كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجويني، أبو المعالي
- الكتاب
- نهاية المطلب في دراية المذهب
- المؤلف
- عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)حققه وصنع فهارسه: أ. د/ عبد العظيم محمود الدّيب
- الناشر
- دار المنهاج
- الطبعة
- الأولى، 1428هـ-2007م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وهذا الذي ذكره إنما كان يتجه لو كان يمتنع إقامة النوافل بالتيمم أصلاً؛ لانعدام الضرورة.
فإن قيل: فما الاعتذار عن هذا؟ قلنا: الأسفار تكثر، وإعوَازُ الماء فيها يعمّ، والانقطاع عن النوافل عظيم الوقع عند ذوي الدين، وركعتان خفيفتان خير من الدنيا وما فيها، وغاية المسافر [سفراً مباحاً] 1 أرباح يرقبها على تجايره 2، وكيف تطيب مع الانقطاع عن النوافل!
وعلى الجملة 3 ليست الضرورة المذكورة في التيمم إلا حاجة ظاهرة، وهذا متحقق في إقامة النوافل.
والذي يعضد ذلك أن إقامة النوافل على الرواحل جائزةٌ في السفر، حيث توجهت، وذلك كَيْلا تتعطّل أوقات المُرفَق 4، فكيف يليق بمحاسن الشريعة انقطاع النوافل في الأسفار.
فهذا حاصل القول في ذلك.
فرع:
203 - إذا فرعنا على أن من نوى الفرض يتنفّل بعد الفريضة، فلو انقضى وقتُ الفريضة، فهل يتنفل وراء وقت الفريضة؟ ذكر العراقيون وجهين: أحدهما - المنع؛ فإن التبعية تنقطع بانقضاء الوقت، وهذا ضعيفٌ؛ فإن النوافل لا اختصاص لها بالوقت.
فرع:
204 - إذا نوى المتيمم استباحة الصلاة، ولم يتعرض للفرض والنفل، = لكان ... " وفي (ل): النفل.
فالوجه القطع بأن هذا بمثابة ما لو نوى استباحة الفرض والنفل؛ فإن الصلاة اسمٌ للجنس، يتناول الفرض والنفل.
فإن قيل: لو نوى المتحرم بالصلاة الصلاةَ، لم تنعقد صلاته إلا نفلاً، فهلاّ كان الأمر في نيّة الصلاة كذلك؟ قلنا: لا يتأتى الجمع بين الفرض والنفل في تحريمةٍ واحدة، فحُمل ما جرى من ذكرِ الصلاة على الأقل، والجمع بين الفرض والنفل بتميمٍ واحد جائز، فحمل ذكر الصلاة فيه على الجنس.
وقد سمعتُ شيخي يقول: إن نوى المتيمم الفرضَ والنفل، وعناهما بإجرائه ذكر الصلاة، أداهما، وإن لم يجر ذكر النوعين، فالصلاة المطلقة محمولة على النفل.
وهذه الفروع مخرّجة على ظاهر المذهب، وهو أن صحّة التيمم لا تفتقر إلى تعيين الصلاة.
فرع:
205 - إذا نوى المتيمم إقامة فرضين بتيمم واحدٍ، ففي صحّة تيممه وجهان: أحدهما - لا يصح أصلاً، ولا يصلح لفرضٍ واحدٍ؛ فإنه أتى بالنيّة على خلاف موجب الشريعة، ففسدت؛ إذ لا معنى للفساد إلا الخروج عن موافقة الشريعة، فكأنه لم ينو أصلاً.
والثاني - أن تيممه يصح، ويصلح لفريضةٍ واحدةٍ؛ فإنه تعرض لفريضةٍ وزاد، فتفسد نيّته في الزيادة، وتنحصر في الفريضة الواحدة.
وهذا الخلاف يقرب من الخلاف في أن المتوضىء إذا نوى بوضوئه إقامة صلاةٍ واحدةٍ، دون غيرها، ففي صحة الوضوء وجهان؛ فإنه في قصره النية في الوضوء مخالف، كما أنه في التعرض للزيادة على فريضةٍ واحدةٍ مخالف، ولكن التيمم أولى بالفساد لضعفه.
فرع:
206 - قد ذكرنا فيما مضى أن المتوضىء لو نوى بوضوئه إقامة الوضوءِ المفروض، جاز، وارتفع الحدث، ولو نوى بتيممه إقامة التيمم المفروض، ففي صحة التيمم وجهان: أحدهما - الصحّة؛ اعتباراً بالوضوء.
والثاني - لا يصح، والفرق أن الوضوء قُربةٌ مقصودةٌ في نفسها؛ ولذلك استُحب تجديدُ الوضوءِ، والتيمم غير مقصودٍ في نفسه؛ ولذلك لا يستحب تجديد التيمم.
فصل
في كيفية التيمم
207 - لو أخذ المتيمم كفّاً من التراب، ومسح به وجهه، ثم أخذ كفّاً أو كفين، ومسح يديه، واستوعب، جاز.
ولكن قد نُقِل من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله اختيار إقلال التراب، ثم إن الاستيعابَ لا بد منه، كما سنصفه مع الإقلال، فلا بد من تأنقٍ 1 فيه، فينبغي أن يضرب يديه ضربةً لوجهه، ولا نكلِّفه في الضربة الأولى أن يفرّج بين الأصابع؛ فإنه إنما يلقى وجهُه بطنَ الكف والأصابع، ولا يتأدّى فرضُ جزءٍ من اليد ما بقي جزءٌ من فرض الوجه، ثم اليدان يقربان من مقدار سعة الوجه، ويهون ترديد اليدين على الوجه، ولا خلاف أنه لا يجب إيصال التراب إلى منابت شيءٍ من الشعور، سواء كانت خفيفةً، أو كثيفةً؛ فإن إيصال التراب إلى منابت الشعور الخفيفة أعسر من إيصال الماء اللطيف إلى منابت الشعور الكثيفة.
ثم يضرب يديه على التراب، أو على ما يثور منه التراب ضربة ثانيةً، ويفرّج في هذه الضربة أصابعه، ثم يُلصق ظهورَ أصابع يده اليمنى ببطون أصابع يده اليسرى، بحيث لا يجاوز أطرافَ أنامل يده اليمنى المسبِّحةُ من يده اليسرى، ولا يجاوز المسبِّحةُ من يده اليمنى أطرافَ أنامل يده اليسرى، ويمُرّ يده اليسرى حيث وضعَها على ظهر ساعده اليمنى ومرفقه، ثم يقلب بطنَ ساعده اليُمنى على بطن كفّه اليسرى، ويحتوي باليد اليسرى على بطن الساعد من اليمنى، إلى حيث ينتهي الكفّ وبطونُ الأصابع وُيمرّ يدَه اليسرى كذلك، ويجريها على ظهر الإبهام من اليمنى، ثم يصادف الترابَ على يده اليمنى عتيداً 2، فليلصق يده اليسرى بيده اليمنى، ويُجري اليدَ اليمنى على يده اليسرى كما أجرى اليسرى على اليمنى، ثم يخلّل بين أصابعه، بحيث ينتهي المسح إلى جميع خلل الأصابع.
فهذا كيفية التيمم.
والذي ذكرناه ليس بمنصوصٍ عليه في توقيف الشارع، ولكن ثبت أنا مأمورون
بالتقليل، واعتقدنا -مع التقليل والاقتصارِ على ضربتين- وجوبَ الاستيعاب، فكان [هذا] 1 أقربَ مسلك يجمع الاستيعابَ، والتقليلَ، والاكتفاء بغبرةٍ تلصق باليد، في ضربتين.
فهذا ما ذكره الأئمة.
208 - ثم في الفصل غائلةٌ لا بد من التنبيه عليها، وهى أن الضربة الثانية إذا ألصقت غباراً بالكفين، فالظاهر أنه يصل ما لصق بالكف إلى مثل سعتها من الساعدين، ولست أرى أن ذلك الغبار ينبسط على الساعدين ظهراً وبطناً، ثم على ظهور الكفين.
وقد ورد في الشرع الاقتصار على ضربتين، وهذا مشكل جداًً، ومنه ثار خلافٌ بين العلماء، واضطربت لأجله طرقُهم.
فأما أبو حنيفة 2، فإنه صار إلى أن المتيمم لو أغفل ربعاً من كل يدٍ، وربعاً من الوجه، جاز، ونظر إلى اقتصار الشارع على ضربتين، وعلم -فيما زعم- أن الاستيعاب لا يتأتى، ولا يحصل مع الاكتفاءِ بضربتين، فاعتقد جواز الإغفال، ثم ذكر الربعَ تقريباً.
وأما مالك، فإنه قال: الضربة الأولى قد تستوعب الوجه، والضربة الثانية تستوعب الكفين ظهراً وبطناً، ولا يجب مسح الساعدين أصلاً، وقد ذكرنا أن ذلك قولٌ للشافعي.
وأما ما اعتقده أبو حنيفة فغير مرضيّ من جهة أنه لا يوجب نقلَ شيءٍ إلى محل التيمم، بل يقول: لو ضرب يده على صخرة صماء، ولم يعبق شيء بيده، جاز، ولا يمتنع استيعاب الساعدين مسحاً باليد، وإنما الممتنعُ بسطُ غبارٍ عليهما، فإذا كان لا يوجب نقلَ شيء، فلا تفصيل في مُحاولة بسط ما لا يجب نقله، ثم الربع مقدارٌ تحكم به من غير توقيف.
209 - وأما ما ذكره الشافعي في الجديد، فمشكل جداًً؛ فإن الغبار لا ينبسط 1 على الساعدين قطعاًً، فلا يتجه إلا مذهبان: أحدهما - القول القديم الذي هو مذهب مالك، فيتأتى عليه تقدير بسط الغبار في الضربتين على الوجه والكفين.
والمسلك الثاني - أن نوجب إثارة الغبار، ثم نكتفي بإيصال جرم اليد مسحاً إلى الساعدين، من غير أن نتكلف بسطَ التراب في عينه.
والذي ذكره الأصحاب أنه يجب إيصال التراب إلى جميع محل التيمم يقيناً، ولو تردّد المتيمم في ذلك، وأشكل عليه، وجب إيصال التراب إلى موضع الإشكال، حتى يتيقن انبساطَ التراب على جميع المحلّ، وهذا على القطع منافٍ للاقتصار على الضربة الثانية؛ فإن الاقتصار عليها يوجب عدم الانبساط ضرورة وقطعاً، وليس قصور التراب مع غاية [التأتي] 2 أمراً يتفق على ندور، بل هو أمر لا بد منه، فالذي يجب اعتقاده أن الواجب استيعاب جميع المحلّ بالمسح باليد المغبّرة، من غير ربط الفكر بانبساط الغبار.
