كتاب الإجارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فإن كان في الطريق مراحل معلومة، بالمناهل والرباطات، والقُرى، أو بالأميال، والبُردُ والصُّوى 1، فالعقد صحيح محمول على موجب العادة والكلام في كيفية تسيير الدابة استحثاثاً وتزجيةً، مردودٌ إلى العادة، وهو مضبوطٌ، لا يعدّ من المجاهيل، فإذا تقيّد المسير بالعرف، والمراحل المرتبة في الطريق، فلا مزيد ولا نقصان إلا عن تراضٍ من المكري والمكتري.
5228 - ومما يتعلق بما نحن فيه الكلامُ في زمان السير والسُّرَى 2، فإن بيّناه شرطاً في العقد، اتّبعناه، وإن أعرضا عن ذكر الزمان، وأطلقا العقدَ، فالعادة يُكتفَى بها في ذلك، فنحملها إذا تنازعا في زمان المسير على المعتاد في ذلك الطريق، فإن لم يكن للعادة ضبطٌ في الزمان الذي يقدّر السير فيه، فهذا يجرّ جهالةً مفسدةً؛ من جهة أن المتعاقدَيْن إذا تنازعا، وليس أحدهما بالموافقة بأولى 3 من الثاني، فيؤدي مثلُ هذا إلى قيام الخصومة ناشئةً بينهما، لا نجد لها مفصلاً.
وهذا غير مُحتمل.
5229 - ولو تنازع المكري والمكتري في محل النزول، فطلب المكري النزولَ في الصحراء بارزاً من القرية وخِطّتها، ورأى صاحب المتاع النزولَ في القرية احتياطاً لمتاعه، وليشتري في القرية ما يبغيه على يُسر، فإذا تنازعا كذلك، حملناهما على العادة، فإن كان وقت أمنٍ، فالعادة النزول في الصحارى، وإن كان وقت خوف، فالعادة النزول في القرى، ومما يؤثر في ذلك الصيفُ والشتاءُ، والعادة هي المتبعة.
وإن اضطربت العادة في محل النزول، ولم نجد منها بيّناً 4 بعَيْنه نتَّبعه، ففي المسألة احتمال، والأظهر أن ذلك يؤثر في الفساد؛ فإنه يجرّ نزاعاً عظيماً بين المكري والمكتري.
5230 - ومما يتصل بذلك أن المكتري الراكب قد ينزل بالرواح، ويمشي مقداراً، فإن وقع فيه شرط على المكتري، فقد قال الأصحاب: يلزمه اتباعُ ذلك الشرط، وهذا يعترض فيه إشكال، وهو أنه إذا قُدّر ذلك مستحقاًً، رجع استحقاق الركوب إلى بعض المسافة، وينقطع الأمر فيه، ويقع في تفريع كراء [العُقَب] 1، وقد تَفَصَّل ذلك فيما مضى.
وذهب طوائف من أصحابنا إلى احتمال هذا القدر -وإن منعنا كراء [العُقَب] 2 - بناءً على التساهل، وهذا إنما يحسن إذا لم يكن النزول محتوماً.
هذا إذا جرى شرطُ النزول، فإن لم يَجْرِ، فقد ذكر الأصحابُ وجهين: أقيسهما - أنه لا يلزمه النزول؛ فإنّ لفظَ الاكتراء للركوب يقتضي استدامةَ الركوب، فالتعلق بموجب اللفظ أولى.
والوجه الثاني - أنه يلزمه النزول، ولفظ العقد ينزل على العادة.
وهذا مزيّفٌ؛ فإن العادة لا تقضي بإلزام النزول، بل هي جاريةٌ بالتبرع بالنزول، ثم قرّبَ القاضي الوجهين في هذا المقام من القولين في المعاليق؛ فإن تفصيل المذهب فيها دائر على اللفظ والعادة، كما تقدم.
فصل
قال: " وعليه أن يُركِبَ المرأة، ويُنزلَها عن البعير، والبعيرُ بارك ... إلى آخره " 3.
5231 - قال الأئمة: إن كانت الإجارة واردةً على العين، فلا يلزم مالك الدابة الإركاب، والإنزال وإناخة البعير، وإنما عليه تسليمُ الدابة المعيّنة.
وإن كان العقدُ وارداً على الذمة، وقد التزم المُكري تبليغَ الراكب المنزلَ المعيّنَ،
فالذي ذهب إليه الجمهور أنه يجب على المُكري إعانة الراكب إن كان عاجزاً، فيُركب المرأة، ويرعى حدَّ الشرع، وموجب الدين في إركابها.
وكذلك القول في الشيخ الهِمِّ 1، والمريضِ والصبي، ويجب إناخة البعير لهؤلاء، أما الشاب القوي القادر على أن يركب بنفسه، لا يجب إعانته، ولا يجب إناخة البعير له، إذا قدر على أن يَركب بنفسه، والبعير قائم.
هذا الذي ذكرناه يجب القطع به؛ فإن الإجارة إذا وردت على الذمة؛ فمعتمدها تبليغُ المكري الراكبَ الموضعَ المعيَّنَ، وهذا يتضمن -لا محالة- الإعانةَ عند العجز.
5232 - وفصل شرذمة من الأصحاب بين أن يقع التعويلُ في إجارة الذمة على التبليغ، ويجري ذكر الدابة تبعاً، مثل أن يقول: ألزمت ذمتك أن تبلغني الموضعَ المسمّى، على دابةٍ صفتُها كذا وكذا، فإن كان كذلك، وجبت الإعانة، وبين أن يقع التعويل على الدابة، على صيغة الإيقاع في الذمة، مثل أن يقول: ألزمت ذمتك منفعة دابةٍ صفتها كذا وكذا.
وهذا الفصل فقيهٌ لا بأس به.
والمشهورُ إيجاب الإعانة في إجارة الذمة كيف فرضت؛ وذلك لأنّ إجارة الذمة لا بد فيها من التعرض للدابة، إذا كان المقصود الركوب، فلا يختلف الأمر باختلاف الصيغ.
5233 - وذكر بعض المصنفين وجهاً بعيداً في أن الإجارةَ إذا وردت على عين الدابة، وجبت الإعانة فيها على الركوب، وهذا على بعده معتضدٌ بالعادة بعضَ الاعتضاد، وللعادة وقعٌ عظيمٌ في أمثال ذلك.
5234 - ومما يتصل بما نحن فيه حملُ الحُمولةِ على الدابة وحطُّها في المنزل.
وقد ألحق القياسون ذلك بالإعانة على الركوب.
وقد تفصّل المذهب فيه.
وذهب آخرون إلى أن الإعانة على الحطّ والترحال مستحقةٌ لعموم العادة فيها، من
غير فرقٍ بين إجارة العين والذمة، بخلاف الإعانة على الركوب؛ فإن التعويل على العادة، وهي مطردة في الحط والترحال، وإن اضطربت في الركوب والإعانة عليه.
5235 - ثم قال العراقيون تفريعاً على هذا: رفعُ المَحْمِل، وحطُّه على المكري، وشدُّ 1 أحدِ المحملين إلى الثاني على الرسم في مثله في ابتداء السفر- فيه وجهان: أحدهما - أنه على المكري؛ فإنه من تمام الترحال، وقد عمت العادةُ به.
والوجه الثاني - أن ذلك على المكتري؛ فإنه بمثابة ضمّ المتاع بعضِه إلى بعض، وتنضيدُ الأمتعةِ في ظروفها على مالك المتاع، فليس على المكري أن يفعل ذلك، وإنما عليه حطُّها ورحْلُها.
فصل
قال: " وينزل الرجل للصلاة ... إلى آخره " 2.
5236 - قال الأئمة: كل ما يتهيّأ فعلُه على الدابة، كالأكل والشرب، وإقامة النافلة، فالمكري لا يُنزلُ المكتري لأجله، وكل ما لا يتأتى فعله على الدابة كصلاة الفرض، وقضاء الحاجة، والوضوء، فالمكتري ينزل لأجله، والمكري هل يُعينه؟ فيه التفصيل المقدّم في الإعانة، وتقف الدابة حتى يفرغ.
فإذا نزل للصلاة، لم يعجله المكري، والمكتري لا يطوّل ولا يبطىء، بل يصلي على حقّه وتمامه.
هذا منتهى القواعد والأصول، في مضمون الباب، وفيه فصول منتشرة، يحسبها المبتدىء متفاوتة غيرَ داخلةٍ تحت ربطٍ وضبط، وهذا أوان الوفاء بما وعدناه في صدر الفصول.
5237 - فنقول: هذه المسائل بما فيها تدور على مقتضى اللفظ، وموجب العرف في إفادة الإعلام، ويتعلق بعضُ أطرافها بتساهلٍ معتادٍ في بعض المقاصد، فأما النظر في مقتضى الألفاظ، فلا يكاد يخفى على الفطن، وأما العادة، فإنها تنقسم إلى
ما يطّرد، ولا يستراب في اطراده، وإلى ما يضطرب بعضَ الاضطراب، فأما العادةُ المطَّردة، فنعم المرجعُ هي في أمثال هذه المعاملات، ولها أثران: أحدهما - تقييدُ اللفظ المطلق.
وهذا معلوم من أثر العادة، وبيانُه فيما نحن فيه أن السير إذا أطلق في مسلكٍ فيه مراحل، فليس في اللفظ تقييد في مقدار السير، ولا في كيفيته، ولكن العادة المطردةَ تُنزل المعنى المتردد في اللفظ على وجهٍ واحد، وهذا بمثابة حمل النقود المطلقة في العقود على ما يعمّ في المعاملة جريانُه.
فهذا أثر في [العادة] 1 لا ينكر.
والأثر الثاني - أن العادة إذا اقتضت شيئاًً، وليس في لفظ العقد له ذكرٌ، لا على إجمال، ولا على بيان، فهذا موضعُ نظر الفقهاء، ثم ينقسم، فمنه ما تظهر العادة فيه على اطرادٍ، كالإعانة على وضع الحُمولة ورفعها، في الإجارة الواردة على العين.
ظاهرُ المذهب أن ذلك واجبٌ، وكأن العادة [نطقت] 2 به.
ومن أصحابنا من لم يوجب ذلك، وقال: أثر العادة في بيان إجمال اللفظ، فأما أن تقتضي شيئاًً لا ذكر له، فلا.
5238 - ويلتحق بهذا القسم 3 إيجاب الإتيان بالإكاف، وما في معناه في إجارة العين، وهذا متفق عليه، لاطراد العادة، ولا يعرف خلافُه.
وقد يفرض نزاعٌ على الإعانة في الرفع والخفض.
هذا بيان أثر العادة المطردة.
5239 - فأما إذا اختلفت العادة، وحصل الوفاق على اختلافها، فلا حكم لها.
فإن كان اللفظ مستقلاً بإفادة المقصود، فعليه التعويل.
وقول القائل: عادةٌ مضطربة: كلامٌ 4 مضطرب؛ فإن المضطرب ليس عادة.
