرواية، فلا يبعد في وجه الرأي التسويةُ بينهما.
والقدر الثابت أن شهادة الفروع مقيدة بحال عذرٍ يطرأ على الأصل، فهذا منتهى الغرض في ذلك، لم يتعدّه حفظي ونظري.3
فرع:
12168 - شهود الفرع إذا عدّلوا الأصول؛ وكانوا من أهل التعديل، تثبت عدالة الأصول بتعديلهم، وتثبت الشهادة بنقلهم، وإن لم يشهد الفروع على تعديل الأصول، جاز، فتثبت عدالة الأصول بعلم القاضي أو بشهادة شهودٍ آخرين.
وقال أبو حنيفة 1: لا تصح شهادة الفروع ما لم يعدّلوا أصولَهم، وهذا لا حاصل له؛ فإن عدالة الأصول ونقلَ شهادتهم أمران متغايران، لا يشترط اجتماعهما في حجة.
وقد ذكرنا أن المدعي إذا كان يحلف مع شاهد، فحق عليه أن يصدق شاهده، وذاك لانتظام الشاهد واليمين، ولا يشترط ثَمَّ أيضاً أن يحلف على عدالته، بل يكفي أن يحلف على صدقه، وعدالة ذلك الشاهد تُتَلقى من تزكية المزكين، كما ذكرنا في شهادة الأصول مع شهادة الفروع، فلا فرق إذاً بين البابين فيما يتغلق بالتعديل، وإنما افتراقهما في إلزام المدعي تصديقَ شاهده، لأنه عارفٌ فيما زعم بصدقه، ويستحيل أن يُكلفَ الفروعُ تصديقَ شهود الأصل.
...
باب الشهادة على الحدود
قال: " وإذا شهدوا على رجلٍ بالزنا ... إلى آخره " 1.
12169 - مقصود الفصل أن شهود الزنا لا بد وأن يتوخَّوْا بحقيقة الحال، ويذكروا إيلاجَْ الحشفة في الفرج، ولا تكفي المكاني 2، وقد ذكرنا هذا في الحدود.
وهل يشترط ذلك في الإقرار بالزنا؟ فيه خلاف مذكور في الحدود، ونفس ذكر الزنا من القاذف، قذفٌ صريح.
فإذاً هذه ثلاث مراتب.
وإنما لم نشترط التصريح في القذف؛ لأن الجناية على العرض تحصل بالنسبة إلى الزنا، ثم سيأتي في الدعاوى فصل فيما يُبيّن ويشترطُ فيه نهاية الكشف، وفيما يكتفى فيه بإطلاق الاسم، وثَمَّ نُعيد في التقاسيم ما ذكرناه الآن.
قال: " ولو شهد أربعة، اثنان منهم ... إلى آخره 3 ". وهذا مما تكرر في الحدود، فإذا شهد اثنان على أنه زنى بفلانة في بيت عيّناه، وشهد آخران أنه زنى بها في بيت آخر، فلا يثبت الزنا، والكلام في أن الشهود قذفة أم لا؟ وكل ذلك مما مضى.
ولو اختلفت الشهادات في تعيين زوايا بيت واحد، فلا يثبت الزنا عندنا خلافاً لأبي حنيفة 4.
فصل
قال: " ولو ادعى على رجل من أهل الجهالة ... إلى آخره " 1.
12170 - مقصود الفصل الكلامُ في تسبيب القاضي إلى درء الحد، قال صاحب التقريب: إذا رُفع إلى الإمام من يتهم بالسرقة أو غيرها من موجبات الحد، فللقاضي أن يعرّض بما يتضمن حملَ المرفوع إلى مجلسه على إنكار السرقة، حتى لا تثبت الحدود، وذلك ثابت في الحديث، فإنه عليه السلام قال للمرفوع إليه بتهمة السرقة: " ما إخالك سرقت " وفي بعض الألفاظ " أسرقت؟ قل لا! " 2 قال ذلك سراً.
ثم قال صاحب التقريب: ينبغي أن يكون التعريض بما يُسقط الحد، ولا يجوز أن يكون التعريض بما يدرأ الغرم؛ فإن التعريض فيما يتعلق بالأموال غير سائغ.
وهذا إذا لم يبتدر إلى الإقرار.
فإن أقر صريحاً، فهل يعرّض بالرجوع عن الإقرار؟ الذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يعرّض؛ فإن الاحتيال 3 ينبغي أن يكون في منع الثبوت، فأما في السقوط بعد الثبوت فلا.
ومن أصحابنا من قال: يجوز التعرض للرجوع عن الإقرار وتمسك بترديد رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً بعد إقراره بالزنا في القصة المشهورة، وهذا غير صحيح؛ لأن الرسول عليه السلام كان يستريب في عقله؛ إذ رآه أشعث أغبر فردّده لذلك، وليس في قصته تشبيبٌ بتلقينه الرجوع عن الإقرار.
ثم ظاهر ما ذكره الأصحاب أن المسوَّغ -قبل الثبوت وبعده على أحد الوجهين- التعريضُ، فأما التصريح فلا وجه له، وهو رفع لحجاب الهيبة، وتصريح بتعليم الكذب.
فإذا كنا نُحرم التصريح بالخِطبة ونبيح التعريض بها، فليكن الأمر كذلك فيما نحن فيه.
وإن صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمرفوع إلى مجلسه: (قل: لا!) فهذا يدل على جواز التصريح بالتلقين، وغالب ظني أن هذه الزيادة لم ينقلها الأثبات.
قال صاحب التقريب: التعريض المتفق عليه قبل الثبوت، كما بيّنّا، وفي التعريض بعد الإقرار الوجهان، فلو قامت بيّنة بالزنا أو السرقة، فالتعريض المتعلق بما يُسقط الحد بعد قيام البيّنة -كدعوى الشركة أو الملك- فيه وجهان مرتّبان على التعريض، وقد ثبت الحد بالإقرار، وصورة البيّنة أولى بالمنع، والفرق لائح.
والأصح -من كل ما ذكرناه- اختصاص التعريض بما قبل الثبوت.
ثم ذلك التعريض جائز أو مستحب؟ فيه تردد مأخوذ من كلام الأئمة.
فصل
قال: " ولو شهد أنه سرق من هذا البيت كبْشاً ... إلى آخره " 1.
12171 - ذكر وجوهاً في اختلاف شهادة الشاهدين، وقد تقدم جميعها.
منها: أنه لو شهد شاهد أنه سرق غدوة، وشهد الثاني أنه سرق بالعشي، فالشهادتان مختلفتان، كذلك إذا اختُلف في المكان، أو صفة المسروق، فقال أحدهما: سرق [كبشاً] 2 أسود، وقال الثاني: سرق [كبشاً] (2) أبيض، فلا تثبت السرقة.
ولأبي حنيفة 3 خبط في الألوان، ونظر دقيق في السواد والبياض، والصفرة والحمرة، ولسنا للخوض فيها.
12172 - ثم قال: " ولو شهد اثنان أنه سرق ثوب كذا ... إلى آخره " 1.
صورة المسألة: أن يشهد اثنان أنه سرق ثوباً وصفاه، وقيمته ربع دينار، وشهد آخران أنه سرق ذلك الئوبَ بعينه، وأن قيمته أقل من ربع دينار؛ أما القطع؛ فلا يجب؛ فإن ما جرى من اختلاف البيّنتين في أن قيمة المسروق هل بلغت نصاباً؛ من أقوى ما تُدرأ به الحدود.
وأما الغُرم، فلا يثبت عندنا إلا أقل القيمتين.
وقال أبو حنيفة 2: يثبت أكثر القيمتين.
واعتل بأن المكثر عرف زيادة خصلة، غفل عنها المقلل.
قلنا: ربما عرف المقلل عيباً يوجب نقصان القيمة، غفل عنه المكثر، وهذا أولى؛ فإن الظاهر السلامة فربما بنى المكثر على ظاهر السلامة، واستدرك المقلل صفة خافية منقصة.
ولو اتفقا على الصفات، وصرحا بأنه لم يستقل واحد منا بمعرفة صفة لم يدركها آخر، وردوا النزاع إلى القيمةِ نفسِها، فلا يجب عندنا إلا الأقل أيضاً، حملاً على براءة الذمة.
فرع:
12173 - ذكره صاحب التلخيص 3: إذا ادعى الرجل ألفَ درهم على رجل، وأقام شاهداً أن له عليه ألفاً، وشهد شاهد آخر أن عليه ألفَ درهم قد قضاه، فلا يثبت في هذه الصورة الألف أصلاً؛ فإن الشاهد الثاني لما قال: عليه ألف ثم قضاه، فقد تناقض قوله، وكيف يكون عليه ألف وقد قضاه، ولكن الشاهد الذي جزم شهادته بالألف ولم يُناقِضْ [قولَه] 4 شهادتُه ثابتة، فلو أراد أن يحلف مع ذلك الشاهد، ويُثبت المال، جاز.
وبمثله لو شهد أحدهما أنه أقر بألف، وقال الثاني: أقر بألف، لكنه قضاه، ففي هذه المسألة وجهان ذكرهما الصيدلاني وغيره:
أحدهما - أنه يثبت الألف بشهادتهما، وقد يشهد شاهد واحد بالقضاء، فإن أراد الخصم أن يحلف معه ليُثبت القضاء بشاهد ويمين، جاز.
هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني - أنه لا يثبت بشهادتهما شيء، فإنهما لم يجتمعا على ثبوت الألف، وليس الغرض إثبات لفظ الإقرار، وإنما المقصود إثبات معناه.
ولو شهد شاهدان أن عليه ألفاً، ثم قال أحدهما بعد يوم مثلاً، قبل أن يقضي القاضي بالبينة: قد كان المشهود عليه قضى الدين؛ فهذا رجوع منه عن شهادته، فلا يحكم الحاكم بالشهادة.
ولو شهدا أن له عليه ألف درهم، ثم قال أحدهما قبل القضاء: قد قضى الألف بعد شهادتي؛ فهل يقضي القاضي بالدين؟ فعلى وجهين: أحدهما - يقضي به، ولا حكم لقوله المجرد: قد قضى، إلا أن يحلف الخصم المشهود عليه معه.
والصورة التي تقدمت على هذه فيه إذا قال أحد الشاهدين: قد كان قضى الألف قبل لشهادتي، وتبيّنت ذلك، فيكون هذا رجوعاً كما قدمناه.
ولو قال ابتداء: أقر فلان بألف، ثم قال أحدهما بعد ذلك، وقبل القضاء: قد قضى ما أقر به بعد لشهادتنا، فهل يقضي القاضي بثبوت الدين؟ في المسألة وجهان مرتّبان على الوجهين فيه إذا شهدا على الإقرار، وقال أحدهما: قد قضى، وهذه الصورة أولى بثبوت الدين فيها من صورة الاقتران، والفرق ظاهر.
والله أعلم.
باب الرجوع عن الشهادة
قال: " الرجوع عن الشهادة ضربان ... إلى آخره " 1.
12174 - الكلام في الرجوع يتعلق بثلاثة فصول:
أحدها - في الشهادة على موجبات العقوبات إذا فُرض الرجوع عنها.
والثاني - في الرجوع عن الشهادة على ما لا مستدرك له، كالعَتاق والطلاق.
والثالث - في الرجوع عن الشهادة على الأموال.
فأما
الفصل الأول
12175 - فهو مثل الشهادة على قتلى يوجب القصاص، أو زنىً يوجب الرجم، أو الجلد، ثم يفرض موت المجلود المحدود، ومن الفصل الشهادة على السرقة الموجبة للقطع.
والذي يقتضيه الترتيب أن نذكر الرجوع قبل القضاء، ثم نذكر الرجوع بعد القضاء وقبل الاستيفاء، ثم نذكر الرجوع بعد الاستيفاء.
فأما الرجوع قبل القضاء، فمبطلٌ للشهادة.
والذي نذكر في هذا القسم، أنهم إذا شهدوا على الزنا، ثم رجعوا، فهم قذفة يحدون، فسقة يردون، ثم الكلام في [الاختبار] 2، والاستبراء على ما نفصل.
ولو قالوا كما 3 رجعوا عن شهاداتهم في الزنا وغيرِه: ما تعمدنا، ولكن
أخطأنا، فالذي صدر منهم لا يوجب جرحَهم في غير الشهادة على الزنا.
فأما إذا رجع شهود الزنا، وقالوا: أخطأنا؛ فهل يكونون قذفة؟ قد ذكرنا أنه إذا نقص العدد، ففي كونهم قذفة قولان، فإذا كمل العدد في مسألتنا، وقالوا: أخطأنا، احتَمَل خلافاً، ولكنه مرتب على نقصان العدد؛ فإنه يتطرق إليهم الملام في ترك التحفظ والمبالغة فيه، وإن كان المتحفظ قد يغلط، وأما نقصان العدد، فلا يتجه فيه نسبة الشاهدين إلى ما يوجب لوماً، والامتناع من غيرهم، فإن قلنا: إنهم قذفة، فترد شهادتهم، وإن قلنا: لا حدّ عليهما، فلا تردّ شهادتهم.
فرع:
12176 - لو شهد عند القاضي شاهدان، فيما نحن فيه أو في غيره من القضايا، ثم قالا للقاضي - قبل القضاء: توقف! حتى نتثبت في شهادتنا، فلا شك أنه يتوقف، فلو عادا، وقالا: تحققنا ونحن مصران على الشهادة، فهل يحكم؟ فعلى وجهين:
أحدهما - يحكم؛ لأنهما لم يرجعا بل توقفا، ثم استمرا.
والثاني - لا يحكم؛ لأن ما قالاه أورث ريبة في الشهادة.
ولا خلاف أنهما لو رجعا، ثم عادا، فقالا: غلطنا في الرجوع، فلا يقبل منهما، فإن قلنا: إذا استمرا بعد التوقف، فللقاضي أن يقضي، فهل يكلفهما إنشاء الشهادة؟ فعلى وجهين لا يخفى توجيههما.
هذا في الرجوع قبل القضاء.
12177 - فأما إذا فرض رجوع الشهود بعد القضاء، وقبل الاستيفاء، فرجوع شهود المال في هذا الوقت لا يوجب نقض القضاء، بل يتمادى القاضي، ويُلزم المشهود عليه إيفاء ما ثبت عليه من المال.
ولو كانت الشهادة فيما يوجب عقوبة، فإذا قضى القاضي بوجوب العقوبة، فرجع الشهود قبل استيفائها، ففي المسألة ثلاثة أوجه، ذكرها الشيخ أبو علي وغيره: أحد الوجوه - أن القاضي لا يستوفي العقوبة؛ فإنها حَرِيَّةٌ بالدرء، ويبعد أن يُريق القاضي دماً، ولا حجة على الاقتران بإراقته.
والوجه الثاني - أنه يستوفي العقوبات؛ فإن الشهود رجعوا بعد القضاء، وما استحق استيفاؤه كالمستوفَى.
والثالث - أن ما يجب حقاً للآدمي لا يسقط كالقصاص وحدِّ القذف، وما يجب حقاً لله من العقوبات يسقط؛ فإن رجوع الشهود لا ينحط عن رجوع المقر، ومن أقر بموجب حدٍّ لله، ثم رجع، سقط الحد عنه، وهذا حسن متجه؛ إذ لا خلاف في الإقرار.
ولو فسق الشهود قبل القضاء، أو بعد القضاء وقبل الاستيفاء، ففسقهم كرجوعهم في كل ما ذكرناه.
12178 - فأما إذا رجع الشهود بعد استيفاء العقوبات: [كأنْ] 1 شهدوا بالقصاص، فاقتُصَّ من المشهود عليه، أو شهدوا بالزنا على محصن، فرجم، أو على شخص بالسرقة، فقُطع، أو على بِكْر بالزنا فجُلِد ومات، فإذا رجعوا بعد وقوع العقوبات، فلهم أحوال في الرجوع: إحداها - أن يقولوا: تعمّدنا، وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا، فيجب عليهم القَوَدُ، وعَقْد الباب أنهم بمثابة المباشرين للقتل، وكل ما لو باشره وحصل التلف به، وجب عليه القود، فإذا وقع التلف بموجَب شهادته، وجب عليه القود، خلافاً لأبي حنيفة 2.
ولو قالوا أخطانأ 3، وذكروا وجهاً، أو أطلقوا وصف الرجوع بالخطأ، فلا قصاص، وقد يرى القاضي تعزيرهم؛ من جهة ترك التحفظ، والغُرم يجب في مالهم؛ فإنه ثبت بإقرارهم، إلا أن تصدّقهم العاقلة، ففيه شيء سأنبه عليه، إن شاء الله.
ولو قال بعضهم 4: تعمدت، وقال الباقون: أخطأنا، لم يجب القود على المعترف بالعمد؛ فإن القتل على حكم الأقارير وقع بعمدٍ وخطأ، ولا قصاص على العامد إذا كان شريكه مخطئاً، ولو قال كل واحد منهم: تعمدت وأخطأ أصحابي،
ففي وجوب القصاص وجهان: أحدهما - لا يجب، لأن كل واحد أقر بقتلٍ على شركة خاطىء، ولم يقر بالعمد المحض.
والثاني - يجب؛ لأن كل واحد منهم مقر بالعمد في حق نفسه، وإنما يدعي خطأ من شركائه، وقوله مقبول في حق نفسه مردود في حق شركائه.
وإن قال القاضي: علمت كذبهم وتعمدت، فعليه القَوَدُ، قطع الأئمة به؛ فإن مقامه لا ينحط عن مقام شاهد.
ولو رجع المزكّي عن تزكية الشهود، فقد ذكر أصحابنا في وجوب الغرم عليه وجهين، ثم ذكروا على أحد الوجهين في القصاص وجهين، وحاصل الكلام ثلاثة أوجه في الغرم.
والقصاص، وهذا عندي مُحوِجٌ إلى فضل نظر.
فإن قال المزكي: زكيتهم مع العلم بفسقهم وكذبهم، فهذا موضع خلاف للأصحاب.
وإن قال: زكيتهم مع العلم بفسقهم، ولم أعلم كذبَهم، فقد قال الأصحاب: هذا كما لو زعم أني علمت كذبهم، وما ذكروه ظاهر، ولكن قد يتجه في القصاص ترتيبٌ لحالة على حالة، والأمر فيه قريب.
12179 - ومن أهم ما يجب الاعتناء به، أن الذي ادعى القصاص لو رجع عن دعواه، وأصرّ الشهود، فعليه الغُرم 1 والقود.