وهذا شيء أظهرته 3، ولم أر بداً منه، وما عندي أن أحداً من الأصحاب يسمح بأنه لا يجب بسط التراب على الساعدين.
210 - ثم قد ذكر المزني فيما نقله أنه يضرب يديه ضربة للوجه أولاً، ولا يفرق بين أصابعه، واتفق أئمتنا على أن تفريق الأصابع في الضربة الأولى لا معنى له؛ فإن التراب اللاصق بخلل الأصابع في الضربة الأولى لا يصير مستعملاً في الوجه، وإنما ينتهي إلى الوجه ما لصق بالكفين، فأما تفريق الأصابع في الضربة الثانية، فمفيد؛ فإنه قد دخل أوان إقامة فرض اليدين، ويجب إيصال المسح إلى خلل الأصابع.
ثم كان شيخي يحكي عن القفال: إنه إذا عبِق الغبارُ بخلل الأصابع في الضربة
الأولى، ثم لم ينفض حتى ركب ذلك الغبار غبارٌ في الضربة الثانية، فلا يصح التيمّم؛ فإن الغبار الأول يمنع الغبارَ الثاني، ولا يمكن الاكتفاء بذلك الغبار؛ فإنه في حكم غبار حصل على المحلّ، ثم رُدّد عليه من غير فرض نقل إليه، في أوان فرض النقل.
وهذا لم يذكره الصيدلاني وغيره من أصحاب القفال.
وهو عندي غلوٌّ ومجاوزة حدٍ، وليس بالمرضي اتباع شَعْب 1 الفكر، ودقائق النظر في الرخص، وقد تحقق من فعل الشارع ما يشعر بالتسامح فيه؛ ولم يوجب أحد من أئمتنا على الذي يَهُم بالتيمم أن ينفض الغبار عن وجهه ويديه أولاً، ثم يبتدئ بنقل التراب إليها، مع العلم أن المسافر في تقلباته لا يخلو عن غبار يرهَقه 2، فلنقتصر على أن تفريج الأصابع في الضربة الأولى ليس بشرط، وليس لاشتراطه معنىً.
211 - وذكر الشيخُ وجهين في أن المتيمم إذا كان يُجري إحدى يديه على الأخرى، فرفع يده قبل استيعاب العضو، ثمَّ أراد أن يعيدها إلى موضعها لاستكمال الاستيعاب هل يجوز ذلك؟ وجهان: أحدهما - لا يجوز؛ لأن التراب الباقي على اليد يصير بالفصل 3 مستعملاً، فإذا ردّ اليدَ كان ما ردّه مستعملاً.
والثاني - يجوز، وهو الأصح؛ فإن المستعمل هو الذي بقي على العضو الممسوح، والباقي على اليد في حكم التراب الذي يضرب عليه اليد مرتين.
وهذا ظاهر.
والذي أثار هذا الخلاف أن الذي يفضل [على] 4 اليد يُعلم أنه قد ينتثر مما اتصل بالعضو الممسوح شيءٌ، ويختلط بالباقي على اليد، فيكون قد اختلط المستعمَل بغير المستعمَل، والله أعلم.
فصل
قال: " ولو نَسي الجنابةَ، فتيمَّمَ للحَدَثِ أجْزَأَه [لأنَّه لو ذَكرَ الجَنَابةَ، لم يكنْ عليه أكثرُ من التيمُّم]، فإذا تيمَّمَ ونوَى استباحةَ الصَّلاة من الحدَث، ثم تبيّن أنَّه كان جنباً، لم يضرّه الغلط ... إلى آخره " 1.
212 - وقد عللّ المزني ذلك بعلّةٍ غيرِ مَرضيّةٍ 2، وليس يتعلق ذكر غلطه بغرض فقهيّ؛ فلا نتعرض له.
والعلة السديدة أن التيمم لا يرفع الحدث، سواء ذكر على الصواب، أو على الخطأ، وإنما مقصود النيّة استباحة الصلاة، ولا احتفال بذكر غيرها بوجه من الوجوه.
وقد ذكرت هذا فيما جمعناه من كلام الأصحاب في باب النيّة للوضوء، فلا حاجة إلى إعادته.
فصل
213 - المتيمم إذا وجد الماء خارج الصلاة، وتمكّن منه، بطل تيممه، وقال أبو سلمة بنُ عبد الرحمن 3: لا يبطل تيممه ما لم يُحدث، والتيمم عنده رافع للأحداث.
وما ذهب إليه جماهيرُ العلماء بطلان التيمم، والدليل عليه ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " فإذا وجدت الماء، فأمسِسْه جلدك " 4 ولم يقل: فإذا وجدت الماء وأحدثت، فأمسِسْه جلدَك.
وإذا تيمم وصلَّى، ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة، لم يلزمه قضاء الصلاة.
وقال طاوس 1: إن كان وقت الصلاة باقياً، فيلزمه إعادة الصلاة، فأما الصلاة التى مرت مواقيتُها في إعواز الماء، فلا تجب إعادتها.
وقد أرى في بعض الفصول حكايةَ مذاهب السلف لغرضين: أحدهما - أني أرى مذهبين في طرفي النفي والإثبات، ومذهب الشافعي يتوسّطهما.
والثاني - أن من الأحكام ما يظن معظم الناس أنه متفق عليه، فأحكي فيه خلافاًً أصادفه لمقصودٍ في التفريع 2.
214 - فأعود إلى تفصيل المذهب وأقول: لو رأى المتيمم ماءً خارج الصلاة، ورأى معه ما يمنع الوصولَ إليه من سبُع أو غيره، فالتيمم لا يبطل، ووجود الماء الذي رآه وعدَمُه بمثابةٍ واحدةٍ.
ولو رأى ماءً، وظنه مقدوراً عليه، ثم استبان مانعاً دونه، فقد بطل تيممه أولاً، فإذا ظهر له أن الماء غيرُ مقدورٍ عليه، لزمه إعادة التيمم، والطرق متفقة على هذا.
ولو طلع على المتيمم ركبٌ، فعليه طلبُ الماءِ منهم، وإن لم يجد، بطل تيممه، فيعيده.
ولو تراءى له سرابٌ، فحسبه ماء، ثم تبين له، بطل تيممه.
ولو رأى المتيمم ماءً في قعر بئرٍ، وعلم أنه [لا دلو معه، ولا رِشاء، لم يبطل تيممه؛ لأنه] 3 [كما رأى الماء علم أنه] 4 غيرُ متمكن منه.
ولو ظن أن في رحله دَلواً ورِشاءً، فلما طلب، لم يجد، بطل تيممه.
فإذاً عقدُ المذهب أن التمكن من استعمال الماء يُبطل التيمم، وكذلك حسبان التمكن يُبطله، وإِن تبين أن الأمر على خلاف ما ظن.
ولو وجب على المتيمم طلبُ الماء، ثم طلب، فلم يجد، بطل تيممه.
فأما بطلانه بالتمكن من استعمال الماء، فمستفاد من الحديث، كما سبق.
215 - وأما تعليل البطلان بوجوب الطلب، وحسبان التمكن، فنقول: التيمم طهارة ضرورة، والذي يليق بالضرورة أن يحكم بصحة التيمم ابتداء ودواماً، إِذا كان المتيمم بحيث يصح منه الإِقدام على الصلاة بالتيمم، فإِذا وجب الطلب، لم يجز للمتيمم [أن يصلي في تلك الحالة، فإِذا لم يجد، وانكشف الظن، فقد بطل التيمم] 1 بطروء حالة امتنع فيها الصلاة بالتيمم.
وهذا له استناد إِلى أن التيمّم لا يصحّ من غير تقديم الطلب، كما سيأتي.
فلو تيمم ثم طلب الماء، لم يصح تيممه؛ فالأصل في ذلك أن بطلان التيمم لا يتوقف على طريان الحدث، وهو في نفسه غيرُ رافع للحدث، وهو طهارة ضعيفة منوطة بالحاجة.
فإِن قيل: المتيمم إِذا أصابته نجاسة، أو عدم ما يتستر به، ثم وجد ساتراً، أو ثوباً طاهراً؛ فقد امتنعت الصلاة بما طرأ، وإِذا أزال المانع، لم تجب إِعادة التيمم.
قلنا: المانع الذي فرضه السائل لا اختصاص له بالتيمم، ووجوب طلب الماء مختصٌّ بالتيمم، فقد سقط أثر التيمم بمعنىً مختصٍّ به، فكان سقوط أثره مبطلاً له.
ويقرب مما ذكرناه أن المسافر إِذا نوى القصر، ثم شك في صلاته، فلم يدرِ أنوى القصر أم لا، [ثم] 2 لم يَدُم الشك، بل كما 3 طرأ وخطر، زال، فيجب الإِتمام، ويبطل القصر بخَطْرةٍ زالت؛ لأن الأصل الإتمام.
كذلك الأصل استعمال الماء، فإِذا وَهَت الرخصة بطريان تردُّدٍ، بطلت.
فهذا كله فيه إِذا رأى المتيمم الماء خارج الصلاة.
216 - فأمّا إذا تحرَّم بالصلاة، ورأى الماء فيها، فالذي نص عليه الشافعي أن التيمم لا يبطل، والصلاة لا تبطل 1.
وذكر ابن سُريج وجهين في أن المستحاضة إذا شُفيت في أثناء الصلاة، فهل تبطل صلاتُها بانقطاعِ ضرورتها؟
ومذهب المزني أن التيمم يبطل برؤية الماء في أثناء الصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى تخريج قولٍ موافقٍ لمذهب المزني من مسألة المستحاضة؛ فإنها إذا شفيت، فقد زالت ضرورتُها، كذلك المتيمم إِذا تمكن من استعمال الماء، والأظهر القطع بأن صلاة المتيمم لا تبطل.
وإِنما الخلاف في المستحاضة، والفرق أن المستحاضة تجددت عليها أحداثٌ بعد الطهارة، فإذا شُفيت، تعيّن عليها السعي في رفعها؛ إذ 2 تمكنت، والمتيمم لم يتجدد عليه حدث 3، والصلاة عاصمةٌ مضنون بها؛ ومن احتاج في تحصيل الماء خارج الصلاة إلى بذل درهمٍ، وهو مغبون فيها، لم يبطل تيممه، فبطلان الصلاة أحقّ بأن يُتوقّى، فكأن المتيمم غيرُ متمكنٍ من استعمال الماء.