ومن أصحابنا من يقول: إذا اختلفت العادة فيما يتعلق بمقصود العقد، فلا بد من تقييد لفظ العقد بما يقطع العادة المضطربة.
وقد قدمتُ لهذا نظائرَ في المسائل، وهو كلام ضعيفٌ، مزيفٌ عندي؛ فإن اللفظ إذا كان مستقلاً، فلا مبالاة بما يضطرب من أحوال الناس.
5240 - ومما يتعلق بالضوابط في هذا المنتهى أنا قدمنا في صدر الفصول الاكتفاءَ بذكر وزن الحُمولة، وقد يخطر للناظر أن ذلك مجهول؛ فإن الغرض يختلف باختلاف الحُمولات، فالرزينُ منها المكتنز يهُدُّ [الأضلاع] 1، ويكُدّ، ويُقرّح، والمنفوش منها كالتبن والقطن، يَغُمّ ويَعُمّ.
ولكن لم يعتبر الأصحاب ذلك؛ لأن الضررين يتقاربان 2 ويدنوان من التقابل، وإنما الذي يجب ذكره ما يظهر غرضاً، ولو سكت عنه، لأشكل، ولم يقابله ما يماثله.
فأما التعرض لأعيان الأغراض القريبة من التقابل، فبعيدٌ اشتراطه، فليفهم الناظر ذلك.
5241 - وما أجريناه من الاكتفاء بالعِيان في الحمولة والشَّيْل باليد، فهو من باب التسامح والتساهل.
فإذا انتشر المطلوبُ وكثر، لاقَ به التساهل في بعض الأطراف؛ سيّما إذا اعتضد بالعرف.
وعلى هذا الأصل انبنى كثير من الكلام في أوصاف السَّلَم، ولما عظمت الأوصاف في الحيوان، ومست الحاجة إلى السلم، ازداد التسامح في السلم في الحيوان، على حسب كثرة أوصافها، وانتشار الأمر فيها.
5242 - وأما مسائل التردد كالمعاليق؛ فإنها مأخوذةٌ من عادةٍ جاريةٍ فيها، مع إبهامٍ ونزاعٍ يُؤلَف في أمثالها، وعُسرٍ في ضبطها، ولا ينبغي أن يظن الفقيه أن اختلاف القول من اختلاف العادة، فإن العادة لو اختلفت، لأسقطناها وعدنا إلى تحكيم اللفظ.
5243 - فهذا منتهى الإمكان في ذكر مأخذ الفصول المقدمة، والتطلع إلى ضبطها.
وإنما يصعب مُدركُ أمثالها على من لا يستمدّ من بحور الأصول، ولا يغزر حظُّه من مآخذ الشريعة.
فصل
قال: " وإن اختلفا في الرِّحْلة 1، رُحِل لا مَكْبوباً، ولا مستلقياً ... إلى آخره" 2.
5244 - إذا تنازع المكري والمكتري في كيفية رِحْلة المحمِل، فقال المكتري: نُرْحله مكبوباً، وقال المكري: بل نُرحله مستلقياً، فقد اختلف الأئمة في تفسير ذلك، فقيل: المكبوب أن يكون مقدّم المحمل الذي يلي عنقَ البعير منكبّاً، والمستلقي أن يكون مؤخره الذي يلي العجز متسفِّلاً، والمكبوبُ أهون على الراكب، وأشق على البعير.
وقيل: المكبوب أن يكون الجانب الذي يلي جنب البعير في عرض المحمل مُلتصقاً به، ويستعلي ما يلي الصحرا 3 في مقابلة ذلك.
وهذا يشق على الراكب.
والمستلقي عكس ذلك 4.
وعلى الجملة إذا فرض نزاعٌ بينهما، لم يُحمل لا مكبوباً، ولا مستلقياً، ولكن يحمل معتدلاً بينهما.
فصل
قال: " وإن هرب الجمال ... إلى آخره " 5.
5245 - إذا هرب الجمّال، فلا يخلو: إما أن يذهب بالجمال أو يدعَها في يد
المكتري.
فإن ذهب بها، لم تخلُ الإجارة إما أن تكون واردةً على أعيانها، أو تكون واردة على ذمة المكري.
فإن كانت واردةً على أعيانها، فلا شك أن الإجارة تنفسخ في المدّة التي تغيّب الجمّال فيها، ولا سبيل إلى الاكتراء عليه؛ فإن المعقود عليه كان متعيَّناً، والعقد إذا ورد على العين، لم يتعدّها إلى غيرها.
فإن كانت الإجارة واردةً على الذمة، فهرب الجمال، فلا نقضي بانفساخ الإجارة، ولكن ما التزمه الجمال دينٌ في ذمته، فيرفع المكتري القصةَ إلى مجلس الحاكم، وإذا ثبت عنده الأمر على حقيقته، ووجد مالاً للمكري، فإنه يكتري عليه من ماله.
وإن لم يجد له مالاً، فله أن يستدين عليه إن رأى ذلك.
فإن لم يفعل الحاكم، ولم يتيسر [المقصود] 1 فللمكتري أن يفسخ الإجارة.
هذا إذا هرب بالجمال.
5246 - فأما إذا هرب وترك الجمال في يد المكتري، فلا يخفى أن المؤن عليها كانت على مالكها، وكذلك القيام بتعهدها، فإذا هرب، فإن تبرع المكتري بالإنفاق، وبَذْلِ مؤنةِ التعهد، لم 2 يجد مرجعاً.
فإن أبى 3، ورفع الأمر إلى الحاكم ثَمَّ، يفعلُ الحاكم في تحصيل المؤونة ما وصفناه.
[فإن] 4 لم يجد الحاكم له مالاً، ولم ير الاستقراضَ عليه، وكان في الجمال [فضلٌ] 5 عن مقصود المكتري، فله بيع الفاضل من رقابها، وصرفُه إلى نفقة الباقي.
5247 - ولو أذن للمكتري في أن يُنفق عليها من مال نفسه، على شرط الرجوع،
ففي المسألة قولان: أحدهما - يجوز ذلك، فإن الضرورة على الجملة قد تُحْوج إليه، والضرورات تغيّر قياس العقود، ثم إذا تمهّد أصلٌ لإمكانِ حاجةٍ، لم يتوقف نفوذُه على [تحقق] 1 الحاجة في كل صورة.
وعلى هذا الأصل جرت الإجارة جملةً وتفصيلاً، والحاجة ظاهرة في الإذن للمكتري؛ فإن الغالب أن الحاكم لا يجد مالاً للهارب، ولا يثق بالرجوع عليه لو استقرض.
والقول الثاني - أن ذلك غيرُ جائز، فإن المكتري لو تعاطى، كان قائماً بتأدية حق نفسه، واستيفائه، وهذا لا سبيل إليه.
فإن قلنا: يجوز للحاكم تفويض الأمر إليه، فلو أنفق، واقتصد، ووجد الجمّال، رجع عليه.
ولو نازعه في المقدار، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين: أحدهما - أن القول قولُ المكري؛ فإن الأصل براءة ذمته، عن المقدار الذي يدّعيه المكتري.
والوجه الثاني 2 - أن القول قول المكتري؛ فإنه إذا كان مأذوناً من جهة الحاكم، فهو مؤتمنٌ من وجهٍ، وإن كان راجعاًً بنفسه لنفسه، فيجب أن يُصدَّق مع يمينه.
والمعنى الذي جوّز تفويضَ الأمر إليه، لا يبعد على مقتضاه تصديقُه [في] 3 القدر الممكن المقتصد مع يمينه.
5248 - ولو استبدّ المكتري، فأنفق بنفسه، مع إمكان مراجعة الحاكم، لم يجد مرجعاً.
وإن لم يجد حاكماً، وأنفق، ففي المسألة الأوجهُ الثلاثة، التي ذكرناها في كتاب المساقاة: أحدها - أنه يرجع للحاجة الماسة.
والثاني - لا يرجع.
والثالث - أنه إن أشهد، رجع.
وإن لم يُشهد، لم يرجع.
ولا يرجع ما لم يقصد الرجوع، فلو قصد التبرعَ، لم يرجع، ولو لم يقصد شيئاًً، فلا يرجع أيضاًً، وإنما التردد والاختلاف إذا أنفق على قصد الرجوع.
ولو كان في الموضع حاكم، ولكن عسر عليه إثبات الواقعة في مجلسه، والقاضي لا يتصرف على غير بصيرة، فهذا بمثابة ما لوْ لم يجد الحاكم في التفصيل الذي ذكرناه.
5249 - وما ذكره الأصحاب من الفصل بين أن يُشهد، وبين أن لا يُشهد مشهورٌ في المذهب، ولكن لستُ أرى لذلك أثراً في إثبات الرجوع في الأصل؛ فإن الشهود لا يسقطون على حكمٍ غيرِ ثابتٍ، وإنما التفويض والتسليط إلى الولاة.
ولكن هذا يضاهي أصلاً سيأتي في كتاب اللقطة، وهو أنه هل [يجب] 1 على الملتقط أن يُشهد، إذا تمكن من الإشهاد، فهذا مأخوذٌ من ذلك، وسيأتي مشروحاً، إن شاء الله عز وجل.
5250 - ثم قد ذكرنا فيه إذا فوّض الحاكمُ إليه الإنفاقَ أنه لو اختلف المكري والمكتري في المقدار، فالقول قول من؟ والذي يقتضيه القياسُ أنه إذا أنفق بنفسه من غير تفويضٍ، وقلنا: له الرجوع في القدر المتفق عليه، فلو فرض نزاعٌ، فالقولُ قولُ المكري؛ فإنه لم يستند إنفاقُه إلى ائتمان من جهة السلطان.
وفيه احتمالٌ؛ من جهة أن الشرعَ سلّطه على الإنفاق، فيجوز أن يكون كتفويض الحاكم إليه، وللحاكم سلطنةٌ في مال الغُيّب على شرط النظر، والمصلحة.
ولو وجد مالاً لغائب، وكان ضائعاً لا يتأتى حفظه إلا بمؤونة، وقد يبلغ مبلغاً، فلو أراد بيع ذلك المال، وإمساك ثمنه للغائب، جاز ذلك، وسنصف هذه الأبواب في أحكام القضاة، إن شاء الله عز وجل.
فرع:
5251 - الأجرة إذا كانت مؤجلةً في الإجارة، فحلّت، وقد تغيرت صفةُ النقد، وكان ذُكر مطلقاً في العقد، فلا شك أن الاعتبار في صفة النقد بالنقد الذي كان غالباً يومَ العقد، ولا نظر إلى نقدِ يوم الحلول.
وكدلك القولُ في الثمن إذا حل.
5252 - فأما إذا ذُكر في الجعالة مقدارٌ من الدراهم، وكانت الدراهم إذ ذاك على صفةٍ، ثم استكمل المجعولُ له العملَ، وقد تغيرت صفة النقد، فقد اختلف أصحابنا فيما حكاه القاضي، فذهب بعضُهم إلى أن الاعتبار باليوم الذي تم العملُ فيه؛ فإنه يوم استحقاق الجُعل.