وإن رجعوا كلهم 2 [والوليُّ] 3 هو الذي اقتص، فلا شك في وجوب القود عليه، وهل يجب القود على الشهود؟ فعلى وجهين - ذكرهما القاضي: أحدهما - لا قصاص على الشهود؛ فإن الولي قتل مختاراً، وليس في حكم المكره، والشهادات سبب، فهي بالإضافة إلى قتل الولي كالإمساك مع القتل.
وهذا هو الذي بنينا عليه (الأساليب).
والوجه الثاني - أن القصاص يجب على الشهود مع الولي؛ فإنهم من جملتهم تعاونوا على القتل، وكانوا كالمشتركين فيه.
وليسوا كالقاتل والممسك؛ فإن الشهود
هم الذين أكسبوا الوليَّ صفةَ المحق، ولولاهم، لما تصدى لذلك، وهذا ضعيف، والقياس الحق مع الوجه الأول 1.
ثم إذا لم نوجب القصاص على الشهود، لم نلزمهم غرماً أيضاً، إذا آل الأمر إلى المال؛ تشبيهاً لهم بالممسكين، ومصيراً إلى أن مباشرة الولي على الاختيار تقطع أثر تسببهم.
12180 - ولو قال الشهود: تعمدنا الشهادة كاذبين، ولكن لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا، فقد قال الأكثرون: لا قود عليهم.
وهذا فيه نظر؛ فإن من ضرب شخصاً فمات، وكان ذلك الشخص مريضاً يُقصد قتلُه بمثل ذلك الضرب، فقال الضارب: لم أحسبه مريضاً، ولو كان صحيحاً، لكان الأغلب ألا يموت، فهل يجب القصاص والحالة هذه؟ فيه تردد مأخوذ من كلام الأصحاب.
فإن قلنا بوجوب القصاص على الشهود في هذه الصورة، فلا كلام، وإن قلنا: لا قصاص عليهم؛ فقد قال الشافعي: عليهم الدية حالّةٌ في أموالهم في الصورة التي ذكرناها.
قال صاحب التقريب: الوجه أن تكون الدية مؤجلة عليهم، لأنه بمثابة من يصدر منه القتلُ شبهَ عمد.
وهذه المسألة تقرب مما لو قتل مسلماً في دار الحرب على توهم أنه مشرك، ففي وجوب الدية قولان.
فإن أوجبناها، ففي ماله أو عاقلته؟ فعلى قولين، وقد مهدت هذا الفصل في كتاب الديات.
12181 - ومما يليق بتفريع هذا الفصل الكلامُ في شهود الزنا، وشهودِ الإحصان إذا فرض الرجوع منهم أو من بعضهم، ونحن نذكر في مبتدأ ذلك أصلين - ونفرعّ المسائل عليهما؛ أحدهما - أن شهود الإحصان إذا رجعوا، فهل يغرّمون؟ فعلى قولين: أحدهما - لا يغرمون؛ فإنهم ما شهدوا على موجِب الحد؛ إذ موجِبه الزنا، والإحصان صفات كمال، وعلى نحو هذا اختلف الأصحاب في أنه لو شهد على تعليق
العتق بدخول الدار شاهدان، وشهد على الدخول آخران، ثم رجعوا بعد نفوذ القضاء، فهل يجب على اللذين شهدوا على وجود 1 الصفة غرمٌ؟ فعلى وجهين.
فإن قلنا: شهود الإحصان لا يغرمون إذا رجعوا، فلا كلام.
وإن غرّمناهم، أوجبنا القصاص عليهم حيث يجب القصاص، ثم كم يغرّمون إذا رجعوا ورجع شهود الزنا؟ فعلى وجهين: أحدهما - يغرمون نصف الدية، لأن لحدّ الزنا ركنين: الزنا، والإحصان.
والثاني - عليهم ثلث الغرم، لأن الإحصان يثبت بشاهدين والزنا لا يثبت إلا بأربعة، فهم يقعون في مراتب الشهادات ثُلُثَ الشهود، هذا أحد الأصلين.
والأصل الآخر - أنه إذا شهد على شيء عددٌ أكثر من العدد المشروط فيه، ثم رجع من زاد على العدد؛ فنقول أولاً: إن رجع كلهم، فالغرم مفضوض على جميعهم، ولا فرق بين أن يرجعوا بأجمعهم معاً، وبين أن يرجعوا واحداً واحداً، فإذا تكامل الرجوع، فالغرم على الجميع.
فأما إذا رجع من الشهود من لا ينخرم به العدد المشروط، مثل أن يشهد خمسة على الزنا، أو ثلاثة على غيره، ثم رجع الزائد، وبقي العدد الذي به الاستقلال؛ فهل يجب على الراجع شيء في هذه الصورة؟ فعلى قولين: أحدهما - رواه البويطي، واختاره المزني أنه يُغَرَّم.
والثاني - وهو [المشهور] 2 أنه لا يغرّم، وبه قال أبو حنيفة 3، والتوجيه هيّن.
وإذا ثبت الأصلان، خضنا بعدهما في تفريع المسائل.
12182 - فلو شهد أربعة على الزنا، واثنان سواهم على الإحصان، فلو رجع أحد شاهدي الإحصان، فإن قلنا: لا غرم، فلا كلام.
وإن قلنا: يجب الضمان على شهود الإحصان إذا رجعوا بفرع النصف والثلث، فعلى الراجع على قول النصف ربع الغرم، وعلى قول الثلث سدس الغرم.
وإن رجع أحد شهود الزنا، فإن قلنا: يتعلق بهم ثلثا الغرم، فعلى الراجع سدس، وعلى القول الثاني عليه ثمن الغرم.
ولو شهد أربعة على الزنا والإحصان جميعاً، ثم رجع أحدهم عن الإحصان والزنا جميعاً، فلا غرامة لأجل الإحصان على أحد القولين، لأنه قد بقي من يتعلق به ثبوت الإحصان، فأما لأجل الزنا، فيغرّم، وفي مقداره الخلاف الذي قدّمناه، فيغرّم سدساً أو ثمناً.
فإن رجع ثلاثة وثبت واحد، فقد بطلت الشهادتان؛ فيغرمون على أحد الوجهين لأجل الإحصان ولأجل الزنا، ويخرج المقدار على ما تقدم: السدس -في حسابٍ- على كل واحد لأجل الزنا، و -في حسابٍ- الثمن.
ولأجل الإحصان -إن غرّمنا به- ثلث الربع أو ثلث السدس؛ (1 لأنه لما رجع واحد من شهود الإحصان أوجبنا عليه في قولٍ الربعَ، وهو نصف النصف، فيُفَضُّ ذلك في هذه الصورة على ثلاثة: على كل واحد ثلثُ الربع، وأوجبنا في قولٍ نصفَ الثلث، وهو السدس، فيفض على ثلاثة: على كل واحد ثلثُ السدس 1).
ولو شهد أربعة على الزنا، وشهد اثنان من هؤلاء الأربعة على الإحصان، ثم رجع أحد هذين اللذين شهدا على الأمرين، وقلنا بالضمان على شهود الإحصان، فعلى الراجع لأجل الإحصان ربع الغرم في وجه، وسدس الغرم في وجه، وأما لأجل الزنا، فثمن الغرم في وجه، فإن شهود الزنا أربعة، وسدس الغرم في وجه.
ولو شهد ثمانية على الأمرين، ثم رجع أحدهم، فلا غرم عليه، على أشهر القولين، وكذلك لو رجع الثاني، والثالث، والرابع، وإن رجع الخامس - حينئذ، لا غرامة لأجل الإحصان على الوجه المشهور، ويغرم لأجل الزنا السدس في وجه، والثمن في وجه، وهذا المقدار على الخمسة بأجمعهم.
وإن رجع [ستة] 2 وشهود 3 الإحصان ما انخرموا بعدُ، فعلى قولٍ عليهم ثلث1
الغرم يُفضّ على ستة، وعلى قولٍ رُبع الغرم.
وإن رجع سبعة، فقد بطلت الشهادتان، ولا يخفى التفريع، وقد نجز الكلام في فصل واحد من الفصول الثلاثة.
فأما
الفصل الثاني
12183 - فمضمونه الشهادة على ما إذا نفذ القضاء به، لم يُستَدْرك، كالعتق والطلاق، فإذا رجع الشهود بعد نفوذ القضاء، غَرِموا القيمة في العتق، وقد مضى التفصيل فيما يغرمه شهود الطلاق في كتاب الرضاع، على أحسن وجه، وأبلغه في البيان.
والذي لم نذكره ثَمَّ فَرْعٌ فرّعه ابنُ الحداد، وهو: إذا شهد رجلٌ وعشرُ نسوة على أن بين فلان والتي تحته بحكم الزوجية رضاعاً محرِّماً، وقضى القاضي بشهادتهم، وفرّق بينهما، فلو رجعوا عن الشهادة، فالقول في أنهم يغرّمون، وماذا يغرّمون، كالقول في شهود الطلاق، لا فرق بينهما في المغروم.