217 - ثم إِذا ثبت هذا، فإن أراد المتيمم أن يتمّم الصلاة المفروضة التي هو فيها، فعل، وإِن أراد أن يقلبها نفلاً، جاز، فيصلّي النفل، ثم يتوضّأ، ويفتتح الفريضة.
واختلف أصحابنا في أن الأوْلى ماذا؟ فمنهم من قال: الأولى إِتمامُ الفريضة؛ لأنه التزمها بالشروع فيها.
ومنهم من قال: الإضراب عن الفريضة أولى؛ للخروج عن الخلاف.
وقد رأيت للقاضي أبي الطيب الطبري 4 في كتابه المترجم بالمنهاج: أن من
أصحابنا من منع إِبطال الفريضة، وأوجب إِتمامها.
وهذا وإن كان يتجه في الخلاف، فلست أراه من المذهب، ولا أعتدّ به.
وكان شيخي يقول: لا ينبغي أن يخرج من الصلاة فيُحبطَ عملَه، بل ينبغي أن يقلبها نفلاً، ثم كان يردّ الخلاف في الأوْلى إِلى هذا، ويقول: من أصحابنا من قال: إِن إِتمامها على الفرضية أوْلى، ومنهم من يقول: قلبها نفلاً أولى.
وذكر العراقيون 1 هذا الخلاف في الخروج من الصلاة أصلاً، فقالوا: من أصحابنا من قال: الخروج من الصلاة أوْلى؛ فإِن من العلماء من حرّم الاستمرار على الصلاة بعد رؤية الماء، وهذا يطّرد في الفرض والنفل؛ فإِنهما لا يختلفان فيما يتعلق بالطهارة.
ومنهم من قال: إتمامها فرضاً أولى، ولم يتعرضوا لقلب الصلاة نفلاً.
والمراوزة لا يمنعون الخروج من الصلاة من غير قلب، في حق من رأى الماء في الصلاة.
وهذا [الفصل] 2 فيه أدنى استبهامٍ.
218 - [وأنا] 3 وراء التنبيه، فليتخذ الناظر مسألة أذكرها أصلاً: وهو أن المسافر الذي يجوز له أن يفطر لو أصبح صائماً، ثم أراد أن يُفطر، فله ذلك؛ فإِن الشروع لا يُلزم عندنا شيئاًً إلا في الحج؛ ولهذا قلنا: الشارع في صوم التطوع، وصلاة التطوع، لا يلزمه إتمامُ ما شرع فيه.
= كثير، وأخص تلاميذه وأشيعهم ذكراً الشيخ أبو إِسحاق الشيرازي.
شرح مختصر المزني، وصنف في المذهب والخلاف، والأصول والجدل، مات عن سنتين ومائة، سنة 450 هـ، لم يختل عقله، ولا تغير فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم، ويقضي ويشهد، ويحضر المواكب بدار الخلافة، وهو المعني في فن الفقه (بالقاضي) عند إطلاق الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وغيره من العراقيين.
والمعني بالقاضي عند المراوزة (الخراسانيين) هوالقاضي حسين (ر.
تهذيب الأسماء واللغات: 2/ 246، طبقات الشيرازي: 127، طبقات السبكي: 5/ 12 وما بعدها).
وأنا أقول: من شرع في الصلاة في أول الوقت، فالذي أراه أنه لو أراد ان يقطعها، قطعها؛ فإنه لا تجب بأول الوقت وجوباً مضيَّقاً، فالأمر موسَّع بعد الشروع، كما كان موسّعاً قبل الشروع، اعتباراً بمسألة الفطر.
ومن لزمته فائتة غيرُ مضَيَّقة، فشرع فيها، فما قدمته من القياس يقتضي جوازَ الخروج من الفائتة؛ فإنّها على التراخي.
والذي أراه أن من شرعَ في صلاة الجنازة، فله التحلل منها، إذا كانت الصلاة لا تتعطّل بتحلّله، طرداً لما ذكرتُه.
ومصداق هذا من نص الشافعي أنه قال: " من تحرّم بصلاةٍ على الانفراد، ثم وجد جماعةً، فله أن يخرج عن صلاته، ليدرك الجماعة "، ولو كان الخروج ممتنعاً، لما جاز بسبب إِدراك فضيلةٍ.
نعم، لو شرع الإنسان في الصلاة المفروضة في آخر الوقت، فلا سبيل إلى الخروج أصلاً؛ فإن الواجب قد ضاق وقته؛ إِذ يجب البدارُ إِليه إقداماً 1؛ فلا يجوز الخروج منه.
والذي أراه أن المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة في آخر الوقت، لم يجز له الخروج أصلاً.
219 - وهذه فصولٌ رأيتها، فابتديتها 2، وما عندي أن الأصحاب يسمحون بهذا 3، ويجوّزون للشارع في فائتةٍ الخروجَ منها، من غير عذرٍ، إذا كانت الفائتة
على التراخي، ولكن القياس [عندي ما ذكرته] 1 ولو نوقض فيه، ينتثر النظام، ولم يبق للمذهب رابط.
220 - ولو رأى المتيمم الماء في الصلاة، وآثر إتمامها، فتلف الماء وهو في الصلاة، فإِن علم هو بتلفه وهو في الصلاة، فإِذا تحلّل منها، فهو على تيمّمه، (وإِن بقي الماء حتى تحلّل، بطل تيممه) 2، كما 3 تحلّل.
ولو أريق الماء الذي رآه في الصلاة، وهو لم يشعر، فلما تحلّل أخذ يطلبه، بطل تيمّمه؛ تخريجاً على القاعدة في أن المتيمم إِذا وجب عليه الطلب، بطل تيممه.
ولو تحرم المسافر بالصلاة بالتيمم، ثم نوى الإقامة في أثناء الصلاة، فإنه يتمّم الصلاة، ولكن حكمه حكم مقيمٍ، [يتيمّم] 4 في الحضر عند عدم الماء نادراً، ففي وجوب القضاء قولان، سيأتي ذكرهما.
وهذا إذا لم ير الماء.
فأما إذا رأى الماء في خلال الصلاة المفروضة، ونوى مع ذلك الإقامة، فقد قال صاحب التلخيص: تبطل صلاتُه؛ لانضمام نية الإقامة إلى رؤية الماء.
ومن أصحابنا من قال: لا حكم لرؤية الماء، وهو كالمعدوم، فتجرّد حكمُ نية الإقامة، وقد مضى حكمها.
221 - ولو رأى المتنفل الماء في صلاته، فالذي ذهب إليه المعظم أنه يتمّم إِذا أراد.
وقال ابن سريج: ينقطع النفل بخلاف الفرض.
فإن قلنا: لا ينقطع، فإن كان نوى ركعتين أتمهما، وإن كان نوى أربعاً، فهل = 2/ 315، 316، والوسيط: 2/ 451.
يتعيّن الاقتصار على ركعتين؟ فعلى وجهين، فإن قلنا: له أن يتمم أربعاً، [فلو رأى الماء، وكان نوى ركعتين، فنوى أن يتمم أربعاً] 1 فالمذهب أنه ليس له ذلك؛ فإنه في حكم مفتتح نفلاً مع وجود الماء، ولذلك تفتقر الزيادة إلى قصد إليها.
ومن أصحابنا من جوّز الزيادة، من حيث إن الزيادة مع المزيد عليها في حكم صلاةٍ واحدةٍ، وهي بمثابة تطويل الصلاة مع وجود الماء.
فصل 2
222 - ذكر الشيخ أبو علي في الشرح فصلاً في الرّدة، له أدنى تعلّق بما نحن فيه، فنَسردُه على وجهه.
ونقول:
المتيمم إذا ارتدّ بعد فراغه عن التيمم، ثم عاد إِلى الإسلام، فهل تلزمه إِعادة التيمم؟ فعلى وجهين.
ووجه تعلق هذا بما قدّمناه أنه لما ارتدّ، فقد انتهى إلى حالةٍ يمتنع عليه الصلاةُ فيها، فأشبه ما لو طلع ركبٌ، فطلب الماء ولم يجد.
والثاني - لا يبطل تيمّمه؛ فإِنّ تعذّر الصلاة بالردّة لا اختصاص له بالتيمّم، وإنما هو لزوال الإيمان، وهو شرط صحة الصلاة.
والمتوضىء إذا ارتدّ بعد الفراغ من الوضوء، لم يبطل وضوؤه على ظاهر المذهب، وذكر الشيخ فيه وجهاً بعيداً، وهو غلط عندي، وقطع بأن الغُسل لا يبطل بطريان الردة بعده بلا خلاف، ولو ارتدّ المتوضىء في أثناء وضوئه، فإن أتى بشيء من الوضوء وهو مرتدّ لم يعتدّ به، وإِن لم يأتِ بشيءٍ، وعاد إِلى الإسلام، فإن قرب الزمان، ولم ينته إلى حد التفريق، ففيه وجهان مأخوذان من التفريق، فإن أوجبنا الموالاة، فقد حكمنا بأن الطهارة تحت رابطة جامعةٍ، فالردّة تنقضها، وإن حكمنا بأن الموالاة، ليست رُكناً في الطهارة، فكأن كل ركن منها عبادة على حيالها.
ولو ارتد، وطال الزمان، فقد اجتمع التفريق وطريان الردة، فيخرّج على الخلاف مرتباً على ما تقدم.
وسنذكر نظير هذا في الأذان في كتاب الصلاة، إن شاء الله تعالى.
فصل
قال: " ولا يجمع بالتيمم بين [صلاتي فرض] " 1
223 - المتيمم لا يجمع [بين] 2 صلاتين مفروضتين بتيمم واحد.
وضبط المذهب فيه أن التيمّم طهارة ضرورة، فلا يؤدَّى به ما يؤدَّى إِلا على قياس اتباع الضرورة، ومساق هذا يقتضي أن يجدّد تيمماً لكل فريضة.
ثم مذهب الشافعي أن المتيمم يجمع بين فريضةٍ وما شاء من النوافل، وهذا يخرم الضبط من وجهين: أحدهما - أنه لو قيل: لا ضرورة في إقامة النوافل بالتيمم، فينبغي ألا يجوز إقامتها بالتيمم.
فالجواب عن هذا سهل، وقد سبق من تقرير الجواب في ذلك ما فيه مقنع.
والثاني - أن النوافل فيما يتعلق بالطهارة كالفرائض، وكان لا يبعد في القياس أن يتيمّم لكل نافلة كما يتيمّم لكل فريضةٍ.
وقد ذكر بعض المصنفين رمزاً إلى ذكر خلاف؛ فإِنه قال: المذهب أنه يجمع بين فريضة ونوافل بتيمّم، وهذا إشعار بخلافٍ، ولا معوّل على هذا أصلاً.