وهذا ضعيفٌ، لا أصل له.
والصحيح أن الاعتبار بالنقد [العام، يوم ذُكر؛ فإن العرف العام قرينُ اللفظ، فكأنه وإن أطلق الدراهم] 1 قيدها بالصفة العامة حالة الذكر.
...
باب تضمين الأجراء
قال الشافعي رحمة الله عليه: " والأجراء كلهم سواء، وما تلف في أيديهم، ففيه واحدٌ من قولين ... إلى آخره " 1.
5253 - نقول أولاً قبل الخوض في مقصود الفصل: من استأجر دابةً، أو غيرَها من الأعيان، وقبضها ليستوفي المنفعةَ منها، فإذا تلفت في يده من غير عدوانه وتقصيره في الحفظ، لم يضمنها، لا نعرفُ في ذلك خلافاًً، والسببُ فيه- عندنا- أنه استحق المنفعة منها، ولا سبيل إلى استيفاء المنفعة منها إلا بقبضها، وليست العين هي المستحقة في نفسها، فلما كان قبضُها طريقاً في استيفاء المنفعة، لم يثبت الضمان فيها.
ولو اشترى رجل سمناً في بُستوقة 2 ليستخرج السمن منها، فتلفت في يده من غير عدوانٍ وتقصيرٍ، فقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن البُستوقة لا تكون مضمونةً على القابض، قياساً على العين المستأجرة، ووجه التقريب أن اتصال المنفعة بالعين كاتصال السمن بالبُستوقة.
وهذا غير صحيح، والذي ارتضاه المحققون أن البستوقة مضمونة؛ فإن إخراج السمن منها من غير نقلٍ وإثبات يدٍ عليها ممكنٌ، ولا يتأتى الانتفاعُ دون نقل الأعيان التي بها الانتفاع، فالبستوقة في يده كالعين المستعارة، فهذه مقدمةٌ، جددنا ذكرها.
ونحن نخوض بعدها في مقصود الباب، فنقول:
5254 - إذا تلفت عينٌ في يد الأجير، [وكانت سُلِّمت] 1 إليه ليوقع فيها العملَ المستحَقَّ على الأجير بالإجارة، فلو تلفت تلك العينُ، فنقول: إن كانت يد المالك قائمةً، والأجير كان يعمل بين يديه، فليس للأجير يدٌ على الحقيقة، فإذا تلفت العينُ بآفة سماوية، فلا ضمان؛ فإنها لم تتلف في يد الأجير، وهذا يسمى الأجير المشاهَد.
ومعناه أنه يعمل في مشاهدة المالك، وتحت يده.
5255 - فأما إذا زالت يد المالك وثبتت يد الأجير على العين التي كان يوقع عملَه
فيها، فإذا فرض التلف بآفةٍ من غير صُنعٍ من جهة الأجير، ولا تقصيرٍ، ولا عدوانٍ، فحاصل المذهب طريقان: من أصحابنا من رأى أقوال الشافعي محتملة في ذلك، ففي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها- أنه لا يجب الضمان، وهو الأقيس؛ فإنه لم تثبت يده على العين لمنفعةِ نفسه، وإنما أثبتها ليوقع فيها عملاً مستحقاً عليه، وإذا كان مستأجرُ العين لا يضمنها، لأنه يستوفي منها منفعةً له، فلأن لا يضمن الأجير -وسببُ قبضه منفعةٌ مستحقة عليه- أولى؛ فإن من استحق شيئاً متخيِّرٌ في إسقاط حقه، ومن استحق عليه شي، فلا خِيَرَة له.
والقول الثاني - أنه يجب الضمان؛ لأنه يقبض ما يقبض لتقرير عوضِ عملِ نفسه، وترجع المنفعةُ إليه.
والقول الثالث- أن الأجير المشترك يضمن، والأجير المنفرد لا يضمن.
5256 - واختلف أئمتنا في الأجير المشترك، ويظهر من ذكر الاختلاف فيه الأجيرُ المنفرد، فمنهم من قال: الأجير المشترك هو الذي يلتزم تحصيلَ العمل في ذمته، فإن شاء أوقعه بنفسه، وإن شاء استأجر من يُحصِّلُه، فيجتمع في يده أعيان أملاك الناس، وسمي مشتركاً، لأنه لا يختص بواحدٍ من المستأجرين، والأجير المنفرد هو الذي تتعلق الإجارة بعينه لا بد منه، فهو منفرد لمستأجِره.
والمشترك أولى بالضمان؛ لاتساع الطريق عليه، حتى كأنه غيرُ مأمورٍ في عينه بتحصيل العمل، بخلاف المنفرد.
5257 - وذكر العراقيون وجهاً آخر في معنى المشترك والمنفرد، فقالوا: المشترك من لا يتعين لعمله مكانٌ، وهو الذي يستأجَر لعملٍ موصوفٍ، من غير ذكر وقت، وقد يُتصور ذلك مطلوباً من عمله، حتى لو أراد إقامة غيره مقام نفسه، لم يجد إليه سبيلاً، وذلك أن يقول: خِط بنفسك هذا الثوبَ، فيتصور إذاً أن يعاقده على عمله في عينه أقوامٌ، والأجير المنفرد هو الذي يستعمل عقيب العقد، ولا يمهل، ويتعين له مكانٌ على هذا، ولا يقدّر مشتركاً.
5258 - وهذا الذي ذكره العراقيون فيه نظر، أولاً - في نفسه، ثم الرجوع يقع بعد ذلك إلى مقصود الفصل.
فإذا استأجر رجل شخصاً في خياطة ثوب وأورد الإجارةَ على عمله 1، فلو أراد أن يلزمه الاشتغال بما استحقه عليه، فله ذلك، وإذا كان يملك هذا، فمنافعه مستحقة في هذه الجهة، فيجب أن لا يصح من الغير استئجاره، ومنفعة عينه مستحقةٌ مستغرقةٌ.
وهذا فيه احتمال، فلو جرينا على حقيقة الاستغراق، لزم منه أن يقال: إذا مضى على أثر العقد زمانٌ يسع العمل، فلم يعمل فيه، تنفسخ الإجارة، كما لو استأجر داراً شهراً، ولم يتفق تسليمُها حتى انقضى الشهر، وقد ذكرت طرفاً من هذا فيما تقدم، وهذا أوان استقصائه.
فإذا وردت الإجارة على الذمة، لم يخف مقصودُنا فيه، وإذا وردت على العين، وقُرنت بالتأقيت، فيتحقق [لا محالة] 2 الاستغراق، ويترتب عليه الانفساخ إذا مضت المدة قبل التسليم.
وإن كانت الإجارة متعلقةً بالعين، ولكن المعتمدَ فيها صفةُ العمل، وبيانُ مقداره، كخياطة الثوب، وما في معناها، فهذا مختلف فيه.
والاختلاف مأخوذ من فحوى كلام الأئمة.
فالذي يقتضيه قياس المراوزة أن الإجارة إذا كانت متعلقة بالعين، [فهي] 1 على التضييق، وحقيقةِ الاستغراق، كما لو تقيدت بالوقت.
والذي تقتضيه طريقة العراقيين أنها ليست على التضييق، حتى كأنها مستحقة في ذمة الأجير من عينه، فمهما أقامها 2، وقعت الموقع.
وإن استبعد سائلٌ الجمعَ بين العين والذمة، أمكن أن يقال: كل إجارة واردةٍ على عينٍ بهذه المثابة؛ فإن المستأجر يستحق منفعةَ الدار من عين الدار، قبل وجود المنفعة.
فرجع حاصل الكلام إلى أن الأجير المشترك هو الذي 3 لا يضيّق عليه تضيّق التأقيت.
والأجير المنفرد هو الذي يضيّق عليه المستأجر، [فيقول] 4: استأجرتك لتخيط هذا، ويشتغل به عقيب العقد من غير تأخير، وقياسهم أن إطلاق العمل لا يتضمن التضييق المؤدي إلى الانفساخ، وإذا قيد بالتضييق، ومضى الزمان الذي يسع العمل وقد [تقيّد] 5 بالتضييق، اقتضى ذلك الانفساخَ.
5259 - فإذا ظهر ما أردناه، فالذي [نُجلِّيه] 6 من فرق بين الأجير المشترك، والأجير المنفرد، أن المنفرد كأن يده [نائبة] 7 عن يد المالك؛ فإنها مستغرَقة به لا يُشارَك فيها، ويد الأجير المشترك ليست مختصةً بأحد، فتثبت اليد له على التحقيق.
وكل ما ذكرناه من التطويل، [والتفصيل] 1 وإن كان مُقيداً في نفسه، فلا جدوى فيه فيما نحن فيه، كما سيتبين في الطريقة الثانية.
هذا بيان المسلك الأول.
5260 - الطريقة الثانية - قال معظم المحققين: الأجير لا يضمن ما يتلف تحت يده من غير عُدوان وتقصير، قولاً واحداً، ويده يد أمانة.
وقد حكى الربيع " أن الشافعي كان يرى أن الأجراء لا يضمنون، ولكنه كان لا يبوح به لأجراء السوء، وكان يرى أن القاضي يقضي بعلمه، وكان لا يبوح به لقضاة السوء ". ووجه ذلك في القياس واضح لا حاجة إلى تكلف بيانه.
وهذا القائل يقول في قول الشافعي: " لا يجوز في الأجير إلا واحدٌ من قولين ": لم يُرد الشافعيُّ به ترديدَ القول، وإنما قصد محاجة أبي حنيفة 2، فإنه يقول: ما يتلف بعمل الأجير، وإن اقتصد فيه يضمنه، وما يتلف تحت يده من غير صُنعه لا يضمن، فقال: لا يجوز إلا واحدٌ من قولين: إما ألا يضمن أصلاً، وإما أن يضمن كيف فرض الأمر، سواء تلف بآفة أو بصنعٍ هو مأذون فيه، فرجع قوله إلى الرد على من فصل بين أن يتلف بصُنعه أويتلف بآفة.
هذا بيان طرق الأصحاب.
5261 - ثم إن جعلنا يدَ الأجير يدَ ضمان، فلو تلف تحت يده بآفةٍ، ضمن، ولو تلف بصُنعه، ضمن.
وإن قلنا يدُه ليست يدَ ضمان، فلو تلف بآفة، لم يضمن، [وإذا تلف] 3 بسبب عمله، نُظر: فإن جاوز الحدَّ، وتعدَّى في عمله، ضمن، وإن اقتصر واقتصد، ولم يجاوز الحدّ، فلا ضمان أصلاً، ولا أثر للعمل من غير تفريط وعدوان، عند أصحابنا.