وإنما غرضنا من هذا الفرع الكلام في كيفية فض المغروم على الرجال والنساء في شهادة الرضاع -وشهادة النسوة لا تتصور في الطلاق- فلهذا فرضنا في الشهادة على الرضاع -فنقدم على ذلك شهادة في المال، ونقول: إذا شهد رجل وأربع نسوة على مال، وقضى به القاضي، ورجعوا، وقلنا: إنهم يغرمون- كما سيأتي في الفصل الثالث - فالمذهب أنه يجب نصف الغرم على الرجل، ونصف الغرم على [النسوة] 1 كم كن وأيَّ عددٍ بلغن، فعلى الاثنتين النصف وعلى العشر فصاعداً النصفُ؛ فإن النسوة -وإن كثر عددهن- في محل رجل واحد، وذهب أبو حنيفة 2 إلى أن كل امرأتين بمثابة رجل.
فاذا كانوا رجلاً وأربع نسوة، فعلى النسوة ثلثا الغرامة، وعلى الرجل الثلث، كأنهم ثلاثة من الرجال شهدوا ورجعوا.
قال الشيخ أبو علي: قد ذهب إلى هذا بعضُ أصحابنا، وهو بعيد فإذا ثبت ذلك، رجعنا إلى مسألتنا.
فإذا شهد رجل وعشر نسوة على الرضاع، ثم رجعوا بعد نفوذ القضاء، قال الشيخ - نعدّ الرجل بامرأتين في حساب الغرم، فإذا كن عشراً معهن رجل، فنقدّرهم اثني عشر، ونقسم الغرم اثني عشر سهماً، على الرجل سهمان وعلى كل امرأة سهم.
وقد ذكرنا في الشهادة على المال أن المذهب أن نوجب نصف الغرم على النساء كَمْ كن، وفي الرضاع لا نقول ذلك.
بل نعدّ الرجل بامرأتين، وامرأتين برجل، والفرق أن النساء أصلٌ في شهادة الرضاع، بدليل أن الرضاع يثبت بشهادتهن وحدهن، ولا يثبت المال بشهادة النسوة وحدهن، فالرجل في المال شطر البيّنة أبداً، وهو معدود في الرضاع بامرأتين على حسب عددهن، فهذا كلام فيه إذا رجع كلهم.
فإما إذا رجع الرجل وست نسوة، فقد بقيت أربع من النسوة مُصرّات على الشهادة، فالمذهب الصحيح أنه لا يجب على الراجعين شيء؛ فإن الشهادة ما انخرمت.
ومنهم من قال: يجب على الراجعين بقدر ما يخصهم لو رجع كلهم، فإذا رجع رجل وست نسوة، فيخصهم ثلثا الغرامة، فيلزمهم ذلك على الحساب الذي قدمناه.
ولو رجع عن الشهادة رجل وسبع نسوة، فإن فرّعنا على القول الضعيف، فيجب على الراجعين من الغرم ما يخصهم لو رجع كلهم، وذلك تسعة أسهم من اثني عشر سهما من جميع المغروم، على الرجل سهمان من التسعة، وعلى كل واحدة سهم منها، وهذا ضعيف.
والصحيح أنه يجب ربع الغرامة؛ فإن الشهادة قد انخرم ربعها، إذ بقيت ثلاث نسوة، فيقسم ربع الغرم على الرجل والسبع نسوة: على تسعة أسهم كما ذكرناه، فهذا هو الذي أردنا ذكره هاهنا.
وتمهيد الأصول في المقدار المغروم المتوجه على الراجعين عن شهادة الطلاق قبل المسيس وبعده مذكور في كتاب الرضاع.
فأما
الفصل الثالث
12184 - فمضمونه الكلامُ في الرجوع عن الشهادة بعد نفوذ القضاء فيما يفرض فيه مستدرك، وهو كالشهادة على الأموال.
فإذا شهد شاهدان على أن الدار التي في يد زيد لعمرو، ونفذ القضاء بموجَب الشهادة، فإذا رجعا، فلا سبيل إلى نقض القضاء، وهل يغرمان للمشهود عليه قيمةَ الدار؟ فعلى قولين: أحدهما - أنهما يغرمان.
وهذا أقيس القولين؛ لأن الشهادة مسلكٌ لو فات بها شيء، وفرض الرجوع، ثبت الغرم، وكل جهة تثبت الغرم عند تحقق الفوات؛ فإنها تُثبت الغرم عند إثبات الحيلولة، والشهادة قد أَثبتت حيلولةً، فلتقتض غرماً.
والقول الثاني - إن الغرم لا يجب؛ فإن التفويت لم يتحقق؛ إذ يتصور من المشهود عليه أن يعترف ويقرّ، ويرد الدار إلى المشهود عليه، وهذا لا يتحقق في الطلاق والعتاق؛ فإنهما بعد نفوذ القضاء بهما لا يتصور فيهما مستدرك، فكانا في معنى الإتلاف المحقق، وهذا القول يعسر توجيهه، ولكنه القول الجديد، ومأخذ القولين قريب من أصل القولين فيه إذا قال الرجل: غصبت هذه الدار من فلان، لا بل من فلان، فالدار مسلّمة إلى الأول، وهل يغرم للثاني قيمة الدار، من حيث تسبب بتقديم الإقرار للأول إلى إيقاع الحيلولة بين الثاني الذي قَرّ عليه إقراره وبين الدار؟ فعلى قولين.
فرع:
12185 - إذا شهد شاهدان، ثم رجعا عن شهادتهما قبل نفوذ القضاء، فلا شك أن القاضي لا يقضي بشهادتهما بعد الرجوع، فإن قالا: تعمدنا الكذب، رُدت شهادتهما عموماً؛ فإن الشهادة ترد بما يورث رَيْباً في شهادة الزور، فإذا اعترفا بتعمد الكذب، فقد تعرضا لهدم منصبهما فيما هو عين المقصود بالشهادة، فإن تابا واستبرأنا أحوالهما، قبلنا شهادتهما في غير 1 تلك القضية، فإن قالا: ما كنا كذبنا، وإنما
أظهرنا دعوى الكذب لغرضٍ، قلنا: لا سبيل إلى قبول تلك الشهادة؛ فإنا إذا كنا لا نقبل الشهادة المعادة إذا كانت ردّت بسبب الفسق، فإذا ردّت بالاعتراف بتعمد الكذب، فلأن لا تُقبل أولى، فإن المؤاخذة بالقول الأول قائمة، لا سبيل إلى إزالتها.
باب علم الحاكم بحال من قضى بشهادته
قال: " وإذا علم الحاكم أنه قضى بشهادة عبدين أو مشركين ... إلى آخره " 1.
12186 - إذا قضى القاضي بشهادة شاهدين في ظاهر الحال، ثم تبيّن له أنهما مشركان أو عبدان أو صبيان، فالحكم منقوض، وقد أوضحنا أن المعنيّ بالنقض التبيّن، وإلا فليس القضاء أمراً يعقد ويحل.
وذكر القاضي في صدر هذا الفصل أن القاضي لا يجوز له أن يصغي إلى قول المشركين، والعبيد، والصبيان إذا أحاط بحقيقة حالهم، وكذلك إذا كانوا فسقة -وقد تحقق القاضي ذلك- لم يُصغ إلى شهادتهم، وقد قدمت من قبل تردداً في ذلك.
وقد تحصل لنا ما يجب الاستقرار عليه في الإصغاء إلى شهادة الفسقة.
أما المعلنون بالفسق، فلا ينبغي أن يصغي القاضي إلى شهادتهم - إلا أن يصح مذهبٌ في قبول شهادة المعلنين، ويرى القاضي أن يصغي، فلا معترض عليه في مجتَهد.
ولو أصغى إلى شهادة العبيد، ليقبلها على رأي أحمدَ 2، وطوائفَ من أئمة السلف، فلا معتَرَضَ.
وإن كان لا يقبل قطعاً -وسبب الرد ظاهر- فالوجه ألا يصغي كما لا يصغي إلى شهادة المشركين، والعبيد، والصبيان.
وإن كان الفاسق مكاتماً، وكان القاضي عالماً بفسقه، فهذا موضع التردد؛ فإنه لو منعه من إقامة الشهادة، لكان ذلك هتكاً للستر، فالوجه أن يصغي ثم لا يَقْضي، والقياس ألا يصغي إلى من يعلم أنه مردود.
والوجه أن يقدم النُّذُر إلى من يريد الإقدامَ على الشهادة من هؤلاء؛ حتى لا يتعرضوا، فإن فعلوا، فهم الذين هتكوا أستار أنفسهم.
ولو قضى القاضي بشهادة رجلين، وبانا فاسقين، وتبين اقتران فسقهما بوقت القضاء، ففي المسألة قولان: أقيسهما - أن الحكم منقوض؛ لأنه بأن من الشهود ما لو عُلم حالةَ القضاء، لامتنع القضاء بشهادتهم، فاشبه الرق والكفر.
12187 - قال الشافعي: " شهادة العبد أقرب 1 من شهادة الفاسق؛ لأن ردّ شهادة الفاسق بالنص.
قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282].
وردُّ شهادة العبد بالتأويل 2، ثم قال: " من العلماء من قبل شهادة العبد، وهو أحمد وغيره.
ورد شهادة الفاسق متفق عليه " 3.
فأما وجه القول الثاني، فعسرٌ، ولا يتجه فيه كلام، إلا أن نحوّم على ما ذكره أصحاب أبي حنيفة 4 من أن الفاسق من أهل الشهادة، بدليل مسألة الرد والشهادة المعادة، وهذا على بُعده عن مذهبنا لا متمسك فيه.