فإذاً وجه التعليل فيه أن النوافل تابعةٌ للفريضة، فكأنها غيرُ منقطعةٍ عنها، وقد صح في الحديث أنها جبرانٌ لنقصان الفرائض، وهي بمثابة إكمال الفريضة بسنّتها وآدابها، والمتيمم لا يكلف أن يقتصر في الفريضة على ما لا بد منه، ثم النوافل بعضها مع بعض في حكم صلاةٍ واحدة؛ إذ لو أراد أن يجمع مائة ركعة تحت تحريمةٍ واحدةٍ، جاز،
فكأنها -وإن تفصّلت، وتعدّدت- في حكم صلاةٍ واحدةٍ.
فهذا منتهى الإمكان.
224 - وفي الجمع بين صلاتين منذورتين، وصلاةٍ مفروضةٍ وأخرى منذورة قولان [وهذا تخريج على أنَّ المنذور هل يقام مقام المفروض شرعاً، وفيه قولان] 1، سيأتي بيانهما في كتاب النذور - إن شاء الله تعالى.
والمقدار الذي يذكر للإيناس: أن من نذر صلاة، فأراد إقامتها قاعداً، مع القدرة على القيام، فهو يخرج على القولين.
ولو جمع بين مفروضة وصلاة جنازة، فقد نصَّ الشافعي على جواز ذلك 2، ونصّ على أن صلاة الجنازة لا تقام على الراحلة، ولا تقام قاعداً مع القدرة على القيام، فاضطرب الأئمة في هذين الأصلين، ونحن نذكر كلَّ حكم على حياله.
225 - فأما الجمع، ففي الجمع بين فريضة، وصلاة جنازة، وبين صلاتي جنازة بتيمم واحدٍ أوجه: أصحها - جواز الجمع؛ فإن الصلاة على الميت، وإن كانت من فروض الكفاية؛ فهي كالنافلة، في أنه لا يجب الإقدام عليها، إذا قام بها من فيه كفاية.
والوجه الثاني - أنه لا يجوز الجمع؛ فإنها إذا تمت، تكون واقعةً فرضاً.
والثالث - أنها إن تعيّنت، بألا يكون مع الإنسان -إذا مات رفيقُه- أحدٌ، فيتعيّن الصلاة عليه، فإذا أراد والحالة هذه أن يجمع بين فريضة وصلاة الجنازة، لم يجز، وإن لم تتعين، فيجوز.
فهذا حكم الجمع.
226 - فأما إقامة صلاة الجنازة قاعداً، مع القدرة على القيام، وإقامتها على الراحلة، فقد اختلف أصحابنا فيها، فقال الأكثرون: لا يجوز، وهو الأصح؛ فإن الركن الأظهر في هذه الصلاة، بعد العقد - القيامُ؛ إذ لا ركوع ولا سجود فيها، فالإخلال بالقيام تغيير لوضع الصلاة.
وسنذكر في كتاب الصلاة أن المتنفل لو صلّى مضطجعاً، مع القدرة على القعود،
لم يجز؛ من حيث إِن هذا إِخراجُ الصلاة عن وضعها.
ومن أصحابنا من أجاز إقامة هذه الصلاة قاعداً؛ من حيث إنها تضاهي النوافل، ومنهم من فصّل بين أن يتعيّن، وبين ألا يتعيّن، كما مضى.
227 - والجمع بين صلاة مفروضة وبين الطواف المفروض بتيمم واحدٍ غير جائز.
فأمّا الجمع بين صلاةٍ مفروضةٍ وبين ركعتي الطواف، فيخرّج على أن ركعتي الطواف فرضٌ أم لا؟ وفيه خلاف.
فإن حكمنا بأنهما فرض، لم يجز الجمع، وعلى هذا هل يجمع بين الطواف الفرض وبين ركعتي الطواف؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا يجمع؛ لأنهما فرضان.
والثاني - يجمع؛ لأن ركعتي الطواف جزءٌ من الطواف، بمثابة شوط من الأشواط، فإذا طاف، وصلى ركعتي الطواف، كان كمن صلى صلاةً واحدةً.
وإِن قلنا: ركعتا الطواف نفل، فلا يخفى الحكم.
فرع:
228 - من [نسي] 1 صلاةً، ولم يدْرِ عينَها، قضى خمسَ صلواتٍ حتى يخرج عما عليه.
ثم هل يجمع بينها بتيَممٍ واحدٍ؟ ما ذهب إليه الأكثرون أنه يصلي الصلوات الخمس بتيمم واحدٍ؛ فإِن الفرض منها واحد.
وقال الخِضْري 2: يتيمّم لكل صلاة من الصلوات الخمس؛ فإن كل صلاة منها
يتعين الإقدام عليها؛ فصارت في حكم صلوات مفروضة مقصودة.
وقد حكى العراقيون قولين في ذلك، فلو نسي صلاتين من يوم وليلة، أو نسي صلاتين مختلفتين من يومين وليلتين، فيكفيه أن يقضي صلوات يومٍ وليلة؛ فإِنها تشتمل على الصلاتين المختلفتين، فإِذا كان يتيمم، قال صاحب التلخيص: يصلي خمس صلوات بخمس تيمّماتٍ.
وقال ابن الحداد: يتيمم، فيصلي الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، بتيممٍ واحدٍ، ثم يتيمم، ويصلي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، بتيمم آخر؛ فيكون خارجاً عمّا عليه؛ فإِنه لا يفرض على ما ذكره ابن الحداد صلاتان إلا وقد أداهما.
فإن قلت: لعلّ المفروض صلاة الصبح وصلاة المغرب، قلنا: فقد أدى صلاة الصبح بالتيمم الأول، ودخلت صلاة المغرب تحت ما أداه بالتيمم الثاني، وهكذا كيف فرضت صلاتان، فلا بدّ من اندراجهما تحت تيممين.
والذي ذكره صاحب التلخيص لا ينكره ابن الحداد، ولكن ليس فيه إعمال فكرٍ وتدقيق [نظر] 1، فمن لا يزيد في عدد الصلاة، يصلي صلوات يومٍ وليلةٍ، وقد نسي صلاتين، فلا طريق إلا ما ذكره صاحب التلخيص، ومن حاول الزيادة في الصلوات والنقصان من التيمم فأقرب الطرق ما ذكره ابنُ الحداد.
فلو صلى على طريقة ابن الحداد: الظهرَ، والعصرَ، والمغربَ، والعشاء، بتيممٍ واحد، ثم صلى الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، بتيمم آخر، فلا يخرج عمّا عليه، لجواز أن تكون الفائتةُ الظهرَ والعشاءَ، وقد أدىّ الظهرَ بالتيمم الأول، ولم ينته = توفي في حدود 400 هـ، وفي وفيات الأعيان وطبقات الإسنوي، توفي في عشر الثمانين وثلاثمائة.
وفي الشذرات لابن العماد توفي في 373 هـ، وذكره السبكي فيمن توفي بين الثلاثمائة والأربعمائة، ولم يحدد السنة.
راجع: طبقات السبكي: 3/ 71، 100، 101، 472، سير أعلام النبلاء: 16/ 313، 18/ 172، وطبقات الإسنو: 2/ 379، تهذيب الأسماء واللغات: 2/ 282، 283.
التيمم الثاني إلى العشاء، وإذا تبين أن المطلوب اليقين، وأشير إلى طلبه، لم يخف الغرض بعد ذلك.
ولو كان نسي صلاتين من جنس واحدٍ، وأشكلتا عليه، فلا بدّ من أن يصلي عشر صلواتٍ: صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشاءين، ثم على مذهب الخِضْري يتيمم عشرَ مراتٍ، وعلى مذهب سائر الأصحاب، يتيمم، ويصلي صلوات يومٍ وليلةٍ، ثم يتيمم ويصلي صلوات يومٍ وليلةٍ، فيخرج عما لزمه.
229 - ومما يتصل بهذا، أن من كان محبوساً في حُش، وموضعٍ نجس، أمرناه بالصلاة لإقامة حق الوقت، ثم أمرناه عند انقضاء ذلك السبب بالإعادة.
ولو أدى وقضى بتيمم واحدٍ، هل يجوز أم لا؟ فعلى وجهين، يقرب مأخذهما مما ذكرناه، فيمن نسي صلاةً من خمس صلوات، لا بعينها.
وفي المسألة التي ذكرناها الآن سرّ، سنذكره في قضاء الصلوات، في الباب الذي بعد هذا.
إن شاء الله تعالى.
230 - ومن هذا الفن، أن من صلّى منفرداً بتيممٍ، ثم أدرك جماعةً، فأراد إعادتها في الجماعة بذلك التيمم بعينه، فإن قلنا: إن الصلاة المعادة سنّة؛ فيجوز إقامتها بالتيمم الأول، وإن قلنا: إذا أعيدت، فالفرض أحدهما لا بعينه؛ ففي إقامتها ثانية بذلك التيمّم بعينه وجهان، كما سبق، والاكتفاء بتيمم واحد في هذه الصورة أولى؛ فإنه لا يجب الإقدام على إعادة الصلاة ثانية، وإن كنّا نقول عند اتفاقها: الواجبة الأولى أو الثانية، ومن نسي صلاة من خمس تحتم عليه الإقدام على كل صلاةٍ من الصلوات الخمس.
فصل
231 - شرطُ التيمم تقديمُ طلب الماء عليه، ولا فرق بين أن يظهر للماء علامات، من خُضرة، وانقضاض طيورٍ، وغيرهما، وبين ألا يظهر، وإنما يجب الطلب إذا كان يتوقع وجود الماء، على قربٍ أو استبعادٍ 1، فأما إذا كان المرء يقطع بأن لا ماء
بالقرب منه، وذلك بأن يكون في بعض رمال البوادي، فنعلم ضرورةً استحالة كون الماء، فلا نكلفه التردد للطلب، فإنّ طلبَ ما يعلم الطالب استحالةَ وجوده محال.
ثم قال الصيدلاني: لا يُكلَّف الطالب مشقة، بل يطلب على القرب واليسر.
وقال صاحب التقريب: لا نكلّفه أن يتردّد، ولكن يكفيه أن ينظر يمنةً ويسرةً، ويردّد الطرفَ حواليه.
وكان شيخي يقول: يتردّد قليلاً، ولا نكلّفه أن يبعد.