وقد يخطر للفقيه على قياس [قول] 4 الشافعي أنا إذا جعلنا يدَ الأجير يدَ الضمان،
فلو عمل في العين ما أُمر به، ولم يزد، فأدى ذلك إلى عيبٍ، فلا يجب ضمان ذلك، وينزل ذلك منزلة ما لو لبس المستعيرُ الثوبَ وأبلاه 1؛ فإن المذهب أن ضمان الأجزاء البالية لا تجب، ولو تلف الثوب بآفةٍ، وجب ضمانُه على المستعير.
وهذا ظاهرٌ في الأجير، ولا ينبغي أن يقدَّر خلافٌ في أن الأجير لو فصَّل الثوبَ النفيسَ وقطّعه، فانتقصت قيمته بالقطع أنه لا ضمان عليه، فإذا جرى ذلك في النقصان الذي يوجبه القطع، فغيره بمثابته إذا اقتصر العامل على امتثال الأمر، وقد قررتُ هذا في (الأساليب) 2.
هذا بيان عقد المذهب في تضمين الأجراء.
5262 - ثم إن الشافعي ذكر مسائلَ، وبين فيها عملَ الأجراء، [وتعدّيهم] 3 واقتصادهم، ونحن نذكرها، ولكن حظَّ الفقيه في جميعها ما قدّمناه، من أنه إن اعتدى، ضمن، وإن لم يعتد واقتصد، فالذي أطلقه الأصحاب تخريجُ ذلك على أن يدَ الأجير يدُ أمانة، أو يد ضمان.
والذي نراه في القياس الجلي أنه لا يضمن ما يقتضيه عملُه المأذون فيه، كما ذكرناه في بلى الثوب باللُّبس المأذون فيه للمستعير.
وإذا تمهدت القاعدة شرعنا بعدها في المسائل، ونُفرد لكل مسألة فصلاً، ونوضِّح ما يليق به.
فصل
قال: " إذا استأجر من يحجمه، أو يختن غلاماً له، أو يبيطر دابته ... إلى آخره " 4.
5263 - إذا استأجر من يحجمه، فلم يقصّر الحاجم، فأدى إلى سبب محذور،
فإن كان المحجوم حراً، فلا ضمان، لأن يدَ الحر ثابتةٌ عليه، وإن كان استأجره ليحجم غلاماً له، فإن كانت يد المالك ثابتةً على الغلام، فلا ضمان على الحجام، إذا لم يجاوز ما أُمر به، وإن ثبتت يده عليه، ولم يكن السيد معه، ففيه التفصيل الذي ذكرناه من اختلاف الطرق، والفرق بين المنفرد والمشترك، ويعترض فيه ما نبهنا عليه من أن ذلك حاصل بفعلٍ مأذونٍ فيه، كما تقدم، ولسنا نعود بعد ذلك إلى هذا التفصيل، ولكن نذكر ما يتجدّد.
فصل
قال: " ولو استأجر للخبز ... إلى آخره " 1.
5264 - الخبز عملٌ من الأعمال، فإن فسد الخُبز بتقصيرٍ من الخباز، ضمن، وإن لم يَزد الخبّاز على ما استدعى منه، ولكن احترق بعض الخبز، ففي الضمان التفصيلُ الذي ذكرناه.
5265 - والذي نذكره في هذا الفصل أن من استأجر خبازاً، فلا بد من أن يوضّح أنه يخبز في تنّور 2، أو فرنٍ، وأنه يخبز الأقراص، أو الغلاظَ من الأرغفة، أو الرقاق.
والغرض يختلف بذلك.
وكل ما يوضحه العُرف من غير تردّد، فهو متبع، وهذا بمثابة ذكر التنور في هذه الديار؛ فإن العرف يعيِّنها، وإنما تمس الحاجة إلى التعيين عند إمكان التعدد.
5266 - ثم إن كانت الإجارة واردة على العين، فالآلات التي لا بد منها على
المستأجر، وليس على الأجير إلا تسليم نفسه إلى المستأجر.
وإن كانت الإجارة واردةً على الذمة، فالآلات على الملتزم في الذمة.
5267 - وأما حطب التسجير، فإن عمّت العادة بأنه يأتي به المستأجر، فهو يجري
على حكم العرف، وإن كانت العادة مطردةً في أن الحطب يأتي به الملتزم، ففيه اختلاف بين الأصحاب.
فالذي ذهب إليه القاضي والمحققون أن العادة محكّمةٌ في ذلك، وقد التزم الأجير تحصيل الخبز، فعليه التسبب إليه.
ومن أئمتنا من قال: لا يكون على الملتزم حطبٌ؛ فإنه عينٌ يُشترى، وهو تمليك بجهات التملك، فلا يتبع المنفعة.
وهذا الذي ذكرناه في الخبز [يجري في القلم والحبر] 1 في حق الورّاق، والخيط في حق الخياط.
وإن اضطربت العادة، فلا يستحق على الخباز، ولكن في بطلان العقد الخلاف الذي قدّمناه.
فصل
قال: " وإن اكترى دابة، فضربها أو كبحها باللجام ... إلى آخره " 2.
5268 - هذه المسألة ليست نظيراً للمسائل التي تقدمت؛ فإنها كانت مفروضة في استئجار أجيرٍ للعمل، وهذه المسألة فيه إذا استأجر الرجل دابةً ليركبها، أو يحمّلها حُمولةً، فلو قبضها، أو ضربها 3 في التسيير، أو كان يكبح لجامها، فهلكت، فقد قدمنا أن العين المستأجرة أمانةٌ في يد المستأجر، وأنها لو تلفت بآفةٍ سماوية تحت يده، لم يلتزم الضمان أصلاً، فإذا وجد من المستأجر فعلٌ كما ذكرناه، من الضرب وكبح اللجام، فإن لم يجاوز المعتادَ في ذلك، ففرض التلفُ، فلا ضمان أصلاً، وإن جاوز العادةَ في ذلك، بحيث يُعدّ مجاوزاً، فقد أثبت الأصحاب الضمان.
وقال أبو حنيفة 4 يجب الضمان سواء عُدّ الضارب مقتصداً أو مجاوزاً للعادة، وهذا أجراه على مذهبه في أن سراية القصاص مضمونة، وسنجمع بعد ذلك بفصول قولاً بالغاً في التعزيرات، وحكم الضمان [فيها] 5 إذا أدت إلى الهلاك، ونعيد هذا
الفصل في أثناء التعزير والتحرير الضابط، إن شاء الله عز وجل.
5269 - فأما إذا استأجر رائضاً حتى يروض دابةً له، فضربها الرائض، وكبح لجامها، فعابت، أو هلكت، فهذا عائد إلى سَنَن المسائل التي تقدمت، فإن عُد متعدياً، ضمن؛ وإن لم يعد متعدياً في تحصيل المستدعَى منه، فيعود التفصيل في المشترك، والمنفرد، واختلاف الطرق.
والرأي عندنا القطع بنفي الضمان، (1 إذا كان السببُ الفعلَ المأذون فيه، كما أجرينا ذكرَ ذلك مراراً.
وتمام البيان فيه بين أيدينا 1)، ونحن، إن شاء الله- ذاكروه في فصل التعزير.
فصل
قال: "وهذه الأغنام والبقور التي تسلم إلى الراعي من غير عقدٍ ... إلى آخره" 2.
5270 - إذا سلم مالك المواشي المواشيَ إلى الراعي، واستعمل الراعي في رعيها، ولم يذكر أُجرة مسماةً، فهذا يخرّج على أن المستعمل إذا عمل هل يستحق أجر المثل؟ وهذا سيأتي مستقصَى، إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: يستحق، فالذي جرى في حكم إجارةٍ فاسدةٍ، وحكم الفساد في الضمان حكم الصحيح، وقد فصلنا ذلك.
فأما إذا قلنا: لا يستحق المستعمل شيئاًً إذا عمل، فالذي جرى ليس باستئجار على الفساد، وإنما العامل متبرع بالعمل، وليس على المتبرع ضمانٌ إذا لم يجاوز فيما فَعلَ1
مراسمَ المالك، وعلى هذا [يخرّج] 1 على ضياع الثوب في الحمام، وليس فيه إجراء ذكر الأجرة.
وتمام البيان في هذه الفصول يأتي في فصل [التعزيرات] 2 وما يتعلق بها، إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: " ولو أكرى حَمْلَ مكيلةٍ، وما زاد فبحسابه، فهو في المكيلة جائز، وفي الزيادة فاسد ... إلى آخره " 3.
5271 - نذكر في مقدمة الفصل فصولاً تتعلق 4 بإعلام المعقود عليه، وترتبط بألفاظ العقد، ثم نخوض بعدها في مقصود الفصل.
[فإذا] 5 أشار إلى صُبرة مجهولة الصيعان، وقال: اكتريت هذه الدابة لتحمل هذه الصبرة إلى موضع كذا، أو ألزمت ذمتك ذلك، فالعقد جائز، وقد مهدنا ذلك فيما سبق، وقلنا: الإشارة كافيةٌ كما لو أشار في بيع الصّبرة.
ولو قال: تحمل هذه الصُّبرة كلَّ صاع بكذا، صحّ، وإن لم تكن الصيعان معلومة، كما لو قال: بعتك هذه الصّبرة كلَّ صاع بدرهم.
ولو قال: تحمل عشرة آصعٍ من هذه الصبرة، فجائز.
ولو قال: تحمل كل صاعٍ من هذه الصبرة بكذا، ولم يذكر لفظاً يتضمن حملَ الصُّبرة بكمالها، فقد قال الجمهور: يفسد العقد، [فإنه] 6 لم يتعرض لحمل الصبرة، ولم يبين مبلغاً منها، بل أبهم، وكذلك يبطل البيع على هذه الصيغة.
وقال بعضُ الأئمة: قوله " تحمل كلّ صاعٍ بكذا من هذه الصبرة " بمثابة قوله: " تحمل هذه الصبرة كل صاع بكذا ". وكذلك القولُ في البيع.
وهذا متجهٌ في المعنى، وإن كان بعيداً في الحكاية، ووجهه أن قوله: " تحمل كل صاع من هذه الصبرة " عبارةٌ تشمل جميعَ الصّبرة من غير اختصاص بمقدار.
5272 - فأما صورة مسألة الكتاب، فهي أن يقول: تحمل عشرة آصاع من البُرِّ بكذا، وما زاد، فبحسابه.
قال الشافعي: الاستئجار صحيح في المقدار المبين، وهو فاسد في الزيادة، أما الفساد في الزيادة، فمن قبل الجهالة؛ فإنه لم يذكر للزيادة ضبطاً، لا بإشارة، ولا بإعلام المنتهى، [فأما] 1 علة الصحة في المقدار المذكور، [فهي] 2 أنه صحيحٌ لو فرض الاقتصار عليه، والزيادة المذكورة لم تذكر على صيغةٍ تتضمن إلزامَها، واشتراطَها في العقد مع المذكور المقدّر، فليست معقوداً عليها مع المقدّر، ولا مشروطة في العقد الوارد على المقدّر.