ومن أصحابنا من قطع بأن الحكم يتبين انتقاضه إذا [استند] (5) الفسق، وحمل قول الشافعي حيث قال: " لا ينتقض " على فسق يظهر بعد القضاء على قرب العهد، ولكن لا يتبين استناده، فالحكم لا ينتقض؛ وإن كنا نظن أن ذلك الفسق مستند، وعليه تبيّنا فسق الأصول في باب الشهادة على الشهادة.
12188 - وقال الشافعي: " ولو أنفذ القاضي بشهادتهما ... إلى آخره " 1.
إذا بان الشهود عبيداً، أو مشركين، أو فسقة على القول الصحيح، وحكمنا بانتقاض القضاء على معنى التبين، فإن كان المشهود به عينَ مالٍ، وأمكن استردادها، استردها، وردّها على المشهود عليه، فإن كانت فائتة، غرم المشهود له بدلَها إذا فاتت في يده، وسلّم القيمة إلى المشهود عليه، وإن لم نتمكن من المشهود له، فالقاضي يغرم للمشهود عليه، وفي محل الغرم قولان: أحدهما - يجب في ماله، والثاني - يجب في مال بيت المال، وهذا مما استقصيناه في بابه ضما إلى أحكام خطأ الولاة.
ثم إذا غرم القاضي من ماله مثلاً، فهل يرجع على الشهود بما غرم؟ قال الأصحاب: إن بانوا فسقة، لم يرجع عليهما.
وإن بانوا عبيداً أو مشركين، ففي الرجوع قولان: أحدهما - لا يرجع، كما لو بانوا فسقة.
والثاني - يرجع.
والفرق أن الفاسق مأمور بكتمان الفسق، مندوب إلى حفظ الستر على نفسه، إلى أن يوفقه الله للتوبة، والمشرك لا يُخفي الشرك، والعبد لا يُخفي الرق، وهما مأموران بإظهار الرق والكفر.
فإن قلنا: يثبت الرجوع - فإن كان المرجوع عليه مشركاً ملتزماً للحكم بذمة أو عهد، فيرجع عليه بما غرِم في الحال.
وإن بأن الشاهد عبداً، فحق الرجوع يتعلق بذمته أو برقبته؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يتعلق برقبته؛ فإن ما صدر منه في حكم الجناية.
وأروشُ الجنايات تتعلق برقبة العبيد.
والثاني - لا يتعلق برقبته؛ لأن العبد يبعد أن يعلق حقاً برقبة نفسه بقول يصدر منه، ولو أقر بجناية موجَبُها مال، لم يتعلق الضمان برقبته.
وقطع الأصحاب في الطرق أن الشاهد لو بان صبياً، فلا رجوع عليه في ماله؛ فإن التقصير من القاضي، والصبا لا يخفى.
وإن فَرَض متكلِّف صبياً مناهزاً شاطّ 2 القدّ قد طُرّ شاربه، فما ذكرناه لا يندفع
بهذه الصورة، وكان القاضي مؤاخذاً بالبحث عن هذا.
وذكر شيخي في الصبي في مثل الصورة التي ذكرناها خلافاً، وهذا لا أعتدّ به، وكان لا يبعد عن القياس إثبات الرجوع على من بأن فاسقاً؛ فإنه إذا ساوى الفسقُ الكفرَ والرقَّ في انتقاض الحكم بسبب ظهوره، لا يبعد في القياس أن يثبت الرجوع عليه أيضاً.
وهذا الذي ذكرناه بيان احتمال، وليس بمذهب.
والذي اتفق عليه الأصحاب أنه لا رجوع على الفاسق.
ومما يجب التنبّه له أن المشهود عليه إذا ثبت له تغريمُ القاضي، فليس يبعد عن القياس أن يغرِّم الشاهدَ، حتى يقال: هو بالخيار، إن أحب طالب الشاهد، وإن أحب طالب القاضي.
وهذا أيضاً غير منقول من أئمة المذهب، ولكن في كلام الأصحاب ما يدل على هذا، والظاهر المنقول ما ذكرته، من توجيه الطلب على القاضي، ثم هو يرجع، كما فصّلنا.
... = وأفرط، والمعنى المقصود هنا: أنه متجاوز القامة أو القوام المعتاد من مثل عمره (المصباح.
والمعجم).
باب الشهادة على الوصية
قال الشافعي رضي الله عنه: " ولو شهد أجنبيان أن فلاناً المتوفى أعتقه، وهو الثلث في وصيته، وشهد وارثان لعبدٍ غيره أنه أعتقه، وهو الثلث في وصيته، فسواء، ويعتق من كل واحد منهما نصفه " 1.
12189 - هذا ما نقلوه من لفظ الشافعي.
والرأي عندنا أن نقدم أصولاً على قدر مسيس الحاجة، ثم نعود إلى بيان مراد الشافعي، فنقول: إذا أعتق المريض عبيداً، وكان الثلث لا يفي بجميعهم، وقد أعتقهم معاً تنجيزاً، فمذهب الشافعي أنا نقرع بينهم، ولا نعتق من كل واحد منهم جزءاً؛ فضّاً للثلث على أقدار قيمهم، وسيأتي هذا مشروحاً، إن شاء الله.
والقياس أن نعتق من كل عبدٍ مقداراً، ولكن ترك الشافعي القياسَ لحديث عمران بن حصين، كما سيأتي إيضاح ذلك، إن شاء الله.
ولو أعتق في المرض عبداً، هو قدر الثلث، ثم أعتق بعده عبداً آخر، هو مقدار الثلث أيضاً، فنقدّم من قدّمه.
ولا قرعةَ، وقد تعين السابق والمسبوق.
وهذا في التبرع المنجّز في الحياة.
ولو أوصى بعتق عبيد، وكان الثلث لا يفي بهم، ولم يوص بتقديم بعضهم، فلأصحابنا طريقان: منهم من قال: يقرع بينهم، كما لو أعتق عبيداً في مرض موته.
وهذا هو المذهب المعتمد، وقد قطع به الصيدلاني، فقال: لا خلاف في المذهب في ذلك.
وذكر بعض الأصحاب قولين - وأشار إليهما القاضي: أحدهما - القرعة قياساً على العبيد المجموعين في تنجيز الإعتاق في مرض الموت.
والقول الثاني - أنا نوزعّ العتقَ
ولا نقرع في الوصايا، وإنما الإقراع في المعتَقين في الحياة.
وهذا القائل احتج بأن القياس التسويةُ بين العبيد في الحياة والممات جميعاً، وتخصيص البعض القرعة، وحرمان البعض خارج عن قصد المتبرع، وعن قياس الاستحقاق؛ فإن المعتق أثبت لكل واحد من العبيد حقاً في العَتاقة.
غير أن الخبر مقدم على القياس، وإنما ورد الخبر في تنجيز العتق في الحياة؛ فبقّينا الوصية على القياس في اقتضاء التشريك، ورأينا بين العتق في الحياة وبين الوصية بالعتق فرقاً يقطع أحدَهما عن الثاني، ويُخرج الوصية عن كونها في معنى العتق المنجز، والفرق الذي نبديه ناشىء من عين المقصود.
وبيانه أن القرعة تقتضي تكميل العتق لعبدٍ وتكميل الرق في عبد، وكأن للشرع غرضاً في رفع تبعّض الرق والحرية، وهذا لائق بحالة الحياة؛ فإن المريض لو أعتق بعضاً من عبد، وكان العبد بكماله خارجاً من الثلث، فعتقه الموجه على بعض العبد يسري إلى كماله؛ فلم يبعد التكميل في الحياة، والقرعة تنبني عليه، والتكميل بعد الموت ممتنع؛ فإنه لو أوصى بإعتاق بعضٍ من عبد، وكان الثلث وافياً بتمام العبد، فالعتق لا يسري من بعض العبد إلى كماله، فإذا جرت الوصية على القياس، وانقطعت عن مورد الخبر، [تعين] 1 قياس الاشتراك في الوصية حتى لا يحرم البعض.
ثم من سلك هذا المسلك، لم يفصل بين أن يقع الإيصاء بعتق العبيد دفعة واحدة، وبين أن تترتب الوصايا، فالمترتب منها كالمجموع، والخلاف الذي ذكرناه جارٍ في صور الوصية.
12190 - فإذا تمهد ما ذكرناه، عُدنا بعده إلى شرح كلام الشافعي، وبيان اختلاف الناس فيه.
ظاهر ما نقله المزني أنه إذا أعتق عبيداً، فيعتق من كل واحد بعضُه ولا يُقْرع، وهذا في ظاهره يخالف القانونَ وقاعدةَ المذهب، ولكن اختلف أصحابنا في أن كلام
الشافعي مفروض في العتق المنخز أو في العتق الموصى به، ونحن نذكر التنجيز وحكمه، ونخرّج عليه التعرض لقسمة العتق وفضّه، ثم نذكر الوصية، ونختتم الكلام بتعلق الأصحاب في تنزيل كلام الشافعي على التنجيز والوصية، وما يُظهر كل فريق من فحوى كلامه ومنطوقه.
فأما التنجيز، فإذا أعتق المريضُ عبدين، قيمةُ كل واحد منهما مقدار الثلث، نُظر؛ فإن أعتقهما معاً، لم يختلف الأصحاب في الإقراع.