وليس هذا اختلافاً عندي، ولكن إن كان في مستوى الأرض، كفاه أن ينظر، إذا لم يكن ببصره كلال، وإن كان المكان غيرَ مستوٍ، وكان بحيث لا ينفذ فيه البصر، فيتردد قليلاً، وهذا الفصل فيه استبهام.
ومما أحرص عليه جهدي، أن أضبط مواقع الانتشار، وأوضحَ مقام الاستبهام على مبلغ الإمكان، وقد يتأتى ذلك بأن نقدم المعلومات، حتى يرجع موضع الإشكال إلى ما يقرب النظر فيه.
فلا نكلّفه أن يرتكب خطراً، في نفسه أو ماله بتردّده، ولا نكلّفه أيضاً -والطرق آمنة- أن يبعد عن مجثم 1 الرفقة، فرسخاً، أو نصف فرسخ، ولا نقول: لا يُفارق الأطلالَ، وطُنُبَ الخيام، فالوجه القصد في ذلك، أن يطلب الماء من موضعٍ، لو انتهى إليه، واستغاث بالرفقة، لم يبعد عنه غوثُهم، مع ما هم عليه من تشاغلهم بأشغالهم، وتفاوضهم بأقوالهم.
فهذا أقرب معتبرٍ في ضبط ذلك.
ثم يختلف بأستواء الأرض، واختلافها صعوداً وهبوطاً، وإن كان ينسرح الطرف كفى، وإن احتاج إلى التردد قليلاً، تردد على الضبط الذي ذكرناه.
232 - وتمام البيان في هذا: أن من رأى ماءً على نصف فرسخ، ولم يكن بينه وبينه مانع، فقد نكلّفه أن يحضر الماء، كما سنذكره في الباب الثاني، ولا نقول: = المجموع: 2/ 249 قال إمام الحرمين: "إنما يجب الطلب، إذا توقع وجود الماء توقعاً قريباً، أو مستبعد".
يجب طلب الماء من الموضع الذي لو تيقن الماءَ فيه، يلزمه إِتيانه.
هذا أهون فصلٍ في الباب.
وفيه من التردّد ما فيه.
والله أعلم.
233 - ولو نزل منزلاً،، طلب الماء عند صلاة الظهر، وتيمم وصلّى، ثم دخل وقت العصر، وهو غير بارحٍ، فإِن استيقن بالطلب الأول، أن لا ماء بالقرب منه، فلا يجب الطلب الثاني؛ لما قدّمناه، من أن الطلب مع استيقان الفقدان محال، وهذا إذا [لم يحدُس] 1 شيئاًً من إِطباق غمامة، أو إِمكان سيلان سيل، أو حضور ركب.
وإن لم يستيقن بالطلب الأول أن لا ماء، ولكن غلب على ظنه -وذلك يُكتفى به- فالأصح أنه يجب عليه تجديدُ طلب الماء للتيمم الثاني، ولكن الطلب الثاني يكون أخفَّ من الأول.
وقد سمعت شيخي يذكر وجهاً: أنه إذا لم يبرح، ولم يتجدد شيء آخر، لا يلزمه تجديدُ الطلب.
والأصح الأول.
وذكر بعضُ المصنّفين وجهين فيه، إذا انتهى إلى موضع يغلب على الظنّ عدمُ الماء، فهل يجب عليه الطلب، والحالة هذه؟ وليس هذا فيه إذا استيقن عدمَ الماء، بل الوجهان مفروضان فيه إذا غلب على الظن عدمُ الماء، وذِكْرُ الخلاف في الطلب الأوّل بعيد جدّاً.
وإنما ذكر الخلاف في الطلب للتيمم الثاني في المكان الواحد، كما حكيته عن شيخي، ولو كان ما حكاه هذا 2 الرجل موثوقاً، لكان وجهه، أنه بالطلب لا يستفيد إلا غلبة الظن، وهذا متحقق من غير طلبٍ.
فإذاً ينبغي أن يتخيّل على هذا ثلاث مراتبَ: إحداها - إذا كان للماء علامة، فالطلب يجب وفاقاً.
وإن لم تكن علامة، ولكن لم يغلب على الظن عدم الماء، فيجب الطلبُ في هذه الصورة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة 1.
وإن غلب على الظن فقدُ الماء، ففي وجوب الطلب الخلافُ الذي ذكره، ولست أثق بهذا في الطلب الأول.
...
باب جامع التيمم
1
234 - أصل مذهب الشافعي أن تقديم التيمم للصلوات المفروضة على دخول وقتها غيرُ جائزٍ، فلنعتقد ذلك مذهباً إلى أن يتضح الغرض بالتفصيل.
235 - والذي أرى ذكره مقدماً على تفريعه، أنّ أئمتنا اختلفوا في أن النافلة المؤقّتة، هل يجوز تقديم التيمم على دخول وقتها؟ فمنهم من جوّز ذلك في النوافل؛ فإن الأمر فيها أوسع، ولذلك جاز أداء نوافلَ بتيمّم واحدٍ، ولا يجوز ذلك في الفرائض.
ومنهم من قال: لا يجوز؛ لأن تعدُّدَ النوافل لا يتحقق، من جهة أن يُتصور جمع ركعاتٍ في تحريمة، وهي تبعٌ للفرائض، وجُبرانٌ لها، كما تقدم.
وهذا المعنى لا يتحقق في التقديم على الوقت.
236 - فإذا تقرّر ذلك، فنحن نذكر مواقيتَ الصلوات في غرضنا.
فأما أوقات الفرائض فبيّنة، ووقت الفائتة تذكُّرُها، قال النبي عليه السلام: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتُها، لا وقت لها غيره" 2 ووقت الصلاة على الميت يدخل بغُسلِ الميت، ووقت صلاة الكسوف يدخل بالكسوف، ووقت صلاة الاستسقاء ببروز الناس إلى الصحراء، ولا يكاد يخفى وقتُ صلاة العيد، فنعود الآن إلى التفريع، فنقول:
237 - لو تذكّر فائتةً قبل الزوال، فتيمّم لها، ثم لم يقضها حتى دخل وقتُ الظهر، فإن أراد قضاء الفائتة، فعل.
وإن أراد إقامة فرض الوقت بدلاً عن الفائتة، ففي المسألة وجهان: أصحهما -وهو مذهب ابن الحداد- أن ذلك يجوز، وأن تيممه صالح لفرض، فيصلح لفرض آخر، وإنما الممتنع الجمع بينهما.
والثاني - لا يجوز، وهو اختيار أبي زيد 1؛ لأنه لمّا تيمم قبل الزوال، كان لا يتأتى منه إذ ذاك صلاةُ الظهر، وما لم يستعقب التيمّم جوازه، لم يجز بعده.
وما ذكرناه من الخلاف مفرّع على ظاهر المذهب، وهو أن التعيين ليس بشرطٍ في نيّة التيمم، فإن شرطنا التعيين، على الوجه الضعيف، الذي حكيناه، فإذا عيَّن الفائتة، لم يصلِّ بالتيمم غيرَها، وهذا الوجه لا تفريع عليه.
238 - ولو زالت الشمس، فتيمم لصلاةِ الظهر، ثم تذكّر فائتةً، فأراد قضاء تلك الفائتة، بدلاً عن أداء وظيفة الوقت، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من ذكر هاهنا الوجهين المقدّمين فيه إذا تيمم لفائتةٍ، ثم زالت الشمس.
ومنهم من قطع بأنه يجوز قضاء الفائتة، في الصورة الأخيرة، وفرّق بينها وبين الصورة الأولى، بأنه لما تيمَّم لقضاء الفائتة، لم تكن صلاة الظهر واجبةً عليه، ولما تيمّم بعد الزوال، فقد كانت الفائتة واجبةً عليه، ولكنّه كان لا يذكر وجوبها، وهذا الفرق ظاهرٌ، ولكنّ مساقَه يقتضي أن من تيقم ضحوةً، قبل تذكر الفائتة، ثم تذكّرها أنه يجوز له قضاؤها، وليس الأمر كذلك.
239 - وقد قال الشيخ أبو علي في الشرح: لو تيمّم لنافلةٍ 1 قبل الزوال، ولم يكن عليه فائتة، فهل يتنفل بالتيمم أم لا؛ فيه وجهان: تقدم ذكر أصلهما؛ فإنه لا يتأتى له إقامة فرض به، فهل يتأتى إقامة النفل به؟
فعلى وجهين: أحدهما - يتنفل، وهو الصحيح، والثاني - لا يتنفل؛ فإن أداء النافلة إنما يجوز تبعا للفريضة، لا مقصوداً.
فإذا فرّعنا على الصحيح، فلو زالت الشمس، فتيممه صالح لأداءِ نافلةٍ، [وقد] 2 ذكرنا قولين في أن التيمم الصالح لأداء نافلة هل يصلح لأداء الفريضة؟ فإن قلنا: إنه يصلح، فيخرّج عليه الخلاف في أنه هل يؤدّي فريضة الوقت، كما ذكرناه في الفائتة، وفريضة الوقت في صورة مسألة ابن الحداد.
وهذا الذي ذكر بعيدٌ جداًً؛ فإن تيمّمه في صورة مسألة ابن الحداد استعقب جوازَ إقامة الفائتة، ثم دام إمكان أداء فرض به، حتى دخل وقت فريضةٍ أخرى.
وإذا تيمّم لنافلةٍ، ولم يكن عليه فائتة، فتيممه لم يستعقب إمكانَ إقامة فرض به، ولا يمتنع في الدوام أن يصلح التيمم لنفل [بعد الفرض] 3 ولا يصلح لفرضٍ؛ فإن من نوى بتيممه الفرضَ والنفلَ، وأدّى الفرضَ، فتيممه يصلح للنفل بعد الفرض، ولا يصلح لفرضٍ آخر.
نعم، لو تيمّم لنفلٍ قبل الزوال، وهو ذاكرٌ فائتةً، فتيممه يصلح لقضاء تلك الفائتة في قولٍ، فلو زالت الشمس، فأراد أن يؤدّي وظيفةَ الوقت بدلاً عن الفائتة، فهذا يعود إلى صورة مسألة ابن الحداد.
فإن قيل على طريقة الشيخ أبي علي: [نُقدّر] 4 صورةً يمتنع فيها تقديمُ التيمم على الوقت وجهاً واحداً.
قلنا: لعلّه يقول: إذا تيمّم قبل الزوال لأداء الظهر في وقته، فالتيمم باطل،
لا يؤدّى به الظهر بعد الزوال، ولا يصلح لأداء نافلةٍ أيضاً؛ فإن نيّته فاسدةٌ، وليس كما لو نوى بالتيمم إقامة فرضين؛ فإن تيمّمه يصح في وجهٍ؛ لأن الفساد في النية يؤول إلى الزيادة على الصلاة الأولى، فتميّز الفساد عن الصحة، فأما إذا تيمّم لصلاةٍ قبل وقتها، فأصل النية فاسدٌ، فهذا منتهى القول في ذلك.