فإذا ثبت ما ذكرناه في ألفاظ العقد، فقد قال الشافعي بعده: لو حمل مكيلةً، فوجدها زائدة ... إلى آخره.
5273 - إذا استأجر دابة ليحمل عليها مقداراً مُقدَّراً: عشرةَ آصعٍ مثلاً، فاتفق حملُ أحدَ عشرَ، فلا يخلو إما أن يحصل هذا التعدي من المكتري، أو من المكري، أو من أجنبيٍّ سواهما.
5274 - فإن 3 حصل التعدي من المكتري، وكان تولّى بنفسه الاكتيالَ، فزاد على المشروط، وحمل على الدابة، فانفرد باليد في الدابة، وكان مالكها سلّمها إلى المكتري، فنقول: إن سُلمت الدابة، فعلى المكتري الأجرةُ المسماةُ في مقابلة المذكور المشروط، وعليه أجرةُ المثل في مقابلة الزائد، ولو تلفت الدابة في يده، ضمن في هذه الصورة كمالَ قيمتها؛ وذلك لأنه لما حمَّلها أكثرَ مما تستحق، صار
عاصياً، ويده يدُ عدوان، فيلتزم كمالَ الضَّمان.
ولو تلفت الدابة والحالة هذه بآفةٍ سماوية، فيجب ضمانُها أيضاً، وإن لم يكن التلف بسبب العدوان.
ولو كان المكتري يكتال بمرأًى من مالك الدابة، فكان يراه يزيد، فسكت، ولم ينكر، فحكم أجرة المثل، وضمان الدابة لو تلفت كما ذكرناه، وسكوتُ المالك على سبب الضمان، لا يغيّر حكمَ وجوبه.
5275 - ولو اكتال المكتري وزاد، ولكنه سلّم إلى المكري، حتى تولى الحملَ بنفسه، وكانت اليدُ له في دابته، قال الأئمة: إن كان المكري عالماً بما جرى، فلا يستحق للزيادة أجرَ المثل؛ فإنه تعاطى حملها، ولو تلفت الدابة، فلا يستحق ضماناً على المكتري؛ فإن المالك هو الذي تعاطى سببَ الهلاك بنفسه، مع العلم بحقيقة الحال.
وهذا الذي ذكروه في نفي الضمان سديدٌ، فأما نفي أجرة المثل في الزيادة، ففيه نظر، ولا أقل من أن يُحمَلَ ذلك على استعمال إنسان، أو استعمالِ دابته من غير ذكرِ الأجرة، وفي ذلك تفصيل سيأتي مشروحاً، إن شاء الله عز وجل.
فأما إذا زاد المكتري، وسلّم إلى المكري، فحمل المكري على الدابة، مع الجهل بحقيقة الحال؛ فقد قيل: يستحق الأجرة 1 في مقابلة الزيادة، ويثبت الضمان لو تلفت الدابة؛ فإن المكري لم يرض بهذه الزيادة إذا 2 كان جاهلاً بها.
5276 - وهذا فيه فضل نظر.
فأما الضمان، فقد تعاطى المالك بنفسه حَمْلَ الزيادة
على الدابة، فوُجد منه سببُ التلف مباشرة، ولكنه كان مغروراً من جهة المكتري، فيجب تخريج ذلك على قولي الغرور، كما تكرر مراراً.
فأما لزوم أجر المثل في الزيادة، ففيه احتمالٌ أيضاًًً على بُعدٍ؛ فإنه لم يجرِ لتلك الزيادة ذكرٌ، والظاهر لزومُ أجر المثل؛ فإن الزيادة حُملت في ضمن عقد معاوضة، وليس كالعمل المطلق، حيث لا يجري ذكر الأجرة.
5277 - ثم إذا تلفت الدابة بآفةٍ تحت يد مالكها، وما تلفت بسبب الحمل، فلا يجبْ ضمان الدابة أصلاً.
وإن كان تلفُها بسبب الحمل الثقيل، واتفق التلف في يد المالك، ففي مقدار الواجب قولان: أحدهما - أنه يجب نصف الضمان، ولا ينظر إلى مقدار الزيادة، قل أو كثر، والقول الثاني - أنا نوزع قيمة الدابة على المحمول المستحق وعلى الزائد، ونوجب ما يخص الزائد، فإن كان جزءاً من أحد عشر جزءاً، وجب ضمان جزء من أحدَ عشر جزءاً من القيمة، وإن كان أقلَّ أو أكثر، فبهذا الحساب.
وهذان القولان بناهما الأصحاب على القولين في أن الجلاد إذا زاد على الحد سوطاً أو أكثر، وهلك المحدود، ففيما يلتزمه الجلاد قولان: أحدهما - أنه يلتزم شطرَ الضمان.
والثاني - أنه يلتزم جزءاً من الأجزاء؛ فإن كان الحدُّ ثمانين، فزاد سوطاً، التزم جزءاً من أحد وثمانين جزءاً من الدية.
وعلى هذا البابُ وقياسُه، إن كثرت الزيادةُ، أو قلَّت.
ومن يُوجب الشطرَ يطردُه فيه إذا كثرت الزيادة، وزادت على المقدار المستحق.
5278 - ولا خلاف أن الجراحات إذا تعددت من شخصين، وآل الأمر إلى التوزيع، وكان جَرَحَ أحدُهما مائةَ جراحة، وجَرح الثاني جراحةً واحدةً، فالدية عليهما نصفان، والسبب فيه أن آثار الجراحات تتفاوت تفاوتاً عظيماً، وربما يكون أثرُ الجراحةِ الواحدةِ أكثرَ من أثر مائةِ جراحة، وإذا كان الأمر كذلك، فلا نظر إلى أعداد الجراحات، ولا سبيل إلى استدراك أغوارها، فالوجه التوزيعُ على رؤوس الجناية، وأما الزيادةُ على الجلدات المستحقة، فإنها خارجة على القولين، فهي في قولٍ: كالجراحات، والمتبع التشطير، وفي قولٍ: يقع التوزيعُ على الأعداد؛ فإن آثار
الجلدات لا تتفاوت، بخلاف الجراحات والزيادة في الحمل ملحقةٌ بالجلدات.
وذهب بعضُ المحققين إلى أن الأولى القطعُ بالتوزيع في الزيادة المحمولة على الأجزاء؛ فإنها لا تتفاوت قطعاً، والسياط يقدّر فيها تفاوت، وهذا حسنٌ.
ولكن الطريقة المشهورة تخريج القولين بناءً على الجلدات.
5279 - وكل ما ذكرناه في زيادةٍ تتحقق، فأما إذا كانت تلك الزيادة بحيث يقع مثلُها من الكيلين، فلا حكمَ، ولا وقعَ لها؛ فإنها غيرُ متحققة، وقد يعاد الكيل مرة أخرى، فلا تظهر الزيادة، وقد يظهر نقصان.
5280 - وما ذكرناه فيه إذا زاد المكتري والمكري [مغرور] 1، وقد حمل بنفسه.
وقد يحمل المكتري بنفسه، واليدُ في الدابة [للمكري] 2، فحكم الأجرة والضمان على ما ذكرناه، وهذه الصورة تقع مقطوعاً بها، في أجرة المثل، في الزيادة، وفي أصل الضمان.
ثم القولان في مقداره على ما ذكرناه، ولا حاجة إلى تخريج الضمان على قاعدة الغرور؛ فإن المكتري قد تولى بنفسه حملَ الزيادة.
والذي يجب التنبيهُ له في تفاصيل المسألة أن لا يُصوّرَ حملُ الزيادة والدابة في يد المكتري؛ فإنها لو كانت تحت يده، فيصير بنفس حمل الزيادة غاصباً، ولو تلفت الدابة بسبب آخر، وجب كمال الضمان، فكذلك بسبب الحمل، فليقع التصوير فيه إذا كانت الدابة في يد مالكها.
5281 - فأما إذا تولى المكري الكيلَ وكان المكتري فوّض إليه أن يكيل القدرَ المشروط، ويحملَه، فزاد المكري وحمل أكثر من المشروط، فنقول: لا يستحق في مقابلة الزيادة أجرةً، ولو تلفت الدابة بسبب الحمل، (3 فلا ضمان 3)، وتعليله بيِّنٌ.
5282 - ويطرأ في المسألة شيء آخر، وهو أن المكري نقل شيئاًً من حنطةِ المكتري3
إلى بلدةٍ أخرى، من غير إذنه، فكان حكمه فيما فعل حكمَ الغاصب.
ونحن نذكر ما يتعلق بذلك.
ونقول:
أولاً- يجب على الناقل أن يرد تلك الزيادة إلى الموضع الذي نقلها منه؛ جرياً على وجوب ضمان الرد، فلو ظفر صاحب الحنطة بالناقل في المكان الذي نقل عنه؛ فإنه يلزمه مثلُ حنطته، لمكان الحيلولة التي أوقعها، وقد جرى سبب الضمان في هذا المكان ابتداءً، فهو كما لو أتلف حنطةً، فظفر صاحب الحنطة بالمتلِف في مكان الإتلاف؛ فإنه يغرمه المثلَ، ثم لا تنقطع الطَّلِبةُ عن الناقل بهذه الغرامة، بل هو مطالب برد تلك العين التي نقلها إلى موضعها، ولا فرق بين أن تكثر المؤنة، أو تقل، فإذا ردّها، فإنه يسترد ما كان بذله، والقول في أنه يسترد عينَه، إن كانت باقيةً، كما تقدم في المغصوب منه، إذا أبق العبد المغصوب وغرم الغاصبُ للمالك قيمتَه، لمكان الحيلولة، فإذا رجع العبدُ، وعينُ تلك القيمة باقية، فهل يستردّها؟ فيه تفصيل قدمتُه.
5283 - ولو ظفر صاحب الحنطة في مسألتنا بالناقل في البلدة التي نقل إليها، فلو قال المتعدي بالنقل: خذ حنطتَك، فإن أخذها مالكها، فلا كلام، ولو طلبها من الناقل، وجب عليه ردُّها عليه، وإذا قبضها، انقطعت مؤنة الرد، فلو بدا لمالك الحنطة، فقال: ردّها الآن من يدي إلى المكان الذي نُقلت عنه، فالظاهر أنه لا يلزمه ذلك؛ فإنّ قبضَه قد تم في [الملك] 1، فكان ذلك قطعاً للمادّة، واستئصالاً لتبعة الطّلبة، وإبراءً عن مؤنة الرد.
وفي المسألة احتمالٌ على تأويلِ أنه يقول: لست أثق بيدك في عين مالي، فاليد لي، والْتزم النقلَ.
5284 - ولو لم يقبل منه الحنطة في تلك البلدة، وقال: الْتزم ردَّها إلى مكانها، فله ذلك.
فلو قال الناقل؛ خذها إليك، وأنا أنقلها في يدك، فللمالك أن يمتنع، ويقول:
لو قبضتُها، لكانت مؤنة الحفظ عليّ، ولو تلفت في يدي، لسقط الضمان، فكن أنت الملتزمَ لذلك كله.