وهذا مورد نص الحديث الذي رواه عمران بن حصين.
فأما إذا أعتق سالماً أولاً، ثم أعتق غانماً، وكان كل واحد منهما ثلثاً، فالمقدم عتق سالم، ولا مجال للإقراع، وإن أشكل الأمر، ولم ندر أيَّ العتقين وقع أولاً، وجوّزنا أن يكون وقوعُهما معاً، والتبس علينا التقدم والترتب والوقوعُ معاً؛ فإنا نقرع بينهما كما لو وقعا معاً.
وإن علمنا تقدم أحدهما على الثاني، وأشكل علينا المتقدم والمتأخر، فالغرض من هذا الموضع يتبين بتجديد العهد بمثال من أصلٍ، وهو إذا عقدت جمعتان في بلدة لا يجوز عقد الجمعتين فيها، فلو وقعتا معاً، لم تصح واحدة منها، ولو تقدمت إحداهما، وتعينت، فهي الصحيحة، وعلى الذين أقاموا الثانية صلاةُ الظهر.
وإن لم ندرِ أوقعتا معاً، أم تقدمت إحداهما، فهو كما لو وقعتا معاً.
وأثر حكمنا بفساد الجمعتين أن نقول لهم - إن كان الوقت باقياً: اعقدوا الآن جمعة، فالذي مضى فاسد غيرُ منعقد 1 وإن سبقت إحداهما وأشكلت السابقة، فقولان: أحدهما - أنا نحكم بفسادهما، والثاني - أنا نحكم بصحة جمعة لا بعينها، وأثر ذلك أنا نأمر الجميع بأن يصلى الظهر، ولو أرادوا جمعة في الوقت، لم تقع الموقع.
ولو تقدمت إحدى الجمعتين وتعينت، ثم التبست بعد التعيين، ففي المسألة
طريقتان: إحداهما - القطع بأنه انعقدت جمعة، والأخرى - جعل المسألة على قولين، وقد أجرينا مثلَ هذا الترتيب في نكاحين، عقدهما وليان على امرأة واحدة مع خاطبين، والمثال الواحد كافٍ.
12191 - فنعود إلى العتق، ونقول: إذا وقع العتقان في العبدين على صورة لو وقعت الجمعتان عليها، لحكمنا بفسادهما؛ أخذاً باجتماعهما، فنحكم في مثل هذه الصورة من العتق بالقرعة؛ أخذاً بوقوع العتقين معاً، ولو وقعا معاً، لحكمنا بالقرعة لا محالة.
وحيث يختلف القول في صحة جمعة وفسادها، فنطرد القولين في العتقين إذا تُصوّرا بتلك الصورة، وذلك إذا استيقنا الترتيب، ولم ندرك اليقين 1، ففي قولٍ نقرع إذا حكمنا بفساد الجمعتين، وإذا حكمنا بصحة جمعة لا بعينها، فنحكم بنفوذ عتق في عبد لا بعينه، ثم ليس أحدهما أولى به من الثاني، ولا جمعَ؛ فنُقرع، فنجعل 2 كأنهما يتداعيان عتقاً بينهما، كل واحد يدعيه بكماله، فنحكم بفض العتق عليهما، ونعتق من كل واحد منهما نصفه إذا كان كل واحد موازيا ثلثاً، هذا بيان هذه الصورة.
والقيمتان [في] 3 جميعهما متساويتان، كلُّ قيمةٍ ثلث.
12192 - فأما إذا أعتق عبداً قيمته ثلث، وأعتق عبداً آخر قيمته سدس، ثم وقع الكلام في الجمع والترتيب، فإن وقعا معاً فليس إلا القرعة، فإن خرجت القرعة على الكثير القيمة، عتق، ورق القليل القيمة، وإن خرجت القرعة على القليل القيمة، عَتَق كله، وعَتَق من الكثير القيمة نصفُه، ورَقّ نصفُه.
وإن صورنا صورة القولين؛ فإن أقرعنا، فالجواب ما ذكرنا، وإن أردنا التقسيط، فقد اختلف أصحابنا في كيفيته؛ فمنهم من قسط على الدعوى، وقال: الكثير القيمة يقول للقليل القيمة؛ نصفي يعتق في كل حساب، لا نزاع فيه، وإنما النزاع في نصفي
الآخر؛ فأنا والقليل القيمة نزدحم وراء ذلك؛ فيقسم العتق بين نصفي الثاني وبين جميع القليل القيمة نصفين، فيعتق من القليل نصفه، ويعتق من الكثير ربع آخر، فيعتق ثلاثة أرباع الكثير القيمة ونصف القليل القيمة، وهذا وجه.
ومن أصحابنا من سلك مسلكاً في قسمة العتق بينهما، فقال: الكثير القيمة ضِعف القليل القيمة، والقليل القيمة نصف الكثير القيمة؛ ويعتق منهما مقدار ثلث المال، فالكثير القيمة يقع مع القليل القيمة ثلثين، والقليل القيمة يقع مع الكثير القيمة ثلثاً، فيضرِبُ الكثيرُ بالثلث كلِّه، ويضرب القليلُ بنصف الثلث، فنوزِّع الثلث عليهما أثلاثاً، نصرف ثلثيه إلى الكثير القيمة ونصرف ثلثه إلى القليل القيمة، فيجب من ذلك أن يعتق الثلثان من الكثير، والثلث من القليل، وفي ذلك استكمال الثلث.
وقد قال الأصحاب: لو تداعى رجلان وصيتين، فأقام أحدهما البينة أن الموصي أوصى له بكل ماله، وأقام الآخر البينة أنه أوصى له بثلث ماله، وأجاز الورثة الوصية في كل المال؛ فإنهما يقسمان المال بينهما على حساب العول، فإن أحدهما يضرب بثلاثة أثلاث المال، والثاني يضرب بثلثه، وحساب العول يقتضي أن يكون المال أرباعاً بينهما: ثلاثة أرباعه للموصى له بالكل، وربعه للموصى له بالثلث.
ومذهب أبي حنيفة 1 أن المال يقسم بينهما على الدعوى، فيقول صاحب الجميع: الثلثان لا نزاع فيهما، فلْيُسلّما إليّ.
ويبقى الثلث بيننا، أنا أدعيه وأنت تدعيه، فنُقَسِّم هذا الثلث بيننا نصفين، فيخلص لصاحب الجميع خمسةُ أسداس المال، ولصاحب الثلث سدسه، والأصحاب لم يذكروا هاهنا إلا مذهب العول، ورأوا مذهب التداعي لأبي حنيفة، وقد ذكرنا مذهب التداعي وجهاً لأصحابنا في مسألة عتق العبدين، وأحدهما ثلث والثاني سدس، ولا فرق قطعاً بين المسألتين.
فيلزم من ذكر قسمة التداعي وجهاً ومذهباً لنا أن نطرد ذلك الوجهَ في الصورة التي ذكرناها آخراً في الوصية وأمثالها، حتى نجري التداعي مهما 2 اتجه إجراؤه.
12193 - وكل ما ذكرناه طريقة واحدة للأصحاب؛ فإنهم قالوا: نصُّ الشافعي محمول على العتق في العبدين إذا نُجِّز في حالة الحياة والْتبس المتقدمُ والمتأخر.
وقال هؤلاء: لو فرضنا الوصية بعتق عبدين بعد الموت، فليس فيهما إلا الإقراع، سواء جمع الموصي الوصيتين أو قدم إحداهما ذكرا على الأخرى من غير أن يوصي بمراعاة ترتيبه في تقديمه وتأخيره، وذلك لأن التفاوت في الذكر لا أثر له في الوصايا؛ إذ وقوع جميعها بعد الموت -وإن ترتبت في الذكر- فصارت الوصيتان بالعتق في العبدين بمثابة تنجيز العتق فيهما معاً في مرض الموت.
هذه الطريقةُ المثلى.
واستتمامه أنه لو أوصى بعتق عبدين وأوصى بتقديم أحدهما عند ضيق الثلث، فلا شك أنا نمتثل أمره، فإن أشكل الأمر، فلم ندرِ أنه أوصى بتقديم سالم أو بتقديم غانم، فيعود في هذه الصورة صورة الوفاق، والقولين في أنا نقرع أو نوزع، كما ذكرناه في العبدين المعتقين في الحياة إذا سبق أحدهما، وأشكل عين السابق.
12194 - ومن أصحابنا من قال: مسألة (السواد) 1 مفروضة في الوصية بعتق العبدين، ثم هؤلاء رأوا الشافعي وزع العتق على العبدين، فالتزموا التوزيع في الوصايا، وخصصوا القرعة بالعتق المنجز في الحياة، وقد قدمنا ذكر ذلك، ثم لم ينظروا إلى التقدم والتأخر، بل قالوا: [لو] 2 أوصى بعتق العبدين جمعاً في الذكر، وزعنا مقدار الثلث عليهما.
وهذا مسلك ضعيف رمز إليه بعض الأصحاب، وصرح به القاضي نقلاً ثم زيّفه.
12195 - وقد انتجز حكم المسألة، وبقي تعلق كل فريق بلفظ الشافعي، ونحن ننقل لفظه على وجهه، ونذكر متعلَّق الأصحاب فيه 3، قال: " لو شهد أجنبيان أن فلاناً المتوفى أعتقه، وهو الثلث في وصيته، وشهد وارثان لعبد كيره أنه أعتقه، وهو الثلث في وصيته، عتق من كل واحد منهما نصفه ".