فصل
قال: " والسَّفَرُ أَقلُّ ما يَقعُ عليه اسمُ سفرٍ، طال أو قصر ... إلى آخره " 1
240 - القول في السفر الطويل والقصير سيأتي -إن شاء الله تعالى- في كتاب الصلاة، والذي يليق بهذا الفصل أن الرخص تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يختص بالسفر الطويل، وهو الفطر، والقصر، والمسح على الخّف ثلاثة أيام ولياليهنّ.
وقسم يتعلق بالسفر القصير والطويل، وهو ترك الجمعة على تفصيل يأتي.
وقسم اختلف القول فيه، وهو الجمع بين الصلاتين، وإقامة النافلة على الراحلة أينما توجّهت، وموضع استقصاء ذلك كتاب الصلاة.
وعدّ الأصحاب التيمم عند إعواز الماء، مما يجري في السفر القصير والطويل، وهذا مقصود الباب، [وعَنَوْا به] 2 أن من كان في سفر قصير، فدخل عليه وقت الفريضة، فتيمّم عند إعواز الماء وصلى، لم يلزمه إعادة تلك الصلاة.
241 - والتحقيق في ذلك عندي أن التيمم لا ينبغي أن يُعدَّ متعلقاً بالسفر، قصر أو طال، ولكنه متعلق بعدم الماءِ وإعوازه، في مكانٍ يغلب إعوازُ الماء فيه، وإعواز الماء في الإقامة نادرٌ، فإن اتفق بأن تغور العيون، وتنقطع الأودية، فهو نادرٌ، وسنذكر حكمه.
والذي يُحقق ذلك أن من قَطَن في موضع من البادية يعم فيها عدمُ الماء، فهو مقيم يتيمم، ولا يقضي، فكان أبو ذرٍّ يسكن الرَّبَذَةَ، ويعدم الماء.
فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: " التراب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج " 1 الحديث.
وقد حكى شيخنا قولاً غريباً أن سقوط القضاء عن المتيمّم العادم للماء في السفر يختصّ بالسفر الطويل، فلو فرض عدم الماء في السفر القصير، وتيمّم المرء، خرج
وجوب القضاء على قولين، سنذكرهما في المقيم إذا عدم الماء وتيمّم.
وهذا غريب جداًً.
وقد أشار إليه صاحب التقريب.
فصل
242 - التيمّم في كتاب الله تعالى متعلق بشيئين: أحدهما - المرض.
والثاني - عدم الماء في السفر قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6].
وهذا الفصلُ معقودٌ لبيان المرض الذي يباح التيمّم لأجله، فإذا مرض الإنسان مرضاً يخاف -لو استعمل الماءَ- على روحه، أو كان يخاف على عضوٍ من أعضائه؛ فإنه يتيمّم مقيماً كان أو مسافراً، وإذا برأ 1، لم يُعد صلاةً منها.
ولو كان يخاف -من استعمال الماءِ- مرضاً، ثم لو فرض وقوع ذلك المرض، لكان مخيفاً، ففي جواز التيمم قولان: قال العراقيون: نصّ في الأمّ على أنه لا يتيمّم، ونصّ في القديم على أنه يتيمّم، قالوا: قال أبو العباس 2، والإصطخري 3: يجوز التيمّم
قولاً واحداً.
والمذكور في الأم محمول على ما إذا كان لا يخاف مرضاً، وهذا هو الصحيح؛ فإنه إذا كان يخاف مرضاًً، وذلك المرض مخيفٌ، فهو كما إذا كان يخاف الهلاك.
فإن قلنا: يتيمّم من يخاف مرضاًً، فلو كان يخاف لو استعمل الماء إبطاءَ بُرءٍ، أو شدةَ وجعٍ، فعلى هذا القول وجهان، وقد ذكر العراقيّون خوفَ المرض، وشدةَ الوجع، وإبطاءَ البُرْء في قرَنٍ، وطردوا القولين على الترتيب الذي ذكرناه، وعندي أنهم فهموا من إبطاء البُرْء، وشدة الوجع، المرضَ المخوف؛ فأجْرَوْا الكلامَ في الجميع مجرىً واحداً.
والذي نحققه من الطرق يحويه الترتيبُ الذي ذكرته.
243 - والوجه ذِكْرُ القولين كما قدّمنا فيه إذا كان يخاف مرضاًً مخيفاً، ثم ذكر الوجهين في إبطاء البرءِ وشدّة الوجع على أحد القولين.
وكأن حقيقة الخلاف يؤول إلى أن التيمم هل يستدعي جوازُه خوفَ الهلاك؟ أم يكفي فيه ضررٌ ظاهرٌ؟ وإن لم يكن فيه خوفُ الهلاك، وهذا مأخوذ من التردّد في شدة الوجع وإبطاء البرء، والوجع قد يشتدّ في جرح، وإن كان يبعد إفضاؤه إلى خوف رو، أو عُضوٍ.
244 - ومما يتعلّق بهذا أنه لو كان يخاف لو استعمل الماء بقاءَ شَيْنٍ، فإن لم يكن الشَيْن على عضوٍ ظاهرٍ، فلا يجوز التيمم لأجله، وإن كان الشيْن المقدّر بحيث لو بقي، لم يكن قبيحاً، فلا ينتصب عذراً، وإن كان يخاف بقاء شيْن قبيح، على عضوٍ ظاهر، ففيه وجهان، ذكرهما العراقيون، وأشار إليهما شيخي، وهذا ملحق بما قدمّناه.
245 - ومن تمام الكلام في هذا: أنه لو كان يخاف سقوطَ منفعةٍ من منافع عضوٍ مع بقاءِ منافع، فالظاهر عندي القطع بجواز التيمم؛ فإن سقوطَ منفعةٍ من المنافع، كسقوط أنملةٍ، أو إصبع من يدٍ، فهذا عذرٌ وفاقاً، وإن كان معظم منفعة اليد تبقى، عند سقوط أُنملةٍ وإصبع 1. = الفهرست: 300، وتاريخ بغداد: 7/ 268، وطبقات الشيرازي: 111، والأنساب: 1/ 291، ووفيات الأعيان: 2/ 74، وشذرات الذهب: 2/ 312).
فهذا منتهى القول في ذلك.
246 - وقد عنّ لي أن أجمع قول يتعلّق ببيان الحاجات والضرورات في الأحكام المختلفة: فمما يتعلق بالضرورة أكل الميتة، وتعاطي مال الغير، ومنها جواز الإفطار بعذر المرض، ومنها جواز القعود في الصلاة المفروضة:
فأما أكل الميتة، وطعام الغير من غير إذنٍ منه وإباحةٍ، فسيأتي تحقيق القول فيه في موضعه.
ولكن أصل المذهب أنه يُشرط في جواز ابتداء الإقدام على أكل الميتة، وطعامِ الغير خوفُ الروح، والسبب فيه أنه تحليل محرّمِ، وقد علّقه الله تعالى بالاضطرار، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3].
وأما الإفطار بعذر المرض في الصوم المفروض، فلا يشترط فيه خوفُ الروح، ولا الخوفُ على فساد عضوٍ، والدليل عليه أن الإفطار جائز للمسافر الأيد القوي، لما يناله من مشاقّ السفر، ولما يتخلّف عنه من إمكان تهيئة المطاعم.
والمرض مقرون بالسفر؛ فلا يخفى على الفطن أن المرض المقرون به لا يشترط فيه خوف الهلاك، ولا يشترط أيضاً إفضاء الصوم إلى مرض مخيفٍ.
فإذا ثبت ذلك، فنقول: لا نكتفي أيضاً بما يسمى مرضاً، خلافاً لأصحاب الظاهر، فما ذكره الأصحاب فيه: أنه إن كان يخاف ضرراً ظاهراً، أو كان يزداد بالصوم، ولو أفطر، لوقفَ، أو خف، فإنه يُفطر، وهذا لا يُحصٍّل ضبطاً يُرجَع إليه.
247 - وسأزيد فيه مباحثة، ثم أذكر الممكن في الضبط والترتيب، فأقول: الصوم إذا بلغ بالمكلف شدة الجوع والعطش، وكان لا يخافُ مرضاً، فيجبُ احتمال هذا الجهد؛ إذ الصومُ في نفسه ضررٌ ظاهر، وقد يؤدي أيضاً إلى اختلالِ في البنية، سيّما في حق النحفاء [الممْرورين] 1 فالضرر الظاهر أيضاً لا يُبيّن المقصود، وفي
الإضراب عن التقريب توريط المرضى في خوف الهلاك؛ فإنهم إذا علموا أنه لا يكتفى باسم المرض، واعتقدوا أن الصوم لا يترك إلا بثَبَت، فقد يصابرون إلى الإشفاء على الموت.
فالوجه في ذلك، أن المرض الذي يُفطَر لأجله مما يعمّ؛ إذ الصوم يعمّ المتمكنين، والمرض يُعدّ من الأعذار العامة في هذا الباب وفاقاً، كما أن عدم الماء في السفر يعد عذراً عاماً، وكل عذر نيط به تخفيفٌ، فلا يشترط فيه الانتهاء إلى خوف الهلاك، لسرٍّ خطيرٍ، نبهت عليه في الكتاب المترجم (بالغياثي) 1 وهو: أن الحرام لو عم في الزمان وعدِم الحلال، فلا نقول بتوقّف جواز الإقدام على الطعام على الضرورة التي تُشترط في استحلال الميتة؛ إذ لو شرطنا ذلك في حق الناس كافةً، لانقطعوا عن مكاسبهم ومعايشهم، ولانقطع بانقطاعهم الحِرفُ وأسبابُ بقاء العالمين، فالمرعيُّ إذاً والحالة هذه حاجةٌ لو تركوا الأكل عندها، لخيف أن ينقطعوا عن تصرُّفاتهم؛ فإن الحاجة في حق الكافة، تنزّل منزلة الضرورة، في حق الواحد.
ومن أراد شرح الفصل، فليطلبه من ذلك الكتاب 2.
248 - فنقول الآن: إذا كان المرض مما يعدّ عذراً عاماً، فالتقريب فيه أن كلَّ مرض يمنع من التصرف مع الصوم يجوز الإفطار بسببه، وهو المعني بالضرر الظاهر الذي ذكره الأصحاب.