5285 - ثم لو قال المالك، والحالة هذه: اغرم لي على مقابلة الحيلولة، فله ذلك؛ فإن الحنطة، وإن كانت حاضرةً، فهي بمثابة الغائبة للوجوه التي ذكرناها، ثم لا يغرّمه مثلَها؛ إذ يستحيل أن يغرّمه المثلَ، وعينُ ماله قائمة، ويعسر عليه نقل المثل، كما يعسر عليه نقلُ العين، فلا يغرّمه إلا القيمة.
ثم إذا ردّ الحنطةَ إلى مكانها، استرد القيمة.
5286 - وكان شيخي يقول: يغرّمه أرفعَ قيمةٍ من مكان النقل، إلى حيث انتهت؛
فإن العدوان مطّردٌ في هذه الأماكن جملتِها، ولا مكان منها وإلا للمالك طلبُ حنطته إن صادف ناقلَها فيه مع الحنطة، وله طلب قيمتها في ذلك المكان، حملاً على تكليفه نقلَها إلى الأول، الذي نقلها منه، فينتظم من مجموع ذلك إيجابُ أقصى القيم.
5287 - وقد مهدنا في كتاب الغصوب في ظاهر المذهب أصلاً، فقلنا: إذا أتلف رجل مثليّاً في مكان، ثم ظفر المتلَفُ عليه بالمتلِف في غير مكان الإتلاف، فالمذهب الظاهر أنه لا يطالبه بالمثل، وإنما يطالبه بقيمة مكان الإتلاف.
وما ذكرناه في هذا الفصل مباينٌ لذلك الأصل؛ فإن الحنطة في عينها فائتةٌ، واقتضى الترتيب على ما رآه الأصحاب ألا نُغرّمَه المثلَ في غير مكان الإتلاف، والحنطة قائمة في مسألتنا، فجرى ما مهدناه من غرامةِ المثلِ والقيمةِ على ترتيبٍ يخالف الإتلاف، ويكفي في ذلك التنبّه والتأمل.
5288 - ولو جرى نقلُ تلك الحنطةِ الزائدةِ من ثالثِ، مثل أن يُفوّض المكتري الكيلَ إلى إنسانٍ، فيزداد ويحملَ أكثر من المشروط، فالكلام في أجر المثل والضمان في الدابّة لو تلفت معلّقٌ بهذا الثالث، فيغرَم أجرَ المثل في الزائد، وفي الضمان عند فرض التلف اختلافُ القول، كما تقدم.
وللمالك أن يكلفه ردَّ الزيادة إلى البلد المحمول عنه، كما ذكرناه في حق المكري إذا كان هو الناقل.
5289 - ومما يتعين [التصوير] 1 عنه في أطراف المسألة ألا تُفرض اليدُ عند فرض حمل الزيادة للضامن؛ فإن اليدَ لو كانت له، ونقدِّر التلفَ في الدابة وجب ضمانُ تمام القيمة، لأنه بنفس حمل الزيادة، صار في حكم الغاصب للدابة، وإذا كان كذلك، فإذا كانت اليد للمكتري، وهو الحامل، ضمن تمام القيمة، وإنما يختلف القول في مقدار الضمان، مع القطع بأن جميع القيمة لا تلزم إذا كانت اليد في الدابة للمكري، فإذا فرضنا ثالثاً، فينبغي أن يكون منصوباً من جهة المكري، ثم ينبغي أن تكون يده مع يده؛ إذ لو انفرد باليد، لضمن تمامَ القيمة إذا اعتدى بحمل الزيادة، ثم لا نظر إلى صدور ذلك عن أمر المكتري؛ فإن الأمر بالعدوان من غير إكراهٍ لا يُثبت على الآمر ضماناً.
فخرج من ذلك أن الثالث إذا انفرد باليد، ثم نفقت الدابة، ضمن تمام قيمتها، إذا كان هو الحامل للزيادة بالأمر [أو بغير] 2 الأمر، وإن كانت اليد للمكري، فإذ ذاك يضطرب القول في مقدار الضمان.
فصل
قال: " ومعلّم الكتّابِ، والآدميين، مخالف لراعي البهائم ... إلى آخره" 3.
5290 - هذا الفصل يجمع قواعدَ المذهب في بيان التلف الذي يُفضي إليه ضربٌ جنسُه مأذونٌ فيه.
والوجه أن نرسل المسائل، فنذكرَ ما يتعلق بالمذهب فيها، ثم نحرص على ضبطها، كصنعتنا في أمثالها.
فنقول:
5291 - لمعلّم الصبي أن يؤدِّبه إذا مست الحاجةُ إلى تأديبه، وعليه التحفظ عما
يؤدي إلى هلاكه، أو تعييب عضوٍ من أعضائه؛ فإن تأديبَه في الشرع، مشروطٌ بالسلامة.
ولو كانت العرامة 1 التي به لا تزول بالضرب الخفيف، وكان يظهر أن إمكانَ زوالها يقتضي ضرباً عنيفاً مخوفاً، فلا يجوز أن يُضرب ضرباً عنيفاً، وإن كان زوال العرامة موقوفاً عليه.
فإن فرض تأديبٌ لا يقصد في ظاهر الظن بمثله الإهلاكُ، فاتفق التلف منه، تعلق الضمان به.
فإن قال المؤدب: قد اقتصدتُ، واقتصرتُ على حدّ الأدب، فقد جوزتم لي هذا القدرَ، فلم تثبتون الضمان فيما جوزتموه؟ قلنا: لا يتصور التلفُ إلا بمجاوزة الحدّ في كيفية الضرب، أو مقدارِه، أو محلِّه، أو زمانه، وقولُ القائل وقع التلفُ وفاقاً عريٌّ عن التحصيل؛ فإن القتلَ لا يقع وفاقاً إلا بمجاوزة حدٍّ من الحدود التي أشرنا إليها.
ثم إذا حصل التلف، وبان أن سببَه مجاوزةُ الحد، وكان التأديب مشروطاً بتوقي [التَّلف] 2، وجب الضمان.
5292 - ثم ما جرى شبهُ عمدٍ، ولا يخفى الكلامُ في متعلّق ضمانه، فالدية على العاقلة، وهي مغلظةٌ، والكفارة على الضارب.
5293 - والزوج إذا أدّب زوجتَه، فالكلام فيه على نحو ما ذكرناه.
5294 - ولو كان أذن الولي للمؤدب في الضرب العنيف، فلا حكم لإذنه، مع نهي الشرع عنه، ولا يتعلق بالولي الضمانُ لإذنه.
5295 - وأبو حنيفة 3 رضي الله عنه لا يوجب الضمانَ في تأديب الصبي إذا أفضى
إلى إهلاكه، مَصيراً إلى أن المرعي مصلحته، وأوجب الضمانَ على الزوج إذا أدّب زوجتَه، وأهلكها، وقال: مطلوب الزوج أن تصلح الزوجةُ له، فإذا هلكت، ضمنها.
وهذا كلامٌ ساقط؛ فإن التأديب المهلك، لا استصلاح فيه.
5296 - ولو سلّم مالكُ العبد عبدَه إلى من يعلّمه، وسوغ له من تأديبه ما يسوغه
الشرع، فالقول في وجوب الضمان إذا أدى التأديب إلى التلف ما ذكرناه في الصبي.
ولو أذن له المالك في الضرب العنيف المخُوف، فإذا ارتسم المأمورُ رسمَه، ولم يتعدّه، فأدى إلى التلف، لم يضمنه لمالكه، وإن تعدى، وظلم؛ فإن حق المالية في رقبة العبد للمولى.
ولو أباح دمَه، لم يحلّ للمأمور بقتله أن يقتله، ولكن لو قتله، لم يضمنه.
5297 - ولو عزر السلطانُ في أمرٍ يتعلق بحق الله وأدى التعزيرُ إلى التلف، وجب الضمان.
ثم في محله قولان: أحدهما - أن محلّه عاقلتُه المختصون به.
والثاني - أن محله بيتُ المال.
وسيأتي شرح ذلك في موضعه، إن شاء الله - ولكن إذا انتهى نظمُ كلامٍ إلى حكمٍ، فلا بد من الرمز إلى أصله، مع إحالة البيان على موضعه.
ثم إن أوجبنا الضمان على عاقلته، فالكفارةُ يختص وجوبها به، لا تحملها العاقلةُ.
وإن ضربنا الغرمَ على بيت المال، ففي ضرب الكفارة عليه قولان، سيأتي ذكرهما، ومأخذ وجوب الضمان أن التعزير لحق الله تعالى يجري مجرى التأديب، وهو مشروط بالسلامة.
=يقول: ضربُ الأستاذِ لمنفعة الصبي لا لمنفعة نفسه، فلا يوجب الضمان عليه إذا كان يأذن وليه، فأما ضرب الأب إياه لمنفعة نفسه؛ فإنه يغير سوء أدب ولده، فيتقيد بشرط السلامة، كضرب الزوج زوجته لما كان لمنفعة نفسه ". اهـ ..
والواقع أنه لا مناقضة في كلام أبي حنيفة رضي الله عنه، حيث علق الحكم بالمصلحة، فمن يؤدب لمصلحة نفسه كالأب والزوج يضمن، ومن يؤدب لمصلحة غيره بإذنه كالمعلم، لا يضمن.
على حين علّق الآخرون الحكم بالإذن، وقد ألمع إلى هذا السرخسي رحمه الله.
5298 - واختلف أئمتنا في أن التعزير إذا وجب حقّاً للآدمي، فأقامه الإمام لأجله، فأدى إلى التلف مع الاحتياط في الاقتصاد، فهل يجب الضمان؟ والأصح القطعُ بوجوب الضمان، والمصيرُ إلى نفي الضمان ذهولٌ عن حقيقة مذهبنا، كما سنصفه عند خوضنا في ذكر ضابط المذهب في المسائل.
5299 - فإن قيل: من أصلكم أن سِرايةَ القصاص ليست مضمونة، وإن كان مستحقُّ القصاص 1 بالخيار في استيفاء القصاص، وليس محمولاً عليه بقهر شرعي، فما المتّبعُ في هذه المسائل؟
قلنا: قد ظن من لا يحيط بمأخذ الكلام أن المذهب مُدارٌ في النفي والإثبات على كون سبب الإتلاف مقدَّراً أو غيرَ مقدَّر، وزعم أن التعزير اقتضى الضمانَ، من حيث إنه لا يتقدّر، فالأمر فيه مفوّضٌ إلى اجتهاد المعزِّر، والقصاص في حكم الأفعال المقدّرة المحدودة، ولا اجتهاد فيها، فإذا أفضى إلى التلف، لم ينتسب المقتصُّ إلى الخطأ في الاجتهاد.
وهذا كلام غيرُ بالغٍ في مقصوده، وإن كان تحويماً على الحق 2.