فمن قال من الأصحاب المسألة في تنجيز العتق رأى صريح اللفظ موافقاً له؛ فإن الشافعي قال: "أن فلاناً المتوفى أعتقه" وهذا صريح في التنجيز، ومن رأى حَمْلَ كلام الشافعي على الوصية حمل قولَه " أعتقه " على الوصية بالعتق، وقال: معناه أوصى بعتقه.
واستدل على ذلك بأنه ذكر على الاتصال بهذه المسألة لفظَ الإعتاق، وصوّر الرجوع عنه، والرجوعُ عن الإعتاق المنجز غير ممكن من المعتِق، وقد قال: " لو شهد وارثان أنه رجع عن عتق الأول، وأعتق الآخر، [أجزتُ] 1 شهادتهما " فدل أن الحمل على الوصية أوجَه.
هذا منتهى كلام الأصحاب في ذلك، مذهباً، وتصرفاً على اللفظ، وتنزيلاً لكلام الشافعي على التنجيز أو الوصية.
فصل
قال: " ولو شهد الوارثان أنه رجع عن عتق الأول ... إلى آخره " 2.
12196 - إذا شهد أجنبيان بأنه أوصى بعتق عبده غانم، وهو ثلث ماله، وشهد وارثان بأنه وصى بعتق عبده سالم، وكل واحد من العبدين ثلث، وشهد الوارثان أنه رجع عن الوصية لغانم - قال الشافعي والأصحاب معه: جازت شهادة الوارثين في الرجوع، ونفذ العتق في العبد الذي عيّناه.
وتعليل ذلك أنهما ليسا يجران بهذه الشهادة نفعاً إلى أنفسهما في مالية، وإنما ينقلان الوصية من عين إلى عين؛ فإنه لو ثبتت الوصيتان، ولم يثبت رجوع، لكان للورثة ردهما إلى الثلث بمسلك يقتضيه الشرع، فلا تهمة إذاً، والوجه قبولُ شهادة الوارثَيْن في الرجوع عن إحدى الوصيتين.
قال الشافعي: لا أنظر إلى الولاء، كأنه عرف من مذهب بعض الناس أنه لا يقبل شهادة الوارثين، إذ قد يكون لهما غرض في عين أحد العبدين، وقد يكون لهما غرض في ولاء أحدهما بأن كان كسوباً جمّاعاً، فيطمع الوارثان في حيازة ما يكتسبه إذا مات.
ثم قال الشافعي: هذه أمور موهومة، لا يجوز رد الشهادة بأمثالها، إذا لم تكن تهمة في الحال ناجزة في مقدارٍ من المال.
هذا بيان صورة.
وهي إذا كان قيمة كل واحد من العبدين ثلثاً.
12197 - فأما إذا شهد أجنبيّان بأنه أوصى بعتق عبده سالم، وهو ثلث ماله، وشهد الوارثان بأنه أوصى بعتق عبده غانم، وهو سدس المال، وشهدا على رجوعه عن الوصية بعتق سالم، فلا شك أنهما جارّان في هذه الحالة؛ من قِبل أن الرجوع لو ثبت عن الوصية الأولى بشهادة أجنبيين مثلاً، لعادت الوصية إلى السدس، فإذا شهد الوارثان على ما يقتضي ذلك، فقد حطّا نصفَ الوصية من الثلث.
12198 - فإذا تبين هذا، فنذكر نص الشافعي أولاً، ثم نذكر تصرف الأصحاب.
قال الشافعي: " يَعتِق العبدان جميعاً، أما القليل القيمة؛ فلإقرارهما بأنه المستحق للعتاقة، وأما الكثير القيمة؛ فلِردّ شهادتهما في الرجوع عن الوصية بعتقه؛ فيعتقان، وإن زاد العتقان على الثلث " 1.
وهذا مشكل جداً؛ فإن غاية الأمر أن تثبت الوصيتان، ويبطل الرجوع عن الوصية الأولى.
ولو اعترف الورثة بثبوت الوصيتين جميعاً، ولم يدعيا رجوعاً، لكُنا لا نزيد على الثلث، بل نقرع على الرأي الظاهر، ونقول إن خرجت القرعة على الكثير القيمة عتق، ورَقّ القليلُ القيمة.
وإن خرجت القرعة على القليل القيمة عَتَقَ، وعَتق النصف من الكثير القيمة.
فإذا رَدَدْنا شهادةَ الورثة على الرجوع، فكأن لا رجوع، هذا وجه الإشكال.
وقد خرّج أصحابنا قولاً في المسألة مخالفاً للنص، وقالوا: نُقرع بين العبدين -كما وصفناه- إذا جرينا على الأصح، وهو الإقراع، وهذا قياسه بيّن، ولكنا نسوق كلام الأصحاب على وجهه، ثم نتعرض لمواقع البحث.
قالوا: القولان -المنصوص منهما والمخرّج- مبنيان على أصلٍ، وهو أن من جمع
في شهادته بين ما يرد شهادته فيه، وبين ما يقبل شهادته فيه، فإذا ردّت شهادته فيما لو أفرده، لردت الشهادة فيه، هل ترد شهادته في المضموم إليه؟ فعلى قولين.
وهذا أصل في الشهادات.
ومن صوره أنه إذا شهد بمال مشترك بينه وبين شريكه، فشهادته فيما يدعيه لنفسه مردودة، وهل تقبل شهادته في حصة شريكه؟ فعلى قولين.
فإذا تمهد هذا، وقد نعيده في مسائل الدعوى، إن شاء الله، قال الأصحاب بعده: الوارثان شهدا على الرجوع عن الوصية الأولى، وأثبتا الوصية بالسدس، وتطرقت التهمة في نصف العبد الكثير [القيمة] 1؛ لأنهما أرادا إبطال الوصية في نصفٍ من غير تعويضٍ ونقلٍ، فكانا جارّين.
فأما النصف الآخر من العبد فقد [عَوّضا] 2 عنه العبدَ القليل القيمة، فكان ذلك نقلاً؛ وقد ذكرنا أن تهمة النقل لا توجب رد الشهادة، لكنهما جمعا بين ما يرد لو أفرد، وبين ما يقبل، فإن رأينا رد الشهادة في الجميع، فالجواب ما ذكره الشافعي من الحكم بإعتاق الجبدين جميعاً، وإن رددنا الشهادة في البعض، وقبلنا في 3 البعض، فالجواب هو القول المخرج.
وهذا التصرف مضطرِب من الأصحاب، لما ذكرناه في مقدمة المسألة من أن الشهادة، وإن ردت، فكأن الرجوع لم يثبت، وحصول 4 الوصيتين من غير رجوع عن إحداهما لا يوجب عتق العبدين، هذا وجه الإشكال، ولا يؤثر في هذا ردُّ الشهادة في الجميع أو تبعيض الرد، وتمام البيان وراء ذلك.
12199 - فالوجه عندنا أن يقال: يقرع بين العبدين، فإن خرجت القرعة على الكثير القيمة، عَتَق العبدان، كما قال الشافعي؛ لأنا نبطل الرجوع، والقرعة اقتضت عتق الكثير القيمة، والوارثان يُقران للقليل بأنه العتيق، والعتق مستحق له، فالوجه حمل نص الشافعي على هذه الصورة.
فلو خرجت القرعة على القليل القيمة؛ فإنه يَعتِق.
ويجب أن يقال: لا يَعتِق من الكثير إلا نصفه؛ حملاً على أن لا رجوع، وقد حصل العتق في القليل القيمة على موجَب إقرار الورثة.
فإذا حصل ما أقروا به، وبنينا الأمر على إبطال الرجوع، فهذا أقصى اللازم.
فخرج منه أن ظاهر النص مشكلٌ والقول المخرَّجُ على الإطلاق باطل، والحق الذي لا يُدفع، ما ذكرناه.
12200 - فإن قال قائل: لو فرعت هذه المسألة على أن لا إقراع في الوصايا، وأن المتبع فيها القسمة.
قلنا: نفرض هاتين الوصيتين 1 ولا رجوع، ولو كان كذلك يخرج وجهان في كيفية القسمة: أحدهما - القسمة على الدعوى، والثاني - القسمة على حساب العول، كما ذكرنا المسلكين في إعتاق العبدين - الكثير القيمة والقليل القيمة تنجيزاً.
ثم إذا أجرينا مذهباً نرتضيه، فالوجه أن نقول بعده: يَعْتِق من الكثير ما يقتضيه الحساب، ويعتق تمام القليل القيمة أخذاً بالإقرار.
وقد انكشف إشكال المسألة.
12201 - ونحن نستتم الكلام بذكر صورة، فنقول:
لو شهد أجنبيان بأنه أعتق سالماً تنجيزاً وهو ثلث ماله، فكذبهما الورثة في الشهادة، وقالوا ما أعتق سالماً، وإنما أعتق غانماً، وهو ثلث ماله، فيعتق العبدان لا محالة؛ لأن تكذيب الورثة للشاهدين لا وجه له؛ فإنهما عدلان، والورثة [مؤاخذون] 2 بإقرارهم في غانم، فيعتق غانم لا محالة، ولا دفع لذلك، ويبقى سالم، والشاهدان مصدقان في إعتاقه.