وهذا لطيفٌ حسن؛ فإنه جاز الإفطار لأجل السفر، حتى لا يتعذر على طوائف يُكثرون التقلب في أسفارهم.
فإن قيل: قد يتعذر بنفس الصوم -من غير مرضٍ- التصرّفُ.
قلنا: هذا يندُر في آحاد الناس؛ فإن أغلب الناس الذين يتأتى منهم التصرف، لا يمتنع عليهم التصرف بالصوم نفسِه.
= البدن، تؤثر على مزاج صاحبها (القاموس المحيط، والمعجم الوسيط، والأساس) وهذا هو المناسب للسياق والسباق، والله أعلم.
والذي يحقق هذه اللطيفة أن السفر مُتعب، فقد يظهر أن نفس الصوم مع ضرورة الحركة، يمنع من تصرفات المسافرين؛ فلهذا أبيح للمسافرين الفطرُ، من غير مرض ينضمّ إليه، فالمرض المانع من التصرف في الإقامة، كالسفر مع الصوم.
فهذا أقصى الإمكان في ذلك.
249 - فأما العذر الذي يجوز القعود لأجله في الصلاة المفروضة، فقد أجمع الأصحابُ على أن الضرورة ليست معتبرة فيه، ومن أطلق العجز عن القيام، لم يَعْنِ به عدمَ تصوّر القيام، فالذي اعتلقه حفظي من شيخي أن الصلاة لا تُعنى لصورتها، وإنما المقصود الظاهر منها تجديد العهد مراتٍ في اليوم والليلة بذكر الله تعالى، ثم حرم الكلام في الصلاة، وحرم الفعل الكثير، وأُمر المصلي بالاستداد 1 في صوب القبلة وكل ذلك [لجمع] 2 أسباب حضور القلب، والإكبابِ على الذكر، وقطع الملهيات.
فإذا كان المقصود ما ذكرناه، والضرورة ليست شرطاً وفاقاً، فأقربُ معتبر فيه أن يقال: إن كان المرض بحيث لو قام المريض، لألهته الآلام عن ذكر الله تعالى، وهذا إنما يكون عند شدّة الألم، فيقعد حينئذٍ، فهذا هو التقريبُ في ذلك.
فمن وجد مأخذاً أقرب وأضبط من هذا، فليلحقه بالكتاب.
والله أعلم بالصواب.
فصل
250 - إذا عم العذرُ البدنَ في الغُسل، أو جميعَ أعضاء الوضوء، انتقل المعذور إلى التيمم، كما سبق التفصيل، وإن تبغض العذر والصحة، فكان بعضُ البدن صحيحاً، وبعضه جريحاً، فيجبُ غَسْل الصحيح، والتيمم عن الجريح.
هذا أصل المذهب.
251 - ولو وجد الرجل من الماء ما لا يكفيه لتمام طهارته، ففي وجوب استعمال ما وجد من الماء قولان سنذكرهما: أحدهما - أنه يجب استعمال الموجود، والتيمم عن باقي المحل.
والثاني - أنه يقتصر على التيمم، ولا يجب استعمال ما وجد من الماء.
ومن أصحابنا من خرّج تبعّض العذر والجرح في البدن على القولين في تبعّض الماء: أحد القولين: أنه يغسل الصحيح، ويتيمم عن الجريح.
والثاني - أنه يقتصر على التيمم، ولا يلزمه غسل الصحيح.
وهذا بعيدٌ، والأصح الذي ذهب إليه الجمهور القطعُ باستعمال الماء في الصحيح، والتيمم عن الجريح.
والفرق بين هذا وبين وجدانه ما لا يكفي من الماء، أن العذر فيمن بعض بدنه جريح في المحل والبدن، ولو قطعت يدُ الرجل، لم يسقط فرض الوضوء عن وجهه، ورأسه، ورجليه.
فإذا كان سقوط اليد لا يُسقط فرض بقية الأعضاء، فاعتلال اليد كيف [يُسقطه] 1.
فإن قيل: إذا سقط اليد، فليس عنها بدل، وإذا اعتلّت، وجب التيمم، والجمع بين البدل والأصل مستنكر.
قيل: التيمم بدلٌ عن اليد العليلة، ووجوب الغسل قارٌّ في الأعضاء الصحيحة.
فأما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لتمام الطهارة، فالفرض ثابت في جميع البدن على وجهٍ واحدٍ، فتأدية ذلك الفرض المتَّحد من وجهين، قد يضاهي إعتاق نصف رقبة، وإطعامَ خمسةٍ من المساكين في كفّارة اليمين.
ثم إذا ثبت أن الأصح غَسلُ الصحيح، والتيمم عن محل العذر، فلا فرق بين أن يكون المعظمُ جريحاً، أو على العكس، أو يستويان، ولا يختلف ترتيبُ المذهب
بالقلة والكثرة، وإنما نظر إلى القلّة والكثرة أبو حنيفة 1.
252 - ثم الكلام في هذا الفصل يتعلق بمن به جرح، وبمن ينخلع عضو منه، فتلقى عليه الجبائر.
فلتقع البداية بصاحب الجبيرة، ثم نذكر بعده حكم الجريح، ونحرص على تفصيل الصور؛ فإنها قد تلتبس.
فأما إذا انخلع عضوٌ، أو انكسر ومسّت الحاجةُ إلى إلقاء جبائر عليها، ليتقوم أو ينجبر، فإيصال الماء إلى ذلك العضو قبل إلقاء الجبائر غير مضرٍّ، فالوجه أن تلقى الجبيرة على طُهرٍ كامل، كما يلبس الخف على وضوء كاملٍ.
ثم لا ينبغي أن يعدو بالجبائر موضعَ الكسر والخلع، وقد تمس الحاجة إلى أخذ مقدارٍ من الصحيح المحيط بموضع الكسر، لاستمساك الجبائر، فلا بأس بأخذ ذلك المقدار للحاجة، ولا ينبغي أن يتعدى من موضع الحاجة، ثم يغسل الصحيح من أعضائه، ويمسح على الجبيرة.
وفي المسح مسائل نذكرها، ثم نذكر حكم التيمم، ثم نرمز إلى حكم إعادة الصلاة.
253 - فأما مسحُ الجبيرة بالماء، فواجبٌ، لا اختلاف فيه.
واختلف الأئمة في أنه هل يجب استيعابُ الجبيرة بالمسح؟ فقال بعضهم: لا يجب ذلك، بل يكتفى بما يسمى مسحاً كالخف؛ فإن المفروض من مسحه ما ينطلق عليه الاسم.
وقال آخرون: يجب الاستيعاب؛ فإن مسح الجبائر أقيم مقامَ غَسل ما تحته؛ فيجب استيعاب الساتر، وليس هذا كالمسح على الخفّ؛ فإنه أثبت رخصة، وتخفيفاً مع القدرة على غَسل القدم؛ فكان الاقتصار على مسح بعض الخف لائقاً به، والمسح على الجبائر ثابت للضرورة؛ فيجب فيه الإتيان بالممكن من الاستيعاب.
ومما يتعلق بذلك أن المسح على الخف متأقت بيومٍ وليلةٍ في حق المقيم، بثلاثةِ
أيام ولياليهن في حق المسافر سفراً طويلاً.
وهل يتأقت المسح على [الجبائر؟ فعلى وجهين: أحدهما - أنه يتأقت كالمسح على الخف] 1.
والثاني - لا يتأقت؛ فإن التأقيت ثبت في المسح على الخفين بتوقيفٍ، به نطق الخبر الصحيح، وأما المسح على الجبائر، فلم يرد فيه تأقيت، والسابق إلى الفهم أن مداه [و] 2 منتهاه البرء.
وهذا الاختلاف إنما يثبت إذا أمكن رفع الجبائر ووضعُها، من غير خلل يعود إلى العضو، فأما إذا كان رفعُ الجبائر يُخل بالعضو، فلا خلاف أنه لا يجب رفعه، وتصوير الخلاف فيه إذا كان يتأتى النزْع والرفع بعد انقضاء كل يوم وليلةٍ، وقد يكون كذلك.
فإن كان يتأتى نزعُه في أي وقت قدِّر وفُرض من غير خلل، فلا يجوز المسحُ، ولكن يجب نزعُ الجبائر وغسل ما تحتها، مهما توضّأ صاحب الواقعة.
فهذا ما أردنا ذكره في المسح على الجبيرة.
254 - فأما التيمم، فإذا مسح على الجبيرة الملقاة على عضوٍ من أعضاء الطهارة، فهل يجب التيمم مع هذا؟ فعلى وجهين: أصحهما - وجوب التيمم؛ فإن المسح لم يقم مقام ما تعذر من الغَسل، فيثبت التيمم؛ فإنه الغاية المطلوبة، عند تعذر الأصل في الطهارة.
وقد أوضحنا أن ما نحن فيه ليس من قبيل الرخص المحضة، كالمسح على الخفين؛ فإن ذلك ثبت مع القدرة على غسل الرِجل.
فلو كنا نبغي ثمة غايةً، لكُنَّا نوجب غَسل القدمين.
فأمّا ما نحن فيه الآن، فالمرعيّ فيه الضرورة، وتحقق العجز، فالذي يليق بذلك أن نوجب أقصى الإمكان عند تعذر الأصل.
ومن أصحابنا من لم يوجب التيمم مع المسح على الجبيرة، وقال: في إيجابه جمعٌ بين بدلين مختلفين عن بدلٍ واحدٍ، وذلك بعيدٌ.
255 - وهذه الفروع التي نجريها منشؤها، إما من ملاحظة أحكام الرخص، كالمسح على الخفين، فإذ ذاك نكتفي بأقل المسح، ولا نوجب التيمم، وقد نرى تأقت المسح إن أمكن النزع والإعادة كما سبق، وقد نرى القطعَ عن الرخص، فنبغي أقصى الممكن، فنوجب استيعابَ الجبيرة بالمسح، ونوجب معه التيمم كما ذكرناه، ثم متى لم نوجب الجمعَ، تعيّن المسحُ على الجبائر.
256 - ثم إذا أوجبنا الجمع بين المسح والتيمم، فلو كانت الجبيرة على اليد مثلاً وقد مسحها بالماء، فإذا أخذ يتيمم، فمسح بالتراب وجهه، ومسح من يديه ما هو ظاهر، فهل يمسح على الجبيرة بالتراب؟ فعلى وجهين، ذكرهما شيخي في هذا الموضع: أحدهما - أنه يمسحها بالتراب، كما مسحها بالماء.
والثاني - ليس عليه مسحُها؛ فإن التراب حكمه ضعيف، فلا يعمل على حائل بينه وبين البشرة.