5300 - والمتبع في الباب فَهْمُ الشرع على وجهه، فحيث ينهى الشرعُ عن السبب المتلِف، ويأمر بالاقتصار على ما لا يُتلف، فإذا فُرض التلف، فقد تعدّى الضارب ما رُسم له، مخطئاً، أو عامداً، فإذا أباح الشرعُ سبباً متلفاً، لم يتعلق به الضمان.
والاقتصاص من الأسباب المتلفة، ثم لا يختلف ذلك بالوجوب والإباحة، ولا يختلف بكونه مضبوطاً، أو محالاً على الاجتهادِ والنظرِ، بدليل أن من دفع صائلاً على 3 نفسه، أو ماله، فمقدار الدفع يتقيد بقدر الحاجة، وليس فيها ضبطٌ شرعي، وتقديرٌ محسوس، ثم ما يُفضي إلى تلف الصائل لا يُعقب ضماناً؛ لأن الشرع سلّط
على القدر المتلف عند الحاجة، ثم لا يضرّ أن يكون ذلك مظنوناً؛ فإن معظم مسائل الدماء تتعلق بالظنون.
ويُخرّج على القاعدة التعزيرُ؛ فإنه لم يَثبت مُهلكاً، وإنما أُثبت أدباً يستبقي المؤدَّب، فإذا أهلك، أثبت الضمانَ.
ومن أخذ هذا من أن التعزير لا يجب، تعرّض كلامُه للانتقاض بالقصاص، ومن فرّق بين التعزير [الذي يجب لحق الله تعالى، وبين التعزير الذي يجب للآدمي، فقد اضطرب عن مأخذ هذا الأصل؛ فإن الشرع لم يثبت التعزير] 1 لحق الآدمي إلا أدباً، بمثابة تعزير الزوج زوجته.
وهذا أصل جليٌّ، فليتبعه الناظر.
5301 - وإذا سلم المكري الدابة إلى المكتري، فكان المكتري يزجيها ويضربها، فهلكت، أو عابت، فإن عدّ مقتصداً، فلا ضمان.
فإن قيل: كيف يُخرّجُ هذا على الحد الذي ذكرتموه، وقتل البهيمة ممتنع شرعاً؟ قلنا: الأسباب التي أذن الشرع فيها في البهائم مهلكاتٌ، أو أسباب في الهلاك؛ فإن تحميل البعير العبء الثقيل على الاعتياد في مثله، وجَوْب البوادي عليه، على الظمأ، مع التَّزجية بالضرب المعتاد، مما لا يندر الهلاكُ منه، فالإذن فيه من المالك إذنٌ في سبب الإهلاك.
5302 - ومما يجب التنبه له في هذا المنتهى أن المتمادي في كلامه إذا قال: لا يجوز السعي في إهلاك البهيمة، رُدّ عليه قوله بما ذكرناه، وقيل له: أباح الشرعُ قتلَ كثيرٍ من البهائم لحاجة الآدميين إلى أكل لحومها، فتحميلها المشاقَّ في معنى الإذن في إهلاكها، ولكن على اقتصادٍ معتادٍ.
فإن لم يقنع السائل وقال: كيف يرضى مالك الدابة النفيسة بإهلاكها وحظه من كِراها مقدارٌ نزرٌ؟ قلنا: مثل هذه الدابة لا تتلف إلا بسَرفٍ، فلا جَرَم يجب الضمان.
والتلفُ إنما يقع في الدابة الضعيفة، أو المئوفة 2، والإذن في تحميلها إذنٌ في سبب
تلفها، أو تعيّبها، فقد خرج ما ذكرناه على القاعدة خروجاً بيّناً.
5303 - فإن قيل: إذا تعدى المكتري، وجاوز حدّ الحاجة، فتلفت الدابة، فقد حصل التلف بما له أن يفعله، وبما ليس له أن يفعله، فهلا قسَّطتم الضمان، وحططتم بعضَه على مقابلة ما يجوز فعله؟ وتقريب القول فيه أن ضرباتٍ معلومة لو فرض الاقتصار عليها، لعد الضارب مقتصداً، فإذا زاد، عُدَّ مجاوزاً، فقد حصل التلف بما يجوز وبما لا يجوز؟
قلنا: إن كان المكتري منفرداً باليد، فيصير بأول العدوان غاصباً، والغاصب يضمن ليده، وإن لم يصدر منه إتلافٌ.
وإن كانت الدابة في يد مالكها، وكان المكتري يزجيها، فزاد على حد الاقتصاد، فهذا موضع السؤال، فانه لا يضمن ليده، وإنما يضمن لفعله.
5304 - والذي قطع الأصحاب به وجوبُ تمام الضمان؛ والسبب فيه أن القدرَ الذي لو اقتصر عليه، لكان مقتصداً إنما يكون مأذوناً فيه من المالك بشرط الاقتصار عليه، فإذا جاوزه، فقد خرج أصل الضرب عن الإذن.
فهذا بيّنٌ في فنِّه.
ولكنّ الاحتمالَ متطرقٌ إليه من طريق المعنى؛ لأن الفعل المقتصد منفصلٌ عن الزائد، فكان لا يبعد في القياس التقسيطُ إذا لم يكن سببُ الضمان اليدَ، كما نبهنا عليه.
وهذا بمثابة الزيادة على الجلد في الحدّ.
ولنا أن نعتصم بتأديب المؤدب، وتعزير المعزّر؛ من جهة أن الهلاك يحصل بالقدر الزائد، ثم يجب تمام الضمان.
ولم نُبد الاحتمالَ الذي ذكرناه ليكون مذهباً وإنما ذكرناه للتنبيه على وجوه الكلام.
5305 - وإذا تعدّى الأجير في فعله، وزاد على الحد المطلوب، وأتلف العين التي استؤجر لإيقاع الفعل فيها، وجب كمالُ الضمان؛ تخريجاً على هذه القاعدة.
ثم الضبط في هذا القبيل يستدعي الربطَ بالخروج عن التقدير، فإذا كان كذلك، وثبت =النقص.
والمئوف هو من أصابته آفة (المصباح).
النهي عن سبب الإتلاف، وفوّض القدر إلى المتعاطي، فلا تقسيط إذا تعدّى الحدَّ أصلاً.
هذا منتهى الكلام في غرض الفصل.
فصل
قال: " ولو اختلفا في ثوب، فقال ربُّه: أمرتك أن تقطعه قميصاً ... إلى آخره" 1.
5306 - إذا دفع مالكُ الثوب الثوبَ إلى خياطٍ ليخيطه، فخاطه قَبَاءً، ثم اختلفا، فقال صاحب الثوب: أمرتك بأن تخيطه قميصاً، وقال الخياط: بل أمرتني بأن أخيطه قَباءً، فقد حكى الشافعي من قول ابن أبي ليلى 2 أن القول قولُ الخياط، وحكى من مذهب أبي حنيفة (2) أن القول قولُ رب الثوب، ورجَّحَ مذهبَ أبي حنيفة ورآه أوقع، ثم قال: " وكلاهما مدخول "، فأشار إلى قولٍ ثالثٍ في المسألة، وقد نصّ في الأمالي على أنهما يتحالفان.
وهذا هو القول الثالث الذي أشار إليه هاهنا.
واختلف أئمتنا: فمنهم من قال: مذهب الشافعي التحالف، وما سواه حكاه مذهباً لغيره.
ومن أصحابنا من أثبت للشافعي ثلاثة أقوالٍ، وأخذ ذلك من ترجيحه مذهبَ أبي حنيفة على مذهب ابن أبي ليلى، وهذا يشر بتردده في القولين؛ فإن من يُفسد القولين لا يرجّح أحدهما على الثاني.
فليقع التعويل على طريقة الأقوال، ونحن نوجهها ونفرع عليها.
5307 - فمن قال: القولُ قول الخياط، احتج بأن أصل الإذن متفقٌ عليه، والأجير مؤتمن فيما أُمر به، وصاحب الثوب يبغي تضمينَه، والأصل براءةُ ذمته.
ومن قال: القول قول رب الثوب، احتج [بأنه] 1 الآذن، ولو أنكر أصلَ الإذن، يصدّق مع يمينه، فالقول في تفصيل الإذن قوله.
والذي يوضّح الحقَّ أنه إذا ثبت الرجوع إلى قوله في أصل الإذن، فإنه ينكر أصلَ الإذن في قطعه قباءً.
[فهذا] 2 وإن سمي تفصيلاً، فهو أصلٌ متنازع فيه نفياً وإثباتاً، فليقع الرجوع إلى الآذن.
ومن قال: يتحالفان، احتج بأن سبب التحالف بين المتعاقدين الاختلافُ في المعقود عليه، وتعرُّضُ كلِّ واحدٍ منهما لكونه مدعياً من وجهٍ ومدعىً عليه من وجهٍ.
فإن نظرنا إلى المنفعة المعقود عليها، فهي على التنازع، وكل واحد مدّعىً ومدعىً عليه، فالمالك يدعي جنايةَ الخياط، ويُدّعَى عليه الإذن، والخياط يدعي إذنَ المالك ويُدّعَى عليه الجناية، ومجموع ذلك يقتضي التحالفَ؛ إذ ليس أحدهما أولى بالتصديق من الثاني.
فإذا توجهت الأقوال، فرعنا عليها.
5308 - فإن قلنا: القول قول الخياط مع يمينه، فقد قال الأصحاب: إنه يحلف بالله ما أمره بقطع الثوب قميصاً، وإنما أمره بقطعه قَباءً، فيشتمل اليمين على النفي والإثبات.
فإن قيل: هلا اقتصر على النفي؟ قلنا: نفي الأمر بقطعه قميصاً لا ينفعه في نفي الجناية، فإن نفي الجناية ادّعاها ربُّ الثوب؛ من حيث قطع الثوبَ قَباء، فلم يكن بدٌّ من التعرض لنفي.
ذلك، وسبيل نفي الجناية إثباتُ الإذن، فإن كان لهذا إشكال، فهو من إشكال القول، وإلا، [فلا] 3 طريق في تفريعه- غيرُه إذا اعتمد أصله.
ثم من
حكم يمينه أنه لا يغرم لرب الثوب أرشَ النقصان.
5309 - ويقع النظر وراء ذلك في استحقاق الأجرة.
وقد اضطرب طريق الأصحاب فيه، فالذي صرح به شيخي -وهو مقتضى ما ذكره الصيدلاني وغيرُه- ذكرُ الاختلاف في أنه هل يستحق الأجرة المسماة إذا حلف؟
وقال العراقيون: لا يستحق الأجرة المسماة وجهاً واحداً، وهل يستحق أجرَ مثل عمله؟ فعلى وجهين، فنوجه الخلافَ في استحقاق الأجرة، ثم نبين ما صار إليه العراقيون من الفرق بين الأجرة المسماة وأجرة المثل.
فالتوجيه في الأصل: من قال: لا يستحق الأجرةَ، قال: يكفيه أن تنفي يمينُه الغرمَ عن نفسه، فأما أن يُتوصل بها إلى استحقاق ما يدّعيه، فهو بعيد عن [نظم] 1 الخصومة.