فلو قال قائل: هلا أقرعتم بينهما، حتى إن خرجت القرعة على غانم، ارتد عتق سالم، وينزل هذا منزلة ما لو قال الورثة: صدق الشاهدان، ولكنه أعتق مع سالم غانماً، ولو كان كذلك، لأقرعنا.
قلنا: هذا السؤال يُحمل على تفصيل.
فإن قال الورثة أعتق غانماً، وليس في إقرارهم وشهادة الشاهدين تاريخ، وأمكن وقوع العتقين في علم الله معاً، فقد يتجه الإقراع، وقد لا يتجه، كما سنصف.
ولو اشتملت الواقعة على تاريخ، فشهد الأجنبيان على أنه أعتق سالماً يوم السبت، وقال الورثة: كذبا، لم يعتق سالماً، وإنما أعتق غانماً يوم الأحد، فإذا تصورت المسألة بهذه الصورة، فلا إقراع، ويعتق العبدان، وحيث لا يقع التعرض لتأريخ، فالإقراع ممكن على ما خيّله السائل، ثم الجواب أن القرعة لو خرجت على عبد الورثة وهو غانم، لم يَعْتِق سالم، وإن خرجت على سالم، عَتَقَ العبدان بالقرعة والإقرار.
هذا مسلك.
وقد يقال: القرعة إنما تجري بين مشكلَيْن، فإذا كان غانم متعيَّناً للعتق لا محالة، فإدراجه في القرعة محال، وسيأتي لذلك نظائر في كتاب العتق، إن شاء الله.
فيلزم منه إذا لم يقرع أن يعتِق العبدان جميعاً، غانم بحكم الإقرار، وسالم باستحالة التكذيب، فهذا منتهى الكلام ونجازه.
فصل
قال: " وقال في الشهادات في العتق والحدود إملاءً ... إلى آخره " 1.
12202 - العبد إذا ادعى على مولاه أنه أعتقه، وأقام شاهدين، واحتاج القاضي إلى مراجعة المزكين في تعديلهما، فلو سأل العبد أن يحال بينه وبين المولى حتى يتفق التعديل أو نقيضه؛ فقد قال الشافعي والأصحاب: يُجاب العبد إلى ذلك، وينفَق عليه من كسبه إن كان له كسب، ويُحفظ ما يفضُل من النفقة، فإن عُدّلت البينة، دُفع فاضل الكسب إلى العتيق، وإن جُرّحت البينة، رُد الفضل على المولى، وإن لم يكن له كسب أُنفق عليه من بيت المال، ثم إن [بان] 2 عتيقاً، [فهو] 3 فقير أنفقنا عليه،
وإن [بان] 1 رقيقاً، رجعنا على السيد بما أخرجناه.
ولو لم يسأل العبد الوقفَ، ورأى القاضي ذلك من غير سؤاله، فله أن يفعله على الترتيب الذي ذكرناه.
وإن كان الأمر متعلقاً بأَمةٍ، فحتمٌ على القاضي أن يفعل ذلك.
ولو أقام شاهداً واحداً، وكان يأمل أن يشهد شاهد آخر، فقال للقاضي: حُلْ بيني وبينه حتى أقيم الشاهد الثاني، فهل يجاب إلى ذلك؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يجاب إليه، كما لو أتمّ العدد، وتخلفت التزكية؛ فإن التزكية لا بد منها، كما لا بد من العدد، والقول الثاني - أنه لا يُجاب؛ فإن الشاهد الواحد ليس بحجة، فلا مبالاة به، ولا يغيَّر الحكمُ به، وليس كما لو تخلفت التزكية؛ فإن التزكية إذا ثبتت، تبيّنا أن البينة كانت تمت، ونحن جاهلون بها، وليس كذلك الشاهد الواحد.
12203 - ومما يتعلق بهذا أن البينة لو قامت على استحقاق عينٍ، وتخلفت التزكية، فطلب مقيمُها أن تُزال يدُ المدعى عليه حتى لا يُضيِّع ولا يُغيِّب، فإن أمكن 2 الضياع والتغييب، أجيب المدعي، ووقفت العين؛ ولو شهد شاهد واحد، فقولان، كما ذكرناه في العتق.
وإن كانت تلك العين عقاراً لا يتأتى تغييبه ولا يضيع، وقد قامت بينة وتخلفت التزكية، فللأصحاب طريقان: أحدهما - أنه يجاب، فيحال، والثاني - لا يُجاب؛ إذ لا غرض في إيقاع الحيلولة، ثم لا يخفى تخريج الشاهد الواحد على الترتيب الذي ذكرناه.
وإذا أقام شاهدين على الدَّين، وتخلفت التزكية، وطلب أن يحجُر القاضي على المشهود عليه مخافة أن يضيّع ماله أو يحتال، فيُقِرَّ به لإنسان، فهل يُجاب المدعي والحالةُ هذه؟ اختلف أصحابنا: فقال الأكثرون: لا يُجاب، فإن الحجر ضرر عظيم في غير المشهود به، فلا سبيل إلى الإجابة إليه، ولا يتّجه عندنا إلا هذا.
وقال = المحقق على ضوء عبارة الغزالي في البسيط، حيث قال: " فهو فقير أنفقنا عليه من بيت مال المسلمين ".
القاضي: إن كان يتوسم القاضي هذا في المشهود عليه بأن كان عرفه محتالاً خَصِيماً، فله أن يجيب، وإن لم يتوسم ذلك منه، لم يجب إليه، وهذا الذي ذكره من الحِكم التي لا نبني على أمثالها مسائلنا.
وإذا ادعى على امرأة أنه تزوجها، وأقام شاهدين وتخلفت التزكية، [عزلنا] 1 المرأة ومنعناها من الانتشار، وفي الشاهد الواحد الخلاف.
وذكر بعض أصحابنا وجها أنا [لا نعزلها] 2 إذا تخلفت التزكية بخلاف العبد؛ فإن الأصل في المرأة الحرية وتخلية السَّرْب 3. وهذا وجه ضعيف، والتمسك بالاحتياط للبُضع أولى.
قال الصيدلاني: إذا رأينا تخليتها، فهل نأخذ منها كفيلاً ببدنها؟ فعلى وجهين، ذكرهما صاحب التقريب.
هكذا حكاه الصيدلاني.
فصل
قال: " وإذا قال لعبده: إن قُتلتُ، فأنت حرٌّ ... إلى آخره " 4.
12204 - إذا قال السيد لعبده: إن قُتلت فأنت حر، ثم قضى السيد نحبه، فشهد شاهدان أنه قُتل، وشهد شاهدان أنه مات حتف أنفه، فقد قال الشافعي: من جعل شاهدي القتل أولى، لأنها أثبتت زيادةَ علم -وهو قول أكثر المفتين- قال: عَتق العبد.
ومن لم يجعل إحداهما أولى من الأخرى، قال: سقطت البينتان ولا عتق.
فذكر قولين: أحدهما - ترجيح بينة القتل؛ من جهة اشتمالها على زيادة العلم؛ إذ
كل قتيل ميت، وليس كل ميت قتيلاً، فعلى هذا يَعتِق العبد.
والقول الثاني - أن البيّنتين تتعارضان وتسقطان، ولا عتق، إذا حكمنا بالتهاتُر، وإن حكمنا باستعمال البينتين، فإحداهما تقتضي العتق.
والأخرى تقتضي دوام الرق، فسيأتي أقوال استعمال البينتين.
ويخرج [فيها] 1 قول القرعة بين البينتين، فإن خرجت عن بينة الموت رَقَّ العبد، وإن تكن الأخرى عَتق.
ومن أقوال الاستعمال الوقفُ، وهذا لا يخرج هاهنا؛ فإنه لا منتهى له، وهو في التحقيق ضبط العبد، وتعطيل منفعته.
وأما قول القسمة، فموجبه إن سبق إليه ذو مذهب أن يعتق النصف ويرق النصف.
وفي مثل هذا كلام سيأتي مشروحاً في كتاب الدعاوي إن شاء الله تعالى.
ومما ذكره الشافعي أنه لو قال لعبده سالم: " إن متُّ في شهر رمضان، فأنت حرّ " وقال لغانم: " إن مت في شوال، فأنت حرّ " ومات.
وشهد لكل واحد شاهدان، فقد ذكر قولين: أحدهما - شاهدا الموت في رمضان أولى؛ لأن عندهما زيادة علم، وهو إثبات الموت في رمضان.
والثاني - هما سواء.
قال ابن سريج: بينة شوال أولى؛ لأنه قد يغمى عليه في رمضان، فيظن ظان أنه قد مات.
فإن أمكن حمل الأمر على هذا، اقتضى ذلك ترجيحَ بينة شوال، ثم إن رجّحنا بينةً، قضينا بموجبها، ورددنا الأخرى، وإن حكمنا بتعارض البينتين وتساقطهما، فقد عتق أحد العبدين، وأشكل الأمر.
ولو اتفق مثل ذلك، لم يخفَ الحكم في أن الرجوع إلى الورثة [أم] 2 كيف السبيل فيه؟ وهو بمثابة ما لو قال: إن كان الطائر غراباً، فسالم حرّ، وإن لم يكن غراباً، فغانم حرّ، ومر الطائر وأشكل الأمر، ومات المولى، وهذا مما تمهد في الطلاق.
وغالب الظن أنه سيعود طرف منه في كتاب العتق إن شاء الله.