وسنذكر لفظةَ الشافعي في هذا في آخر الفصل.
257 - ثم نشير الآن إلى إعادة الصلاة (1 في هذا الفصل على الخصوص دون غيرها، فإن تحقيق القول في إعادة الصلاة 1) نجمعه في فصلٍ مفردٍ، بعد هذا، على وجهٍ لا يبقى معه غموض إن شاء الله تعالى.
فترتيب الشافعي في الجديد أن صاحب الوثء 2 والخَلع إن ألقى الجبيرة على غير وضوء كامل، فإذا برأ 3، لزمه القضاءُ قولاً واحداً.
وإن أكمل الوضوءَ، ثم ألقاها، ففي وجوب القضاء قولان.
وترتيبه في القديم أنه: إن ألقاها على وضوءٍ كامل، وفعل ما أمرناه، ثم بَرَأ، فلا قضاء عليه، وإن ألقاها على غير وضوءٍ، ففي القضاء قولان، فيحصل من ترتيب الجديد والقديم ثلاثة أقوال: أحدها - وجوب القضاء عموماً.1
والثاني - نفي وجوبه عموماً.
والثالث - الفصل بين أن يُلقيها على طهرٍ، أو على غير طهر، كما ذكرناه.
258 - وقال شيخي: قد حصل مما ذكرناه اختلاف قولٍ [في] 1 أنّا هل نوجب تقديم الطهر على الإلقاء؛ فإن من لم يوجب القضاء، وإن لم يتقدم طهر كاملٌ، فقد صرح بأن تقديم الطهر غيرُ واجب، وهذا بيّنٌ بأدنى تأمّلٍ.
ثم من يوجب تقديم الطهر يقول: إن ألقاها دون تقديمه، نُظر، فإن كان لا يضر النزع والتطهر، وإعادة الجبائر، فعل ذلك.
وإن كان يضر النزع، فعل ما نأمره، ثم قضى.
259 - ومما يتعلق بالفصل تفصيل القول في ترتيب التيمم، وغسل المقدور عليه، فنقول: إن كان الطهر الذي اشتغل به غُسلاً، ففي المسألة وجهان: أصحهما - أنه لا يجب رعاية الترتيب، فإن شاء أوصل الماءَ إلى ما يقدر عليه من بدنه أولاً، ثم يتيمم، وإن شاء تيمم أولاً، ثم استعمل الماء غُسلاً ومسحاً على الجبائر؛ وذلك أن سبب التيمم [علة] 2 كائنة ببدنه، وهي متحققة لا شك فيها، وليس كما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لتمام طهارته، وقلنا: إنه يستعمله، فإنه يتعين عليه استعمالُ الماء أولاً؛ إذ سبب التيمم ثَمَّ عدم الماء، ولا يتحقق عدمُ الماء ما لم يستعملْه.
والوجه الثاني - أنه يجب تقديم الغسل أولاً؛ فإنه الأصل كما ذكرناه فيمن وجد ما لا يكفيه من الماء.
هذا إذا كان الطهر غُسلاً.
فأما إذا كان وضوءاً، وكانت العلة باليد مثلاً، ففي ترتيب الغسل والتيمّم ثلاثة أوجه: أحدهما - أنه لا ترتيب أصلاً، والخِيَرةُ إليه، فإن شاء قدّم التيمم، وإن شاء أخّره، وإن شاء وسّطه.
والثاني - أنه يقدم من الوضوء ما يقدر عليه، وينهيه نهايته، ثم يتيمّم.
والثالث - أنه يرعى ترتيبَ الوضوء، فيغسل وجهه، وما يقدر عليه من
[يديه] 1، ثم يتيمم، ثم يمسح برأسه، ويغسل رجليه؛ فإن التيمم بدلٌ عما تعذّر في اليدين، فليأت به حتى يكون مقيماً فرض اليدين أصلاً وبدلاً، ثم ينتقل إلى فرض الرأس؛ فإن الترتيب مستحق في الوضوء.
ثم تجديد التيمّم لا بدّ منه لكل فريضةٍ.
ورأيت الأصحاب مجمعين على ذلك، وعلى أنه لا تجب إعادةُ الوضوءِ، وهذا وإن كان يتطرق إليه احتمال، فهو متَّفَق عليه.
هذا تفصيل القول في صاحب الجبائر.
260 - فأما من به جرحٌ، فإن أَلقى عليه لصوقاً، فهو كالجبيرة في كل ترتيبٍ ذكرناه حرفاً بحرفٍ، وفيه زيادة، وهي أنه إذا كان عليه دمٌ، فيتأكّد فيه وجوب قضاء الصلاة من جهة الدم؛ فإن الدم لم يزل، ولم يقع عن إزالة النجاسة بدل، والعذر نادرٌ لا يدوم، وسنستقصي هذا في الفصل الجامع لأحكام القضاء إن شاء الله تعالى.
وإن كان الجرح بحيث لا يحتمل أن يُغطى بلصوق وعصابةٍ، فليس إلا غسل المغسول، والتيمم بسبب العجز عن غسل الجرح، ولا يجب مسح الجرح بالماء، وإن كان لا يضر ذلك وإنما يضر الغسل؛ فإن هذه الأشياء لا يجول فيها القياس، ومسح العصابة والجبائر مما ورد به الأثر والخبر، وأما مسح ما يتعذر غسله، فلا أصل له.
وإن كان يتمكن من إلقاء شيء على الجرح، فهل يجب عليه أن يلقيه للمسح عليه؟ كان شيخي يقطع بأنه يجب إلقاء حائل على الجرح، إذا أمكن لإقامة المسح؛ فإنه لو ألقاه، لوجب المسح عليه بدلاً عما تعذّر من الغسل، فيجب التسبب إليه إذا كان ممكناً، ولم أر هذا لأحدٍ من الأصحاب، وفي إيجاب إلقاء حائلٍ ليمسح عليه بُعدٌ، من حيث إنه لا يُلفى له نظير في الرخص، وليس للقياس مجالٌ في الرخص، ولو اتُّبع، لكان أولى شيء وأقربُه أن يمسح الجرحَ عند الإمكان، فإذا كان لا يجب ذلك وفاقاً؛ فإيجاب إلقاء خرقة لأجل المسح لا نظير له في الرخص.
وقد يترتب على ذلك مسألة، وهي أن من كان على طهارةٍ كاملةِ، وقد أرهقه حدثٌ، ووجد من الماء ما يكفي لوجهه و [يديه] 1 ورأسه، ونقص عن رجليه، ولو لبس الخف، لأمكنه أن يمسح على خفّيه، فهل يجب عليه أن يلبس الخف، ثم يمسح بعد الحدث على الخف؟ قياس ما ذكره شيخي إيجاب ذلك، وهو بعيدٌ عندي والله أعلم.
ولشيخي أن ينفصل عما ذكرته في المسح على الخف بما سبق، وهو أنه رخصة محضة، فلا يليق بها، إيجاب لبس الخف، وما نحن فيه من مسالك الضرورات، فيجب فيه الإتيان بالممكن، ومن الممكن إلقاء خرقةٍ يمسج عليها.
والله أعلم.
ونحن الآن نرسم فروعاً اختلف أئمتنا فيها، ثم نعقد الفصل الموعود في قضاء الصلوات.
فرع:
261 - العاري لو صلى قائماً، وأتمّ الركوع والسجود، لكان متناهياً في التكشف، ولو قعد وأومأ، لكان مخلاً بالأركان، ففي كيفية صلاة العاري وجهان مشهوران: أحدهما - أنه يتم الركوع والسجود والقيام؛ فإن الصلاة هي العبادة المقصودة، والشرائط تجب لها، فلا ينبغي أن يُخل بالأركان رعايةً لشرطٍ، ثم العري لا يزول كله بالقعود.
والثاني - أنه يصلي قاعداً، ويومىء بالركوع والسجود، وليس ذلك لرعاية الستر، وإنما هو لتحسين هيئة الصلاة على حسب الإمكان، ومن تمسّك بوجه من هذين الوجهين، يُبطل الصلاة على الوجه الآخر.
262 - وكان شيخي يحكي وجهاً ثالثاً في هذه الصورة، وفي كلّ فرعٍ مما يليها، مما سنذكره.
وهو أنه يتخير في إقامة الصلاة على الوجهين جميعاًً.
وقيل: هذا مذهب أبي حنيفة 2، ووجهه تعارض الأمرين، وتقابل الأصلين، ولا بدّ من احتمال اختلالٍ في الوجهين جميعاًً.
ولما ذكرناه نظائرُ، منها أنه لو كان محبوساً في موضعٍ نجس، والنجاسة يابسة، فإنه يصلي، وهل يضع جبهته على الأرض أو يُدنيها؟ فعلى الأوجه الثلاثة.
وكان يخصص الخلاف بالنجاسة اليابسة، ويقطع في الرطبة بأنه لا يضع جبهته، وغيره لم يفصلوا، بل أطلقوا، ووجه فصله أن النجاسة الرطبة تعلق بالجبهة، فيصير حاملاً للنجاسة ومصلِّياً معها.
فمن رأى إتمام السجود قال: إنه ركن، وهو أولى بالمراعاة، ومن قال يُدني، قال: قد يسقط الفرض عن المريض بالإيماء، ولا يسقط الفرض مع النجاسة، على ما سنذكره في فصل القضاء.
وفي هذا تلبيس سأذكره.
والنص فيما نقله العراقيون يُشير إلى الاقتصار على الإيماء 1.
263 - ولو كان محبوساً في موضع نجسٍ، ومعه إزارٌ طاهرٌ إن فرشه يعرى، وإن اتَّزر به، صلى على نجاسة، ففيه الأوً جه الثلاثة: أحدها - أن العري أولى؛ فإن في الناس أمماً يصلون عراةً، ولا قضاء عليهم لو اكتسَوْا، والثاني - الستر أولى؛ فإنه يجب عموماً في الصلاة وغيرها، فكان أولى بالمراعاة، ولا يخفى وجه التخيير في الصور.
ولو كان معه إزار نجسٌ، ولو ألقاه، لصلى عارياً، ولو تستر به، لكان حاملاً للنجاسة، ففيه الأوجه المقدمة.
فصل
264 - مِن أغمض ما اختبط فيه نقلةُ المذهب، تفصيل القول فيما يجب قضاؤه من الصلوات المختلة، ومالا يجب قضاؤه، وذكر مواقع الوفاق والخلاف، وقد استاق صاحبُ التقريب في ذلك ترتيباً يحوي معظم الطرق، فنتخذه أصلاً، ونُلحق به ما يشذّ عنه إن شاء الله تعالى.