ومن قال: إنه يستحق الأجرَ، احتج بأن أصلَ الأجرة متفق عليه، وإنما الكلام في تعيين العمل، وبينهما عملان يتنازعان فيهما، ومن ضرورة انتفاء الغُرْم عن الأجير ثبوتُ الإذن في العمل الذي صدر منه.
فإذا ثبت كونه مأذوناً فيه، وقد تقرر أن العمل المأذون فيه مقابَلٌ بالأجرة، فتثبت الأجرة.
5310 - هذا أصل التوجيه.
والذي صار إليه العراقيون من الفرق بين المسمى وأجرة المثل مُنقدح؛ فإن الأجرة المسماةَ قد تزيد على أجرة المثل، فثباتها بقولِ من يدّعيها بعيدٌ، [ويبعد أن يحبَطَ تعبُ العامل] 2 إذا ثبت كونُه مأذوناً فيه، فالإنصاف أن ألا يزيد على أجر المثل.
ومن يُثبت الأجرةَ المسماةَ يقول: سبب ثبوت الأجرة أنها متفقٌ عليها ذكراً، وقد انتفى العدوان بيمينه، وتعيّن بانتفائه وقوعُ الفعل مأذوناً فيه، ومساق ذلك يُثبت الأجرة المسماةَ، إن كنا نرى إثبات الأجرة.
ومما يجري في [خلل] 1 الكلام، أن من أثبت أجرة المثل؛ فإنه يقول لا محالة: إن كانت المسماة أقلَّ منها، فليس للخياط إلا الأجرةُ المسماة؛ فإنه ليس يدّعي أكثر منها، فيستحيل أن يستحق أكثر من المدَّعَى.
التفريع على ما ذكرناه في الأجرة:
5311 - فإن حكمنا باستحقاقها، فلا كلام، واستقلت يمين الخياط بنفي الغُرم، وإثبات الأجرة.
وإن قلنا: لا يستحق الأجرةَ، فله أن يعرض اليمين في طلب الأجرة على رب
الثوب، فإن حلف رب الثوب، انتفت الأجرة في ظاهر الحكم، وإن نكل، فقد اختلف مسلك الأئمة: فذهب بعضهم إلى أنا نثُبت الأجرةَ الآن باليمين السابقة الصادرة من الخياط؛ فإنها اشتملت على النفي والإثبات، ولكنا لم نثبت بها مالاً للحالف، حِذاراً من إثبات المدعَى بيمين المدعي ابتداءً، فإذا تبيّن آخراً نكولُ رب الثوب، وقع الاكتفاء بما تقدّم، فإنا لو أعدنا تحليفه، لم نزد على تحليفه على إثبات الإذن، وقد تقدّم هذا، فلا معنى لإعادته، فهذه يمينُ ردٍّ اقتضى ترتيبُ الخصومة تقدُّمَها، ولكنها لا تقع الموقع في استحقاق الأجرة، حتى يتبين نكولُ رب الثوب عن اليمين.
هذا مسلك متجه، فإن كان فيه إشكالٌ، فلا إشكال القول 2 لا بخلل التفريع، ولكن تصديق الخياط يجر هذا.
5312 - وهذا [هو] 3 الذي ارتضاه القاضي في التفريع.
وذهب ذاهبون إلى أنا إذا لم نثبت الأجرة بمجرد يمين الخياط ابتداءً، فيقتصر على درء الغرم عنه، وخروجه عن العدوان.
فإن أراد الأجرةَ، فينبغي أن يبتدىء دعوى فيها، ولا نظر إلى ما تقدم، ثم حكم الدعوى التي يبتديها عرضُ اليمين على رب الثوب، فإن نكل، رددنا اليمينَ على المدعي، وحلّفناه، ولا نظر إلى ما تقدّم.
وهذا قياس الخصومات، وقد يفرض في خصومةٍ ذاتِ أطراف نكولٌ عن يمينٍ في جانب مع الإقدام عليها في جانب آخر، فإذا تميزت الخصومة عن الخصومة، وجب أن نُوفِّر على الخصومة الأخيرة حقَّها، وترتيبَها.
وهذا حسنٌ منقاس.
وكل ذلك تفريع على قولنا بتصديق الخياط.
5313 - وإن قلنا: القول قولُ ربّ الثوب مع يمينه، فيحلف بالله ما أمره بقطعه قَباءً، وتنتفي الأجرة عنه بيمينه.
ثم اتفق الأصحاب على أن الخياط يضمن، ولم يختلفوا في أصل الضمان، وهذا في الترتيب قد يناظر الأجرة في التفريع على القول [الأول] 1.
ثم ثبوت الأجرة مختلف فيه، وثبوت الضمان في التفريع على تصديق المالك غيرُ مختلف فيه، والسبب أن رب الثوب بيمينه يهجم على إثبات عدوانه؛ فإن الإذن إذا انتفى، ثبت العدوان، فإذا كان العدوان يثبت بالنفي وهو متضمَّنُ اليمين في قياس الخصومة، والأجرة لا تثبت إلا بتقدير إثبات، فكان الافتراق لذلك.
5314 - ثم إذا ثبت الضمان على الخياط، ففي قدره قولان: أحد القولين- أنه يجب ما بين القطعين، وبيانه أن الثوب لو كان يساوي عشرةً، غيرَ مقطوع، وكان يساوي القميص تسعة، والقَباء ثمانية، فالتفاوت بين القطعين دينار؛ فهو الواجب في قولٍ.
والقول الثاني - أنه يجب ما بين قيمة الثوب غيرَ مقطوع وبين كونه قَباء، وهو ديناران.
توجيه القولين: من أوجب الدينارين، احتج بأنه إذا لم يكن القطع مأذوناً فيه، فهو عدوان، ومن اعتدى، فقطع ثوباً قباءً، التزم كمالَ النقصان.
ومن قال بالقول الثاني، احتج بأن قال: أصل القطع مأذون فيه، وفي تقرير هذا لطف، فقطع الثوب بنصفين مثلاً يليق بتفصيله قميصاً، وهذا القدر يقع مأذوناً فيه،
والعدوان في الزيادة، فإن من يبغي القَباء يَزيد بعد هذا القطع قطعاً، وذلك هو المضمَّنُ، وهذا يتضمن تضمينه ما بين القطعين.
5315 - وبنى الأئمة هذين القولين على أن الوكيل بالبيع إذا باع بغبن فاحش، وفاتت العين، فماذا يضمن؟ وفيه قولان -نص عليهما في الرهن اللطيف 1: أحد القولين- أنه يضمن كمال قيمة العين، والقول الثاني - أنه يغرَم المقدارَ الذي لو باع به، لنفذ، ويُحطّ عنه ما يتغابن الناس بمثله.
وقد ذكرنا حقيقة هذين القولين.
ووجْهُ بناء القولين في مقدار الضمان في مسألتنا على هذا ظاهرٌ من طريق اللفظ.
ولست أوثر هذا البناء؛ فإن مَن يوجب ما بين القطعين يأخذ مذهبه ممّا أشرت إليه، من جريان ابتداء القطع على حسب الإذن، كما ذكرته.
وإذا كان مأخذ تعليل الضمان هذا، فلا مناسبة بين هذا الأصل، وبين ما ذكرناه في الوكيل.
5316 - وأنا أقول: لو كان القطع المنفي باليمين على وجهٍ لا يترتب شيء منه على جنس القطع المأمور به، فيجب القطعُ بإيجاب تمام الضمان، وإنما يختص القولان بالصورة التي ذكرناها، وهي أن يجري ابتداء القطع على حسب الإذن، ثم يترتب عليه قطعٌ يخالف الإذنَ، ثم الأصح في صورة القولين إثباتُ تمام الضمان؛ فإن بعض الإذن لا ينفع مع العدوان.
ولهذا قلنا: إذا تعدى القصار، وزاد في الدّق، ضمن التمامَ وإن كان بعضُ الدقات مأذوناً فيه.
5317 - وإن قلنا: إنهما يتحالفان، فيترتب على جريان التحالف سقوطُ الأجرة؛ فإن من ضرورة التحالف انتفاء الإذن، وانقطاعُ العقد، وهذا يقتضي سقوط الأجرة.
ثم ذكر العراقيون في التفريع على قول التحالف قولين للشافعي منصوصين، في أن الخياط هل يضمن؟ أحدهما - أنه لا يضمن؛ فإن الذي يقتضيه الإنصاف أن تسقط الأجرة ويسقط بإزائها الضمان، وبهذا يحصل الاعتدال في الجانبين.
والقول الثاني - أن الضمان يثبت؛ لأن المتعاقدَيْن إنما يتبارآن إذا رجع كلٌّ إلى ما كان عليه قبل العقد، وصاحب الثوب يقول: هذا الثوب رددتموه عليَّ مقطعاً على خلاف إذني، وقد انتفى العقد، فضمّنوه لي.
وهذا القول مشكلٌ؛ من جهة أنه يضاهي [تصديقنا] 1 صاحبَ الثوب، ويسقط أثر تحليفنا الخياط، ولو قدّرناه ناكلاً عن اليمين، لما لزمه إلا هذا، واليمين التي لا تجرّ نفعاً، ولا تفيد دفعاً لا معنى فيها.
وسبب جريان هذا القول ضعفٌ في 2 أصل التحالف؛ فإن ملك الإنسان إذا غُيّر عليه والقول قوله في نفي الإذن فيه، فالتحالف يبعدُ في هذه الصورة، فإذا قيل به، ثم رجع في عاقبته إلى إبطال أثر التحالف، كان تناقضاً، ولا 3 يستدّ على القول بالتحالف إلا سقوطُ الغُرم، في مقابلة سقوط الأجرة.
5318 - ومما يتعلق بتمام البيان في المسألة أن الخياط إذا أسقطنا أجرتَه، لو قال: كانت الخيوط لي، وأنا أنزعها؛ [فإنها تبعت عملي الموجب للأجرة] 4، فإذا كانت الخيوط له، فله نزعها إذا كانت متقوّمة منتفعاً بها بعد النزع.
ثم قال الأصحاب: إذا نزعها، يغرَم ما دخل الثوبَ من النقص بسبب نزع الخيوط، كما إذا صبغ ثوبَ الغير بصبغ من عنده، ثم نزع الصبغ، فإنه يضمن لمالك الثوب أرشَ النقص، الذي يلحقه بسبب نزع الصبغ، كما قدمنا تقريره.
وهذا يستدعي مزيد نظر، فإن قلنا: لا يجب الضمان على الأجير، تفريعاً على قول التحالف، فإذا نزع، فقد أحدث نقصاً؛ [إذ] 5 ردَّ الثوب قِطَعاً؛ فيغرم ما بين الثوب مخيطاً، [وبين] 6 القِطَع.
وإن قلنا: إنه يضمن نقصان القطع في الأصل، فقد ضمّناه أرشَ نقصان التقطيع